← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

أسمع أصحابنا يتعجّبون من هذا الحديث , ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه. قال: حتّى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا، فلمّا كنّا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة , وكان النّبيّ ﷺ بعثه في وجهٍ. الحديث. قال: فإذا أبو قتادة. إنّما جاز له ذلك لأنّه لَم يخرج يريد مكّة. قلت: وهذه الرّواية التي أشار إليها تقتضي أنّ أبا قتادة لَم يخرج مع النّبيّ ﷺ من المدينة، وليس كذلك لِمَا بيّناه. ثمّ وجدت في صحيح ابن حبّان والبزّار من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصّدقة , وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتّى نزلوا بعسفان " فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما. والذي يظهر أنّ أبا قتادة إنّما أخّر الإحرام , لأنّه لَم يتحقّق أنّه يدخل مكّة فساغ له التّأخير. وقد استدل بقصّة أبي قتادة: على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لَم يرد حجّاً ولا عمرة، وقيل: كانت هذه القصّة قبل أن يؤقِّت النّبيّ ﷺ المواقيت. وأمّا قول عياض ومن تبعه: إنّ أبا قتادة لَم يكن خرج مع النّبيّ ﷺ من المدينة , وإنّما بعثه أهل المدينة إلى النّبيّ ﷺ يعلمونه أنّ بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لِمَا ثبت في

стр. 2102

هذه الطّريق الصّحيحة طريق عثمان بن موهب (١) كما أشرت إليها قبل. قوله: (إلاَّ أبا قتادة) كذا للكشميهنيّ، ولغيره " إلاَّ أبو قتادة " بالرّفع، ووقع بالنّصب عند مسلم وغيره من هذا الوجه. قال ابن مالك في " التّوضيح ": حقّ المستثنى بإلا من كلام تامّ موجب أن ينصب مفرداً كان أو مكمّلاً معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى (الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلاَّ المتّقين) والمكمّل نحو (إنّا لمنجّوهم أجمعين إلاَّ امرأته قدّرنا إنّها لمن الغابرين) ولا يعرف أكثر المتأخّرين من البصريّين في هذا النّوع إلاَّ النّصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعاً بالابتداء مع ثبوت الخبر ومع حذفه، فمن أمثلة الثّابت الخبر قول أبي قتادة " أحرموا كلّهم إلاَّ أبو قتادة لَم يحرم " فإلَّا بمعنى لكن، وأبو قتادة مبتدأ ولَم يحرم خبره. ونظيره من كتاب الله تعالى (ولا يلتفت منكم أحدٌ، إلاَّ امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم) فإنّه لا يصحّ أن يجعل امرأتك بدلاً من أحد لأنّها لَم تسِر معهم فيتضمّنها ضمير المخاطبين. وتكلف بعضهم: بأنّه وإن لَم يسِرْ بها لكنّها شعرت بالعذاب فتبعتهم , ثمّ التفتتْ فهلكت. قال: وهذا على تقدير صحّته لا يوجب دخولها في المخاطبين، ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله ﷺ : كلّ أمّتي معافًى إلاَّ المجاهرون " أي:

стр. 2103

لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، ومنه من كتاب الله تعالى قول تعالى (فشربوا منه إلاَّ قليلٌ منهم) أي لكن قليل منهم لَم يشربوا. قال: وللكوفيّين في هذا الثّاني مذهب آخر. وهو أن يجعلوا " إلاَّ " حرف عطف وما بعدها معطوف على ما قبلها. انتهى. وفي نسبة الكلام المذكور لابن أبي قتادة دون أبي قتادة نظرٌ، فإنّ سياق الحديث ظاهر في أنّ قوله قول أبي قتادة حيث قال: إنّ أباه أخبره أنّ رسول الله ﷺ خرج حاجّاً فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة - إلى أن قال - أحرموا كلّهم إلاَّ أبو قتادة ". وقول أبي قتادة " فيهم أبو قتادة " من باب التّجريد، وكذا قوله " إلاَّ أبو قتادة " ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه , لأنّه يستلزم أن يكون الحديث مرسلاً. ومن توجيه الرّواية المذكورة. وهي قوله " إلاَّ أبو قتادة " , أن يكون على مذهب من يقول: عليّ بن أبو طالب. قوله: (فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحشٍ) في رواية أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري: فرأوا حماراً وحشيّاً قبل أن يراه أبو قتادة، فلمّا رأوه تركوه حتّى رآه فركب. ففيه أنّ رؤيته له كانت متأخّرة عن رؤية أصحابه , وفي رواية يحيى بن أبي كثير " فبينما أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض. فنظرت فإذا أنا بحمار وحش ". وفي رواية عليّ بن المبارك عن يحيى " فبصر أصحابي بحمار وحش ,

стр. 2104

فجعل بعضهم يضحك إلى بعض " زاد في رواية أبي حازم " وأحبّوا لو أنّي أبصرته ". هكذا في جميع الطّرق والرّوايات. ووقع في رواية العذريّ في مسلم " فجعل بعضهم يضحك إليَّ " فشدّدت الياء من إليّ. قال عياض: وهو خطأ وتصحيف، وإنّما سقط عليه لفظة " بعض "، ثمّ احتجّ لضعفها بأنّهم لو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة , وقد قال لهم النّبيّ ﷺ : هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ قالوا: لا. وإذا دلَّ المُحرم الحلال على الصّيد لَم يأكل منه اتّفاقاً، وإنّما اختلفوا في وجوب الجزاء. انتهى. وتعقّبه النّوويّ: بأنّه لا يمكن ردّ هذه الرّواية لصحّتها وصحّة الرّواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة، فإنّ مجرّد الضّحك ليس فيه إشارة. قال بعض العلماء: وإنّما ضحكوا تعجّباً من عروض الصّيد ثمّ ولا قدرة لهم عليه. قلت: قوله. فإنّ مجرّد الضّحك ليس فيه إشارة صحيحٌ، ولكن لا يكفي في ردّ دعوى القاضي، فإنّ قوله " يضحك بعضهم إلى بعض " هو مجرّد ضحك، وقوله " يضحك بعضهم إليّ " فيه مزيد أمر على مجرّد الضّحك، والفرق بين الموضعين أنّهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لَم يكن رآه فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثاً له على التّفطّن إلى رؤيته.

стр. 2105

ويؤيّد ما قال القاضي , ما وقع في رواية أبي النّضر عن مولى أبي قتادة كما في البخاري بلفظ: إذ رأيت النّاس متشوّفين لشيءٍ فذهبت أنظر فإذا هو حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري , فقلت: هو حمار وحش. فقالوا: هو ما رأيت. ووقع في حديث أبي سعيد عند البزّار والطّحاويّ وابن حبّان في هذه القصّة " وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ فنكّسوا رءوسهم كراهية أن يحدّوا أبصارهم له فيفطن فيراه ". فكيف يظنّ بهم مع ذلك أنّهم ضحكوا إليه؟ فتبيّن أنّ الصّواب ما قال القاضي. وفي قول الشّيخ: قد صحّت الرّواية. نظرٌ، لأنّ الاختلاف في إثبات هذه اللفظة وحذفها لَم يقع في طريقين مختلفين، وإنّما وقع في سياق إسناد واحد ممّا عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ " بعض " زيادة علم سالمة من الإشكال فهي مقدّمة. وبيّن محمّد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما في البخاري , أنّ قصّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنّبيّ ﷺ وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل ولفظه: كنت يوماً جالساً مع رجال من أصحاب النّبيّ ﷺ في منزل في طريق مكّة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا , والقوم محرمون وأنا غير محرم. وبيّن في هذه الرّواية السّبب الموجب لرؤيتهم إيّاه دون أبي قتادة بقوله " فأبصروا حماراً وحشيّاً وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أنّي أبصرته، والتفتّ فأبصرته ".

стр. 2106

ووقع في حديث أبي سعيد المذكور أنّ ذلك وقع وهُم بعسفان. وفيه نظرٌ، والصّحيح ما جاء في الصحيحين من طريق صالح بن كيسان عن أبي محمّد مولى أبي قتادة عنه قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ بالقاحة، ومنّا المُحرم وغير مُحرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئاً فنظرت فإذا حمار وحش " الحديث. والقاحة بقافٍ ومهملة خفيفة بعد الألف، وادٍ على نحو ميل من السّقيا إلى جهة المدينة، ويقال لواديها وادي العباديد. وقد بيّن البخاري أنّها من المدينة على ثلاث أي: ثلاث مراحل. قال عياض: رواه النّاس بالقاف إلاَّ القابسيّ فضبطوه عنه بالفاء، وهو تصحيف. قلت: ووقع عند الجوزقيّ من طريق عبد الرّحمن بن بشر عن سفيان عن صالح بن كيسان " بالصّفاح " بدل القاحة، والصّفاح بكسر المهملة بعدها فاء وآخره مهملة. وهو تصحيف , فإنّ الصّفاح موضع بالرّوحاء، وبين الرّوحاء وبين السّقيا مسافة طويلة. وقد تقدّم أنّ الرّوحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثمّ التقوا بالقاحة وبها وقع له الصّيد المذكور، وكأنّه تأخّر هو ورفقته للرّاحة أو غيرها وتقدّمهم النّبيّ ﷺ إلى السّقيا حتّى لحقوه. وقوله " فنظرت " هذا فيه التفات، فإنّ السّياق الماضي يقتضي أن يقول فنظر لقوله " فبينا أبي مع أصحابه " فالتّقدير: قال أبي: فنظرت

стр. 2107

، وهذا يؤيّد الرّواية الموصولة. قوله: (فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً) في هذا السّياق زيادة على جميع الرّوايات , لأنّها متّفقة على إفراد الحمار بالرّؤية. وأفادت هذه الرّواية , أنّه من جملة الحمر , وأنّ المقتول كان أتاناً. أي أنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوّز. وفي رواية يحيى بن أبي كثير " فحملت عليه فطعنته فأثبتّه. فاستعنتُ بهم فأبوا أن يعينونني ". وفي رواية محمّد بن جعفر عن أبي حازم " فقمت إلى الفرس فأسرجته ثمّ ركبت ونسيت السّوط والرّمح , فقلت لهم: ناولوني السّوط والرّمح. فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيءٍ، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثمّ ركبت ". وفي رواية فضيل بن سليمان " فركب فرساً له يقال له الجرادة , فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا فتناوله ". وفي رواية أبي النّضر " وكنت نسيت سوطي فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت فأخذته. وفي رواية أبي محمد نافع مولى أبي قتادة عنه عند البخاري " فقالوا: لا نعينك بشيء إنا محرمون " ووقع عند النّسائيّ من طريق شعبة عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة عن طريق عبد العزيز بن رفيع، وأخرج مسلم إسنادهما كلاهما عن أبي قتادة " فاختلس من بعضهم سوطاً ".

стр. 2108

والرّواية الأولى أقوى، ويمكن أن يجمع بينهما بأنّه رأى في سوط نفسه تقصيراً فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه , لأنّه لو طلبه منه اختياراً لامتنع. وفي قولهم " إنّا محرمون " دلالة على أنّهم كانوا قد علموا أنّه يحرم على المُحرم الإعانة على قتل الصّيد. قوله: (فعقر منها أتاناً) في رواية أبي محمد " ثم أتيت الحمار من وراء أكمةٍ فعقرته " , في رواية يحيى بن أبي كثير " فطعنته فأثبتّه " بالمثلثة ثمّ الموحّدة ثمّ المثنّاة. أي: جعلته ثابتاً في مكانه لا حراك به , وفي رواية أبي حازم " فشددت على الحمار فعقرته , ثمّ جئت به وقد مات ". وفي رواية أبي النّضر " حتّى عقرته فأتيت إليهم , فقلت لهم: قوموا فاحتملوا، فقالوا: لا نمسّه، فحملته حتّى جئتهم به ". قوله: (فنزلنا فأكلنا من لحمها. ثمّ قلنا: أنأكل لحم صيدٍ , ونحن محرمون) في رواية يحيى بن أبي كثير " فأكلنا من لحمه " وفي رواية فضيل عن أبي حازم " فأكلوا فندموا ". وفي رواية محمّد بن جعفر عن أبي حازم " فوقعوا يأكلون منه، ثمّ إنّهم شكّوا في أكلهم إيّاه وهم حُرُمٌ فرحنا وخبّأت العضد معي ". وفي رواية مالك عن أبي النّضر " فأكل منه بعضهم , وأبى بعضهم ". وفي حديث أبي سعيد " فجعلوا يشوون منه " وفي رواية المطّلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور " فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخاً

стр. 2109

وشواء , ثمّ تزوّدنا منه " وفي رواية أبي محمد " فقال بعضهم: كلوا , وقال بعضهم: لا تأكلوا ". والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم به , ثم طرأ عليهم الشكّ. قوله: (فحملنا ما بقي من لحم الأتان) في رواية أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري " فرحنا وخبّأت العضد معي " وفيه " معكم منه بشيءٍ؟ فناولته العضد فأكلها حتّى تعرّقها " , ولهما من رواية أبي حازم قال " معنا رجله، فأخذها فأكلها ". وفي رواية المطّلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور " قد رفعنا لك الذّراع، فأكل منها ". قوله: (قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها , أو أشار إليها؟ قالوا: لا) وفي رواية مسلم " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيءٍ؟ " وله من طريق شعبة عن عثمان " هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم؟ " ولأبي عوانة من هذا الوجه " أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم؟ ". اتّفقوا على تحريم الإشارة إلى الصّيد ليصطاد، وعلى سائر وجوه الدّلالات على المُحرم، لكن قيّده أبو حنيفة. بما إذا لَم يمكن الاصطياد بدونها. واختلفوا في وجوب الجزاء على المُحرم إذا دلَّ الحلال على الصّيد بإشارةٍ أو غيرها أو أعان عليه. القول الأول: قال الكوفيّون وأحمد وإسحاق: يضمن المُحرم

стр. 2110

ذلك. القول الثاني: قال مالك والشّافعيّ: لا ضمان عليه كما لو دلَّ الحلال حلالاً على قتل صيد في الحرم. قالوا: ولا حجّة في حديث الباب، لأنّ السّؤال عن الإعانة والإشارة إنّما وقع ليبيّن لهم. هل يحلّ لهم أكله أو لا؟ ولَم يتعرّض لذكر الجزاء. واحتجّ الموفّق: بأنّه قول عليّ وابن عبّاس , ولا نعلم لهما مخالفاً من الصّحابة. وأجيب: بأنّه اختلف فيه على ابن عبّاس، وفي ثبوته عن عليٍّ نظرٌ، ولأنّ القاتل انفرد بقتله باختياره مع انفصال الدّالّ عنه. فصار كمن دلَّ محرماً أو صائماً على امرأة فوطئها. فإنّه يأثم بالدّلالة , ولا يلزمه كفّارة ولا يفطر بذلك. قوله: (قال: فكلوا ما بقي من لحمها) ولهما من رواية أبي محمد عن أبي قتادة " فقال: كلوه حلال " ولمسلم " هو حلال فكلوه ". وصيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب، لأنّها وقعت جواباً عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب، فوقعت الصّيغة على مقتضى السّؤال. ولَم يذكر في هذه الرّواية أنّه ﷺ أكل من لحمها، وذكره في روايتي أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه , ولَم يذكر ذلك أحدٌ من الرّواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره، ووافقه صالح بن حسّان عند

стр. 2111

أحمد وأبي داود الطّيالسيّ وأبي عوانة. ولفظه " فقال: كلوا وأطعموني " وكذا لَم يذكرها أحدٌ من الرّواة عن أبي قتادة نفسه إلَّا المطّلب عند سعيد بن منصور. ووقع لنا من رواية أبي محمّد وعطاء بن يسار وأبي صالح , كما في البخاري في الصّيد، ومن رواية أبي سلمة بن عبد الرّحمن عند إسحاق، ومن رواية عبادة بن تميم وسعد بن إبراهيم عند أحمد. وتفرّد معمرٌ عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة بزيادةٍ مضادّة لروايتي أبي حازم كما أخرجه إسحاق وابن خزيمة والدّارقطنيّ من طريقه , وقال في آخره: فذكرتُ شأنه لرسول الله ﷺ , وقلت: إنّما اصطدته لك. فأمر أصحابه فأكلوه، ولَم يأكل منه حين أخبرته أنّي اصطدته له. قال ابن خزيمة وأبو بكر النّيسابوريّ والدّارقطنيّ والجوزقيّ: تفرّد بهذه الزّيادة معمر. قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزّيادة محفوظة احتمل أن يكون ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنّه اصطاده من أجله، فلمّا أعلمه امتنع. انتهى وفيه نظرٌ: لأنّه لو كان حراماً ما أقرّ النّبيّ ﷺ على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنّه صاده لأجله. ويحتمل: أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإنّ الذي يحرم على المُحرم إنّما هو الذي يعلم أنّه صيد من أجله، وأمّا إذا أتي بلحمٍ لا يدري ألحم

стр. 2112

صيد أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه. لَم يكن ذلك حراماً على الآكل. وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فإنّ الرّوايات المتقدّمة ظاهرة في أنّ الذي تأخّر هو العضد، وأنّه ﷺ أكلها حتّى تعرّقها. أي: لَم يبق منها إلاَّ العظم، ووقع عند البخاريّ في الهبة " حتّى نفدها " أي: فرّغها، فأيّ شيء يبقى منها حينئذٍ حتّى يأمر أصحابه بأكله. لكنّ رواية أبي محمّد عن أبي قتادة في البخاري في الصّيد " أبقي معكم شيء منه؟ قلت: نعم , قال: كلوا، فهو طعمة أطعمكموها الله " فأشعر بأنّه بقي منها غير العضد، والله أعلم. وسيأتي البحث في حكم ما يصيده الحلال بالنّسبة إلى المُحرم في الصعب بن جثّامة الذي يليه إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي قتادة من الفوائد: أنّ تمنّي المُحرم أن يقع من الحلال الصّيد ليأكل المُحرم منه لا يقدح في إحرامه، وأنّ الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوّي من حمل الصّيد في قوله تعالى (وحرّم عليكم صيد البرّ) على الاصطياد. وفيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهديّة من الصّديق. وقال عياض: عندي أنّ النّبيّ ﷺ طلب من أبي قتادة ذلك تطييباً لقلب من أكل منه , بياناً للجواز بالقول والفعل لإزالة الشّبهة التي حصلت لهم.

стр. 2113

وفيه تسمية الفرس، وألحق البخاري به الحمار فترجم له في الجهاد (١). وقال ابن العربيّ: قالوا: تجوز التّسمية لِمَا لا يعقل، وإن كان لا يتفطّن له ولا يجيب إذا نودي، مع أنّ بعض الحيوانات ربّما أدمن على ذلك بحيث يصير يميّز اسمه إذا دعي به. وفيه إمساك نصيب الرّفيق الغائب ممّن يتعيّن احترامه أو ترجى بركته أو يتوقّع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها. وفيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطّليعة في الغزو. وفيه أنّ عقر الصّيد ذكاته. وجواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ . قال ابن العربيّ: هو اجتهاد بالقرب من النّبيّ ﷺ لا في حضرته. وفيه العمل بما أدّى إليه الاجتهاد ولو تضادّ المجتهدان , ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: فلم يعب ذلك علينا. (٢) وكأنّ الآكل تمسّك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطّارئ. وفيه الرّجوع إلى النّصّ عند تعارض الأدلة، وركض الفرس في الاصطياد، والاستعانة بالفارس، وحمل الزّاد في السّفر، والرّفق

стр. 2114

بالأصحاب والرّفقاء في السّير. واستعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول , لأنّهم استعملوا الضّحك في موضع الإشارة لِمَا اعتقدوه من أنّ الإشارة لا تحلّ , وفيه ذكر الحكم مع الحكمة في قوله " إنّما هي طعمة أطعمكموها الله " تكملة: لا يجوز للمحرم قتل الصّيد إلاَّ إن صال عليه فقتله دفعاً فيجوز، ولا ضمان عليه. والله أعلم.

стр. 2115

الحديث الواحد والأربعون ٢٥٦ - عن الصّعب بن جثّامة الليثيّ ﵁ , أنّه أهدى إلى النّبيّ ﷺ حماراً وحشيّاً , وهو بالأبواء , أو بودّان فردّه عليه. فلمّا رأى ما في وجهي , قال: إنّا لَم نردّه عليك إلاَّ أنّا حرمٌ. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ " رجل حمارٍ ". وفي لفظٍ " شقّ حمار " وفي لفظٍ. " عجُز حمارٍ ". (٢) قال المصنِّف: وجه هذا الحديث أنه ظنَّ أنه صِيد لأجله. والمُحرم لا يأكل ما صِيد لأجله. قوله: (عن الصّعب بن جثّامة الليثيّ ﵁) لَم يختلف على مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس , في سياقه معنعناً , وأنّه من مسند الصّعب , إلاَّ ما وقع في " موطّأ ابن وهب " فإنّه قال في روايته عن ابن عبّاس , إنّ الصّعب بن جثّامة أهدى. فجعله من مسند ابن عبّاس. نبّه على ذلك الدّارقطنيّ في " الموطّآت " , وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. قال: أهدى الصّعب. والمحفوظ في حديث مالك الأوّل.

стр. 2116

وللبخاري من طريق شعيب عن الزّهريّ قال: أخبرني عبيد الله , أنّ ابن عبّاس أخبره , أنّه سمع الصّعب - وكان من أصحاب النّبيّ ﷺ يخبر أنّه أهدى. والصّعب بفتح الصّاد وسكون العين المهملتين بعدها موحّدة، وأبوه جثّامة بفتح الجيم وتثقيل المثلثة. وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب، أمّه زينب بنت حرب بن أُميَّة، وكان النّبيّ ﷺ آخى بينه وبين عوف بن مالك. (١) قوله: (حماراً وحشيّاً) لَم تختلف الرّواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامّة الرّواة عن الزّهريّ، وخالفهم ابن عيينة عن الزّهريّ فقال " لحم حمار وحش " أخرجه مسلم. لكن بيّن الحميديّ - صاحب

стр. 2117

سفيان - أنّه كان يقول في هذا الحديث " حمار وحش " ثمّ صار يقول " لحم حمار وحش " فدلَّ على اضطرابه فيه. وقد توبع على قوله " لحم حمار وحش " من أوجه فيها مقال. منها: ما أخرجه الطّبرانيّ من طريق عمرو بن دينار عن الزّهريّ , لكنّ إسناده ضعيف، وقال إسحاق في " مسنده ": أخبرنا الفضل بن موسى عن محمّد بن عمرو بن علقمة عن الزّهريّ. فقال " لحم حمار ". وقد خالفه خالد الواسطي عن محمّد بن عمرو , فقال " حمار وحش " كالأكثر. وأخرجه الطّبرانيّ من طريق ابن إسحاق عن الزّهريّ , فقال " رِجْل حمار وحش " وابن إسحاق حسن الحديث , إلاَّ أنّه لا يُحتجّ به إذا خولف. ويدلّ على وهْم مَن قال فيه عن الزّهريّ ذلك , قول ابن جريجٍ: قلت للزّهريّ: الحمار عقير؟ قال: لا أدري. أخرجه ابن خزيمة وابن عوانة في صحيحيهما. وقد جاء عن ابن عبّاس من وجه آخر , أنّ الذي أهداه الصّعب لحم حمار , فأخرجه مسلم من طريق الحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. قال: أهدى الصّعب إلى النّبيّ ﷺ رِجل حمار. وفي رواية عنده " عجُز حمار وحش يقطر دماً " وأخرجه أيضاً من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد قال تارة " حمار وحش " وتارة " شقّ حمار ". ويقوّي ذلك: ما أخرجه مسلم أيضاً من طريق طاوسٍ عن ابن

стр. 2118

عبّاس قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له عبد الله بن عبّاس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أُهدي لرسول الله ﷺ وهو حرام؟ قال: أُهدي له عضو من لحم صيد فردّه , وقال: إنّا لا نأكله، إنّا حرم. وأخرجه أبو داود وابن حبّان من طريق عطاء عن ابن عبّاس أنّه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أنّ رسول الله ﷺ .. فذكره. واتّفقت الرّوايات كلّها على أنّه ردّه عليه، إلاَّ ما رواه ابن وهب والبيهقيّ من طريقه بإسنادٍ حسن من طريق عمرو بن أُميَّة , أنّ الصّعب أهدى للنّبيّ ﷺ عجُز حمار وحش , وهو بالجحفة , فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقيّ: إن كان هذا محفوظاً. فلعله ردّ الحيّ وقَبِل اللحم. قلت: وفي هذا الجمع نظرٌ لِمَا بيّنته، فإن كانت الطّرق كلّها محفوظة فلعله ردّه حيّاً , لكونه صِيد لأجله , وردّ اللحم تارة لذلك وقَبِلَه تارة أخرى حيث علم أنّه لَم يصد لأجله. وقد قال الشّافعيّ في " الأمّ ": إن كان الصّعب أهدى له حماراً حيّاً فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيّ , وإن كان أهدى له لحماً فقد يحتمل أن يكون علم أنّه صيد له. ونقل التّرمذيّ عن الشّافعيّ , أنّه ردّه لظنّه أنّه صيد من أجله. فتركه على وجه التّنزّه. ويحتمل: أن يُحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أُميَّة على وقت آخر وهو حال رجوعه ﷺ من مكّة.

стр. 2119

ويؤيّده: أنّه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة , وفي غيرها من الرّوايات بالأبواء أو بودّان. وقال القرطبيّ: يحتمل أن يكون الصّعب أحضر الحمار مذبوحاً , ثمّ قطع منه عضواً بحضرة النّبيّ ﷺ فقدّمه له، فمَن قال: أهدى حماراً , أراد بتمامه مذبوحاً حيّاً، ومَن قال: لحم حمار , أراد ما قدّمه للنّبيّ ﷺ . قال: ويحتمل أن يكون مَن قال حماراً. أطلق وأراد بعضه مجازاً. قال: ويحتمل أنّه أهداه له حيّاً فلمّا ردّه عليه ذكّاه , وأتاه بعضوٍ منه ظانّاً أنّه إنّما ردّه عليه لمعنىً يختصّ بجملته، فأعلمه بامتناعه أنّ حكم الجزء من الصّيد حكم الكلّ. قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الرّوايات. وقال النّوويّ: ترجم البخاريّ بكون الحمار حيّاً (١)، وليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلوا هذا التّأويل عن مالك، وهو باطل , لأنّ الرّوايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنّه مذبوح. انتهى وإذا تأمّلت ما تقدّم لَم يحسن إطلاقه بطلان التّأويل المذكور , ولا سيّما في رواية الزّهريّ التي هي عمدة هذا الباب. وقد قال الشّافعيّ في " الأمّ ": حديث مالك أنّ الصّعب أهدى حماراً , أثبت من حديث من روى , أنّه أهدى لحم حمار

стр. 2120

وقال التّرمذيّ: روى بعض أصحاب الزّهريّ في حديث الصّعب " لحم حمار وحش " وهو غير محفوظ. قوله: (بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحّدة وبالمدّ: جبل من عمل الفرع بضمّ الفاء والرّاء بعدها مهملة. قيل: سُمِّي الأبواء لوبائه على القلب. وقيل: لأنّ السّيول تتبوّؤه. أي: تحلّه. والأبواء وودَّان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية قوله: (أو بودّان) شكّ من الرّاوي، وهو بفتح الواو وتشديد الدّال وآخرها نون موضع بقرب الجحفة. وقد سبق في حديث عمرو بن أُميَّة , أنّه كان بالجحفة، وودّان أقرب إلى الجحفة من الأبواء , فإنّ من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلاً، ومن ودّان إلى الجحفة ثمانية أميال. وبالشّكّ جزم أكثر الرّواة. وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزّهريّ بودّان. وجزم معمر وعبد الرّحمن بن إسحاق ومحمّد بن عمرو. بالأبواء. والذي يظهر لي أنّ الشّكّ فيه من ابن عبّاس , لأنّ الطّبرانيّ أخرج الحديث من طريق عطاء عنه , على الشّكّ أيضاً. قوله: (فلمّا رأى ما في وجهه) في رواية شعيب " فلمّا عرف في وجهي ردَّه هديّتي ". وفي رواية الليث عن الزّهريّ عند التّرمذيّ " فلمّا رأى ما في وجهه من الكراهية " وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريجٍ المذكورة.

стр. 2121

قوله: (إنّا لَم نردّه عليك) في رواية شعيب وابن جريجٍ " ليس بنا ردّ عليك " وفي رواية عبد الرّحمن بن إسحاق عن الزّهريّ عند الطّبرانيّ " إنّا لَم نردّه عليك كراهية له , ولكنّا حرم ". قال عياض: ضبطناه في الرّوايات " لَم نردّه " بفتح الدّال، وأبى ذلك المحقّقون من أهل العربيّة , وقالوا: الصّواب أنّه بضمّ الدّال , لأنّ المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمّة الهاء بعدها. قال: وليس الفتح بغلطٍ , بل ذكره ثعلب في الفصيح. نعم تعقّبوه عليه بأنّه ضعيف، وأوهم صنيعه أنّه فصيح، وأجازوا أيضاً الكسر. وهو أضعف الأوجه. قلت: ووقع في رواية الكشميهنيّ بفكّ الإدغام " لَم نردده " بضمّ الأولى وسكون الثّانية ولا إشكال فيه. قوله: (إلاَّ أنّا حُرُم) زاد صالح بن كيسان عند النّسائيّ " لا نأكل الصّيد " وفي رواية سعيد عن ابن عبّاس " لولا أنّا محرمون لقبلناه منك " واستدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصّيد على المُحرم مطلقاً , لأنّه اقتصر في التّعليل على كونه محرماً فدلَّ على أنّه سبب الامتناع خاصّة، وهو قول عليّ وابن عبّاس وابن عمر والليث والثّوريّ وإسحاق لحديث الصّعب هذا. ولِمَا أخرجه أبو داود وغيره من حديث عليٍّ , أنّه قال لناسٍ من

стр. 2122

أشجع: أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ أهدى له رجلٌ حمارَ وحشٍ وهو محرم فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم. لكن يعارض هذا الظّاهر. ما أخرجه مسلم أيضاً من حديث طلحة , أنّه أهدي له لحم طير وهو محرم، فَوَقَفَ مَن أَكَلَه , وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ . وحديث أبي قتادة المذكور في الباب قبله , وحديث عمير بن سلمة , أنّ البهزيّ أهدى للنّبيّ ﷺ ظبياً وهو محرم، فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرّفاق. أخرجه مالك وأصحاب السّنن وصحَّحه ابن خزيمة وغيره. وبالجواز مطلقاً. قال الكوفيّون وطائفة من السّلف. وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك , بأنّ أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثمّ يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرّدّ محمولة على ما صاده الحلال لأجل المُحرم. قالوا: والسّبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصّعب , إنّ الصّيد لا يحرم على المرء إذا صيد له إلاَّ إذا كان محرماً، فبيّن الشّرط الأصليّ وسكت عمّا عداه فلم يدلّ على نفيه، وقد بيّنه في الأحاديث الأخر. ويؤيّد هذا الجمع حديث جابر مرفوعاً: صيد البرّ لكم حلال ما لَم تصيدوه أو يصاد لكم. أخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ وابن خزيمة. قلت: وقد تقدّم أنّ عند النّسائيّ من رواية صالح ابن كيسان: إنّا حرم لا نأكل الصّيد. فبيّن العلتين جميعاً.

стр. 2123

وجاء عن مالك تفصيل آخر: بين ما صِيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه , أو بعد إحرامه فلا. وعن عثمان. التّفصيل بين ما يصاد لأجله من المُحرمين فيمتنع عليه , ولا يمتنع على محرم آخر. وقال ابن المنير في الحاشية: حديث الصّعب يشكل على مالك , لأنّه يقول: ما صيد من أجل المُحرم يحرم على المُحرم وعلى غير المُحرم، فيمكن أن يقال قوله " فردّه عليه " لا يستلزم أنّه أباح له أكله، بل يجوز أن يكون أمره بإرساله إن كان حيّاً , وطرحه إن كان مذبوحاً. فإنّ السّكوت عن الحكم لا يدلّ على الحكم بضدّه. وتعقّب: بأنّه وقت البيان فلو لَم يجز له الانتفاع به لَم يردّه عليه أصلاً إذ لا اختصاص له به. وفي حديث الصّعب الحكم بالعلامة لقوله " فلمّا رأى ما في وجهي " وفيه جواز ردّ الهديّة لعلةٍ، وترجم له البخاري " من ردّ الهديّة لعلةٍ " فإنّ النّبيّ ﷺ بيّن العلة في عدم قبوله هديّته لكونه كان محرماً، والمُحرم لا يأكل ما صيد لأجله. واستنبط منه المُهلَّب ردّ هديّة من كان ماله حراماً أو عرف بالظّلم. وفيه الاعتذار عن ردّ الهديّة تطييباً لقلب المهدي، وأنّ الهبة لا تدخل في الملك إلاَّ بالقبول، وأنّ قدرته على تملّكها لا تصيّره مالكاً لها، وأنّ على المُحرم أن يرسل ما في يده من الصّيد الممتنع عليه اصطياده.

стр. 2124

تكملة: قال ابن بطّال: اتّفق أئمّة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم , على أنّ المُحرم إذا قتل الصّيد عمداً أو خطأ فعليه الجزاء وهذا القول الأول. القول الثاني: خالف أهل الظّاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشّافعيّة في الخطأ، وتمسّكوا بقوله تعالى (متعمّداً) فإنّ مفهومه أنّ المخطئ بخلافه، وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد. القول الثالث: عكس الحسن ومجاهد فقالا: يجب الجزاء في الخطأ دون العمد , فيختصّ الجزاء بالخطأ والنّقمة بالعمد. وعنهما: يجب الجزاء على العامد أوّل مرّة، فإن عاد كان أعظم لائمة وعليه النّقمة لا الجزاء. قال الموفّق في " المغني ": لا نعلم أحداً خالف في وجوب الجزاء على العامد غيرهما. واختلفوا في الكفّارة. فقال الأكثر: هو مخيّر كما هو ظاهر الآية. وقال الثّوريّ: يقدّم المثل فإنّ لَم يجد أطعم فإن لَم يجد صام. وقال سعيد بن جبير: إنّما الطّعام والصّيام فيما لا يبلغ ثمن الصّيد. واتّفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده المُحرم. وقال الحسن والثّوري وأبو ثور وطائفة: يجوز أكله، وهو كذبيحة السّارق، وهو وجه للشّافعيّة. وقال الأكثر أيضاً: إنّ الحكم في ذلك ما حكم به السّلف لا

стр. 2125

يتجاوز ذلك، وما لَم يحكموا فيه يستأنف فيه الحكم، وما اختلفوا فيه يجتهد فيه. وقال الثّوريّ: الاختيار في ذلك للحكمين في كلّ زمن. وقال مالك: يستأنف الحكم، والخيار إلى المحكوم عليه، وله أن يقول للحَكَمَين لا تحكما عليّ إلاَّ بالإطعام. وقال الأكثر: الواجب في الجزاء نظير الصّيد من النّعم. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة , ويجوز صرفها في المثل. وقال الأكثر: في الكبير كبير وفي الصّغير صغير، وفي الصّحيح صحيح وفي الكسير كسير. وخالف مالك فقال: في الكبير والصّغير كبير , وفي الصّحيح والمعيب صحيح. واتّفقوا على أنّ المراد بالصّيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشيّ , وأن لا شيء فيما يجوز قتله. واختلفوا في المتولد. فألحقه الأكثر بالمأكول، ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة جدّاً فلنقتصر على هذا القدر هنا.

стр. 2126

فتح السلام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني «مأخوذ من كتابه فتح الباري» جمعه وهذبه وحققه أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر [المجلد الخامس] «كتاب البيوع والوصايا والفرائض والنكاح»

стр. 2127

كتاب البيوع البيوع جمع بيعٍ، وجمع لاختلاف أنواعه. والبيع نقل ملكٍ إلى الغير بثمنٍ، والشّراء قبوله، ويطلق كل منهما على الآخر. وأجمع المسلمون على جواز البيع , والحكمة تقتضيه لأنّ حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالباً , وصاحبه قد لا يبذله له. ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ. وقول الله تعالى (وأحلَّ اللهُ البيع وحرّم الرّبا) أصلٌ في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال. القول الأول: وهو أصحّها أنّه عامٌّ مخصوص، فإنّ اللفظ لفظُ عموم يتناول كل بيع فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشّارع بيوعاً أخرى وحرّمها , فهو عامٌّ في الإباحة مخصوصٌ بما لا يدل الدّليل على منعه. القول الثاني: عامٌّ أريد به الخصوص. القول الثالث: مجملٌ بيّنته السّنّة. وكل هذه الأقوال تقتضي أنّ المفرد المحلى بالألف واللام يعمّ. القول الرّابع: أنّ اللام في البيع للعهد , وأنّها نزلت بعد أن أباح الشّرع بيوعاً وحرّم بيوعاً فأريد بقوله: (وأحل الله البيع) أي: الذي أحله الشّرع من قبل. ومباحث الشّافعيّ وغيره تدلُّ على أنّ البيوع الفاسدة تسمّى بيعاً

стр. 2128

وإن كانت لا يقع بها الحنث لبناء الأيمان على العرف , وقوله تعالى (إلَّا أن تكون تجارةً حاضرةً تديرونها بينكم) تدلُّ على إباحة التّجارة في البيوع الحالة. وأوّلها في البيوع المؤجّلة

стр. 2129

الحديث الأول ٢٥٧ - عن عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ , أنه قال: إذا تبايع الرجلان، فكل واحدٍ منهما بالخِيَار، ما لَم يتفرَّقا، وكانا جميعاً، أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولَم يترك واحدٌ منهما البيع فقد وجب البيع. (١) الحديث الثاني ٢٥٨ - وما في معناه من حديث حكيم بن حزام ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : البيّعان بالخِيَار ما لَم يتفرّقا , أو قال حتى يتفرّقا , فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما. (٢) قوله: (إذا تبايع الرجلان) وللبخاري " إنّ المتبايعين بالخِيَار " كذا للأكثر، وحكى ابن التّين (٣) في رواية القابسيّ " إنّ المتبايعان " قال:

стр. 2130

وهي لغةٌ. وفي رواية أيّوب عن نافع في البخاري " البيّعان " بتشديد التّحتانيّة. والبيّع بمعنى البائع كضيّقٍ وضائقٍ وصيّن وصائن , وليس كبيّنٍ وبائنٍ فإنّهما متغايران كقيّمٍ وقائمٍ. واستعمال البيّع في المشتري. إمّا على سبيل التّغليب , أو لأنّ كلا منهما بائعٌ. قوله: (فكل واحدٍ منهما بالخِيَار) الخِيَار بكسر الخاء اسمٌ من الاختيار أو التّخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. وهو خِيَاران: خِيَار المجلس وخِيَار الشّرط، وزاد بعضهم خِيَار النّقيصة، وهو مندرجٌ في الشّرط فلا يزاد. وروى البيهقيّ من طريق أبي علقمة الغرويّ عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً " الخِيَار ثلاثة أيّام " وهذا كأنّه مختصرٌ من الحديث الذي رواه أحمد (١) من طريق محمّد بن إسحاق عن نافع: كان رجلٌ من الأنصار.

стр. 2131

زاد ابن الجارود في " المنتقى " من طريق سفيان عن نافعٍ , أنّه حبّان بن منقذٍ، وهو بفتح المهملة والموحّدة الثّقيلة. ورواه الدّارقطنيّ من طريق عبد الأعلى , والبيهقيّ من طريق يونس بن بكير كلاهما عن ابن إسحاق به. وزاد فيه. قال ابن إسحاق: فحدّثني محمّد بن يحيى بن حبّان قال: هو جدّي منقذ بن عمرو. وكذلك رواه ابن منده من وجه آخر عن ابن إسحاق. زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى عنه " ثمّ أنت بالخِيَار في كل سلعةٍ ابتعتها ثلاث ليالٍ، فإن رضيت فأمسِك , وإن سخطت فاردُد , فبقي حتّى أدرك زمان عثمان - وهو ابن مائةٍ وثلاثين سنةً - فكثر النّاس في زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئاً فقيل له: إنّك غُبنت فيه رجع به , فيشهد له الرّجل من الصّحابة بأنّ النّبيّ ﷺ قد جعله بالخِيَار ثلاثاً. فيردّ له دراهمه. قال ابن العربيّ: وأمّا ما روي عن عمر , أنّه كُلّم في البيع فقال: ما أجد لكم شيئاً أوسع ممّا جعل رسول الله ﷺ لحبّان بن منقذ ثلاثة أيّام. فمداره على ابن لهيعة , وهو ضعيفٌ. انتهى. وهو كما قال. أخرجه الطّبرانيّ والدّارقطنيّ وغيرهما من طريقه.

стр. 2132

وبه احتجّ للحنفيّة والشّافعيّة , في أنّ أمد الخِيَار ثلاثة أيّام من غير زيادة , لأنّه حكمٌ ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه. ويؤيّده جعل الخِيَار في المصرّاة ثلاثة أيّامٍ، واعتبار الثّلاث في غير موضع. وأغرب بعض المالكيّة , فقال: إنّما قصره على ثلاثٍ , لأنّ معظم بيعه كان في الرّقيق، وهذا يحتاج إلى دليلٍ. ولا يكفي فيه مجرّد الاحتمال. وأنكر مالكٌ التّوقيت في خِيَار الشّرط ثلاثة أيّام بغير زيادة , وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها، لكن لكل شيء أمدٌ بحسبه يتخيّر فيه، فللدّابّة مثلاً والثّوب يوم أو يومان , وللجارية جمعةٌ , وللدّار شهرٌ. وقال الأوزاعيّ: يمتدّ الخِيَار شهراً وأكثر بحسب الحاجة إليه. وقال الثّوريّ: يختصّ الخِيَار بالمشتري , ويمتدّ له إلى عشرة أيّام وأكثر، ويقال إنّه انفرد بذلك. وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمّد وأحمد وإسحاق وأبو ثورٍ وآخرون. إلى أنّه لا أَمَدَ لمدّة خِيَار الشّرط , بل البيع جائزٌ والشّرط لازمٌ إلى الوقت الذي يشترطانه. وهو اختيار ابن المنذر، وقد صحّ القول بامتداد الخِيَار عن عمر وغيره. فإن شرطا أو أحدهما الخِيَار مطلقاً.

стр. 2133

القول الأول: قال الأوزاعيّ وابن أبي ليلى: هو شرطٌ باطلٌ والبيع جائزٌ. القول الثاني: قال الثّوريّ والشّافعيّ وأصحاب الرّأي: يبطل البيع أيضاً. القول الثالث: قال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخِيَار أبداً. قوله: (ما لَم يتفرقا) في رواية النّسائيّ " يفترقا " بتقديم الفاء، ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة: افترقا بالكلام , وتفرّقا بالأبدان. وردّه ابن العربيّ بقوله تعالى (وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب) فإنّه ظاهرٌ في التّفرّق بالكلام لا أنّه بالاعتقاد. وأجيب: بأنّه من لازمه في الغالب , لأنّ من خالف آخر في عقيدته كان مستدعياً لمفارقته إيّاه ببدنه. ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحقّ حمل كلام الفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنّما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتّساعاً. وفي رواية أيّوب عن نافعٍ في البخاري " ما لَم يتفرّقا , أو يقل أحدهما لصاحبه: اختر " وهو ظاهرٌ في حصر لزوم البيع بهذين الأمرين. القول الأول: فيه دليلٌ على إثبات خِيَار المجلس , وفي البخاري عن نافع , قال: كان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يُعجبه فارق صاحبه ". وللترمذي من طريق بن فضيل عن يحيى بن سعيد: وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعاً - وهو قاعد - قام ليجب له.

стр. 2134

ولمسلم من طريق ابن جريج قال: أملى عليَّ نافع. فذكر الحديث. وفيه قال نافع: وكان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله. قام فمشى هنيهة , ثم رجع إليه. فحَمَله على التّفرّق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلميّ، ولا يُعرف لهما مخالفٌ من الصّحابة. قال الشافعي في الأم: أخبرنا ابن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه. قال: خيَّر رسول الله ﷺ رجلاً بعد البيع. قال: وكان أبي يحلف ما الخيار إلَّا بعد البيع. وروى ابن أبي شيبة عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة وعطاء , قالا: البيّعان بالخيار حتى يتفرَّقا عن رضا. ونقل ابن المنذر القول بخِيَار المجلس أيضاً. عن سعيد بن المسيّب والزّهريّ وابن أبي ذئبٍ من أهل المدينة، وعن الحسن البصريّ والأوزاعيّ وابن جريجٍ وغيرهم. وبالغ ابن حزمٍ فقال: لا نعلم لهم مخالفاً من التّابعين إلَّا النّخعيّ وحده , وروايةً مكذوبةً عن شُريح، والصّحيح عنه القول به. وأشار إلى ما رواه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن حجّاج عن الحكم عن شُريح قال: إذا تكلَّم الرّجل بالبيع فقد وجب البيع. وإسناده ضعيفٌ لأجل حجّاجٍ. وهو ابن أرطاة. القول الثاني: خالف في ذلك إبراهيم النّخعيّ. فروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عنه قال: البيع جائزٌ وإن لَم

стр. 2135

يتفرّقا. ورواه سعيد بن منصور عنه بلفظ " إذا وجبت الصّفقة فلا خِيَار ". وبذلك قال المالكيّة إلَّا ابن حبيبٍ والحنفيّة كلّهم. وقد ذهبوا في الجواب عن حديْثَي الباب فرقاً: فمنهم: من ردّه , لكونه معارضاً لِمَا هو أقوى منه. ومنهم: من صحَّحه. ولكن أوّله على غير ظاهره. فقالت طائفةٌ منهم: هو منسوخٌ بحديث " المسلمون على شروطهم " والخِيَار بعد لزوم العقد يفسد الشّرط، وبحديث التّحالف عند اختلاف المتبايعين , لأنّه يقتضي الحاجة إلى اليمين. وذلك يستلزم لزوم العقد. ولو ثبت الخِيَار لكان كافياً في رفع العقد، وبقوله تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) والإشهاد إن وقع بعد التّفرّق لَم يطابق الأمر , وإن وقع قبل التّفرّق لَم يصادف محلاًّ. ولا حجّة في شيءٍ من ذلك , لأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدّليلين مهما أمكن لا يُصار معه إلى التّرجيح، والجمع هنا ممكنٌ بين الأدلة المذكورة بغير تعسّفٍ ولا تكلّفٍ. وقالت طائفة: هو من رواية مالكٍ وقد عمل بخلافه , فدلَّ على أنّه عارضه ما هو أقوى منه، والرّاوي إذا عمل بخلاف ما روى دلَّ على وهْن المرويّ عنده. وتعقّب: بأنّ مالكاً لَم يتفرّد به، فقد رواه غيره وعمل به , وهم أكثر عدداً روايةً وعملاً. وقد خصَّ كثيرٌ من محقّقي أهل الأصول الخلاف المشهور - فيما إذا

стр. 2136

عمل الرّاوي بخلاف ما روى - بالصّحابة دون ما جاء بعدهم، ومن قاعدتهم أنّ الرّاوي أعلم بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر , وكان يفارق إذا باع ببدنه فاتّباعه أولى من غيره. وقالت طائفةٌ: هو معارَضٌ بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التّين عن أشهب بأنّه مخالفٌ لعمل أهل مكّة أيضاً. وتعقّب: بأنّه قال به ابن عمر ثمّ سعيد بن المسيّب ثمّ الزّهريّ ثمّ ابن أبي ذئبٍ كما مضى، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم , ولا يُحفظ عن أحدٍ من علماء المدينة القول بخلافه سوى عن ربيعة. وأمّا أهل مكّة فلا يُعرف أحدٌ منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاءٍ وطاوسٍ وغيرهما من أهل مكّة. وقد اشتدّ إنكار ابن عبد البرّ وابن العربيّ على من زعم من المالكيّة , أنّ مالكاً ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه. قال ابن العربيّ: إنّما لَم يأخذ به مالكٌ , لأنّ وقت التّفرّق غير معلومٍ فأشبه بيوع الغرر كالملامسة. وتعقّب: بأنّه يقول بخِيَار الشّرط ولا يحدّه بوقتٍ معيّنٍ، وما ادّعاه من الغرر موجودٌ فيه , وبأنّ الغرر في خِيَار المجلس معدومٌ , لأنّ كلاً منهما متمكّنٌ من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غرر. وقالت طائفةٌ: هو خبرُ واحدٍ فلا يعمل به إلَّا فيما تعمّ به البلوى. ورُدّ: بأنّه مشهورٌ فيعمل به كما ادّعوا نظير ذلك في خبر القهقهة في

стр. 2137

الصّلاة وإيجاب الوتر. وقال آخرون: هو مخالفٌ للقياس الجليّ في إلحاق ما قبل التّفرّق بما بعده. وتعقّب: بأنّ القياس مع النّصّ فاسد الاعتبار. وقال آخرون: التّفرّق بالأبدان محمولٌ على الاستحباب تحسيناً للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب. وقال آخرون: هو محمولٌ على الاحتياط للخروج من الخلاف وكلاهما على خلاف الظّاهر. وقالت طائفةٌ: المراد بالتّفرّق في الحديث التّفرّق بالكلام كما في عقد النّكاح والإجارة والعتق. وتعقّب: بأنّه قياسٌ مع ظهور الفارق , لأنّ البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر. وقال ابن حزمٍ: سواءٌ قلنا التّفرّق بالكلام أو بالأبدان. فإنّ خِيَار المجلس بهذا الحديث ثابتٌ، أمّا حيث قلنا التّفرّق بالأبدان فواضحٌ، وحيث قلنا بالكلام فواضح أيضاً، لأنّ قول أحد المتبايعين مثلاً بعتَكَه بعشرةٍ , وقول الآخر بل بعشرين مثلاً افتراقٌ في الكلام بلا شكٍّ، بخلاف ما لو قال: اشتريته بعشرةٍ فإنّهما حينئذٍ متوافقان , فيتعيّن ثبوت الخِيَار لهما حين يتّفقان لا حين يتفرّقان وهو المدّعى. وقالت طائفة: المراد بالمتبايعين المتساومان. ورُدّ: بأنّه مجازٌ والحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى.

стр. 2138

واحتجّ الطّحاويّ بآياتٍ وأحاديث استعمل فيها المجاز , وقال: من أنكر استعمال لفظ البائع في السّائم فقد غفل عن اتّساع اللّغة. وتعقّب: بأنّه لا يلزم من استعمال المجاز في موضعٍ طرده في كلّ موضعٍ، فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتّى يقوم الدّليل على خلافه. وقالوا أيضاً: وقت التّفرّق في الحديث هو ما بين قول البائع: بعتك هذا بكذا وبين قول المشتري: اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخِيَار في قوله اشتريت أو تركه والبائع بالخِيَار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطّحاويّ عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويزمندادٍ عن مالكٍ. قال عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرّقا قبل القبول فإنّ القبول يتعذّر. وتعقّب: بأنّ تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجازٌ أيضاً، فأجيب: بأنّ تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجازٌ أيضاً، لأنّ اسم الفاعل في الحال حقيقةٌ وفيما عداه مجازٌ، فلو كان الخِيَار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيّعين , والحديث يردّه فتعيّن حمل التّفرّق على الكلام. وأجيب: بأنّه إذا تعذّر الحمل على الحقيقة تعيّن المجاز، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى. وأيضاً فالمتبايعان لا يكونان متبايعين حقيقةً إلَّا في حين تعاقدهما، لكنّ عقدهما لا يتمّ إلَّا بأحد أمرين. الأول: إمّا بإبرام العقد.

стр. 2139

الثاني: التّفرّق على ظاهر الخبر , فصحّ أنّهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقةٌ بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين. فإنّه مجازٌ باتّفاقٍ. وقالت طائفةٌ: التّفرّق يقع بالأقوال كقوله تعالى (وإن يتفرّقا يغن الله كلاً من سعته). وأجيب: بأنّه سُمي بذلك لكونه يفضي إلى التّفرّق بالأبدان. قال البيضاويّ (١): ومن نفى خِيَار المجلس ارتكب مجازين بحمله التّفرّق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضاً فكلام الشّارع يصان عن الحمل عليه، لأنّه يصير تقديره إنّ المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لَم يعقداه , وهو تحصيل الحاصل , لأنّ كل أحد يعرف ذلك. ويقال لمن زعم أنّ التّفرّق بالكلام: ما هو الكلام الذي يقع به التّفرّق، أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره؟ فإن كان غيره فما هو؟ فليس بين المتعاقدين كلامٌ غيره , وإن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي اتّفقا عليه. وتمّ بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به. وهذا في غاية الفساد. وقال آخرون: العمل بظاهر الحديث متعذّرٌ فيتعيّن تأويله، وبيان تعذّره أنّ المتبايعين إن اتّفقا في الفسخ أو الإمضاء لَم يثبت لواحدٍ منهما

стр. 2140

على الآخر خِيَار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمعٌ بين النّقضين. وهو مستحيلٌ. وأجيب: بأنّ المراد أنّ لكلٍّ منهما الخِيَار في الفسخ، وأمّا الإمضاء فلا احتياج إلى اختياره فإنّه مقتضى العقد والحال يفضي إليه مع السّكوت بخلاف الفسخ. وقال آخرون: حديث ابن عمر هذا وحكيم بن حزام معارَضٌ بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً: البيّعان بالخِيَار ما لَم يتفرّقا إلَّا أن تكون صفقة خِيَار، ولا يحلّ له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله. قال ابن العربيّ: ظاهر هذه الزّيادة مخالفٌ لأوّل الحديث في الظّاهر، فإن تأوّلوا الاستقالة فيه على الفسخ تأوّلنا الخِيَار فيه على الاستقالة , وإذا تعارض التّأويلان فزع إلى التّرجيح، والقياس في جانبنا. وتعقّب: بأنّ حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخِيَار على الاستقالة، لأنّه لو كان المراد حقيقة الاستقالة لَم تمنعه من المفارقة , لأنّها لا تختصّ بمجلس العقد، وقد أثبت في أوّل الحديث الخِيَار ومدّه إلى غاية التّفرّق، ومن المعلوم أنّ من له الخِيَار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعيّن حملها على الفسخ. وعلى ذلك حَملَه التّرمذيّ وغيره من العلماء فقالوا: معناه لا يحلّ له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع , لأنّ العرب تقول:
следующие страницы →