عمل الرّاوي بخلاف ما روى - بالصّحابة دون ما جاء بعدهم، ومن قاعدتهم أنّ الرّاوي أعلم بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر , وكان يفارق إذا باع ببدنه فاتّباعه أولى من غيره.
وقالت طائفةٌ: هو معارَضٌ بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التّين عن أشهب بأنّه مخالفٌ لعمل أهل مكّة أيضاً.
وتعقّب: بأنّه قال به ابن عمر ثمّ سعيد بن المسيّب ثمّ الزّهريّ ثمّ ابن أبي ذئبٍ كما مضى، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم , ولا يُحفظ عن أحدٍ من علماء المدينة القول بخلافه سوى عن ربيعة.
وأمّا أهل مكّة فلا يُعرف أحدٌ منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاءٍ وطاوسٍ وغيرهما من أهل مكّة.
وقد اشتدّ إنكار ابن عبد البرّ وابن العربيّ على من زعم من المالكيّة , أنّ مالكاً ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه.
قال ابن العربيّ: إنّما لَم يأخذ به مالكٌ , لأنّ وقت التّفرّق غير معلومٍ فأشبه بيوع الغرر كالملامسة.
وتعقّب: بأنّه يقول بخِيَار الشّرط ولا يحدّه بوقتٍ معيّنٍ، وما ادّعاه من الغرر موجودٌ فيه , وبأنّ الغرر في خِيَار المجلس معدومٌ , لأنّ كلاً منهما متمكّنٌ من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غرر.
وقالت طائفةٌ: هو خبرُ واحدٍ فلا يعمل به إلَّا فيما تعمّ به البلوى.
ورُدّ: بأنّه مشهورٌ فيعمل به كما ادّعوا نظير ذلك في خبر القهقهة في
стр. 2137
الصّلاة وإيجاب الوتر.
وقال آخرون: هو مخالفٌ للقياس الجليّ في إلحاق ما قبل التّفرّق بما بعده.
وتعقّب: بأنّ القياس مع النّصّ فاسد الاعتبار.
وقال آخرون: التّفرّق بالأبدان محمولٌ على الاستحباب تحسيناً للمعاملة مع المسلم لا على الوجوب.
وقال آخرون: هو محمولٌ على الاحتياط للخروج من الخلاف وكلاهما على خلاف الظّاهر.
وقالت طائفةٌ: المراد بالتّفرّق في الحديث التّفرّق بالكلام كما في عقد النّكاح والإجارة والعتق.
وتعقّب: بأنّه قياسٌ مع ظهور الفارق , لأنّ البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر.
وقال ابن حزمٍ: سواءٌ قلنا التّفرّق بالكلام أو بالأبدان. فإنّ خِيَار المجلس بهذا الحديث ثابتٌ، أمّا حيث قلنا التّفرّق بالأبدان فواضحٌ، وحيث قلنا بالكلام فواضح أيضاً، لأنّ قول أحد المتبايعين مثلاً بعتَكَه بعشرةٍ , وقول الآخر بل بعشرين مثلاً افتراقٌ في الكلام بلا شكٍّ، بخلاف ما لو قال: اشتريته بعشرةٍ فإنّهما حينئذٍ متوافقان , فيتعيّن ثبوت الخِيَار لهما حين يتّفقان لا حين يتفرّقان وهو المدّعى.
وقالت طائفة: المراد بالمتبايعين المتساومان.
ورُدّ: بأنّه مجازٌ والحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى.
стр. 2138
واحتجّ الطّحاويّ بآياتٍ وأحاديث استعمل فيها المجاز , وقال: من أنكر استعمال لفظ البائع في السّائم فقد غفل عن اتّساع اللّغة.
وتعقّب: بأنّه لا يلزم من استعمال المجاز في موضعٍ طرده في كلّ موضعٍ، فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتّى يقوم الدّليل على خلافه.
وقالوا أيضاً: وقت التّفرّق في الحديث هو ما بين قول البائع: بعتك هذا بكذا وبين قول المشتري: اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخِيَار في قوله اشتريت أو تركه والبائع بالخِيَار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطّحاويّ عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويزمندادٍ عن مالكٍ.
قال عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرّقا قبل القبول فإنّ القبول يتعذّر.
وتعقّب: بأنّ تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجازٌ أيضاً، فأجيب: بأنّ تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجازٌ أيضاً، لأنّ اسم الفاعل في الحال حقيقةٌ وفيما عداه مجازٌ، فلو كان الخِيَار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيّعين , والحديث يردّه فتعيّن حمل التّفرّق على الكلام.
وأجيب: بأنّه إذا تعذّر الحمل على الحقيقة تعيّن المجاز، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى. وأيضاً فالمتبايعان لا يكونان متبايعين حقيقةً إلَّا في حين تعاقدهما، لكنّ عقدهما لا يتمّ إلَّا بأحد أمرين.
الأول: إمّا بإبرام العقد.
стр. 2139
الثاني: التّفرّق على ظاهر الخبر , فصحّ أنّهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقةٌ بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين. فإنّه مجازٌ باتّفاقٍ.
وقالت طائفةٌ: التّفرّق يقع بالأقوال كقوله تعالى (وإن يتفرّقا يغن الله كلاً من سعته).
وأجيب: بأنّه سُمي بذلك لكونه يفضي إلى التّفرّق بالأبدان.
قال البيضاويّ (١): ومن نفى خِيَار المجلس ارتكب مجازين بحمله التّفرّق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضاً فكلام الشّارع يصان عن الحمل عليه، لأنّه يصير تقديره إنّ المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لَم يعقداه , وهو تحصيل الحاصل , لأنّ كل أحد يعرف ذلك.
ويقال لمن زعم أنّ التّفرّق بالكلام: ما هو الكلام الذي يقع به التّفرّق، أهو الكلام الذي وقع به العقد أم غيره؟ فإن كان غيره فما هو؟ فليس بين المتعاقدين كلامٌ غيره , وإن كان هو ذلك الكلام بعينه لزم أن يكون الكلام الذي اتّفقا عليه. وتمّ بيعهما به هو الكلام الذي افترقا به وانفسخ بيعهما به. وهذا في غاية الفساد.
وقال آخرون: العمل بظاهر الحديث متعذّرٌ فيتعيّن تأويله، وبيان تعذّره أنّ المتبايعين إن اتّفقا في الفسخ أو الإمضاء لَم يثبت لواحدٍ منهما
стр. 2140
على الآخر خِيَار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمعٌ بين النّقضين. وهو مستحيلٌ.
وأجيب: بأنّ المراد أنّ لكلٍّ منهما الخِيَار في الفسخ، وأمّا الإمضاء فلا احتياج إلى اختياره فإنّه مقتضى العقد والحال يفضي إليه مع السّكوت بخلاف الفسخ.
وقال آخرون: حديث ابن عمر هذا وحكيم بن حزام معارَضٌ بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً: البيّعان بالخِيَار ما لَم يتفرّقا إلَّا أن تكون صفقة خِيَار، ولا يحلّ له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله.
قال ابن العربيّ: ظاهر هذه الزّيادة مخالفٌ لأوّل الحديث في الظّاهر، فإن تأوّلوا الاستقالة فيه على الفسخ تأوّلنا الخِيَار فيه على الاستقالة , وإذا تعارض التّأويلان فزع إلى التّرجيح، والقياس في جانبنا.
وتعقّب: بأنّ حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخِيَار على الاستقالة، لأنّه لو كان المراد حقيقة الاستقالة لَم تمنعه من المفارقة , لأنّها لا تختصّ بمجلس العقد، وقد أثبت في أوّل الحديث الخِيَار ومدّه إلى غاية التّفرّق، ومن المعلوم أنّ من له الخِيَار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعيّن حملها على الفسخ.
وعلى ذلك حَملَه التّرمذيّ وغيره من العلماء فقالوا: معناه لا يحلّ له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع , لأنّ العرب تقول:
стр. 2141
استقلت ما فات عنّي إذا استدركه، فالمراد بالاستقالة فسخ النّادم منهما للبيع.
وحملوا نفي الحلّ على الكراهة , لأنّه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، إلَّا أنّ اختيار الفسخ حرامٌ.
قال ابن حزمٍ: احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيبٍ على التّفرّق بالكلام لقوله فيه " خشية أن يستقيله " لكون الاستقالة لا تكون إلَّا بعد تمام البيع، وصحّة انتقال الملك تستلزم أن يكون الخبر المذكور لا فائدة له لأنّه يلزم من حمل التّفرّق على القول إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله أو لَم يخش.
وقال بعضهم: التّفرّق بالأبدان في الصّرف قبل القبض يبطل العقد. فكيف يثبت العقد ما يبطله؟.
وتعقّب: باختلاف الجهة وبالمعارضة بنظيره، وذلك أنّ النّقد وترك الأجل شرطٌ لصحّة الصّرف وهو يفسد السّلم عندهم.
واحتجّ الطّحاويّ بقول ابن عمر " ما أدركت الصّفقة حيّاً مجموعاً فهو من مال المبتاع " (١)
стр. 2142
وتعقّب: بأنّهم يخالفونه.
أمّا الحنفيّة فقالوا: هو من مال البائع ما لَم يره المبتاع أو ينقله.
والمالكيّة قالوا: إن كان غائباً غيبةً بعيدةً فهو من البائع وأنّه لا حجّة فيه , لأنّ الصّفقة فيه محمولةٌ على البيع الذي انبرم. لا على ما لَم ينبرم جمعاً بين كلاميه.
стр. 2143
وقال بعضهم: معنى قوله " حتّى يتفرّقا ". أي: حتّى يتوافقا يقال للقوم: على ماذا تفارقتم.؟ أي: على ماذا اتّفقتم؟.
وتعقّب: بما ورد في بقيّة حديث ابن عمر في جميع طرقه , ولا سيّما في طريق الليث. (١)
وقال بعضهم: حديث " البيّعان بالخِيَار " جاء بألفاظٍ مختلفةٍ. فهو مضطربٌ لا يحتجّ به.
وتعقّب: بأنّ الجمع بين ما اختلف من ألفاظه ممكنٌ بغير تكلّفٍ ولا تعسّفٍ فلا يضرّه الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذّر الجمع بين مختلف ألفاظه. وليس هذا الحديث من ذلك.
وقال بعضهم: لا يتعيّن حمل الخِيَار في هذا الحديث على خِيَار الفسخ، فلعله أريد به خِيَار الشّراء أو خِيَار الزّيادة في الثّمن أو المثمّن.
وأجيب: بأنّ المعهود في كلامه ﷺ حيث يطلق الخِيَار. إرادة خِيَار الفسخ كما في حديث المصرّاة , وكما في حديث الذي يخدع في البيوع.
وأيضاً فإذا ثبت أنّ المراد بالمتبايعين المتعاقدان فبعد صدور العقد لا خِيَار في الشّراء ولا في الثّمن.
وقال ابن عبد البرّ: قد أكثَرَ المالكيّة والحنفيّة من الاحتجاج لردّ هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيءٌ.
стр. 2144
وحكى ابن السّمعانيّ في " الاصطلاح " عن بعض الحنفيّة قال: البيع عقدٌ مشروعٌ بوصفٍ وحكمٍ، فوصفه اللّزوم وحكمه الملك، وقد تمّ البيع بالعقد فوجب أن يتمّ بوصفه وحكمه، فأمّا تأخير ذلك إلى أن يفترقا فليس عليه دليل , لأنّ السّبب إذا تمّ يفيد حكمه، ولا ينتفي إلَّا بعارضٍ ومن ادّعاه فعليه البيان.
وأجاب: أنّ البيع سبب للإيقاع في النّدم والنّدم يحوج إلى النّظر فأثبت الشّارع خِيَار المجلس نظراً للمتعاقدين ليسلما من النّدم، ودليله خِيَار الرّؤية عندهم وخِيَار الشّرط عندنا.
قال: ولو لزم العقد بوصفه وحكمه لَما شرعت الإقالة، لكنّها شرعت نظراً للمتعاقدين إلَّا أنّها شرعت لاستدراك ندمٍ ينفرد به أحدهما فلم تجب، وخِيَار المجلس شرع لاستدراك ندمٍ يشتركان فيه فوجب.
قوله: (وكانا جميعاً) تأكيدٌ لذلك.
قوله: (أو يخيّر أحدهما الآخر) أي: فينقطع الخِيَار.
قوله: (فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع) أي: وبطل الخِيَار وإن لَم يتفرّقا. وفي رواية مالك عن نافع في الصحيحين " ما لَم يتفرّقا إلَّا بيع الخِيَار " أي: فلا يحتاج إلى التفرق.
وقد اختلف العلماء في المراد بقوله في حديث مالك " إلَّا بيع الخِيَار "
القول الأول: قال الجمهور. به جزم الشّافعيّ: هو استثناءٌ من
стр. 2145
امتداد الخِيَار إلى التّفرّق، والمراد أنّهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التّفرّق لزم البيع حينئذٍ وبطل اعتبار التّفرّق، فالتّقدير إلَّا البيع الذي جرى فيه التّخاير.
قال النّوويّ (١): اتّفق أصحابنا على ترجيح هذا التّأويل وأبطل كثيرٌ منهم ما سواه وغلطوا قائله. انتهى.
ورواية الليث ظاهرةٌ جدّاً في ترجيحه.
القول الثاني: هو استثناءٌ من انقطاع الخِيَار بالتّفرّق.
القول الثالث: المراد بقوله " أو يخيّر (٢) أحدهما الآخر " أي: فيشترط الخِيَار مدّةً معيّنةً فلا ينقضي الخِيَار بالتّفرّق بل يبقى حتّى تمضي المدّة. حكاه ابن عبد البرّ عن أبي ثورٍ، ورجح الأوّل بأنّه أقل في الإضمار.
وتعيّنه رواية النّسائيّ من طريق إسماعيل - قيل هو ابن أُميَّة , وقيل غيره - عن نافعٍ , بلفظ " إلَّا أن يكون البيع كان عن خِيَار. فإن كان البيع عن خِيَار وجب البيع "
القول الرابع: هو استثناء من إثبات خِيَار المجلس، والمعنى أو يخيّر أحدهما الآخر فيختار في خِيَار المجلس فينتفي الخِيَار.
وهذا أضعف هذه الاحتمالات.
стр. 2146
القول الخامس: قوله " إلَّا أن يكون بيع خِيَار " أي: هما بالخِيَار ما لَم يتفرّقا إلَّا أن يتخايرا - ولو قبل التّفرّق - وإلا أن يكون البيع بشرط الخِيَار - ولو بعد التّفرّق - وهو قولٌ يجمع التّأويلين الأوّلين.
ويؤيّده رواية عبد الرّزّاق عن سفيان (١) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر حيث قال فيه " إلَّا بيع الخِيَار أو يقول لصاحبه اختر " إن حملنا " أو " على التّقسيم لا على الشّكّ.
قوله: (وإن تفرقا بعد أن تبايعا, ولَم يترك واحدٌ منهما البيع) أي: لَم يفسخه.
قوله: (فقد وجب البيع) أي: بعد التّفرّق، وهذا ظاهرٌ جدّاً في انفساخ البيع بفسخ أحدهما.
قال الخطّابيّ (٢): هذا أوضح شيءٍ في ثبوت خِيَار المجلس، وهو مبطلٌ لكل تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره " وإن تفرّقا بعد أن تبايعا " فيه البيان الواضح أنّ التّفرّق بالبدن هو القاطع للخِيَار، ولو كان معناه التّفرّق بالقول لخلا الحديث عن فائدةٍ. انتهى.
стр. 2147
وقد أقدم الدّاوديّ (١) على ردّ هذا الحديث المتّفق على صحّته بما لا يقبل منه , فقال: قول الليث في هذا الحديث " وكانا جميعاً .. إلخ " ليس بمحفوظٍ , لأنّ مقام الليث في نافعٍ ليس كمقام مالكٍ ونظرائه. انتهى
وهو ردٌّ لِما اتّفق الأئمّة على ثبوته بغير مستندٍ، وأيّ لومٍ على من روى الحديث مفسّراً لأحد محتملاته حافظاً من ذلك ما لَم يحفظه غيره مع وقوع تعدّد المجلس، فهو محمولٌ على أنّ شيخهم حدّثهم به تارة مفسّراً وتارة مختصراً.
تنبيهٌ: قوله " أو يخيّر أحدهما الآخر " بإسكان الرّاء من " يخيّر " عطفاً على قوله " ما لَم يتفرّقا " , ويحتمل: نصب الرّاء على أنّ " أو " بمعنى " إلَّا أن " كما تقدّم قريباً مثله في قوله " أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر "
قوله في الحديث الآخر: (عن حكيم بن حزام) بن خويلد الأسدي. (٢)
стр. 2148
قوله: (البيّعان) بفتح الموحّدة وتشديد التّحتانيّة. أي: البائع والمشتري.
قوله: (بالْخِيَار) أي: بخِيَار المجلس.
وتقدّم الكلام عليه مستوفى في حديث ابن عمر الماضي.
قوله: (ما لَم يتفرّقا) في رواية همّامٍ عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام عند البخاري " ما لَم يفترقا " , وزاد " قال همام: وجدت في كتابي " يختار ثلاث مرار .. ".
وفي رواية سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر، وعن عطاء عن ابن عبّاس مرفوعاً " ما لَم يفارقه صاحبه , فإن فارقه فلا خِيَار له "
وقد اختلف القائلون بأنّ المراد أن يتفرّقا بالأبدان , هل للتّفرّق المذكور حدٌّ ينتهى إليه؟.
والمشهور الرّاجح من مذهب العلماء في ذلك أنّه موكولٌ إلى العرف، فكل ما عدّ في العرف تفرّقاً حكم به وما لا فلا.
стр. 2149
وقوله: " يختار ثلاث مرار " أشار أبو داود: إلى أنّ همّاماً تفرّد بذلك عن أصحاب قتادة، ووقع عند أحمد عن عفّان عن همّام قال: وجدت في كتابي الخِيَار ثلاث مرار. ولَم يصرّح همّامٌ بمن حدّثه بهذه الزّيادة. فإن ثبتت فهي على سبيل الاختيار. وقد أخرجه الإسماعيليّ وجه آخر عن حبّان بن هلالٍ. فذكر هذه الزّيادة في آخر الحديث.
قوله: (فإن صدقا وبيّنا) أي: صدق البائع في إخبار المشترى مثلاً , وبيّن العيب إن كان في السّلعة، وصدق المشتري في قدر الثّمن مثلاً , وبيّن العيب إن كان في الثّمن، ويحتمل: أن يكون الصّدق والبيان بمعنىً واحدٍ , وذِكْر أحدهما تأكيدٌ للآخر.
قوله: (مُحقت بركةُ بيعِهما) وللبخاري من رواية همام " وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحاً ربحاً ويمحقا بركة بيعهما ".
وفي الحديث حصول البركة لهما إن حصل منهما الشّرط وهو الصّدق والتّبيين، ومَحْقُها إن وجد ضدّهما وهو الكذب والكتم.
وهل تحصل البركة لأحدهما إذا وجد منه المشروط دون الآخر؟.
ظاهر الحديث يقتضيه، ورجّحه ابن أبي جمرة.
ويحتمل: أن يعود شؤم أحدهما على الآخر بأن تنزع البركة من المبيع إذا وجد الكذب أو الكتم من كل واحدٍ منهما، وإن كان الأجر ثابتاً للصّادق المبيّن، والوزر حاصلٌ للكاذب الكاتم.
وفي الحديث أنّ الدّنيا لا يتمّ حصولها إلَّا بالعمل الصّالح، وأنّ شؤم المعاصي يذهب بخير الدّنيا والآخرة.
стр. 2150
تكميل: روى أحمد وابن ماجه والحاكم من طريق عبد الرّحمن بن شماسة - بكسر المعجمة وتخفيف الميم وبعد الألف مهملةٌ - عن عقبة مرفوعاً بلفظ: المسلم أخو المسلم، ولا يحلُّ لمسلمٍ باع من أخيه بيعاً فيه غشٌّ إلَّا بيّنه له. وفي رواية أحمد " يعلم فيه عيباً " وإسناده حسنٌ.
وروى التّرمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه وابن الجارود وابن منده كلهم من طريق عبد المجيد بن أبي يزيد قال: قال لي العدَّاء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتاباً كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: بلى فأخرج لي كتاباً. هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ اشترى منه عبداً أو أمةً لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم.
قوله " بيع المسلم المسلم ". فيه أنّه ليس من شأن المسلم الخديعة قوله " لا داء " أي: لا عيب، والمراد به الباطن سواء ظهر منه شيءٌ أم لا. كوجع الكبد والسّعال. قاله المطرّزيّ.
وقال ابن المنيّر (١) في الحاشية: قوله " لا داء " أي: يكتمه البائع، وإلا فلو كان بعبدٍ داءٌ وبيّنه البائع لكان من بيع المسلم للمسلم، ومحصّله أنّه لَم يرد بقوله لا داء نفي الدّاء مطلقاً بل نفي داءٍ مخصوصٍ. وهو ما لَم يطّلع عليه.
قوله " ولا خبثة " بكسر المعجمة وبضمّها وسكون الموحّدة بعدها
стр. 2151
مثلثةٌ. أي: مسبيّاً من قوم لهم عهد. قاله المطرّزيّ.
وقيل: المراد الأخلاق الخبيثة كالإباق، وقال صاحب " العين " الرّيبة. وقيل: المراد الحرام كما عبّر عن الحلال بالطّيّب.
وقال ابن العربيّ: الدّاء ما كان في الخلق بالفتح والخبثة ما كان في الخلق بالضّمّ، والغائلة سكوت البائع على ما يعلم من مكروهٍ في المبيع.
قوله " ولا غائلة " بالمعجمة , أي: ولا فجور، وقيل: المراد الإباق.
وقال ابن بطّال (١): هو من قولهم اغتالني فلانٌ. إذا احتال بحيلةٍ يتلف بها مالي.
стр. 2152
باب ما يُنهي عنه من البيوع
الحديث الثالث
٢٥٩ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ نهى عن المنابذة - وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يَقْلِبه، أو ينظر إليه - ونهى عن الْملامسة، والْملامسة - لمس الرجل الثوب لا ينظر إليه -. (١)
قوله: (نهى عن المنابذة) وعند الشيخين من طريق يونس عن الزّهريّ بلفظ " والملامسة لمس الرّجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنّهار ولا يقلبه إلَّا بذلك , والمنابذة أن ينبذ الرّجل إلى الرّجل ثوبه , وينبذ الآخر بثوبه , ويكون بيعهما عن غير نظر ولا تراضٍ ".
ولأبي عوانة من طريقٍ أخرى عن يونس " وذلك أن يتبايع القوم السّلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها , أو يتنابذ القوم السّلع كذلك " فهذا من أبواب القمار.
وفي رواية ابن ماجه من طريق سفيان عن الزّهريّ " والمنابذة أن يقول: ألق إليّ ما معك وأُلقي إليك ما معي.
стр. 2153
وللنّسائيّ حديث أبي هريرة " الملامسة أن يقول الرّجل للرّجل: أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحدٌ منهما إلى ثوب الآخر , ولكن يلمسه لمساً، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك، يشتري كل واحد منهما من الآخر , ولا يدري كل واحدٍ منهما كم مع الآخر ونحو ذلك.
وقد وقع التّفسير أيضاً عند أحمد من طريق معمر (١) عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد. أخرجه عن عبد الرّزّاق عنه. وفي آخره " والمنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثّوب فقد وجب البيع. والملامسة أن يلمسَ بيده , ولا ينشره , ولا يقلبه إذا مسّه وجب البيع ".
ولمسلمٍ من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة " أمّا الملامسة فأن يلمس كل واحدٍ منهما ثوب صاحبه بغير تأمّلٍ، والمنابذة أن ينبذ كل واحدٍ منهما ثوبه إلى الآخر لَم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه ".
وقد أخرجه البخاري من هذا الوجه. وليس فيه التّفسير.
وهذا التّفسير الذي في حديث أبي هريرة , أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة , لأنّها مفاعلةٌ فتستدعي وجود الفعل من الجانبين.
واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صورٍ. وهي أوجهٌ للشّافعيّة.
стр. 2154
أصحّها: أن يأتي بثوبٍ مطويٍّ أو في ظلمةٍ فيلمسه المستام , فيقول له صاحب الثّوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسُك مقام نظرك ولا خِيَار لك إذا رأيته، وهذا هو موافقٌ للتّفسيرين اللذين في الحديث.
الثّاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعاً بغير صيغةٍ زائدةٍ.
الثّالث: أن يجعلا اللمس شرطاً في قطع خِيَار المجلس وغيره.
والبيع على التّأويلات كلها باطل.
ومأخذ الأوّل: عدم شرط رؤية المبيع , واشتراط نفي الخِيَار.
ومأخذ الثّاني: اشتراط نفي الصّيغة في عقد البيع. فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة مطلقاً، لكن من أجاز المعاطاة قيّدها بالمحقّرات أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة، وأمّا الملامسة والمنابذة عند من يستعملهما فلا يخصّهما بذلك.
فعلى هذا يجتمع بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة في بعض صور المعاطاة، فلمن يجيز بيع المعاطاة أن يخصّ النّهي في بعض صور الملامسة والمنابذة عمّا جرت العادة فيه بالمعاطاة.
وعلى هذا يحمل قول الرّافعيّ: إنّ الأئمّة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف الذي في المعاطاة. والله أعلم.
ومأخذ الثّالث: شرط نفي خِيَار المجلس، وهذه الأقوال هي التي اقتصر عليها الفقهاء، ونُخرج ممّا ذكرناه من طرق الحديث زيادةً على ذلك.
وأمّا المنابذة. فاختلفوا فيها أيضاً على ثلاثة أقوال , وهي أوجهٌ
стр. 2155
للشّافعيّة. أصحّها: أن يجعلا نفس النّبذ بيعاً كما تقدّم في الملامسة , وهو الموافق للتّفسير في الحديث المذكور.
والثّاني: أن يجعلا النّبذ بيعاً بغير صيغة.
والثّالث: أن يجعلا النّبذ قاطعاً للخِيَار.
واختلفوا في تفسير النّبذ.
فقيل: هو طرح الثّوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور.
وقيل: هو نبذ الحصاة، والصّحيح أنّه غيره. وقد روى مسلم " النّهي عن بيع الحصاة " من حديث أبي هريرة.
واختلف في تفسير بيع الحصاة.
فقيل: هو أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمي حصاةً، أو من هذه الأرض ما انتهت إليه في الرّمي.
وقيل: هو أن يشترط الخِيَار إلى أن يرمي الحصاة.
والثّالث: أن يجعلا نفس الرّمي بيعاً.
وقوله في الحديث " لمس الثّوب لا ينظر إليه " استُدل به.
وهو القول الأول. على بطلان بيع الغائب. وهو قول الشّافعيّ في الجديد.
القول الثاني: عن أبي حنيفة. يصحّ مطلقاً ويثبت الخِيَار إذا رآه , وحكي عن مالك والشّافعيّ أيضاً.
القول الثالث: عن مالكٍ. يصحّ إن وصفه وإلَّا فلا، وهو قول الشّافعيّ في القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأهل الظّاهر، واختاره
стр. 2156
البغويّ والرّويانيّ من الشّافعيّة , وإن اختلفوا في تفاصيله.
ويؤيّده قوله في رواية أبي عوانة التي قدّمتها " لا ينظرون إليها , ولا يخبرون عنها " وفي الاستدلال لذلك وفاقاً وخلافاً طول.
واستُدل به.
وهو القول الأول: على بطلان بيع الأعمى مطلقاً , وهو قول معظم الشّافعيّة حتّى من أجاز منهم بيع الغائب , لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك , فيكون كبيع الغائب مع اشتراط نفي الخِيَار.
القول الثاني: يصحّ إذا وصفه له غيره , وبه قال مالك وأحمد.
القول الثالث: عن أبي حنيفة. يصحّ مطلقاً على تفاصيل عندهم أيضاً.
تنبيهان:
الأوّل: وقع عند ابن ماجه. أنّ التّفسير من قول سفيان بن عيينة , وهو خطأٌ من قائله , بل الظّاهر أنّه قول الصّحابيّ كما سأبيّنه بعد.
الثّاني: حديث أبي هريرة " نهى النّبيّ ﷺ عن الملامسة والمنابذة " أخرجه البخاريّ عنه من طرق , ثالثها طريق حفص بن عاصم عنه , وهو في مواقيت الصّلاة , ولَم يذكر في شيءٍ من طرقه عنه تفسير المنابذة والملامسة.
وقد وقع تفسيرهما في رواية مسلم والنّسائيّ كما تقدّم.
وظاهر الطّرق كلها أنّ التّفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النّسائيّ ما يشعر بأنّه من كلام من دون النّبيّ ﷺ ولفظه "
стр. 2157
وزعم: أنّ الملامسة أن يقول .. إلخ ".
فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصّحابيّ لبُعد أن يعبّر الصّحابيّ عن النّبيّ ﷺ بلفظ زعم، ولوقوع التّفسير في حديث أبي سعيد الخدريّ من قوله أيضاً كما تقدّم
стр. 2158
الحديث الرابع
٢٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ , قال: لا تلقّوا الرّكبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ، ولا تُصرّوا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النّظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعاً من تمرٍ. (١)
وفي لفظ: هو بالخِيَار ثلاثاً. (٢)
قوله: (لا تلقّوا الرّكبان) ولمسلم " لا يتلقّى الرّكبان لبيعٍ " خرج مخرج الغالب في أنّ من يجلب الطّعام يكونون عدداً ركباناً، ولا مفهومَ له بل لو كان الجالب عدداً مشاة أو واحداً راكباً أو ماشياً لَم يختلف الحكم.
ولهما من رواية أبي حازم عن أبي هريرة " نهى رسول الله ﷺ عن التلقي " , وظاهره منع التّلقّي مطلقاً سواء كان قريباً أم بعيداً، سواء
стр. 2159
كان لأجل الشّراء منهم أم لا.
وقوله " لبيع " يشمل البيع لهم والبيع منهم، ويفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتّلقّي. فلو تلقّى الرّكبان أحد للسّلام أو الفرجة , أو خرج لحاجةٍ له فوجدهم فبايعهم , هل يتناوله النّهي؟.
فيه احتمال، فمن نَظَرَ إلى المعنى لَم يفترق عنده الحكم بذلك , وهو الأصحّ عند الشّافعيّة، وشرط بعض الشّافعيّة في النّهي أن يبتدئ المتلقّي فيطلب من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع فاشترى منه المتلقّي لَم يدخل في النّهي.
وذكر إمام الحرمين (١) في صورة التّلقّي المحرّم: أن يكذب في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل.
وذكر المتولي فيها , أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدّخول.
وذكر أبو إسحاق الشّيرازيّ: أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم.
وقد يؤخذ من هذه التّقييدات إثبات الخِيَار لمن وقعت له ولو لَم يكن هناك تلقٍّ، لكن صرّح الشّافعيّة: أنّ كون إخباره كذباً ليس شرطاً لثبوت الخِيَار , وإنّما يثبت له الخِيَار إذا ظهر الغبن , فهو المعتبر وجوداً وعدماً.
وجزم البخاري. بأنّ البيع مردود بناءً على أنّ النّهي يقتضي الفساد، لكن محل ذلك عند المحقّقين فيما يرجع إلى ذات المنهيّ عنه. لا ما إذا
стр. 2160
كان يرجع إلى أمرٍ خارجٍ عنه. فيصحّ البيع ويثبت الخِيَار بشرطه الآتي ذكره.
وأمّا كون صاحبه عاصياً آثماً والاستدلال عليه بكونه خداعاً فصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون البيع مردوداً , لأنّ النّهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيءٍ من أركانه وشرائطه , وإنّما هو لدفع الإضرار بالرّكبان
والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكيّة وبعض الحنابلة، ويمكن أن يحمل قول البخاريّ , أنّ البيع مردود على ما إذا اختار البائع ردّه فلا يخالف الرّاجح.
وقد تعقّبه الإسماعيليّ , وألزمه التّناقض ببيع المصرّاة , فإنّ فيه خداعاً ومع ذلك لَم يبطل البيع، وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع له بأجرٍ أو بغير أجر، واستدل عليه أيضاً بحديث حكيم بن حزام الماضي في بيع الخِيَار ففيه " فإن كذّبا وكتما محقت بركة بيعهما ".
قال: فلم يبطل بيعهما بالكذب والكتمان للعيب، وقد ورد بإسنادٍ صحيحٍ " أنّ صاحب السّلعة إذا باعها لمن تلقّاه يصير بالخِيَار إذا دخل السّوق " ثمّ ساقه من حديث أبي هريرة.
قال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة التّلقّي. وكرهه الجمهور.
قلت: الذي في كتب الحنفيّة يكره التّلقّي في حالتين:
الحالة الأولى: أن يضرّ بأهل البلد.
стр. 2161
الثانية: أن يلتبس السّعر على الواردين.
ثمّ اختلفوا:
فقال الشّافعيّ: مَن تلقّاه فقد أساء وصاحب السّلعة بالخِيَار، وحجّته حديث أيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة " أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن تلقّي الجلب، فإن تلقّاه فاشتراه فصاحبه بالخِيَار إذا أتى السّوق ".
قلت: وهو حديثٌ أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وصحَّحه ابن خزيمة من طريق أيّوب، وأخرجه مسلم من طريق هشام عن ابن سيرين بلفظ " لا تلقّوا الجلب، فمن تلقّاه فاشترى منه فإذا أتى سيّده السّوق فهو بالخِيَار " وقوله " فهو بالخِيَار " أي: إذا قدم السّوق وعلم السّعر.
وهل يثبت له مطلقاً أو بشرط أن يقع له في البيع غبنٌ؟ وجهان.
أصحّهما الأوّل. وبه قال الحنابلة، وظاهره أيضاً أنّ النّهي لأجل منفعة البائع وإزالة الضّرر عنه وصيانته ممّن يخدعه.
قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السّوق لا على نفع ربّ السّلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيّون والأوزاعيّ قال: والحديث حجّة للشّافعيّ لأنّه أثبت الخِيَار للبائع لا لأهل السّوق. انتهى.
واحتجّ مالك بحديث ابن عمر في البخاري " ولا تلقّوا السّلع حتّى يهبط بها إلى السّوق "
تكميل: أخرج البخاري عن ابن عمر قال: كنّا نتلقّى الرّكبان
стр. 2162
فنشترى منهم الطّعام، فنهانا النّبىّ ﷺ أن نبيعه حتّى يبلغ به سوق الطّعام.
قال البخاري: هذا في أعلى السّوق، يبيّنه حديث عبيد الله.
أراد البخاريّ بذلك. الرّدّ على من استدل به على جواز تلقّي الرّكبان , لإطلاق قول ابن عمر " كنّا نتلقّى الرّكبان " ولا دلالة فيه، لأنّ معناه أنّهم كانوا يتلقّونهم في أعلى السّوق. كما في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في البخاري بلفظ: كانوا يبتاعون الطّعام في أعلى السّوق فيبيعونه في مكانهم، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتّى ينقلوه.
وقد صرّح مالك في روايته عن نافعٍ في البخاري بقوله " ولا تلقّوا السّلع حتّى يهبط بها السّوق " فدلَّ على أنّ التّلقّي الذي لَم ينه عنه إنّما هو ما بلغ السّوق، والحديث يفسّر بعضه بعضاً.
وادّعى الطّحاويّ التّعارض في هاتين الرّوايتين , وجمع بينهما بوقوع الضّرر لأصحاب السّلع وعدمه، قال: فيحمل حديث النّهي على ما إذا حصل الضّرر، وحديث الإباحة على ما إذا لَم يحصل.
ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاريّ. والله أعلم.
قوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ) في رواية ابن المسيب عن أبي هريرة في الصحيحين " ولا يبع المرء على بيع أخيه " , ولمسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر " لا يبع الرّجل على بيع
стр. 2163
أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه (١)، إلَّا أن يأذن له ".
وقوله: " إلَّا أن يأذن له ".
يحتمل: أن يكون استثناء من الحكمين كما هو قاعدة الشّافعيّ.
ويحتمل: أن يختصّ بالأخير.
ويؤيّد الثّاني: رواية البخاري من طريق ابن جريج عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ " نهى أن يبيع الرّجل على بيع أخيه، ولا يخطب الرّجل على خطبة أخيه، حتّى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب ".
ومن ثَمَّ نشأ خلاف للشّافعيّة: هل يختصّ ذلك بالنّكاح , أو يلتحق به البيع في ذلك؟ والصّحيح عدم الفرق.
وقد أخرجه النّسائيّ من وجهٍ آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ " لا يبيع الرّجل على بيع أخيه حتّى يبتاع أو يذر " وللبخاري من حديث أبي هريرة بلفظ " وأن يستام الرّجل على سوم أخيه " وأخرجه مسلم في حديث نافعٍ عن ابن عمر أيضاً.
وذِكْر " المسلم " لكونه أقرب إلى امتثال الأمر من غيره، وفي ذِكْره إيذان بأنّه لا يليق به أن يستأثر على مسلمٍ مثله.
وظاهر التّقييد بأخيه أن يختصّ ذلك بالمسلم. وبه قال الأوزاعيّ وأبو عبيد بن حربويه من الشّافعيّة.
стр. 2164
وأصرح من ذلك رواية مسلمٍ من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ " لا يسوم المسلم على سوم المسلم "
وقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم والذّمّيّ: وذِكْرُ الأخِ خرج للغالب فلا مفهوم له.
قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشّراء على الشّراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعةً في زمن الخِيَار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمعٌ عليه.
وأمّا السّوم: فصورته أن يأخذ شيئاً ليشتريه فيقول له: ردّه لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استردّه لأشتريه منك بأكثر.
ومحلّه بعد استقرار الثّمن وركون أحدهما إلى الآخر. فإن كان ذلك صريحاً. فلا خلاف في التّحريم. وإن كان ظاهراً. ففيه وجهان للشّافعيّة.
ونقل ابن حزم اشتراط الرّكون عن مالكٍ , وقال: إنّ لفظ الحديث لا يدل عليه.
وتعقّب: بأنّه لا بدّ من أمرٍ مبيّنٍ لموضع التّحريم في السّوم، لأنّ السّوم في السّلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتّفاقاً كما نقله ابن عبد البرّ. فتعيّن أنّ السّوم المحرّم ما وقع فيه قدرٌ زائدٌ على ذلك.
وقد استثنى بعض الشّافعيّة من تحريم البيع والسّوم على الآخر. ما إذا لَم يكن المشتري مغبوناً غبناً فاحشاً، وبه قال ابن حزمٍ. واحتجّ
стр. 2165
بحديث " الدّين النّصيحة " , لكن لَم تنحصر النّصيحة في البيع والسّوم فله أن يعرّفه أنّ قيمتها كذا وأنّك إن بعتها بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
وذهب الجمهور: إلى صحّة البيع المذكور مع تأثيم فاعله.
وعند المالكيّة والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظّاهر. والله أعلم.
قوله: (ولا تناجشوا) ذكره بصيغة التّفاعل , لأنّ التّاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل له مثله.
والنجش: بفتح النّون والمشهور أنّه بفتح الجيم. وحكى المطرّزيّ فيه السّكون. وهو في اللغة تنفير الصّيد واستثارته من مكانه ليصاد، يقال نجشت الصّيد أنجشه بالضّمّ نجشاً.
وفي الشّرع , الزّيادة في ثمن السّلعة ممّن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمّي بذلك , لأنّ النّاجش يثير الرّغبة في السّلعة , ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختصّ بذلك النّاجش.
وقد يختصّ به البائع كمن يخبر بأنّه اشترى سلعة بأكثر ممّا اشتراها به ليغرّ غيره بذلك كما سيأتي من كلام الصّحابيّ.
وقال ابن قتيبة: النّجش الختل والخديعة، ومنه قيل للصّائد ناجش , لأنّه يختل الصّيد , ويحتال له.
وأخرج عبد الرّزّاق من طريق عمر بن عبد العزيز , أنّ عاملاً له
стр. 2166
باع سبياً , فقال له: لولا أنّي كنت أزيد فأنفقه لكان كاسداً، فقال له عمر: هذا نجش لا يحل، فبعث منادياً ينادي: إنّ البيع مردود , وإنّ البيع لا يحل.
وأخرج البخاري عن إبراهيم السكسكي عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لَم يعط فنزلت (إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً) قال ابن أبي أوفى: النّاجش آكل رباً خائنٌ. أورده من طريق يزيد بن هارون عن السّكسكيّ.
وقد أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن يزيد , مقتصرين على الموقوف , وأخرجه الطّبرانيّ من وجهٍ آخر عن ابن أبي أوفى مرفوعاً , لكن قال " ملعون " بدل خائن.
وأطلق ابن أبي أوفى على مَن أخبر بأكثر ممّا اشترى به أنّه ناجشٌ لمشاركته لمن يزيد في السّلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير , فاشتركا في الحكم لذلك , وكونه آكل رباً بهذا التّفسير.
وكذلك يصحّ على التّفسير الأوّل , إن واطأه البائع على ذلك وجعل له عليه جعلاً , فيشتركان جميعاً في الخيانة.
وقد اتّفق أكثر العلماء على تفسير النّجش في الشّرع بما تقدّم.
وقيّد ابن عبد البرّ وابن العربيّ وابن حزم التّحريم بأن تكون الزّيادة المذكورة فوق ثمن المثل.
قال ابن العربيّ: فلو أنّ رجلاً رأى سلعة رجلٍ تباع بدون قيمتها
стр. 2167
فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لَم يكن ناجشاً عاصياً , بل يؤجر على ذلك بنيّته، وقد وافقه على ذلك بعض المتأخّرين من الشّافعيّة.
وفيه نظرٌ. إذ لَم تتعيّن النّصيحة في أن يوهم أنّه يريد الشّراء وليس من غرضه , بل غرضه أن يزيد على من يريد الشّراء أكثر ممّا يريد أن يشتري به، فللذي يريد النّصيحة مندوحة عن ذلك أن يعلم البائع بأنّ قيمة سلعتك أكثر من ذلك ثمّ هو باختياره بعد ذلك.
ويحتمل: أن لا يتعيّن عليه إعلامه بذلك حتّى يسأله للحديث الآتي " دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه " والله أعلم.
قال ابن بطّال: أجمع العلماء على أنّ النّاجش عاصٍ بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك.
ونقل ابن المنذر عن طائفةٍ من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظّاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو صنعه.
والمشهور عند المالكيّة في مثل ذلك ثبوت الخِيَار. وهو وجهٌ للشّافعيّة قياساً على المصرّاة، والأصحّ عندهم صحّة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفيّة
وقال الرّافعيّ: أطلق الشّافعيّ في " المختصر " تعصية النّاجش، وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالماً بالنّهي.
وأجاب الشّارحون: بأنّ النّجش خديعة , وتحريم الخديعة واضح
стр. 2168
لكل أحدٍ وإن لَم يعلم هذا الحديث بخصوصه، بخلاف البيع على بيع أخيه فقد لا يشترك فيه كلّ أحد.
واستشكل الرّافعيّ الفرق بأنّ البيع على بيع أخيه إضرار , والإضرار يشترك في علم تحريمه كلّ أحد، قال: فالوجه تخصيص المعصية في الموضعين بمن علم التّحريم. انتهى.
وقد حكى البيهقيّ في " المعرفة " و " السّنن " عن الشّافعيّ تخصيص التّعصية في النّجش أيضاً بمن علم النّهي. فظهر أنّ ما قاله الرّافعيّ بحثاً منصوصٌ، ولفظ الشّافعيّ: النّجش أن يحضر الرّجل السّلعة تباع فيعطي بها الشّيء وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السّوّام فيعطون بها أكثر ممّا كانوا يعطون لو لَم يسمعوا سومه، فمن نَجَشَ فهو عاصٍ بالنّجش إن كان عالماً بالنّهي، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه.
قوله: (ولا يبع حاضرٌ لبادٍ) وللبخاري من رواية أبي حازم عن أبي هريرة " نهى رسول الله ﷺ عن التّلقّى، وأن يبتاع المهاجر للأعرابىّ " المراد بالمهاجر الحضريّ، وأطلق عليه ذلك على عرف ذلك الزّمان.
والمعنى أنّ الأعرابيّ إذا جاء السّوق ليبتاع شيئاً لا يتوكّل له الحاضر , لئلا يحرم أهل السّوق نفعاً ورفقاً، وإنّما له أن ينصحه ويشير عليه.
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله " أن يبتاع " أن يبيع فيوافق الرواية
стр. 2169
الماضية (١).
قوله: (ولا تُصرّوا الإبل) بضمّ أوّله وفتح ثانيه بوزن تزكّوا. يقال: صرّى يصرّي تصرية كزكّى يزكّي تزكية.
والإبل بالنّصب على المفعوليّة، وقيّده بعضهم بفتح أوّله وضمّ ثانيه.
والأوّل أصحّ. لأنّه من صريت اللبن في الضّرع إذا جمعته , وليس من صررت الشّيء إذا ربطته، إذ لو كان منه لقيل مصرورة أو مصرّرة ولَم يقل مصرّاة، على أنّه قد سُمع الأمران في كلام العرب.
قال الأغلب:
رأت غلاماً قد صرى في فقرته ... ماء الشّباب عنفوان سيرته
وقال مالك بن نويرة:
فقلتُ لقومي هذه صدقاتكم ... مصرّرة أخلافها لَم تحرّر
وضبطه بعضهم: بضمّ أوّله وفتح ثانيه لكن بغير واوٍ على البناء للمجهول , والمشهور الأوّل.
قال البخاري: المصرّاة التي صُري لبنها وحقن فيه وجمع فلم يحلب , وأصل التّصرية حبس الماء يقال: منه صريت الماء إذا حبسته " وهذا التّفسير قول أبي عبيد وأكثر أهل اللغة.
стр. 2170
وقال الشّافعيّ: هو ربط أخلاف النّاقة أو الشّاة وترك حلبها حتّى يجتمع لبنها فيكثر , فيظنّ المشتري أنّ ذلك عادتها , فيزيد في ثمنها لِما يرى من كثرة لبنها.
قوله: (الإبل والغنم) لَم يذكر البقر، إلَّا أنّها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافاً لداود، وإنّما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم.
وظاهر النّهي تحريم التّصرية سواء قصد التّدليس أم لا.
وللشيخين من طريق أبي حازم عن أبي هريرة " نهى عن التّصرية " وبهذا جزم بعض الشّافعيّة. وعلَّله بما فيه من إيذاء الحيوان.
لكن أخرج النّسائيّ حديث الباب من طريق سفيان عن أبي الزّناد عن الأعرج بلفظ " لا تصرّوا الإبل والغنم للبيع " , وله من طريق أبي كثير السّحيميّ عن أبي هريرة: إذا باع أحدكم الشّاة أو اللقحة فلا يحفّلها.
وهذا هو الرّاجح. وعليه يدل تعليل الأكثر بالتّدليس، ويجاب عن التّعليل بالإيذاء بأنّه ضرر يسير لا يستمرّ فيغتفر لتحصيل المنفعة.
قوله: (فمن ابتاعها) أي: من اشتراها بعد التّحفيل.
زاد عبيد الله بن عمر (١) عن أبي الزّناد " فهو بالخِيَار ثلاثة أيّام " أخرجه الطّحاويّ. وسيأتي ذكر من وافقه على ذلك.
стр. 2171
وابتداء هذه المدّة من وقت بيان التّصرية وهو قول الحنابلة.
وعند الشّافعيّة أنّها من حين العقد.
وقيل: من التّفرّق، ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع من الثّلاث في بعض الصّور , وهو ما إذا تأخّر ظهور التّصرية إلى آخر الثّلاث، ويلزم عليه أيضاً أن تحسب المدّة قبل التّمكّن من الفسخ. وذلك يفوّت مقصود التّوسّع بالمدّة.
قوله: (فهو بخير النّظرين) أي: الرّأيين.
قوله: (بعد أن يَحلبها) وللبخاري من رواية الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج " بخير النظرين بعد إن يحتلبها " كذا في الأصل. وهو بكسر إن على أنّها شرطيّة وجزْم يحتلبها.
ولابن خزيمة والإسماعيليّ من طريق أسيد بن موسى عن الليث " بعد أن يحتلبها " بفتح أن ونصب يحتلبها.
وظاهر الحديث. أنّ الخِيَار لا يثبت إلَّا بعد الحلب، والجمهور على أنّه إذا علم بالتّصرية ثبت له الخِيَار ولو لَم يحلب، لكن لَمَّا كانت التّصرية لا تعرف غالباً إلَّا بعد الحلب ذكر قيداً في ثبوت الخِيَار، فلو ظهرت التّصرية بغير الحلب فالخِيَار ثابت.
قوله: (إن رضيها أمسكها) في رواية جعفر بن ربيعة " إن شاء أمسك " أي: أبقاها على ملكه وهو يقتضي صحّة بيع المصرّاة وإثبات الخِيَار للمشتري.
فلو اطّلع على عيبٍ بعد الرّضا بالتّصرية فردّها هل يلزم الصّاع؟
стр. 2172
فيه خلاف.
والأصحّ عند الشّافعيّة وجوب الرّدّ، ونقلوا نصّ الشّافعيّ على أنّه لا يردّ، وعند المالكيّة قولان.
قوله: (وإن سخطها ردّها) في رواية جعفر بن ربيعة " وإن شاء ردّها " وظاهره اشتراط الفور وقياساً على سائر العيوب، لكنّ الرّواية التي فيها أنّ له الخِيَار ثلاثة أيّامٍ مقدّمةٌ على هذا الإطلاق، ونقل أبو حامد والرّويانيّ فيه نصّ الشّافعيّ. وهو قول الأكثر.
وأجاب من صحّح الأوّل: بأنّ هذه الرّواية محمولةٌ على ما إذا لَم يعلم أنّها مصرّاة إلَّا في الثّلاث لكون الغالب أنّها لا تعلم فيما دون ذلك.
قال ابن دقيق العيد (١): والثّاني أرجح , لأنّ حكم التّصرية قد خالف القياس في أصل الحكم لأجل النّصّ فيطرد ذلك , ويتّبع في جميع موارده.
قلت: ويؤيّده أنّ في بعض روايات أحمد والطّحاويّ من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة " فهو بأحد النّظرين: بالخِيَار إلى أن يحوزها أو يردّها " وسيأتي.
قوله: (وصاعاً من تمر) في رواية جعفر بن ربيعة " وصاع تمر " والواو عاطفة للصّاع على الضّمير في ردّها، ويجوز أن تكون الواو
стр. 2173
بمعنى مع , ويستفاد منه فوريّة الصّاع مع الرّدّ.
ويجوز أن يكون مفعولاً معه، ويعكّر عليه قول جمهور النّحاة: إنّ شرط المفعول معه أن يكون فاعلاً.
فإن قيل: التّعبير بالرّدّ في المصرّاة واضح. فما معنى التّعبير بالرّدّ في الصّاع؟.
فالجواب: أنّه مثل قول الشّاعر: علفتها تبناً وماءً بارداً.
أي: علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً، ويجعل علفتها مجازاً عن فعلٍ شاملٍ للأمرين. أي: ناولتها، فيحمل الرّدّ في الحديث على نحو هذا التّأويل.
واستدل به على وجوب ردّ الصّاع مع الشّاة إذا اختار فسخ البيع، فلو كان اللبن باقياً ولَم يتغيّر فأراد ردّه. هل يلزم البائع قبوله؟.
فيه وجهان. أصحّهما لا، لذهاب طراوته ولاختلاطه بما تجدّد عند المبتاع، والتّنصيص على التّمر يقتضي تعيينه كما سيأتي.
قال البخاري: ويُذكر عن أبى صالحٍ ومجاهدٍ والوليد بن رباحٍ وموسى بن يسارٍ عن أبى هريرة عن النّبىّ ﷺ صاع تمرٍ.
وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من طعامٍ وهو بالخِيَار ثلاثاً.
وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من تمرٍ. ولَم يذكر ثلاثاً، والتّمر أكثر. انتهى
يعني: أنّ أبا صالح ومن بعده وقع في رواياتهم تعيين التّمر.
فأمّا رواية أبي صالح , فوصلها أحمد ومسلم من طريق سهيل بن
стр. 2174
أبي صالح عن أبيه بلفظ " من ابتاع شاةً مصرّاةً فهو فيها بالخِيَار ثلاثة أيّامٍ. فإن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وردّ معها صاعاً من تمر "
وأمّا رواية مجاهدٍ. فوصلها البزّار، قال مغلطاي: لَم أرها إلَّا عنده.
قلت: قد وصلها أيضاً الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق محمّد بن مسلم الطّائفيّ عن ابن أبي نجيح، والدّارقطنيّ من طريق ليث بن أبي سليم كلاهما عن مجاهد، وأوّل رواية ليث " لا تبيعوا المصرّاة من الإبل والغنم " الحديث.
وليث ضعيف , وفي محمّد بن مسلم أيضاً لينٌ
وأمّا رواية الوليد بن رباح - وهو بفتح الرّاء وبالموحّدة - فوصلها أحمد بن منيع في " مسنده " بلفظ " من اشترى مصرّاة فليردّ معها صاعاً من تمرٍ ".
وأمّا رواية موسى بن يسار - وهو بالتّحتانيّة والمهملة - فوصلها مسلم بلفظ " من اشترى شاةً مصرّاةً فلينقلب بها فليحلبها فإن رضي بها أمسكها , وإلا ردّها ومعها صاعٌ من تمر " وسياقه يقتضي الفوريّة.
وقول البخاري: وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من طعامٍ وهو بالخِيَار ثلاثاً , وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من تمر " ولَم يذكر ثلاثاً "
أمّا رواية من رواه بلفظ الطّعام والثّلاث.
فوصلها مسلم والتّرمذيّ من طريق قرّة بن خالد عنه بلفظ " من اشترى مصرّاة فهو بالخِيَار ثلاثة أيّامٍ. فإنْ ردّها ردّ معها صاعاً من
стр. 2175
طعامٍ لا سمراء " وأخرجه أبو داود من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام وحبيب وأيّوب عن ابن سيرين نحوه.
وأمّا رواية من رواه بلفظ التّمر دون ذكر الثّلاث.
فوصلها أحمد من طريق معمر عن أيّوب عن ابن سيرين بلفظ " من اشترى شاةً مصرّاةً فإنّه يحلبها فإن رضيها أخذها وإلا ردّها وردّ معها صاعاً من تمر " وقد رواه سفيان عن أيّوب فذكر الثّلاث , أخرجه مسلم من طريقه بلفظ: من اشترى شاةً مصرّاةً فهو بخير النّظرين ثلاثة أيّامٍ. إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وصاعاً من تمرٍ لا سمراء.
ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطّعام , ولَم يقل ثلاثاً.
أخرجه أحمد والطّحاويّ من طريق عون عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو كلاهما عن أبي هريرة بلفظ " من اشترى لقحة مصرّاة أو شاة مصرّاة فحلبها. فهو بأحد النّظرين بالخِيَار إلى أن يحوزها أو يردّها وإناءً من طعام ".
فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات:
ذِكْر التّمر والثّلاث، وذِكْر التّمر بدون الثّلاث، والطّعام بدل التّمر كذلك.
والذي يظهر في الجمع بينها , أنّ من زاد الثّلاث معه زيادة علم وهو حافظ، ويُحمل الأمر فيمن لَم يذكرها على أنّه لَم يحفظها أو اختصرها , وتُحمل الرّواية التي فيها الطّعام على التّمر.