← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وابتداء هذه المدّة من وقت بيان التّصرية وهو قول الحنابلة. وعند الشّافعيّة أنّها من حين العقد. وقيل: من التّفرّق، ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع من الثّلاث في بعض الصّور , وهو ما إذا تأخّر ظهور التّصرية إلى آخر الثّلاث، ويلزم عليه أيضاً أن تحسب المدّة قبل التّمكّن من الفسخ. وذلك يفوّت مقصود التّوسّع بالمدّة. قوله: (فهو بخير النّظرين) أي: الرّأيين. قوله: (بعد أن يَحلبها) وللبخاري من رواية الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج " بخير النظرين بعد إن يحتلبها " كذا في الأصل. وهو بكسر إن على أنّها شرطيّة وجزْم يحتلبها. ولابن خزيمة والإسماعيليّ من طريق أسيد بن موسى عن الليث " بعد أن يحتلبها " بفتح أن ونصب يحتلبها. وظاهر الحديث. أنّ الخِيَار لا يثبت إلَّا بعد الحلب، والجمهور على أنّه إذا علم بالتّصرية ثبت له الخِيَار ولو لَم يحلب، لكن لَمَّا كانت التّصرية لا تعرف غالباً إلَّا بعد الحلب ذكر قيداً في ثبوت الخِيَار، فلو ظهرت التّصرية بغير الحلب فالخِيَار ثابت. قوله: (إن رضيها أمسكها) في رواية جعفر بن ربيعة " إن شاء أمسك " أي: أبقاها على ملكه وهو يقتضي صحّة بيع المصرّاة وإثبات الخِيَار للمشتري. فلو اطّلع على عيبٍ بعد الرّضا بالتّصرية فردّها هل يلزم الصّاع؟

стр. 2172

فيه خلاف. والأصحّ عند الشّافعيّة وجوب الرّدّ، ونقلوا نصّ الشّافعيّ على أنّه لا يردّ، وعند المالكيّة قولان. قوله: (وإن سخطها ردّها) في رواية جعفر بن ربيعة " وإن شاء ردّها " وظاهره اشتراط الفور وقياساً على سائر العيوب، لكنّ الرّواية التي فيها أنّ له الخِيَار ثلاثة أيّامٍ مقدّمةٌ على هذا الإطلاق، ونقل أبو حامد والرّويانيّ فيه نصّ الشّافعيّ. وهو قول الأكثر. وأجاب من صحّح الأوّل: بأنّ هذه الرّواية محمولةٌ على ما إذا لَم يعلم أنّها مصرّاة إلَّا في الثّلاث لكون الغالب أنّها لا تعلم فيما دون ذلك. قال ابن دقيق العيد (١): والثّاني أرجح , لأنّ حكم التّصرية قد خالف القياس في أصل الحكم لأجل النّصّ فيطرد ذلك , ويتّبع في جميع موارده. قلت: ويؤيّده أنّ في بعض روايات أحمد والطّحاويّ من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة " فهو بأحد النّظرين: بالخِيَار إلى أن يحوزها أو يردّها " وسيأتي. قوله: (وصاعاً من تمر) في رواية جعفر بن ربيعة " وصاع تمر " والواو عاطفة للصّاع على الضّمير في ردّها، ويجوز أن تكون الواو

стр. 2173

بمعنى مع , ويستفاد منه فوريّة الصّاع مع الرّدّ. ويجوز أن يكون مفعولاً معه، ويعكّر عليه قول جمهور النّحاة: إنّ شرط المفعول معه أن يكون فاعلاً. فإن قيل: التّعبير بالرّدّ في المصرّاة واضح. فما معنى التّعبير بالرّدّ في الصّاع؟. فالجواب: أنّه مثل قول الشّاعر: علفتها تبناً وماءً بارداً. أي: علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً، ويجعل علفتها مجازاً عن فعلٍ شاملٍ للأمرين. أي: ناولتها، فيحمل الرّدّ في الحديث على نحو هذا التّأويل. واستدل به على وجوب ردّ الصّاع مع الشّاة إذا اختار فسخ البيع، فلو كان اللبن باقياً ولَم يتغيّر فأراد ردّه. هل يلزم البائع قبوله؟. فيه وجهان. أصحّهما لا، لذهاب طراوته ولاختلاطه بما تجدّد عند المبتاع، والتّنصيص على التّمر يقتضي تعيينه كما سيأتي. قال البخاري: ويُذكر عن أبى صالحٍ ومجاهدٍ والوليد بن رباحٍ وموسى بن يسارٍ عن أبى هريرة عن النّبىّ ﷺ صاع تمرٍ. وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من طعامٍ وهو بالخِيَار ثلاثاً. وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من تمرٍ. ولَم يذكر ثلاثاً، والتّمر أكثر. انتهى يعني: أنّ أبا صالح ومن بعده وقع في رواياتهم تعيين التّمر. فأمّا رواية أبي صالح , فوصلها أحمد ومسلم من طريق سهيل بن

стр. 2174

أبي صالح عن أبيه بلفظ " من ابتاع شاةً مصرّاةً فهو فيها بالخِيَار ثلاثة أيّامٍ. فإن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وردّ معها صاعاً من تمر " وأمّا رواية مجاهدٍ. فوصلها البزّار، قال مغلطاي: لَم أرها إلَّا عنده. قلت: قد وصلها أيضاً الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق محمّد بن مسلم الطّائفيّ عن ابن أبي نجيح، والدّارقطنيّ من طريق ليث بن أبي سليم كلاهما عن مجاهد، وأوّل رواية ليث " لا تبيعوا المصرّاة من الإبل والغنم " الحديث. وليث ضعيف , وفي محمّد بن مسلم أيضاً لينٌ وأمّا رواية الوليد بن رباح - وهو بفتح الرّاء وبالموحّدة - فوصلها أحمد بن منيع في " مسنده " بلفظ " من اشترى مصرّاة فليردّ معها صاعاً من تمرٍ ". وأمّا رواية موسى بن يسار - وهو بالتّحتانيّة والمهملة - فوصلها مسلم بلفظ " من اشترى شاةً مصرّاةً فلينقلب بها فليحلبها فإن رضي بها أمسكها , وإلا ردّها ومعها صاعٌ من تمر " وسياقه يقتضي الفوريّة. وقول البخاري: وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من طعامٍ وهو بالخِيَار ثلاثاً , وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من تمر " ولَم يذكر ثلاثاً " أمّا رواية من رواه بلفظ الطّعام والثّلاث. فوصلها مسلم والتّرمذيّ من طريق قرّة بن خالد عنه بلفظ " من اشترى مصرّاة فهو بالخِيَار ثلاثة أيّامٍ. فإنْ ردّها ردّ معها صاعاً من

стр. 2175

طعامٍ لا سمراء " وأخرجه أبو داود من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام وحبيب وأيّوب عن ابن سيرين نحوه. وأمّا رواية من رواه بلفظ التّمر دون ذكر الثّلاث. فوصلها أحمد من طريق معمر عن أيّوب عن ابن سيرين بلفظ " من اشترى شاةً مصرّاةً فإنّه يحلبها فإن رضيها أخذها وإلا ردّها وردّ معها صاعاً من تمر " وقد رواه سفيان عن أيّوب فذكر الثّلاث , أخرجه مسلم من طريقه بلفظ: من اشترى شاةً مصرّاةً فهو بخير النّظرين ثلاثة أيّامٍ. إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وصاعاً من تمرٍ لا سمراء. ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطّعام , ولَم يقل ثلاثاً. أخرجه أحمد والطّحاويّ من طريق عون عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو كلاهما عن أبي هريرة بلفظ " من اشترى لقحة مصرّاة أو شاة مصرّاة فحلبها. فهو بأحد النّظرين بالخِيَار إلى أن يحوزها أو يردّها وإناءً من طعام ". فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات: ذِكْر التّمر والثّلاث، وذِكْر التّمر بدون الثّلاث، والطّعام بدل التّمر كذلك. والذي يظهر في الجمع بينها , أنّ من زاد الثّلاث معه زيادة علم وهو حافظ، ويُحمل الأمر فيمن لَم يذكرها على أنّه لَم يحفظها أو اختصرها , وتُحمل الرّواية التي فيها الطّعام على التّمر.

стр. 2176

وقد روى الطّحاويّ من طريق أيّوب عن ابن سيرين , أنّ المراد بالسّمراء الحنطة الشّأُميَّة. وروى ابن أبي شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسّان عن ابن سيرين " لا سمراء " يعني الحنطة. وروى ابن المنذر من طريق ابن عونٍ عن ابن سيرين , أنّه سمع أبا هريرة يقول: لا سمراء، تمر ليس ببرٍّ. فهذه الرّوايات تبيّن أنّ المراد بالطّعام التّمر، ولَمّا كان المتبادر إلى الذّهن أنّ المراد بالطّعام القمح نفاه بقوله " لا سمراء ". لكن يعكّر على هذا الجمع ما رواه البزّار من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين بلفظ " إن ردّها ردّها ومعها صاعٌ من برٍّ، لا سمراء ". وهذا يقتضى أنّ المنفيّ في قوله " لا سمراء " حنطة مخصوصة وهي الحنطة الشّأُميَّة. فيكون المثبت لقوله " من طعام " أي: من قمح. ويحتمل: أن يكون راويه رواه بالمعنى الذي ظنّه مساوياً، وذلك أنّ المتبادر من الطّعام البرّ. فظنّ الرّاوي أنّه البُرّ فعبّر به، وإنّما أطلق لفظ الطّعام على التّمر , لأنّه كان غالب قوت أهل المدينة. فهذا طريق الجمع بين مختلف الرّوايات عن ابن سيرين في ذلك. لكن يعكّر على هذا ما رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن رجلٍ من الصّحابة نحو حديث الباب. وفيه " فإن ردّها ردّ معها صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من تمر " فإنّ ظاهره يقتضي التّخيير بين التّمر والطّعام , وأنّ الطّعام غير التّمر.

стр. 2177

ويحتمل: أن تكون " أو " شكّاً من الرّاوي لا تخييراً. وإذا وقع الاحتمال في هذه الرّوايات لَم يصحّ الاستدلال بشيءٍ منها فيرجع إلى الرّوايات التي لَم يختلف فيها - وهي التّمر - فهي الرّاجحة , كما أشار إليه البخاريّ. وأمّا ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بلفظ " إن ردّها ردّ معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً " ففي إسناده ضعف. وقد قال ابن قدامة: إنّه متروك الظّاهر بالاتّفاق. وقول البخاري " والتّمر أكثر " أي: أنّ الرّوايات النّاصّة على التّمر أكثر عدداً من الرّوايات التي لَم تنصّ عليه أو أبدلته بذكر الطّعام. فقد رواه بذكر التّمر - غير من تقدّم ذكره - ثابت بن عياض كما عند البخاري , وهمّام بن منبّه عند مسلم , وعكرمة وأبو إسحاق عند الطّحاويّ , ومحمّد بن زياد عند التّرمذيّ , والشّعبيّ عند أحمد وابن خزيمة كلّهم عن أبي هريرة. وأمّا رواية من رواه بذكر الإناء , فيفسّرها رواية من رواه بذكر الصّاع. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جمهور أهل العلم. وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهم من الصّحابة، وقال به من التّابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده , ولَم يفرّقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلاً أو كثيراً، ولا بين أن يكون التّمر قوت تلك البلد أم لا.

стр. 2178

وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفيّة. وفي فروعها آخرون. أمّا الحنفيّة فقالوا: لا يردّ بعيب التّصرية ولا يجب ردّ صاع من التّمر، وخالفهم زفر , فقال بقول الجمهور إلَّا أنّه قال: يتخيّر بين صاع تمرٍ أو نصف صاع برٍّ، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في روايةٍ إلَّا أنّهما قالا: لا يتعيّن صاع التّمر بل قيمته، وفي روايةٍ عن مالك وبعض الشّافعيّة كذلك , لكن قالوا: يتعيّن قوت البلد قياساً على زكاة الفطر. وحكى البغويّ: أن لا خلاف في المذهب أنّهما لو تراضيا بغير التّمر من قوتٍ أو غيره كفى، وأثبت ابن كجّ الخلاف في ذلك. وحكى الماورديّ وجهين فيما إذا عجَزَ عن التّمر. هل تلزمه قيمته ببلده أو بأقرب البلاد التي فيها التّمر إليه؟ وبالثّاني. قال الحنابلة واعتذر الحنفيّة عن الأخذ بحديث المصرّاة بأعذارٍ شتّى: الاعتذار الأول: منهم: من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة. ولَم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصّحابة فلا يؤخذ بما رواه مخالفاً للقياس الجليّ. وهو كلامٌ آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنىً عن تكلّف الرّدّ عليه. وقد ترك أبو حنيفة القياس الجليّ لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التّمر ومن القهقهة في الصّلاة وغير ذلك.

стр. 2179

وأظنّ أنّ لهذه النّكتة أورد البخاريّ حديث ابن مسعود (١) عقب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أنّ ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة , فلولا أنّ خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لَمَا خالف ابن مسعود القياس الجليّ في ذلك. وقال ابن السّمعانيّ في " الاصطلام ": التّعرّض إلى جانب الصّحابة علامة على خذلان فاعله , بل هو بدعة وضلالة، وقد اختصّ أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله ﷺ له كما عند البخاري وفيه قوله: إنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصّفق بالأسواق , وكنت ألزم رسول الله ﷺ فأشهد إذا غابوا , وأحفظ إذا نسوا. الحديث. ثمّ مع ذلك لَم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل. فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر، وأخرجه الطّبرانيّ من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، وأخرجه البيهقيّ في الخلافيّات من حديث عمرو بن عوف المزنيّ، وأخرجه أحمد من رواية رجلٍ من الصّحابة لَم يسمّ.

стр. 2180

وقال ابن عبد البرّ: هذا الحديث مُجمعٌ على صحّته وثبوته من جهة النّقل , واعتلَّ من لَم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها. الاعتذار الثاني: منهم مَن قال: هو حديث مضطرب. لذكر التّمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى، واعتباره بالصّاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارةً وبالإناء أخرى. والجواب: أنّ الطّرق الصّحيحة لا اختلاف فيها كما تقدّم، والضّعيف لا يُعل به الصّحيح. الاعتذار الثالث: منهم مَن قال: هو معارضٌ لعموم القرآن كقوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به). وأجيب: بأنّه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل وبغير المثل. الاعتذار الرابع: منهم مَن قال: هو منسوخ. وتعقّب: بأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النّسخ مع مدّعيه , لأنّهم اختلفوا في النّاسخ. فقيل ناسخه: حديث النّهي عن بيع الدّين بالدّين، وهو حديثٌ أخرجه ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر. ووجه الدّلالة منه أنّ لبن المصرّاة يصير ديناً في ذمّة المشتري، فإذا ألزم بصاعٍ من تمر نسيئة صار ديناً بدينٍ، وهذا جواب الطّحاويّ. وتعقّب: بأنّ الحديث ضعيف باتّفاق المحدّثين، وعلى التّنزّل فالتّمر إنّما شرع في مقابل الحلب سواء كان اللبن موجوداً أو غير

стр. 2181

موجودٍ فلم يتعيّن في كونه من الدّين بالدّين. وقيل ناسخه: حديث " الخراج بالضّمان " وهو حديثٌ أخرجه أصحاب السّنن عن عائشة. ووجه الدّلالة منه أنّ اللبن فضلة من فضلات الشّاة ولو هلكت لكان من ضمان المشتري فكذلك فضلاتها تكون له. فكيف يغرم بدلها للبائع؟ حكاه الطّحاويّ أيضاً. وتعقّب: بأنّ حديث المصرّاة أصحّ منه باتّفاقٍ. فكيف يقدّم المرجوح على الرّاجح؟ ودعوى كونه بعده لا دليل عليها، وعلى التّنزال فالمشتري لَم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه , بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد. ولَم يدخل في العقد فليس بين الحديثين على هذا تعارضٌ. وقيل ناسخه: الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعةً قبل ذلك كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه في مانع الزّكاة: فإنّا آخذوها وشطر ماله. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه " في الذي يسرق من الجرين: يغرم مثليه " وكلاهما في السّنن. وهذا جواب عيسى بن أبان، فحديث المصرّاة من هذا القبيل , وهي كلها منسوخة. وتعقّبه الطّحاويّ: بأنّ التّصرية إنّما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب للزمه التّغريم، والفرض أنّ حديث المصرّاة يقتضي

стр. 2182

تغريم المشتري فافترقا. وقيل ناسخه: حديث " والبيّعان بالخِيَار ما لَم يتفرّقا " وهذا جواب محمّد بن شجاع. ووجه الدّلالة منه أنّ الفرقة تقطع الخِيَار فثبت أن لا خِيَار بعدها إلَّا لمن استثناه الشّارع بقوله " إلَّا بيع الخِيَار ". وتعقّبه الطّحاويّ: بأنّ الخِيَار الذي في المصرّاة من خِيَار الرّدّ بالعيب، وخِيَار الرّدّ بالعيب لا تقطعه الفرقة، ومن الغريب أنّهم لا يقولون بخِيَار المجلس ثمّ يحتجّون به فيما لَم يرد فيه. الاعتذار الخامس: منهم مَن قال: هو خبرٌ واحدٌ لا يفيد إلَّا الظّنّ، وهو مخالفٌ لقياس الأصول المقطوع به فلا يلزم العمل به. وتعقّب: بأنّ التّوقّف في خبر الواحد إنّما هو في مخالفة الأصول لا في مخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنّما خالف قياس الأصول بدليل أنّ الأصول الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس، والكتاب والسّنّة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان إليهما. فالسّنّة أصل والقياس فرع. فكيف يردّ الأصل بالفرع؟ بل الحديث الصّحيح أصل بنفسه. فكيف يقال إنّ الأصل يخالف نفسه؟. وعلى تقدير التّسليم. يكون قياس الأصول يفيد القطع وخبر الواحد لا يفيد إلَّا الظّنّ، فتناول الأصل لا يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوعٍ به لجواز استثناء محله عن ذلك الأصل. قال ابن دقيق العيد: وهذا أقوى متمسّكٍ به في الرّدّ على هذا المقام.

стр. 2183

وقال ابن السّمعانيّ: متى ثبت الخبر صار أصلاً من الأصول ولا يحتاج إلى عرضه على أصلٍ آخر , لأنّه إن وافقه فذاك , وإن خالفه فلا يجوز ردّ أحدهما , لأنّه ردٌّ للخبر بالقياس , وهو مردودٌ باتّفاقٍ , فإنّ السّنّة مقدّمةٌ على القياس بلا خلاف، إلى أن قال: والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة , لكنّها ليست لازمةً , لأنّ السّنّة الثّابتة مقدّمة عليها. والله تعالى أعلم. وعلى تقدير التّنزّل فلا نسلم أنّه مخالفٌ لقياس الأصول , لأنّ الذي ادّعوه عليه من المخالفة بيّنوها بأوجه: أحدها: أنّ المعلوم من الأصول أنّ ضمان المثليّات بالمثل والمتقوّمات بالقيمة، وهاهنا إن كان اللبن مثليّاً فليضمن باللبن , وإن كان متقوّماً فليضمن بأحد النّقدين، وقد وقع هنا مضموناً بالتّمر فخالف الأصل. والجواب: منع الحصر، فإنّ الحرّ يضمن في ديته بالإبل وليست مثلاً ولا قيمة. وأيضاً فضمان المثل بالمثل ليس مطّرداً فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذّرت المماثلة كمن أتلف شاة لبوناً كان عليه قيمتها، ولا يجعل بإزاء لبنها لبناً آخر لتعذّر المماثلة. ثانيها: أنّ القواعد تقتضي أن يكون المضمون مقدّرَ الضّمان بقدر التّالف وذلك مختلف، وقد قدّر هنا بمقدارٍ واحدٍ وهو الصّاع فخرج عن القياس. والجواب: منع التّعميم في المضمونات كالموضحة فأرشها مقدّر مع

стр. 2184

اختلافها بالكبر والصّغر، والغرّة مقدّرة في الجنين مع اختلافه، والحكمة في ذلك أنّ كل ما يقع فيه التّنازع فليقدّر بشيءٍ معيّنٍ لقطع التّشاجر، وتقدّم هذه المصلحة على تلك القاعدة فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتّى يوجب نظيره على المشتري، ولو عرف مقداره فوكل إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لأفضى إلى النّزاع والخصام، فقطع الشّارع النّزاع والخصام وقدّره بحدٍّ لا يتعدّيانه فصلاً للخصومة. وكان تقديره بالتّمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنّه كان قوتهم إذ ذاك كاللبن وهو مكيلٌ كاللبن ومقتاتٌ فاشتركا في كون كل واحدٍ منهما مطعوماً مقتاتاً مكيلاً، واشتركا أيضاً في أنّ كُلاً منهما يقتات به بغير صنعة ولا علاج. ثالثها: أنّ اللبن التّالف إن كان موجوداً عند العقد , فقد ذهب جزءٌ من المعقود عليه من أصل الخلقة وذلك مانع من الرّدّ , فقد حدث على ملك المشتري فلا يضمنه. وإن كان مختلطاً فما كان منه موجوداً عند العقد وما كان حادثاً لَم يجب ضمانه. والجواب: أن يقال إنّما يمتنع الرّدّ بالنّقص إذا لَم يكن لاستعلام العيب , وإلا فلا يمتنع. وهنا كذلك. رابعها: أنّه خالف الأصول في جعل الخِيَار فيه ثلاثاً مع أنّ خِيَار العيب لا يقدّر بالثّلاث. وكذا خِيَار المجلس عند من يقول به. وخِيَار الرّؤية عند من يثبته،

стр. 2185

والجواب: بأنّ حكم المصرّاة انفرد بأصله عن مماثلةٍ فلا يستغرب أن ينفرد بوصفٍ زائدٍ على غيره، والحكمة فيه أنّ هذه المدّة هي التي يتبيّن بها لبن الخلقة من اللبن المجتمع بالتّدليس غالباً فشرعت لاستعلام العيب، بخلاف خِيَار الرّؤية والعيب فلا يتوقّف على مدّة، وأمّا خِيَار المجلس فليس لاستعلام العيب، فظهر الفرق بين الخِيَار في المصرّاة وغيرها. خامسها: أنّه يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوّض فيما إذا كانت قيمة الشّاة صاعاً من تمرٍ فإنّها ترجع إليه من الصّاع الذي هو مقدار ثمنها. والجواب: أنّ التّمر عوضٌ عن اللبن لا عن الشّاة فلا يلزم ما ذكروه. سادسها: أنّه مخالفٌ لقاعدة الرّبا فيما إذا اشترى شاةً بصاعٍ. فإذا استردّ معها صاعاً فقد استرجع الصّاع الذي هو الثّمن , فيكون قد باع شاةً وصاعاً بصاع. والجواب: أنّ الرّبا إنّما يعتبر في العقود لا الفسوخ، بدليل أنّهما لو تبايعا ذهباً بفضّةٍ لَم يجز أن يتفرّقا قبل القبض، فلو تقايلا في هذا العقد بعينه جاز التّفرّق قبل القبض. سابعها: أنّه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجوداً، والأعيان لا تضمن بالبدل إلَّا مع فواتها كالمغصوب. والجواب: أنّ اللبن وإن كان موجوداً لكنّه تعذّر ردّه، لاختلاطه

стр. 2186

باللبن الحادث بعد العقد وتعذّر تمييزه فأشبه الآبق بعد الغصب فإنّه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذّر الرّدّ. ثامنها: أنّه يلزم منه إثبات الرّدّ بغير عيبٍ ولا شرط، أمّا الشّرط فلم يوجد وأمّا العيب فنقصان اللبن لو كان عيباً لثبت به الرّدّ من غير تصريةٍ والجواب: أنّ الخِيَار يثبت بالتّدليس كمن باع رحىً دائرةً بما جمعه لها بغير علم المشتري فإذا اطّلع عليه المشتري كان له الرّدّ، وأيضاً فالمشتري لَمَّا رأى ضرعاً مملوءاً لبناً ظنّ أنّه عادةٌ لها فكأنّ البائع شرط له ذلك فتبيّن الأمر بخلافه. فثبت له الرّدّ لفقد الشّرط المعنويّ , لأنّ البائع يظهر صفة المبيع تارةً بقوله وتارةً بفعله فإذا أظهر المشتري على صفةٍ فبان الأمر بخلافها كان قد دلَّس عليه , فشرع له الخِيَار. وهذا هو محض القياس ومقتضى العدل، فإنّ المشتري إنّما بذل ماله بناءً على الصّفة التي أظهرها له البائع، وقد أثبت الشّارع الخِيَار للرّكبان إذا تلقّوا واشتري منهم قبل أن يهبطوا إلى السّوق ويعلموا السّعر , وليس هناك عيبٌ ولا خلفٌ في شرط. ولكن لِمَا فيه من الغشّ والتّدليس. الاعتذار السادس: منهم مَن قال: الحديث صحيح لا اضطراب فيه ولا عِلَّة ولا نسخ , وإنّما هو محمولٌ على صورةٍ مخصوصةٍ , وهو ما إذا اشترى شاةً بشرط أنّها تحلب مثلاً خمسة أرطالٍ وشرط فيها الخِيَار فالشّرط فاسد، فإن اتّفقا على إسقاطه في مدّة الخِيَار صحّ العقد وإن لَم

стр. 2187

يتّفقا بطل العقد ووجب ردّ الصّاع من التّمر , لأنّه كان قيمة اللبن يومئذٍ وتعقّب: بأنّ الحديث ظاهرٌ في تعليق الحكم بالتّصرية، وما ذكره هذا القائل يقتضي تعليقه بفساد الشّرط سواء وجدت التّصرية أم لا فهو تأويلٌ متعسّفٌ. وأيضاً فلفظ الحديث لفظ عموم، وما ادّعوه على تقدير تسليمه فردٌ من أفراد ذلك العموم , فيحتاج من ادّعى قصر العموم عليه الدّليل على ذلك ولا وجود له. قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث أصل في النّهي عن الغشّ، وأصل في ثبوث الخِيَار لمن دلس عليه بعيب، وأصلٌ في أنّه لا يفسد أصل البيع، وأصل في أن مدّة الخِيَار ثلاثة أيّامٍ، وأصلٌ في تحريم التّصرية وثبوت الخِيَار بها. وقد روى أحمد وابن ماجه عن ابن مسعود مرفوعاً: بيع المحفّلات خلابة , ولا تحل الخلابة لمسلم. وفي إسناده ضعفٌ. قد رواه ابن أبي شيبة وعبد الرّزّاق موقوفاً بإسنادٍ صحيحٍ. وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم قال: كان يقال: التّصرية خلابة. وإسناده صحيح واختلف القائلون به في أشياء. المسألة الأولى: لو كان عالماً بالتّصرية هل يثبت له الخِيَار؟. فيه وجه للشّافعيّة.

стр. 2188

ويرجّح أنّه لا يثبت رواية عكرمة عن أبي هريرة في هذا الحديث عند الطّحاويّ فإنّ لفظه " من اشترى مصرّاة ولَم يعلم أنّها مصرّاة " الحديث. ولو صار لبن المصرّاة عادةً واستمرّ على كثرته هل له الرّدّ؟. فيه وجه لهم أيضاً خلافاً للحنابلة في المسألتين المسألة الثانية: لو تحفّلت بنفسها أو صرّها المالك لنفسه , ثمّ بدا له فباعها فهل يثبت ذلك الحكم؟ فيه خلاف: فمن نَظَرَ إلى المعنى أثبته , لأنّ العيب مُثبِتٌ للخِيَار , ولا يشترط فيه تدليس للبائع. ومن نَظَرَ إلى أنّ حكم التّصرية خارج عن القياس. خصّه بمورده - وهو حالة العمد - فإنّ النّهي إنّما تناولها فقط. المسألة الثالثة: لو كان الضّرع مملوءاً لحماً وظنّه المشتري لبناً فاشتراها على ذلك , ثمّ ظهر له أنّه لحم هل يثبت له الخِيَار؟. فيه وجهان حكاهما بعض المالكيّة. المسألة الرابعة: لو اشترى غير المصرّاة , ثمّ اطّلع على عيبٍ بها بعد حلبها، فقد نصّ الشّافعيّ على جواز الرّدّ مجّاناً , لأنّه قليلٌ غير معتنىً بجمعه. وقيل: يردّ بدل اللبن كالمصرّاة، وقال البغويّ: يردّ صاعاً من تمر تكميل: في البخاري من رواية ثابت مولى عبد الرّحمن بن زيدٍ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من اشترى غنماً مصرّاةً فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاعٌ من

стр. 2189

تمرٍ ". قوله " حلبتها " بسكون اللام على أنّه اسم الفعل. ويجوز الفتح على إرادة المحلوب، وظاهره أنّ التّمر مقابل للحلبة. وزعم ابن حزمٍ: أنّ التّمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن , لأنّ الحلبة حقيقة في الحلب مجازٌ في اللبن والحمل على الحقيقة أولى , فلذلك قال: يجب ردّ التّمر واللبن معاً. وشذّ بذلك عن الجمهور. وقوله " ففي حلبتها صاع من تمر ". القول الأول. ظاهره أنّ صاع التّمر في مقابل المصرّاة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله " من اشترى غنماً " ثمّ قال " ففي حلبتها صاع من تمر ". ونقله ابن عبد البرّ عمّن استعمل الحديث، وابن بطّال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشّافعيّة والحنابلة. القول الثاني: عن أكثر المالكيّة يردّ عن كل واحدة صاعاً. حتّى قال المازريّ: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاةٍ كما يغرم متلف لبن شاةٍ واحدةٍ. وأجيب: بأنّ ذلك مغتفر بالنّسبة إلى ما تقدّم من أنّ الحكمة في اعتبار الصّاع , قطع النّزاع فجعل حدّاً يرجع إليه عند التّخاصم فاستوى القليل والكثير. ومن المعلوم أنّ لبن الشّاة الواحدة أو النّاقة الواحدة يختلف اختلافاً متبايناً، ومع ذلك فالمعتبر الصّاع سواء قل اللبن أم كثر،

стр. 2190

فكذلك هو معتبرٌ سواء قلّت المصرّاة أو كثرت. والله تعالى أعلم.

стр. 2191

الحديث الخامس ٢٦١ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ نَهى عن بيع حَبَل الْحبَلَة، وكان بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها. (١). قال المصنف: قيل: إنه كان يبيع الشارف - وهي الكبيرة المُسنة - بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته. قوله: (بيع حبل الحبلة) بفتح المهلة والموحّدة. وقيل في الأوّل بسكون الموحّدة وغلطه عياضٌ (٢)، وهو مصدر حبلت تحبل حبلاً. والحبلة جمع حابل مثل ظلمة وظالم وكتبة وكاتب. والهاء فيه للمبالغة. وقيل: للإشعار بالأنوثة وقد ندر فيه امرأةٌ حابلةٌ فالهاء فيه للتّأنيث، وقيل: حبلة مصدر يسمّى به المحبول. قال أبو عبيد: لا يقال لشيءٍ من الحيوان حبلت إلَّا الآدميّات , إلَّا ما ورد في هذا الحديث. وأثبته صاحب " المحكم " قولاً، فقال: اختلف أهي للإناث عامّة

стр. 2192

أم للآدميّات خاصّة. وأنشد في التّعميم قول الشّاعر: أو ذيخة حبلى مجحّ مقرب وفي ذلك تعقّب على نقل النّوويّ. اتّفاق أهل اللغة على التّخصيص. قوله: (وكان) أي: بيع حبل الحبلة قوله: (بيعاً يتبايعه أهل الجاهليّة إلخ) كذا وقع هذا التّفسير في " الموطّأ " متّصلاً بالحديث، قال الإسماعيليّ: وهو مدرجٌ. يعني: أنّ التّفسير من كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب في المدرج. وللبخاري عن موسى بن إسماعيل التّبوذكيّ عن جويرية. التّصريح بأنّ نافعاً هو الذي فسّره , لكن لا يلزم من كون نافعٍ فسرّه لجويرية أن لا يكون ذلك التّفسير ممّا حمله عن مولاه ابن عمر. فأخرجه الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهليّة يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج النّاقة ما في بطنها ثمّ تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك. فظاهر هذا السّياق أنّ هذا التّفسير من كلام ابن عمر , ولهذا جزم ابن عبد البرّ بأنّه من تفسير ابن عمر. وقد أخرجه مسلم من رواية الليث والتّرمذيّ والنّسائيّ من رواية أيّوب كلاهما عن نافعٍ بدون التّفسير، وأخرجه أحمد والنّسائيّ وابن ماجه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر. بدون التّفسير أيضاً.

стр. 2193

قوله: (الجزور) بفتح الجيم وضمّ الزّاي. هو البعير ذكراً كان أو أنثى، إلَّا أنّ لفظه مؤنّثٌ , تقول: هذه الجزور وإن أردت ذكراً. فيحتمل: أن يكون ذكره في الحديث قيداً فيما كان أهل الجاهليّة يفعلونه فلا يتبايعون هذا البيع إلَّا في الجزور أو لحم الجزور. ويحتمل: أن يكون ذكر على سبيل المثال، وأمّا في الحكم فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك. قوله: (إلى أن تُنتج) بضمّ أوّله وفتح ثالثه. أي: تلد ولداً والنّاقة فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول وهو حرفٌ نادرٌ. قوله: (ثمّ تُنتج التي في بطنها) أي: ثمّ تعيش المولودة حتّى تكبر ثمّ تلد، وهذا القدر زائد على رواية عبيد الله بن عمر فإنّه اقتصر على قوله " ثمّ تحمل التي في بطنها ". ورواية جويرية أخصر منهما. ولفظه " أن تنتج النّاقة ما في بطنها ". القول الأول: بظاهر هذه الرّواية قال سعيد بن المسيّب. فيما رواه عنه مالك، وقال به مالك والشّافعيّ وجماعة، وهو أن يبيع بثمنٍ إلى أن يلد ولد النّاقة. القول الثاني: قال بعضهم: أن يبيع بثمنٍ إلى أن تحمل الدّابّة وتلد ويحمل ولدها، وبه جزم أبو إسحاق في " التّنبيه " فلم يشترط وضع حمل الولد كرواية مالك. ولَم أر من صرّح بما اقتضته رواية جويرية. وهو الوضع فقط، وهو

стр. 2194

في الحكم مثل الذي قبله، والمنع في الصّور الثّلاث للجهالة في الأجل ومن حقّه على هذا التّفسير أن يذكر في السّلم. القول الثالث: قال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكيّ وأكثر أهل اللغة. وبه جزم التّرمذيّ: هو بيع ولد نتاج الدّابّة. والمنع في هذا من جهة أنّه بيعٌ معدومٌ ومجهولٌ وغير مقدورٍ على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر، ولذلك صدّر البخاريّ بذكر الغرر في التّرجمة " باب بيع الغرر وحبل الحبلة " لكنّه أشار إلى التّفسير الأوّل بإيراد الحديث في كتاب السّلم أيضاً " باب السلم إلى أن تنتج الناقة " ورجّح الأوّل. لكونه موافقاً للحديث , وإن كان كلام أهل اللغة موافقاً للثّاني. لكن قد روى الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق عن نافعٍ عن ابن عمر ما يوافق الثّاني. ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر قال: إنّ أهل الجاهليّة كانوا يتبايعون ذلك البيع يبتاع الرّجل بالشّارف حبل الحبلة فنهوا عن ذلك. وقال ابن التّين: محصّل الخلاف هل المراد البيع إلى أجلٍ أو بيع الجنين؟. وعلى الأوّل. هل المراد بالأجل ولادة الأمّ أو ولادة ولدها؟. وعلى الثّاني. هل المراد بيع الجنين الأوّل أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوالٍ. انتهى وحكى صاحب " المحكم " قولاً آخر , أنّه بيع ما في بطون الأنعام،

стр. 2195

وهو أيضاً من بيوع الغرر، لكن هذا إنّما فسّر به سعيد بن المسيّب - كما رواه مالك في " الموطّأ " - بيع المضامين، وفسّر به غيره بيع الملاقيح. واتّفقت هذه الأقوال - على اختلافها - على أنّ المراد بالحبلة جمع حابل أو حابلة من الحيوان، إلَّا ما حكاه صاحب " المحكم " وغيره عن ابن كيسان أنّ المراد بالحبلة الكرمة، وأنّ النّهي عن بيع حبلها. أي: حملها قبل أن تبلغ كما نهى عن بيع ثمر النّخلة قبل أن تزهى، وعلى هذا فالحبْلة بإسكان الموحّدة. وهو خلاف ما ثبتت به الرّوايات، لكن حكي في الكرمة فتح الباء. وادّعى السّهيليّ تفرّد ابن كيسان به، وليس كذلك. فقد حكاه ابن السّكّيت في " كتاب الألفاظ " ونقله القرطبيّ (١) في " المفهم " عن أبي العبّاس المبرّد، والهاء على هذا للمبالغة وجهاً واحداً. ويؤخذ من الحديث ترك جواز السّلم إلى أجل غير معلوم. ولو أسند إلى شيء يعرف بالعادة، خلافاً لمالك ورواية عن أحمد. تكميل: عطْفُ البخاريِّ بيع حبل الحبلة على بيع الغرر من عطف الخاصّ على العامّ، ولَم يذكر في الباب بيع الغرر صريحاً. وكأنّه أشار إلى ما أخرجه أحمد من طريق ابن إسحاق حدّثني نافع , وابن حبّان من طريق سليمان التّيميّ عن نافعٍ عن ابن عمر قال: نهى

стр. 2196

النّبيّ ﷺ عن بيع الغرر. وقد أخرج مسلم النّهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة وابن ماجه من حديث ابن عبّاس , والطّبرانيّ من حديث سهل بن سعد. ولأحمد من حديث ابن مسعود رفعه: لا تشتروا السّمك في الماء فإنّه غررٌ. وشراء السّمك في الماء نوع من أنواع الغرر، ويلتحق به الطّير في الهواء والمعدوم والمجهول والآبق ونحو ذلك. قال النّوويّ: النّهي عن بيع الغرر أصلٌ من أصول البيع. فيدخل تحته مسائل كثيرة جدّاً، ويُستثنى من بيع الغرر أمران. أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعاً. فلو أفرد لَم يصحّ بيعه. الثّاني: ما يتسامح بمثله. إمّا لحقارته أو للمشقّة في تمييزه وتعيينه. فمن الأوّل: بيع أساس الدّار، والدّابّة التي في ضرعها اللبن، والحامل. ومن الثّاني: الجبّة المحشوّة والشّرب من السّقاء. قال (١): وما اختلف العلماء فيه مبنيٌّ على اختلافهم في كونه حقيراً أو يشقّ تمييزه أو تعيينه. فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصحّ البيع وبالعكس. وقال: ومِن بيوع الغرر ما اعتاده النّاس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلاً فإنّه لا يصحّ , لأنّ الثّمن ليس حاضراً فيكون

стр. 2197

من المعاطاة , ولَم توجد صيغةٌ يصحّ بها العقد، وروى الطّبريّ عن ابن سيرين بإسنادٍ صحيحٍ. قال: لا أعلم ببيع الغرر بأساً. قال ابن بطّال: لعله لَم يبلغه النّهي , وإلَّا فكل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد لَم يصحّ، وكذلك إذا كان لا يصحّ غالباً، فإن كان يصحّ غالباً كالثّمرة في أوّل بدوّ صلاحها أو كان مستمرّاً تبعاً كالحمل مع الحامل جاز لقلة الغرر. ولعل هذا هو الذي أراده ابن سيرين. لكن منع من ذلك. ما رواه ابن المنذر عنه , أنّه قال: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحداً. فهذا يدل على أنّه يرى بيع الغرر إن سلم في المال. والله أعلم.

стр. 2198

الحديث السادس ٢٦٢ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نَهى البائع والمُبتاع. (١) قوله: (نهى عن بيع الثمرة) الثّمار بالمثلثة جمع ثمرةٍ بالتّحريك , وهي أعمّ من الرّطب وغيره، ولَم يجزم البخاري بحكمٍ في المسألة لقوّة الخلاف فيها. وقد اختلف في ذلك على أقوال: القول الأول: يبطل مطلقاً. وهو قول ابن أبي ليلى والثّوريّ، ووهم من نقل الإجماع على البطلان. القول الثاني: يجوز مطلقاً ولو شرط التّبقية. وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضاً. القول الثالث: إنّ شرط القطع لَم يبطل وإلا بطل , وهو قول الشّافعيّ وأحمد والجمهور. ورواية عن مالك. القول الرابع: يصحّ إن لَم يشترط التّبقية , والنّهي فيه محمول على

стр. 2199

بيع الثّمار قبل أن توجد أصلاً. وهو قول أكثر الحنفيّة. القول الخامس: هو على ظاهره , لكنّ النّهي فيه للتّنزيه وحديث زيد بن ثابت في البخاري معلقاً (١): قال: كان النّاس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثّمار، فإذا جدّ النّاس وحضر تقاضيهم , قال المبتاع: إنّه أصاب الثّمر الدّمان , أصابه مراضٌ , أصابه قشامٌ عاهاتٌ يحتجّون بها , فقال رسول الله ﷺ لَمَّا كثرت عنده الخصومة في ذلك: فإمّا لا. فلا يتبايعوا حتّى يبدو صلاح الثّمر. كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم " يدل للأخير، وقد يحمل على الثّاني قوله: (حتى يبدو صلاحها) مقتضاه جواز بيعها بعد بدوّ الصّلاح مطلقاً سواءٌ اشترط الإبقاء أم لَم يشترط، لأنّ ما بعد الغاية مخالفٌ لِمَا قبلها، وقد جعل النّهي ممتدّاً إلى غاية بدوّ الصّلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها الغاية وتغلب السّلامة فيثق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بدوّ الصّلاح فإنّه بصدد الغرر.

стр. 2200

وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق أيّوب عن نافعٍ. فزاد في الحديث " حتّى يأمن العاهة ". وفي رواية يحيى بن سعيدٍ عن نافعٍ بلفظ " وتذهب عنه الآفة ببدوّ صلاحه حمرته وصفرته ". وهذا التّفسير من قول ابن عمر بيّنه مسلمٌ في روايته من طريق شعبة عن عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر. فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته. وروى أبو داود من طريق عطاءٍ عن أبي هريرة مرفوعاً قال: إذا طلع النّجم صباحاً رفعت العاهة عن كل بلدٍ. وفي رواية أبى حنيفة عن عطاءٍ " رفعت العاهة عن الثّمار ". والنّجم هو الثّريّا، وطلوعها صباحاً يقع في أوّل فصل الصّيف , وذلك عند اشتداد الحرّ في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثّمار؛ فالمعتبر في الحقيقة النّضج وطلوع النّجم علامةٌ له، وقد بيّنه حديث زيد بن ثابت بقوله " ويتبيّن الأصفر من الأحمر ". وروى أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة , سألت ابن عمر عن بيع الثّمار , فقال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثّمار حتّى تذهب العاهة. قلت: ومتى ذلك؟ قال: حتّى تطلع الثّريّا. وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصّلاح وبعده , ذهب الجمهور. وعن أبي حنيفة: إنّما يصحّ بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لَم يصحّ البيع. وحكى النّوويّ في " شرح مسلمٍ " عنه. أنّه أوجب شرط القطع في هذه الصّورة.

стр. 2201

وتعقّب: بأنّ الذي صرّح به أصحاب أبي حنيفة , أنّه صحّح البيع حالة الإطلاق قبل بدوّ صلاحٍ وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم. واختلف السّلف في قوله " حتّى يبدو صلاحها ". هل المراد به جنس الثّمار حتّى لو بدا الصّلاح في بستانٍ من البلد مثلاً جاز بيع ثمرة جميع البساتين. وإن لَم يبد الصّلاح فيها، أو لا بدّ من بدوّ الصّلاح في كل بستانٍ على حدةٍ، أو لا بدّ من بدوّ الصّلاح في كل جنسٍ على حدةٍ أو في كل شجرةٍ على حدةٍ؟ على أقوالٍ: والأوّل: قول الليث، وهو عند المالكيّة بشرط أن يكون الصّلاح متلاحقاً. والثّاني: قول أحمد، وعنه روايةٌ كالرّابع. والثّالث: قول الشّافعيّة. ويمكن أن يؤخذ ذلك من التّعبير ببدوّ الصّلاح , لأنّه دالٌ على الاكتفاء بمسمّى الإزهار من غير اشتراط تكامله فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثّمرة وبزهو الشّجرة مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهيةً بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به لكونه على خلاف الحقيقة. وأيضاً فلو قيل بإزهاء الجميع لأدّى إلى فساد الحائط أو أكثره، وقد منّ الله تعالى بكون الثّمار لا تطيب دفعةً واحدةً ليطول زمن التّفكّه بها.

стр. 2202

قوله: (نهى البائع والمبتاع) أمّا البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأمّا المشتري فلئلا يضيّع ماله ويساعد البائع على الباطل. وفيه أيضاً قطع النّزاع والتّخاصم. تكميل: قال البخاري " باب من باع ثماره أو نخله أو أرضه أو زرعه، وقد وجب فيه العشر أو الصّدقة فأدّى الزّكاة من غيره أو باع ثماره ولَم تجب فيه الصّدقة. وقول النّبىّ ﷺ : لا تبيعوا الثّمرة حتّى يبدو صلاحها " فلم يحظر البيع بعد الصّلاح على أحدٍ ولَم يخصّ من وجب عليه الزّكاة ممّن لَم تجب " انتهى ظاهر سياق هذه التّرجمة , أنّ البخاري يرى جواز بيع الثّمرة بعد بدوّ الصّلاح ولو وجبت فيها الزّكاة بالخرص مثلاً لعموم قوله " حتّى يبدو صلاحها " وهو أحد قولي العلماء. القول الثّاني: لا يجوز بيعها بعد الخرص لتعلّق حقّ المساكين بها، وهو أحد قولي الشّافعيّ. وقائل هذا حمل الحديث على الجواز بعد الصّلاح وقبل الخرص جمعاً بين الحديثين. وقوله " فأدّى الزّكاة من غيره " , لأنّه إذا باع بعد وجوب الزّكاة فقد فعل أمراً جائزاً كما تقدّم. فتعلقت الزّكاة بذمّته فله أن يعطيها من غيره , أو يخرج قيمتها على رأي من يجيزه. وهو اختيار البخاريّ كما سبق. وأمّا قوله " ولَم يخصّ من وجبت عليه الزّكاة ممّن لَم تجب " فيتوقّف

стр. 2203

على مقدّمةٍ أخرى , وهي أنّ الحقّ يتعلق بالصّلاح، وظاهر القرآن يقتضي أنّ وجوب الإيتاء إنّما هو يوم الحصاد على رأي من جعلها في الزّكاة، إلَّا أن يقال: إنّما تعرّضت الآية لبيان زمن الإيتاء لا لبيان زمان الوجوب. والظّاهر. أنّ البخاريّ اعتمد في تصحيح هذه المقدّمة استعمال الخرص عند الصّلاح لتعلق حق المساكين، فطواها بتقديمه حكم الخرص فيما سبق أشار إلى ذلك ابن رشيد. وقال ابن بطّال: أراد البخاريّ الرّدّ على أحد قولي الشّافعيّ بفساد البيع كما تقدّم، وقال أبو حنيفة: المشتري بالخِيَار. ويؤخذ العشر منه ويرجع هو على البائع، وعن مالك: العشر على البائع إلَّا أن يشترطه على المشتري وهو قول الليث، وعن أحمد الصّدقة على البائع مطلقاً. وهو قول الثّوريّ والأوزاعيّ. والله أعلم.

стр. 2204

الحديث السابع ٢٦٣ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل وما تزهي؟ قال: حتى تحمرّ، قال: أرأيتَ إذا منع الله الثمرة، بِمَ يستحلُّ أحدُكم مالَ أَخيه. (١) قوله: (نهى عن بيع الثمار) وللبخاري من رواية ابن المبارك عن حميد الطّويل عن أنسٍ " نهى أن تباع ثمرة النّخل حتّى تزهو " كذا وقع التّقييد بالنّخل في هذه الطّريق، وأطلق في غيرها. ولا فرق في الحكم بين النّخل وغيره , وإنّما ذكر النّخل لكونه كان الغالب عندهم. قوله: (حتى تزهي) في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد في الصحيحين " نهى عن بيع ثمر النّخل حتّى تزهو " يقال: زها النّخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وقوله " حتّى تزهي " وهو من أزهى يزهي إذا احمرّ أو اصفرّ. قال الخطّابيّ: هذه الرّواية هي الصّواب. فلا يقال في النّخل تزهو. إنّما يقال تزهي لا غير. وأثبت غيره ما نفاه فقال: زها إذا طال واكتمل، وأزهى إذا احمرّ واصفرّ.

стр. 2205

قوله: (قيل: وما تزهي؟) لَم يسمّ السّائل في هذه الرّواية (١) ولا المسئول أيضاً، وقد رواه النّسائيّ من طريق عبد الرّحمن بن القاسم عن مالكٍ بلفظ " قيل: يا رسولَ الله: وما تزهي؟ قال: تحمرّ ". وهكذا أخرجه الطّحاويّ من طريق يحيى بن أيّوب وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلالٍ كلاهما عن حميدٍ. وظاهره الرّفع , ورواه إسماعيل بن جعفرٍ عن حميدٍ عند البخاري موقوفاً على أنسٍ. وفيه " قلنا لأنسٍ: ما زهوها؟ قال: تحمرّ وتصفر , أرأيت إن منع .. " وفي رواية مسلمٍ من هذا الوجه " فقلت لأنسٍ " وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطّان عن حميدٍ , لكن قال: قيل لأنسٍ: ما تزهو؟. قوله: (قال: حتى تحمرّ) في رواية هشيم بن بشير عن حميد عند البخاري " قيل: وما يزهو؟ قال: يحمارّ أو يصفارّ " (٢) قوله: (أرأيت إذا منع الله الثمرة ..) هكذا صرّح مالكٌ برفع هذه الجملة، وتابعه محمّد بن عبّادٍ عن الدّراورديّ عن حميدٍ مقتصراً على هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدّارقطنيّ وغير واحدٍ من الحفّاظ بأنّه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتمٍ في " العلل " عن أبيه وأبي زرعة. والخطأ في رواية عبد العزيز من محمّد بن عبّاد، فقد رواه إبراهيم

стр. 2206

بن حمزة عن الدّراورديّ كرواية إسماعيل بن جعفرٍ الآتي ذكرها. ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضّل عن حميدٍ فقال فيه " قال: أفرأيت إلخ " قال: فلا أدري أنسٌ قال: بِمَ يستحل , أو حدّث به عن النّبيّ ﷺ " أخرجه الخطيب في " المدرج " ورواه إسماعيل بن جعفرٍ عن حميدٍ فعطفه على كلام أنسٍ في تفسير قوله " تزهي " وظاهره الوقف. وأخرجه الجوزقيّ من طريق يزيد بن هارون , والخطيب من طريق أبي خالدٍ الأحمر كلاهما عن حميدٍ بلفظ " قال أنسٌ: أرأيت إن منع الله الثّمرة " الحديث. ورواه ابن المبارك وهشيمٌ عند البخاري عن حميدٍ , فلم يذكر هذا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعةٌ من أصحاب حميدٍ عنه على ذلك. قلت: وليس في جميع ما تقدّم ما يمنع أن يكون التّفسير مرفوعاً، لأنّ مع الذي رفعه زيادةٌ على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه. وقد روى مسلمٌ من طريق أبي الزّبير عن جابرٍ ما يقوّي رواية الرّفع في حديث أنسٍ ولفظه: قال رسول الله ﷺ : لو بعتَ من أخيك ثَمَراً فأصابته عاهةٌ فلا يحلُّ لك أن تأخذ منه شيئاً، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حقٍّ؟. واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثّمر يشترى بعد بدوّ صلاحه , ثمّ تصيبه جائحةٌ. فقال مالكٌ: يضع عنه الثّلث.

стр. 2207

وقال أحمد وأبو عبيدٍ: يضع الجميع. وقال الشّافعيّ والليث والكوفيّون: لا يرجع على البائع بشيءٍ , وقالوا: إنّما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثّمرة قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع , فيحمل مطلق الحديث في رواية جابرٍ. على ما قيّد به في حديث أنسٍ. والله أعلم واستدل الطّحاويّ بحديث أبي سعيدٍ: أصيب رجلٌ في ثمارٍ ابتاعها فكثر دينه، فقال النّبيّ ﷺ : تصدّقوا عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: خذوا ما وجدتم. وليس لكم إلَّا ذلك. أخرجه مسلمٌ وأصحاب السّنن. قال: فلمّا لَم يبطل دين الغرماء بذهاب الثّمار , وفيهم باعتها ولَم يؤخذ الثّمن منهم , دلَّ على أنّ الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه. والله أعلم. قوله: (بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟) أي: لو تلف الثّمر لانتفى في مقابلته العوض فكيف يأكله بغير عوضٍ؟. وفيه إجراء الحكم على الغالب، لأنّ تطرّق التّلف إلى ما بدا صلاحه ممكنٌ، وعدم التّطرّق إلى ما لَم يبد صلاحه ممكنٌ، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين.

стр. 2208

الحديث الثامن ٢٦٤ - وعن عبد الله بن عباسٍ ﵁ , قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُتلقّى الرّكبان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ، قال: فقلت لابن عباسٍ: ما قوله حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمساراً. (١) قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن تُتلقّى الرّكبان) زاد الكشميهني (٢) " للبيع " وتقدّم الكلام عليه (٣). قوله: (وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ) قال ابن المنير وغيره: حمل البخاري النّهي عن بيع الحاضر للبادي على معنىً خاصٍّ وهو البيع بالأجر أخذاً من تفسير ابن عبّاس، وقوّى ذلك بعموم أحاديث " الدّين النّصيحة " (٤) , لأنّ الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالباً , وإنّما غرضه تحصيل الأجرة. فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرةٍ من باب النّصيحة.

стр. 2209

قلت: ويؤيده ما رواه أحمد من حديث عطاء بن السّائب عن حكيم بن أبى يزيد عن أبيه حدّثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرّجل الرّجل فلينصح له " ورواه البيهقيّ من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي الزّبير عن جابر مرفوعاً مثله. وقد أخرجه مسلم من طريق أبي خيثمة عن أبي الزّبير بلفظ " لا يبيع حاضرٌ لبادٍ , دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض " وكذلك ما أخرجه أبو داود من طريق سالمٍ المكّيّ , أنّ أعرابيّاً حدّثه أنّه قدم بحلوبةٍ له على طلحة بن عبيد الله، فقال له: إنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، ولكن اذهب إلى السّوق فانظر من يبايعك فشاورني حتّى آمرك وأنهاك. ورخّص عطاء في بيع الحاضر للبادي، فروى عبد الرّزّاق عن الثّوريّ عن عبد الله بن عثمان. أي: ابن خثيمٍ عن عطاء بن أبي رباح قال: سألته عن أعرابيٍّ أبيع له؟ فرخّص لي. وأمّا ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ قال: إنّما نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ , لأنّه أراد أن يصيب المسلمون غرّتهم، فأمّا اليوم فلا بأس. فقال عطاء: لا يصلح اليوم. فقال مجاهد. ما أرى أبا محمّد إلَّا لو أتاه ظئر له من أهل البادية إلَّا سيبيع له. فالجمع بين الرّوايتين عن عطاءٍ: أن يُحمل قوله هذا على كراهة

стр. 2210

التّنزيه , ولهذا نسب إليه مجاهد ما نسب، وأخذ بقول مجاهدٍ في ذلك أبو حنيفة. وتمسّكوا بعموم قوله ﷺ " الدّين النّصيحة " وزعموا أنّه ناسخٌ لحديث النّهي. وحمل الجمهور حديث " الدّين النّصيحة " على عمومه , إلَّا في بيع الحاضر للبادي , فهو خاصٌّ فيقضى على العامّ، والنّسخ لا يثبت بالاحتمال. وجمع البخاريّ بينهما: بتخصيص النّهي بمن يبيع له بالأجرة كالسّمسار، وأمّا من ينصحه فيعلمه بأنّ السّعر كذا مثلاً فلا يدخل في النّهي عنده. والله أعلم قوله: (لا يكون له سمساراً) بمهملتين. هو في الأصل القيّم بالأمر والحافظ له، ثمّ استعمل في متولي البيع والشّراء لغيره. وفي هذا التّفسير تعقّب على من فسّر الحاضر بالبادي , بأنّ المراد نهي الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئاً يحتاج إليه أهل البلد. فهذا مذكور في كتب الحنفيّة. وقال غيرهم: صورته أن يجيء البلد غريبٌ بسلعته يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلديٌّ فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التّدريج بأغلى من هذا السّعر، فجعلوا الحكم منوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه. قال: وإنّما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فألحق به من
следующие страницы →