واختلف القائلون في صورةٍ. وهي ما إذا مات ووُجدت السّلعة.
القول الأول: قال الشّافعيّ: الْحُكم كذلك , وصاحب السّلعة أحقّ بها من غيره.
القول الثاني: قال مالك وأحمد: هو أسوة الغرماء.
واحتجّا بما في مرسل مالكٍ " وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء " وفرّقوا بين الفلس والموت. بأنّ الميّت خربت ذمّته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك، بخلاف المفلس.
واحتجّ الشّافعيّ: بما رواه من طريق عمر بن خلدة - قاضي المدينة - عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ أيّما رجلٍ مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه " وهو حديث حسنٌ يحتجّ بمثله. أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود وابن ماجه وصحَّحه الحاكم، وزاد بعضهم في آخره " إلَّا أن يترك صاحبه وفاء ".
ورجّحه الشّافعيّ على المرسل. وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرّحمن , لأنّ الذين وصلوه عنه لَم يذكروا قضيّة الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة , وغيره لَم يذكروا ذلك، بل صرّح ابن خلدة عن أبي هريرة بالتّسوية بين الإفلاس والموت فتعيّن المصير إليه , لأنّها زيادةٌ من ثقة.
وجزم ابن العربيّ المالكيّ: بأنّ الزّيادة التي في مرسل مالكٍ من قول الرّاوي.
وجمع الشّافعيّ أيضاً بين الحديثين بحمل حديث ابن خلدة على ما
стр. 2382
إذا مات مفلساً , وحديث أبي بكر بن عبد الرّحمن على ما إذا مات مليئاً. والله أعلم.
ومن فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء , أو الورثة إعطاء صاحب السّلعة الثّمن.
فقال مالك: يلزمه القبول.
وقال الشّافعيّ وأحمد: لا يلزمه ذلك لِما فيه من المنّة، ولأنّه ربّما ظهر غريم آخر فزاحمه فيما أخذ.
وأغرب ابن التّين فحكى عن الشّافعيّ أنّه قال: لا يجوز له ذلك، ليس له إلَّا سلعته.
ويلتحق بالمبيع المؤجّر. فيرجع مكتري الدّابّة أو الدّار إلى عين دابّته وداره ونحو ذلك، وهذا هو الصّحيح عن الشّافعيّة والمالكيّة.
وإدراج الإجارة في هذا الحكم متوقّف على أنّ المنافع يُطلق عليها اسم المتاع أو المال، أو يقال اقتضى الحديث أن يكون أحقّ بالعين , ومن لوازم ذلك الرّجوع في المنافع فثبت بطريق اللزوم.
واستدل به على حلول الدّين المؤجّل بالفلس من حيث إنّ صاحب الدّين أدرك متاعه بعينه فيكون أحقّ به، ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجّل. وهو قول الجمهور.
لكنّ الرّاجح عند الشّافعيّة أنّ المؤجّل لا يحل بذلك , لأنّ الأجل حقّ مقصود له فلا يفوت.
واستدل به على أنّ لصاحب المتاع أن يأخذه , وهو الأصحّ من قولي
стр. 2383
العلماء.
والقول الآخر: يتوقّف على حكم الحاكم كما يتوقّف ثبوت الفلس.
واستدل به على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثّمن مع قدرته بمطلٍ أو هربٍ قياساً على الفلس بجامع تعذّر الوصول إليه حالاً، والأصحّ من قولي العلماء أنّه لا يفسخ.
واستدل به على أنّ الرّجوع إنّما يقع في عين المتاع دون زوائده المنفصلة , لأنّها حدثت على ملك المشتري. وليست بمتاع البائع. والله أعلم.
стр. 2384
باب الشفعة
الشّفعة: بضمّ المعجمة وسكون الفاء. وغلط من حرّكها.
وهي مأخوذة لغة من الشّفع وهو الزّوج.
وقيل: من الزّيادة.
وقيل: من الإعانة.
وفي الشّرع: انتقال حصّة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبيّ بمثل العوض المسمّى.
ولَم يختلف العلماء في مشروعيّتها , إلَّا ما نقل عن أبي بكر الأصمّ من إنكارها.
стр. 2385
الحديث الثلاثون
٢٨٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: جعل , وفي لفظ: قضى النبيّ ﷺ بالشّفعة في كل مالٍ لَم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطّرق فلا شفعة. (١)
قوله: (في كل مالٍ لَم يُقسم) وللبخاري من رواية عبد الواحد بن زيادٍ وهشام بن يوسف عن معمرٍ عن الزهري " كل ما لَم يقسم ".
وله أيضاً من رواية عبد الرّزّاق عن معمرٍ " كل مالٍ " , وكذا قال عبد الرّحمن بن إسحاق عن الزّهريّ، أخرجه مسدّدٌ في " مسنده " عن بشر بن المفضّل عنه.
ووقع عند السّرخسيّ (٢) في رواية عبد الرّزّاق , وفي رواية عبد
стр. 2386
الواحد في الموضعين " كل مالٍ ". وللباقين (١) " كل ما " في رواية عبد الواحد , و " كل مالٍ " في رواية عبد الرّزّاق.
وقد رواه إسحاق عن عبد الرّزّاق بلفظ " قضى بالشّفعة في الأموال ما لَم تقسم " وهو يرجّح رواية غير السّرخسيّ.
وقوله " كل ما لَم يقسم " يشعر باختصاص الشّفعة بما يكون قابلاً للقسمة بخلاف اللفظ " كل مال لَم يقسم "
قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرّفت الطّرق فلا شفعة) أي: بيّنت مصارف الطّرق وشوارعها، كأنّه من التّصرّف أو من التّصريف.
وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت، وهو مشتقّ من الصِّرف بكسر المهملة الخالص من كل شيء.
وهذا الحديث أصل في ثبوت الشّفعة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزّبير عن جابر بلفظ " قضى رسول الله ﷺ بالشّفعة في كل شرك لَم يقسم رَبْعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتّى يؤذن شريكه: فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولَم يؤذنه فهو أحقّ به ".
وقد تضمّن هذا الحديث ثبوت الشّفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار. وقد أخذ بعمومها في كل شيء. مالك في رواية، وهو قول عطاء.
стр. 2387
وعن أحمد: تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات.
وروى البيهقيّ من حديث ابن عبّاس مرفوعاً " الشّفعة في كل شيء " ورجاله ثقات إلَّا أنّه أُعلَّ بالإرسال، وأخرج الطّحاويّ له شاهداً من حديث جابر بإسنادٍ لا بأس برواته.
قال عياض: لو اقتصر في الحديث على القطعة الأولى لكانت فيه دلالة على سقوط شفعة الجوار، ولكن أضاف إليها صرف الطّرق، والمترتّب على أمرين لا يلزم منه ترتّبه على أحدهما.
واستدل به على عدم دخول الشّفعة فيما لا يقبل القسمة، وعلى ثبوتها لكل شريك.
وعن أحمد: لا شفعة لذمّيٍّ.
وعن الشّعبيّ: لا شفعة لمن لَم يسكن المصر.
وفيه جواز قسمة الأرض والدّار، وإلى جوازه ذهب الجمهور صغرت الدّار أو كبرت، واستثنى بعضهم التي لا ينتفع بها لو قسمت فتمتنع قسمتها.
وحديث جابر صريح في اختصاص الشّفعة بالشّريك.
وحديث أبي رافع في البخاري " الجار أحقّ بسقبه " (١) مصروف الظّاهر اتّفاقاً , لأنّه يقتضي أن يكون الجار أحقّ من كل أحدٍ حتّى من
стр. 2388
الشّريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدّموا الشّريك مطلقاً ثمّ المشارك في الطّريق (١). ثمّ الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا فيتعيّن تأويل قوله " أحقّ " بالحمل على الفضل أو التّعهّد ونحو ذلك.
واحتجّ من لَم يقل بشفعة الجوار أيضاً: بأنّ الشّفعة ثبتت على خلاف الأصل لمعنىً معدوم في الجار , وهو أنّ الشّريك ربّما دخل عليه شريكه فتأذّى به فدعت الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضّرر بنقص قيمة ملكه، وهذا لا يوجد في المقسوم. والله أعلم.
تكميل: قال البخاري في " صحيحه ": قال بعض النّاس الشّفعة للجوار. ثمّ عمد إلى ما شدّده فأبطله، وقال: إن اشترى داراً فخاف أن يأخذ الجار بالشّفعة، فاشترى سهماً من مائة سهمٍ، ثمّ اشترى الباقى، وكان للجار الشّفعة فى السّهم الأوّل، ولا شفعة له فى باقى الدّار، وله أن يحتال فى ذلك. انتهى
قال ابن بطّال: أصل هذه المسألة , أنّ رجلاً أراد شراء دار فخاف
стр. 2389
أن يأخذها جاره بالشّفعة، فسأل أبا حنيفة كيف الحيلة في إسقاط الشّفعة؟ فقال له: اشتر منها سهماً واحداً من مائة سهم فتصير شريكاً لمالكها، ثمّ اشتر منه الباقي فتصير أنت أحقّ بالشّفعة من الجار , لأنّ الشّريك في المشاع أحقّ من الجار، وإنّما أمره بأن يشتري سهماً من مائة سهم لعدم رغبة الجار شراء السّهم الواحد لحقارته وقلة انتفاعه به، قال: وهذا ليس فيه شيء من خلاف السّنّة.
وإنّما أراد البخاريّ إلزامهم التّناقض , لأنّهم احتجّوا في شفعة الجار بحديث " الجار أحقّ بسقبه " ثمّ تحيّلوا في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحقّ بالشّفعة من الجار. انتهى.
والمعروف عند الحنفيّة , أنّ الحيلة المذكورة لأبي يوسف.
وأمّا محمّد بن الحسن فقال: يكره ذلك أشدّ الكراهية , لأنّ الشّفعة شرعت لدفع الضّرر عن الشّفيع فالذي يحتال لإسقاطها بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير وذلك مكروه، ولا سيّما إن كان بين المشتري وبين الشّفيع عداوة ويتضرّر من مشاركته.
ثمّ إنّ محل هذا إنّما هو فيمن احتال قبل وجوب الشّفعة , أمّا بعده كمَن قال للشّفيع: خذ هذا المال ولا تطالبني بالشّفعة , فرضي وأخذ , فإنّ شفعته تبطل اتّفاقاً. انتهى.
تنبيهٌ: حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أنّ قوله " فإذا وقعت الحدود إلخ " مُدرج من كلام جابر.
وفيه نظرٌ , لأنّ الأصل أنّ كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتّى
стр. 2390
يثبت الإدراج بدليلٍ. وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه , أنّه رجّح رفعها.
стр. 2391
باب الوقف
الحديث الواحد والثلاثون
٢٨٧ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: أصاب عمرُ أرضاً بخيبر، فأتى النبيّ ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسولَ الله، إني أصبت أرضاً بخيبر. لَم أصب مالاً قطّ هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئتَ حبَّست أصلها وتصدَّقتَ بها، قال: فتصدَّق بها عمر، غير أنّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُورث، ولا يُوهب، قال: فتصدَّق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من ولِيها، أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً، غير متموّلٍ فيه. (١) وفي لفظ: غير متأثّلٍ. (٢)
قوله: (عن ابن عمر ﵁ قال: أصاب عمر) كذا لأكثر الرّواة عن نافع، ثمّ عن ابن عون جعلوه في مسند ابن عمر.
стр. 2392
لكن أخرجه مسلم والنّسائيّ من رواية سفيان الثّوريّ , والنّسائيّ من رواية أبي إسحاق الفزاريّ كلاهما عن عبد الله بن عون، والنّسائيّ من رواية سعيد بن سالم عن عبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع عن ابن عمر عن عمر. جعله من مسند عمر، والمشهور الأوّل.
قوله: (أرضاً بخيبر) وللبخاري في رواية صخر بن جويرية عن نافع , أنّ اسمها ثَمْغ، وكذا لأحمد من رواية أيّوب " أنّ عمر أصاب أرضاً من يهود بني حارثة يقال لها ثَمْغ " ونحوه في رواية سعيد بن سالم المذكورة، وكذا للدّارقطنيّ من طريق الدّراورديّ عن عبد الله بن عمر، وللطّحاويّ من رواية يحيى بن سعيد.
وروى عمر بن شبّة بإسنادٍ صحيح عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم , أنّ عمر رأى في المنام ثلاث ليالٍ أن يتصدّق بثمغ.
وللنّسائيّ من رواية سفيان عن عبد الله بن عمر , جاء عمر فقال: يا رسولَ الله إنّي أصبت مالاً لَم أصب مالاً مثله قطّ , كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها.
فيحتمل: أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر , وأنّ مقدارها كان مقدار مائة سهم من السّهام التي قسمها النّبيّ ﷺ بين من شهد خيبر.
وهذه المائة السّهم غير المائة السّهم التي كانت لعمر بن الخطّاب بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيره.
وسيأتي بيان ذلك في صفة كتاب وقف عمر من عند أبي داود وغيره.
стр. 2393
وذكر عمر بن شبّة بإسنادٍ ضعيف عن محمّد بن كعب , أنّ قصّة عمر هذه كانت في سنة سبع من الهجرة.
وثَمْغ: بفتح المثلثة وسكون الميم بعدها معجمة.
ومنهم من فتح الميم. حكاه المنذريّ.
قال أبو عبيد البكريّ: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر.
قوله: (أنفس عندي منه) أي: أجود، والنّفيس الجيّد المغتبط به، يقال: نفس بفتح النّون وضمّ الفاء نفاسة.
وقال الدّاوديّ: سمّي نفيساً , لأنّه يأخذ بالنّفس.
وفي رواية صخر بن جويرية " إنّي استفدت مالاً وهو عندي نفيس , فأردت أن أتصدّق به " وقد تقدّم في مرسل أبي بكر بن حزم , أنّه رأى في المنام الأمر بذلك.
ووقع في رواية للدّارقطنيّ إسنادها ضعيف , أنّ عمر قال: يا رسولَ الله إنّي نذرت أن أتصدّق بمالي. ولَم يثبت هذا.
وإنّما كان صدقة تطوّع كما سأوضّحه من حكاية لفظ كتاب الوقف المذكور إن شاء الله تعالى.
قوله: (فما تأمرني به) في رواية يحيى بن سعيد " أنّ عمر استشار رسول الله ﷺ في أن يتصدّق ".
قوله: (إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها) أي: بمنفعتها، وبيّن ذلك ما في رواية عبيد الله بن عمر " احبس أصلها وسبّل ثمرتها " وفي رواية يحيى بن سعيد " تصدّق بثمره وحبّس أصله ".
стр. 2394
قوله: (فتصدّق بها عمر , أنّه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب) زاد في رواية مسلم من هذا الوجه " ولا تبتاع ". زاد الدّارقطنيّ من طريق عبد الله بن عمر عن نافع " حبيس ما دامت السّماوات والأرض ".
كذا لأكثر الرّواة عن نافع، ولَم يختلف فيه عن ابن عون إلَّا ما وقع عند الطّحاويّ من طريق سعيد بن سفيان الجحدريّ عن ابن عون. فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدريّ إنّما رواه عن صخر لا عن ابن عون.
قال السّبكيّ: اغتبطت بما وقع في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقيّ " تصدّق بثمره وحبّس أصله. لا يباع ولا يورث " وهذا ظاهره أنّ الشّرط من كلام النّبيّ ﷺ بخلاف بقيّة الرّوايات. فإنّ الشّرط فيها ظاهره أنّه من كلام عمر.
قلت: رواه البخاري من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ: فقال النّبيّ ﷺ : تصدّق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره.
وهي أتمّ الرّوايات وأصرحها في المقصود. فعزوها إلى البخاريّ أولى، وقد علَّقه البخاريّ في المزارعة بلفظ: قال النّبيّ ﷺ لعمر: تصدّق بأصله لا يباع ولا يوهب , ولكن لينفق ثمره فتصدّق به.
وحكيت هناك. أنّ الدّاوديّ الشّارح أنكر هذا اللفظ، ولَم يظهر لي إذ ذاك سبب إنكاره، ثمّ ظهر لي أنّه بسبب التّصريح برفع الشّرط إلى
стр. 2395
النّبيّ ﷺ ، على أنّه ولو كان الشّرط من قول عمر فما فعله إلَّا لِمَا فهمه من النّبيّ ﷺ حيث قال له: احبس أصلها وسبّل ثمرتها.
وقوله: " تصدّق " صيغة أمر , وقوله: " فتصدّق " بصيغة: الفعل الماضي.
قوله: (فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف) جميع هؤلاء الأصناف إلَّا الضّيف هم المذكورون في آية الزّكاة.
وقوله " وفي القربى " يحتمل: أن يكون فيمن ذكر في الخمس.
ويحتمل: أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثّاني جزم القرطبيّ.
والضّيف معروف: وهو من نزل بقومٍ يريد القِرَى.
قوله: (أن يأكل منها بالمعروف) قال القرطبيّ: جرت العادة بأنّ العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتّى لو اشترط الواقف أنّ العامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه.
والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة.
وقيل: القدر الذي يدفع به الشّهوة.
وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأولى أولى.
قوله: (أو يطعم) في رواية صخر " أو يؤكل " بإسكان الواو وهي بمعنى يطعم. زاد البخاري عن عمرو بن دينار: فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر، يهدي لناسٍ من أهل مكّة كان ينزل عليهم.
стр. 2396
وإنّما كان ابن عمر يهدي منه أخذاً بالشّرط المذكور , وهو أن يطعم صديقه.
ويحتمل: أن يكون إنّما يطعمهم من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف فكان يوفّره ليهدي لأصحابه منه.
قوله: (غير متموّل فيه) في رواية الأنصاريّ عند البخاري " غير متموّل به " (١) والمعنى غير متّخذ منها مالاً. أي: ملكاً، والمراد أنّه لا يتملك شيئاً من رقابها، و " مالاً " منصوب على التّمييز.
وزاد الأنصاريّ وسليم (٢). قال: فحدّثت به ابن سيرين فقال: غير متأثّل مالاً. والقائل " فحدّثت به " هو ابن عون راويه عن نافع، بيّن ذلك الدّارقطنيّ من طريق أبي أسامة عن ابن عون , قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره، زاد سليم: قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أنّ فيه " غير متأثّل مالاً ".
وفي رواية التّرمذيّ من طريق ابن عليّة عن ابن عون , حدّثني رجلٌ
стр. 2397
أنّه قرأها في قطعة أديم أحمر , قال ابن عليّة: وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر كذلك.
وقد أخرج أبو داود صفة كتاب وقف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ , قال: نسخها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر. فذكره. وفيه " غير متأثّل "
والمتأثّل. بمثنّاةٍ ثمّ مثلثة مشدّدة بينهما همزة هو المتّخذ، والتّأثّل اتّخاذ أصل المال حتّى كأنّه عنده قديم، وأثلة كلّ شيء أصله.
قال الشّاعر: وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي (١)
واشتراط نفي التّأثّل يقوّي ما ذهب إليه مَن قال: المراد من قوله: " يأكل بالمعروف " حقيقة الأكل , لا الأخذ من مال الوقف بقدر العمالة. قاله القرطبيّ.
وزاد أحمد من طريق حمّاد بن زيد عن أيّوب فذكر الحديث، قال حمّاد: وزعم عمرو بن دينار , أنّ عبد الله بن عمر , كان يهدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر. وكذا رواه عمر بن شبّة من طريق حمّاد بن زيد عن عمر.
وزاد عمر بن شبّة عن يزيد بن هارون عن ابن عون في آخر هذا الحديث " وأوصى بها عمر إلى حفصة أمّ المؤمنين , ثمّ إلى الأكابر من آل عمر " ونحوه في رواية عبيد الله بن عمر عند الدّارقطنيّ، وفي
стр. 2398
رواية أيّوب عن نافع عند أحمد " يليه ذوو الرّأي من آل عمر ".
فكأنّه كان أوّلاً شرَطَ أنّ النّظر فيه لذوي الرّأي من أهله , ثمّ عيّن عند وصيّته لحفصة، وقد بيّن ذلك عمر بن شبّة عن أبي غسّان المدنيّ , قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفاً حرفاً.
هذا ما كتب عبدُ الله - عمرُ (١) أمير المؤمنين - في ثَمْغ، أنّه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفّيت فإلى ذوي الرّأي من أهلها.
قلت: فذكر الشّرط كلّه نحو الذي تقدّم في الحديث المرفوع.
ثمّ قال: والمائة وسق الذي أطعمني النّبيّ ﷺ فإنّها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء وليُّ ثَمْغٍ أن يشتري من ثمره رقيقاً يعملون فيه فعل. وكتب معيقيب , وشهد عبد الله بن الأرقم.
وكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا. وذكرا جميعاً كتاباً آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزّيادة " وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه صدقة كذلك " وهذا يقتضي , أنّ عمر إنّما كتب كتاب وقفه في خلافته , لأنّ معيقيباً كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنّه أمير المؤمنين.
فيحتمل: أن يكون وقفه في زمن النّبيّ ﷺ باللفظ , وتولى هو
стр. 2399
النّظر عليه إلى أن حضرته الوصيّة فكتب حينئذٍ الكتاب.
ويحتمل: أن يكون أخّر وقفيّته , ولَم يقع منه قبل ذلك إلَّا استشارته في كيفيّته.
وقد روى الطّحاويّ وابن عبد البرّ من طريق مالك عن ابن شهاب قال: قال عمر: لولا أنّي ذكرتُ صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتُها.
فهذا يشعر بالاحتمال الثّاني , وأنّه لَم ينجّز الوقف إلَّا عند وصيّته.
واستدل الطّحاويّ: بقول عمر هذا لأبي حنيفة وزفر , في أنّ إيقاف الأرض لا يمنع من الرّجوع فيها، وأنّ الذي منع عمر من الرّجوع كونه ذكره للنّبيّ ﷺ فكره أن يفارقه على أمر ثمّ يخالفه إلى غيره.
ولا حجّة فيما ذكره من وجهين:
أحدهما: أنّه منقطع , لأنّ ابن شهاب لَم يدرك عمر.
ثانيهما: أنّه يحتمل ما قدّمته. ويحتمل: أن يكون عمر كان يرى بصحّة الوقف ولزومه إلَّا إن شرط الواقف الرّجوع فله أن يرجع.
وقد روى الطّحاويّ عن عليٍّ مثل ذلك فلا حجّة فيه لمَن قال: بأنّ الوقف غير لازم مع إمكان هذا الاحتمال.
وإن ثبت هذا الاحتمال كان حجّة لمَن قال: بصحّة تعليق الوقف. وهو عند المالكيّة , وبه قال ابن سريج.
وقال: تعود منافعه بعد المدّة المعيّنة إليه ثمّ إلى ورثته، فلو كان التّعليق مآلاً صحّ اتّفاقاً كما لو قال: وقفته على زيد سنة ثمّ على الفقراء.
стр. 2400
وحديث عمر هذا أصل في مشروعيّة الوقف.
قال أحمد: حدّثنا حمّاد - هو ابن خالد - حدّثنا عبد الله - هو العمريّ - عن نافع عن ابن عمر قال: أوّل صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر.
وروى عمر بن شبّة عن عمرو بن سعد بن معاذ. قال: سألنا عن أوّل حبس في الإسلام , فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله ﷺ . وفي إسناده الواقديّ.
وفي " مغازي الواقديّ " , أنّ أوّل صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق - بالمعجمة مصغّر - التي أوصى بها إلى النّبيّ ﷺ فوقفها النّبيّ ﷺ .
قال التّرمذيّ: لا نعلم بين الصّحابة والمتقدّمين من أهل العلم خلافاً في جواز وقف الأرضين. انتهى
وجاء عن شُريح , أنّه أنكر الحبس، ومنهم من تأوّله.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلَّا زفر بن الهذيل , فحكى الطّحاويّ عن عيسى بن أبانٍ قال: كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا , فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدّثه به ابن عليّة، فقال: هذا لا يسع أحداً خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به , فرجع عن بيع الوقف حتّى صار كأنّه لا خلاف فيه بين أحد. انتهى.
ومع حكاية الطّحاويّ هذا فقد انتصر كعادته , فقال: قوله في قصّة
стр. 2401
عمر " حبّس الأصل وسبّل الثّمرة " لا يستلزم التّأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدّة اختياره لذلك. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التّأويل، ولا يفهم من قوله: " وقفت وحبست " إلَّا التّأبيد حتّى يصرّح بالشّرط عند من يذهب إليه، وكأنّه لَم يقف على الرّواية التي فيها " حبيس ما دامت السّموات والأرض ".
قال القرطبيّ: ردّ الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يعتذر به عمّن ردّه ما قاله أبو يوسف , فإنّه أعلم بأبي حنيفة من غيره.
وأشار الشّافعيّ إلى أنّ الوقف من خصائص أهل الإسلام، أي: وقف الأراضي والعقار، قال: ولا نعرف أنّ ذلك وقع في الجاهليّة، وحقيقة الوقف شرعاً ورود صيغة تقطع تصرّف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به، وتثبت صرف منفعته في جهة خير.
وفي حديث الباب من الفوائد:
جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرّد من غير كنية ولا لقب.
وفيه جواز إسناد الوصيّة، والنّظر على الوقف للمرأة وتقديمها على من هو من أقرانها من الرّجال.
وفيه إسناد النّظر إلى من لَم يسمّ إذا وصف بصفةٍ معيّنة تميّزه، وأنّ الواقف يلي النّظر على وقفه إذا لَم يسنده لغيره.
قال الشّافعيّ: لَم يزل العدد الكثير من الصّحابة فمن بعدهم يلون
стр. 2402
أوقافهم، نقل ذلك الألوف عن الألوف لا يختلفون فيه.
وفيه استشارة أهل العلم والدّين والفضل في طرق الخير سواء كانت دينيّة أو دنيويّة، وأنّ المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور.
وفيه فضيلة ظاهرة لعمر لرغبته في امتثال قوله تعالى: (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون).
وفيه فضل الصّدقة الجارية، وصحّة شروط الواقف واتّباعه فيها، وأنّه لا يشترط تعيين المصرف لفظاً.
وفيه أنّ الوقف لا يكون إلَّا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطّعام.
وفيه أنّه لا يكفي في الوقف لفظ الصّدقة سواء قال: تصدّقت بكذا أو جعلته صدقة حتّى يضيف إليها شيئاً آخر لتردّد الصّدقة بين أن تكون تمليك الرّقبة أو وقف المنفعة فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملين صحّ، بخلاف ما لو قال: وقفت أو حبست , فإنّه صريح في ذلك على الرّاجح.
وقيل: الصّريح الوقف خاصّة.
وفيه نظرٌ. لثبوت التّحبيس في قصّة عمر هذه، نعم. لو قال: تصدّقت بكذا على كذا وذكر جهة عامّة صحّ.
وتمسّك: من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدّقت بهذا بما وقع في حديث الباب من قوله " فتصدّق بها عمر " ولا حجّة في ذلك لِمَا قدّمته من أنّه
стр. 2403
أضاف إليها " لا تباع ولا توهب ".
ويحتمل أيضاً: أن يكون قوله " فتصدّق بها عمر " راجعاً إلى الثّمرة على حذف مضاف. أي: فتصدّق بثمرتها , فليس فيه متعلق لمن أثبت الوقف بلفظ الصّدقة مجرّداً , وبهذا الاحتمال الثّاني جزم القرطبيّ.
وفيه جواز الوقف على الأغنياء. لأنّ ذوي القربى والضّيف لَم يقيّد بالحاجة , وهو الأصحّ عند الشّافعيّة.
وفيه أنّ للواقف أن يشترط لنفسه جزءاً من ريع الموقوف , لأنّ عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف , ولَم يستثن إن كان هو النّاظر أو غيره فدلَّ عن صحّة الشّرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعيّنه العادة كان فيما يعيّنه هو أجوز.
ويستنبط منه صحّة الوقف على النّفس. وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه، وقال به من المالكيّة ابن شعبان.
وجمهورهم (١) على المنع , إلَّا إذا استثنى لنفسه شيئاً يسيراً بحيث لا يتّهم أنّه قصد حرمان ورثته، ومن الشّافعيّة ابن سريج وطائفة.
وصنّف فيه محمّد بن عبد الله الأنصاريّ شيخ البخاريّ جزءاً ضخماً , واستدل له بقصّة عمر هذه، وبقصّة راكب البدنة. (٢) وبحديث
стр. 2404
أنس في أنّه ﷺ أعتق صفيّة , وجعل عتقها صداقها. ووجه الاستدلال به أنّه أخرجها عن ملكه بالعتق , وردّها إليه بالشّرط.
وسيأتي البحث فيه في النّكاح (١). وبقصّة عثمان الآتية (٢).
واحتجّ المانعون: بقوله في حديث الباب " سبّل الثّمرة " وتسبيل الثّمرة تمليكها للغير والإنسان لا يتمكّن من تمليك نفسه لنفسه.
وتعقّب: بأنّ امتناع ذلك غير مستحيل ومنعه تمليكه لنفسه إنّما هو لعدم الفائدة والفائدة في الوقف حاصلة , لأنّ استحقاقه إيّاه ملكاً غير استحقاقه إيّاه وقفاً , ولا سيّما إذا ذكر له مالاً آخر فإنّه حكم آخر يستفاد من ذلك الوقف.
واحتجّوا أيضاً: بأنّ الذي يدلّ عليه حديث الباب , أنّ عمر اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عمالته , ولذلك منعه أن يتّخذ لنفسه منه مالاً , فلو كان يؤخذ منه صحّة الوقف على النّفس لَم يمنعه من الاتّخاذ، وكأنّه اشترط لنفسه أمراً لو سكت عنه لكان يستحقّه
стр. 2405
لقيامه، وهذا على أرجح قولي العلماء أنّ الواقف إذا لَم يشترط للنّاطر قدر عمله جاز له أن يأخذ بقدر عمله.
ولو اشترط الواقف لنفسه النّظر , واشترط أجرة؟.
ففي صحّة هذا الشّرط عند الشّافعيّة خلاف، كالهاشميّ إذا عمل في الزّكاة. هل يأخذ من سهم العاملين.؟ والرّاجح الجواز.
ويؤيّده حديث عثمان (١)
واستدل به على جواز الوقف على الوارث في مرض الموت , فإن زاد على الثّلث ردّ , وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد , لأنّ عمر جعل النّظر بعده لحفصة وهي ممّن يرثه , وجعل لمن ولي وقفه أن يأكل منه.
وتعقّب: بأنّ وقف عمر صدر منه في حياة النّبيّ ﷺ , والذي أوصى به إنّما هو شرط النّظر.
واستدل به على أنّ الواقف إذا شرط للنّاظر شيئاً أخذه وإن لَم يشترطه له لَم يجز إلَّا إن دخل في صفة أهل الوقف كالفقراء والمساكين. فإن كان على معيّنين ورضوا بذلك جاز.
واستدل به على أنّ تعليق الوقف لا يصحّ , لأنّ قوله: " حبّس الأصل " يناقض تأقيته. وعن مالك وابن سريج: يصحّ.
واستدل بقوله: " لا تباع " على أنّ الوقف لا يناقل به.
стр. 2406
وعن أبي يوسف: أنّ شرط الواقف أنّه إذا تعطّلت منافعه بيع وصرف ثمنه في غيره ويوقف في ما سمّي في الأوّل، وكذا إن شرط البيع إذا رأى الحظّ في نقله إلى موضع آخر.
واستدل به على وقف المشاع , لأنّ المائة سهم التي كانت لعمر بخيبر لَم تكن منقسمة.
وفيه أنّه لا سراية في الأرض الموقوفة بخلاف العتق , ولَم ينقل أنّ الوقف سرى من حصّة عمر إلى غيرها من باقي الأرض.
وحكى بعض المتأخّرين عن بعض الشّافعيّة أنّه حكم فيه بالسّراية. وهو شاذّ منكر.
واستدل به على أنّ خيبر فتحت عنوة.
وقد اختلف هل كان عنوة أو صلحاً؟.
وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سبى النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوّجها " (١) التّصريح بأنّه كان عنوة , وبه جزم ابن عبد البرّ، ورَدّ على مَن قال فتُحت صلحاً.
قال: وإنّما دخلت الشّبهة على مَن قال: فتحت صلحاً بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم، وهو ضربٌ من الصّلح , لكن لَم يقع ذلك إلَّا بحصارٍ وقتالٍ. انتهى.
والذي يظهر. أنّ الشّبهة في ذلك قول ابن عمر , إنّ النّبيّ ﷺ قاتل
стр. 2407
أهل خيبر فغلب على النّخل وألجأهم إلى القصر , فصالحوه على أن يجلوا منها وله الصّفراء والبيضاء والحلقة , ولهم ما حملت ركابهم على أن لا يكتموا ولا يغيّبوا " الحديث. وفي آخره " فسبى نساءهم وذراريّهم، وقسم أموالهم للنّكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم , فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها " الحديث أخرجه أبو داود والبيهقيّ وغيرهما، وكذلك أخرجه أبو الأسود في " المغازي " عن عروة.
فعلى هذا كان قد وقع الصّلح، ثمّ حدث النّقض منهم فزال أثر الصّلح، ثمّ منّ عليهم بترك القتل وإبقائهم عمّالاً بالأرض ليس لهم فيها ملكٌ، ولذلك أجلاهم عمر كما في البخاري، فلو كانوا صولحوا على أرضهم لَم يجلوا منها. والله أعلم.
وقد احتجّ الطّحاويّ على أنّ بعضها فتح صلحاً: بما أخرجه هو وأبو داود من طريق بشير بن يسارٍ , أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا قسم خيبر , عزل نصفها لنوائبه وقسم نصفها بين المسلمين ".
وهو حديث اختلف في وصله وإرساله، وهو ظاهرٌ في أنّ بعضها فتح صلحاً، والله أعلم.
стр. 2408
باب الهبة
الهبة: بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحّدة. تطلق بالمعنى الأعمّ على أنواع الإبراء، وهو هبة الدّين ممّن هو عليه.
والصّدقة: وهي هبة ما يتمحّض به طلب ثواب الآخرة.
والهديّة: وهي ما يكرم به الموهوب له. ومن خصّها بالحياة أخرج الوصيّة , وهي تكون أيضاً بالأنواع الثّلاثة.
وتطلق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرّف الهبة بأنّها تمليك بلا عوض.
وصنيع البخاري محمول على المعنى الأعمّ , لأنّه أدخل فيها الهدايا.
стр. 2409
الحديث الثاني والثلاثون
٢٨٨ - عن عمر ﵁ , قال: حَمَلْتُ على فرسٍ في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننتُ أنه يبيعه برُخْصٍ، فسألت النبيّ ﷺ فقال: لا تشْتَرْه، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهمٍ، فإنّ العائد في هبته، كالعائد في قيئه. (١)
قوله: (حملتُ على فرسٍ) زاد القعنبيّ في الموطّأ " عتيق " (٢) والعتيق الكريم الفائق من كل شيء.
وهذا الفرس. أخرج ابن سعد عن الواقديّ بسنده عن سهل بن سعد في تسمية خيل النّبيّ ﷺ قال: وأهدى تميم الدّاريّ له فرساً يقال له الورد , فأعطاه عمر فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع. الحديث.
فعُرف بهذا تسميته وأصله.
ولا يعارضه ما أخرجه مسلم. ولَم يسق لفظه. وساقه أبو عوانة في " مستخرجه " من طريق عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر , أنّ
стр. 2410
عمر حمل على فرسٍ في سبيل الله فأعطاه رسول الله ﷺ رجلاً.
لأنّه يُحمل على أنّ عمر لَمَّا أراد أن يتصدّق به , فوّض إلى رسول الله ﷺ اختيار من يتصدّق به عليه أو استشاره فيمن يحمله عليه , فأشار به عليه فنُسبت إليه العطيّة لكونه أمره بها.
قوله: (في سبيل الله) ظاهره أنّه حمله عليه حملَ تمليكٍ ليجاهد به. إذ لو كان حمل تحبيسٍ لَم يجز بيعه.
وقيل: بلغ إلى حالةٍ لا يمكن الانتفاع به فيما حبس فيه , وهو مفتقرٌ إلى ثبوت ذلك.
ويدل على أنّه تمليك قوله: " العائد في هبته " ولو كان حبساً لقال في حبسه أو وقفه. وعلى هذا فالمراد بسبيل الله الجهاد , لا الوقف. فلا حجّة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غايةً لا يتصوّر الانتفاع به فيما وقف له.
قوله: (فأضاعه) أي: لَم يحسن القيام عليه , وقصّر في مؤونته وخدمته.
وقيل: أي: لَم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته.
وقيل: معناه استعمله في غير ما جعل له.
والأوّل أظهر: ويؤيّده رواية مسلمٍ من طريق روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن أبيه " فوجده قد أضاعه , وكان قليل المال " فأشار إلى عِلَّة ذلك وإلى العذر المذكور في إرادة بيعه.
قوله: (لا تشتره ولا تعد في صدقتك , وإن أعطاكه بدرهم) ولهما
стр. 2411
من رواية نافع عن ابن عمر " فوجده يباع " , وسمّى الشّراء عوداً في الصّدقة , لأنّ العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري. فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعاً.
وأشار إلى الرّخص بقوله: " وإن أعطاكه بدرهمٍ ".
ويستفاد من قوله: " وإن أعطاكه بدرهمٍ " أنّ البائع كان قد ملكه , ولو كان محبساً كما ادّعاه من تقدّم ذكره , وجاز بيعه لكونه صار لا ينتفع به فيما حبس له لَمَا كان له أن يبيعه إلَّا بالقيمة الوافرة , ولا كان له أن يسامح منها بشيءٍ ولو كان المشتري هو المحبس. والله أعلم.
وقد استشكله الإسماعيليّ , وقال: إذا كان شرط الواقف ما تقدّم ذكره في حديث ابن عمر في وقف عمر لا يباع أصله ولا يوهب (١) , فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب؟ وكيف لا ينهى بائعه أو يمنع من بيعه؟.
قال: فلعلَّ معناه أنّ عمر جعله صدقة يعطيها من يرى رسول الله ﷺ إعطاءه فأعطاها النّبيّ ﷺ الرّجل المذكور فجرى منه ما ذكر , ويستفاد من التّعليل المذكور أيضاً أنّه لو وجده مثلاً يباع بأغلى من ثمنه لَم يتناوله النّهي.
قوله: (فإنّ العائد في صدقته إلخ).
حمل الجمهور هذا النّهي في صورة الشّراء على التّنزيه , فيكون
стр. 2412
التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر.
وحمله قومٌ على التّحريم. قال القرطبيّ وغيره: وهو الظّاهر. ثمّ الزّجر المذكور مخصوص بالصّورة المذكورة وما أشبهها كالكفارة والنذر وغيرهما من القربات , لا ما إذا ردّه إليه الميراث مثلاً.
قال الطّبريّ: يخصّ من عموم هذا الحديث , من وهب بشرط الثّواب ومن كان والداً، والموهوب ولده والهبة التي لَم تقبض والتي ردّها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كلّ ذلك. وأمّا ما عدا ذلك كالغنيّ يثيب الفقير ونحو من يصل رحمه فلا رجوع لهؤلاء , قال: وممّا لا رجوع فيه مطلقاً الصّدقة يراد بها ثواب الآخرة.
وقد استشكل ذكر عمر مع ما فيه من إذاعة عمل البرّ وكتمانه أرجح.
وأجيب: بأنّه تعارض عنده المصلحتان - الكتمان وتبليغ الحكم الشّرعيّ - فرجّح الثّاني فعمل به.
وتعقّب: بأنّه كان يمكن أن يقول: حمل رجل على فرسٍ مثلاً ولا يقول: حملت فيجمع بين المصلحتين.
والظّاهر: أنّ محلّ رجحان الكتمان إنّما هو قبل الفعل وعنده، وأمّا بعد وقوعه فلعل الذي أعطيه أذاع ذلك فانتفى الكتمان , ويضاف إليه أنّ في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيداً لصحّة الحكم المذكور , لأنّ الذي تقع له القصّة أجدر بضبطها ممّن ليس عنده إلَّا وقوعها بحضوره , فلمّا أمن ما يخشى من الإعلان بالقصد صرّح بإضافة الحكم إلى نفسه.
стр. 2413
ويحتمل: أن يكون محلّ ترجيح الكتمان لمن يخشى على نفسه من الإعلان العجب والرّياء. أمّا من أمن من ذلك كعمر فلا.
وفي الحديث كراهة الرّجوع في الصّدقة , وفضل الحمل في سبيل الله والإعانة على الغزو بكل شيءٍ، وأنّ الحمل في سبيل الله تمليكٌ , وأنّ للمحمول بيعه والانتفاع بثمنه من جهة أنّ النّبيّ ﷺ أقرّ المحمول عليه على التّصرّف فيه بالبيع وغيره , فدلَّ على تقوية ما ذهب إليه طاوسٌ من أنّ للآخذ التّصرّف في المأخوذ.
وقال ابن المنير: كل من أخذ مالاً من بيت المال على عمل إذا أهمل العمل يردّ ما أخذ، وكذا الأخذ على عمل لا يتأهّل له، ويحتاج إلى تأويل ما ذهب إليه عمر في الأمر المذكور بأن يحمل على الكراهة، وقد قال سعيد بن المسيّب: من أعان بشيءٍ في الغزو فإنّه للذي يعطاه إذا بلغ رأس المغزى، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
وروى مالك في " الموطّأ " عن ابن عمر: إذا بلغتَ وادي القرى فشأنك به. أي: تصرّف فيه، وهو قول الليث والثّوريّ
قال ابن بطّال: ما كان من الحمل على الخيل تمليكاً للمحمول عليه بقوله: هو لك , فهو كالصّدقة، فإذا قبضها لَم يجز الرّجوع فيها وما كان منه تحبيساً في سبيل الله فهو كالوقف لا يجوز الرّجوع فيه عند الجمهور، وعن أبي حنيفة. أنّ الحبس باطلٌ في كل شيءٍ. انتهى.
تكميل: بوّب البخاري على الحديث " باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت ".
стр. 2414
ووجه أخْذِ ذلك من حديث الباب المشتمل على قصّة فرس عمر , أنّها دالة على صحّة وقف المنقولات فيلحق به ما في معناه من المنقولات إذا وجد الشّرط وهو تحبيس العين، فلا تباع ولا توهب بل ينتفع بها، والانتفاع في كلّ شيء بحسبه. (١)
стр. 2415
الحديث الثالث والثلاثون
٢٨٩ - وعن ابن عباس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: العائد في هبته، كالعائد في قَيْئِه. (١)
وفي لفظ: فإنّ الذي يعود في صدقته، كالكلب يقيء ثم يعود في قَيْئِه. (٢)
قوله: (العائد في هبته، كالعائد في قيئه) أي: العائد في هبته إلى الموهوب وهو كقوله تعالى: (أو لتعودنّ في ملتنا).
زاد أبو داود في آخره " قال همّام قال قتادة: ولا أعلم القيء إلَّا حراماً. وللبخاري من رواية عكرمة عن ابن عباس " ليس لنا مثل السّوء، الذي يعود ... " أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتّصف بصفةٍ ذميمةٍ يشابهنا فيها أخسّ الحيوانات في أخسّ أحوالها , قال الله : (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السّوء , ولله المثل الأعلى) ولعلَّ هذا أبلغ في الزّجر عن ذلك وأدل على التّحريم ممّا لو قال مثلاً: لا تعودوا في الهبة.
стр. 2416
وإلى القول بتحريم الرّجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء إلَّا هبة الوالد لولده جمعاً بين هذا الحديث. وحديث النّعمان الآتي.
وقال الطّحاويّ: وقوله: " لا يحل " لا يستلزم التّحريم وهو كقوله: " لا تحل الصّدقة لغنيّ " وإنّما معناه. لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة وأراد بذلك التّغليظ في الكراهة.
قال: وقوله: " كالعائد في قيئه " وإن اقتضى التّحريم لكون القيء حراماً , لكنّ الزّيادة في الرّواية الأخرى. وهي قوله " كالكلب " تدلُّ على عدم التّحريم , لأنّ الكلب غير متعبّدٍ فالقيء ليس حراماً عليه، والمراد التّنزيه عن فعلٍ يشبه فعل الكلب.
وتعقّب: باستبعاد ما تأوّله ومنافرة سياق الأحاديث له , وبأنّ عرف الشّرع في مثل هذه الأشياء المبالغة في الزّجر كقوله: من لعب بالنّردشير فكأنّما غمس يده في لحم خنزير. (١)
قوله: (كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) هذا التّمثيل وقع في طريق سعيد بن المسيّب عن ابن عباس أيضاً عند مسلم. أخرجه من رواية أبي جعفر - محمّد الباقر - عنه بلفظ " مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثمّ يرجع في قيئه فيأكله ".
وله في رواية بكيرٍ عن سعيد " إنّما مثل الذي يتصدّق بصدقةٍ ثمّ
стр. 2417
يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثمّ يأكل قيئه.
وفيه ذمّ العائد في هبته على الإطلاق، فدخل فيه الزّوج والزّوجة تمسّكاً بعمومه.
وأخرج الطّحاويّ عن إبراهيم النخعي قال: إذا وهبتْ المرأة لزوجها أو وهب الرّجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحدٍ منهما أن يرجع في هبته.
وروى عبد الرّزّاق عن الثّوريّ عن عبد الرّحمن بن زياد , أنّ عمر بن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم.
وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزّهريّ: فيمَن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك أو كله، ثمّ لَم يمكث إلَّا يسيراً حتّى طلَّقها فرجعت فيه، قال: يردّ إليها إن كان خلَبَها، وإن كانت أعطته عن طيب نفسٍ ليس في شيءٍ من أمره خديعةٌ، جاز , قال الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه﴾.
وقوله فيه " خلبها " بفتح المعجمة واللام والموحّدة. أي: خدعها.
وروى عبد الرّزّاق عن معمر عن الزّهريّ قال: رأيت القضاة يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقيلون الزّوج فيما وهب لامرأته.
والجمع بينهما: أنّ رواية معمر عنه منقولة، ورواية يونس عنه اختياره، وهو التّفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا، وهو قول المالكيّة إن أقامت البيّنة على ذلك.
وقيل: يقبل قولها في ذلك مطلقاً.
стр. 2418
وإلى عدم الرّجوع من الجانبين مطلقاً ذهب الجمهور.
وإلى التّفصيل الذي نقله الزّهريّ ذهب شُريح.
فروى عبد الرّزّاق والطحاويّ من طريق محمّد بن سيرين , أنّ امرأة وهبت لزوجها هبة ثمّ رجعت فيها، فاختصما إلى شُريح فقال للزّوج: شاهداك أنّها وهبت لك من غير كُره ولا هوان، وإلَّا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان.
وعند عبد الرزاق بسندٍ منقطعٍ عن عمر , أنّه كتب إنّ النّساء يعطين رغبة ورهبة، فأيّما امرأه أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت.
قال الشّافعيّ: لا يردّ شيئاً إذا خالعها ولو كان مضرّاً بها، لقوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به).
قال ابن بطّالٍ: إذا قبض الموهوب له هبةً فهو مالكٌ لها , فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزّكاة فيها عند الجميع , وأمّا الرّجوع فلا يكون عند الجمهور إلَّا فيما يوهب للولد , فإن رجع فيها الأب بعد الحول وجبت فيها الزّكاة على الابن.
قلت: فإن رجع فيها قبل الحول صحّ الرّجوع ويستأنف الحول , فإن كان فعل ذلك ليريد إسقاط الزّكاة سقطت وهو آثمٌ مع ذلك.
وعلى طريقة من يبطل الحيل مطلقاً لا يصحّ رجوعه لثبوت النّهي عن الرّجوع في الهبة , ولا سيّما إذا قارن ذلك التّحيّل في إسقاط الزّكاة.
стр. 2419
وذهب الجمهور ومنهم الشّافعيّ. إلى أنّ الزّكاة تجب على المتّهب (١) مدّة مكث المال عنده.
стр. 2420
الحديث الرابع والثلاثون
٢٩٠ - عن النّعمان بن بشيرٍ ﵁ , قال: تصدّق عليَّ أَبِي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ , فانطلق أَبِي إلى النبيّ ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : أفعلتَ هذا بولدك كلهم , قال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم، فرجع أَبِي، فردّ تلك الصّدقة.
وفي لفظ قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جورٍ. (١)
وفي لفظ: فأشهد على هذا غيري. (٢)
قوله: (عن النّعمان بن بشير) (٣) كذا لأكثر أصحاب الزّهريّ، وأخرجه النّسائيّ من طريق الأوزاعيّ عن ابن شهاب , أنّ محمّد بن النّعمان وحميد بن عبد الرّحمن حدّثاه عن بشير بن سعد " جعله من مسند بشير فشذّ بذلك، والمحفوظ أنّه عنهما عن النّعمان.
وقد روى هذا الحديثَ عن النّعمان عددٌ كثيرٌ من التّابعين.