وإلى القول بتحريم الرّجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء إلَّا هبة الوالد لولده جمعاً بين هذا الحديث. وحديث النّعمان الآتي.
وقال الطّحاويّ: وقوله: " لا يحل " لا يستلزم التّحريم وهو كقوله: " لا تحل الصّدقة لغنيّ " وإنّما معناه. لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة وأراد بذلك التّغليظ في الكراهة.
قال: وقوله: " كالعائد في قيئه " وإن اقتضى التّحريم لكون القيء حراماً , لكنّ الزّيادة في الرّواية الأخرى. وهي قوله " كالكلب " تدلُّ على عدم التّحريم , لأنّ الكلب غير متعبّدٍ فالقيء ليس حراماً عليه، والمراد التّنزيه عن فعلٍ يشبه فعل الكلب.
وتعقّب: باستبعاد ما تأوّله ومنافرة سياق الأحاديث له , وبأنّ عرف الشّرع في مثل هذه الأشياء المبالغة في الزّجر كقوله: من لعب بالنّردشير فكأنّما غمس يده في لحم خنزير. (١)
قوله: (كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) هذا التّمثيل وقع في طريق سعيد بن المسيّب عن ابن عباس أيضاً عند مسلم. أخرجه من رواية أبي جعفر - محمّد الباقر - عنه بلفظ " مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثمّ يرجع في قيئه فيأكله ".
وله في رواية بكيرٍ عن سعيد " إنّما مثل الذي يتصدّق بصدقةٍ ثمّ
стр. 2417
يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثمّ يأكل قيئه.
وفيه ذمّ العائد في هبته على الإطلاق، فدخل فيه الزّوج والزّوجة تمسّكاً بعمومه.
وأخرج الطّحاويّ عن إبراهيم النخعي قال: إذا وهبتْ المرأة لزوجها أو وهب الرّجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحدٍ منهما أن يرجع في هبته.
وروى عبد الرّزّاق عن الثّوريّ عن عبد الرّحمن بن زياد , أنّ عمر بن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم.
وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزّهريّ: فيمَن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك أو كله، ثمّ لَم يمكث إلَّا يسيراً حتّى طلَّقها فرجعت فيه، قال: يردّ إليها إن كان خلَبَها، وإن كانت أعطته عن طيب نفسٍ ليس في شيءٍ من أمره خديعةٌ، جاز , قال الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه﴾.
وقوله فيه " خلبها " بفتح المعجمة واللام والموحّدة. أي: خدعها.
وروى عبد الرّزّاق عن معمر عن الزّهريّ قال: رأيت القضاة يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقيلون الزّوج فيما وهب لامرأته.
والجمع بينهما: أنّ رواية معمر عنه منقولة، ورواية يونس عنه اختياره، وهو التّفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا، وهو قول المالكيّة إن أقامت البيّنة على ذلك.
وقيل: يقبل قولها في ذلك مطلقاً.
стр. 2418
وإلى عدم الرّجوع من الجانبين مطلقاً ذهب الجمهور.
وإلى التّفصيل الذي نقله الزّهريّ ذهب شُريح.
فروى عبد الرّزّاق والطحاويّ من طريق محمّد بن سيرين , أنّ امرأة وهبت لزوجها هبة ثمّ رجعت فيها، فاختصما إلى شُريح فقال للزّوج: شاهداك أنّها وهبت لك من غير كُره ولا هوان، وإلَّا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان.
وعند عبد الرزاق بسندٍ منقطعٍ عن عمر , أنّه كتب إنّ النّساء يعطين رغبة ورهبة، فأيّما امرأه أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت.
قال الشّافعيّ: لا يردّ شيئاً إذا خالعها ولو كان مضرّاً بها، لقوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به).
قال ابن بطّالٍ: إذا قبض الموهوب له هبةً فهو مالكٌ لها , فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزّكاة فيها عند الجميع , وأمّا الرّجوع فلا يكون عند الجمهور إلَّا فيما يوهب للولد , فإن رجع فيها الأب بعد الحول وجبت فيها الزّكاة على الابن.
قلت: فإن رجع فيها قبل الحول صحّ الرّجوع ويستأنف الحول , فإن كان فعل ذلك ليريد إسقاط الزّكاة سقطت وهو آثمٌ مع ذلك.
وعلى طريقة من يبطل الحيل مطلقاً لا يصحّ رجوعه لثبوت النّهي عن الرّجوع في الهبة , ولا سيّما إذا قارن ذلك التّحيّل في إسقاط الزّكاة.
стр. 2419
وذهب الجمهور ومنهم الشّافعيّ. إلى أنّ الزّكاة تجب على المتّهب (١) مدّة مكث المال عنده.
стр. 2420
الحديث الرابع والثلاثون
٢٩٠ - عن النّعمان بن بشيرٍ ﵁ , قال: تصدّق عليَّ أَبِي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ , فانطلق أَبِي إلى النبيّ ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : أفعلتَ هذا بولدك كلهم , قال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم، فرجع أَبِي، فردّ تلك الصّدقة.
وفي لفظ قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جورٍ. (١)
وفي لفظ: فأشهد على هذا غيري. (٢)
قوله: (عن النّعمان بن بشير) (٣) كذا لأكثر أصحاب الزّهريّ، وأخرجه النّسائيّ من طريق الأوزاعيّ عن ابن شهاب , أنّ محمّد بن النّعمان وحميد بن عبد الرّحمن حدّثاه عن بشير بن سعد " جعله من مسند بشير فشذّ بذلك، والمحفوظ أنّه عنهما عن النّعمان.
وقد روى هذا الحديثَ عن النّعمان عددٌ كثيرٌ من التّابعين.
стр. 2421
منهم عروة بن الزّبير عند مسلم والنّسائيّ وأبي داود، وأبو الضّحى عند النّسائيّ وابن حبّان وأحمد والطّحاويّ، والمفضّل بن المُهلَّب عند أحمد وأبي داود والنّسائيّ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد، وعون بن عبد الله عند أبي عوانة، والشّعبيّ في الصّحيحين وأبي داود وأحمد والنّسائيّ وابن ماجه وابن حبّان وغيرهم، ورواه عن الشّعبيّ عدد كثير أيضاً.
وسأذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزّائدة على هذه الطّريق مفصّلاً إن شاء الله تعالى.
قوله: (تصدَّق عليَّ أَبِي) والد النّعمان. هو ابن سعد بن ثعلبة بن الجلاس - بضمّ الجيم وتخفيف اللام – الخزرجيّ، صحابيّ شهير من أهل بدر وشهد غيرها.
ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنّه أوّل من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر.
قوله: (ببعض ماله) في رواية مالك عن الزهري عند الشيخين " أنّ أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني غلاماً " بفتح النّون والمهملة، والنّحلة: بكسر النّون وسكون المهملة العطيّة بغير عوض.
وفي رواية الشّعبيّ في البخاري " أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتّى تشهد رسول الله ﷺ فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إنّي أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّة ".
стр. 2422
وللبخاري من طريق أبي حبّان عن الشّعبيّ سبب سؤالها شهادة رسول الله ﷺ . ولفظه " عن النّعمان قال: سألت أمّي أبي بعض الموهبة لي من ماله ".
زاد مسلم والنّسائيّ من هذا الوجه " فالتوى بها سنة " أي: مطلها. وفي رواية ابن حبّان من هذا الوجه " بعد حولين ".
ويجمع بينهما: بأنّ المدّة كانت سنة وشيئاً فجبر الكسر تارة وألغى أخرى.
قال (١): ثمّ بدا له فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى حتّى تشهد النّبيّ ﷺ ، قال: فأخذ بيدي وأنا غلام ". ولمسلمٍ من طريق داود بن أبي هند عن الشّعبيّ عن النّعمان " انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ ".
ويجمع بينهما: بأنّه أخذ بيده فمشى معه بعض الطّريق وحمله في بعضها لصغر سنّه، أو عبّر عن استتباعه إيّاه بالحمل.
وقد تبيّن من رواية مالك , أنّ العطيّة كانت غلاماً، وكذا في رواية ابن حبّان المذكورة، وكذا لأبي داود من طريق إسماعيل بن سالم عن الشّعبيّ، ولمسلمٍ في رواية عروة وحديث جابر معاً.
ووقع في رواية أبي حريز - بمهملةٍ وراء ثمّ زاي بوزنٍ عظيمٍ - عند
стр. 2423
ابن حبّان والطّبرانيّ عن الشّعبيّ , أنّ النّعمان خطب بالكوفة فقال: إنّ والدي بشير بن سعد أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ عمرة بنت رواحة نفست بغلامٍ، وإنّي سمّيته النّعمان، وإنّها أبت أن تربّيه حتّى جعلت له حديقةً من أفضل مال هو لي , وأنّها قالت: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ . وفيه قوله ﷺ : لا أشهد على جورٍ.
وجمع ابن حبّان بين الرّوايتين: بالحمل على واقعتين.
إحداهما: عند ولادة النّعمان , وكانت العطيّة حديقة.
والأخرى: بعد أن كبُر النّعمان , وكانت العطيّة عبداً.
وهو جمع لا بأس به، إلَّا أنّه يعكّر عليه أنّه يبعد أن ينسى بشير بن سعد - مع جلالته - الحكمَ في المسألة حتّى يعود إلى النّبيّ ﷺ فيستشهده على العطيّة الثّانية بعد أن قال له في الأولى " لا أشهد على جورٍ ".
وجوّز ابن حبّان: أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم.
وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأوّل على كراهة التّنزيه، أو ظنّ أنّه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد , لأنّ ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
ثمّ ظهر لي وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش , ولا يحتاج إلى جوابٍ. وهو أنّ عمرة لَمَّا امتنعت من تربيته إلَّا أن يهب له شيئاً يخصّه به وهبه الحديقة المذكورة تطييباً لخاطرها، ثمّ بدا له فارتجعها , لأنّه لَم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو
стр. 2424
سنتين , ثمّ طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاماً ورضيت عمرة بذلك، إلَّا أنّها خشيت أن يرتجعه أيضاً , فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ تريد بذلك تثبيت العطيّة وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النّبيّ ﷺ للإشهاد مرّة واحدة وهي الأخيرة.
وغاية ما فيه أنّ بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ بعض، أو كان النّعمان يقصّ بعض القصّة تارة ويقصّ بعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه، والله أعلم.
قوله: (فقالت أُمّي عمرة بنت رواحة) ابن ثعلبة الخزرجيّة أخت عبد الله بن رواحة الصّحابيّ المشهور.
ووقع عند أبي عوانة من طريق عون بن عبد الله أنّها بنت عبد الله بن رواحة. والصّحيح الأوّل، وبذلك ذكرها ابن سعد وغيره وقالوا: كانت ممّن بايع النّبيّ ﷺ من النّساء. وفيها يقول قيس بن الخطيم بفتح المعجمة:
وعمرة من سروات النّسا ... ء تنفح بالمسك أردانها
قوله: (أفعلتَ هذا بولدك كلهم , قال: لا) وفي رواية مالك " فقال: أكل ولدك نحلت مثله ". زاد في رواية أبي حيّان عند مسلم " فقال: ألك ولد سواه؟ قال: نعم , فقال: أكلهم وهبت له هذا؟ قال: لا ".
وقال مسلم لَمَّا رواه من طريق الزّهريّ: أمّا يونس ومعمر فقالا: أَكلَّ بنيك. وأمّا الليث وابن عيينة فقالا: أَكلَّ ولدك.
стр. 2425
وله من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشّعبيّ فقال: ألك بنون سواه؟ قال: نعم. قال: فكلهم أعطيت مثل هذا؟ قال: لا , وفي رواية ابن القاسم في " الموطّآت للدّارقطنيّ عن مالك " قال: لا والله يا رسولَ الله ".
قلت: ولا منافاة بينهما , لأنّ لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكوراً، أو إناثاً وذكوراً، وأمّا لفظ البنين فإن كانوا ذكوراً فظاهر , وإن كانوا إناثاً وذكوراً فعلى سبيل التّغليب؛ ولَم يذكر ابن سعد لبشيرٍ - والد النّعمان - ولداً غير النّعمان، وذكر له بنتاً اسمها أُبيّة بالموحّدة تصغير أبٍ.
قوله: (قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم، فرجع أبي، فردّ تلك الصّدقة) في رواية مالك عن الزهري " قال: فارجعه " ولمسلمٍ من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب " قال: فاردده ". وله وللنّسائيّ من طريق عروة مثله، وفي رواية الشّعبيّ " قال: فرجع فردّ عطيّته " ولمسلمٍ " فردّ تلك الصّدقة "
قوله: (فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جورٍ , وفي لفظ: فأشهد على هذا غيري) في رواية أبي حيّان عند البخاري " قال: لا تشهدني على جور " , ومثله لمسلمٍ من رواية عاصم عن الشّعبيّ , وفي حديث جابر " فليس يصلح هذا , وإنّي لا أشهد إلَّا على حقٍّ ".
ولعبد الرّزّاق من طريق طاوسٍ مرسلاً " لا أشهد إلَّا على الحقّ،
стр. 2426
لا أشهد بهذه " (١) وفي رواية عروة عند النّسائيّ " فكره أن يشهد له ".
وفي رواية المغيرة عن الشّعبيّ عند مسلم " اعدلوا بين أولادكم في النّحل، كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البرّ ".
وفي رواية مجالد عن الشّعبيّ عند أحمد " إنّ لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذاً ".
ولأبي داود من هذا الوجه " إنّ لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أنّ لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك ". وللنّسائيّ من طريق أبي الضّحى " ألا سوّيت بينهم " , وله ولابن حبّان من هذا الوجه " سوّ بينهم "
واختلاف الألفاظ في هذه القصّة الواحدة يرجع إلى معنىً واحدٍ.
وقد تمسّك به من أوجب السّويّة في عطيّة الأولاد، وبه صرّح البخاريّ، وهو قول طاوسٍ والثّوريّ وأحمد وإسحاق، وقال به بعض المالكيّة.
ثمّ المشهور عن هؤلاء أنّها باطلة.
وعن أحمد: تصحّ، ويجب أن يرجع.
وعنه: يجوز التّفاضل إن كان له سببٌ، كأن يحتاج الولد لزمانته
стр. 2427
ودينه أو نحو ذلك دون الباقين.
وقال أبو يوسف: تجب التّسوية إن قصد بالتّفضيل الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أنّ التّسوية مستحبّة، فإن فضّل بعضاً صحّ وكره. واستحبّت المبادرة إلى التّسوية أو الرّجوع، فحملوا الأمر على النّدب والنّهي على التّنزيه.
ومن حجّة من أوجبه: أنّه مقدّمة الواجب , لأنّ قطع الرّحم والعقوق محرّمان فما يؤدّي إليهما يكون محرّماً , والتّفضيل ممّا يؤدّي إليهما.
ثمّ اختلفوا في صفة التّسوية.
القول الأول: قال محمّد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشّافعيّة والمالكيّة. العدل أن يعطي الذّكر حظّين كالميراث.
واحتجّوا بأنّه حظّها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتّى مات.
القول الثاني: لا فرق بين الذّكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتّسوية يشهد له.
واستأنسوا بحديث ابن عبّاس رفعه " سوّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلاً أحداً لفضّلت النّساء " أخرجه سعيد بن منصور والبيهقيّ من طريقه. وإسناده حسن.
وأجاب: من حمل الأمر بالتّسوية على النّدب عن حديث النّعمان بأجوبةٍ:
стр. 2428
أحدها: أنّ الموهوب للنّعمان كان جميع مال والده ولذلك منعه، فليس فيه حجّة على منع التّفضيل. حكاه ابن عبد البرّ عن مالك. وتعقّبه: بأنّ كثيراً من طرق حديث النّعمان صرّح بالبعضيّة.
وقال القرطبيّ: ومن أبعد التّأويلات أنّ النّهي إنّما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده كما ذهب إليه سحنون، وكأنّه لَم يسمع في نفس هذا الحديث , أنّ الموهوب كان غلاماً وأنّه وهبه له لَمَّا سألته الأمّ الهبة من بعض ماله، قال: وهذا يعلم منه على القطع أنّه كان له مال غيره.
ثانيها: أنّ العطيّة المذكورة لَم تنجز، وإنّما جاء بشير يستشير النّبيّ ﷺ في ذلك فأشار عليه بأن لا تفعل فترك. حكاه الطّحاويّ.
وفي أكثر طرق حديث الباب ما ينابذه.
ثالثها: أنّ النّعمان كان كبيراً , ولَم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرّجوع، ذكره الطّحاويّ.
وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضاً خصوصاً قوله: " ارجعه " فإنّه يدل على تقدّم وقوع القبض.
والذي تضافرت عليه الرّوايات أنّه كان صغيراً , وكان أبوه قابضاً له لصغره، فأمر بردّ العطيّة المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض.
رابعها: أنّ قوله: " ارجعه " دليل على الصّحّة، ولو لَم تصحّ الهبة لَم يصحّ الرّجوع، وإنّما أمره بالرّجوع لأنّ للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده - وإن كان الأفضل خلاف ذلك - لكن استحباب التّسوية
стр. 2429
رجح على ذلك فلذلك أمره به.
وفي الاحتجاج بذلك نظرٌ.
والذي يظهر أنّ معنى قوله: " ارجعه " أي: لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدّم صحّة الهبة.
خامسها: أنّ قوله: " أشهد على هذا غيري " إذن بالإشهاد على ذلك، وإنّما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنّه قال: لا أشهد لأنّ الإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنّما من شأنه أن يحكم، حكاه الطّحاويّ أيضاً، وارتضاه ابن القصّار.
وتعقّب: بأنّه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمّل الشّهادة ولا من أدائها إذا تعيّنت عليه، وقد صرّح المحتجّ بهذا أنّ الإمام إذا شهد عند بعض نوّابه جاز.
وأمّا قوله إنّ قوله: " أشهد " صيغة إذنٍ فليس كذلك، بل هو للتّوبيخ لِمَا يدل عليه بقيّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرّح الجمهور في هذا الموضع.
وقال ابن حبّان: قوله: " أشهد " صيغة أمر. والمراد به نفي الجواز وهو كقوله لعائشة: " اشترطي لهم الولاء " انتهى.
سادسها: التّمسّك بقوله: " ألا سوّيت بينهم " على أنّ المراد بالأمر الاستحباب وبالنّهي التّنزيه.
وهذا جيّدٌ. لولا ورود تلك الألفاظ الزّائدة على هذه اللفظة، ولا سيّما أنّ تلك الرّواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضاً حيث قال:
стр. 2430
" سوّ بينهم ".
سابعها: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدل على أنّ المحفوظ في حديث النّعمان " قاربوا بين أولادكم لا سوّوا ".
وتعقّب: بأنّ المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التّسوية.
ثامنها: في التّشبيه الواقع في التّسوية بينهم بالتّسوية منهم في برّ الوالدين قرينة تدل على أنّ الأمر للنّدب، لكن إطلاق الجور على عدم التّسوية، والمفهوم من قوله: " لا أشهد إلَّا على حقّ " وقد قال في آخر الرّواية التي وقع فيها التّشبيه " قال: فلا إذاً ".
تاسعها: عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النّبيّ ﷺ على عدم التّسوية قرينة ظاهرة في أنّ الأمر للنّدب.
فأمّا أبو بكر. فرواه الموطّأ بإسنادٍ صحيح عن عائشة , أنّ أبا بكر قال لها في مرض موته " إنّي كنت نحلتكِ نُحلاً فلو كنت احتزتيه لكان لك، وإنّما هو اليوم للوارث ".
وأمّا عمر. فذكر الطّحاويّ وغيره: أنّه نحل ابنه عاصماً دون سائر ولده.
وقد أجاب عروة عن قصّة عائشة: بأنّ إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصّة عمر.
عاشر الأجوبة: أنّ الإجماع انعقد على جواز عطيّة الرّجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البرّ.
стр. 2431
ولا يخفى ضعفه , لأنّه قياس مع وجود النّصّ.
وزعم بعضهم أنّ معنى قوله: " لا أشهد على جور " أي: لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض.
وفي هذا نظرٌ لا يخفى، ويردّه قوله في الرّواية " لا أشهد إلَّا على الحقّ ".
وحكى ابن التّين عن الدّاوديّ: أنّ بعض المالكيّة احتجّ بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النّعمان، ثمّ ردّه عليه.
واستدلَّ به أيضاً على أنّ للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه وكذلك الأمّ، وهو قول أكثر الفقهاء.
إلَّا أنّ المالكيّة فرّقوا بين الأب والأمّ , فقالوا: للأمّ أن ترجع إن كان الأب حيّاً دون ما إذا مات، وقيّدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهوب له لَم يستحدث ديناً أو ينكح، وبذلك قال إسحاق.
وقال الشّافعيّ: للأب الرّجوع مطلقاً.
وقال أحمد: لا يحل لواهبٍ أن يرجع في هبته مطلقاً.
وقال الكوفيّون: إن كان الموهوب صغيراً لَم يكن للأب الرّجوع، وكذا إن كان كبيراً وقبضها، قالوا: وإن كانت الهبة لزوجٍ من زوجته أو بالعكس أو لذي رحمٍ لَم يجز الرّجوع في شيء من ذلك.
ووافقهم إسحاق في ذي الرّحم , وقال: للزّوجة أن ترجع بخلاف الزّوج.
والاحتجاج لكل واحدٍ من ذلك يطول.
стр. 2432
وحجّة الجمهور في استثناء الأب , أنّ الولد وماله لأبيه (١) فليس في الحقيقة رجوعاً، وعلى تقدير كونه رجوعاً فربّما اقتضته مصلحة التّأديب، ونحو ذلك.
وحديث الباب ظاهر في الجواز.
وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عبّاس وابن عمر " لا يحلُّ لرجلٍ يعطي عطيّةً أو يهب هبة فيرجع فيها , إلَّا الوالد فيما يعطي ولده " ورجاله ثقات.
وفي الحديث أيضاً النّدب إلى التّآلف بين الإخوة وترك ما يوقع بينهم الشّحناء أو يورث العقوق للآباء، وأنّ عطيّة الأب لابنه الصّغير في حجره لا تحتاج إلى قبض.
وأنّ الإشهاد فيها يغني عن القبض.
وقيل: إن كانت الهبة ذهباً أو فضّة فلا بدّ من عزلها وإفرازها.
وفيه كراهة تحمّل الشّهادة فيما ليس بمباحٍ , وأنّ الإشهاد في الهبة
стр. 2433
مشروع وليس بواجبٍ.
وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزّوجات دون بعض وإن وجبت التّسوية بينهم في غير ذلك.
وفيه أنّ للإمام الأعظم أن يتحمّل الشّهادة، وتظهر فائدتها إمّا ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نوّابه.
وفيه مشروعيّة استفصال الحاكم والمفتي عمّا يحتمل الاستفصال، لقوله " ألك ولد غيره , فلمّا قال: نعم , قال: أفكلهم أعطيت مثله. فلمّا قال: لا , قال: لا أشهد. فيفهم منه أنّه لو قال: نعم لشهد.
وفيه جواز تسمية الهبة صدقة، وأنّ للإمام كلاماً في مصلحة الولد، والمبادرة إلى قبول الحقّ، وأمر الحاكم والمفتي بتقوى الله في كل حال.
وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتّنطّع، لأنّ عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لِمَا رجع فيه، فلمّا اشتدّ حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه.
وقال المُهلَّب: فيه أنّ للإمام أن يردّ الهبة والوصيّة ممّن يعرف منه هروباً عن بعض الورثة، والله أعلم.
стр. 2434
باب الحرث والمزارعة
قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)
وروى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلَّا كان له به صدقة.
ولا شكَّ أنَّ الآية تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به , والحديث يدل على فضله بالقيد الذي ذكره البخاري (١).
وقال ابن المنير: أشار البخاري إلى إباحة الزرع , وأنَّ من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحلُّه ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة , وعلى ذلك يُحمل حديث أبي أمامة الباهلي، أنه قال: ورأى سكَّة وشيئاً من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا يدخل هذا بيتَ قومٍ إلَّا أدخله الله الذل. أخرجه البخاري.
والمزارعة مفاعلة من الزرع.
وفي الحديث فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض.
ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها.
وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة.
стр. 2435
وحمْلُ ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين. فمنه حديث ابن مسعود مرفوعاً: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. الحديث. (١)
قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث أنس بحمله على الاستكثار , والاشتغال به عن أمر الدين , وحمل حديث أنس على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها , وتحصيل ثوابها.
وفي رواية لمسلم " إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة " ومقتضاه أن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه , ولو مات زارعه أو غارسه , ولو انتقل ملكه إلى غيره.
قال الطيبي: نكَّر مسلماً وأوقعه في سياق النفي , وزاد مِن الاستغراقية , وعمَّ الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أنَّ أيَّ مُسلم كان حراً أو عبداً مطيعاً أو عاصياً يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله أيَّ حيوان كان يرجع نفعه إليه , ويثاب عليه.
وفيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي , وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي. أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: لا يقل أحدكم زرعت , ولكن ليقل حرثت. ألم تسمع لقول الله تعالى
стр. 2436
(أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). ورجاله ثقات إلَّا أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي. قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ.
وروى عبد بن حميد من طريق أبي عبد الرحمن السلمي بمثله من قوله غير مرفوع.
стр. 2437
الحديث الخامس والثلاثون
٢٩١ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ عامل أهل خيبر، على شطر ما يخرج منها، من ثمرٍ أو زرعٍ. (١)
قوله: (عامل أهل خيبر) وللبخاري " أعطى خيبرَ اليهودَ، على أن يعملوها ويزرعوها ".
في الحديث.
وهو القول الأول: مشاركة الذمي في المزارعة , وأُلحق المشرك به , لأنّه إذا استأمن صار في معنى الذّمّيّ.
القول الثاني: خالف في الجواز الثّوريّ والليث وأحمد وإسحاق، وبه قال مالك , إلَّا أنّه أجازه إذا كان يتصرّف بحضرة المسلم.
وحجّتهم: خشية أن يدخل في مال المسلم ما لا يحل كالرّبا وثمن الخمر والخنزير.
واحتجّ الجمهور: بمعاملة النّبيّ ﷺ يهود خيبر، وإذا جاز في المزارعة جاز في غيرها، وبمشروعيّة أخذ الجزية منهم مع أنّ في أموالهم ما فيها.
قوله: (على شطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ) هذا الحديث هو
стр. 2438
عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النّبيّ ﷺ لذلك , واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر كما في البخاري.
وروى عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري قال: أخبرنا قيس بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر: ما بالمدينة أهل بيتِ هجرةٍ إلَّا يزرعون على الثلث والربع.
وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريق أخرى إلى أبي جعفر الباقر , أنه سئل عن المزارعة بالثلث والربع. فقال: إني إن نظرتُ في آل أبي بكر وآل عمر وآل علي وجدتهم يفعلون ذلك.
وروى ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صليع عن عليٍّ , أنه لم ير بأساً بالمزارعة على النصف.
وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق موسى بن طلحة قال: كان سعد بن مالك وابن مسعود يزارعان بالثلث والربع.
ورواه سعيد بن منصور من هذا الوجه بلفظ , أنَّ عثمان بن عفان أقطع خمسةً من الصحابة الزبير وسعداً وابن مسعود وخباباً وأسامة بن زيد، قال: فرأيت جاريَّ ابن مسعود وسعداً يعطيان أرضيهما بالثلث.
وروى ابن أبي شيبة من طريق خالد الحذاء , أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطاة. أن يزارع بالثلث والربع.
وروّينا في " الخراج ليحيى بن آدم " بإسناده إلى عمر بن عبد العزيز , أنه كتب إلى عامله: انظر ما قبلكم من أرض فأعطوها بالمزارعة على
стр. 2439
النصف وإلَّا فعلى الثلث حتى تبلغ العشر. فإن لم يزرعها أحدٌ فامنحها، وإلَّا فأنفق عليها من مال المسلمين، ولا تبيرن قبلك أرضاً.
وروى عبد الرزاق عن القاسم بن محمد , والنسائي عن ابن سيرين , وابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير. جواز المزارعة.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد , أنّ عمر أجلى أهل نجران واليهود والنّصارى. واشترى بياض أرضهم وكرومهم، فعامل عمر النّاس , إن هم جاءوا بالبقر والحديد من عندهم فلهم الثّلثان ولعمر الثّلث، وإن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشّطر، وعاملهم في النّخل على أنّ لهم الخمس وله الباقي، وعاملهم في الكرم على أنّ لهم الثّلث وله الثّلثان. وهذا مرسل.
وأخرجه البيهقيّ من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: لَمَّا استخلف عمر أجلى أهل نجران وأهل فدك وتيماء وأهل خيبر، واشترى عقارهم وأموالهم، واستعمل يعلى بن منية فأعطى البياض - يعني بياض الأرض - على إن كان البذر .. نحوه.
وقد استشكل هذا الصّنيع: بأنّه يقتضي جواز بيعتين في بيعة، لأنّ ظاهره وقوع العقد على إحدى الصّورتين من غير تعيين.
ويحتمل: أن يراد بذلك التّنويع والتّخيير قبل العقد ثمّ يقع العقد على أحد الأمرين، أو أنّه كان يرى ذلك جعالة فلا يضرّه.
стр. 2440
نعم. في إيراد البخاري (١) هذا الأثر وغيره في " باب المزارعة بالشطر ونحوه " ما يقتضي أنّه يرى أنّ المزارعة والمخابرة بمعنىً واحد، وهو وجه للشّافعيّة.
والوجه الآخر. أنّهما مختلفا المعنى: فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها , لكن البذر من العامل.
وقد أجازهما أحمد في رواية، ومن الشّافعيّة ابن خزيمة وابن المنذر والخطّابيّ.
وقال ابن سريج بجواز المزارعة , وسكت عن المخابرة.
وعكسه الجوريّ من الشّافعيّة، وهو المشهور عن أحمد.
وقال الباقون: لا يجوز واحدٌ منهما، وحملوا الآثار الواردة في ذلك على المساقاة.
واستدُلّ بالحديث على جواز المساقاة في النّخل والكرم وجميع الشّجر الذي من شأنه أن يثمر بجزءٍ معلوم يجعل للعامل من الثّمرة، وبه قال الجمهور.
стр. 2441
وخصّه الشّافعيّ في الجديد بالنّخل والكرم، وألحق المقل بالنّخل لشبهه به. وخصّه داود بالنّخل.
وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز بحالٍ لأنّها إجارة بثمرةٍ معدومة أو مجهولة.
وأجاب من جوّزه: بأنّه عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة؛ لأنّ المضارب يعمل في المال بجزءٍ من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صحّ عقد الإجارة مع أنّ المنافع معدومة فكذلك هنا. وأيضاً فالقياس في إبطال نصّ أو إجماع مردود.
وأجاب بعضهم عن قصّة خيبر: بأنّها فتحت صلحاً، وأقرّوا على أنّ الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثّمرة، فكان ذلك يؤخذ بحقّ الجزية فلا يدلّ على جواز المساقاة.
وتعقّب: بأنّ معظم خيبر فتح عنوة (١) وبأنّ كثيراً منها قسم بين الغانمين، وبأنّ عمر أجلاهم منها. فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها.
واستدل من أجازه في جميع الثّمر: بأنّ في بعض طرق حديث الباب " بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر " وفي رواية حمّاد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر في حديث الباب " على أنّ لهم الشّطر من كلّ زرع ونخل وشجر " وهو عند البيهقيّ من هذا الوجه.
стр. 2442
واستدل بقوله " على شطر ما يخرج منها " , لجواز المساقاة بجزءٍ معلوم لا مجهول.
واستدل به على جواز إخراج البذر من العامل أو المالك لعدم تقييده في الحديث بشيءٍ من ذلك.
واحتجّ من منع: بأنّ العامل حينئذٍ كأنّه باع البذر من صاحب الأرض بمجهولٍ من الطّعام نسيئة. وهو لا يجوز.
وأجاب من أجازه: بأنّه مستثنىً من النّهي عن بيع الطّعام بالطّعام نسيئة جمعاً بين الحديثين. وهو أولى من إلغاء أحدهما.
وأشار البخاري: إلى أنّه لَم يقع في شيء من طرق هذا الحديث مقيّداً بسنين معلومة. وقد ترجم له " إذا قال ربّ الأرض: أُقرّك ما أَقرّك الله , ولَم يذكر أجلاً معلوماً فهما على تراضيهما " وساق الحديث. وفيه قوله ﷺ : نقرّكم ما شئنا. (١) هو ظاهر فيما ترجم له.
وفيه دليل.
وهو القول الأول: على جواز دفع النّخل مساقاة والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة , فيكون للمالك أن يخرج العامل متى شاء،
стр. 2443
وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة والمزارعة.
القول الثاني: قال أبو ثور: إذا أطلقا حمل على سنة واحدة.
القول الثالث: عن مالك: إذا قال: ساقيتك كلّ سنة بكذا جاز , ولو لَم يذكر أمداً , وحمل قصّة خيبر على ذلك.
واتّفقوا على أنّ الكري لا يجوز إلَّا بأجلٍ معلوم , وهو من العقود اللازمة.
стр. 2444
الحديث السادس والثلاثون
٢٩٢ - عن رافع بن خديج ﵁ , قال: كنا أكثر الأنصار حقلاً، قال: وكنا نكري الأرض على أنّ لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولَم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا. (١)
الحديث السابع والثلاثون
٢٩٣ - ولمسلم عن حنظلة بن قيسٍ: قال: سألت رافع بن خديجٍ عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ ﷺ بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، ولَم يكن للناس كراءٌ إلَّا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيءٌ معلومٌ مضمونٌ، فلا بأس به. (٢)
قال المصنف: الماذيانات: الأنهار الكبار. والجداول: نهر صغير.
قوله: (عن رافع بن خديج ﵁) بن رافع الأنصاري. (٣)
стр. 2445
قوله: (كنا أكثر الأنصار حقلاً) وللبخاري " أكثر أهل المدينة " وقوله فيه " حقلا " هو بفتح المهملة وسكون القاف.
وأصل الحقل القراح الطّيّب، وقيل: الزّرع إذا تشعّب ورقه من قبل أن يغلظ سوقه، ثمّ أطلق على الزّرع.
واشتقّ منه المحاقلة فأطلقت على المزارعة.
قوله: (وكنا نكري الأرض على أنّ لنا هذه، ولهم هذه , فربما أخرجت هذه ولَم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك) وللبخاري " فربّما أخرجتْ ذِه , ولَم تخرج ذِه " بكسر المعجمة وسكون الهاء إشارة إلى القطعة.
والنّهي الوارد عن كراء الأرض محمولٌ على ما إذا أكريت بشيءٍ مجهول وهو قول الجمهور، أو بشيءٍ ممّا يخرج منها ولو كان معلوماً،
стр. 2446
وليس المراد النّهي عن كرائها بالذّهب أو الفضّة.
وبالغ ربيعة. فقال: لا يجوز كراؤها إلَّا بالذّهب أو الفضّة.
وخالف في ذلك طاووس (١) وطائفة قليلة. فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، وذهب إليه ابن حزم , وقوّاه.
واحتجّ له بالأحاديث المطلقة في ذلك. (٢)
وحديث الباب دالٌ على ما ذهب إليه الجمهور.
стр. 2447
وقد أطلق ابن المنذر. أنّ الصّحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذّهب والفضّة، ونقل ابن بطّال اتّفاق فقهاء الأمصار عليه.
وقد روى أبو داود عن سعد بن أبي وقّاص قال: كان أصحاب المزارع يكرونها بما يكون على المساقي من الزّرع، فاختصموا في ذلك، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يُكروا بذلك , وقال: أكروا بالذّهب والفضّة. ورجاله ثقات، إلَّا أنّ محمّد بن عكرمة المخزوميّ لَم يرو عنه إلَّا إبراهيم بن سعد.
وأمّا ما رواه التّرمذيّ من طريق مجاهد عن رافع بن خديج. في النّهي عن كراء الأرض ببعض خراجها أو بدراهم. فقد أعلَّه النّسائيّ , بأنّ مجاهداً لَم يسمعه من رافع.
قلت: وراويه أبو بكر بن عيّاش في حفظه مقال، وقد رواه أبو عوانة - وهو أحفظ منه - عن شيخه فيه. فلم يذكر الدّراهم.
وقد روى مسلم من طريق سليمان بن يسار عن رافع بن خديج في حديثه " ولَم يكن يومئذٍ ذهبٌ ولا فضّةٌ "
ثمّ اختلف الجمهور في جواز كرائها بجزءٍ ممّا يخرج منها.
فمَن قال بالجواز حمل أحاديث النّهي على التّنزيه.
وعليه يدلّ قول ابن عبّاس في البخاري , إنّ النّبىّ ﷺ لَم ينه عنه , ولكن قال: أَنْ يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أَنْ يأخذ شيئاً معلوماً. وللترمذي: ولكن أراد أن يرفق بعضهم ببعض.
وقوله: " لَم ينه عنه " أي: عن إعطاء الأرض بجزءٍ ممّا يخرج منها،
стр. 2448
ولَم يرد ابن عبّاس بذلك نفي الرّواية المثبتة للنّهي مطلقاً، وإنّما أراد أنّ النّهي الوارد عنه ليس على حقيقته , وإنّما هو على الأولويّة.
وقيل المراد: أنّه لَم ينه عن العقد الصّحيح , وإنّما نهى عن الشّرط الفاسد، لكن قد وقع في رواية التّرمذيّ " أنّ النّبيّ ﷺ لَم يحرّم المزارعة ". وهي تقوّي ما أوّلته.
ومن لَم يجز إجارتها بجزءٍ ممّا يخرج منها , قال: النّهي عن كرائها محمول على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها , أو شرط ما ينبت على النّهر لصاحب الأرض لِمَا في كلّ ذلك من الغرر والجهالة.
وقال مالك: النّهي محمول على ما إذا وقع كراؤها بالطّعام أو التّمر , لئلا يصير من بيع الطّعام بالطّعام.
قال ابن المنذر: ينبغي أن يحمل ما قاله مالك على ما إذا كان المكرى به من الطّعام جزءاً ممّا يخرج منها، فأمّا إذا اكتراها بطعامٍ معلوم في ذمّة المكتري أو بطعامٍ حاضر يقبضه المالك فلا مانع من الجواز. والله أعلم.
قوله: (سألت رافع بن خديجٍ عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به .. إلخ). وللبخاري: عن حنظلة بن قيس عن رافع بن خديج، قال: حدثني عمَّايَ، أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض. فنهى النبي ﷺ عن ذلك، فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم.
стр. 2449
والإربعاء: جمع ربيع وهو النهر الصغير. والمعنى أنهم كانوا يكرون الأرض ويشترطون لأنفسهم ما ينبت على الأنهار.
وقول رافع: ليس به بأس.
يحتمل: أن يكون ذلك. قاله رافع باجتهاده.
ويحتمل: أن يكون علم ذلك بطريق التّنصيص على جوازه، أو علم أنّ النّهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه , بل بما إذا كان بشيءٍ مجهول ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذّهب والفضّة.
ويرجّح كونه مرفوعاً ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ بإسنادٍ صحيح من طريق سعيد بن المسيّب عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة , وقال: إنّما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل منح أرضاً، ورجل اكترى أرضاً بذهبٍ أو فضّة ".
لكن بيّن النّسائيّ من وجه آخر , أنّ المرفوع منه النّهي عن المحاقلة والمزابنة , وأنّ بقيّته مدرج من كلام سعيد بن المسيّب، وقد رواه مالك في " الموطّأ " والشّافعيّ عنه عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب.
قوله: (الماذيانات) بكسر الذال ويجوز فتحها.
قيل: هي السواقي الصغار , وقيل: الأنهار الكبار
باب العُمرى
الحديث الثامن والثلاثون
٢٩٤ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قضى النبيّ ﷺ بالعُمرى أنها لمن وهبت له. (١)
وفي لفظ: من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع للذي أعطاها، لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. وقال جابرٌ: إنما العُمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. (٢)
وفي لفظ لمسلمٍ: أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه. (٣)
قوله: (قضى النبيّ ﷺ بالعُمرى) العُمرى بضمّ المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي: ضمّ الميم مع ضمّ أوّله , وحكي: فتح أوّله مع السّكون مأخوذ من العمر.
стр. 2452
والرُّقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة , لأنّهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة فيعطي الرّجل الدّار ويقول له: أعمرتك إيّاها. أي: أبحتها لك مدّة عمرك فقيل لها: عمرى لذلك , وكذا قيل لها: رُقبى , لأنّ كلاً منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه , وكذا ورثته فيقومون مقامه في ذلك هذا أصلها لغة.
أمّا شرعاً. فالجمهور على أنّ العُمرى إذا وقعت كانت ملكاً للآخذ , ولا ترجع إلى الأوّل , إلَّا إن صرّح باشتراط ذلك.
وذهب الجمهور: إلى صحّة العُمرى , إلَّا ما حكاه أبو الطّيّب الطّبريّ عن بعض النّاس والماورديّ عن داود وطائفة. لكنّ ابن حزمٍ قال بصحّتها. وهو شيخ الظّاهريّة
ثمّ اختلفوا إلى ما يتوجّه التّمليك.
القول الأول: الجمهور أنّه يتوجّه إلى الرّقبة كسائر الهبات حتّى لو كان المعمّر عبداً فأعتقه الموهوب له نفذ بخلاف الواهب
القول الثاني: يتوجّه إلى المنفعة دون الرّقبة , وهو قول مالك والشّافعيّ في القديم.
وهل يسلك به مسلك العاريّة أو الوقف؟ روايتان عند المالكيّة.
القول الثالث: عن الحنفيّة التّمليك في العُمرى يتوجّه إلى الرّقبة , وفي الرُّقبى إلى المنفعة , وعنهم أنّها باطلة
قوله: (أنها لمن وُهبت له) هو بفتح " أنّها " أي: قضى بأنّها , وفي رواية الزّهريّ عن أبي سلمة عند مسلم " أيّما رجلٍ أعمر عمرى له
стр. 2453
ولعقبه , فإنّها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها , لأنّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " هذا لفظه من طريقٍ مالك عن الزّهريّ. وله نحوه من طريق ابن جريجٍ عن الزّهريّ , وله من طريق الليث عنه: فقد قطع قوله حقّه فيها , وهي لمن أعمر ولعقبه. ولَم يذكر التّعليل الذي في آخره.
وله من طريق معمرٍ عنه " إنّما العُمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك فأمّا الذي قال: هي لك ما عشت " فإنّها ترجع إلى صاحبها , قال معمر: كان الزّهريّ يفتي به , ولَم يذكر التّعليل أيضاً.
وبيّن من طريق ابن أبي ذئب عن الزّهريّ , أنّ التّعليل من قول أبي سلمة. وقد أوضحته في كتاب " المدرج ".
وأخرجه مسلم من طريق أبي الزّبير عن جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين. فقال النّبيّ ﷺ : أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها. فإنّه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيّاً وميّتاً ولعقبه.
فيجتمع من هذه الرّوايات ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: " هي لك ولعقبك " فهذا صريح في أنّها للموهوب له ولعقبه.
ثانيها: أن يقول: " هي لك ما عشت فإذا متّ رجعت إليّ " فهذه عاريّة مؤقّتة وهي صحيحة. فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى.
وقد بيّنتْ هذه والتي قبلها رواية الزّهريّ. وبه قال أكثر العلماء ,
стр. 2454
ورجّحه جماعة من الشّافعيّة.
والأصحّ عند أكثرهم. لا ترجع إلى الواهب.
واحتجّوا: بأنّه شرطٌ فاسدٌ فألغي , وسأذكر الاحتجاج لذلك آخر الشرح.
ثالثها: أن يقول: أعمرتكها ويطلق، فرواية أبي الزّبير هذه تدل على أنّ حكمها حكم الأوّل , وأنّها لا ترجع إلى الواهب. وهو قول الشّافعيّ في الجديد والجمهور.
وقال في القديم: العقد باطل من أصله.
وعنه كقول مالكٍ.
وقيل: القديم عن الشّافعيّ كالجديد.
وقد روى النّسائيّ , أنّ قتادة حكى , أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة. أعني صورة الإطلاق. فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنّها جائزةٌ , وذكر له حديث أبي هريرة , أنَّ النبي ﷺ قال: العُمرى جائزة. قال: وذكر له عن عطاءٍ عن جابر عن النّبيّ ﷺ مثل ذلك (١) قال: فقال الزّهريّ: إنّما العُمرى. أي: الجائزة إذا أعمر له ولعقبه من بعده , فإذا لَم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه.
стр. 2455
قال قتادة: واحتجّ الزّهريّ بأنّ الخلفاء لا يقضون بها , فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان.
وإطلاق الجواز في هذه الرّواية لا يفهم منه غير الحل أو الصّحّة، وأمّا حمله على الماضي للذي يعاطاها , وهو الذي حمله عليه قتادة فيحتاج إلى قدر زائد على ذلك.
وقد أخرج النّسائيّ من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: لا عمرى، فمن أعمر شيئاً فهو له. وهو يشهد لِما فهمه قتادة.
تكميل: العُمرى والرُّقبى متّحدا المعنى. وهو قول الجمهور.
ومنَعَ الرُّقبى مالكٌ وأبو حنيفة ومحمّد، ووافق أبو يوسف الجمهور.
وقد روى النّسائيّ بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس موقوفاً: العُمرى والرُّقبى سواء. وله من طريق إسرائيل عن عبد الكريم عن عطاء قال: نهى رسول الله ﷺ عن العُمرى والرُّقبى. قلت: وما الرُّقبى؟ قال: يقول الرّجل للرّجل هي لك حياتك، فإن فعلتم فهو جائز. هكذا أخرجه مرسلاً.
وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر مرفوعاً: لا عُمرى ولا رُقبى، فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو له حياته ومماته. رجاله ثقات، لكن اختلف في سماع حبيب له من ابن عمر: فصرّح به النّسائيّ من طريق، ومعناه في طريق أخرى.