باب العُمرى
الحديث الثامن والثلاثون
٢٩٤ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قضى النبيّ ﷺ بالعُمرى أنها لمن وهبت له. (١)
وفي لفظ: من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع للذي أعطاها، لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. وقال جابرٌ: إنما العُمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. (٢)
وفي لفظ لمسلمٍ: أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه. (٣)
قوله: (قضى النبيّ ﷺ بالعُمرى) العُمرى بضمّ المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي: ضمّ الميم مع ضمّ أوّله , وحكي: فتح أوّله مع السّكون مأخوذ من العمر.
стр. 2452
والرُّقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة , لأنّهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة فيعطي الرّجل الدّار ويقول له: أعمرتك إيّاها. أي: أبحتها لك مدّة عمرك فقيل لها: عمرى لذلك , وكذا قيل لها: رُقبى , لأنّ كلاً منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه , وكذا ورثته فيقومون مقامه في ذلك هذا أصلها لغة.
أمّا شرعاً. فالجمهور على أنّ العُمرى إذا وقعت كانت ملكاً للآخذ , ولا ترجع إلى الأوّل , إلَّا إن صرّح باشتراط ذلك.
وذهب الجمهور: إلى صحّة العُمرى , إلَّا ما حكاه أبو الطّيّب الطّبريّ عن بعض النّاس والماورديّ عن داود وطائفة. لكنّ ابن حزمٍ قال بصحّتها. وهو شيخ الظّاهريّة
ثمّ اختلفوا إلى ما يتوجّه التّمليك.
القول الأول: الجمهور أنّه يتوجّه إلى الرّقبة كسائر الهبات حتّى لو كان المعمّر عبداً فأعتقه الموهوب له نفذ بخلاف الواهب
القول الثاني: يتوجّه إلى المنفعة دون الرّقبة , وهو قول مالك والشّافعيّ في القديم.
وهل يسلك به مسلك العاريّة أو الوقف؟ روايتان عند المالكيّة.
القول الثالث: عن الحنفيّة التّمليك في العُمرى يتوجّه إلى الرّقبة , وفي الرُّقبى إلى المنفعة , وعنهم أنّها باطلة
قوله: (أنها لمن وُهبت له) هو بفتح " أنّها " أي: قضى بأنّها , وفي رواية الزّهريّ عن أبي سلمة عند مسلم " أيّما رجلٍ أعمر عمرى له
стр. 2453
ولعقبه , فإنّها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها , لأنّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " هذا لفظه من طريقٍ مالك عن الزّهريّ. وله نحوه من طريق ابن جريجٍ عن الزّهريّ , وله من طريق الليث عنه: فقد قطع قوله حقّه فيها , وهي لمن أعمر ولعقبه. ولَم يذكر التّعليل الذي في آخره.
وله من طريق معمرٍ عنه " إنّما العُمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك فأمّا الذي قال: هي لك ما عشت " فإنّها ترجع إلى صاحبها , قال معمر: كان الزّهريّ يفتي به , ولَم يذكر التّعليل أيضاً.
وبيّن من طريق ابن أبي ذئب عن الزّهريّ , أنّ التّعليل من قول أبي سلمة. وقد أوضحته في كتاب " المدرج ".
وأخرجه مسلم من طريق أبي الزّبير عن جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين. فقال النّبيّ ﷺ : أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها. فإنّه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيّاً وميّتاً ولعقبه.
فيجتمع من هذه الرّوايات ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: " هي لك ولعقبك " فهذا صريح في أنّها للموهوب له ولعقبه.
ثانيها: أن يقول: " هي لك ما عشت فإذا متّ رجعت إليّ " فهذه عاريّة مؤقّتة وهي صحيحة. فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى.
وقد بيّنتْ هذه والتي قبلها رواية الزّهريّ. وبه قال أكثر العلماء ,
стр. 2454
ورجّحه جماعة من الشّافعيّة.
والأصحّ عند أكثرهم. لا ترجع إلى الواهب.
واحتجّوا: بأنّه شرطٌ فاسدٌ فألغي , وسأذكر الاحتجاج لذلك آخر الشرح.
ثالثها: أن يقول: أعمرتكها ويطلق، فرواية أبي الزّبير هذه تدل على أنّ حكمها حكم الأوّل , وأنّها لا ترجع إلى الواهب. وهو قول الشّافعيّ في الجديد والجمهور.
وقال في القديم: العقد باطل من أصله.
وعنه كقول مالكٍ.
وقيل: القديم عن الشّافعيّ كالجديد.
وقد روى النّسائيّ , أنّ قتادة حكى , أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة. أعني صورة الإطلاق. فذكر له قتادة عن الحسن وغيره أنّها جائزةٌ , وذكر له حديث أبي هريرة , أنَّ النبي ﷺ قال: العُمرى جائزة. قال: وذكر له عن عطاءٍ عن جابر عن النّبيّ ﷺ مثل ذلك (١) قال: فقال الزّهريّ: إنّما العُمرى. أي: الجائزة إذا أعمر له ولعقبه من بعده , فإذا لَم يجعل عقبه من بعده كان للذي يجعل شرطه.
стр. 2455
قال قتادة: واحتجّ الزّهريّ بأنّ الخلفاء لا يقضون بها , فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان.
وإطلاق الجواز في هذه الرّواية لا يفهم منه غير الحل أو الصّحّة، وأمّا حمله على الماضي للذي يعاطاها , وهو الذي حمله عليه قتادة فيحتاج إلى قدر زائد على ذلك.
وقد أخرج النّسائيّ من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: لا عمرى، فمن أعمر شيئاً فهو له. وهو يشهد لِما فهمه قتادة.
تكميل: العُمرى والرُّقبى متّحدا المعنى. وهو قول الجمهور.
ومنَعَ الرُّقبى مالكٌ وأبو حنيفة ومحمّد، ووافق أبو يوسف الجمهور.
وقد روى النّسائيّ بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس موقوفاً: العُمرى والرُّقبى سواء. وله من طريق إسرائيل عن عبد الكريم عن عطاء قال: نهى رسول الله ﷺ عن العُمرى والرُّقبى. قلت: وما الرُّقبى؟ قال: يقول الرّجل للرّجل هي لك حياتك، فإن فعلتم فهو جائز. هكذا أخرجه مرسلاً.
وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر مرفوعاً: لا عُمرى ولا رُقبى، فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو له حياته ومماته. رجاله ثقات، لكن اختلف في سماع حبيب له من ابن عمر: فصرّح به النّسائيّ من طريق، ومعناه في طريق أخرى.
стр. 2456
وقال الماورديّ: اختلفوا إلى ماذا يوجّه النّهي؟.
والأظهر. أنّه يتوجّه إلى الحكم.
وقيل: يتوجّه إلى اللفظ الجاهليّ والحكم المنسوخ.
وقيل: النّهي إنّما يمنع صحّة ما يفيد المنهيّ عنه فائدة، أمّا إذا كان صحّة المنهيّ عنه ضرراً على مرتكبه فلا يمنع صحّته كالطّلاق في زمن الحيض، وصحّة العُمرى ضرر على المُعمِر، فإنّ ملكه يزول بغير عوض؟.
هذا كله إذا حُمل النّهي على التّحريم، فإنْ حُمل على الكراهة أو الإرشاد لَم يحتج إلى ذلك، والقرينة الصّارفة ما ذكر في آخر الحديث من بيان حكمه.
ويصرّح بذلك قوله: " العُمرى جائزة " , وللتّرمذيّ من طريق أبي الزّبير عن جابر رفعه " العُمرى جائزة لأهلها، والرُّقبى جائزة لأهلها " والله أعلم.
قال بعض الحذّاق: إجازة العُمرى والرُّقبى بعيدٌ عن قياس الأصول، ولكنّ الحديث مقدّم، ولو قيل بتحريمهما للنّهي، وصحّتهما للحديث لَم يبعد، وكأنّ النّهي لأمرٍ خارج وهو حفظ الأموال، ولو كان المراد فيهما المنفعة كما قال مالك لَم ينه عنهما.
والظّاهر أنّه ما كان مقصود العرب بهما إلَّا تمليك الرّقبة بالشّرط المذكور، فجاء الشّرع بمراغمتهم فصحّح العقد على نعت الهبة المحمودة، وأبطل الشّرط المضادّ لذلك فإنّه يشبه الرّجوع في الهبة،
стр. 2457
وقد صحّ النّهي عنه , وشبّه بالكلب يعود في قيئه.
وقد روى النّسائيّ من طريق أبي الزّبير عن ابن عبّاس رفعه " العُمرى لمن أعمرها والرُّقبى لمن أرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه ".
فشرط الرّجوع المقارن للعقد مثل الرّجوع الطّارئ بعده فنهى عن ذلك، وأمر أن يبقيها مطلقاً أو يخرجها مطلقاً، فإن أخرجها على خلاف ذلك بطل الشّرط وصحّ العقد مراغمة له. وهو نحو إبطال شرط الولاء.
стр. 2458
باب المظالم
المظالم: جمع مظلمة مصدر ظلم يظلم , واسمٌ لِما أخذ بغير حق.
والظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي , والغصب أخذ حق الغير بغير حق.
الحديث التاسع والثلاثون
٢٩٥ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: لا يَمنعنَّ جارٌ جاره، أن يغرز خشبه في جداره، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأَرمينّ بها بين أكتافكم. (١)
قوله: (ولا يمنع) بالجزم على أنّ " لا " ناهية، ولأبي ذرّ بالرّفع على أنّه خبر بمعنى النّهي، ولأحمد " لا يمنعنّ " بزيادة نون التّوكيد. وهي تؤيّد رواية الجزم.
قوله: (جارٌ جاره .. إلخ). استُدل به.
وهو القول الأول: على أنّ الجدار إذا كان لواحدٍ وله جارٌ فأراد أن
стр. 2459
يضع جذعه عليه جاز. سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر.
وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث , وابن حبيب من المالكيّة والشّافعيّ في القديم.
القول الثاني: عن الشافعي في الجديد قولان. أشهرهما اشتراط إذن المالك , فإن امتنع لَم يجبر. وهو قول الحنفيّة.
وحملوا الأمر في الحديث على النّدب، والنّهي على التّنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدّالة على تحريم مال المسلم إلَّا برضاه.
وفيه نظرٌ كما سيأتي.
وجزم التّرمذيّ وابن عبد البرّ عن الشّافعيّ بالقول القديم , وهو نصّه في البويطيّ.
قال البيهقيّ: لَم نجد في السّنن الصّحيحة ما يعارض هذا الحكم إلَّا عمومات لا يستنكر أن نخصّها , وقد حمله الرّاوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد بما حدث به، يشير إلى قول أبي هريرة " ما لي أراكم عنها معرضين ".
قوله: (أن يغرز خشبه في جداره) بصيغة الجمع , ولمسلم " خشبةً ".
قال ابن عبد البرّ: روي اللفظان في " الموطّأ " (١) والمعنى واحد , لأنّ المراد بالواحد الجنس. انتهى
стр. 2460
وهذا الذي يتعيّن للجمع بين الرّوايتين، وإلَّا فالمعنى قد يختلف باعتبار أنّ أمر الخشبة الواحدة أخفّ في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير.
وروى الطّحاويّ عن جماعةٍ من المشايخ أنّهم رووه بالإفراد.
وأنكر ذلك عبد الغنيّ بن سعيد فقال: النّاس كلهم يقولونه بالجمع إلَّا الطّحاويّ، واختلاف الرّواة في الصّحيح يردّ على عبد الغنيّ بن سعيد إلَّا إن أراد خاصّاً من النّاس كالذين روى عنهم الطّحاويّ. فله اتّجاه.
قوله: (ثمّ يقول أبو هريرة) في رواية ابن عيينة عن الزهري عند أبي داود " فنكّسوا رءوسهم " ولأحمد " فلمّا حدّثهم أبو هريرة بذلك طأطئوا رءوسهم ".
قوله: (عنها) أي: عن هذه السّنّة أو عن هذه المقالة.
قوله: (لأرمينّ بها) في رواية أبي داود " لألقينّها " أي: لأشيعنّ هذه المقالة فيكم ولأقرّعنّكم بها كما يضرب الإنسان بالشّيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته.
قوله: (بين أكتافكم) قال ابن عبد البرّ: رويناه في " الموطّأ " بالمثنّاة وبالنّون. والأكناف بالنّون جمع كنف بفتحها وهو الجانب.
قال الخطّابيّ: معناه إن لَم تقبلوا هذا الحكم , وتعملوا به راضين لأجعلنّها. أي: الخشبة على رقابكم كارهين. قال: وأراد بذلك المبالغة.
стр. 2461
وبهذا التّأويل جزم إمام الحرمين تبعاً لغيره , وقال: إنّ ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة.
وقد وقع عند ابن عبد البرّ من وجهٍ آخر " لأرمينّ بها بين أعينكم وإن كرهتم " وهذا يرجّح التّأويل المتقدّم.
واستدل المُهلَّب من المالكيّة بقول أبي هريرة " ما لي أراكم عنها معرضين " بأنّ العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، قال: لأنّه لو كان على الوجوب لَمَا جهل الصّحابة تأويله , ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدّثهم به، فلولا أنّ الحكم قد تقرّر عندهم بخلافه لَمَا جاز عليهم جهل هذه الفريضة فدلَّ على أنّهم حملوا الأمر في ذلك على الاستحباب. انتهى.
وما أدري من أين له أنّ المعرضين كانوا صحابةً , وأنّهم كانوا عدداً لا يجهل مثلهم الحكم، ولِمَ لا يجوِّز أن يكون الذين خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء، بل ذلك هو المتعيّن، وإلَّا فلو كانوا صحابةً أو فقهاء ما واجههم بذلك.
وقد قوّى الشّافعيّ في القديم القول بالوجوب: بأنّ عمر قضى به , ولَم يخالفه أحد من أهل عصره فكان اتّفاقاً منهم على ذلك. انتهى.
ودعوى الاتّفاق هنا أولى من دعوى المُهلَّب، لأنّ أكثر أهل عصر عمر كانوا صحابة، وغالب أحكامه منتشرة لطول ولايته، وأبو هريرة إنّما كان يلي إمرة المدينة نيابة عن مروان في بعض الأحيان.
وأشار الشّافعيّ إلى ما أخرجه مالكٌ. ورواه هو عنه بسندٍ صحيحٍ
стр. 2462
, أنّ الضّحّاك بن خليفة سأل محمّد بن مسلمة أن يسوق خليجاً له فيمرّ به في أرض محمّد بن مسلمة، فكلَّمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرّنّ به ولو على بطنك.
فحمل عمر الأمر على ظاهره وعدّاه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه.
وفي دعوى العمل على خلافه نظرٌ. فقد روى ابن ماجه والبيهقيّ من طريق عكرمة بن سلمة , أنّ أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما. إنْ غَرَزَ أحدٌ في جداره خشباً , فأقبل مجمّع بن جارية ورجال كثيرٌ من الأنصار فقالوا: نشهد أنّ رسول الله ﷺ قال .. الحديث. فقال الآخر: يا أخي قد علمتُ أنّك مقضيٌّ لك عليّ وقد حلفت، فاجعل أسطواناً دون جداري فاجعل عليه خشبك.
وروى إسحاق (١) في " مسنده " والبيهقيّ من طريقه عن يحيى بن جعدة أحد التّابعين قال: أراد رجلٌ أن يضع خشبةً على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا مَن شئتَ من الأنصار يحدّثون عن رسول الله ﷺ أنّه نهاه أن يمنعه فجُبر على ذلك.
وقيّد بعضهم الوجوب: بما إذا تقدّم استئذان الجار في ذلك. مستنداً إلى ذكر الإذن في بعض طرقه , وهو في رواية ابن عيينة عند أبي
стр. 2463
داود وعقيلٍ أيضاً وأحمد عن عبد الرّحمن بن مهديّ عن مالك " من سأله جاره " وكذا لابن حبّان من طريق الليث عن مالك , وكذا لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد عن الزّهريّ، وأخرجه البزّار من طريق عكرمة عن أبي هريرة.
ومنهم: من حمل الضّمير في جداره على صاحب الجذع. أي: لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرّر به من جهة منع الضّوء مثلاً.
ولا يخفى بُعدُه.
وقد تعقّبه ابن التّين: بأنّه إحداث قولٍ ثالثٍ في معنى الخبر , وقد ردّه أكثر أهل الأصول.
وفيما قال نظرٌ؛ لأنّ لهذا القائل أن يقول: هذا ممّا يستفاد من عموم النّهي , لا أنّه المراد فقط. والله أعلم.
ومحل الوجوب عند مَن قال به. أن يحتاج إليه الجار , ولا يضع عليه ما يتضرّر به المالك , ولا يقدّم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نقب الجدار أو لا، لأنّ رأس الجذع يسدّ المنفتح ويقوّي الجدار.
стр. 2464
الحديث الأربعون
٢٩٦ - عن عائشة ﵂، أنّ رسول الله ﷺ قال: من ظلم من الأرض قِيدَ شبرٍ، طوّقه من سبع أرضين. (١)
قوله: (من ظلم من الأرض قيد شبرٍ) وللبخاري من طريق عبد الرحمن بن عمرو بن سهل عن سعيد بن زيد " من ظلم من الأرض شيئاً " وفي رواية عروة عن سعيد بن زيد في الصحيحين: من أخذ شبراً من الأرض ظلماً.
والقِيد: بكسر القاف وسكون التّحتانيّة. أي: قدره , وكأنّه ذكر الشّبر إشارة إلى استواء القليل والكثير في الوعيد.
قوله: (طُوّقه) بضمّ أوّله على البناء للمجهول، وفي رواية عروة " فإنّه يطوّقه " ولأبي عوانة والجوزقيّ في حديث أبي هريرة " جاء به مقلده ".
قوله: (من سبع أرضين) بفتح الرّاء ويجوز إسكانها.
قال الخطّابيّ قوله: " طوّقه " له وجهان:
أحدهما: أنّ معناه أنّه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر ويكون كالطّوق في عنقه، لا أنّه طوقٌ حقيقةً.
стр. 2465
الثّاني: معناه أنّه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين. أي: فتكون كل أرضٍ في تلك الحالة طوقاً في عنقه. انتهى.
وهذا يؤيّده حديث ابن عمر في البخاري بلفظ " خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين "
وقيل معناه كالأوّل، لكن بعد أن ينقل جميعه يجعل كله في عنقه طوقاً ويعظم قدر عنقه حتّى يسع ذلك. كما ورد في غلظ جلد الكافر (١). ونحو ذلك.
وقد روى الطّبريّ وابن حبّان من حديث يعلى بن مرّة مرفوعاً: أيّما رجلٍ ظلم شبراً من الأرض كلَّفه الله أن يحفره حتّى يبلغ آخر سبع أرضين، ثمّ يطوّقه يوم القيامة حتّى يقضى بين النّاس.
ولأبي يعلى بإسنادٍ حسنٍ عن الحكم بن الحارث السّلميّ مرفوعاً " من أخذ من طريق المسلمين شبراً جاء يوم القيامة يحمله من سبع أرضين ". ونظير ذلك في حديث أبي هريرة في حقّ من غلَّ بعيراً جاء يوم القيامة يحمله. (٢)
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله: " يطوّقه " يُكلّف أن يجعله له
стр. 2466
طوقاً ولا يستطيع ذلك فيعذّب بذلك، كما جاء في حقّ من كذب في منامه كلف أن يعقد شعيرة. (١)
ويحتمل: أن يكون التّطويق تطويق الإثم، والمراد به أنّ الظّلم المذكور لازمٌ له في عنقه لزوم الإثم، ومنه قوله تعالى " ألزمناه طائره في عنقه ".
بالوجه الأوّل جزم أبو الفتح القشيريّ , وصحَّحه البغويّ.
ويحتمل: أن تتنوّع هذه الصّفات لصاحب هذه الجناية , أو ينقسم أصحاب هذه الجناية , فيعذّب بعضهم بهذا , وبعضهم بهذا بحسب قوّة المفسدة وضعفها.
وقد روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ من حديث أبي مالك الأشعريّ: أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجلٌ فيطوّقه من سبع أرضين.
وفي الحديث تحريم الظّلم والغصب وتغليظ عقوبته، وإمكان غصب الأرض , وأنّه من الكبائر. قاله القرطبيّ.
وكأنّه فرّعه على أنّ الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد، وأنّ من ملك أرضاً ملك أسفلها إلى منتهى الأرض، وله أن يمنع من حفر تحتها سرباً أو بئراً بغير رضاه.
стр. 2467
وفيه أنّ من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارةٍ ثابتةٍ وأبنية ومعادن وغير ذلك، وأنّ له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لَم يضرّ بمن يجاوره.
وفيه أنّ الأرضين السّبع متراكمة لَم يفتق بعضها من بعضٍ , لأنّها لو فتقت لاكتفي في حقّ هذا الغاصب بتطويق التي غصبها لانفصالها عمّا تحتها. أشار إلى ذلك الدّاوديّ.
وفيه أنّ الأرضين السّبع طباق كالسّموات، وهو ظاهر قوله تعالى: (ومن الأرض مثلهنّ) خلافاً لمَن قال: إنّ المراد بقوله سبع أرضين سبعة أقاليم , لأنّه لو كان كذلك لَم يطوّق الغاصب شبراً من إقليمٍ آخر. قاله ابن التّين.
وهو والذي قبله مبنيّ على أنّ العقوبة متعلقة بما كان بسببها وإلَّا مع قطع النّظر عن ذلك لا تلازم بين ما ذكروه.
تكميل: قال الله تعالى (الله الذي خلق سبع سمواتٍ ومن الأرض مثلهنّ).
قال الدّاوديّ: فيه دلالة على أنّ الأرضين بعضها فوق بعض مثل السّماوات , ونقل عن بعض المتكلمين أنّ المثليّة في العدد خاصّة وأنّ السّبع متجاورة، وحكى ابن التّين. عن بعضهم أنّ الأرض واحدة، قال: وهو مردود بالقرآن والسّنّة.
قلت: لعله القول بالتّجاور، وإلا فيصير صريحاً في المخالفة.
ويدل للقول الظّاهر ما رواه ابن جرير من طريق شعبة عن عمرو
стр. 2468
بن مرّة عن أبي الضّحى عن ابن عبّاس في هذه الآية (ومن الأرض مثلهنّ) قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصراً , وإسناده صحيح.
وأخرجه الحاكم والبيهقيّ من طريق عطاء بن السّائب عن أبي الضّحى مطوّلاً وأوّله " أي سبع أرضين في كل أرض آدم كآدمكم , ونوح كنوحكم , وإبراهيم كإبراهيمكم , وعيسى كعيسى , ونبيّ كنبيّكم.
قال البيهقيّ: إسناده صحيح، إلَّا أنّه شاذّ بمرّة.
وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عبّاس قال: لو حدّثكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها.
ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس نحوه. وزاد " وهنّ مكتوبات بعضهنّ على بعض "
وظاهر قوله تعالى (ومن الأرض مثلهنّ) يردّ أيضاً على أهل الهيئة قولهم أن لا مسافة بين كل أرض وأرض وإن كانت فوقها، وأنّ السّابعة صمّاء لا جوف لها، وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدّرة متوهّمة، إلى غير ذلك من أقوالهم التي لا برهان عليها.
وقد روى أحمد والتّرمذيّ من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إنّ بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأنّ سُمك كل سماء كذلك، وأنّ بين كل أرض وأرض خمسمائة عام " وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزّار من حديث أبي ذرّ نحوه.
стр. 2469
ولأبي داود والتّرمذيّ من حديث العبّاس بن عبد المطّلب مرفوعاً " بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة ".
وجمع بين الحديثين بأنّ اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السّير وسرعته. فالخمسمائة على السير البطيء كسير الماشي على هينته , وتحمل السبعين على السير السريع كسير السعاة.
ولولا التحديد بالزيادة على السبعين لحملنا السبعين على المبالغة فلا تنافي الخمسمائة.
стр. 2470
باب اللقطة
اللقطة الشّيء الذي يلتقط، وهو بضمّ اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدّثين، وقال عياض: لا يجوز غيره.
وقال الزّمخشريّ في الفائق: اللقطة بفتح القاف والعامّة تسكّنها. كذا قال، وقد جزم الخليل بأنّها بالسّكون قال: وأمّا بالفتح فهو اللاقط.
وقال الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس , ولكنّ الذي سمع من العرب , وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح.
وقال ابن برّي: التّحريك للمفعول نادر فاقتضى أنّ الذي قاله الخليل هو القياس. وفيها لغتان أيضاً: لقاطةٌ بضمّ اللام، ولقطة بفتحها.
وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال:
لقاطةٌ ولقطةٌ ولقطه ... ولقطةٌ ما لاقطٌ قد لقطه
ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنّه للمبالغة. وذلك لمعنىً فيها اختصّت به، وهو أنّ كلّ من يراها يميل لأخذها فسمّيت باسم الفاعل لذلك.
стр. 2471
الحديث الواحد والأربعون
٢٩٧ - عن زيد بن خالدٍ الجُهنيّ ﵁ , قال: سُئل رسول الله ﷺ عن لُقطة الذهب أو الورق، فقال: اعرف وكاءَها وعفاصَها، ثم عرّفها سنة، فإن لَم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدّها إليه، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: مالك ولها؟ دعها فإنّ معها حذاءَها وسقاءَها، ترِد الماء، وتأكلُ الشجر، حتى يجدَها ربُّها، وسألَه عن الشاة، فقال: خُذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب. (١)
قوله: (عن زيد بن خالدٍ الجُهنيّ ﵁) (٢)
قوله: (سُئل رسول الله ﷺ ) وللبخاري من رواية سفيان عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن " جاء أعرابيّ ". وفي رواية مالك عن ربيعة في الصحيحين " جاء رجلٌ ".
وزعم ابن بشكوال. وعزاه لأبي داود وتبعه بعض المتأخّرين: أنّ السّائل المذكور هو بلال المؤذّن، ولَم أر عند أبي داود في شيءٍ من
стр. 2472
النّسخ شيئاً من ذلك.
وفيه بُعدٌ أيضاً , لأنّه لا يوصف بأنّه أعرابيّ.
وقيل: السّائل هو الرّاوي.
وفيه بعدٌ أيضاً لِما ذكرناه.
ومستند مَن قال ذلك ما رواه الطّبرانيّ من وجهٍ آخر عن ربيعة بهذا الإسناد فقال فيه " إنّه سأل النّبيّ ﷺ ".
لكن رواه أحمد من وجهٍ آخر عن زيد بن خالد فقال فيه , أنّه سأل النّبيّ ﷺ : أو أنّ رجلاً سأل. على الشّكّ.
وأيضاً فإنّ في رواية ابن وهب (١) المذكورة عن زيد بن خالد " أتى رجلٌ وأنا معه " فدلَّ هذا على أنّه غيره , ولعله نسب السّؤال إلى نفسه لكونه كان مع السّائل.
ثمّ ظفرتُ بتسمية السّائل , وذلك فيما أخرجه الحميديّ والبغويّ وابن السّكن والباروديّ والطّبرانيّ كلّهم من طريق محمّد بن معن الغفاريّ عن ربيعة عن عقبة بن سويد الجهنيّ عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: عرّفها سنةً ثمّ أوثق وعاءها. فذكر الحديث.
وقد ذكر أبو داود طرفاً منه تعليقاً. ولَم يسق لفظه. وكذلك
стр. 2473
البخاريّ في " تاريخه ". وهو أولى ما يفسّر به هذا المبهم لكونه من رهط زيد بن خالد.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة والطّبرانيّ من حديث أبي ثعلبة الخشنيّ قال: قلت: يا رسولَ الله. الورق يوجد عند القرية؟، قال: عرّفها حولاً. الحديث، وفيه سؤاله عن الشّاة والبعير وجوابه. وهو في أثناء حديث طويلٍ. أخرج أصله النّسائيّ.
وقيل: هو عمير والد مالك , وروى الإسماعيليّ في " الصّحابة " من طريق مالك بن عمير عن أبيه , أنّه سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: إن وجدتَ من يعرفها فادفعها إليه. الحديث. وإسناده واهٍ جدّاً.
وروى الطّبرانيّ من حديث الجارود العبديّ قال: قلت: يا رسولَ الله اللقطة نجدها؟، قال: أنشدها , ولا تكتم ولا تغيّب. الحديث.
قوله: (عن لقطة الذهب والفضة) في رواية سفيان " فسأله عمّا يلتقطه " في أكثر الرّوايات أنّه سأل عن اللقطة، زاد مسلم من طريق يحيى بن سعيد عن يزيد مولى المنبعث " الذّهب والفضّة ".
وهو كالمثال وإلَّا فلا فرق بينهما وبين الجوهر واللؤلؤ مثلاً وغير ذلك ممّا يستمتع به غير الحيوان في تسميته لقطة , وفي إعطائه الحكم المذكور.
ووقع لأبي داود من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن أبيه بلفظ " وسئل عن اللقطة ".
стр. 2474
قوله: (اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرّفها سنةً) في رواية الثوري " عرّفها سنةً ثمّ اعرف عفاصها ووكاءها " وفي رواية العقديّ عن سليمان بن بلال في البخاري " اعرف وكاءها أو قال: عفاصها ".
ولمسلمٍ من طريق بشير بن سعيد عن زيد بن خالد " فاعرف عفاصَها ووعاءَها وعددَها " زاد فيه العدد كما في حديث أبيّ بن كعب.
ووقع في رواية مالك كما في الصحيحين " اعرف عفاصها ووكاءها , ثمّ عرّفها سنة ". ووافقه الأكثر.
نعم. وافق الثّوريّ. ما أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث بلفظ " عرّفها حولاً، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلَّا اعرف وكاءها وعفاصها ثمّ اقبضها في مالك " الحديث. وهو يقتضي أنّ التّعريف يقع بعد معرفة ما ذكر من العلامات.
ورواية الثوري. تقتضي أنّ التّعريف يسبق المعرفة.
وقال النّوويّ: يجمع بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتين، فيعرّف العلامات أوّل ما يلتقط حتّى يعلم صدق واصفها إذا وصفها كما تقدّم، ثمّ بعد تعريفها سنةً إذا أراد أن يتملكها فيعرّفها مرّة أخرى تعرّفاً وافياً محقّقاً. ليعلم قدرها وصفتها فيردّها إلى صاحبها.
قلت: ويحتمل أن تكون " ثمّ " في الرّوايتين بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيباً , ولا تقتضي تخالفاً يحتاج إلى الجمع.
ويقوّيه كون المخرج واحداً والقصّة واحدة , وإنّما يحسّن ما تقدّم أن
стр. 2475
لو كان المخرج مختلفاً فيحمل على تعدّد القصّة، وليس الغرض إلَّا أن يقع التّعرّف والتّعريف مع قطع النّظر عن أيّهما أسبق.
واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء.
ظهرهما: الوجوب لظاهر الأمر.
وقيل: يستحبّ.
وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط، ويستحبّ بعده.
قوله: (وكاءها) بكسر الواو ما يربط به.
قوله: (وعفاصها) العفاص بكسر المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف مهملة: الوعاء الذي تكون فيه النّفقة جلداً كان أو غيره.
وقيل له العفاص أخذاً من العفص وهو الثّني , لأنّ الوعاء يثنى على ما فيه.
وقد وقع في " زوائد المسند " لعبد الله بن أحمد من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة في حديث أُبَيّ " وخِرْقتَها " بدل عفاصها , والعفاص أيضاً الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأمّا الذي يدخل فم القارورة من جلدٍ أو غيره فهو الصّمام بكسر الصّاد المهملة.
قلت: فحيث ذكر العفاص مع الوعاء فالمراد الثّاني , وحيث لَم يذكر العفاص مع الوعاء فالمراد به الأوّل، والغرض معرفة الآلات التي تحفظ النّفقة. ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس والصّفة والقدر والكيل فيما يكال , والوزن فيما يوزن , والذّرع فيما يذرع.
стр. 2476
وقال جماعةٌ من الشّافعيّة: يستحبّ تقييدها بالكتابة خوف النّسيان.
واختلفوا فيما إذا عرّف بعض الصّفات دون بعض بناءً على القول بوجوب الدّفع لمن عرّف الصّفة.
قال ابن القاسم: لا بدّ من ذكر جميعها.
وكذا قال أصبغ. لكن قال: لا يشترط معرفة العدد.
وقول ابن القاسم , أقوى لثبوت ذكر العدد في الرّواية الأخرى وزيادة الحافظ حجّة.
قوله: (عرّفها) بالتّشديد وكسر الرّاء. أي: اذكرها للنّاس.
قال العلماء: محل ذلك المحافل كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، يقول: من ضاعت له نفقةٌ أو نحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئاً من الصّفات.
وقوله: (سنة) أي: متوالية فلو عرّفها سنة متفرّقة لَم يكف كأن يعرّفها في كل سنةٍ شهراً فيصدق أنّه عرّفها سنةً في اثنتي عشرة سنةً.
وقال العلماء: يعرّفها في كل يومٍ مرّتين , ثمّ مرّةً ثمّ في كل أسبوعٍ , ثمّ في كل شهر، ولا يشترط أن يعرّفها بنفسه , بل يجوز بوكيله , ويعرّفها في مكان سقوطها وفي غيره.
وجمع بعضهم بين حديث أُبيّ بن كعب (١) وحديث زيد بن خالد
стр. 2477
فإنّه لَم يختلف عليه (١) في الاقتصار على سنةٍ واحدةٍ.
فقيل: يحمل حديث أُبيّ بن كعب على مزيد الورع عن التّصرّف في اللقطة والمبالغة في التّعفّف عنها، وحديث زيد على ما لا بدّ منه، أو لاحتياج الأعرابيّ واستغناء أُبيٍّ.
قال المنذريّ: لَم يقل أحدٌ من أئمّة الفتوى أنّ اللقطة تُعرّف ثلاثة أعوام، إلَّا شيء جاء عن عمر. انتهى.
стр. 2478
وقد حكاه الماورديّ عن شواذّ من الفقهاء.
وحكى بن المنذر عن عمر أربعة أقوال: يعرّفها ثلاثة أحوال، عاماً واحداً , ثلاثة أشهر، ثلاثة أيّام. ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها.
وزاد ابن حزمٍ عن عمر قولاً خامساً. وهو أربعة أشهر.
وجزم ابن حزم وابن الجوزيّ: بأنّ هذه الزّيادة غلطٌ (١). قال: والذي يظهر أنّ سلمة أخطأ فيها ثمّ تثبّت واستذكر واستمرّ على عامٍ واحدٍ، ولا يؤخذ إلَّا بما لَم يشكّ فيه راويه.
وقال ابن الجوزيّ: يحتمل أن يكون ﷺ عرف أنّ تعريفها لَم يقع على الوجه الذي ينبغي، فأمر أبيّاً بإعادة التّعريف كما قال للمسيء صلاته " ارجع فصل فإنّك لَم تصل " انتهى.
ولا يخفى بُعدُ هذا على مثل أبيٍّ ﵁ مع كونه من فقهاء الصّحابة وفضلائهم.
وقد حكى صاحب الهداية من الحنفيّة: رواية عندهم أنّ الأمر في التّعريف مفوّضٌ لأمر الملتقط، فعليه أن يعرّفها إلى أن يغلب على ظنّه أنّ صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، والله أعلم.
قوله: (فإن لَم تُعرف فاستنفقها) في رواية الثوري " فإن جاء أحدٌ يخبرك بها , وإلَّا فاستنفقها " جواب الشّرط محذوف تقديره فأدّها
стр. 2479
إليه.
وفي رواية محمّد بن يوسف عن سفيان كما في البخاري أيضاً " فإن جاء أحدٌ يخبرك بعفاصها ووكائها ".
وفي رواية مالك عن ربيعة " ثمّ عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا شأنك بها " فيه حذف تقديره فإن جاء صاحبها فأدّها إليه , وإن لَم يجئ فشأنك بها , فحذف من هذه الرّواية جواب الشّرط الأوّل , وشرط " إن " الثّانية والفاء من جوابها. قاله ابن مالك
وفي حديث أبيٍّ في الصحيحين بلفظ " فإن جاء صاحبها وإلَّا استمتع بها " وإنّما وقع الحذف من بعض الرّواة دون بعض، وفي رواية لهما في حديث أبيّ بلفظ " فاستمتع بها " بإثبات الفاء في الجواب الثّاني.
ومضى من رواية الثّوريّ عن ربيعة بلفظ " وإلا فاستنفقها " ومثله ما في الصحيحين من رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة بلفظ " ثمّ استنفق بها، فإن جاء ربّها فأدّها إليه " ولمسلمٍ من طريق ابن وهب المُقدَّم ذكرها " فإذا لَم يأت لها طالبٌ فاستنفقها ".
واستدل به على أنّ اللاقط يملكها بعد انقضاء مدّة التّعريف، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ فإنّ قوله: " شأنك بها " تفويض إلى اختياره.
وقوله: " فاستنفقها " الأمر فيه للإباحة، والمشهور عند الشّافعيّة اشتراط التّلفّظ بالتّمليك.
وقيل: تكفي النّيّة. وهو الأرجح دليلاً.
стр. 2480
وقيل: تدخل في ملكه بمجرّد الالتقاط. وقد روى الحديث سعيد بن منصور عن الدّراورديّ عن ربيعة بلفظ " وإلا فتصنع بها ما تصنع بمالك ".
واستدل به على أنّ الملتقط يتصرّف فيها سواء كان غنيّاً أو فقيراً.
وعن أبي حنيفة: إنْ كان غنيّاً تصدّق بها , وإن جاء صاحبها تخيّر بين إمضاء الصّدقة أو تغريمه.
قال صاحب الهداية: إلَّا إن كان يأذن الإمام فيجوز للغنيّ كما في قصّة أبيّ بن كعب، وبهذا قال عمر وعليّ وابن مسعود وابن عبّاس وغيرهم من الصّحابة والتّابعين.
وقوله " شأنك بها " الشّأن الحال. أي: تصرّف فيها، وهو بالنّصب أي الزم شأنك بها، ويجوز الرّفع بالابتداء والخبر " بها " أي: شأنك متعلق بها.
قوله: (ولتكن وديعةً عندك) وللبخاري من رواية سليمان بن بلالٍ عن يحيى عن يزيد مولى المنبعث بلفظ " ثمّ عرّفها سنةً - يقول يزيد: إن لَم تعرف استنفق بها صاحبها، وكانت وديعةً عنده، قال يحيى: فهذا الذي لا أدري أفي حديث رسول الله ﷺ هو، أم شيءٌ من عنده؟ " والقائل " يقول يزيد " هو يحيى بن سعيد الأنصاريّ. والقائل " قال " هو سليمان.
والغرض أنّ يحيى بن سعيد شكّ هل قوله: " ولتكن وديعة عنده " مرفوع أو لا؟. وهذا القدر المشار إليه بهذا دون ما قبله لثبوت ما
стр. 2481
قبله في أكثر الرّوايات وخُلوّها عن ذكر الوديعة.
وقد جزم يحيى بن سعيد برفعه مرّة أخرى , وذلك فيما أخرجه مسلم عن القعنبيّ (١) والإسماعيليّ من طريق يحيى بن حسّان كلاهما عن سليمان بن بلال عن يحيى فقال فيه: فإن لَم تعرف فاستنفقها , ولتكن وديعة عندك.
وكذلك جزم برفعها خالد بن مخلد عن سليمان بن ربيعة عند مسلم، والفهميّ عن سليمان عن يحيى وربيعة جميعاً. عند الطّحاويّ.
وقد أشار البخاريّ إلى رجحان رفعها فترجم " إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردّها عليه، لأنّها وديعةٌ عنده " أورده من طريق إسماعيل بن جعفر عن ربيعة , وليس فيه ذكر الوديعة.
وقال ابن بطّال: استراب البخاريّ بالشّكّ المذكور. فترجمه بالمعنى.
وقال ابن المنير: أسقطها لفظاً وضمنها معنىً , لأنّ قوله: " فإن جاء صاحبها فأدّها إليه " يدل على بقاء ملك صاحبها خلافاً لمن أباحها بعد الحول بلا ضمان.
وقوله: " ولتكن وديعة عندك ". قال ابن دقيق العيد:
يحتمل: أن يكون المراد بعد الاستنفاق وهو ظاهر السّياق، فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب ردّ بدلها، لأنّ حقيقة الوديعة أن تبقى عينها
стр. 2482
، والجامع وجوب ردّ ما يجد المرء لغيره , وإلا فالمأذون في استنفاقه لا تبقى عينه.
ويحتمل: أن تكون الواو في قوله: " ولتكن " بمعنى أو، أي: إمّا أن تستنفقها وتغرم بدلها , وإمّا أن تتركها عندك على سبيل الوديعة حتّى يجيء صاحبها فتعطيها له.
ويستفاد من تسميتها وديعة , أنّها لو تلفت لَم يكن عليه ضمانها , وهو اختيار البخاريّ تبعاً لجماعةٍ من السّلف.
وقال ابن المنير: يستدل به لأحد الأقوال عند العلماء إذا أتلفها الملتقط بعد التّعريف وانقضاء زمنه , ثمّ أخرج بدلها , ثمّ هلكت أن لا ضمان عليه في الثّانية، وإذا ادّعى أنّه أكلها , ثمّ غرمها ثمّ ضاعت قُبل قوله أيضاً , وهو الرّاجح من الأقوال.
قوله: (فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدّها له) اختلف العلماء فيما إذا تصرّف في اللقطة بعد تعريفها سنةً , ثمّ جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا؟.
القول الأول: الجمهور على وجوب الرّدّ إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت.
القول الثاني: خالف في ذلك الكرابيسيّ صاحب الشّافعيّ , ووافقه صاحباه البخاريّ وداود بن عليّ إمام الظّاهريّة، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة.
ومن حجّة الجمهور: قوله في الرّواية الماضية " ولتكن وديعة
стр. 2483
عندك " وقوله أيضاً عند مسلم في رواية بشر بن سعيد عن زيد بن خالد " فاعرف عفاصها ووكاءها ثمّ كلها، فإن جاء صاحبها فأدّها إليه ".
فإنّ ظاهر قوله: " فإن جاء صاحبها إلخ ". بعد قوله: " كلها " يقتضي وجوب ردّها بعد أكلها. فيحمل على ردّ البدل.
ويحتمل: أن يكون في الكلام حذفٌ يدل عليه بقيّة الرّوايات، والتّقدير فاعرف عفاصها ووكاءها , ثمّ كلها إن لَم يجئ صاحبها , فإن جاء صاحبها فأدّها إليه.
وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ " فإن جاء باغيها فأدّها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصها ووكاءها ثمّ كلها، فإن جاء باغيها فأدّها إليه ". فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده. وهي أقوى حجّة للجمهور.
وروى أبو داود أيضاً من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن أبيه عن زيد بن خالد في هذا الحديث " فإن جاء صاحبها دفعتها إليه , وإلَّا عرفت وكاءها وعفاصها , ثمّ اقبضها في مالك , فإن جاء صاحبها فادفعها إليه ".
وإذا تقرّر هذا , أمكن حمل قول البخاري في التّرجمة " إذا لَم يوجد صاحب اللقطة فهي لمن وجدها " أي: في إباحة التّصرّف فيها حينئذٍ، وأمّا أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكتٌ عنه.
قال النّوويّ: إن جاء صاحبها قبل أن يتملكها الملتقط , أخذها
стр. 2484
بزوائدها المتّصلة والمنفصلة , وأمّا بعد التّملك فإن لَم يجئ صاحبها فهي لمن وجدها ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها فإن كانت موجودة بعينها استحقّها بزوائدها المتّصلة , ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك , وهو قول الجمهور.
وقال بعض السّلف: لا يلزمه وهو ظاهرُ اختيارِ البخاريّ. والله أعلم.
قوله: (وسأله عن ضالة الإبل) الضّال الضّائع , والضّال في الحيوان كاللقطة في غيره.
القول الأول: الجمهور. على القول بظاهر الحديث , في أنّها لا تُلتقط.
القول الثاني: قال الحنفيّة: الأولى أن تلتقط.
وحمل بعضهم النّهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشّافعيّة. وكذا إذا وجدت بقريةٍ فيجوز التّملك على الأصحّ عندهم، والخلاف عند المالكيّة أيضاً.
قال العلماء: حكمة النّهي عن التقاط الإبل , أنّ بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من تطلبه لها في رحال النّاس.
وقالوا: في معنى الإبل. كلّ ما امتنع بقوّته عن صغار السّباع.
تكملة: أخرج النّسائيّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث الجارود مرفوعاً: ضالة المسلم حرَقُ النّار.
وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرّفها، وحجّتهم حديث زيد بن
стр. 2485
خالد عند مسلم " من آوى الضّالة فهو ضالّ، ما لَم يعرّفها " ولَم ينكر ﷺ على أُبيّ ﵁ أخذه الصّرّة , فدلَّ على أنّه جائزٌ شرعاً، ويستلزم اشتماله على المصلحة وإلاّ كان تصرّفاً في ملك الغير، وتلك المصلحة تحصل بحفظها وصيانتها عن الخونة وتعريفها لتصل إلى صاحبها.
ومن ثَمَّ كان الأرجح من مذاهب العلماء , أنّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمتى رجح أخذها وجب أو استحبّ، ومتى رجح تركها حرم أو كره، وإلا فهو جائز.
قوله: (مالك ولها. دعها) زاد في رواية سليمان بن بلال عن ربيعة في البخاري " فذرها حتّى يلقاها ربّها ".
وفي رواية سفيان " فتمعَّر وجه النبي ﷺ " هو بالعين المهملة الثّقيلة. أي: تغيّر، وأصله في الشّجر إذا قلَّ ماؤه , فصار قليل النّضرة عديم الإشراق، ويقال: للوادي المجدب أمعر.
ولو روي تمغّر - بالغين المعجمة - لكان له وجه. أي: صار بلون المغرة وهو حمرةٌ شديدةٌ إلى كمودةٍ.
ويقوّيه أنّ قوله في رواية إسماعيل بن جعفر " فغضب حتّى احمرّت وجنتاه أو وجهه ". شكّ من الرّاوي.
والوجنة ما ارتفع من الخدّين , وفيها أربع لغات: بالواو والهمزة والفتح فيهما والكسر. والغضب: إمّا لأنّه كان نهى قبل ذلك عن التقاطها، وإمّا لأنّ السّائل قصّر في فهمه فقاس ما يتعيّن التقاطه على ما لا يتعيّن.
стр. 2486
قوله: (فإنَّ معها حذاءها وسقاءها) في رواية سفيان " معها حذاؤها وسقاؤها " الحذاء: بكسر المهملة ثمّ ذال معجمة والمراد هنا خفّها.
وسقاؤها: هو بكسر أوّله والمراد بذلك أجوافها , لأنّها تشرب فتكتفي به أيّاماً. وقيل: عنقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش وتناول المأكول بغير تعبٍ لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط.
قوله: (وسأله عن الشاة، فقال: خذها) في رواية سفيان " قال: يا رسولَ الله فضالة الغنم؟ " أي: ما حكمها؟ فحذف ذلك للعلم به.
قال العلماء: الضّالة لا تقع إلَّا على الحيوان، وما سواه يقال له لقطة. ويقال للضّوال أيضاً الهوامي والهوافي - بالميم والفاء - والهوامل.
قوله: (لك أو لأخيك أو للذّئب) فيه إشارة إلى جواز أخذها كأنّه قال: هي ضعيفةٌ لعدم الاستقلال، معرّضة للهلاك متردّدة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد به ما هو أعمّ من صاحبها , أو من ملتقطٍ آخر.
والمراد بالذّئب جنس ما يأكل الشّاة من السّباع. وفيه حثٌّ له على أخذها , لأنّه إذا علم أنّه إن لَم يأخذها بقيت للذّئب , كان ذلك أدعى له إلى أخذها.
стр. 2487
وقوله " خذها فإنّما هي لك " إلخ، صريحٌ في الأمر بالأخذ، ففيه دليلٌ على ردّ إحدى الرّوايتين عن أحمد في قوله: يترك التقاط الشّاة.
وتمسّك به مالك في أنّه يملكها بالأخذ , ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها.
واحتجّ له بالتّسوية بين الذّئب والملتقط، والذّئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط.
وأجيب: بأنّ اللام ليست للتّمليك , لأنّ الذّئب لا يملك وإنّما يملكها الملتقط على شرط ضمانها.
وقد أجمعوا على أنّه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط له أخذها , فدلَّ على أنّها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشّاة " هي لك أو لأخيك أو للذّئب " وبين قوله في اللقطة " شأنك بها أو خذها " بل هو أشبه بالتّملك لأنّه لَم يشرك معه ذئباً ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في النّفقة يغرمها إذا تصرّف فيها ثمّ جاء صاحبها.
وقال الجمهور: يجب تعريفها، فإذا انقضت مدّة التّعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، إلَّا أنّ الشّافعيّ قال: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأمّا في القرية فيجب في الأصحّ.
قال النّوويّ: احتجّ أصحابنا بقوله ﷺ في الرّواية الأولى " فإن جاء صاحبها فأعطها إيّاه " وأجابوا عن رواية مالك , بأنّه لَم يذكر الغرامة ولا نفاها , فثبت حكمها بدليلٍ آخر. انتهى.
وهو يوهم أنّ الرّواية الأولى من روايات مسلمٍ فيها ذكر حكم
стр. 2488
الشّاة إذا أكلها الملتقط، ولَم أر ذلك في شيءٍ من روايات مسلمٍ ولا غيره في حديث زيد بن خالد.
نعم. عند أبي داود والتّرمذيّ والنّسائيّ والطّحاويّ والدّارقطنيّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه في ضالة الشّاة " فاجمعها حتّى يأتيها باغيها ".
تكميل: قال البخاري " باب من عرّف اللقطة ولَم يدفعها إلى السلطان ".
أشار بالتّرجمة إلى ردّ قول الأوزاعيّ في التّفرقة بين القليل والكثير , فقال: إن كان قليلاً عرّفه , وإن كان مالاً كثيراً رفعه إلى بيت المال.
والجمهور على خلافه.
نعم. فرّق بعضهم بين اللقطة والضّوالّ، وبعض المالكيّة والشّافعيّة بيّن المؤتمن وغيره فقال: يعرّف المؤتمن؛ وأمّا غير المؤتمن فيدفعها إلى السّلطان ليعطيها المؤتمن ليعرّفها.
وقال بعض المالكيّة: إن كانت اللقطة بين قومٍ مأمونين والسّلطان جائر فالأفضل أن لا يلتقطها , فإن التقطها لا يدفعها له , وإن كان عادلاً فكذلك ويخيّر في دفعها له.
وإن كانت بين قومٍ مأمونين والإمام جائر تخيّر الملتقط. وعمل بما يترجّح عنده، وإن كان عادلاً فكذلك.
فائدة: روى سفيان بن عيينة في " جامعه " والطّبرانيّ في " المعجم الكبير " بسند جيد عن أبي وائلٍ , أنّ ابن مسعودٍ اشترى جاريةً
стр. 2489
بسبعمائة درهم , فإمَّا غاب صاحبها , وإمّا تركها. فنشده عبد الله حولاً فلم يجد صاحبها , فخرج بها إلى مساكين عند سُدّة بابه , فجعل يقبض ويعطي , ويقول: اللهمّ عن صاحبها فإنْ أَبَى فمنّي وعليّ الغرم , وقال: هكذا يفعل باللقطة.
قوله (وقال: هكذا يُفعل باللقطة) يشير إلى أنه انتزع فعله في ذلك من حكم اللقطة للأمر بتعريفها سنة والتصرف فيها بعد ذلك فإن جاء صاحبها غرمها له.
فرأى ابن مسعود أن يجعل التصرّف صدقة , فإن أجازها صاحبها إذا جاء حصل له أجرها , وإن لم يجزها كان الأجر للمتصدق وعليه الغرم لصاحبها، وإلى ذلك أشار بقوله " فلي وعلي " أي فليَ الثواب وعليَّ الغرامة.
стр. 2490
كتاب الوصايا
الوصايا جمع وصيّة كالهدايا , وتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم.
وفي الشّرع: عهد خاصّ مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التّبرّع.
قال الأزهريّ: الوصيّة من وصيت الشّيء بالتّخفيف أوصيه إذا وصّلته، وسمّيت وصيّة لأنّ الميّت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصيّة بالتّشديد، ووصاة بالتّخفيف بغير همز.
وتطلق شرعاً أيضاً على ما يقع به الزّجر عن المنهيّات والحثّ على المأمورات.