← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

قوله: (فإنَّ معها حذاءها وسقاءها) في رواية سفيان " معها حذاؤها وسقاؤها " الحذاء: بكسر المهملة ثمّ ذال معجمة والمراد هنا خفّها. وسقاؤها: هو بكسر أوّله والمراد بذلك أجوافها , لأنّها تشرب فتكتفي به أيّاماً. وقيل: عنقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش وتناول المأكول بغير تعبٍ لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط. قوله: (وسأله عن الشاة، فقال: خذها) في رواية سفيان " قال: يا رسولَ الله فضالة الغنم؟ " أي: ما حكمها؟ فحذف ذلك للعلم به. قال العلماء: الضّالة لا تقع إلَّا على الحيوان، وما سواه يقال له لقطة. ويقال للضّوال أيضاً الهوامي والهوافي - بالميم والفاء - والهوامل. قوله: (لك أو لأخيك أو للذّئب) فيه إشارة إلى جواز أخذها كأنّه قال: هي ضعيفةٌ لعدم الاستقلال، معرّضة للهلاك متردّدة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد به ما هو أعمّ من صاحبها , أو من ملتقطٍ آخر. والمراد بالذّئب جنس ما يأكل الشّاة من السّباع. وفيه حثٌّ له على أخذها , لأنّه إذا علم أنّه إن لَم يأخذها بقيت للذّئب , كان ذلك أدعى له إلى أخذها.

стр. 2487

وقوله " خذها فإنّما هي لك " إلخ، صريحٌ في الأمر بالأخذ، ففيه دليلٌ على ردّ إحدى الرّوايتين عن أحمد في قوله: يترك التقاط الشّاة. وتمسّك به مالك في أنّه يملكها بالأخذ , ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها. واحتجّ له بالتّسوية بين الذّئب والملتقط، والذّئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط. وأجيب: بأنّ اللام ليست للتّمليك , لأنّ الذّئب لا يملك وإنّما يملكها الملتقط على شرط ضمانها. وقد أجمعوا على أنّه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط له أخذها , فدلَّ على أنّها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشّاة " هي لك أو لأخيك أو للذّئب " وبين قوله في اللقطة " شأنك بها أو خذها " بل هو أشبه بالتّملك لأنّه لَم يشرك معه ذئباً ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في النّفقة يغرمها إذا تصرّف فيها ثمّ جاء صاحبها. وقال الجمهور: يجب تعريفها، فإذا انقضت مدّة التّعريف أكلها إن شاء وغرم لصاحبها، إلَّا أنّ الشّافعيّ قال: لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وأمّا في القرية فيجب في الأصحّ. قال النّوويّ: احتجّ أصحابنا بقوله ﷺ في الرّواية الأولى " فإن جاء صاحبها فأعطها إيّاه " وأجابوا عن رواية مالك , بأنّه لَم يذكر الغرامة ولا نفاها , فثبت حكمها بدليلٍ آخر. انتهى. وهو يوهم أنّ الرّواية الأولى من روايات مسلمٍ فيها ذكر حكم

стр. 2488

الشّاة إذا أكلها الملتقط، ولَم أر ذلك في شيءٍ من روايات مسلمٍ ولا غيره في حديث زيد بن خالد. نعم. عند أبي داود والتّرمذيّ والنّسائيّ والطّحاويّ والدّارقطنيّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه في ضالة الشّاة " فاجمعها حتّى يأتيها باغيها ". تكميل: قال البخاري " باب من عرّف اللقطة ولَم يدفعها إلى السلطان ". أشار بالتّرجمة إلى ردّ قول الأوزاعيّ في التّفرقة بين القليل والكثير , فقال: إن كان قليلاً عرّفه , وإن كان مالاً كثيراً رفعه إلى بيت المال. والجمهور على خلافه. نعم. فرّق بعضهم بين اللقطة والضّوالّ، وبعض المالكيّة والشّافعيّة بيّن المؤتمن وغيره فقال: يعرّف المؤتمن؛ وأمّا غير المؤتمن فيدفعها إلى السّلطان ليعطيها المؤتمن ليعرّفها. وقال بعض المالكيّة: إن كانت اللقطة بين قومٍ مأمونين والسّلطان جائر فالأفضل أن لا يلتقطها , فإن التقطها لا يدفعها له , وإن كان عادلاً فكذلك ويخيّر في دفعها له. وإن كانت بين قومٍ مأمونين والإمام جائر تخيّر الملتقط. وعمل بما يترجّح عنده، وإن كان عادلاً فكذلك. فائدة: روى سفيان بن عيينة في " جامعه " والطّبرانيّ في " المعجم الكبير " بسند جيد عن أبي وائلٍ , أنّ ابن مسعودٍ اشترى جاريةً

стр. 2489

بسبعمائة درهم , فإمَّا غاب صاحبها , وإمّا تركها. فنشده عبد الله حولاً فلم يجد صاحبها , فخرج بها إلى مساكين عند سُدّة بابه , فجعل يقبض ويعطي , ويقول: اللهمّ عن صاحبها فإنْ أَبَى فمنّي وعليّ الغرم , وقال: هكذا يفعل باللقطة. قوله (وقال: هكذا يُفعل باللقطة) يشير إلى أنه انتزع فعله في ذلك من حكم اللقطة للأمر بتعريفها سنة والتصرف فيها بعد ذلك فإن جاء صاحبها غرمها له. فرأى ابن مسعود أن يجعل التصرّف صدقة , فإن أجازها صاحبها إذا جاء حصل له أجرها , وإن لم يجزها كان الأجر للمتصدق وعليه الغرم لصاحبها، وإلى ذلك أشار بقوله " فلي وعلي " أي فليَ الثواب وعليَّ الغرامة.

стр. 2490

كتاب الوصايا الوصايا جمع وصيّة كالهدايا , وتطلق على فعل الموصي وعلى ما يوصي به من مال أو غيره من عهد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم. وفي الشّرع: عهد خاصّ مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التّبرّع. قال الأزهريّ: الوصيّة من وصيت الشّيء بالتّخفيف أوصيه إذا وصّلته، وسمّيت وصيّة لأنّ الميّت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصيّة بالتّشديد، ووصاة بالتّخفيف بغير همز. وتطلق شرعاً أيضاً على ما يقع به الزّجر عن المنهيّات والحثّ على المأمورات.

стр. 2491

الحديث الثاني والأربعون ٢٩٨ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: ما حقّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه، يبيت ليلةً أو ليلتين، إلَّا ووصيته مكتوبةٌ عنده (١) زاد مسلم، قال ابن عمر: فوالله ما مرّت عليّ ليلةٌ منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك، إلَّا ووصيّتي عندي. (٢) قوله: (ما حقّ امرئٍ مسلم) كذا في أكثر الرّوايات، وسقط لفظ " مسلم " من رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك عن نافع. والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر للتّهييج لتقع المبادرة لامتثاله لِمَا يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك. ووصيّة الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع. وقد بحث فيه السّبكيّ من جهة أنّ الوصيّة شرعت زيادة في العمل الصّالح , والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب: بأنّهم نظروا إلى أنّ الوصيّة كالإعتاق , وهو يصحّ من الذّمّيّ والحربيّ.

стр. 2492

ولا فرق في الوصيّة الصّحيحة بين الرّجل والمرأة، ولا يشترط فيها إسلام ولا رشد ولا ثيوبة ولا إذن زوج، وإنّما يشترط في صحتها العقل والحرّيّة. وأمّا وصيّة الصّبيّ المميّز ففيها خلاف: القول الأول: منعها الحنفيّة والشّافعيّ في الأظهر. القول الثاني: صحَّحها مالك وأحمد والشّافعيّ في قول رجّحه ابن أبي عصرون وغيره، ومال إليه السّبكيّ , وأيّده بأنّ الوارث لا حقّ له في الثّلث فلا وجه لمنع وصيّة المميّز، قال: والمعتبر فيه أن يعقل ما يوصي به. وروى الموطّأ فيه أثراً عن عمر , أنّه أجاز وصيّة غلام لَم يحتلم. (١)

стр. 2493

وذكر البيهقيّ , أنّ الشّافعيّ علَّق القول به على صحّة الأثر المذكور، وهو قويّ فإنّ رجاله ثقات. وله شاهد. وقيّد مالك صحّتها بما إذا عقل ولَم يخلط، وأحمد بسبعٍ. وعنه بعشر. قوله: (شيء يوصي فيه) قال ابن عبد البرّ: لَم يختلف الرّواة عن مالك في هذا اللفظ، ورواه أيّوب عن نافع بلفظ " له شيء يريد أن يوصي فيه " , ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع مثل أيّوب. أخرجهما مسلم. ورواه أحمد عن سفيان عن أيّوب بلفظ " حقّ على كل مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه " الحديث. ورواه الشّافعيّ عن سفيان بلفظ " ما حقّ امرئ يؤمن بالوصيّة " الحديث. قال ابن عبد البرّ: فسّره ابن عيينة أي: يؤمن بأنّها حقّ. انتهى. وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز عن نافع بلفظ " لا ينبغي لمسلمٍ أن يبيت ليلتين " الحديث. وذكره ابن عبد البرّ عن سليمان بن موسى عن نافع مثله، وأخرجه الطّبرانيّ من طريق الحسن عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعاً عن نافع بلفظ " ما حقّ امرئٍ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه ". وذكره ابن عبد البرّ من طريق ابن عون بلفظ " لا يحل لامرئٍ مسلم له مال ". وأخرجه الطّحاويّ أيضاً، وقد أخرجه النّسائيّ من

стр. 2494

هذا الوجه , ولَم يسق لفظه. قال أبو عمر: لَم يُتابع ابن عون على هذه اللفظة. قلت: إن عَنَى عن نافع بلفظها فمُسلَّم، ولكنّ المعنى يمكن أن يكون متّحداً كما سيأتي. وإن عنَى عن ابن عمر فمردودٌ , فقد رواه محمّد بن مسلم الطّائفيّ عن عمرو بن دينار عن ابن عمر. أخرجه الدّارقطنيّ في الأفراد من طريقه. وقال: تفرّد به عمران بن أبان - يعني الواسطيّ - عن محمّد بن مسلم. وعمران. أخرج له النّسائيّ وضعّفه، قال ابن عديّ: له غرائب عن محمّد بن مسلم , ولا أعلم به بأساً، ولفظه عند الدّارقطنيّ " لا يحل لمسلمٍ أن يبيت ليلتين إلَّا ووصيّته مكتوبة عنده ". قال ابن عبد البرّ: قوله: " له مال " أولى عندي من قول من روى " له شيء " لأنّ الشّيء يطلق على القليل والكثير بخلاف المال. انتهى كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها فرواية " شيء " أشمل لأنّها تعمّ ما يتموّل وما لا يتموّل كالمختصّات. واستدل بقوله: " له شيء " أو " له مال ". وهو القول الأول: على صحّة الوصيّة بالمنافع، وهو قول الجمهور. القول الثاني: منعه ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأتباعه، واختاره ابن عبد البرّ.

стр. 2495

قوله: (يبيت) كأنّ فيه حذفاً تقديره أن يبيت، وهو كقوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق) الآية. ويجوز أن يكون " يبيت " صفة لمسلمٍ. وبه جزم الطّيبيّ , قال: هي صفة ثانية، وقوله: " يوصي فيه " صفة شيء، ومفعول " يبيت " محذوف تقديره آمناً أو ذاكراً. وقال ابن التّين: تقديره موعوكاً. والأوّل أولى , لأنّ استحباب الوصيّة لا يختصّ بالمريض. نعم. قال العلماء: لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقّرة ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء له عن قرب. والله أعلم. قوله: (ليلتين) كذا لأكثر الرّواة، ولأبي عوانة والبيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد عن أيّوب " يبيت ليلة أو ليلتين ". ولمسلمٍ والنّسائيّ من طريق الزّهريّ عن سالم عن أبيه " يبيت ثلاث ليالٍ ". وكأنّ ذكر الليلتين والثّلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها , ففسح له هذا القدر ليتذكّر ما يحتاج إليه. واختلاف الرّوايات فيه دالٌ على أنّه للتّقريب لا للتّحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً إلَّا ووصيّته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزّمن اليسير، وكأنّ الثّلاث غاية للتّأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: لَم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك , إلَّا ووصيّتي عندي. قال الطّيبيّ: في تخصيص الليلتين والثّلاث بالذّكر تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا ينبغي أن يبيت زماناً ما، وقد سامحناه في الليلتين

стр. 2496

والثّلاث فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. قوله: (إلَّا ووصيّته مكتوبة عنده) أعمّ من أن تكون بخطّه أو بغير خطّه. ويستفاد منه أنّ الأشياء المهمّة ينبغي أن تضبط بالكتابة , لأنّها أثبت من الضّبط بالحفظ لأنّه يخون غالباً. واستُدل به. وهو القول الأول: على جواز الاعتماد على الكتابة والخطّ ولو لَم يقترن ذلك بالشّهادة. القول الثاني: خصّ أحمد ومحمّد بن نصر من الشّافعيّة ذلك بالوصيّة لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام. وأجاب الجمهور: بأنّ الكتابة ذكرت لِمَا فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى " وصيّته مكتوبة عنده " أي: بشرطها. وقال المحبّ الطّبريّ: إضمار الإشهاد فيه بُعدٌ. وأجيب: بأنّهم استدلوا على اشتراط الإشهاد بأمرٍ خارج كقوله تعالى: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة) فإنّه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصيّة. وقال القرطبيّ: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التّوثّق، وإلا فالوصيّة المشهود بها متّفق عليها ولو لَم تكن مكتوبة. والله أعلم. واستدل بقوله: " وصيّته مكتوبة عنده " على أنّ الوصيّة تنفذ إن كانت عند صاحبها ولَم يجعلها عند غيره، وكذلك لو جعلها عند غيره

стр. 2497

وارتجعها. واستُدل بهذا الحديث مع ظاهر الآية (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة) على وجوب الوصيّة، وبه قال الزّهريّ وأبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرّف في آخرين، وحكاه البيهقيّ عن الشّافعيّ في القديم، وبه قال إسحاق وداود، واختاره أبو عوانة الإسفرايينيّ وابن جرير وآخرون. ونسب ابن عبد البرّ القولَ بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذّ، كذا قال. واستدل لعدم الوجوب من حيث المعنى , لأنّه لو لَم يوص لقسّم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصيّة واجبة لأخرج من ماله سهم ينوب عن الوصيّة. وأجابوا عن الآية: بأنّها منسوخة كما قال ابن عبّاس عند البخاري: كان المال للولد وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبّ فجعل لكل واحد من الأبوين السّدس. الحديث. وأجاب مَن قال بالوجوب: بأنّ الذي نسخ الوصيّة للوالدين والأقارب الذين يرثون , وأمّا الذي لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عبّاس ما يقتضي النّسخ في حقّه. وأجاب مَن قال بعدم الوجوب عن الحديث: بأنّ قوله " ما حقّ امرئٍ " أنّ المراد الحزم والاحتياط، لأنّه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصيّة، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد

стр. 2498

له، وهذا عن الشّافعيّ. وقال غيره: الحقّ لغةً الشّيء الثّابت، ويطلق شرعاً على ما ثبت به الحكم، والحكم الثّابت أعمّ من أن يكون واجباً أو مندوباً، وقد يطلق على المباح أيضاً لكن بقلةٍ قاله القرطبيّ. قال: فإن اقترن به " على " أو نحوها كان ظاهراً في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التّقدير فلا حجّة في هذا الحديث لمَن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحقّ بما يدل على النّدب , وهو تفويض الوصيّة إلى إرادة الموصي حيث قال: " له شيء يريد أن يوصي فيه " فلو كانت واجبة لَمَا علَّقها بإرادته. وأمّا الجواب عن الرّواية التي بلفظ " لا يحل " , فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعمّ الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح. واختلف القائلون بوجوب الوصيّة. القول الأول: ذهب أكثرهم إلى وجوبها في الجملة. القول الثاني: عن طاوسٍ وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين , تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصّة. أخرجه ابن جرير وغيره عنهم. قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لَم تنفذ , ويردّ الثّلث كله إلى قرابته. وهذا قول طاوسٍ. وقال الحسن وجابر بن زيد: ثلثا الثّلث. وقال قتادة: ثلث الثّلث.

стр. 2499

وأقوى ما يردّ على هؤلاء ما احتجّ به الشّافعيّ من حديث عمران بن حصين في قصّة الذي أعتق عند موته ستّة أعبد له - لَم يكن له مال غيرهم - فدعاهم النّبيّ ﷺ فجزّأهم ستّة أجزاء فأعتق اثنين وأرقّ أربعة (١). قال (٢): فجعل عتقه في المرض وصيّة، ولا يقال لعلهم كانوا أقارب المعتق , لأنّا نقول لَم تكن عادة العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنّما تملك من لا قرابة له أو كان من العجم، فلو كانت الوصيّة تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء، وهو استدلال قويّ. والله أعلم ونقل ابن المنذر عن أبي ثور: أنّ المراد بوجوب الوصيّة في الآية والحديث , يختصّ بمن عليه حقّ شرعيّ يخشى أن يضيع على صاحبه إن لَم يوص به كوديعةٍ ودين لله أو لآدميٍّ. قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: " له شيء يريد أن يوصي فيه " لأنّ فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ولو كان مؤجّلاً. فإنّه إذا أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن يوصي به ساغ له. وحاصله يرجع إلى قول الجمهور أنّ الوصيّة غير واجبة لعينها، وإنّ الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير سواء كانت

стр. 2500

بتنجيزٍ أو وصيّة. ومحل وجوب الوصيّة إنّما هو فيما إذا كان عاجزاً عن تنجيز ما عليه وكان لَم يعلم بذلك غيره ممّن يثبت الحقّ بشهادته، فأمّا إذا كان قادراً أو علم بها غيره فلا وجوب. قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنّ من لَم يكن عنده إلَّا اليسير التّافه من المال , أنّه لا تندب له الوصيّة. وفي نقل الإجماع نظرٌ، فالثّابت عن الزّهريّ أنّه قال: جعل الله الوصيّة حقّاً فيما قلَّ أو كثر. والمصرّح به عند الشّافعيّة ندبيّة الوصيّة من غير تفريق بين قليل وكثير. نعم. قال أبو الفرج السّرخسيّ منهم: إن كان المال قليلاً والعيال كثيراً استحبّ له توفرته عليهم، وقد تكون الوصيّة بغير المال كأنّه يعيّن من ينظر في مصالح ولده أو يعهد إليهم بما يفعلونه من بعده من مصالح دينهم ودنياهم، وهذا لا يدفع أحد ندبيّته. واختلف في حدّ المال الكثير في الوصيّة. فعن عليٍّ: سبعمائة مال قليل، وعنه: ثمانمائة مال قليل، وعن ابن عبّاس نحوه، وعن عائشة: فيمن ترك عيالاً كثيراً وترك ثلاثة آلاف ليس هذا بمالٍ كثير. وحاصله: أنّه أمر نسبيّ يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. والله أعلم.

стр. 2501

وعُرف من مجموع ما ذكرنا: أنّ الوصيّة قد تكون واجبة. وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر. ومكروهة في عكسه. ومباحة فيمن استوى الأمران فيه. ومحرّمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عبّاس: الإضرار في الوصيّة من الكبائر. رواه سعيد بن منصور موقوفاً بإسنادٍ صحيح، ورواه النّسائيّ. ورجاله ثقات. واحتجّ ابن بطّال تبعاً لغيره , بأنّ ابن عمر لَم يوص. فلو كانت الوصيّة واجبة لَما تركها وهو راوي الحديث. وتعقّب: بأنّ ذلك إن ثبت عن ابن عمر. فالعبرة بما روى لا بما رأى، على أنّ الثّابت عنه في صحيح مسلم كما تقدّم أنّه قال: لَم أبت ليلة إلَّا ووصيّتي مكتوبة عندي. والذي احتجّ بأنّه لَم يوص , اعتمد على ما رواه حمّاد بن زيد عن أيّوب عن نافع قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أمّا مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، وأمّا رِباعيّ فلا أحبّ أن يشارك ولدي فيها أحدٌ. أخرجه ابن المنذر وغيره. وسنده صحيح. ويجمع بينه وبين ما رواه مسلم. بالحمل على أنّه كان يكتب وصيّته ويتعاهدها؛ ثمّ صار ينجّز ما كان يوصي به معلقاً، وإليه الإشارة بقوله: " فالله يعلم ما كنت أصنع في مالي ". ولعلَّ الحاملَ له على ذلك حديثه الذي في البخاري " إذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح " الحديث، فصار ينجّز ما يريد التّصدّق به فلم يحتج إلى تعليق.

стр. 2502

وقد روى ابن سعد في " الطبقات " عن ابن عمر , أنّه وقف بعض دوره. فبهذا يحصل التّوفيق. والله أعلم. وفي الحديث: منقبة لابن عمر لمبادرته لامتثال قول الشّارع ومواظبته عليه. وفيه النّدب إلى التّأهّب للموت والاحتراز قبل الفوت، لأنّ الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، لأنّه ما من سنّ يفرض إلَّا وقد مات فيه جمع جمّ؛ وكل واحد بعينه جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهّباً لذلك فيكتب وصيّته، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحبط عنه الوزر من حقوق الله وحقوق عباده، والله المستعان. وفي الحديث الحضّ على الوصيّة ومطلقها يتناول الصّحيح، لكنّ السّلف خصّوها بالمريض، وإنّما لَم يقيّد به في الخبر لاطّراد العادة به.

стр. 2503

الحديث الثالث والأربعون ٢٩٩ - عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ , قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجّة الوداع، من وجعٍ اشتدّ بي، فقلت: يا رسولَ الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلَّا ابنةٌ، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر، يا رسولَ الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ، إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلَّا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك، قال: فقلت: يا رسولَ الله، أخلف بعد أصحابي، قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله، إلَّا ازددت به درجةً ورفعةً، ولعلَّك أنْ تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوامٌ، ويضّرّ بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقباهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أنْ مات بمكة. (١)

стр. 2504

قوله: (عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁) هو سعد بن مالك. (١) قوله: (جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجّة الوداع، من وجعٍ اشتدّ بِي) في رواية لهما من طريق الزهري عن عامر بن سعد " من وجع أشفيت منه على الموت ". وزادا في رواية سعد بن إبراهيم عن عامر " وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها " واتّفق أصحاب الزّهريّ على أنّ ذلك كان في حجّة الوداع، إلَّا ابن عيينة فقال " في فتح مكّة " أخرجه التّرمذيّ وغيره من طريقه. واتّفق الحفّاظ على أنّه وهم فيه. وقد أخرجه البخاريّ من طريقه فقال " بمكّة " ولَم يذكر الفتح. وقد وجدت لابن عيينة مستنداً فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد والبزّار والطّبرانيّ والبخاريّ في " التّاريخ " وابن سعد من حديث عمرو بن القاري , أنّ رسول الله ﷺ قدم فخلف سعداً مريضاً حيث خرج إلى حنينٍ، فلمّا قدم من الجعرّانة معتمراً دخل عليه - وهو مغلوب - فقال: يا رسولَ الله إنّ لي مالاً، وإنّي أورث كلالة، أفأوصي بمالي. الحديث، وفيه: قلت: يا رسولَ الله أميّت أنا بالدّار الذي خرجت منها مهاجراً؟ قال: لا، إنّي لأرجو أن يرفعك الله حتّى ينتفع بك أقوام. الحديث. فلعل ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث.

стр. 2505

ويمكن الجمع بين الرّوايتين: بأن يكون ذلك وقع له مرّتين مرّة عام الفتح ومرّة عام حجّة الوداع. ففي الأولى. لَم يكن له وارث من الأولاد أصلاً. وفي الثّانية. كانت له ابنة فقط، فالله أعلم. وقوله " وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها " يحتمل: أن تكون الجملة حالاً من الفاعل أو من المفعول. وكلٌ منهما محتمل، لأنّ كلاً من النّبيّ ﷺ ومن سعد كان يكره ذلك، لكن إن كان حالاً من المفعول وهو سعد , ففيه التفات , لأنّ السّياق يقتضي أن يقول: " وأنا أكره ". وقد أخرجه مسلم من طريق حميد بن عبد الرّحمن عن ثلاثة من ولد سعد عن سعد بلفظ: فقال: يا رسولَ الله خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها , كما مات سعد بن خولة. وللنّسائيّ من طريق جرير بن يزيد عن عامر بن سعد " لكن البائس سعد بن خولة مات في الأرض التي هاجر منها " وله من طريق بكيرٍ بن مسمار عن عامر بن سعد في هذا الحديث " فقال سعد: يا رسولَ الله أموت بالأرض التي هاجرت منها؟ قال: لا إن شاء الله تعالى. قوله: (فقلت: يا رسولَ الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى) فيه جواز إخبار المريض بشدّة مرضه وقوّة ألمه إذا لَم يقترن بذلك شيء ممّا يمنع أو يكره من التّبرّم وعدم الرّضا , بل حيث يكون ذلك لطلب

стр. 2506

دعاء أو دواء وربّما استحبّ، وأنّ ذلك لا ينافي الاتّصاف بالصّبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض كان الإخبار به بعد البرء أجوز. وروى البخاري في " الأدب المفرد " من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: دخلت أنا وعبد الله بن الزّبير على أسماء - يعني بنت أبي بكر وهي أمّهما - وأسماء وجعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعت " الحديث. وأصرح منه ما روى صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرّحمن بن عوف عن أبيه قال: دخلت على أبي بكر ﵁ في مرضه الذي توفّي فيه، فسلمت عليه وسألته: كيف أصبحت؟ فاستوى جالساً، فقلت: أصبحت بحمد الله بارئاً؟ قال: أما إنّي على ما ترى وجع " فذكر القصّة، أخرجه الطّبرانيّ. قال القرطبيّ: اختلف النّاس في هذا الباب، والتّحقيق أنّ الألم لا يقدر أحد على رفعه، والنّفوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يستطاع تغييرها عمّا جبلت عليه، وإنّما كلف العبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التّأوّه والجزع الزّائد كأنّ من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصّبر. وأمّا مجرّد التّشكّي فليس مذموماً حتّى يحصل التّسخّط للمقدور، وقد اتّفقوا على كراهة شكوى العبد ربّه، وشكواه إنّما هو ذكره للنّاس على سبيل التّضجّر، والله أعلم.

стр. 2507

وروى أحمد في " الزّهد " عن طاوسٍ أنّه قال: أنين المريض شكوى، وجزم أبو الطّيّب وابن الصّبّاغ وجماعة من الشّافعيّة: أنّ أنين المريض وتأوّهه مكروه. وتعقّبه النّوويّ فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإنّ المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، وهذا لَم يثبت فيه ذلك. ثمّ احتجّ بحديث عائشة في البخاري أنَّ النبي ﷺ قال: بل أنا وارأساه. ثمّ قال: فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنّه لا شكّ أنّ اشتغاله بالذّكر أولى. انتهى. ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشّكوى تدل على ضعف اليقين، وتشعر بالتّسخّط للقضاء، وتورث شماتة الأعداء. وأمّا إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتّفاقاً. قوله: (ولا يرثني إلَّا ابنةٌ) كذا في رواية الزّهريّ , ونحوه في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها , وفي رواية سعد بن إبراهيم في البخاري " ولَم يكن له يومئذٍ إلَّا ابنة " قال النّوويّ وغيره: معناه لا يرثني من الولد أو من خواصّ الورثة أو من النّساء، وإلا فقد كان لسعدٍ عَصَبَات , لأنّه من بني زهرة , وكانوا كثيراً. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصّها بالذّكر على تقدير لا يرثني ممّن أخاف عليه الضّياع والعجَزَ إلَّا هي، أو ظنّ أنّها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التّركة.

стр. 2508

وهذه البنت زعم بعض من أدركناه. أنّ اسمها عائشة، فإن كان محفوظاً فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث في البخاري، وهي تابعيّة عُمّرت حتّى أدركها مالك , وروى عنها. وماتت سنة مائة وسبعة عشر، لكن لَم يذكر أحدٌ من النّسّابين لسعدٍ بنتاً تسمّى عائشة غير هذه. وذكروا أنّ أكبر بناته أمّ الحكم الكبرى وأمّها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخرى أمّهاتهنّ متأخّرات الإسلام بعد الوفاة النّبويّة. فالظّاهر أنّ البنت المشار إليها هي أمّ الحكم المذكورة لتقدّم تزويج سعد بأمّها، ولَم أر من حرّر ذلك. قوله: (أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسولَ الله؟ قال: لا) كذا وقع في رواية الزّهريّ، وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها , وفي رواية سعد بن إبراهيم عن عامر " قلت: يا رسولَ الله أوصي بمالي كله " فأمّا التّعبير بقوله: " أفأتصدّق ". فيحتمل: التّنجيز والتّعليق بخلاف " أفأوصي " لكنّ المخرج متّحد فيحمل على التّعليق للجمع بين الرّوايتين. وقد تمسّك بقوله: " أتصدّق " من جعل تبرّعات المريض من الثّلث، وحملوه على المنجّزة. وفيه نظرٌ لِما بيّنته. وأمّا الاختلاف في السّؤال. فكأنّه سأل أوّلاً عن الكل ثمّ سأل عن الثّلثين ثمّ سأل عن النّصف ثمّ سأل عن الثّلث.

стр. 2509

وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد , وفي رواية بكير بن مسمار عند النّسائيّ كلاهما عن عامر بن سعد، وكذا لهما من طريق محمّد بن سعد عن أبيه , ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن سعد. وقوله في هذه الرّواية " قلت: فالشّطر " هو بالجرّ عطفاً على قوله " بمالي كله " أي: فأوصي بالنّصف، وهذا رجّحه السّهيليّ. وقال الزّمخشريّ: هو بالنّصب على تقدير فعل. أي: أسمّي الشّطر أو أعيّن الشّطر، ويجوز الرّفع على تقدير أيجوز الشّطر. قوله: (قلت: الثّلث؟ قال: الثّلث، والثّلث كثير) كذا في أكثر الرّوايات، وفي رواية الزّهريّ عند البخاري " قال: الثّلث يا سعد، والثّلث كثير " وفي رواية مصعب بن سعد عن أبيه عند مسلم " قلت: فالثّلث؟ قال: نعم، والثّلث كثير " وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في البخاري " قال: الثّلث، والثّلث كبير أو كثير ". وكذا للنّسائيّ من طريق أبي عبد الرّحمن السّلميّ عن سعد وفيه " فقال: أوصيت؟ فقلت: نعم. قال: بكم؟ قلت: بمالي كله. قال: فما تركت لولدك؟ وفيه. أوص بالعشر، قال فما زال يقول وأقول، حتّى قال: أوص بالثّلث والثّلث كثير أو كبير " يعني: بالمثلثة أو بالموحّدة، وهو شكّ من الرّاوي , والمحفوظ في أكثر الرّوايات بالمثلثة، ومعناه كثير بالنّسبة إلى ما دونه.

стр. 2510

وسأذكر الاختلاف فيه في الحديث الذي بعد هذا (١). وقوله: " قال: الثّلث , والثّلث كثير " بنصب الأوّل على الإغراء، أو بفعلٍ مضمر نحو عيّن الثّلث، وبالرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف أو المبتدأ , والخبر محذوف والتّقدير يكفيك الثّلث أو الثّلث كافٍ. ويحتمل: أن يكون قوله: " والثّلث كثير " مسوقاً لبيان الجواز بالثّلث , وأنّ الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه , وهو ما يبتدره الفهم. ويحتمل: أن يكون لبيان أنّ التّصدّق بالثّلث هو الأكمل أي كثير أجره. ويحتمل: أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشّافعيّ ﵀ " وهذا أولى معانيه " يعني أنّ الكثرة أمر نسبيّ. وعلى الأوّل عوّل ابن عبّاس كما سيأتي في حديث الباب الذي بعده. تنبيهٌ: وقع في رواية للبخاري " قلت: أريد أن أوصى، وإنّما لى ابنةٌ قلت: أوصى بالنّصف قال: النّصف كثيرٌ. قلت فالثّلث. قال: الثّلث، والثّلث كثيرٌ أو كبيرٌ. قال: فأوصى النّاس بالثّلث، وجاز ذلك لهم " لَم أر في غيرها من طرقه وصف النّصف بالكثرة، وإنّما فيها " قال لا في كله، ولا في ثلثيه ".

стр. 2511

وليس في هذه الرّواية إشكال , إلَّا من جهة وصف النّصف بالكثرة ووصف الثّلث بالكثرة , فكيف امتنع النّصف دون الثّلث؟. وجوابه: أنّ الرّواية الأخرى التي فيها جواب النّصف دلَّت على منع النّصف , ولَم يأت مثلها في الثّلث بل اقتصر على وصفه بالكثرة، وعلَّل بأنّ إبقاء الورثة أغنياء أولى، وعلى هذا فقوله: " الثّلث " خبر مبتدأ محذوف تقديره مباح، ودلَّ قوله: " والثّلث كثير " على أنّ الأولى أن ينقص منه. والله أعلم. قوله: (إنك أن تذر) في رواية سعد بن إبراهيم " إنّك أن تدع " بفتح " أن " على التّعليل وبكسرها على الشّرطيّة. قال النّوويّ: هما صحيحان صوريّان. وقال القرطبيّ: لا معنى للشّرط هنا لأنّه يصير لا جواب له , ويبقى " خير " لا رافع له. وقال ابن الجوزيّ: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد - يعني ابن الخشّاب - وقال: لا يجوز الكسر لأنّه لا جواب له لخلوّ لفظ " خير " من الفاء وغيرها ممّا اشترط في الجواب. وتعقّب: بأنّه لا مانع من تقديره. وقال ابن مالك: جزاء الشّرط قوله: " خير " أي فهو خير، حذف الفاء جائز وهو كقراءة طاوسٍ: " ويسألونك عن اليتامى قل أصلح لهم خير ".

стр. 2512

قال: ومن خصّ ذلك بالشّعر بعد عن التّحقيق، وضيّق حيث لا تضييق، لأنّه كثير في الشّعر قليل في غيره، وأشار بذلك إلى ما وقع في الشّعر فيما أنشده سيبويه: من يفعل الحسنات الله يشكرها. أي: فالله يشكرها. وإلى الرّدّ على من زعم أنّ ذلك خاصّ بالشّعر قال: ونظيره قوله في حديث اللقطة " فإن جاء صاحبها وإلَّا استمتع بها " بحذف الفاء، وقوله في حديث اللعان " البيّنة وإلا حدّ في ظهرك ". قوله: (ورثتك) كذا للأكثر، وللكشميهنيّ والقابسيّ " ذرّيّتك " ورواية الجماعة أولى. قال الزّين بن المنير: إنّما عبّر له ﷺ بلفظ الورثة , ولَم يقل أن تدع بنتك مع أنّه لَم يكن له يومئذٍ إلَّا ابنة واحدة لكون الوارث حينئذٍ لَم يتحقّق، لأنّ سعداً إنّما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتّى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله , فأجاب ﷺ بكلامٍ كليّ مطابق لكل حالة. وهي قوله " ورثتك " ولَم يخصّ بنتاً من غيرها. وقال الفاكهيّ شارح العمدة: إنّما عبّر ﷺ بالورثة , لأنّه اطّلع على أنّ سعداً سيعيش ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة فكان كذلك، وولد له بعد ذلك أربعة بنين ولا أعرف أسماءهم، ولعل الله أن يفتح بذلك. قلت: وليس قوله: " أن تدع بنتك " متعيّناً , لأنّ ميراثه لَم يكن

стр. 2513

منحصراً فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقّاص أولاد إذ ذاك , منهم هاشم بن عتبة الصّحابيّ الذي قتل بصفّين، فجاز التّعبير بالورثة لتدخل البنت وغيرها ممّن يرث لو وقع موته إذ ذاك أو بعد ذلك. أمّا قول الفاكهيّ: إنّه ولد له بعد ذلك أربعة بنين. وإنّه لا يعرف أسماءهم , ففيه قصور شديد، فإنّ أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر ومصعب ومحمّد ثلاثتهم عن سعد، ووقع ذكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر، ولَمَّا وقع ذكر هؤلاء في هذا الحديث عند مسلم. اقتصر القرطبيّ على ذكر الثّلاثة. ووقع في كلام بعض شيوخنا تعقّب عليه: بأنّ له أربعة من الذّكور غير الثّلاثة وهم عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق، وعزا ذكرهم لابن المدينيّ وغيره، وفاته أنّ ابن سعد ذكر له من الذّكور غير السّبعة أكثر من عشرة , وهم عبد الله وعبد الرّحمن وعمرو وعمران وصالح وعثمان وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعمير مصغّراً وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتاً. وكأنّ ابن المدينيّ اقتصر على ذكر من روى الحديث منه والله أعلم قوله: (عالَة) أي: فقراء وهو جمع عالٍ , وهو الفقير والفعل منه عال يعيل إذا افتقر. قوله: (يتكفّفون النّاس) زاد سعد بن إبراهيم " في أيديهم " أي: يسألون النّاس بأكفّهم، يقال تكفّف النّاس واستكفّ إذا بسط كفّه

стр. 2514

للسّؤال، أو سأل ما يكفّ عنه الجوع، أو سأل كفّاً كفّاً من طعام. وقوله " في أيديهم " أي: بأيديهم أو سألوا بأكفّهم وضع المسئول في أيديهم. وقول سعد " وأنا ذو مال " وهذا اللفظ يؤذن بمالٍ كثير، وذو المال إذا تصدّق بثلثه أو بشطره وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها لا يصيرون عالة. لكنّ الجواب: أنّ ذلك خرج على التّقدير , لأنّ بقاء المال الكثير إنّما هو على سبيل التّقدير , وإلَّا فلو تصدّق المريض بثلثيه مثلاً ثمّ طالت حياته ونقص وفني المال فقد تجحف الوصيّة بالورثة، فردّ الشّارع الأمر إلى شيء معتدل وهو الثّلث. قوله: (وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله , إلَّا أُجرتَ بها) في رواية سعد بن إبراهيم " وإنّك مهما أنفقت من نفقة فإنّها صدقة " هو معطوف على قوله: " إنّك أن تدع " وهو عِلَّة للنّهي عن الوصيّة بأكثر من الثّلث، كأنّه قيل لا تفعل لأنّك إن متّ تركت ورثتك أغنياء وإن عشت تصدّقت وأنفقت فالأجر حاصل لك في الحالين. وقوله: " فإنّها صدقة " كذا أطلق في هذه الرّواية , ورواية الباب مقيّدة بابتغاء وجه الله، وعلق حصول الأجر بذلك وهو المعتبر. ويستفاد منه أنّ أجر الواجب يزداد بالنّيّة , لأنّ الإنفاق على الزّوجة واجب وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك قاله ابن أبي جمرة، قال: ونبّه بالنّفقة على غيرها من وجوه

стр. 2515

البرّ والإحسان. قال القرطبيّ: أفاد منطوقه أنّ الأجر في الإنفاق إنّما يحصل بقصد القربة سواء كانت واجبة أو مباحة، وأفاد مفهومه أنّ من لَم يقصد القربة لَم يؤجر، لكن تبرأ ذمّته من النّفقة الواجبة لأنّها معقولة المعنى، وأطلق الصّدقة على النّفقة مجازاً والمراد بها الأجر، والقرينة الصّارفة عن الحقيقة الإجماع على جواز النّفقة على الزّوجة الهاشميّة التي حرّمت عليها الصّدقة. انتهى واستنبط منه النّوويّ , أنّ الحظّ إذا وافق الحقّ لا يقدح في ثوابه , لأنّ وضع اللقمة في في الزّوجة يقع غالباً في حالة المداعبة، ولشهوة النّفس في ذلك مدخل ظاهر. ومع ذلك إذا وجّه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثّواب حصل له بفضل الله. قلت: وجاء ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة، وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذرّ فذكر حديثاً فيه " وفي بُضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسولَ الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام؟. الحديث. قال (١): وإذا كان هذا بهذا المحل – مع ما فيه من حظّ النّفس - فما الظّنّ بغيره ممّا لا حظّ للنّفس فيه؟. قال: وتمثيله باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة؛ لأنّه إذا ثبت

стр. 2516

الأجر في لقمة واحدة لزوجةٍ غير مضطرّة فما الظّنّ بمن أطعم لقماً لمحتاجٍ، أو عمل من الطّاعات ما مشقّته فوق مشقّة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى. انتهى. وتمام هذا أن يقال: وإذا كان هذا في حقّ الزّوجة مع مشاركة الزّوج لها في النّفع بما يطعمها , لأنّ ذلك يؤثّر في حسن بدنها وهو ينتفع منها بذلك. وأيضاً فالأغلب أنّ الإنفاق على الزّوجة يقع بداعية النّفس، بخلاف غيرها فإنّه يحتاج إلى مجاهدتها. والله أعلم. قوله: (حتى ما تجعل في فيّ امرأتك) وفي رواية سعد بن إبراهيم " حتّى اللقمة " بالنّصب عطفاً على نفقة ويجوز الرّفع على أنّه مبتدأ. و " تجعلها " الخبر وفي رواية البخاري " في فم امرأتك " وللكشميهنيّ " في فيِّ امرأتك " وهي رواية الأكثر. قال القاضي عياض: هي أصوب , لأنّ الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه وتصغيره على فويه. قال: وإنّما يحسن إثبات الميم عند الإفراد. وأمّا عند الإضافة فلا إلَّا في لغة قليلة. انتهى ووجه تعلق قوله: " وإنّك لن تنفق نفقة إلخ " بقصّة الوصيّة أنّ سؤال سعد يشعر بأنّه رغّب في تكثير الأجر فلمّا منعه الشّارع من الزّيادة على الثّلث قال له على سبيل التّسلية: إنّ جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة ومن نفقة - ولو كانت واجبة - تؤجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى، ولعله خصّ المرأة بالذّكر لأنّ نفقتها

стр. 2517

مستمرّة بخلاف غيرها. قال ابن دقيق العيد: فيه أنّ الثّواب في الإنفاق مشروط بصحّة النّيّة وابتغاء وجه الله، وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشّهوة، فإنّ ذلك لا يحصل الغرض من الثّواب حتّى يبتغي به وجه الله، وسبق تخليص هذا المقصود ممّا يشوبه. قال: وقد يكون فيه دليل على أنّ الواجبات إذا أدّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها، فإنّ قوله " حتّى ما تجعل في في امرأتك " لا تخصيص له بغير الواجب. ولفظة " حتّى " هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنّسبة إلى المعنى، كما يقال جاء الحاجّ حتّى المشاة. قال الطّبريّ ما ملخّصة: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التّطوّع. وقال المُهلَّب: النّفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنّما سمّاها الشّارع صدقة خشية أن يظنّوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصّدقة من الأجر فعرّفهم أنّها لهم صدقة، حتّى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلَّا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصّدقة الواجبة قبل صدقة التّطوّع. وقال ابن المنيّر: تسمية النّفقة صدقة من جنس تسمية الصّداق نحلة، فلمّا كان احتياج المرأة إلى الرّجل كاحتياجه إليها في اللذّة

стр. 2518

والتّأنيس والتّحصين وطلب الولد. كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلَّا أنّ الله خصّ الرّجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثَمّ جاز إطلاق النّحلة على الصّداق، والصّدقة على النّفقة. قوله: (ولعلَّك أنْ تُخلَّف) وفي رواية سعد بن إبراهيم " وعسى الله أن يرفعك " أي: يطيل عمرك. زاد أبو نعيم في " المستخرج " يعني يقيمك من مرضك " وكذلك اتّفق، فإنّه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة بل قريباً من خمسين، لأنّه مات سنة خمس وخمسين من الهجرة. وقيل: سنة ثمان وخمسين وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجّة الوداع خمساً وأربعين أو ثمانياً وأربعين. قوله: (حتى ينتفع بك أقوامٌ، ويضّرّ بك آخرون) في رواية سعد " فينتفع بك ناس " أي: ينتفع بك المسلمون بالغنائم ممّا سيفتح الله على يديك من بلاد الشّرك، ويضرّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك. وزعم ابن التّين , أنّ المراد بالنّفع به ما وقع من الفتوح على يديه كالقادسيّة وغيرها، وبالضّرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليّ ومن معه. وهو كلام مردود لتكلفه لغير ضرورة تحمل على إرادة الضّرر الصّادر من ولده، وقد وقع منه هو الضّرر المذكور بالنّسبة إلى الكفّار.

стр. 2519

وأقوى من ذلك ما رواه الطّحاويّ من طريق بكير بن عبد الله بن الأشجّ عن أبيه , أنّه سأل عامر بن سعد عن معنى قول النّبيّ ﷺ هذا. فقال: لَمَّا أُمِّر سعد على العراق أُتي بقومٍ ارتدّوا فاستتابهم فتاب بعضهم وامتنع بعضهم فقتلهم، فانتقع به من تاب , وحصل الضّرر للآخرين. قال بعض العلماء: " لعل " وإن كانت للتّرجّي , لكنّها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالباً. قوله: (لكن البائس سعد بن خولة) خولة بفتح المعجمة وسكون الواو , وفي رواية أبي نعيم عن سفيان عن سعد بن إبراهيم عند البخاري " قال: يرحم الله ابن عفراء " كذا وقع في هذه الرّواية , في رواية أحمد والنّسائيّ من طريق عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن سفيان " , فقال النّبيّ ﷺ : يرحم الله سعد ابن عفراء ثلاث مرّات ". قال الدّاوديّ: " ابن عفراء " غير محفوظ. وقال الدّمياطيّ (١): هو وهم، والمعروف " ابن خولة ". قال: ولعل الوهم من سعد بن إبراهيم , فإنّ الزّهريّ أحفظ منه , وقال فيه " سعد بن خولة ". يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ " لكنّ البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكّة ". قلت: وقد ذكرت آنفاً من وافق الزّهريّ , وهو الذي ذكره

стр. 2520

أصحاب المغازي , وذكروا أنّه شهد بدراً, ومات في حجّة الوداع. وقال بعضهم في اسمه: " خوليّ " بكسر اللام وتشديد التّحتانيّة , واتّفقوا على سكون الواو، وأغرب ابن التّين فحكى عن القابسيّ فتحها. ووقع في رواية ابن عيينة في البخاري. قال سفيان: وسعد بن خولة رجلٌ من بني عامر بن لؤيّ. وذكر ابن إسحاق: أنّه كان حليفاً لهم ثمّ لأبي رهم بن عبد العزّى منهم. وقيل: كان من الفرس الذين نزلوا اليمن. وجزم الليث بن سعد في " تاريخه " عن يزيد بن أبي حبيب , بأنّ سعد بن خولة مات في حجّة الوداع , وهو الثّابت في الصّحيح، خلافاً لمَن قال إنّه مات في مدّة الهدنة مع قريش سنة سبع. وجوّز أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب المشهور في حواشيه على البخاريّ: أنّ المراد بابن عفراء عوف بن الحارث أخو معاذ ومعوّذ أولاد عفراء وهي أمّهم. والحكمة في ذكره ما ذكره ابن إسحاق أنّه قال يوم بدر: ما يضحك الرّبّ من عبده؟ قال. أن يغمس يده في العدوّ حاسراً، فألقى الدّرع التي هي عليه فقاتل حتّى قتل. قال: فيحتمل أن يكون لَمَّا رأى اشتياق سعد بن أبي وقّاص للموت , وعلم أنّه يبقى حتّى يلي الولايات , ذكر ابن عفراء وحبّه للموت ورغبته في الشّهادة كما يذكر الشّيء بالشّيء فذكر سعد بن خولة لكونه

стр. 2521

مات بمكّة , وهي دار هجرته. وذكر ابن عفراء مستحسناً لميتته. انتهى ملخّصاً. وهو مردود بالتّنصيص على قوله " سعد ابن عفراء " فانتفى أن يكون المراد عوف , وأيضاً فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقّاص أنّه كان راغباً في الموت، بل في بعضها عكس ذلك. وهو أنّه بكى فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة. وهو عند النّسائيّ. وأيضاً فمخرج الحديث متّحد والأصل عدم التّعدّد، فالاحتمال بعيد لو صرّح بأنّه عوف ابن عفراء. والله أعلم. وقال التّيميّ: يحتمل: أن يكون لأمّه اسمان خولة وعفراء. انتهى. ويحتمل: أن يكون أحدهما اسماً والآخر لقباً , أو أحدهما اسم أمّه والآخر اسم أبيه , أو والآخر اسم جدّة له، والأقرب أنّ عفراء اسم أمّه والآخر اسم أبيه لاختلافهم في أنّه خولة أو خوليّ. قوله: (يرثي له رسول الله ﷺ ) الرّثاء بكسر الرّاء وبالمثلثة بعدها مدّة مدح الميّت وذكر محاسنه، وليس هو المراد من الحديث حيث قال الرّاوي " يرثي رسول الله ﷺ ". ولهذا اعترض الإسماعيليّ ترجمة البخاري " باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة " فقال: ليس هذا من مراثي الموتى , وإنّما هو من التّوجّع، يقال: رثيته إذا مدحته بعد موته , ورثيت له: إذا تحزّنت عليه.

стр. 2522

ويمكن أن يكون مراد البخاريّ هذا بعينه. كأنّه يقول ما وقع من النّبيّ ﷺ فهو من التّحزّن والتّوجّع وهو مباح، وليس معارضاً لنهيه عن المراثي التي هي ذكر أوصاف الميّت الباعثة على تهييج الحزن وتجديد اللوعة. وهذا هو المراد بما أخرجه أحمد وابن ماجه وصحَّحه الحاكم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: نهى رسول الله ﷺ عن المراثي , وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: نهانا أن نتراثى. ولا شكّ أنّ الجامع بين الأمرين التّوجّع والتّحزّن. قال ابن عبد البرّ: زعم أهل الحديث أنّ قوله: " يرثي إلخ " من كلام الزّهريّ، وقال ابن الجوزيّ وغيره: هو مدرج من قول الزّهريّ. قلت: وكأنّهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطّيالسيّ عن إبراهيم بن سعد عن الزّهريّ فإنّه فصّل ذلك، لكن وقع عند البخاري عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد في آخره " لكنّ البائس سعد بن خولة، قال سعد: رثى له رسول الله ﷺ إلخ " فهذا صريح في وصله فلا ينبغي الجزم بإدراجه. ووقع في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في البخاري من الزّيادة " ثمّ وضع يده على جبهتي , ثمّ مسح وجهي وبطني , ثمّ قال: اللهمّ اشف سعداً وأتمم له هجرته، قال: فما زلت أجد بردها ". ولمسلمٍ من طريق حميدٍ بن عبد الرّحمن المذكورة: قلت: فادع الله

стр. 2523

أن يشفيني، فقال: اللهمّ اشف سعداً ثلاث مرّات. قوله: (أنْ مات بمكة) هو بفتح الهمزة للتّعليل. وأغرب الدّاوديّ فتردّد فيه , فقال: إن كان بالفتح ففيه دلالة على أنّه أقام بمكّة بعد الصّدر من حجّته ثمّ مات، وإن كان بالكسر ففيه دليل على أنّه قيل له: إنّه يريد التّخلف بعد الصّدر فخشي عليه أن يدركه أجله بمكّة. قلت: والمضبوط المحفوظ بالفتح، لكن ليس فيه دلالة على أنّه أقام بعد حجّه، لأنّ السّياق يدل على أنّه مات قبل الحجّ. والمعنى أنّ سعد بن خولة. وهو من المهاجرين من مكّة إلى المدينة , وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها , وتركوها مع حبّهم فيها لله تعالى، فمن ثَمّ خشي سعد بن أبي وقّاص أن يموت بها، وتوجّع رسول الله ﷺ لسعد بن خولة لكونه مات بها. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: مشروعيّة زيارة المريض للإمام فمن دونه، وتتأكّد باشتداد المرض، وفيه وضع اليد على جبهة المريض ومسح وجهه ومسح العضو الذي يؤلمه والفسح له في طول العمر. قال ابن بطّال: في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرّف لشدّة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربّما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحاً. قلت: وقد يكون العائد عارفاً بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما

стр. 2524

يناسبه. وفيه أنّ أعمال البرّ والطّاعة إذا كان منها ما لا يمكن استدراكه قام غيره في الثّواب والأجر مقامه، وربّما زاد عليه، وذلك أنّ سعداً خاف أن يموت بالدّار التي هاجر منها فيفوت عليه بعض أجر هجرته، فأخبره ﷺ بأنّه إن تخلف عن دار هجرته فعمل عملاً صالحاً من حجّ أو جهاد أو غير ذلك كان له به أجر يعوّض ما فاته من الجهة الأخرى. وفيه إباحة جمع المال بشرطه , لأنّ التّنوين في قوله: " وأنا ذو مال " للكثرة وقد وقع في بعض طرقه صريحاً " وأنا ذو مال كثير " والحثّ على صلة الرّحم والإحسان إلى الأقارب، وأنّ صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد. والإنفاق في وجوه الخير , لأنّ المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة؛ وقد نبّه على ذلك بأقل الحظوظ الدّنيويّة العادية وهو وضع اللقمة في فم الزّوجة إذ لا يكون ذلك غالباً إلَّا عند الملاعبة والممازحة , ومع ذلك فيؤجر فاعله إذا قصد به قصداً صحيحاً، فكيف بما هو فوق ذلك؟!. وفيه منع نقل الميّت من بلد إلى بلد إذ لو كان ذلك مشروعاً لأمر بنقل سعد بن خولة. قاله الخطّابيّ. وبأنّ من لا وارث له تجوز له الوصيّة بأكثر من الثّلث لقوله ﷺ : أن تذر ورثتك أغنياء. فمفهومه أنّ من لا وارث له لا يبالي بالوصيّة

стр. 2525

بما زاد لأنّه لا يترك ورثة يخشى عليهم الفقر. وتعقّب: بأنّه ليس تعليلاً محضاً وإنّما فيه تنبيه على الأحظّ الأنفع، ولو كان تعليلاً محضاً لاقتضى جواز الوصيّة بأكثر من الثّلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم ولا قائل بذلك، وعلى تقدير أن يكون تعليلاً محضاً فهو للنّقص عن الثّلث لا للزّيادة عليه، فكأنّه لَمَّا شرع الإيصاء بالثّلث وأنّه لا يعترض به على الموصي إلَّا أنّ الانحطاط عنه أولى , ولا سيّما لمن يترك ورثة غير أغنياء، فنبّه سعداً على ذلك. وفيه سدّ الذّريعة لقوله ﷺ " ولا تردّهم على أعقابهم " لئلا يتذرّع بالمرض أحد لأجل حبّ الوطن. قاله ابن عبد البرّ. وفيه تقييد مطلق القرآن بالسّنّة , لأنّه قال : (من بعد وصيّة يوصي بها أو دين) فأطلق، وقيّدت السّنّة الوصيّة بالثّلث، وأنّ من ترك شيئاً لله لا ينبغي له الرّجوع فيه ولا في شيء منه مختاراً. وفيه التّأسّف على فوت ما يحصل الثّواب، وفيه حديث: من ساءته سيّئة. (١) وأنّ من فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك.
следующие страницы →