مات بمكّة , وهي دار هجرته. وذكر ابن عفراء مستحسناً لميتته. انتهى ملخّصاً.
وهو مردود بالتّنصيص على قوله " سعد ابن عفراء " فانتفى أن يكون المراد عوف , وأيضاً فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقّاص أنّه كان راغباً في الموت، بل في بعضها عكس ذلك. وهو أنّه بكى فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة. وهو عند النّسائيّ.
وأيضاً فمخرج الحديث متّحد والأصل عدم التّعدّد، فالاحتمال بعيد لو صرّح بأنّه عوف ابن عفراء. والله أعلم.
وقال التّيميّ: يحتمل: أن يكون لأمّه اسمان خولة وعفراء. انتهى.
ويحتمل: أن يكون أحدهما اسماً والآخر لقباً , أو أحدهما اسم أمّه والآخر اسم أبيه , أو والآخر اسم جدّة له، والأقرب أنّ عفراء اسم أمّه والآخر اسم أبيه لاختلافهم في أنّه خولة أو خوليّ.
قوله: (يرثي له رسول الله ﷺ ) الرّثاء بكسر الرّاء وبالمثلثة بعدها مدّة مدح الميّت وذكر محاسنه، وليس هو المراد من الحديث حيث قال الرّاوي " يرثي رسول الله ﷺ ". ولهذا اعترض الإسماعيليّ ترجمة البخاري " باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة " فقال: ليس هذا من مراثي الموتى , وإنّما هو من التّوجّع، يقال: رثيته إذا مدحته بعد موته , ورثيت له: إذا تحزّنت عليه.
стр. 2522
ويمكن أن يكون مراد البخاريّ هذا بعينه. كأنّه يقول ما وقع من النّبيّ ﷺ فهو من التّحزّن والتّوجّع وهو مباح، وليس معارضاً لنهيه عن المراثي التي هي ذكر أوصاف الميّت الباعثة على تهييج الحزن وتجديد اللوعة.
وهذا هو المراد بما أخرجه أحمد وابن ماجه وصحَّحه الحاكم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: نهى رسول الله ﷺ عن المراثي , وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: نهانا أن نتراثى.
ولا شكّ أنّ الجامع بين الأمرين التّوجّع والتّحزّن.
قال ابن عبد البرّ: زعم أهل الحديث أنّ قوله: " يرثي إلخ " من كلام الزّهريّ، وقال ابن الجوزيّ وغيره: هو مدرج من قول الزّهريّ.
قلت: وكأنّهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطّيالسيّ عن إبراهيم بن سعد عن الزّهريّ فإنّه فصّل ذلك، لكن وقع عند البخاري عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد في آخره " لكنّ البائس سعد بن خولة، قال سعد: رثى له رسول الله ﷺ إلخ " فهذا صريح في وصله فلا ينبغي الجزم بإدراجه.
ووقع في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في البخاري من الزّيادة " ثمّ وضع يده على جبهتي , ثمّ مسح وجهي وبطني , ثمّ قال: اللهمّ اشف سعداً وأتمم له هجرته، قال: فما زلت أجد بردها ".
ولمسلمٍ من طريق حميدٍ بن عبد الرّحمن المذكورة: قلت: فادع الله
стр. 2523
أن يشفيني، فقال: اللهمّ اشف سعداً ثلاث مرّات.
قوله: (أنْ مات بمكة) هو بفتح الهمزة للتّعليل.
وأغرب الدّاوديّ فتردّد فيه , فقال: إن كان بالفتح ففيه دلالة على أنّه أقام بمكّة بعد الصّدر من حجّته ثمّ مات، وإن كان بالكسر ففيه دليل على أنّه قيل له: إنّه يريد التّخلف بعد الصّدر فخشي عليه أن يدركه أجله بمكّة.
قلت: والمضبوط المحفوظ بالفتح، لكن ليس فيه دلالة على أنّه أقام بعد حجّه، لأنّ السّياق يدل على أنّه مات قبل الحجّ.
والمعنى أنّ سعد بن خولة. وهو من المهاجرين من مكّة إلى المدينة , وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها , وتركوها مع حبّهم فيها لله تعالى، فمن ثَمّ خشي سعد بن أبي وقّاص أن يموت بها، وتوجّع رسول الله ﷺ لسعد بن خولة لكونه مات بها.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم:
مشروعيّة زيارة المريض للإمام فمن دونه، وتتأكّد باشتداد المرض، وفيه وضع اليد على جبهة المريض ومسح وجهه ومسح العضو الذي يؤلمه والفسح له في طول العمر.
قال ابن بطّال: في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرّف لشدّة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربّما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحاً.
قلت: وقد يكون العائد عارفاً بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما
стр. 2524
يناسبه.
وفيه أنّ أعمال البرّ والطّاعة إذا كان منها ما لا يمكن استدراكه قام غيره في الثّواب والأجر مقامه، وربّما زاد عليه، وذلك أنّ سعداً خاف أن يموت بالدّار التي هاجر منها فيفوت عليه بعض أجر هجرته، فأخبره ﷺ بأنّه إن تخلف عن دار هجرته فعمل عملاً صالحاً من حجّ أو جهاد أو غير ذلك كان له به أجر يعوّض ما فاته من الجهة الأخرى.
وفيه إباحة جمع المال بشرطه , لأنّ التّنوين في قوله: " وأنا ذو مال " للكثرة وقد وقع في بعض طرقه صريحاً " وأنا ذو مال كثير " والحثّ على صلة الرّحم والإحسان إلى الأقارب، وأنّ صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد.
والإنفاق في وجوه الخير , لأنّ المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة؛ وقد نبّه على ذلك بأقل الحظوظ الدّنيويّة العادية وهو وضع اللقمة في فم الزّوجة إذ لا يكون ذلك غالباً إلَّا عند الملاعبة والممازحة , ومع ذلك فيؤجر فاعله إذا قصد به قصداً صحيحاً، فكيف بما هو فوق ذلك؟!.
وفيه منع نقل الميّت من بلد إلى بلد إذ لو كان ذلك مشروعاً لأمر بنقل سعد بن خولة. قاله الخطّابيّ.
وبأنّ من لا وارث له تجوز له الوصيّة بأكثر من الثّلث لقوله ﷺ : أن تذر ورثتك أغنياء. فمفهومه أنّ من لا وارث له لا يبالي بالوصيّة
стр. 2525
بما زاد لأنّه لا يترك ورثة يخشى عليهم الفقر.
وتعقّب: بأنّه ليس تعليلاً محضاً وإنّما فيه تنبيه على الأحظّ الأنفع، ولو كان تعليلاً محضاً لاقتضى جواز الوصيّة بأكثر من الثّلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم ولا قائل بذلك، وعلى تقدير أن يكون تعليلاً محضاً فهو للنّقص عن الثّلث لا للزّيادة عليه، فكأنّه لَمَّا شرع الإيصاء بالثّلث وأنّه لا يعترض به على الموصي إلَّا أنّ الانحطاط عنه أولى , ولا سيّما لمن يترك ورثة غير أغنياء، فنبّه سعداً على ذلك.
وفيه سدّ الذّريعة لقوله ﷺ " ولا تردّهم على أعقابهم " لئلا يتذرّع بالمرض أحد لأجل حبّ الوطن. قاله ابن عبد البرّ.
وفيه تقييد مطلق القرآن بالسّنّة , لأنّه قال : (من بعد وصيّة يوصي بها أو دين) فأطلق، وقيّدت السّنّة الوصيّة بالثّلث، وأنّ من ترك شيئاً لله لا ينبغي له الرّجوع فيه ولا في شيء منه مختاراً.
وفيه التّأسّف على فوت ما يحصل الثّواب، وفيه حديث: من ساءته سيّئة. (١) وأنّ من فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك.
стр. 2526
وفيه تسلية من فاته أمر من الأمور بتحصيل ما هو أعلى منه لِما أشار ﷺ لسعدٍ من عمله الصّالح بعد ذلك.
وفيه جواز التّصدّق بجميع المال لمن عرف بالصّبر ولَم يكن له من تلزمه نفقته.
وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهاً , لأنّ سعداً لَمَّا منع من الوصيّة بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز فاستفسر عمّا دون ذلك، وفيه النّظر في مصالح الورثة.
وفيه أنّ خطاب الشّارع للواحد يعمّ من كان بصفته من المكلفين لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا. وإن كان الخطاب إنّما وقع له بصيغة الإفراد، ولقد أبعد مَن قال: إنّ ذلك يختصّ بسعدٍ ومن كان في مثل حاله ممّن يخلف وارثاً ضعيفاً أو كان ما يخلفه قليلاً , لأنّ البنت من شأنها أن يطمع فيها، وإن كانت بغير مال لَم يرغب فيها.
وفيه أنّ من ترك مالاً قليلاً فالاختيار له ترك الوصيّة وإبقاء المال للورثة، واختلف السّلف في ذلك القليل كما تقدّم.
واستدل به التّيميّ لفضل الغنيّ على الفقير. وفيه نظرٌ.
стр. 2527
وفيه مراعاة العدل بين الورثة ومراعاة العدل في الوصيّة، وفيه أنّ الثّلث في حدّ الكثرة، وقد اعتبره بعض الفقهاء في غير الوصيّة، ويحتاج الاحتجاج به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعيّن.
واستدل بقوله: " ولا يرثني إلَّا ابنة لي " مَن قال بالرّدّ على ذوي الأرحام للحصر في قوله: لا يرثني إلَّا ابنة.
وتعقّب: بأنّ المراد من ذوي الفروض كما تقدّم، ومَن قال بالرّدّ لا يقول بظاهره لأنّهم يعطونها فرضها ثمّ يردّون عليها الباقي، وظاهر الحديث أنّها ترث الجميع ابتداء.
стр. 2528
الحديث الرابع والأربعون
٣٠٠ - عن عبد الله بن عباسٍ ﵁ , قال: لو أنّ الناس غضّوا من الثلث إلى الرّبع، فإنّ رسول الله ﷺ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ. (١)
قوله: (لو أنّ الناس غضّوا) وللبخاري " لو غضّ النّاس " بمعجمتين. أي: نقص، و " لو " للتّمنّي فلا يحتاج إلى جواب، أو شرطيّة والجواب محذوف.
وقد وقع في رواية ابن أبي عمر في " مسنده " عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس بلفظ " كان أحبّ إليّ " أخرجه الإسماعيليّ من طريقه , ومن طريق أحمد بن عبدة أيضاً , وأخرجه من طريق العبّاس بن الوليد عن سفيان بلفظ " كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ .
قوله: (إلى الرّبع) زاد الحميديّ " في الوصيّة " وكذا رواه أحمد عن وكيع عن هشام بلفظ " وددت أنّ النّاس غضّوا من الثّلث إلى الرّبع في الوصيّة " الحديث.
قوله: (فإنّ رسول الله ﷺ قال) وللبخاري " لأنّ رسول الله ﷺ " هو كالتّعليل لِمَا اختاره من النّقصان عن الثّلث.
стр. 2529
وكأنّ ابن عبّاس أخذ ذلك من وصفه ﷺ الثّلث بالكثرة.
وقد قدّمنا الاختلاف في توجيه ذلك في الحديث الذي قبله، ومن أخذ بقول ابن عبّاس في ذلك كإسحاق بن راهويه، والمعروف في مذهب الشّافعيّ استحباب النّقص عن الثّلث.
وفي شرح مسلم للنّوويّ: إن كان الورثة فقراء استحبّ أن ينقص منه. وإن كانوا أغنياء فلا.
قوله: (والثّلث كثير) في رواية مسلم " كثير أو كبير " بالشّكّ. هل هي بالموحّدة أو بالمثلثة؟.
واستقرّ الإجماع على منع الوصيّة بأزيد من الثّلث.
لكن اختلف فيمن كان له وارث.
فأخرج أبو داود والتّرمذيّ وغيرهما من حديث أبي أُمامة: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته في حجّة الوداع: إنّ الله قد أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارثٍ.
وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش، وقد قوّى حديثه عن الشّاميّين جماعة من الأئمّة منهم أحمد والبخاريّ، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم - وهو شاميّ ثقة - وصرّح في روايته بالتّحديث عند التّرمذيّ. وقال التّرمذيّ: حديث حسن.
وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند التّرمذيّ والنّسائيّ، وعن أنس عند ابن ماجه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند الدّارقطنيّ , وعن جابر عند الدّارقطنيّ أيضاً. وقال: الصّواب
стр. 2530
إرساله، وعن عليّ عند ابن أبي شيبة.
ولا يخلو إسناد كلٍ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أنّ للحديث أصلاً.
بل جنح الشّافعيّ في " الأمّ " إلى أنّ هذا المتن متواتر , فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنّ النّبيّ ﷺ قال عام الفتح: لا وصيّة لوارثٍ. ويؤثرون عمّن حفظوه عنه ممّن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافّة عن كافّة، فهو أقوى من نقل واحد.
وقد نازع الفخر الرّازيّ في كون هذا الحديث متواتراً , وعلى تقدير تسليم ذلك , فالمشهور من مذهب الشّافعيّ. أنّ القرآن لا ينسخ بالسّنّة , لكنّ الحجّة في هذا الإجماع على مقتضاه كما صرّح به الشّافعيّ وغيره.
والمراد بعدم صحّة وصيّة الوارث عدم اللزوم , لأنّ الأكثر على أنّها موقوفة على إجازة الورثة كما سيأتي بيانه.
وروى الدّارقطنيّ من طريق ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عبّاس مرفوعاً: لا تجوز وصيّة لوارثٍ إلَّا أن يشاء الورثة. ورجاله ثقات إلَّا أنّه معلول. فقد قيل: إنّ عطاءً هو الخراسانيّ. والله أعلم.
واستدل بحديث " لا وصيّة لوارثٍ " بأنّه لا تصحّ الوصيّة للوارث أصلاً، وعلى تقدير نفاذها من الثّلث لا تصحّ الوصيّة له ولا لغيره بما زاد على الثّلث. ولو أجازت الورثة، وبه قال المزنيّ وداود،
стр. 2531
وقوّاه السّبكيّ.
واحتجّ له بحديث عمران بن حصينٍ في الذي أعتق ستّة أعبد , فإنّ فيه عند مسلم: فقال له النّبيّ ﷺ : قولاً شديداً.
وفسّر القول الشّديد في رواية أخرى بأنّه قال: لو علمتُ ذلك ما صليتُ عليه. ولَم ينقل أنّه راجع الورثة فدلَّ على منعه مطلقاً.
وبقوله في حديث سعد بن أبي وقّاص: وكان بعد ذلك الثّلث جائزاً (١).
فإنّ مفهومه أنّ الزّائد على الثّلث ليس بجائزٍ، وبأنّه ﷺ منع سعداً من الوصيّة بالشّطر. ولَم يستثن صورة الإجازة.
واحتجّ من أجازه بالزّيادة المتقدّمة وهي قوله " إلَّا أن يشاء الورثة ". فإن صحّت هذه الزّيادة , فهي حجّة واضحة.
واحتجّوا من جهة المعنى: بأنّ المنع إنّما كان في الأصل لحقّ الورثة، فإذا أجازوه لَم يمتنع.
واختلفوا فيمن لَم يكن له وارث خاصّ.
القول الأول: منعه الجمهور.
القول الثاني: جوّزه الحنفيّة وإسحاق وشريك وأحمد في رواية , وهو قول عليّ وابن مسعود.
стр. 2532
واحتجّوا: بأنّ الوصيّة مطلقة بالآية. فقيّدتها السّنّة بمن له وارث فيبقى من لا وارث له على الإطلاق.
وقد تقدّم في الحديث الذي قبله توجيه لهم آخر.
واختلفوا أيضاً هل يعتبر ثلث المال حال الوصيّة أو حال الموت؟.
على قولين، وهما وجهان للشّافعيّة. أصحّهما الثّاني.
فقال بالأوّل: مالك وأكثر العراقيّين. وهو قول النّخعيّ وعمر بن عبد العزيز.
وقال بالثّاني: أبو حنيفة وأحمد والباقون. وهو قول عليّ بن أبي طالب ﵁ وجماعة من التّابعين.
وتمسّك الأوّلون: بأنّ الوصيّة عقد والعقود تعتبر بأوّلها، وبأنّه لو نذر أن يتصدّق بثلث ماله اعتبر ذلك حالة النّذر اتّفاقاً.
وأجيب: بأنّ الوصيّة ليست عقداً من كل جهة ولذلك لا تعتبر بها الفوريّة ولا القبول، وبالفرق بين النّذر والوصيّة بأنّها يصحّ الرّجوع عنها والنّذر يلزم.
وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصيّة.
واختلفوا أيضاً: هل يحسب الثّلث من جميع المال , أو تنفذ بما علمه الموصي دون ما خفي عليه أو تجدّد له ولَم يعلم به؟.
وبالأوّل قال الجمهور، وبالثّاني قال مالك.
وحجّة الجمهور: أنّه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصيّة اتّفاقاً - ولو كان عالماً بجنسه - فلو كان العلم به شرطاً
стр. 2533
لَمَا جاز ذلك.
فائدة: أوّل من أوصى بالثّلث في الإسلام البراء بن المعرور بمهملاتٍ، أوصى به للنّبيّ ﷺ . وكان قد مات قبل أن يدخل النّبيّ ﷺ المدينة بشهرٍ، فقبِله النّبيّ ﷺ وردّه على ورثته.
أخرجه الحاكم وابن المنذر من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن جدّه.
стр. 2534
كتاب الفرائض
جمع فريضةٍ كحديقةٍ وحدائق، والفريضة فعيلةٌ بمعنى مفروضةٍ مأخوذةٌ من الفرض. وهو القطع، يقال: فرضت لفلانٍ كذا. أي: قطعت له شيئاً من المال قاله الخطّابيّ.
وقيل: هو من فرض القوس، وهو الحزّ الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول.
وقيل: الثّاني خاصّ بفرائض الله. وهي ما ألزم به عباده.
وقال الرّاغب: الفرض قطع الشّيء الصّلب والتّأثير فيه، وخصّت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى (نصيباً مفروضاً) أي: مقدّراً أو معلوماً أو مقطوعاً عن غيرهم.
وقد ورد في الحثّ على تعلِّم الفرائض , حديث ليس على شرط البخاري. أخرجه أحمد والتّرمذيّ والنّسائيّ وصحَّحه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه " تعلَّموا الفرائض وعلموها النّاس فإنّي امرؤٌ مقبوضٌ، وإنّ العلم سيُقبض حتّى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما ".
ورواته موثّقون، إلَّا أنّه اختلف فيه على عوفٍ الأعرابيّ اختلافاً كثيراً.
فقال التّرمذيّ: إنّه مضطربٌ.
والاختلاف عليه أنّه جاء عنه من طريق أبي مسعود، وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضاً اختلاف.
стр. 2535
ولفظه عند التّرمذيّ (١) من حديث أبي هريرة " تعلموا الفرائض فإنّها نصف العلم، وإنّه أوّل ما ينزع من أمّتي ".
وفي الباب عن أبي بكرة. أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق راشدٍ الحمّانيّ عن عبد الرّحمن بن أبي بكر عن أبيه رفعه: تعلَّموا القرآن والفرائض وعلّموها النّاس، أوشك أن يأتي على النّاس زمانٌ يختصم الرّجلان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما. وراشدٌ مقبولٌ , لكنّ الرّاوي عنه مجهول.
وعن أبي سعيد الخدريّ بلفظ " تعلَّموا الفرائض وعلموها النّاس " أخرجه الدّارقطنيّ من طريق عطيّة وهو ضعيف، وأخرج الدّارميّ عن عمر موقوفاً " تعلموا الفرائض كما تعلمون القرآن ". وفي لفظ عنه " تعلموا الفرائض فإنّها من دينكم ".
وعن ابن مسعود موقوفاً أيضاً " من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض " ورجالها ثقات. إلَّا أنّ في أسانيدها انقطاعاً.
стр. 2536
قال ابن الصّلاح: لفظ النّصف في هذا الحديث بمعنى أحد القسمين وإن لَم يتساويا , وقد قال ابن عيينة إذ سئل عن ذلك: إنّه يبتلى به كل النّاس.
وقال غيره: لأنّ لهم حالتين حالة حياة وحالة موت والفرائض تتعلق بأحكام الموت.
وقيل: لأنّ الأحكام تتلقّى من النّصوص ومن القياس، والفرائض لا تتلقّى إلَّا من النّصوص.
فائدة: قال ابن عبد البر: أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول زيد بن ثابت.
وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم فيها قول علي بن أبي طالب.
وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلَّا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه.
стр. 2537
الحديث الخامس والأربعون
٣٠١ - عن عبد الله بن عباسٍ ﵁ عن النبيّ ﷺ , قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ. (١)
وفي رواية: اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض، فلأولى رجلٍ ذكرٍ. (٢)
قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) المراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى , وهي النصف ونصفه ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما , والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن.
ووقع في رواية روح بن القاسم (٣) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس " اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله " أي: على وفق ما أنزل في كتابه.
قوله: (فما بقي) في رواية روح بن القاسم " فما تركت " أي أبقت.
стр. 2538
قوله: (فهو لأولى) في رواية لهما " فلأولى " بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة أفعل تفضيل من الولْي بسكون اللام وهو القرب، أي: لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث.
وليس المراد هنا الأحق.
وقد حكى عياض: أنَّ في رواية ابن الحذاء عن ابن ماهان في مسلم " فهو لأدنى " بدال ونون , وهي بمعنى الأقرب.
قال الخطابي: المعنى أقرب رجل من العصبة.
وقال ابن بطال: المراد بأولى رجل أنَّ الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد. فإن استووا اشتركوا.
قال: ولَم يقصد في هذا الحديث من يدلي بالآباء والأمهات مثلا لأنه ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة، كذا قال ابن المنير.
وقال ابن التين: إنما المراد به العمة مع العم وبنت الأخ مع ابن الأخ وبنت العم مع ابن العم , وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأب , فإنهم يرثون بنص قوله تعالى: ﴿وإن كانوا إخوةً رجالاً ونساءً فللذّكر مثل حظّ الأنثيين﴾ , ويستثنى من ذلك من يحجب كالأخ للأب مع البنت والأخت الشقيقة , وكذا يخرج الأخ والأخت لأم لقوله تعالى: ﴿فلكل واحدٍ منهما السّدس﴾. وقد نقل الإجماع على أنَّ المراد بها الأخوة من الأم.
стр. 2539
قوله: (رجلٍ ذكرٍ) هكذا في جميع الروايات، ووقع في كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي " فلأولى عصبة ذكر ".
قال ابن الجوزي والمنذري: هذه اللفظة ليست محفوظة.
وقال ابن الصلاح: فيها بُعدٌ عن الصحة من حيث اللغة , فضلا عن الرواية , فإن العصبة في اللغة اسم للجمع لا للواحد.
كذا قال. والذي يظهر أنه اسم جنس، ويدل عليه ما وقع في بعض طرق حديث أبي هريرة في صحيح البخاري " فليرثه عصبته من كانوا " (١).
قال ابن دقيق العيد: قد استشكل بأن الأخوات عصبات البنات. والحديث يقتضي اشتراط الذكورة في العصبة المستحق للباقي بعد الفروض.
والجواب: أنه من طريق المفهوم، وقد اختلف هل له عموم؟ وعلى التنزل فيخص بالخبر الدال على أنَّ الأخوات عصبات البنات.
وقد استشكل التعبير بذكر بعد التعبير برجل.
فقال الخطابي: إنما كرر للبيان في نعته بالذكورة , ليعلم أنَّ العصبة إذا كان عما أو ابن عم مثلا , وكان معه أخت له , أنَّ الأخت لا ترث ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
стр. 2540
وتعقب: بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله: " رجل " والإشكال باق إلَّا أنَّ كلامه ينحل إلى أنه للتأكيد، وبه جزم غيره كابن التين قال: ومثله ابن لبون ذكر.
وزيفه القرطبي فقال: قيل: إنه للتأكيد اللفظي، ورُدَّ بأن العرب إنما تؤكد حيث يفيد فائدة إما تعين المعنى في النفس. وإما رفع توهم المجاز , وليس ذلك موجوداً هنا.
وقال غيره: هذا التوكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة، لأنَّ الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر، فقد حكى سيبويه مررت برجلٍ رجلٌ أبوه. فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد بذكر حتى لا يظن أنَّ المراد به خصوص البالغ.
وقيل: خشية أن يظن بلفظ " رجل " الشخص. وهو أعم من الذكر والأنثى.
وقال ابن العربي: في قوله " ذَكَر " الإحاطة بالميراث إنما تكون للذكر دون الأنثى، ولا يرد قول مَن قال: إنَّ البنت تأخذ جميع المال , لأنها إنما تأخذه بسببين متغايرين , والإحاطة مختصة بالسبب الواحد وليس إلَّا الذكر. فلهذا نبه عليه بذكر الذكورية.
قال: وهذا لا يتفطن له كل مدع.
وقيل: إنه احتراز عن الخنثى في الموضعين فلا تؤخذ الخنثى في الزكاة ولا يحرز الخنثى المال إذا انفرد.
وقيل: للاعتناء بالجنس.
стр. 2541
وقيل: للإشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال امرأة أنثى.
وقيل: لنفي توهم اشتراك الأنثى معه , لئلا يحمل على التغليب.
وقيل: ذُكر تنبيهاً على سبب الاستحقاق بالعصوبة , وسبب الترجيح في الإرث , ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وحكمته أنَّ الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمّل الغرامات وغير ذلك، هكذا قال النووي.
وسبقه القاضي عياض. فقال: قيل هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الإناث.
وأصله للمازري. فإنه قال بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا: وهو " رجل ذكر " وفي الزكاة " ابن لبون ذكر ".
قال: والذي يظهر لي أنَّ قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سن إلى أعلى منها , ومن عدد إلى أكثر منه , وقد جعل في خمسة وعشرين بنت مخاض وسناً أعلى منها وهو ابن لبون , فقد يتخيل أنه على خلاف القاعدة , وأن السنين كالسن الواحد , لأنَّ ابن اللبون أعلى سناً لكنه أدنى قدراً , فنبَّه بقوله " ذكر " على أنَّ الذكورية تبخسه حتى يصير مساوياً لبنت مخاض مع كونها أصغر سناً منه.
وأما في الفرائض فلِمَا عُلم أنَّ الرجال هم القائمون بالأمور , وفيهم معنى التعصيب , وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء فعبر بلفظ " ذكر " إشارة إلى العلة التي لأجلها اختص بذلك، فهما وإن اشتركا
стр. 2542
في أنَّ السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك , لكن متعلق التنبيه فيهما مختلف، فإنه في ابن اللبون إشارة إلى النقص , وفي الرجل إشارة إلى الفضل، وهذا قد لخصه القرطبي وارتضاه.
وقيل: إنه وصف لأولى لا لرجل. قاله السهيلي. وأطال في تقريره , وتبجح به.
فقال: هذا الحديث أصل في الفرائض , وفيه إشكال , وقد تلقَّاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى من أوتى جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً. فقالوا: هو نعت لرجل، وهذا لا يصح لعدم الفائدة , لأنه لا يتصور أن يكون الرجل إلَّا ذكراً , وكلامه أجلُّ من أن يشتمل على حشو لا فائدة فيه , ولا يتعلق به حكم، ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث , لأنه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لَم يبلغ سن الرجولية، وقد اتفقوا على أنَّ الميراث يجب له - ولو كان ابن ساعة - فلا فائدة في تخصيصه بالبالغ دون الصغير.
قال: والحديث إنما سبق لبيان من يستحق الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام، ولو كان كما زعموا لَم يكن فيه تفرقة بين قرابة الأب وقرابة الأم.
قال: فإذا ثبت هذا فقوله " أولى رجل ذكر " يريد القريب في النسب الذي قرابته من قِبَل رجلٍ وصلبٍ لا من قِبَل بطنٍ ورحمٍ، فالأولى هنا هو ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ , وهو
стр. 2543
في اللفظ مضاف إلى النسب - وهو الصلب - فعبر عن الصلب بقوله: أولى رجل. لأنَّ الصلب لا يكون إلَّا رجلاً فأفاد بقوله " لأولى رجل " نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قِبَل الأم كالخال، وأفاد بقوله " ذكر " نفي الميراث عن النساء , وإن كنَّ من المدلين إلى الميت من قِبل صلب لأنهن إناث.
قال: وسبب الإشكال من وجهين:
أحدهما: أنه لَمَّا كان مخفوضا ظن نعتاً لرجل , ولو كان مرفوعاً لَم يشكل كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر.
والثاني: أنه جاء بلفظ أفعل , وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم إنسان , فمعناه أعلم الناس فتوهم أنَّ المراد بقوله " أولى رجل " أولى الرجال , وليس كذلك. وإنما هو أولى الميت بإضافته النسب وأولى صلب بإضافته كما تقول: هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء، قال: فالأولى في الحديث كالولي.
فإن قيل: كيف يضاف للواحد وليس بجزء منه؟.
فالجواب: إذا كان معناه الأقرب في النسب جازت إضافته - وإن لَم يكن جزءاً منه - كقوله ﷺ في البر: بر أمك ثم أباك ثم أدناك (١).
قال: وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة المعاني ما ليس في غيره، فالحمد لله الذي وفق وأعان انتهى كلامه.
стр. 2544
ولا يخلو من استغلاق.
وقد لخصه الكرماني , فقال: ذكر صفة لأولى لا لرجل، والأولى بمعنى القريب الأقرب فكأنه قال: فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجل وصلب لا من جهة بطن ورحم، فالأولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت، وأشير بذكر الرجل إلى الأولوية , فأفاد بذلك نفي الميراث عن الأولى الذي من جهة الأم كالخال، وبقوله " ذكر " نفيه عن النساء بالعصوبة , وإن كنّ من المُدلين للميت من جهة الصلب. انتهى
وقد أوردته كما وجدته ولَم أحذف منه إلَّا أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك، والعلم عند الله تعالى.
قال النووي: أجمعوا على أنَّ الذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدم الأقرب فالأقرب , فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب، والعصبة كلُّ ذكر يُدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى، فمتى انفرد أخذ جميع المال، وإن كان مع ذوي فروض غير مستغرقين أخذ ما بقي , وإن كان مع مستغرقين فلا شيء له.
قال القرطبي: وأما تسمية الفقهاء الأخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز , لأنها لَمَّا كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب.
стр. 2545
قلت: وقد ترجم البخاري بذلك (١)
قال الطحاوي: استدل قوم - يعني ابن عباس ومن تبعه - بحديث ابن عباس , على أنَّ من خلف بنتا وأخا شقيقا وأختا شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لأخيه ولا شيء لأخته ولو كانت شقيقة، وطردوا ذلك فيما لو كان مع الأخت الشقيقة عصبة , فقالوا: لا شيء لها مع البنت , بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بعدوا.
واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿إن امرؤٌ هلك ليس له ولدٌ وله أختٌ فلها نصف ما ترك﴾ قالوا: فمن أعطى الأخت مع البنت خالف ظاهر القرآن.
قال: واستُدل عليهم بالاتفاق على أنَّ من ترك بنتاً وابن ابن وبنت ابن متساويين أنَّ للبنت النصف وما بقي بين ابن الابن وبنت الابن , ولَم يخصوا ابن الابن بما بقي لكونه ذكراً , بل ورثوا معه شقيقته وهي أنثى.
قال: فعُلم بذلك أنَّ حديث ابن عباس ليس على عمومه , بل هو في شيء خاص , وهو ما إذا ترك بنتاً وعمّاً وعمةً فإن للبنت النصف وما بقي للعم دون العمة إجماعاً.
قال: فاقتضى النظر ترجيح إلحاق الأخت مع الأخ بالابن والبنت
стр. 2546
لا بالعم والعمة، لأَنَّ الميت لو لَم يترك إلَّا أخاً وأختاً شقيقتين فالمال بينهما، فكذلك لو ترك ابن ابن وبنت ابن، بخلاف ما لو ترك عما وعمة فإن المال كله للعم دون العمة باتفاقهم.
قال: وأما الجواب عما احتجوا به من الآية , فهو أنهم أجمعوا على أنَّ الميت لو ترك بنتاً وأخاً لأب كان للبنت النصف وما بقي للأخ، وأن معنى قوله تعالى: ﴿ليس له ولدٌ﴾ إنما هو ولد يحوز المال كله لا الولد الذي لا يحوز، وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الأب ثم الجد والأخ إذا انفرد واحد منهما، فإن اجتمعا فسيأتي حكمه (١)، ثم بنو الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا.
ومن أدلى بأبوين يُقدَّم على من أدلى بأب , لكن يُقدَّم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين , ويُقدَّم ابن أخ لأب على عم لأبوين , ويُقدَّم عم لأب على ابن عم لأبوين.
واستدل به البخاري على:
المسألة الأولى: أنَّ ابن الابن يحوز المال إذا لَم يكن دونه ابن.
وروى سعيد بن منصور عن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: ولد الأبناء بمنزلة الولد، إذا لَم يكن دونهم ولدٌ ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون،
стр. 2547
ويحجبون كما يحجبون، ولا يرث ولد الابن مع الابن.
قال ابن بطّال: قال أكثر الفقهاء فيمن خلفت زوجاً وأباً وبنتاً وابن ابن وبنت ابن: تقدّم الفروض فللزّوج الرّبع، وللأب السّدس، وللبنت النّصف، وما بقي بين ولدي الابن للذّكر مثل حظّ الأنثيين، فإن كانت البنت أسفل من الابن فالباقي له دونها.
وقيل: الباقي له مطلقاً لقوله " فما بقي فلأولى رجلٍ ذكرٍ ".
وتمسّك زيد بن ثابت والجمهور بقوله تعالى (في أولادكم للذّكر مثل حظّ الأنثيين) , وقد أجمعوا أنّ بني البنين ذكوراً وإناثاً كالبنين عند فقد البنين إذا استووا في التّعدّد، فعلى هذا تخصّ هذه الصّورة من عموم " فلأولى رجلٍ ذكرٍ ".
المسألة الثانية: على أنَّ الجد يرث جميع المال. إذا لَم يكن دونه أب.
وهو القول الأول: ووجه تعلّقه بالمسألة , أنّه دلَّ على أنّ الذي يبقى بعد الفرض يصرف لأقرب النّاس للميّت فكان الجدّ أقرب فيقدّم.
وأخرج الدّارميّ بسندٍ على شرط مسلمٍ عن أبي سعيد الخدريّ , أنّ أبا بكر الصّدّيق جعل الجدّ أباً.
وبسندٍ صحيحٍ إلى أبي سعيد وأبي موسى وعثمان بن عفّان , أنّ أبا بكر كان يجعل الجدّ أباً. وفي لفظٍ له " أنّه جعل الجدّ أباً إذا لَم يكن دونه أبٌ ".
وأخرج محمّد بن نصر المروزيّ في كتاب الفرائض من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس قال: الجدّ أبٌ.
стр. 2548
وأخرج يزيد بن هارون من طريق ليث عن طاوسٍ , أنّ عثمان وابن عبّاس كانا يجعلان الجدّ أباً.
وأخرج البخاري في " صحيحه " من طريق ابن أبي مُلَيكة قال: كتب أهل الكوفة إلى ابن الزّبير في الجدّ , فقال: إنّ أبا بكر أنزله أباً.
وفيه دلالة على أنّه أفتاهم بمثل قول أبي بكر.
واحتج ابن عبّاس بقوله تعالى (يا بني آدم) فأخرج محمّد بن نصر من طريق عبد الرّحمن بن معقل قال: جاء رجلٌ إلى ابن عبّاس فقال له: كيف تقول في الجدّ؟ قال: أيّ أبٍ لك أكبر؟ فسكت، وكأنّه عيي عن جوابه، فقلت أنا: آدم، فقال: أفلا تسمع إلى قوله تعالى (يا بني آدم). أخرجه الدّارميّ من هذا الوجه.
واحتج أيضاً بقوله تعالى (واتّبعت ملة آبائي) فأخرج سعيد بن منصور من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال: الجدّ أبٌ وقرأ (واتّبعت ملة آبائي) الآية.
واحتجّ بعض مَن قال بذلك بقوله ﷺ " أنا ابن عبد المطّلب " وإنّما هو ابن ابنه.
قال البخاري: ولَم يُذكر أنّ أحداً خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النّبيّ ﷺ متوافرون. انتهى
كأنّه يريد بذلك تقوية حجّة القول المذكور , فإنّ الإجماع السّكوتيّ حجّة، وهو حاصل في هذا، وممّن جاء عنه التّصريح بأنّ الجدّ يرث ما كان يرث الأب عند عدم الأب , معاذ وأبو الدّرداء وأبو موسى وأبيّ
стр. 2549
بن كعب وعائشة وأبو هريرة، ونقل ذلك أيضاً عن عمر وعثمان وعليّ وابن مسعود على اختلاف عنهم، ومن التّابعين عطاء وطاوسٌ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو الشّعثاء وشريح والشّعبيّ، ومن فقهاء الأنصار عثمان التّيميّ وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وداود وأبو ثور والمزنيّ وابن سريج.
القول الثاني: ذهب عمر وعليّ وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الإخوة مع الجدّ , لكن اختلفوا في كيفيّة ذلك.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال: يرثني ابن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابن ابني.
قال ابن عبد البرّ: وجه قياس ابن عبّاس. أنّ ابن الابن لَمَّا كان كالابن عند عدم الابن كان أبو الأب عند عدم الأب كالأب، وقد ذكر من وافق ابن عبّاس في هذا توجيه قياسه المذكور , من جهة أنّهم أجمعوا على أنّه كالأب في الشّهادة له , وفي العتق عليه , وأنّه لا يقتصّ منه , وأنّه ذو فرض أو عاصب , وعلى أنّ من ترك ابناً وأباً أنّ للأب السّدس والباقي للابن , وكذا لو ترك جدّة لأبيه وابناً، وعلى أنّ الجدّ يضرب مع أصحاب الفروض بالسّدس كما يضرب الأب سواء , قيل: بالعول أم لا.
واتّفقوا على أنّ ابن الابن بمنزلة الابن في حجب الزّوج عن النّصف والمرأة عن الرّبع والأمّ عن الثّلث كالابن سواء، فلو أنّ رجلاً ترك أبويه وابن ابنه كان لكلٍّ من أبويه السّدس وأنّ من ترك
стр. 2550
أبا جدّه وعمّه أنّ المال لأبي جدّه دون عمّه , فينبغي أن يكون لوالد أبيه دون إخوته فيكون الجدّ أولى من أولاد أبيه. كما أنّ أباه أولى من أولاد أبيه.
وعلى أنّ الإخوة من الأمّ لا يرثون مع الجدّ كما لا يرثون مع الأب فحجبهم الجدّ كما حجبهم الأب فينبغي أن يكون الجدّ كالأب في حجب الإخوة، وكذا القول في بني الإخوة، ولو كانوا أشقّاء.
وقال السّهيليّ: لَم ير زيد بن ثابت لاحتجاج ابن عبّاس بقوله تعالى (يا بني آدم) ونحوها ممّا ذكر عنه حجّة , لأنّ ذلك ذكر في مقام النّسبة والتّعريف فعبّر بالبنوّة , ولو عبّر بالولادة لكان فيه متعلق، ولكن بين التّعبير بالولد والابن فرقٌ، ولذلك قال تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) ولَم يقل في أبنائكم، ولفظ الولد يقع على الذّكر والأنثى والواحد والجمع بخلاف الابن.
وأيضاً فلفظ الولد يليق بالميراث بخلاف الابن تقول ابن فلان من الرّضاعة ولا تقول ولده، وكذا كان من يتبنّى ولد غيره قال له ابني وتبنّاه ولا يقول: ولدي ولا ولده , ومن ثَمَّ قال في آية التّحريم (وحلائل أبنائكم) إذ لو قال وحلائل أولادكم لَم يحتج إلى أن يقول من أصلابكم , لأنّ الولد لا يكون إلَّا من صلبٍ أو بطنٍ.
وقد أخذ بقول زيدٍ جمهور العلماء: وتمسّكوا بحديث " أفرضكم زيدٌ " وهو حديثٌ حسنٌ أخرجه أحمد وأصحاب السّنن وصحَّحه التّرمذيّ وابن حبّان والحاكم من رواية أبي قلابة عن أنس.
стр. 2551
وأعله بالإرسال، ورجّحه الدّارقطنيّ والخطيب وغيرهما، وله متابعاتٌ وشواهد ذكرتها في تخريج أحاديث الرّافعيّ.
وأخرج الدّارميّ بسندٍ صحيحٍ عن الشّعبيّ قال: أوّل جدّ ورث في الإسلام عمر فأخذ ماله، فأتاه عليّ وزيد - يعني ابن ثابت - فقالا: ليس لك ذلك إنّما أنت كأحد الأخوين ". وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الرّحمن بن غنمٍ مثله دون قوله " فأتاه إلخ " لكن قال " فأراد عمر أن يحتاز المال فقلت له: يا أمير المؤمنين إنّهم شجرة دونك، يعني بني أبيه ".
وأخرج الدّارقطنيّ بسندٍ قويٍّ عن زيد بن ثابت , أنّ عمر أتاه فذكر قصّة فيها , أنّ مثل الجدّ كمثل شجرة نبتت على ساقٍ واحدٍ فخرج منها غصن ثمّ خرج من الغصن غصن فإن قطعت الغصن رجع الماء إلى السّاق , وإن قطعت الثّاني رجع الماء إلى الأوّل، فخطب عمر النّاس فقال: إنّ زيداً قال في الجدّ قولاً وقد أمضيته.
قال ابن بطّال: وقد احتجّ بحديث ابن عباس: من شرك بين الجدّ والأخ فإنّه أقرب إلى الميّت بدليل أنّه ينفرد بالولاء، ولأنّه يقوم مقام الولد في حجب الأمّ من الثّلث إلى السّدس، ولأنّ الجدّ إنّما يدلي بالميّت وهو ولد ابنه والأخ يدلي بالميّت وهو ولد أبيه والابن أقوى من الأب؛ لأنّ الابن ينفرد بالمال ويردّ الأب إلى السّدس ولا كذلك الأب فتعصيب الأخ تعصيب بنوّةٍ وتعصيب الجدّ تعصيب أبوّة، والبنوّة أقوى من الأبوّة في الإرث، ولأنّ الأخت فرضها النّصف إذا
стр. 2552
انفردت فلم يسقطها الجدّ كالبنت، ولأنّ الأخ يعصّب أخته بخلاف الجدّ فامتنع من قوّة تعصيبه عليه أن يسقط به.
وقال السّهيليّ: الجدّ أصل , ولكنّ الأخ في الميراث أقوى سبباً منه؛ لأنّه يدلي بولاية الأب فالولادة أقوى الأسباب في الميراث، فإن قال الجدّ وأنا أيضاً ولدت الميّت. قيل له إنّما ولدت والده، وأبوه ولد الإخوة فصار سببهم قويّاً وولد الولد ليس ولداً إلَّا بواسطةٍ وإن شاركه في مطلق الولديّة.
المسألة الثالثة: على أنَّ الأخ من الأم إذا كان ابن عم يرث بالفرض والتعصيب.
فروى سعيد بن منصور من طريق حكيم بن غفّال قال: أتي شُريح في امرأةٍ تركت ابني عمّها أحدهما زوجها، والآخر أخوها لأمّها (١) فجعل للزّوج النّصف والباقي للأخ من الأمّ، فأتوا عليّاً فذكروا له ذلك فأرسل إلى شُريح فقال: ما قضيت أبكتاب الله أو بسنّةٍ من رسول الله؟ فقال: بكتاب الله قال: أين؟ قال: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله) قال: فهل قال للزّوج النّصف وللأخ ما بقي؟ ثمّ أعطى الزّوج النّصف وللأخ من الأمّ السّدس ثمّ
стр. 2553
قسم ما بقي بينهما.
وأخرج يزيد بن هارون والدّارميّ من طريق الحارث قال: أُتي عليٌّ في ابني عمٍّ أحدهما أخٌ لأمٍّ فقيل له: إنّ عبد الله كان يعطي الأخ للأمّ المال كله، فقال: يرحمه الله إن كان لفقيهاً، ولو كنت أنا لأعطيت الأخ من الأمّ السّدس , ثمّ قسمت ما بقي بينهما.
قال ابن بطّال: وافق عليّاً زيد بن ثابتٍ والجمهور.
وقال عمر وابن مسعود: جميع المال - يعني الذي يبقى بعد نصيب الزّوج - للذي جمع القرابتين فله السّدس بالفرض، والثّلث الباقي بالتّعصيب، وهو قول الحسن وأبي ثور وأهل الظّاهر.
واحتجّوا بالإجماع في أخوين أحدهما شقيق والآخر لأبٍ أنّ الشّقيق يستوعب المال لكونه أقرب بأمٍّ.
وحجّة الجمهور: ما أشار إليه البخاريّ في حديث أبي هريرة الذي أورده في الباب بلفظ " فمن مات وترك مالاً فماله لموالي العصبة " والمراد بموالي العصبة بنو العمّ، فسوّى بينهم ولَم يفضّل أحداً على أحدٍ.
وكذا قال أهل التّفسير في قوله: (وإنّي خفت الموالي من ورائي) أي بني العمّ.
فإن احتجّوا بحديث ابن عبّاس " فما تركت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكرٍ ".
فالجواب: أنّهما من جهة التّعصيب سواء، والتّقدير ألحقوا
стр. 2554
الفرائض بأهلها. أي: أعطوا أصحاب الفروض حقّهم فإن بقي شيء فهو للأقرب، فلمّا أخذ الزّوج فرضه والأخ من الأمّ فرضه صار ما بقي موروثاً بالتّعصيب، وهما في ذلك سواء.
وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للأمّ أحدهم ابن عمّ أنّ للثّلاثة الثّلث والباقي لابن العمّ.
стр. 2555
الحديث السادس والأربعون
٣٠٢ - عن أسامة بن زيدٍ ﵁ , قال: قلت: يا رسولَ الله، أتنزل غداً في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ، أو دورٍ، ثم قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم. (١)
قوله: (أتنزل غداً في دارك بمكة؟) وللشيخين من طريق محمّد بن أبي حفصة عن الزّهريّ " أين تنزل غداً؟ " فكأنّه استفهمه أوّلاً عن مكان نزوله , ثمّ ظنّ أنّه ينزل في داره فاستفهمه عن ذلك.
وظاهر هذه القصّة أنّ ذلك كان حين أراد دخول مكّة.
ويزيده وضوحاً رواية زمعة بن صالح (٢) عن الزّهريّ بلفظ: لَمَّا كان يوم الفتح قبل أن يدخل النّبيّ ﷺ مكّة. قيل: أين تنزل. أفي بيوتكم؟ الحديث.
وروى عليّ بن المدينيّ عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمّد بن عليّ بن حسين. قال: قيل للنّبيّ ﷺ حين قدم مكّة: أين
стр. 2556
تنزل؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من طلّ.
قوله: (وهل ترك لنا عقيل؟) في رواية يونس عن الزهري عند البخاري " هل ترك عقيل؟ "
قوله: (من رباع أو دور) الرّباع جمع ربع - بفتح الرّاء وسكون الموحّدة - وهو المنزل المشتمل على أبيات.
وقيل: هو الدّار. فعلى هذا فقوله " أو دور " إمّا للتّأكيد أو من شكّ الرّاوي. وفي رواية محمّد بن أبي حفصة " من منزل "
وأخرج هذا الحديث الفاكهيّ من طريق محمّد بن أبي حفصة. وقال في آخره: ويقال إنّ الدّار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثمّ صارت لعبد المطّلب ابنه فقسمها بين ولده حين عُمّر، فمِن ثَمّ صار للنّبيّ ﷺ حقّ أبيه عبد الله وفيها ولد النّبيّ ﷺ .
وفي رواية يونس " وكان عقيلٌ ورث أبا طالبٍ هو وطالبٌ، ولَم يرثه جعفرٌ ولا عليٌّ ﵄ شيئاً , لأنّهما كانا مسلمين، وكان عقيلٌ وطالبٌ كافرين.
محصّل هذا. أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا هاجر استولى عقيل وطالب على الدّار كلّها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لَم يسلما، وباعتبار ترك النّبيّ ﷺ لحقّه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدرٍ فباع عقيل الدّار كلّها.
وحكى الفاكهيّ: أنّ الدّار لَم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمّد بن يوسف أخي الحجّاج بمائة ألف دينار , وزاد في روايته من طريق محمّد بن أبي حفصة " فكان عليّ بن الحسين يقول من أجل ذلك:
стр. 2557
تركنا نصيبنا من الشّعب " أي حصّة جدّهم عليّ من أبيه أبي طالب.
وقال الدّاوديّ وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، وأمضى النّبيّ ﷺ تصرّفات الجاهليّة تأليفاً لقلوب من أسلم منهم.
وقال الخطّابيّ: وعندي أنّ تلك الدّار إن كانت قائمة على ملك عقيل فإنّما لَم ينزلها رسول الله ﷺ , لأنّها دور هجروها في الله تعالى. فلم يرجعوا فيما تركوه.
وتعقّب: بأنّ سياق الحديث يقتضي أنّ عقيلاً باعها، ومفهومه أنّه لو تركها لنزلها.
والأظهر أنّ الذي يختصّ بالتّرك إنّما هو إقامة المهاجر في البلد التي هاجر منها. لا مجرّد نزوله في دار يملكها إذا أقام المدّة المأذون له فيها وهي أيّام.
ويمكن أن يقال: لَمَّا أقرّ النّبيّ ﷺ عقيلاً على تصرّفه فيما كان لأخويه عليّ وجعفر وللنّبيّ ﷺ من الدّور والرّباع بالبيع وغيره , ولَم يغيّر النّبيّ ﷺ ذلك , ولا انتزعها ممّن هي في يده لَمَّا ظفر ,كان في ذلك دلالة على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في يده بطريق الأولى.
وقال القرطبيّ: يحتمل أن يكون مراد البخاريّ , أنّ النّبيّ ﷺ منّ على أهل مكّة بأموالهم ودورهم من قبل أن يسلموا، فتقرير من أسلم يكون بطريق الأولى.
стр. 2558
تكميل: قال البخاري " باب إذا أسلم قوم في دار الحرب. ولهم مال وأرضون فهي لهم " انتهى
أشار بذلك إلى الرّدّ على مَن قال من الحنفيّة: إنّ الحربيّ إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتّى غلب المسلمون عليها فهو أحقّ بجميع ماله إلَّا أرضه وعقاره فإنّها تكون فيئاً للمسلمين.
وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور.
ويوافق التّرجمة حديثٌ أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجليّ , قال: فرّ قوم من بني سُليم عن أرضهم فأخذتها، فأسلموا , وخاصموني إلى النّبيّ ﷺ ، فردّها عليهم قال: إذا أسلم الرّجل فهو أحقّ بأرضه وماله.
مسألة: أخرج ابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة قال: توفّي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تُدعى رباع مكّة إلَّا السّوائب، من احتاج سكن. وفي إسناده انقطاع وإرسال.
وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء، قال عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أنّ عمر نهى أن تبوّب دور مكّة , لأنّها ينزل الحاجّ في عرصاتها، فكان أوّل من بوّب داره سهيل بن عمرو , واعتذر عن ذلك لعمر.
وروى الطّحاويّ من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد , أنّه قال: مكّة مباح، لا يحلّ بيع رباعها ولا إجارة بيوتها.
وروى عبد الرّزّاق من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن
стр. 2559
عمر: لا يحلّ بيع بيوت مكّة ولا إجارتها. وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختلف عن محمّد.
وبالجواز قال الجمهور. واختاره الطّحاويّ.
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحّته , بحمله على ما سيجمع به ما اختلف عن عمر في ذلك.
واحتجّ الشّافعيّ بحديث أسامة في هذا الباب.
قال الشّافعيّ: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه , وبقوله ﷺ عام الفتح " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". فأضاف الدّار إليه.
واحتجّ ابن خزيمة بقوله تعالى (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) فنسب الله الدّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدّيار ليست بملكٍ لهم لَمَّا كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملكٍ لهم، قال: ولو كانت الدّور التي باعها عقيل لا تملك لكان جعفر وعليّ أولى بها إذ كانا مسلمين دونه.
وروى عبد الرزاق والبيهقي , أنَّ عمر أنّه اشترى داراً للسّجن بمكّة.
ولا يعارض ما جاء عن نافع عن ابن عمر عن عمر , أنّه كان ينهى أن تُغلق دور مكّة في زمن الحاجّ. أخرجه عبد بن حميدٍ.
وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن منصور عن مجاهد إنّ عمر قال: يا أهل مكّة لا تتّخذوا لدوركم أبواباً، لينزل البادي حيث شاء، وقد جاء من وجه آخر عن عمر.
стр. 2560
فيجمع بينهما: بكراهة الكراء رفقاً بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشّراء، وإلى هذا جنح الإمام أحمد وآخرون. واختلف عن مالك في ذلك.
قال القاضي إسماعيل: ظاهر القرآن يدلّ على أنّ المراد به المسجد الذي يكون فيه النّسك والصّلاة لا سائر دور مكّة.
وقال الأبهريّ: لَم يختلف قول مالك وأصحابه في أنّ مكّة فتحت عنوة، واختلفوا هل منّ بها على أهلها لعظم حرمتها أو أقرّت للمسلمين؟ ومن ثَمَّ جاء الاختلاف في بيع دورها والكراء.
والرّاجح عند مَن قال: إنّها فتحت عنوة , أنّ النّبيّ ﷺ منّ بها على أهلها فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك. ذكره السّهيليّ وغيره.
وليس الاختلاف في ذلك ناشئاً عن هذه المسألة.
فقد اختلف أهل التّأويل في المراد بقوله هنا " المسجد الحرام ". هل هو الحرم كلّه أو مكان الصّلاة فقط؟.
واختلفوا أيضاً هل المراد بقوله " سواء " في الأمن والاحترام , أو فيما هو أعمّ من ذلك؟.
وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضاً.
قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى (سواء العاكف فيه والباد) جميع الحرم , وأنّ اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم. لَمَا جاز حفر بئر , ولا قبر , ولا التّغوّط , ولا البول , ولا إلقاء الجيف والنّتن.