تنزل؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من طلّ.
قوله: (وهل ترك لنا عقيل؟) في رواية يونس عن الزهري عند البخاري " هل ترك عقيل؟ "
قوله: (من رباع أو دور) الرّباع جمع ربع - بفتح الرّاء وسكون الموحّدة - وهو المنزل المشتمل على أبيات.
وقيل: هو الدّار. فعلى هذا فقوله " أو دور " إمّا للتّأكيد أو من شكّ الرّاوي. وفي رواية محمّد بن أبي حفصة " من منزل "
وأخرج هذا الحديث الفاكهيّ من طريق محمّد بن أبي حفصة. وقال في آخره: ويقال إنّ الدّار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثمّ صارت لعبد المطّلب ابنه فقسمها بين ولده حين عُمّر، فمِن ثَمّ صار للنّبيّ ﷺ حقّ أبيه عبد الله وفيها ولد النّبيّ ﷺ .
وفي رواية يونس " وكان عقيلٌ ورث أبا طالبٍ هو وطالبٌ، ولَم يرثه جعفرٌ ولا عليٌّ ﵄ شيئاً , لأنّهما كانا مسلمين، وكان عقيلٌ وطالبٌ كافرين.
محصّل هذا. أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا هاجر استولى عقيل وطالب على الدّار كلّها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لَم يسلما، وباعتبار ترك النّبيّ ﷺ لحقّه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدرٍ فباع عقيل الدّار كلّها.
وحكى الفاكهيّ: أنّ الدّار لَم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمّد بن يوسف أخي الحجّاج بمائة ألف دينار , وزاد في روايته من طريق محمّد بن أبي حفصة " فكان عليّ بن الحسين يقول من أجل ذلك:
стр. 2557
تركنا نصيبنا من الشّعب " أي حصّة جدّهم عليّ من أبيه أبي طالب.
وقال الدّاوديّ وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، وأمضى النّبيّ ﷺ تصرّفات الجاهليّة تأليفاً لقلوب من أسلم منهم.
وقال الخطّابيّ: وعندي أنّ تلك الدّار إن كانت قائمة على ملك عقيل فإنّما لَم ينزلها رسول الله ﷺ , لأنّها دور هجروها في الله تعالى. فلم يرجعوا فيما تركوه.
وتعقّب: بأنّ سياق الحديث يقتضي أنّ عقيلاً باعها، ومفهومه أنّه لو تركها لنزلها.
والأظهر أنّ الذي يختصّ بالتّرك إنّما هو إقامة المهاجر في البلد التي هاجر منها. لا مجرّد نزوله في دار يملكها إذا أقام المدّة المأذون له فيها وهي أيّام.
ويمكن أن يقال: لَمَّا أقرّ النّبيّ ﷺ عقيلاً على تصرّفه فيما كان لأخويه عليّ وجعفر وللنّبيّ ﷺ من الدّور والرّباع بالبيع وغيره , ولَم يغيّر النّبيّ ﷺ ذلك , ولا انتزعها ممّن هي في يده لَمَّا ظفر ,كان في ذلك دلالة على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في يده بطريق الأولى.
وقال القرطبيّ: يحتمل أن يكون مراد البخاريّ , أنّ النّبيّ ﷺ منّ على أهل مكّة بأموالهم ودورهم من قبل أن يسلموا، فتقرير من أسلم يكون بطريق الأولى.
стр. 2558
تكميل: قال البخاري " باب إذا أسلم قوم في دار الحرب. ولهم مال وأرضون فهي لهم " انتهى
أشار بذلك إلى الرّدّ على مَن قال من الحنفيّة: إنّ الحربيّ إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتّى غلب المسلمون عليها فهو أحقّ بجميع ماله إلَّا أرضه وعقاره فإنّها تكون فيئاً للمسلمين.
وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور.
ويوافق التّرجمة حديثٌ أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجليّ , قال: فرّ قوم من بني سُليم عن أرضهم فأخذتها، فأسلموا , وخاصموني إلى النّبيّ ﷺ ، فردّها عليهم قال: إذا أسلم الرّجل فهو أحقّ بأرضه وماله.
مسألة: أخرج ابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة قال: توفّي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تُدعى رباع مكّة إلَّا السّوائب، من احتاج سكن. وفي إسناده انقطاع وإرسال.
وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء، قال عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أنّ عمر نهى أن تبوّب دور مكّة , لأنّها ينزل الحاجّ في عرصاتها، فكان أوّل من بوّب داره سهيل بن عمرو , واعتذر عن ذلك لعمر.
وروى الطّحاويّ من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد , أنّه قال: مكّة مباح، لا يحلّ بيع رباعها ولا إجارة بيوتها.
وروى عبد الرّزّاق من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن
стр. 2559
عمر: لا يحلّ بيع بيوت مكّة ولا إجارتها. وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختلف عن محمّد.
وبالجواز قال الجمهور. واختاره الطّحاويّ.
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحّته , بحمله على ما سيجمع به ما اختلف عن عمر في ذلك.
واحتجّ الشّافعيّ بحديث أسامة في هذا الباب.
قال الشّافعيّ: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه , وبقوله ﷺ عام الفتح " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". فأضاف الدّار إليه.
واحتجّ ابن خزيمة بقوله تعالى (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) فنسب الله الدّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدّيار ليست بملكٍ لهم لَمَّا كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملكٍ لهم، قال: ولو كانت الدّور التي باعها عقيل لا تملك لكان جعفر وعليّ أولى بها إذ كانا مسلمين دونه.
وروى عبد الرزاق والبيهقي , أنَّ عمر أنّه اشترى داراً للسّجن بمكّة.
ولا يعارض ما جاء عن نافع عن ابن عمر عن عمر , أنّه كان ينهى أن تُغلق دور مكّة في زمن الحاجّ. أخرجه عبد بن حميدٍ.
وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن منصور عن مجاهد إنّ عمر قال: يا أهل مكّة لا تتّخذوا لدوركم أبواباً، لينزل البادي حيث شاء، وقد جاء من وجه آخر عن عمر.
стр. 2560
فيجمع بينهما: بكراهة الكراء رفقاً بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشّراء، وإلى هذا جنح الإمام أحمد وآخرون. واختلف عن مالك في ذلك.
قال القاضي إسماعيل: ظاهر القرآن يدلّ على أنّ المراد به المسجد الذي يكون فيه النّسك والصّلاة لا سائر دور مكّة.
وقال الأبهريّ: لَم يختلف قول مالك وأصحابه في أنّ مكّة فتحت عنوة، واختلفوا هل منّ بها على أهلها لعظم حرمتها أو أقرّت للمسلمين؟ ومن ثَمَّ جاء الاختلاف في بيع دورها والكراء.
والرّاجح عند مَن قال: إنّها فتحت عنوة , أنّ النّبيّ ﷺ منّ بها على أهلها فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك. ذكره السّهيليّ وغيره.
وليس الاختلاف في ذلك ناشئاً عن هذه المسألة.
فقد اختلف أهل التّأويل في المراد بقوله هنا " المسجد الحرام ". هل هو الحرم كلّه أو مكان الصّلاة فقط؟.
واختلفوا أيضاً هل المراد بقوله " سواء " في الأمن والاحترام , أو فيما هو أعمّ من ذلك؟.
وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضاً.
قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى (سواء العاكف فيه والباد) جميع الحرم , وأنّ اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم. لَمَا جاز حفر بئر , ولا قبر , ولا التّغوّط , ولا البول , ولا إلقاء الجيف والنّتن.
стр. 2561
قال: ولا نعلم عالماً منع من ذلك , ولا كره لحائضٍ ولا لجنبٍ دخول الحرم ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكّة وحوانيتها , ولا يقول بذلك أحد. والله أعلم.
قلت: والقول بأنّ المراد بالمسجد الحرام الحرم كلّه ورد عن ابن عبّاس وعطاء ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلّها إليهم ضعيفة.
قوله: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) في رواية محمد بن أبي حفصة عند البخاري بلفظ " المؤمن " في الموضعين.
وأخرجه النّسائيّ من رواية هشيم عن الزّهريّ بلفظ " لا يتوارث أهل ملتين " وجاءت رواية شاذّة عن ابن عيينة عن الزّهريّ مثلها.
وله شاهد عند التّرمذيّ من حديث جابر , وآخر من حديث عائشة عند أبي يعلى , وثالث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه في السّنن الأربعة. وسند أبي داود فيه إلى عمرو صحيحٌ
قال ابن المنذر: ذهب الجمهور إلى الأخذ بما دلَّ عليه عموم حديث أسامة يعني المذكور في هذا الباب إلَّا ما جاء عن معاذ , قال: يرث المسلم من الكافر من غير عكس.
واحتجّ: بأنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: الإسلام يزيد ولا ينقص. وهو حديث أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم من طريق يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدّؤليّ عنه.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
стр. 2562
وتعقّب: بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ , ولكنّ سماعه منه ممكنٌ، وقد زعم الجوزقانيّ: أنّه باطل. وهي مجازفة.
وقال القرطبيّ في " المفهم ": هو كلام محكيٌّ ولا يروى.
كذا قال، وقد رواه من قدّمت ذكره , فكأنّه ما وقف على ذلك.
وأخرج أحمد بن منيع بسندٍ قويٍّ عن معاذ , أنّه كان يورّث المسلم من الكافر بغير عكس.
وأخرج مسدّد عنه , أنّ أخوين اختصما إليه: مسلم ويهوديّ مات أبوهما يهوديّاً فحاز ابنه اليهوديّ ماله , فنازعه المسلم. فورّث معاذٌ المسلمَ.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن معقل , قال: ما رأيت قضاء أحسن من قضاءٍ قضى به معاوية: نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما يحلّ النّكاح فيهم ولا يحلّ لهم " وبه قال مسروق وسعيد بن المسيّب وإبراهيم النّخعيّ وإسحاق.
وحجّة الجمهور: أنّه قياس في معارضة النّصّ , وهو صريح في المراد , ولا قياس مع وجوده.
وأمّا الحديث فليس نصّاً في المراد , بل هو محمول على أنّه يفضل غيره من الأديان ولا تعلق له بالإرث.
وقد عارضه قياسٌ آخر , وهو أنّ التّوارث يتعلق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى (لا تتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض) وبأنّ الذّمّيّ يتزوّج الحربيّة ولا يرثها،
стр. 2563
وأيضاً فإنّ الدّليل ينقلب فيما لو قال الذّمّيّ: أرِثُ المسلمَ لأنّه يتزوّج إلينا.
وفيه قول ثالث: وهو الاعتبار بقسمة الميراث.
جاء ذلك عن عمر وعثمان وعن عكرمة والحسن وجابر بن زيد. وهو رواية عن أحمد.
قلت: ثبت عن عمر خلافه كما روى البخاري , فإنّ فيه بعد ذِكْر حديث الباب مطوّلاً في ذكر عقيل بن أبي طالب , فكان عمر يقول: فذكر المتن المذكور هنا سواء.
وتمسّك بها (١) مَن قال: لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة، وحملها الجمهور على أنّ المراد بإحدى الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر , فيكون مساوياً للرّواية التي بلفظ حديث الباب، وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها حتّى يمتنع على اليهوديّ مثلاً أن يرث من النّصرانيّ.
والأصحّ عند الشّافعيّة , أنّ الكافر يرث الكافر. وهو قول الحنفيّة والأكثر.
ومقابله عن مالكٍ وأحمد، وعنه , التّفرقة بين الذّمّيّ والحربيّ. وكذا عند الشّافعيّة.
стр. 2564
وعن أبي حنيفة: لا يتوارث حربيّ من ذمّيّ فإن كانا حربيّين شرط أن يكونا من دار واحدة.
وعند الشّافعيّة لا فرق، وعندهم وجه كالحنفيّة.
وعن الثّوريّ وربيعة وطائفة: الكفر ثلاث ملل يهوديّة ونصرانيّة وغيرهم فلا ترث ملة من هذه من ملة من الملتين.
وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة: كلّ فريق من الكفّار ملة. فلم يورّثوا مجوسيّاً من وثنيٍّ ولا يهوديّاً من نصرانيّ.
وهو قول الأوزاعيّ، وبالغ فقال: ولا يرث أهل نحلةٍ من دينٍ واحدٍ أهل نحلةٍ أخرى منه كاليعقوبيّة والملكيّة من النّصارى.
واختلف في المرتدّ.
القول الأول: قال الشّافعيّ وأحمد: يصير ماله إذا مات فيئاً للمسلمين.
القول الثاني: قال مالك: يكون فيئاً إلَّا إن قصد بردّته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم، وكذا قال في الزّنديق.
القول الثالث: عن أبي يوسف ومحمّد لورثته المسلمين.
القول الرابع: عن أبي حنيفة ما كَسَبَه قبل الرّدّة لورثته المسلمين , وبعد الرّدّة لبيت المال.
القول الخامس: عن بعض التّابعين كعلقمة يستحقّه أهل الدّين الذي انتقل إليه.
القول السادس: عن داود يختصّ بورثته من أهل الدّين الذي انتقل
стр. 2565
إليه , ولَم يفصّل.
فالحاصل من ذلك ستّة مذاهب حرّرها الماورديّ.
واحتجّ القرطبيّ في " المفهم " لمذهبه بقوله تعالى (لكلٍّ جعلنا شرعة ومنهاجاً) فهي ملل متعدّدة وشرائع مختلفة.
قال: وأمّا ما احتجّوا به في قوله تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتّى تتّبع ملتهم) فوحّد الملة , فلا حجّة فيه , لأنّ الوحدة في اللفظ وفي المعنى الكثرة , لأنّه أضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل: أخذ عن علماء الدّين علمهم , يريد: علم كلٍّ منهم.
قال: واحتجّوا بقوله (قل يا أيّها الكافرون) إلى آخرها.
والجواب: أنّ الخطاب بذلك وقع لكفّار قريش وهم أهل وثنٍ.
وأمّا ما أجابوا به عن حديث " لا يتوارث أهل ملتين ": بأنّ المراد ملة الكفر وملة الإسلام.
فالجواب عنه: بأنّه إذا صحّ في حديث أسامة فمردود في حديث غيره.
واستدل بقوله " لا يرث الكافر المسلم " على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد , لأنّ قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) عامّ في الأولاد , فخصّ منه الولد الكافر فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور.
وأجيب: بأنّ المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على وفقه كان التّخصيص بالإجماع لا بالخبر فقط.
стр. 2566
قلت: لكن يحتاج من احتجّ في الشّقّ الثّاني به إلى جواب.
وقد قال بعض الحذّاق: طريق العامّ هنا قطعيّ ودلالته على كلّ فردٍ ظنّيّةٌ , وطريق الخاصّ هنا ظنّيّةٌ , ودلالته عليه قطعيّةٌ فيتعادلان، ثمّ يترجّح الخاصّ بأنّ العمل به يستلزم الجمع بين الدّليلين المذكورين بخلاف عكسه.
стр. 2567
الحديث السابع والأربعون
٣٠٣ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته. (١)
قوله: (عن ابن عمر) اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتّى قال مسلم لَمَّا أخرجه في " صحيحه ": النّاس في هذا الحديث عيالٌ عليه.
وقال التّرمذيّ بعد تخريجه: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَّا من حديث عبد الله بن دينار. رواه عنه سعيدٌ وسفيان ومالكٌ، ويروى عن شعبة أنّه قال: وددت أنّ عبد الله بن دينار لَمَّا حدّث بهذا الحديث أذن لي حتّى كنت أقوم إليه فأقبّل رأسه.
قال التّرمذيّ: وروى يحيى بن سليمٍ عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار.
قلت: وصل روايةَ يحيى بن سليم ابنُ ماجه، ولَم ينفرد به يحيى بن سليمٍ فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الأمويّ كلاهما عن عبيد الله بن عمر , أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " من طريقهما , لكن قرن كلٌ منهما نافعاً بعبد الله بن دينار.
وأخرجه ابن حبّان في الثّقات في ترجمة أحمد بن أبي أوفى. وساقه
стр. 2568
من طريقه عن شعبة عن عبد الله بن دينار وعمرو بن دينار جميعاً عن ابن عمر.
وقال: عمرو بن دينار غريب.
وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهانيّ بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار. فأورده عن خمسة وثلاثين نفساً ممّن حدّث به عن عبد الله بن دينار , منهم من الأكابر: يحيى بن سعيد الأنصاريّ وموسى بن عقبة ويزيد بن الهاد وعبيد الله العمريّ وهؤلاء من صغار التّابعين.
وممّن دونهم مسعر والحسن بن صالح بن حيّ وورقاء وأيّوب بن موسى وعبد الرّحمن بن عبد الله بن دينار. وعبد العزيز بن مسلم وأبو أويس، وممّن لَم يقع له ابن جريجٍ وهو عند أبي عوانة وسليمان بن بلال، وهو عند مسلم وأحمد بن حازم المغافريّ في " جزء الهرويّ " من طريق الطّبرانيّ.
وفي رواية الإسماعيليّ من طريق أحمد بن سنان عن عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن شعبة وسفيان عن ابن دينار , سمعت ابن عمر.
وفي رواية أبي داود الحفريّ عن سفيان عند الإسماعيليّ , سمعت ابن عمر. وكذا في البخاري من رواية شعبة.
وفي مسند الطّيالسيّ عن شعبة. قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم، سأله ابنه عنه، وذكره أبو عوانة عن بهز بن أسد عن شعبة , قلت لابن دينار: أنت سمعته من ابن عمر؟ قال: نعم , وسأله ابنه حمزة عنه، وكذا وقع في رواية عفّان
стр. 2569
عن شعبة عند أبي نعيم.
وأخرجه من وجه آخر أنّ شعبة قال: قلت لابن دينار: والله لقد سمعتَ ابن عمر يقول هذا؟ فيحلف له.
وقيل لابن عيينة: إنّ شعبة يستحلف عبد الله بن دينار، قال: لكنّا لَم نستحلفه , سمعته منه مراراً روّيناه في مسند الحميديّ عن سفيان، وأخرجه الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " من طريق الحسن بن زيادٍ اللؤلؤي عن مالك عن ابن دينار عن حمزة بن عبد الله بن عمر , أنّه سأل أباه عن شراء الولاء. فذكر الحديث.
فهذا ظاهره أنّ ابن دينار لَم يسمعه من ابن عمر. وليس كذلك.
وقال ابن العربيّ في " شرح التّرمذيّ ": تفرّد بهذا الحديث عبد الله بن دينار وهو من الدّرجة الثّانية من الخبر , لأنّه لَم يذكر لفظ النّبيّ ﷺ , وكأنّه نقل معنى قول النّبيّ ﷺ " إنّما الولاء لمن أعتق ".
قلت: ويؤيّده أنّ ابن عمر روى هذا الحديث عن عائشة في قصّة بريرة كما مضى (١) لكن جاءت عنه صيغة الحديث من وجه آخر , أخرجه النّسائيّ وأبو عوانة من طريق الليث عن يحيى بن أيّوب عن مالك. ولفظه " سمعت النّبيّ ﷺ ينهى عن بيع الولاء وعن هبته ".
ووقع في رواية محمّد بن أبي سليمان التي أشرت إليها بلفظ " الولاء لا يباع ولا يوهب " , وفي رواية عتبان بن عبيد عن شعبة مثله ذكره
стр. 2570
أبو نعيم، وزاد محمّد بن سليمان الخرّاز في السّند عن ابن عمر: عن عمر. فوهِم أخرجه الدّارقطنيّ أيضاً. وضعّفه.
واتّفق جميع مَن ذكرنا على هذا اللفظ.
وخالفهم أبو يوسف القاضي. فرواه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ " الولاء لحمةٌ كلحمة النّسب " أخرجه الشّافعيّ , ومن طريقه الحاكم ثمّ البيهقيّ، وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف وبين ابن دينار عبيدَ الله بنَ عمر , أخرجه أبو يعلى في " مسنده " عنه، وأخرجه ابن حبّان في " صحيحه " عن أبي يعلى.
وأخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين عن بشر. فزاد في المتن " لا يباع ولا يوهب " ومن طريق عبد الله بن نافع عن عبد الله بن دينار " إنّما الولاء نسبٌ لا يصحّ بيعه ولا هبته ".
والمحفوظ في هذا. ما أخرجه عبد الرّزّاق عن الثّوريّ عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب موقوفاً عليه " الولاء لحمةٌ كلحمة النّسب ".
وكذا ما أخرجه البزّار والطّبرانيّ من طريق سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس عن أبيه عن جدّه رفعه " الولاء ليس بمنتقلٍ ولا متحوّلٍ " وفي سنده المغيرة بن جميل. وهو مجهول.
نعم. عن ابن عبّاس من قوله (١): الولاء لمن أعتق. لا يجوز بيعه ,
стр. 2571
ولا هبته.
قوله: (نهى عن بيع الولاء وهبته) الولاء بالفتح والمدّ: حقّ ميراث المعتق من المعتَق بالفتح.
وفيه حديث عائشة في قصّة بريرة " فإنّما الولاء لمن أعتق " ووجه الدّلالة منه حصره في المعتق فلا يكون لغيره معه منه شيء.
قال الخطّابيّ: لَمَّا كان الولاء كالنّسب كان من أعتق ثبت له الولاء كمن ولد له ولد ثبت له نسبه؛ فلو نسب إلى غيره لَم ينتقل نسبه عن والده، وكذا إذا أراد نقل ولائه عن محله لَم ينتقل.
وقال ابن بطّال: أجمع العلماء على أنّه لا يجوز تحويل النّسب فإذا كان حكم الولاء حكم النّسب فكما لا ينتقل النّسب لا ينتقل الولاء، وكانوا في الجاهليّة ينقلون الولاء بالبيع وغيره. فنهى الشّرع عن ذلك.
وقال ابن عبد البرّ: اتّفق الجماعة على العمل بهذا الحديث , إلَّا ما روي عن ميمونة , أنّها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عبّاس. وروى عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن عطاء: يجوز للسّيّد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء.
واستدل بقوله ﷺ : من تولَّى قوماً بغير إذن مواليه. فعليه لعنة الله
стр. 2572
والملائكة لا يقبل منه عدلٌ ولا صرفٌ (١). لكن لَم يجعل الإذن شرطاً لجواز الادّعاء، وإنّما هو لتأكيد التّحريم، لأنّه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ذلك، قاله الخطّابيّ وغيره.
ويحتمل: أن يكون كنّى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثّاني وهو غير مولاه الأوّل.
أو المراد: موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلَّا بإذنٍ.
وقال البيضاويّ: الظّاهر أنّه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله " من ادّعى إلى غير أبيه " والجمع بينهما بالوعيد، فإنّ العتق من حيث إنّه لحمة كلحمة النّسب، فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدّعيّ الذي تبرّأ عمّن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحقّ به الدّعاء عليه بالطّرد والإبعاد عن الرّحمة.
ثمّ أجاب عن الإذن بنحو ما تقدّم , وقال: ليس هو للتّقييد، وإنّما هو للتّنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حقّ مواليه. فأورد الكلام على ما هو الغالب.
ويحتمل: أن يكون قول " من تولى " شاملاً للمعنى الأعمّ من الموالاة، وأنّ منها مطلق النّصرة والإعانة والإرث، ويكون قوله " بغير إذن مواليه " يتعلق بمفهومه بما عدا الميراث، ودليل إخراجه
стр. 2573
حديث " إنّما الولاء لمن أعتق " والله أعلم.
وكأنّ البخاريّ لحَظَ هذا , فعقّب الحديث بحديث ابن عمر في النّهي عن بيع الولاء وعن هبته، فإنّه يؤخذ منه عدم اعتبار الإذن في ذلك بطريق الأولى، لأنّه إذا منع السّيّد من بيع الولاء مع ما تحصّل له من العوض ومن هبته مع ما يحصل له من المانّة بذلك. فمنعه من الإذن بغير عوضٍ ولا مانّة أولى، وهو مندرجٌ في الهبة.
قال ابن بطّالٍ: وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء.
قال: ويحمل حديث عليّ على أنّه جرى على الغالب مثل قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ) , وقد أجمعوا على أنّ قتل الولد حرامٌ. سواء خشي الإملاق أم لا، وهو منسوخٌ بحديث النّهي عن بيع الولاء وعن هبته.
وقال ابن بطّال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء , وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء. وكذا عن ابن عبّاس , ولعلهم لَم يبلغهم الحديث.
قلت: قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان , فأخرج عبد الرّزّاق عنه , أنّه كان يقول: أيبيع أحدكم نسبه؟ , ومن طريق عليّ: الولاء شعبةٌ من النّسب، ومن طريق جابر , أنّه أنكر بيع الولاء وهبته، ومن طريق عطاء , أنّ ابن عمر كان ينكره.
ومن طريق عطاء عن ابن عبّاس: لا يجوز. وسنده صحيح , ومن ثَمَّ فصّلوا في النّقل عن ابن عبّاس بين البيع والهبة.
стр. 2574
وقال ابن العربيّ: معنى " الولاء لحمة كلحمة النّسب " أنّ الله أخرجه بالحرمة إلى النّسب حكماً كما أنّ الأب أخرجه بالنّطفة إلى الوجود حسّاً , لأنّ العبد كان كالمعدوم في حقّ الأحكام لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سيّده بالحرّيّة إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلمّا شابه حكم النّسب أنيط بالمعتق فلذلك جاء " إنّما الولاء لمن أعتق " وألحق برتبة النّسب فنهي عن بيعه وهبته.
وقال القرطبيّ: استدل للجمهور بحديث الباب، ووجه الدّلالة أنّه أمرٌ وجوديٌّ لا يتأتّى الانفكاك عنه كالنّسب، فكما لا تنتقل الأبوّة والجدودة فكذلك لا ينتقل الولاء، إلَّا أنّه يصحّ في الولاء جرماً يترتّب عليه من الميراث كما لو تزوّج عبدٌ معتقة آخر فولد له منها ولد , فإنّه ينعقد حرّاً لحرّيّة أمّه فيكون ولاؤه لمواليها لو مات في تلك الحالة، ولو أعتق السّيّد أباه قبل موت الولد فإنّ ولاءه ينتقل إذا مات لمعتق أبيه اتّفاقاً. انتهى.
وهذا لا يقدح في الأصل المذكور أنّ " الولاء لحمةٌ كلحمة النّسب " , لأنّ التّشبيه لا يستلزم التّسوية من كل وجهٍ.
واختلف فيمن اشترى نفسه من سيّده كالمكاتب.
فالجمهور: على أنّ ولاءه لسيّده , وقيل: لا ولاء عليه.
وفي ولاء من أعتق سائبة.
стр. 2575
الحديث الثامن والأربعون
٣٠٤ - عن عائشة ﵂، قالت: كان في بريرة ثلاث سنن، خيّرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحمٌ، فدخل عليّ رسول الله ﷺ والبُرمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأدمٍ من أدم البيت، فقال: ألَمْ أر البُرمة على النار فيها لحمٌ؟ فقالوا: بلى يا رسولَ الله، ذلك لحمٌ تصدّق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: هو عليها صدقةٌ، وهو لنا منها هديّةٌ، وقال النبيّ ﷺ فيها: إنما الولاء لمن أعتق. (١)
قوله: (كان في بريرة) تقدّم ذكرها وضبط اسمها (٢).
وقيل: إنّها نبطيّة بفتح النّون والموحّدة:
وقيل: إنّها قِبطة بكسر القاف وسكون الموحّدة.
وقيل: إنّ اسم أبيها صفوان , وأنّ له صحبة.
стр. 2576
واختلف في مواليها. ففي رواية أسامة بن زيد عن عبد الرّحمن بن القاسم (١) عن القاسم عن عائشة , أنّ بريرة كانت لناسٍ من الأنصار.
وكذا عند النّسائيّ من رواية سماك (٢) عن عبد الرّحمن.
ووقع في بعض الشّروح لآل أبي لهب , وهو وهمٌ من قائله. انتقل وهمه من أيمن (٣) أحد رواة قصّة بريرة عن عائشة إلى بريرة.
وقيل: لآل بني هلال. أخرجه التّرمذيّ من رواية جرير عن هشام بن عروة.
قوله: (ثلاث سنن) في رواية هشام بن عروة عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عند مسلم " ثلاث قضيّات ".
وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد وأبي داود " قضى فيها النّبيّ ﷺ أربع قضيّات " فذكر نحو حديث عائشة. وزاد " وأمرَهَا أن تعتدّ عدّة الحرّة " أخرجه الدّارقطنيّ.
وهذه الزّيادة لَم تقع في حديث عائشة. فلذلك اقتصرت على ثلاث، لكن أخرج ابن ماجه من طريق الثّوريّ عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: أُمرت بريرة أن تعتدّ بثلاث حيض.
стр. 2577
وهذا مثل حديث ابن عبّاس في قوله " تعتدّ عدّة الحرّة ".
ويخالف ما وقع في رواية أخرى عن ابن عبّاس " تعتدّ بحيضةٍ " , ومَن قال الخلع فسخ , قال: تعتدّ بحيضةٍ، وهنا ليس اختيار العتيقة نفسها طلاقاً فكان القياس أن تعتدّ بحيضةً، لكنّ الحديث الذي أخرجه ابن ماجه على شرط الشّيخين , بل هو في أعلى درجات الصّحّة.
وقد أخرج أبو يعلى والبيهقيّ من طريق أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ جعل عدّة بريرة عدّة المطلقة. وهو شاهدٌ قويٌّ، لأنّ أبا معشر - وإن كان فيه ضعف - لكن يصلح في المتابعات.
وأخرج ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين , أنّ الأمة إذا أعتقت تحت العبد فطلاقها طلاق عبد , وعدّتها عدّة حرّة.
وقد صنّف العلماء في قصّة بريرة تصانيف، وبعضهم أوصلها إلى أربعمائة فائدة، ولا يخالف ذلك قول عائشة " ثلاث سنن " , لأنّ مراد عائشة ما وقع من الأحكام فيها مقصوداً خاصّة، لكن لَمَّا كان كلّ حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمّة , وقع التّكثّر من هذه الحيثيّة.
وانضمّ إلى ذلك ما وقع في سياق القصّة غير مقصود، فإنّ في ذلك أيضاً فوائد تؤخذ بطريق التّنصيص أو الاستنباط، أو اقتصر على
стр. 2578
الثّلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها وما عداها إنّما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنّها أهمّ والحاجة إليها أمسّ.
قال القاضي عياض: معنى ثلاث أو أربع أنّها شرعت في قصّتها، وما يظهر فيها ممّا سوى ذلك فكان قد علم من غير قصّتها، وهذا أولى من قول مَن قال: ليس في كلام عائشة حصرٌ، ومفهوم العدد ليس بحجّةٍ وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك.
قوله: (خيّرت على زوجها حين عتقت) في رواية ربيعة عن القاسم عند البخاري " أنّها أعتقت فخيّرت " زاد في رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة عند البخاري " في أن تقرّ تحت زوجها أو تفارقه ". وتقرّ بفتح وتشديد الرّاء. أي: تدوم.
قال ابن التّين: يصحّ أن يكون أصله من وقر فتكون الرّاء مخفّفة يعني والقاف مكسورة، يقال وقرت أقرّ إذا جلست مستقرّاً , والمخذوف فاء الفعل.
قال: ويصحّ أن تكون القاف مفتوحة - يعني مع تشديد الرّاء - من قولهم قررت بالمكان أقرّ، يقال: بفتح القاف ويجوز بكسرها من قريقر. انتهى ملخّصاً.
والثّالث هو المحفوظ في الرّواية.
وللبخاري من طريق الأسود عن عائشة: فدعاها النّبيّ ﷺ فخيّرها من زوجها فاختارت نفسها. وفي رواية للدّارقطنيّ من طريق
стр. 2579
أبان بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ قال لبريرة: اذهبي فقد عتق معك بضعك.
زاد ابن سعد من طريق الشّعبيّ مرسلاً " فاختاري " ولمسلم من رواية سماك عن عبد الرحمن بن القاسم " وخيّرها رسول الله ﷺ وكان زوجها عبداً "
وللبخاري في " الفرائض " عن حفص بن عمر عن شعبة عن الحكم عن النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة. وزاد في آخره " قال الحكم: وكان زوجها حرّاً ".
ثمّ أورده بعده من طريق منصور عن إبراهيم عن الأسود , أنّ عائشة فساق نحو سياق الباب. وزاد فيه " وخيّرت فاختارت نفسها , وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه، قال الأسود: وكان زوجها حرّاً ".
قال البخاريّ: قول الأسود منقطع، وقول ابن عبّاس " رأيته عبداً " (١) أصحّ. وقال في الذي قبله في قول الحكم نحو ذلك، ورواه البخاري عن آدم عن شعبة. ولَم يسق لفظه , لكن قال " وزاد: فخيّرت من زوجها ".
وقد أورده في الزّكاة عن آدم بهذا الإسناد. فلم يذكر هذه الزّيادة.
стр. 2580
وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن آدم - شيخ البخاريّ فيه - فجعل الزّيادة من قول إبراهيم. ولفظه في آخره " قال الحكم: قال إبراهيم: وكان زوجها حرّاً فخيّرت من زوجها ".
فظهر أنّ هذه الزّيادة مدرجة وحَذَفَها في الزّكاة لذلك، وإنّما أوردها في الطلاق مشيراً إلى أنّ أصل التّخيير في قصّة بريرة ثابت من طريق أخرى.
وقد قال الدّارقطنيّ في " العلل ": لَم يختلف على عروة عن عائشة أنّه كان عبداً، وكذا قال جعفر بن محمّد بن عليّ عن أبيه عن عائشة، وأبو الأسود وأسامة بن زيد عن القاسم.
قلت: وقع لبعض الرّواة فيه غلطٌ، فأخرج قاسم بن أصبغ في " مصنّفه " وابن حزم من طريقه , قال: أنبأنا أحمد بن يزيد المعلم حدّثنا موسى بن معاوية عن جرير عن هشام عن أبيه عن عائشة " كان زوج بريرة حرّاً ".
وهذا وهْمٌ من موسى أو من أحمد، فإنّ الحفّاظ من أصحاب هشام , ومن أصحاب جرير قالوا: كان عبداً، منهم إسحاق بن راهويه. وحديثه عن النّسائيّ، وعثمان بن أبي شيبة. وحديثه عند أبي داود، وعليّ بن حجر. وحديثه عند التّرمذيّ، وأصله عند مسلم. وأحال به على رواية أبي أسامة عن هشام. وفيه " أنّه كان عبداً ".
قال الدّارقطنيّ: وكذا قال أبو معاوية عن هشّام بن عروة عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه.
стр. 2581
قلت: ورواه شعبة عن عبد الرّحمن. فقال: كان حرّا، ثمّ رجع عبد الرّحمن فقال: ما أدري، كما عند البخاري.
قال الدّارقطنيّ: وقال عمران بن حدير عن عكرمة عن عائشة: كان حرّاً. وهو وهْمٌ.
قلت: في شيئين , في قوله " حرّ " وفي قوله " عائشة "، وإنّما هو من رواية عكرمة عن ابن عبّاس، ولَم يختلف على ابن عبّاس في أنّه كان عبداً، وكذا جزم به التّرمذيّ عن ابن عمر , وحديثه عند الشّافعيّ والدّارقطنيّ وغيرهما. وكذا أخرجه النّسائيّ من حديث صفيّة بنت أبي عبيد , قالت: كان زوج بريرة عبداً. وسنده صحيح.
وقال النّوويّ: يؤيّد قول مَن قال إنّه " كان عبداً " قول عائشة " كان عبداً، ولو كان حرّاً لَم يخيّرها "، فأخبرت وهي صاحبة القصّة بأنّه كان عبداً، ثمّ علَّلت بقولها " ولو كان حرّاً لَم يخيّرها " ومثل هذا لا يكاد أحدٌ يقوله إلَّا توقيفاً.
وتعقّب: بأنّ هذه الزّيادة في رواية جرير عن هشام بن عروة في آخر الحديث، وهي مدرجة من قول عروة (١)، بيّن ذلك في رواية مالك وأبي داود والنّسائيّ.
نعم. وقع في رواية أسامة بن زيد عن عبد الرّحمن بن القاسم (٢)
стр. 2582
عن أبيه عن عائشة قالت: كانت بريرة مكاتبة لأناسٍ من الأنصار , وكانت تحت عبد .. الحديث. أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقيّ، وأسامة فيه مقال.
وأمّا دعوى أنّ ذلك لا يقال إلَّا بتوقيفٍ , فمردودة فإنّ للاجتهاد فيه مجالاً.
قال الدّارقطنيّ: وقال إبراهيم عن الأسود عن عائشة: كان حرّاً.
قلت: وأصرح ما رأيته في ذلك رواية أبي معاوية حدّثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حرّاً فلمّا عتقت خيّرت. لحديث. أخرجه أحمد عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إدريس عن الأعمش بهذا السّند عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حرّاً. ومن وجه آخر عن النّخعيّ عن الأسود , أنّ عائشة حدّثته , أنّ زوج بريرة كان حرّاً حين أعتقت.
فدلَّت الرّوايات المفصّلة التي قدّمتها آنفاً على أنّه مدرج من قول الأسود أو من دونه , فيكون من أمثلة ما أدرج في أوّل الخبر وهو نادر , فإنّ الأكثر أن يكون في آخره ودونه أن يقع في وسطه.
وعلى تقدير أن يكون موصولاً فترجّح رواية مَن قال: كان عبداً بالكثرة، وأيضاً فآلُ المرء أعرف بحديثه، فإنّ القاسم ابن أخي عائشة وعروة ابن أختها وتابعهما غيرهما. فروايتهما أولى من رواية الأسود
стр. 2583
فإنّهما أقعد بعائشة , وأعلم بحديثها. والله أعلم.
ويترجّح أيضاً: بأنّ عائشة كانت تذهب إلى أنّ الأمة إذا عتقت تحت الحرّ لا خِيَار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيّون عنها , فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعوا ما روي عنها لا سيّما وقد اختلف عنها فيه.
وادّعى بعضهم: أنّه يمكن الجمع بين الرّوايتين بحمل قول مَن قال كان عبداً على اعتبار ما كان عليه ثمّ أعتق، فلذلك قال مَن قال: كان حرّاً.
ويردّ هذا الجمع ما تقدّم من قول عروة: كان عبداً ولو كان حرّاً لَم تخيّر " وأخرجه التّرمذيّ بلفظ " أنّ زوج بريرة كان عبداً أسود يوم أعتقت ". فهذا يعارض الرّواية المتقدّمة عن الأسود.
ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون مَن قال: كان حرّاً. أراد ما آل إليه أمره، وإذا تعارضا إسناداً واحتمالاً احتيج إلى التّرجيح , ورواية الأكثر يرجّح بها , وكذلك الأحفظ وكذلك الألزم، وكلّ ذلك موجود في جانب مَن قال: كان عبداً.
وقد اختلف العلماء في الأمة إذا كانت تحت حرّ فعتقت.
القول الأول: ذهب الجمهور إلى عدم الخِيَار.
القول الثاني: ذهب الكوفيّون إلى إثبات الخِيَار لمن عتقت سواء كانت تحت حرّ أم عبد.
وتمسّكوا بحديث الأسود بن يزيد عن عائشة " أنّ زوج بريرة كان
стр. 2584
حرّاً " , وقد اختلف فيه على راويه. هل هو من قول الأسود أو رواه عن عائشة أو هو قول غيره؟ كما تقدّم.
قال إبراهيم بن أبي طالب أحدُ حفّاظ الحديث - وهو من أقران مسلم - فيما أخرجه البيهقيّ عنه: خالف الأسودُ النّاسَ في زوج بريرة.
وقال الإمام أحمد: إنّما يصحّ أنّه كان حرّاً عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصحّ عن ابن عبّاس وغيره أنّه كان عبداً، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئاً وعملوا به فهو أصحّ شيء، وإذا عتقت الأمة تحت الحرّ فعقدها المتّفق على صحّته لا يفسخ بأمرٍ مختلف فيه. انتهى
وحاول بعض الحنفيّة ترجيح رواية مَن قال " كان حرّاً " على رواية مَن قال " كان عبداً " فقال: الرّقّ تعقبه الحرّيّة بلا عكس. انتهى
وهو كما قال، لكنّ محلّ طريق الجمع إذا تساوت الرّوايات في القوّة , أمّا مع التّفرّد في مقابلة الاجتماع , فتكون الرّواية المنفردة شاذّة والشّاذّ مردود، ولهذا لَم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الرّوايتين , مع قولهم: إنّه لا يصار إلى التّرجيح مع إمكان الجمع.
والذي يتحصّل من كلام محقّقيهم , وقد أكثر منه الشّافعيّ ومن تبعه , أنّ محلّ الجمع إذا لَم يظهر الغلط في إحدى الرّوايتين.
ومنهم من شرط التّساوي في القوّة.
قال ابن بطّالٍ: أجمع العلماء أنّ الأمة إذا عتقت تحت عبد فإنّ لها
стр. 2585
الخِيَار، والمعنى فيه ظاهر , لأنّ العبد غير مكافئ للحرّة في أكثر الأحكام، فإذا عتقت ثبت لها الخِيَار من البقاء في عصمته أو المفارقة لأنّها في وقت العقد عليها لَم تكن من أهل الاختيار.
واحتجّ مَن قال: إنّ لها الخِيَار ولو كانت تحت حرّ , بأنّها عند التّزويج لَم يكن لها رأي لاتّفاقهم على أنّ لمولاها أن يزوّجها بغير رضاها , فإذا عتقت تجدّد لها حال لَم يكن قبل ذلك.
وعارضهم الآخرون: بأنّ ذلك لو كان مؤثّراً لثبت الخِيَار للبكر إذا زوّجها أبوها ثمّ بلغت رشيدة , وليس كذلك. فكذلك الأمة تحت الحرّ , فإنّه لَم يحدث لها بالعتق حال ترتفع به عن الحرّ فكانت كالكتابيّة تسلم تحت المسلم.
واختلف في التي تختار الفراق. هل يكون ذلك طلاقاً أو فسخاً؟.
القول الأول: قال مالك والأوزاعيّ والليث: تكون طلقةً بائنةً، وثبت مثله عن الحسن وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة.
القول الثاني: قال الباقون: يكون فسخاً لا طلاقاً.
قوله: (ودخل عليّ ﷺ ) زاد في رواية إسماعيل بن جعفر " بيت عائشة ".
قوله: (والبُرمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأدمٍ من أدم البيت) في رواية ربيعة " والبرمة تفور بلحمٍ، فقرّب إليه خبز وأدم " وفي رواية إسماعيل بن جعفر " فدعا بالغداء فأتي بخبزٍ ".
والأدم: بضمّ الهمزة والدّال المهملة ويجوز إسكانها، جمع إدام.
стр. 2586
وقيل: هو بالإسكان المفرد , وبالضّمّ الجمع.
وحكى ابن بطّالٍ عن الطّبريّ قال: دلَّت القصّة على إيثاره ﷺ اللحم إذا وجد إليه السّبيل. ثمّ ذكر حديث بريدة (١) رفعه " سيّد الإدام في الدّنيا والآخرة اللحم ".
وأمّا ما ورد عن عمر وغيره من السّلف من إيثار أكل غير اللحم على اللحم , فإمّا لقمع النّفس عن تعاطي الشّهوات والإدمان عليها، وإمّا لكراهة الإسراف والإسراع في تبذير المال لقلة الشّيء عندهم إذ ذاك.
ثمّ ذكر حديث جابر: لَمَّا أضاف النّبيّ ﷺ وذبح له الشّاة، فلمّا قدّمها إليه قال له: كأنّك قد علمت حبّنا للحم. وكان ذلك لقلة الشّيء عندهم فكان حبّهم له لذلك. انتهى ملخّصاً.
وحديث بريدة. أخرجه ابن ماجه (٢)، وحديث جابر. أخرجه أحمد مطوّلاً من طريق نبيح العنزيّ عنه، وأصله في " الصّحيح " بدون الزّيادة.
وقد اختلف النّاس في الأدم:
стр. 2587
فالجمهور أنّه ما يؤكل به الخبز بما يطيّبه. سواء كان مرقاً أم لا.
واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطباغ (١).
قال ابن بطّال: دلَّ هذا الحديث على أنّ كلّ شيء في البيت ممّا جرت العادة بالائتدام به يسمّى أدماً , مائعاً كان أو جامداً. وكذا حديث " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة وإدامهم زائدة كبد الحوت " (٢). وحديث يوسف بن عبد الله بن سلام: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرةً من خبز شعيرٍ فوضع عليها تمرة، وقال: هذه إدام هذه. أخرجه أبو داود والتّرمذيّ بسندٍ حسنٍ.
قال ابن القصّار: لا خلاف بين أهل اللسان , أنّ من أكل خبزاً بلحمٍ مشويٍّ أنّه ائتدم به، فلو قال: أكلت خبزاً بلا إدامٍ كذب، وإن قال: أكلت خبزاً بإدامٍ صدق، وأمّا قول الكوفيّين: الإدام اسمٌ للجمع بين الشّيئين فدلَّ على أنّ المراد أن يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعاً له بأن تتداخل أجزاؤه في أجزائه، وهذا لا يحصل إلَّا بما يصطبغ به.
فقد أجاب من خالفهم: بأنّ الكلام الأوّل مسلَّمٌ , لكنّ دعوى
стр. 2588
التّداخل لا دليل عليه قبل التّناول، وإنّما المراد الجمع ثمّ الاستهلاك بالأكل فيتداخلان حينئذٍ.
قوله: (أَلَم أر البرمة على النار فيها لحمٌ؟ فقالوا: بلى يا رسولَ الله، ذلك لحمٌ تصدّق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه) في رواية ربيعة " ولكن ذاك لحم تصدّق به على بريرة , وأنت لا تأكل الصّدقة ".
ووقع في رواية الأسود عن عائشة في البخاري " وأتي النّبيّ ﷺ بلحمٍ , فقالوا: هذا ما تصدّق به على بريرة " وكذا في حديث أنس في البخاري.
ويجمع بينهما: بأنّه لَمَّا سأل عنه , أُتي به وقيل له ذلك.
ووقع في رواية عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة عند البخاري " فأهدي لها لحمٌ فقيل هذا تصدّق به على بريرة " فإن كان الضّمير لبريرة , فكأنّه أطلق على الصّدقة عليها هديّة لها، وإن كان لعائشة فلأنّ بريرة لَمَّا تصدّقوا عليها باللحم أهدت منه لعائشة.
ويؤيّده ما وقع في رواية أسامة بن زيد عن القاسم عند أحمد وابن ماجه " ودخل عليّ رسول الله ﷺ والمِرجل يفور بلحمٍ، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: أهدته لنا بريرة وتصدّق به عليها ".
وعند أحمد ومسلم من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة " وكان النّاس يتصدّقون عليها فتهدي لنا ".
стр. 2589
واللحم المذكور وقع في بعض الشّروح أنّه كان لحم بقر.
وفيه نظرٌ. (١)
بل جاء عن عائشة " تصدّق على مولاتي بشاةٍ من الصّدقة " (٢) فهو أولى أن يؤخذ به، ووقع بعد قوله " هو عليها صدقة ولنا هديّة " من رواية أبي معاوية المذكورة " فكلوه ".
قوله: (فقال: هو عليها صدقةٌ، وهو لنا منها هديّةٌ) قال ابن بطّال: إنّما كان النّبيّ ﷺ لا يأكل الصّدقة لأنّها أوساخ النّاس، ولأنّ أخذ الصّدقة منزلة ضعة، والأنبياء منزّهون عن ذلك , لأنّه ﷺ كان كما وصفه الله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى) والصّدقة لا تحل للأغنياء. وهذا بخلاف الهديّة فإنّ العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه.
وفيه أنّ الصّدقة يجوز فيها تصرّف الفقير الذي أعطيها بالبيع والهديّة وغير ذلك.
стр. 2590
وفيه إشارة إلى أنّ أزواج النّبيّ ﷺ لا تحرم عليهنّ الصّدقة كما حرمت عليه، لأنّ عائشة قبلت هديّة بريرة مع علمها بأنّها كانت صدقة عليهما، وظنّت استمرار الحكم بذلك عليها , ولهذا لَم تُقدّمها للنّبيّ ﷺ لِعلمها أنّه لا تحل له الصّدقة، وأقرّها ﷺ على ذلك الفهم , ولكنّه بيّن لها أنّ حكم الصّدقة فيها قد تحوّل فحلَّت له ﷺ أيضاً.
قوله: (إنما الولاء لمن أعتق) تقدّم بيان سببها مستوفىً (١).
وللبخاري من رواية سفيان عن منصورٍ عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ " الولاء لمن أعطى الورق، وولي النّعمة " وقد ذكره أصحاب منصور كأبي عوانة بلفظ " إنّما الولاء لمن أعتق " وكذلك ذكره أصحاب إبراهيم كالحكم والأعمش , وأصحاب الأسود , وأصحاب عائشة. وكلّها في الكتب السّتّة.
وتفرّد الثّوريّ. وتابعه جرير عن منصور بهذا اللفظ.
فيحتمل: أن يكون منصور رواه لهما بالمعنى. وقد تفرّد الثّوريّ بزيادة قوله " وولي النّعمة ".
ومعنى قوله " أعطى الورق " أي: الثّمن، وإنّما عبّر بالورق , لأنّه الغالب، ومعنى قوله " وولي النّعمة " أعتق، ومطابقته لقوله " الولاء لمن أعتق " أنّ صحّة العتق تستدعي سبق ملكٍ , والملك يستدعي ثبوت العوض
стр. 2591
قال ابن بطّال: هذا الحديث يقتضي أنّ الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى وهو مجمعٌ عليه، وأمّا جرّ الولاء فقال الأبهريّ:
ليس بين الفقهاء اختلاف أنّه ليس للنّساء من الولاء إلَّا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن، إلَّا ما جاء عن مسروقٍ أنّه قال: لا يختصّ الذّكور بولاء من أعتق آباؤهم بل الذّكور والإناث فيه سواءٌ كالميراث.
ونقل ابن المنذر عن طاوسٍ مثله، وعليه اقتصر سحنون فيما نقله ابن التّين.
وتعقّب: الحصر الذي ذكره الأبهريّ تبعًا لسحنون وغيره , بأنّه يرد عليه ولد الإناث من ولد من أعتقن.
قال: والعبارة السّالمة أن يقال إلَّا ما أعتقن أو جرّه إليهنّ من أعتقن بولادةٍ أو عتقٍ، احترازًا ممّن لها ولد من زنًا , أو كانت ملاعنة , أو كان زوجها عبدًا. فإنّ ولاء ولد هؤلاء كلهنّ لمعتق الأمّ.
والحجّة للجمهور اتّفاق الصّحابة، ومن حيث النّظر , أنّ المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من التّعصيب، فاختصّ بالولاء من يستوعب المال وهو الذّكر , وإنّما ورثن من أعتقن؛ لأنّه عن مباشرةٍ لا عن جرّ الإرث.
واستدل بقوله " الولاء لمن أعطى الورق " على مَن قال فيمن أعتق عن غيره بوصيّةٍ من المعتق عنه أنّ الولاء للمعتق عملاً بعموم قوله " الولاء لمن أعتق ".
стр. 2592
وموضع الدّلالة منه قوله " الولاء لمن أعطى الورق " فدلَّ على أنّ المراد بقوله " لمن أعتق " لمن كان من عتق في ملكه حين العتق لا لمن باشر العتق فقط.
ويستفاد منه أنّ كلمة " إنّما " تفيد الحصر. وإلَّا لَمَا لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره وهو الذي أريد من الخبر.
ويؤخذ منه أنّه لا ولاء للإنسان على أحد بغير العتق فينتفي من أسلم على يده أحدٌ.
وقد أخرج البخاريّ في " تاريخه " وأبو داود وابن أبي عاصم والطّبرانيّ والباغنديّ في " مسند عمر بن عبد العزيز " بالعنعنة كلّهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عبيد الله بن موهب يحدّث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الدّاريّ قال: قلت: يا رسولَ الله. ما السُّنّة في الرّجل يسلم على يدي رجل من المسلمين؟ قال: هو أولى النّاس بمحياه ومماته.
قال البخاريّ: قال بعضهم: عن ابن موهب سمع تميماً. ولا يصحّ , لقول النّبيّ ﷺ " الولاء لمن أعتق "
وقال الشّافعيّ: هذا الحديث ليس بثابتٍ , إنّما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب، وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقي تميماً , ومثل هذا لا يثبت.
وقال الخطّابيّ: ضعّف أحمدُ هذا الحديث.
وأخرجه أحمد والدّارميّ والتّرمذيّ والنّسائيّ من رواية وكيع
стр. 2593
وغيره عن عبد العزيز عن ابن موهب عن تميم. وصرّح بعضهم بسماع ابن موهب من تميم.
وأمّا التّرمذيّ فقال: ليس إسناده بمتّصلٍ. قال: وأدخل بعضهم بين ابن موهب وبين تميم قبيصةَ. رواه يحيى بن حمزة.
قلت: ومن طريقه أخرجه مَن بدأت بذكره، وقال بعضهم: إنّه تفرّد فيه بذكر قبيصة، وقد رواه أبو إسحاق السّبيعيّ عن ابن موهب بدون ذكر تميم. أخرجه النّسائيّ أيضاً.
وقال ابن المنذر: هذا الحديث مضطربٌ: هل هو عن ابن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة؟ وقال بعض الرّواة فيه: عن عبد الله بن موهب , وبعضهم: ابن موهب، وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ.
قلت: هو من رجال البخاريّ , ولكنّه ليس بالمكثر، وأمّا ابن موهب فلم يدرك تميماً، وقد أشار النّسائيّ إلى أنّ الرّواية التي وقع التّصريح فيها بسماعه من تميم خطأ.
ولكن وثّقه بعضهم، وكان عمر بن عبد العزيز ولاه القضاء، ونقل أبو زرعة الدّمشقيّ في " تاريخه " بسندٍ له صحيحٍ عن الأوزاعيّ , أنّه كان يدفع هذا الحديث، ولا يرى له وجهاً.
وصحّح هذا الحديث أبو زرعة الدّمشقيّ , وقال: هو حديث حسن المخرج متّصل. وإلى ذلك أشار البخاريّ بقوله: واختلفوا في صحّة هذا الخبر، وجزم في " التّاريخ " بأنّه لا يصحّ لمعارضته حديث " إنّما الولاء لمن أعتق "
стр. 2594
ويؤخذ منه , أنّه لو صحّ سنده لَمَا قاوم هذا الحديث، وعلى التّنزّل فتردّد في الجمع , هل يخصّ عموم الحديث المتّفق على صحّته بهذا فيستثنى منه من أسلم أو تؤوّل الأولويّة في قوله " أولى النّاس " بمعنى النّصرة والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراث , ويبقى الحديث المتّفق على صحّته على عمومه؟.
جنح الجمهور إلى الثّاني , ورجحانه ظاهرٌ، وبه جزم ابن القصّار فيما حكاه ابن بطّال فقال: لو صحّ الحديث لكان تأويله أنّه أحقّ بموالاته في النّصر والإعانة والصّلاة عليه إذا مات ونحو ذلك، ولو جاء الحديث بلفظ أحقّ بميراثه لوجب تخصيص الأوّل. والله أعلم.
قال ابن المنذر: قال الجمهور بقول الحسن في ذلك.
وقال حمّاد وأبو حنيفة وأصحابه , وروي عن النّخعيّ: أنّه يستمرّ إن عقل عنه، وإن لَم يعقل عنه فله أن يتحوّل لغيره , واستحقّ الثّاني وهلمّ جرّاً.
وعن النّخعيّ قولٌ آخر: ليس له أن يتحوّل.
وعنه. إن استمرّ إلى أن مات تحوّل عنه، وبه قال إسحاق وعمر بن عبد العزيز.
ووقع ذلك في طريق الباغنديّ التي أسلفتها، وفي غيرها أنّه أعطى رجلاً أسلم على يديه رجل فمات وترك مالاً وبنتاً نصف المال الذي بقي بعد نصيب البنت.
ويؤخذ منه. أنّه لا ولاء للملتقط وهو قول الجمهور خلافاً
стр. 2595
لإسحاق، لأنّ من لَم يعتق لا ولاء له , لأنّ العتق يستدعي سبق ملكٍ واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط؛ لأنّ الأصل في النّاس الحرّيّة؛ إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون ابن حرّةٍ فلا يسترقّ أو ابن أمة قومٍ فميراثه لهم، فإذا جهل وضع في بيت المال، ولا رقّ عليه للذي التقطه.
وجاء عن عليّ " أنّ اللقيط مولى من شاء "، وبه قال الحنفيّة: إلى أن يعقل عنه فلا ينتقل بعد ذلك عمّن عقل عنه.
ويؤخذ منه أنه ولاء لمن حالف إنساناً خلافاً لطائفةٍ من السّلف، وبه قال أبو حنيفة
ويؤخذ من عمومه , أنّ الحربيّ لو أعتق عبداً ثمّ أسلما , أنّه يستمرّ ولاؤه له , وبه قال الشّافعيّ.
وقال ابن عبد البرّ: إنّه قياس قول مالك، ووافق على ذلك أبو يوسف، وخالف أصحابه. فإنّهم قالوا للعتيق في هذه الصّورة: أن يتولى من يشاء.
تنبيهٌ: أورد البخاريّ هذا الحديث في الأطعمة من طريق إسماعيل بن جعفر عن ربيعة عن القاسم بن محمّد قال: كان في بريرة ثلاث سنن. وساق الحديث. وليس فيه أنّه أسنده عن عائشة.
وتعقّبه الإسماعيليّ فقال: هذا الحديث الذي صحَّحه مرسل.
وهو كما قال من ظاهر سياقه، لكنّ البخاريّ اعتمد على إيراده موصولاً من طريق مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة في النّكاح