قال ابن بطّال: هذا الحديث يقتضي أنّ الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى وهو مجمعٌ عليه، وأمّا جرّ الولاء فقال الأبهريّ:
ليس بين الفقهاء اختلاف أنّه ليس للنّساء من الولاء إلَّا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن، إلَّا ما جاء عن مسروقٍ أنّه قال: لا يختصّ الذّكور بولاء من أعتق آباؤهم بل الذّكور والإناث فيه سواءٌ كالميراث.
ونقل ابن المنذر عن طاوسٍ مثله، وعليه اقتصر سحنون فيما نقله ابن التّين.
وتعقّب: الحصر الذي ذكره الأبهريّ تبعًا لسحنون وغيره , بأنّه يرد عليه ولد الإناث من ولد من أعتقن.
قال: والعبارة السّالمة أن يقال إلَّا ما أعتقن أو جرّه إليهنّ من أعتقن بولادةٍ أو عتقٍ، احترازًا ممّن لها ولد من زنًا , أو كانت ملاعنة , أو كان زوجها عبدًا. فإنّ ولاء ولد هؤلاء كلهنّ لمعتق الأمّ.
والحجّة للجمهور اتّفاق الصّحابة، ومن حيث النّظر , أنّ المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من التّعصيب، فاختصّ بالولاء من يستوعب المال وهو الذّكر , وإنّما ورثن من أعتقن؛ لأنّه عن مباشرةٍ لا عن جرّ الإرث.
واستدل بقوله " الولاء لمن أعطى الورق " على مَن قال فيمن أعتق عن غيره بوصيّةٍ من المعتق عنه أنّ الولاء للمعتق عملاً بعموم قوله " الولاء لمن أعتق ".
стр. 2592
وموضع الدّلالة منه قوله " الولاء لمن أعطى الورق " فدلَّ على أنّ المراد بقوله " لمن أعتق " لمن كان من عتق في ملكه حين العتق لا لمن باشر العتق فقط.
ويستفاد منه أنّ كلمة " إنّما " تفيد الحصر. وإلَّا لَمَا لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره وهو الذي أريد من الخبر.
ويؤخذ منه أنّه لا ولاء للإنسان على أحد بغير العتق فينتفي من أسلم على يده أحدٌ.
وقد أخرج البخاريّ في " تاريخه " وأبو داود وابن أبي عاصم والطّبرانيّ والباغنديّ في " مسند عمر بن عبد العزيز " بالعنعنة كلّهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عبيد الله بن موهب يحدّث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الدّاريّ قال: قلت: يا رسولَ الله. ما السُّنّة في الرّجل يسلم على يدي رجل من المسلمين؟ قال: هو أولى النّاس بمحياه ومماته.
قال البخاريّ: قال بعضهم: عن ابن موهب سمع تميماً. ولا يصحّ , لقول النّبيّ ﷺ " الولاء لمن أعتق "
وقال الشّافعيّ: هذا الحديث ليس بثابتٍ , إنّما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب، وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقي تميماً , ومثل هذا لا يثبت.
وقال الخطّابيّ: ضعّف أحمدُ هذا الحديث.
وأخرجه أحمد والدّارميّ والتّرمذيّ والنّسائيّ من رواية وكيع
стр. 2593
وغيره عن عبد العزيز عن ابن موهب عن تميم. وصرّح بعضهم بسماع ابن موهب من تميم.
وأمّا التّرمذيّ فقال: ليس إسناده بمتّصلٍ. قال: وأدخل بعضهم بين ابن موهب وبين تميم قبيصةَ. رواه يحيى بن حمزة.
قلت: ومن طريقه أخرجه مَن بدأت بذكره، وقال بعضهم: إنّه تفرّد فيه بذكر قبيصة، وقد رواه أبو إسحاق السّبيعيّ عن ابن موهب بدون ذكر تميم. أخرجه النّسائيّ أيضاً.
وقال ابن المنذر: هذا الحديث مضطربٌ: هل هو عن ابن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة؟ وقال بعض الرّواة فيه: عن عبد الله بن موهب , وبعضهم: ابن موهب، وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ.
قلت: هو من رجال البخاريّ , ولكنّه ليس بالمكثر، وأمّا ابن موهب فلم يدرك تميماً، وقد أشار النّسائيّ إلى أنّ الرّواية التي وقع التّصريح فيها بسماعه من تميم خطأ.
ولكن وثّقه بعضهم، وكان عمر بن عبد العزيز ولاه القضاء، ونقل أبو زرعة الدّمشقيّ في " تاريخه " بسندٍ له صحيحٍ عن الأوزاعيّ , أنّه كان يدفع هذا الحديث، ولا يرى له وجهاً.
وصحّح هذا الحديث أبو زرعة الدّمشقيّ , وقال: هو حديث حسن المخرج متّصل. وإلى ذلك أشار البخاريّ بقوله: واختلفوا في صحّة هذا الخبر، وجزم في " التّاريخ " بأنّه لا يصحّ لمعارضته حديث " إنّما الولاء لمن أعتق "
стр. 2594
ويؤخذ منه , أنّه لو صحّ سنده لَمَا قاوم هذا الحديث، وعلى التّنزّل فتردّد في الجمع , هل يخصّ عموم الحديث المتّفق على صحّته بهذا فيستثنى منه من أسلم أو تؤوّل الأولويّة في قوله " أولى النّاس " بمعنى النّصرة والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراث , ويبقى الحديث المتّفق على صحّته على عمومه؟.
جنح الجمهور إلى الثّاني , ورجحانه ظاهرٌ، وبه جزم ابن القصّار فيما حكاه ابن بطّال فقال: لو صحّ الحديث لكان تأويله أنّه أحقّ بموالاته في النّصر والإعانة والصّلاة عليه إذا مات ونحو ذلك، ولو جاء الحديث بلفظ أحقّ بميراثه لوجب تخصيص الأوّل. والله أعلم.
قال ابن المنذر: قال الجمهور بقول الحسن في ذلك.
وقال حمّاد وأبو حنيفة وأصحابه , وروي عن النّخعيّ: أنّه يستمرّ إن عقل عنه، وإن لَم يعقل عنه فله أن يتحوّل لغيره , واستحقّ الثّاني وهلمّ جرّاً.
وعن النّخعيّ قولٌ آخر: ليس له أن يتحوّل.
وعنه. إن استمرّ إلى أن مات تحوّل عنه، وبه قال إسحاق وعمر بن عبد العزيز.
ووقع ذلك في طريق الباغنديّ التي أسلفتها، وفي غيرها أنّه أعطى رجلاً أسلم على يديه رجل فمات وترك مالاً وبنتاً نصف المال الذي بقي بعد نصيب البنت.
ويؤخذ منه. أنّه لا ولاء للملتقط وهو قول الجمهور خلافاً
стр. 2595
لإسحاق، لأنّ من لَم يعتق لا ولاء له , لأنّ العتق يستدعي سبق ملكٍ واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط؛ لأنّ الأصل في النّاس الحرّيّة؛ إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون ابن حرّةٍ فلا يسترقّ أو ابن أمة قومٍ فميراثه لهم، فإذا جهل وضع في بيت المال، ولا رقّ عليه للذي التقطه.
وجاء عن عليّ " أنّ اللقيط مولى من شاء "، وبه قال الحنفيّة: إلى أن يعقل عنه فلا ينتقل بعد ذلك عمّن عقل عنه.
ويؤخذ منه أنه ولاء لمن حالف إنساناً خلافاً لطائفةٍ من السّلف، وبه قال أبو حنيفة
ويؤخذ من عمومه , أنّ الحربيّ لو أعتق عبداً ثمّ أسلما , أنّه يستمرّ ولاؤه له , وبه قال الشّافعيّ.
وقال ابن عبد البرّ: إنّه قياس قول مالك، ووافق على ذلك أبو يوسف، وخالف أصحابه. فإنّهم قالوا للعتيق في هذه الصّورة: أن يتولى من يشاء.
تنبيهٌ: أورد البخاريّ هذا الحديث في الأطعمة من طريق إسماعيل بن جعفر عن ربيعة عن القاسم بن محمّد قال: كان في بريرة ثلاث سنن. وساق الحديث. وليس فيه أنّه أسنده عن عائشة.
وتعقّبه الإسماعيليّ فقال: هذا الحديث الذي صحَّحه مرسل.
وهو كما قال من ظاهر سياقه، لكنّ البخاريّ اعتمد على إيراده موصولاً من طريق مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة في النّكاح
стр. 2596
والطّلاق، لكنّه جرى على عادته من تجنّب إيراد الحديث على هيئته , ومالكٌ أحفظ من إسماعيل وأتقن، وقد وافقه أسامة بن زيد وغير واحد عن القاسم.
وكذلك رواه عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، لكن صدّره بقصّة اشتراط الذين باعوها على عائشة أن يكون لهم الولاء.
وقد تقدّم مستوفىً.
وكذا رواه عروة وعمرة والأسود وأيمن المكّيّ عن عائشة، وكذا رواه نافع عن ابن عمر , أنّ عائشة، ومنهم مَن قال: عن ابن عمر عن عائشة.
وروى قصّةَ البرمة واللحم أنسٌ في البخاري، وروى ابن عبّاس قصّة تخييرها لَمَّا عتقت , وطرقه كلها صحيحةٌ.
وفي الحديث من الفوائد , أنَّ بيع الأمة المزوّجة ليس طلاقًا.
قال ابن بطّالٍ: اختلف السّلف هل يكون بيع الأمة طلاقًا؟.
القول الأول: فقال الجمهور: لا يكون بيعها طلاقًا.
القول الثاني: روي عن ابن مسعود وابن عبّاس وأبيّ بن كعب , ومن التّابعين عن سعيد بن المسيّب والحسن ومجاهد قالوا: يكون طلاقًا. وتمسّكوا بظاهر قوله تعالى (والمحصنات من النّساء إلَّا ما ملكت أيمانكم).
وحجّة الجمهور حديث الباب، وهو أنّ بريرة عتقت فخيّرت في زوجها، فلو كان طلاقها يقع بمجرّد البيع لَم يكن للتّخيير معنىً.
стр. 2597
ومن حيث النّظر: أنّه عقد على منفعة فلا يبطله بيع الرّقبة كما في العين المؤجّرة، والآية نزلت في المسبيّات فهنّ المراد بملك اليمين على ما ثبت في الصّحيح من سبب نزولها. انتهى ملخّصًا.
وما نقله عن الصّحابة. أخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاع، وفيه عن جابر وأنس أيضًا، وما نقله عن التّابعين فيه بأسانيد صحيحة، وفيه أيضًا عن عكرمة والشّعبيّ نحوه، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عبّاس بسندٍ صحيحٍ.
وروى حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا زوّج عبده بأمته فالطّلاق بيد العبد وإذا اشترى أمة لها زوج فالطّلاق بيد المشتري.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق الحسن قال: إباق العبد طلاقه.
وفيه أنّ عتقها ليس طلاقًا ولا فسخًا لثبوت التّخيير، فلو طلقت بذلك واحدة لكان لزوجها الرّجعة ولَم يتوقّف على إذنها، أو ثلاثًا لَم يقل لها لو راجعتيه لأنّها ما كانت تحلّ له إلَّا بعد زوج آخر.
وفيه اعتبار الكفاءة في الحرّيّة , وفيه سقوط الكفاءة برضا المرأة التي لا وليّ لها , وأنّ من خيّر امرأته فاختارت فراقه وقع وانفسخ النّكاح بينهما , وأنّها لو اختارت البقاء معه لَم ينقص عدد الطّلاق.
وأكثَرَ بعض من تكلم على حديث بريرة هنا في سرد تفاريع التّخيير , وأنّ بيعها لا يبيح لمشتريها وطأها , لأنّ تخييرها يدلّ على بقاء علقة
стр. 2598
العصمة.
وفيه تحريم الصّدقة على النّبيّ ﷺ مطلقًا , وجواز التّطوّع منها على ما يلحق به في تحريم صدقة الفرض كأزواجه ومواليه , وأنّ موالي أزواج النّبيّ ﷺ لا تحرم عليهنّ الصّدقة وإن حرمت على الأزواج.
وجواز أكل الغنيّ ما تصدّق به على الفقير إذا أهداه له وبالبيع أولى.
وجواز قبول الغنيّ هديّة الفقير , وفيه الفرق بين الصّدقة والهديّة في الحكم.
وفيه نصح أهل الرّجل له في الأمور كلها , وجواز أكل الإنسان من طعام من يسرّ بأكله منه ولو لَم يأذن له فيه بخصوصه.
وبأنّ الأمة إذا عتقت جاز لها التّصرّف بنفسها في أمورها ولا حجر لمعتقها عليها إذا كانت رشيدةً , وأنّها تتصرّف في كسبها دون إذن زوجها إن كان لها زوجٌ.
وفيه جواز الصّدقة على من يمونه غيره , لأنّ عائشة كانت تمون بريرة ولَم ينكر عليها قبولها الصّدقة.
وأنّ لمن أهدي لأهله شيءٌ أن يشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك لقوله " وهو لنا هديّةٌ ".
وأنّ من حرمت عليه الصّدقة جاز له أكل عينها إذا تغيّر حكمها.
وأنّه يجوز للمرأة أن تدخل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه وأن تتصرّف في بيته بالطّبخ وغيره بآلاته ووقوده.
стр. 2599
وجواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحل في العادة وأنّه ينبغي تعريفه بما يخشى توقّفه عنه.
وفيه. استحباب السّؤال عمّا يستفاد به علمٌ أو أدبٌ أو بيان حكمٍ أو رفع شبهةٍ وقد يجب , وسؤال الرّجل عمّا لَم يعهده في بيته , وأنّ هديّة الأدنى للأعلى لا تستلزم الإثابة مطلقًا , وقبول الهديّة وإن نزر قدرها جبرٌ للمهدي.
وأنّ الهديّة تملك بوضعها في بيت المهدي له ولا يحتاج إلى التّصريح بالقبول.
وأنّ لمن تصدّق عليه بصدقةٍ أن يتصرّف فيها بما شاء ولا ينقص أجر المتصدّق , وأنّه لا يجب السّؤال عن أصل المال الواصل إذا لَم يكن فيه شبهةٌ , ولا عن الذّبيحة إذا ذبحت بين المسلمين , وأنّ من تصدّق عليه قليلٌ لا يتسخّطه.
وفيه مشاورة المرأة زوجها في التّصرّفات , وسؤال العالم عن الأمور الدّينيّة وإعلام العالم بالحكم لمن رآه يتعاطى أسبابه ولو لَم يسأل , ومشاورة المرأة إذا ثبت لها حكم التّخيير في فراق زوجها أو الإقامة عنده , وأنّ على الذي يشاور بذل النّصيحة , وفيه جواز مخالفة المشير فيما يشير به في غير الواجب.
وفيه ثبوت الخِيَار للأَمَة إذا عتقت على التّفصيل المتقدّم , وأنّ خِيَارها يكون على الفور لقوله في بعض طرقه " إنّها عتقت فدعاها , فخيّرها فاختارت نفسها ".
стр. 2600
وللعلماء في ذلك أقوال:
أحدها: وهو قول الشّافعيّ , أنّه على الفور , وعنه: يمتدّ خِيَارها ثلاثًا.
وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم , وقيل: من مجلسها , وهما عن أهل الرّأي.
وقيل: يمتدّ أبدًا , وهو قول مالكٍ والأوزاعيّ وأحمد وأحد أقوال الشّافعيّ
واتّفقوا على أنّه إن مكّنته من وطئها سقط خِيَارها.
وتمسّك مَن قال به , بما جاء في بعض طرقه. وهو عند أبي داود من طريق ابن إسحاق بأسانيد عن عائشة , أنّ بريرة أعتقت. فذكر الحديث .. وفي آخره " إنْ قربكِ فلا خِيَار لك.
وروى مالكٌ بسندٍ صحيحٍ عن حفصة , أنّها أفتت بذلك. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله.
قال بن عبد البرّ: لا أعلم لهما مخالفًا من الصّحابة , وقال به جمعٌ من التّابعين منهم الفقهاء السّبعة.
واختلف فيما لو وطئها قبل علمها بأنّ لها الخِيَار , هل يسقط أو لا؟. على قولين للعلماء.
أصحّهما: عند الحنابلة لا فرق , وعند الشّافعيّة تعذر بالجهل , وفي رواية الدّارقطنيّ " إن وطئك فلا خِيَار لك ".
ويؤخذ من هذه الزّيادة , أنّ المرأة إذا وجدت بزوجها عيبًا , ثمّ
стр. 2601
مكّنته من الوطء بطل خِيَارها.
وفيه أنّ الخِيَار فسخٌ لا يملك الزّوج فيه رجعةٌ , وتمسّك مَن قال له الرّجعة بقول النّبيّ ﷺ : لو راجعته.
ولا حجّة فيه وإلا لَمَا كان لها اختيارٌ , فتعيّن حمل المراجعة في الحديث على معناها اللغويّ والمراد رجوعها إلى عصمته , ومنه قوله تعالى (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) مع أنّها في المطلق ثلاثًا
وفيه تسمية الأحكام سننًا وإن كان بعضها واجبًا , وأنّ تسمية ما دون الواجب سنّةً اصطلاحٌ حادثٌ.
وفيه أنّ للمعتق أن يقبل الهديّة من معتقه ولا يقدح ذلك في ثواب العتق , وجواز الهديّة لأهل الرّجل بغير استئذانه , وقبول المرأة ذلك حيث لا ريبة.
وفيه سؤال الرّجل عمّا لَم يعهده في بيته.
ولا يردُ على هذا ما رواه الشيخان في قصّة أمّ زرعٍ حيث وقع في سياق المدح " ولا يسأل عمّا عهد ". لأنّ معناه ولا يسأل عن شيءٍ عهده وفات فلا يقول لأهله: أين ذهب؟ وهنا سألهم النّبيّ ﷺ عن شيءٍ رآه وعاينه ثمّ أحضر له غيره فسأل عن سبب ذلك , لأنّه يعلم أنّهم لا يتركون إحضاره له شحًّا عليه , بل لتوهّم تحريمه فأراد أن يبيّن لهم الجواز.
وقال بن دقيق العيد: فيه دلالة. على تبسط الإنسان في السّؤال عن أحوال منزله , وما عهده فيه قبل. انتهى.
стр. 2602
والأوّل أظهر , وعندي أنّه مبنيٌّ على خلاف ما انبنى عليه الأوّل , لأنّ الأوّل بني على أنّه علم حقيقة الأمر في اللحم , وأنّه ممّا تصدّق به على بريرة.
والثّاني بني على أنّه لَم يتحقّق من أين هو؟ , فجائزٌ أن يكون ممّا أهدي لأهل بيته من بعض إلزامها كأقاربها مثلاً ولَم يتعيّن الأوّل.
وفيه أنّه لا يجب السّؤال عن أصل المال الواصل إليه إذا لَم يظنّ تحريمه أو تظهر فيه شبهةٌ , إذ لَم يسأل ﷺ عمّن تصدّق على بريرة , ولا عن حاله كذا قيل. وقد جاء أنّه ﷺ هو الذي أرسل إلى بريرة بالصّدقة فلم يتم هذا.
стр. 2603
كتاب النكاح
النّكاح في اللغة الضّمّ والتّداخل، وتجوّز مَن قال إنّه الضّمّ.
وقال الفرّاء: النّكح بضمٍّ ثمّ سكون اسم الفرج، ويجوز كسر أوّله وكثر استعماله في الوطء، وسمّى به العقد لكونه سببه.
قال أبو القاسم الزّجّاجيّ: هو حقيقة فيهما.
وقال الفارسيّ: إذا قالوا نكح فلانة أو بنتَ فلان فالمراد العقد، وإذا قالوا نكح زوجته فالمراد الوطء.
وقال آخرون: أصله لزوم شيء لشيءٍ مستعلياً عليه، ويكون في المحسوسات وفي المعاني، قالوا: نكح المطر الأرض. ونكح النّعاس عينه. ونكحت القمح في الأرض إذا حرثْتَها وبذرتَه فيها. ونكحت الحصاة أخفاف الإبل.
وفي الشّرع: حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصّحيح.
والحجّة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسّنّة للعقد , حتّى قيل: إنّه لَم يرد في القرآن إلَّا للعقد , ولا يرِدُ مثل قوله (حتّى تنكح زوجاً غيره) لأنّ شرط الوطء في التّحليل إنّما ثبت بالسّنّة، وإلَّا فالعقد لا بدّ منه لأنّ قوله (حتّى تنكح) , معناه حتّى تتزوّج. أي: يعقد عليها، ومفهومه أنّ ذلك كافٍ بمجرّده , لكن بيّنت السّنّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لا بدّ بعد العقد من ذوق العسيلة، كما أنّه لا بدّ بعد ذلك من التّطليق ثمّ العدّة.
نعم. أفاد أبو الحسين بن فارس: أنّ النّكاح لَم يرد في القرآن إلَّا
стр. 2604
للتّزويج، إلَّا في قوله تعالى (وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح) فإنّ المراد به الحلم. والله أعلم
وفي وجه للشّافعيّة - كقول الحنفيّة - إنّه حقيقة في الوطء مجاز في العقد.
وقيل: مقول بالاشتراك على كلّ منهما، وبه جزم الزّجّاجيّ.
وهذا الذي يترجّح في نظري , وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد.
ورجّح بعضهم الأوّل: بأنّ أسماء الجماع كلّها كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعه لِمَا لا يستفظعه، فدلَّ على أنّه في الأصل للعقد، وهذا يتوقّف على تسليم المدّعي أنّها كلّها كنايات.
وقد جمع اسم النّكاح ابن القطّاع فزادت على الألف.
стр. 2605
الحديث الأول
٣٠٥ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لَم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاءٌ. (١)
قوله: (قال رسول الله ﷺ ) وللبخاري من رواية عبد الرّحمن بن يزيد: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنّا مع النّبيّ ﷺ شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا: يا معشر الشّباب.
وفي رواية جرير عن الأعمش عن عمارة بن عميرٍ عند مسلم في هذه الطّريق " قال عبد الرّحمن: وأنا يومئذٍ شابّ، فحدّث بحديثٍ رأيت أنّه حدّث به من أجلي ". وفي رواية وكيع عن الأعمش " وأنا أحدث القوم ".
стр. 2606
قوله: (يا معشر الشّباب من استطاع منكم) المعشر جماعة يشملهم وصف ما، والشّباب جمع شابّ , ويجمع أيضاً على شببة وشبّان بضمّ أوّله والتّثقيل.
وذكر الأزهريّ. أنّه لَم يجمع فاعل على فعال غيره، وأصله الحركة والنّشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشّافعيّة.
وقال القرطبيّ في " المفهم ": يقال له حدث إلى ستّة عشر سنة، ثمّ شابٌّ إلى اثنتين وثلاثين ثمّ كهل، وكذا ذكر الزّمخشريّ في الشّباب , أنّه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين، وقال ابن شاس المالكيّ في " الجواهر " إلى أربعين.
وقال النّوويّ: الأصحّ المختار أنّ الشّابّ من بلغ ولَم يجاوز الثّلاثين، ثمّ هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثمّ هو شيخ.
وقال الرّويانيّ وطائفة: من جاوز الثّلاثين سمّي شيخاً، زاد ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين.
وقال أبو إسحاق الإسفرايينيّ عن الأصحاب: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأمّا بياض الشّعر فيختلف باختلاف الأمزجة.
وخصّ الشّبابَ بالخطاب , لأنّ الغالب وجود قوّة الدّاعي فيهم إلى النّكاح بخلاف الشّيوخ. وإن كان المعنى معتبراً إذا وجد السّبب في الكهول والشّيوخ أيضاً.
قوله: (الباءة) بالهمز وتاء تأنيث ممدود، وفيها لغة أخرى بغير
стр. 2607
همز ولا مدّ، وقد يهمز ويمدّ بلا هاء.
ويقال لها أيضاً: الباهة كالأوّل لكن بهاءٍ بدل الهمزة.
وقيل , بالمدّ القدرة على مؤن النّكاح وبالقصر الوطء.
قال الخطّابيّ: المراد بالباءة النّكاح، وأصله الموضع الذي يتبوّؤه ويأوي إليه.
وقال المازريّ: اشتقّ العقد على المرأة من أصل الباءة، لأنّ من شأن من يتزوّج المرأة أن يبوّئها منزلاً.
وقال النّوويّ: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنىً واحد:
القول الأول: وهو أصحّهما أنّ المراد معناها اللغويّ وهو الجماع، فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه - وهي مؤن النّكاح - فليتزوّج، ومن لَم يستطع الجماع لعجَزَه عن مؤنه فعليه بالصّوم ليدفع شهوته ويقطع شرّ منيّه كما يقطعه الوجاء.
وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشّباب الذين هم مظنّة شهوة النّساء , ولا ينفكّون عنها غالباً.
القول الثّاني: أنّ المراد هنا بالباءة مؤن النّكاح، سمّيت باسم ما يلازمها، وتقديره من استطاع منكم مؤن النّكاح فليتزوّج، ومن لَم يستطع فليصم لدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله " ومن لَم يستطع فعليه بالصّوم ".
قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصّوم لدفع الشّهوة،
стр. 2608
فوجب تأويل الباءة على المؤن. وانفصل القائلون بالأوّل عن ذلك بالتّقدير المذكور. انتهى.
والتّعليل المذكور للمازريّ.
وأجاب عنه عياض: بأنّه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله " من استطاع الباءة " أي: بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوّج. ويكون قوله " ومن لَم يستطع " أي: من لَم يقدر على التّزويج.
قلت: وتهيّأ له هذا لحذف المفعول في المنفيّ، فيحتمل أن يكون المراد ومن لَم يستطع الباءة أو من لَم يستطع التّزويج.
وقد وقع كلّ منهما صريحاً، فعند التّرمذيّ في رواية عبد الرّحمن بن يزيد من طريق الثّوريّ عن الأعمش " ومن لَم يستطع منكم الباءة " وعند الإسماعيليّ من طريق أبي عوانة عن الأعمش " من استطاع منكم أن يتزوّج فليتزوّج ".
ويؤيّده ما وقع في روايةٍ للنّسائيّ من طريق أبي معشر عن إبراهيم النّخعيّ عن علقمة " من كان ذا طولٍ فلينكح " ومثله لابن ماجه من حديث عائشة، وللبزّار من حديث أنس.
وأمّا تعليل المازريّ , فيعكّر عليه قوله في الرّواية الأخرى عند البخاري بلفظ " كنّا مع النّبيّ ﷺ شباباً لا نجد شيئاً " فإنّه يدلّ على أنّ المراد بالباءة الجماع، ولا مانع من الحمل على المعنى الأعمّ بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التّزويج.
والجواب عمّا استشكله المازريّ: أنّه يجوز أن يرشد من لا يستطيع
стр. 2609
الجماع من الشّباب لفرط حياء أو عدم شهوة أو عِنّةٍ مثلاً إلى ما يهيّئ له استمرار تلك الحالة، لأنّ الشّباب مظنّة ثوران الشّهوة الدّاعية إلى الجماع فلا يلزم من كسرها في حالة أن يستمرّ كسرها، فلهذا أرشد إلى ما يستمرّ به الكسر المذكور، فيكون قسم الشّباب إلى قسمين:
قسمٌ: يتوقون إليه ولهم اقتدار عليه فندبهم إلى التّزويج دفعاً للمحذور. بخلاف الآخرين فندبهم إلى أمر تستمرّ به حالتهم، لأنّ ذلك أرفق بهم للعلة التي ذكرت في رواية عبد الرّحمن بن يزيد , وهي أنّهم كانوا لا يجدون شيئاً، ويستفاد منه أنّ الذي لا يجد أهبة النّكاح وهو تائق إليه يندب له التّزويج دفعاً للمحذور.
قوله: (فليتزوّج فإنه أغضّ للبصر) أي: أشدّ غضّاً
قوله: (وأحصن للفرج) أي: أشدّ إحصاناً له ومنعاً من الوقوع في الفاحشة.
وما ألطف ما وقع لمسلمٍ حيث ذكر عقب حديث ابن مسعود هذا بيسير حديث جابر رفعه: إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها؛ فإنّ ذلك يردّ ما في نفسه. فإنّ فيه إشارة إلى المراد من حديث الباب.
وقال ابن دقيق العيد:
يحتمل: أن تكون أفعل على بابها، فإنّ التّقوى سبب لغضّ البصر وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشّهويّة الدّاعية، وبعد حصول التّزويج يضعف هذا العارض فيكون أغضّ وأحصن ممّا لَم يكن، لأنّ
стр. 2610
وقوع الفعل مع ضعف الدّاعي أندر من وقوعه من وجود الدّاعي.
ويحتمل: أن يكون أفعل فيه لغير المبالغة , بل إخبار عن الواقع فقط.
قوله: (ومن لَم يستطع فعليه بالصّوم) في رواية مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عند الطّبرانيّ " ومن لَم يقدر على ذلك فعليه بالصّوم ".
قال المازريّ: فيه إغراء بالغائب، ومن أصول النّحويّين أن لا يغري الغائب، وقد جاء شاذّاً قول بعضهم عليه رجلاً ليسني على جهة الإغراء.
وتعقّبه عياض: بأنّ هذا الكلام موجود لابن قتيبة والزّجّاجيّ، ولكن فيه غلط من أوجه:
الأول: فمن التّعبير بقوله لا إغراء بالغائب، والصّواب فيه إغراء الغائب، فأمّا الإغراء بالغائب فجائز، ونصّ سيبويه أنّه لا يجوز دونه زيداً ولا يجوز عليه زيداً عند إرادة غير المخاطب، وإنّما جاز للحاضر لِمَا فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب فلا يجوز لعدم حضوره ومعرفته بالحالة الدّالة على المراد.
الثاني: أنّ المثال ما فيه حقيقة الإغراء. وإن كانت صورته، فلم يرد القائل تبليغ الغائب وإنّما أراد الإخبار عن نفسه بأنّه قليل المبالاة بالغائب، ومثله قولهم: إليك عنّي، أي: اجعل شغلك بنفسك، ولَم يرد أن يغريه به , وإنّما مراده دعني وكن كمن شغل عنّي.
الثالث: ليس في الحديث إغراء الغائب , بل الخطاب للحاضرين
стр. 2611
الذين خاطبهم أوّلاً بقوله " من استطاع منكم " فالخصاء في قوله " فعليه " ليست لغائب وإنّما هي للحاضر المبهم، إذ لا يصحّ خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله (كتب عليكم القصاص في القتلى - إلى أن قال - فمن عفي له من أخيه شيء) ومثله لو قلت لاثنين من قام منكما فله درهم فالهاء للمبهم من المخاطبين لا لغائبٍ. انتهى ملخّصاً.
وقد استحسنه القرطبيّ. وهو حسن بالغ.
وقد تفطّن له الطّيبيّ , فقال: قال أبو عبيد: قوله " فعليه بالصّوم " إغراء غائب، ولا تكاد العرب تغري إلَّا الشّاهد تقول: عليك زيداً. ولا تقول: عليه زيداً إلَّا في هذا الحديث.
قال: وجوابه أنّه لَمَّا كان الضّمير الغائب راجعاً إلى لفظة " من " وهي عبارة عن المخاطبين في قوله " يا معشر الشّباب " وبيان لقوله " منكم " جاز قوله " عليه " لأنّه بمنزلة الخطاب.
وقد أجاب بعضهم: بأنّ إيراد هذا اللفظ في مثال إغراء الغائب هو باعتبار اللفظ، وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب اعتبار اللفظ.
كذا قال، والحقّ مع عياض، فإنّ الألفاظ توابع للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ مجرّداً هنا.
قوله: (بالصّوم) عدل عن قوله فعليه بالجوع وقلة ما يثير الشّهوة ويستدعي طغيان الماء من الطّعام والشّراب إلى ذكر الصّوم , إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة.
стр. 2612
وفيه إشارة إلى أنّ المطلوب من الصّوم في الأصل كسر الشّهوة.
قوله: (فإنّه) أي: الصّوم.
قوله: (له وجاء) بكسر الواو والمدّ، أصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه إذا غمزه دافعاً له، ووجأه بالسّيف إذا طعنه به، ووجأ أنثييه غمزهما حتّى رضّهما.
ووقع في رواية ابن حبّان " فإنّه له وجاء وهو الإخصاء " وهي زيادة مدرجة في الخبر لَم تقع إلَّا في طريق زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة هذه.
وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظرٌ. فإنّ الوجاء رضّ الأنثيين والإخصاء سلّهما، وإطلاق الوجاء على الصّيام من مجاز المشابهة.
وقال أبو عبيد: قال بعضهم: وجا بفتح الواو مقصور، والأوّل أكثر.
وقال أبو زيد: لا يقال وجاء إلَّا فيما لَم يبرأ , وكان قريب العهد بذلك.
واستدل بهذا الحديث على أنّ من لَم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التّزويج , لأنّه أرشده إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه. وأطلق بعضهم , أنّه يكره في حقّه.
وقد قسّم العلماء الرّجل في التّزويج إلى أقسام:
الأوّل: التّائق إليه القادر على مؤنه الخائف على نفسه، فهذا يندب له النّكاح عند الجميع.
стр. 2613
وزاد الحنابلة في رواية أنّه يجب , وبذلك قال أبو عوانة الإسفرايينيّ من الشّافعيّة. وصرّح به في " صحيحه "، ونقله المصّيصيّ في " شرح مختصر الجوينيّ " وجهاً، وهو قول داود وأتباعه.
وردّ عليهم عياض ومن تبعه بوجهين:
الوجه الأول: أنّ الآية التي احتجّوا بها خيّرت بين النّكاح والتّسرّي - يعني قوله تعالى (فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم) قالوا: والتّسرّي ليس واجباً اتّفاقاً فيكون التّزويج غير واجب إذ لا يقع التّخيير بين واجب ومندوب.
وهذا الرّدّ متعقّب، فإنّ الذين قالوا بوجوبه قيّدوه بما إذا لَم يندفع التّوقان بالتّسرّي، فإذا لَم يندفع تعيّن التّزويج.
وقد صرّح بذلك ابن حزم فقال: وفرضٌ على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به أو يتسرّى أن يفعل أحدهما، فإن عجَزَ عن ذلك فليكثر من الصّوم، وهو قول جماعة من السّلف.
الوجه الثّاني: أنّ الواجب عندهم العقد لا الوطء، والعقد بمجرّده لا يدفع مشقّة التّوقان قال: فما ذهبوا إليه لَم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لَم يذهبوا إليه.
كذا قال، وقد صرّح أكثر المخالفين بوجوب الوطء فاندفع الإيراد.
وقال ابن بطّال: احتجّ من لَم يوجبه بقوله ﷺ " ومن لَم يستطع فعليه بالصّوم " قال: فلمّا كان الصّوم الذي هو بدله ليس بواجبٍ
стр. 2614
فمبدله مثله.
وتعقّب: بأنّ الأمر بالصّوم مرتّب على عدم الاستطاعة ولا استحالة أن يقول القائل , أوجبت عليك كذا فإن لَم تستطع فأندبك إلى كذا.
والمشهور عن أحمد , أنّه لا يجب للقادر التّائق إلَّا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرّواية اقتصر ابن هبيرة.
وقال المازريّ: الذي نطق به مذهب مالك أنّه مندوب، وقد يجب عندنا في حقّ من لا ينكفّ عن الزّنا إلَّا به.
وقال القرطبيّ: المستطيع الذي يخاف الضّرر على نفسه ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلَّا بالتّزويج , لا يختلف في وجوب التّزويج عليه. ونبّه ابن الرّفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبّاً.
وقال ابن دقيق العيد: قسّم بعض الفقهاء النّكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النّكاح وتعذّر التّسرّي - وكذا حكاه القرطبيّ عن بعض علمائهم - وهو المازريّ - قال: فالوجوب في حقّ من لا ينكفّ عن الزّنا إلَّا به كما تقدّم.
قال: والتّحريم في حقّ من يخلّ بالزّوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه وتوقانه إليه. والكراهة في حقّ مثل هذا حيث لا إضرار بالزّوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطّاعة من
стр. 2615
عبادة أو اشتغال بالعلم اشتدّت الكراهة، وقيل: الكراهة فيما إذا كان ذلك في حال العزوبة أجمع منه في حال التّزويج.
والاستحباب فيما إذا حصل به معنىً مقصوداً من كسر شهوة وإعفاف نفس وتحصين فرج ونحو ذلك.
والإباحة فيما انتفت الدّواعي والموانع. ومنهم من استمرّ بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته للظّواهر الواردة في التّرغيب فيه.
قال عياض: هو مندوب في حقّ كلّ من يرجى منه النّسل , ولو لَم يكن له في الوطء شهوة، لقوله ﷺ " فإنّي مكاثر بكم " ولظواهر الحضّ على النّكاح والأمر به، وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنّساء غير الوطء، فأمّا من لا ينسل , ولا أرب له في النّساء , ولا في الاستمتاع. فهذا مباح في حقّه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت. وقد يقال: إنّه مندوب أيضاً لعموم قوله " لا رهبانيّة في الإسلام ".
وقال الغزاليّ في الإحياء: من اجتمعت له فوائد النّكاح وانتفت عنه آفاته فالمستحبّ في حقّه التّزويج، ومن لا فالتّرك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقّه فليجتهد ويعمل بالرّاجح.
قلت: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة.
فأمّا حديث " فإنّي مكاثر بكم " فصحّ من حديث أنس بلفظ " تزوّجوا الودود الولود، فإنّي مكاثر بكم يوم القيامة " أخرجه ابن حبّان، وذكره الشّافعيّ بلاغاً عن ابن عمر بلفظ " تناكحوا تكاثروا
стр. 2616
فإنّي أباهي بكم الأمم " وللبيهقيّ من حديث أبي أُمامة " تزوّجوا، فإنّي مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانيّة النّصارى ".
وورد " فإنّي مكاثر بكم " أيضاً من حديث الصّنابحيّ وابن الأعسر ومعقل بن يسار وسهل بن حنيفٍ وحرملة بن النّعمان وعائشة وعياض بن غنمٍ ومعاوية بن حيدة وغيرهم.
وأمّا حديث " لا رهبانيّة في الإسلام " فلم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقّاص عند الطّبرانيّ: إنّ الله أبدلنا بالرّهبانيّة الحنيفيّة السّمحة.
وعن ابن عبّاس رفعه: لا صرورة في الإسلام. أخرجه أحمد وأبو داود وصحَّحه الحاكم.
وفي الباب حديث النّهي عن التّبتّل. (١)، وحديث: من كان موسراً فلم ينكح فليس منّا. أخرجه الدّارميّ والبيهقيّ من حديث ابن أبي نجيح. وجزم بأنّه مرسل، وقد أورده البغويّ في " معجم الصّحابة "
وحديث طاوسٍ: قال عمر بن الخطّاب لأبي الزّوائد: إنّما يمنعك من التّزويج عجْزٌ أو فجور. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وفي حديث عائشة: النّكاح سنّتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي.
وأخرج الحاكم من حديث أنس رفعه: من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الثّاني.
стр. 2617
وهذه الأحاديث - وإن كان في الكثير منها ضعف - فمجموعها يدلّ على أنّ لِمَا يحصل به المقصود من التّرغيب في التّزويج أصلاً، لكن في حقّ من يتأتّى منه النّسل كما تقدّم. والله أعلم.
وفي الحديث أيضاً إرشاد العاجز عن مؤن النّكاح إلى الصّوم، لأنّ شهوة النّكاح تابعة لشهوة الأكل تقوى بقوّته وتضعف بضعفه.
واستدل به الخطّابيّ. على جواز المعالجة لقطع شهوة النّكاح بالأدوية، وحكاه البغويّ في " شرح السّنّة "، وينبغي أن يحمل على دواء يسكّن الشّهوة دون ما يقطعها أصالة لأنّه قد يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقّه.
وقد صرّح الشّافعيّة: بأنّه لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجّة فيه أنّهم اتّفقوا على منع الجبّ والخصاء فيلحق بذلك ما في معناه من التّداوي بالقطع أصلاً.
واستدل به الخطّابيّ أيضاً. على أنّ المقصود من النّكاح الوطء , ولهذا شرع الخِيَار في العنّة. وفيه الحثّ على غضّ البصر وتحصين الفرج بكل ممكن وعدم التّكليف بغير المستطاع، ويؤخذ منه أنّ حظوظ النّفوس والشّهوات لا تتقدّم على أحكام الشّرع بل هي دائرة معها.
واستنبط القرافيّ من قوله " فإنّه له وجاء " أنّ التّشريك في العبادة لا يقدح فيها بخلاف الرّياء، لأنّه أمر بالصّوم الذي هو قربة وهو بهذا القصد صحيح مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه لتحصيل
стр. 2618
غضّ البصر وكفّ الفرج عن الوقوع في المحرّم. انتهى.
فإن أراد تشريك عبادة بعبادةٍ أخرى فهو كذلك وليس محلّ النّزاع. وإن أراد تشريك العبادة بأمرٍ مباح فليس في الحديث ما يساعده.
واستدل به بعض المالكيّة. على تحريم الاستمناء لأنّه أرشد عند العجَزَ عن التّزويج إلى الصّوم الذي يقطع الشّهوة، فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل.
وتعقّب: دعوى كونه أسهل , لأنّ التّرك أسهل من الفعل.
وقد أباح الاستمناءَ طائفةٌ من العلماء، وهو عند الحنابلة وبعض الحنفيّة لأجل تسكين الشّهوة.
وفي قول عثمان لابن مسعود " ألا نزوّجك شابّة " (١) استحباب نكاح الشّابّة , ولا سيّما إن كانت بكراً.
стр. 2619
الحديث الثاني
٣٠٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ أنّ نفراً من أصحاب النبيّ ﷺ ، سألوا أزواج النبيّ ﷺ عن عمله في السرّ، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراشٍ. فبلغ النبيّ ﷺ ذلك، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكني أُصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١).
قوله: (أنّ نفراً من أصحاب النبيّ ﷺ ) وللبخاري من رواية حميد عن أنس " جاء ثلاثة رهط " ولا منافاة بينهما فالرّهط من ثلاثة إلى عشرة، والنّفر من ثلاثة إلى تسعة، وكلّ منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه.
ووقع في مرسل سعيد بن المسيّب عند عبد الرّزّاق , أنّ الثّلاثة المذكورين هم عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون.
وعند ابن مردويه من طريق الحسن العدنيّ: كان عليّ في أناس ممّن أرادوا أن يحرّموا الشّهوات , فنزلت الآية في المائدة.
стр. 2620
ووقع في " أسباب الواحديّ " بغير إسناد , أنّ رسول الله ﷺ ذكر النّاس وخوّفهم، فاجتمع عشرة من الصّحابة - وهم أبو بكر وعمر وعليّ وابن مسعود وأبو ذرّ وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسلمان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعقل بن مقرّن - في بيت عثمان بن مظعون، فاتّفقوا على أن يصوموا النّهار ويقوموا الليل , ولا يناموا على الفرش , ولا يأكلوا اللحم , ولا يقربوا النّساء ويجبّوا مذاكيرهم ".
فإن كان هذا محفوظاً. احتمل أن يكون الرّهط الثّلاثة هم الذين باشروا السّؤال , فنسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة , ونسب تارة للجميع لاشتراكهم في طلبه.
ويؤيّد أنّهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة , ما روى مسلم من طريق سعيد بن هشام , أنّه قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل الله، ويجاهد الرّوم حتّى يموت، فلقي ناساً بالمدينة فنهوه عن ذلك، وأخبروه أنّ رهطاً ستّة أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ فنهاهم، فلمّا حدّثوه ذلك راجع امرأته , وكان قد طلَّقها. يعني بسبب ذلك.
لكن في عدّ عبد الله بن عمرو معهم نظرٌ، لأنّ عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب. (١)
стр. 2621
قوله: (سألوا أزواج النبيّ ﷺ عن عمله في السرّ) وللبخاري " يسألون عن عبادة النّبيّ ﷺ فلمّا أخبروهم كأنّهم تقالّوها , فقالوا: وأين نحن من النّبيّ ﷺ ؟ قد غفر الله له ".
وقوله " تقالوها " بتشديد اللام المضمومة. أي: استقلوها، وأصل تقالّوها تقاللوها , أي: رأى كلّ منهم أنّها قليلة.
والمعنى أنّ منْ لَّم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل، بخلاف من حصل له، لكن قد بيّن النّبيّ ﷺ أنّ ذلك ليس بلازمٍ، فأشار إلى هذا بأنّه أشدّهم خشية وذلك بالنّسبة لمقام العبوديّة في جانب الرّبوبيّة.
وأشار في حديث عائشة والمغيرة المتفق عليهما إلى معنىً آخر بقوله " أفلا أكون عبداً شكوراً ".
قوله: (فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراشٍ) وللبخاري " قال أحدهم: أمّا أنا فإنّي أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبداً " وهو قيد لليل لا لأُصلِّي.
وقوله " فلا أتزوّج أبداً " أكّد المُصلّي ومعتزل النّساء بالتّأبيد. ولَم يؤكّد الصّيام , لأنّه لا بدّ له من فطر الليالي. وكذا أيّام العيد.
стр. 2622
وهذا ممّا يؤكّد زيادة عدد القائلين. لأنّ ترك أكل اللحم أخصّ من مداومة الصّيام، واستغراق الليل بالصّلاة أخصّ من ترك النّوم على الفراش. ويمكن التّوفيق بضروبٍ من التّجوّز.
قوله: (فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فحمد الله وأثنى عليه , وقال: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا) وللبخاري " فجاء إليهم رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم .. ".
ويُجمع بأنّه منع من ذلك عموماً جهراً مع عدم تعيينهم وخصوصاً فيما بينه وبينهم رفقاً بهم وستراً لهم.
قوله: (لكنّي) استدراك من شيء محذوف دلَّ عليه السّياق , أي: أنا وأنتم بالنّسبة إليّ العبوديّة سواء، لكن أنا أعمل كذا.
قوله: (أُصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء) وللبخاري " أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له " قوله " أما " بتخفيف الميم حرف تنبيه , بخلاف قوله في أوّل الخبر " أمّا أنا " فإنّها بتشديد الميم للتّقسيم.
وقوله " أخشاكم .. " فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم من أنّ المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره، فأعلمهم أنّه مع كونه يبالغ في التّشديد في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يشدّدون , وإنّما كان كذلك لأنّ المشدّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد , فأنّه أمكن لاستمراره وخير العمل ما داوم عليه صاحبه.
وقد أرشد إلى ذلك في قوله في الحديث الآخر " المنبتّ لا أرضاً
стр. 2623
قطع , ولا ظهراً أبقى " (١).
قوله: (فمن رغب عن سنّتي فليس منّي) المراد بالسّنّة الطّريقة لا التي تقابل الفرض، والرّغبة عن الشّيء الإعراض عنه إلى غيره.
والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس منّي، ولَمَح بذلك إلى طريق الرّهبانيّة فإنّهم الذين ابتدعوا التّشديد كما وصفهم الله تعالى وقد عابهم بأنّهم ما وفّوه بما التزموه.
وطريقة النّبيّ ﷺ الحنيفيّة السّمحة , فيفطر ليتقوّى على الصّوم , وينام ليتقوّى على القيام , ويتزوّج لكسر الشّهوة وإعفاف النّفس وتكثير النّسل.
стр. 2624
وقوله " فليس منّي " إن كانت الرّغبة بضربٍ من التّأويل يعذر صاحبه فيه فمعنى " فليس منّي " أي: على طريقتي , ولا يلزم أن يخرج عن الملة وإن كان إعراضاً وتنطّعاً يفضي إلى اعتقاد أرجحيّة عمله. فمعنى " فليس منّي " ليس على ملتي , لأنّ اعتقاد ذلك نوع من الكفر.
وفي الحديث دلالة على فضل النّكاح والتّرغيب فيه، وقد اختلف فيه.
القول الأول: قال الشّافعيّة: ليس عبادة، ولهذا لو نذره لَم ينعقد.
القول الثاني: قال الحنفيّة: هو عبادة.
والتّحقيق أنّ الصّورة التي يستحبّ فيها النّكاح - كما تقدّم بيانه - تستلزم أن يكون حينئذٍ عبادة، فمن نفى نظر إليه في حدّ ذاته , ومن أثبت نظرَ إلى الصّورة المخصوصة.
وفي الحديث تتبّع أحول الأكابر للتّأسّي بأفعالهم , وأنّه إذا تعذّرت معرفته من الرّجال جاز استكشافه من النّساء، وأنّ من عزم على عمل برّ واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرّياء لَم يكن ذلك ممنوعاً.
وفيه تقديم الحمد والثّناء على الله عند إلقاء مسائل العلم , وبيان الأحكام للمكلفين وإزالة الشّبهة عن المجتهدين، وأنّ المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة والاستحباب.
وقال الطّبريّ: فيه الرّدّ على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس وآثر غليظ الثّياب وخشن المأكل.
стр. 2625
قال عياض: هذا ممّا اختلف فيه السّلف.
فمنهم من نحا إلى ما قال الطّبريّ.
ومنهم من عكس , واحتجّ بقوله تعالى (أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا) قال: والحقّ أنّ هذه الآية في الكفّار , وقد أخذ النّبيّ ﷺ بالأمرين.
قلت: لا يدلّ ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصّفتين، والحقّ أنّ ملازمة استعمال الطّيّبات تفضي إلى التّرفّه والبطر ولا يأمن من الوقوع في الشّبهات , لأنّ من اعتاد ذلك قد لا يجده أحياناً فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور , كما أنّ منع تناول ذلك أحياناً يفضي إلى التّنطّع المنهيّ عنه.
ويردّ عليه صريح قوله تعالى (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق) كما أنّ الأخذ بالتّشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلاً , وترك التّنفّل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النّشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط.
وفي قوله " إنّي لأخشاكم لله " مع ما انضمّ إليه إشارة إلى ذلك.
وفيه أيضاً إشارة إلى أنّ العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدراً من مجرّد العبادة البدنيّة، والله أعلم.
стр. 2626
الحديث الثالث
٣٠٧ - عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعونٍ التّبتّل، ولو أذن له لاختصينا. (١)
قال المصنف: التبتل: ترك النكاح , ومنه قيل لمريم: البتُول.
قوله: (عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁) وهو سعد بن مالك الزهري أحد العشرة يكنى أبا إسحاق. اسم أبي وقاص مالك بن وهيب - ويقال أهيب - ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. يجتمع مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب.
وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تُسلم.
مات بالعقيق سنة خمس وخمسين , وقيل: بعد ذلك إلى ثمانية وخمسين، وعاش نحواً من ثمانين سنة. وكان آخر من مات من البدريِّين , وروى البخاري عنه قال: جَمعَ لي النبي ﷺ أبويه يوم أُحد.
قوله: (عثمان بن مظعونٍ) كان عثمان من السّابقين إلى الإسلام، كنيته أبو السّائب، وكانت وفاته في ذي الحجّة سنة اثنتين (٢) من
стр. 2627
الهجرة، وهو أوّل من دُفن بالبقيع.
قوله: (التّبتّل) المراد به هنا الانقطاع عن النّكاح وما يتّبعه من الملاذ إلى العبادة. وأمّا المأمور به في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلاً) فقد فسّره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصاً، وهو تفسير معنىً، وإلا فأصل التّبتّل الانقطاع، والمعنى انقطع إليه انقطاعاً. لكن لَمَّا كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنّما تقع بإخلاص العبادة له فسّرها بذلك.
ومنه " صدقة بتلة " أي: منقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التّزويج إلى العبادة , وقيل لفاطمة البتول , إمّا لانقطاعها عن الأزواج غير عليّ , أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشّرف.
قوله: (ولو أذن له لاختصينا) الخصاء هو الشّقّ على الأنثيين وانتزاعهما، وإنّما قال البخاري باب " ما يكره من التّبتّل والخصاء " للإشارة إلى أنّ الذي يكره من التّبتّل هو الذي يفضي إلى التّنطّع وتحريم ما أحل الله , وليس التّبتّل من أصله مكروهاً، وعطف الخصاء عليه , لأنّ بعضه يجوز في الحيوان المأكول.
ولمسلم من طريق عقيل عن ابن شهاب بلفظ " أراد عثمان بن مظعون أن يتبتّل، فنهاه رسول الله ﷺ " فعرف أنّ معنى قوله " ردّ على عثمان " أي: لَم يأذن له بل نهاه. وهو نهي تحريمٍ بلا خلاف في بني آدم.
وأخرج الطّبرانيّ من حديث عثمان بن مظعون نفسه , أنّه قال: يا
стр. 2628
رسولَ الله. إنّي رجل يشقّ عليَّ العزوبة، فأذن لي في الخصاء. قال: لا، ولكن عليك بالصّيام " الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص , أنّ عثمان قال: يا رسولَ الله ائذن لي في الاختصاء، فقال: إنّ الله قد أبدلنا بالرّهبانيّة الحنيفيّة السّمحة.
وأخرج الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس قال: شكا رجل إلى رسول الله ﷺ العزوبة فقال: ألا أختصي؟ قال: ليس منّا من خصى أو اختصى.
فيحتمل: أن يكون الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقة فعبّر عنه الرّاوي بالتّبتّل لأنّه ينشأ عنه، فلذلك قال " ولو أذن له لاختصينا ".
ويحتمل: عكسه. وهو أنّ المراد بقول سعد " ولو أذن له لاختصينا " لفعلنا فعل من يختصي. وهو الانقطاع عن النّساء.
قال الطّبريّ: التّبتّل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النّساء والطّيب وكلّ ما يلتذّ به، فلهذا أنزل في حقّه (يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم) وقد تقدّم في حديث أنس ﵁ (١) تسمية من أراد ذلك مع عثمان بن مظعون ومن وافقه.
وقال الطّيبيّ: قوله " ولو أذن له لاختصينا " كان الظّاهر أن يقول. ولو أذن له لتبتّلنا، لكنّه عدل عن هذا الظّاهر إلى قوله " لاختصينا "
стр. 2629
لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التّبتّل حتّى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، ولَم يرد به حقيقة الاختصاء لأنّه حرام.
وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك قبل النّهي عن الاختصاء. ويؤيّده توارد استئذان جماعة من الصّحابة النّبيّ ﷺ في ذلك كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما.
وإنّما كان التّعبير بالخصاء أبلغ من التّعبير بالتّبتّل لأنّ وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشّهوة، ووجود الشّهوة ينافي المراد من التّبتّل، فيتعيّن الخصاء طريقاً إلى تحصيل المطلوب.
وغايته أنّ فيه أَلَماً عظيماً في العاجل يغتفر في جنب ما يندفع به الآجل، فهو كقطع الإصبع إذا وقعت في اليد الأكلة صيانة لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محقّقاً بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعل الرّاوي عبّر بالخصاء عن الجبّ لأنّه هو الذي يحصّل المقصود.
والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النّسل ليستمرّ جهاد الكفّار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النّسل فيقلّ المسلمون بانقطاعه ويكثر الكفّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمّديّة.
وفيه أيضاً من المفاسد تعذيب النّفس والتّشويه مع إدخال الضّرر الذي قد يفضي إلى الهلاك. وفيه إبطال معنى الرّجوليّة وتغيير خلق الله وكفر النّعمة، لأنّ خلق الشّخص رجلاً من النّعم العظيمة فإذا أزال
стр. 2630
ذلك فقد تشبّه بالمرأة واختار النّقص على الكمال.
قال القرطبيّ: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلَّا لمنفعةٍ حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه.
وقال النّوويّ: يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقاً، وأمّا المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره.
وما أظنّه يدفع ما ذكره القرطبيّ من إباحة ذلك في الحيوان الكبير عند إزالة الضّرر.