الحديث الثالث
٣٠٧ - عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعونٍ التّبتّل، ولو أذن له لاختصينا. (١)
قال المصنف: التبتل: ترك النكاح , ومنه قيل لمريم: البتُول.
قوله: (عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁) وهو سعد بن مالك الزهري أحد العشرة يكنى أبا إسحاق. اسم أبي وقاص مالك بن وهيب - ويقال أهيب - ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. يجتمع مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب.
وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تُسلم.
مات بالعقيق سنة خمس وخمسين , وقيل: بعد ذلك إلى ثمانية وخمسين، وعاش نحواً من ثمانين سنة. وكان آخر من مات من البدريِّين , وروى البخاري عنه قال: جَمعَ لي النبي ﷺ أبويه يوم أُحد.
قوله: (عثمان بن مظعونٍ) كان عثمان من السّابقين إلى الإسلام، كنيته أبو السّائب، وكانت وفاته في ذي الحجّة سنة اثنتين (٢) من
стр. 2627
الهجرة، وهو أوّل من دُفن بالبقيع.
قوله: (التّبتّل) المراد به هنا الانقطاع عن النّكاح وما يتّبعه من الملاذ إلى العبادة. وأمّا المأمور به في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلاً) فقد فسّره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصاً، وهو تفسير معنىً، وإلا فأصل التّبتّل الانقطاع، والمعنى انقطع إليه انقطاعاً. لكن لَمَّا كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنّما تقع بإخلاص العبادة له فسّرها بذلك.
ومنه " صدقة بتلة " أي: منقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التّزويج إلى العبادة , وقيل لفاطمة البتول , إمّا لانقطاعها عن الأزواج غير عليّ , أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشّرف.
قوله: (ولو أذن له لاختصينا) الخصاء هو الشّقّ على الأنثيين وانتزاعهما، وإنّما قال البخاري باب " ما يكره من التّبتّل والخصاء " للإشارة إلى أنّ الذي يكره من التّبتّل هو الذي يفضي إلى التّنطّع وتحريم ما أحل الله , وليس التّبتّل من أصله مكروهاً، وعطف الخصاء عليه , لأنّ بعضه يجوز في الحيوان المأكول.
ولمسلم من طريق عقيل عن ابن شهاب بلفظ " أراد عثمان بن مظعون أن يتبتّل، فنهاه رسول الله ﷺ " فعرف أنّ معنى قوله " ردّ على عثمان " أي: لَم يأذن له بل نهاه. وهو نهي تحريمٍ بلا خلاف في بني آدم.
وأخرج الطّبرانيّ من حديث عثمان بن مظعون نفسه , أنّه قال: يا
стр. 2628
رسولَ الله. إنّي رجل يشقّ عليَّ العزوبة، فأذن لي في الخصاء. قال: لا، ولكن عليك بالصّيام " الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص , أنّ عثمان قال: يا رسولَ الله ائذن لي في الاختصاء، فقال: إنّ الله قد أبدلنا بالرّهبانيّة الحنيفيّة السّمحة.
وأخرج الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس قال: شكا رجل إلى رسول الله ﷺ العزوبة فقال: ألا أختصي؟ قال: ليس منّا من خصى أو اختصى.
فيحتمل: أن يكون الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقة فعبّر عنه الرّاوي بالتّبتّل لأنّه ينشأ عنه، فلذلك قال " ولو أذن له لاختصينا ".
ويحتمل: عكسه. وهو أنّ المراد بقول سعد " ولو أذن له لاختصينا " لفعلنا فعل من يختصي. وهو الانقطاع عن النّساء.
قال الطّبريّ: التّبتّل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النّساء والطّيب وكلّ ما يلتذّ به، فلهذا أنزل في حقّه (يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم) وقد تقدّم في حديث أنس ﵁ (١) تسمية من أراد ذلك مع عثمان بن مظعون ومن وافقه.
وقال الطّيبيّ: قوله " ولو أذن له لاختصينا " كان الظّاهر أن يقول. ولو أذن له لتبتّلنا، لكنّه عدل عن هذا الظّاهر إلى قوله " لاختصينا "
стр. 2629
لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التّبتّل حتّى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، ولَم يرد به حقيقة الاختصاء لأنّه حرام.
وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك قبل النّهي عن الاختصاء. ويؤيّده توارد استئذان جماعة من الصّحابة النّبيّ ﷺ في ذلك كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما.
وإنّما كان التّعبير بالخصاء أبلغ من التّعبير بالتّبتّل لأنّ وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشّهوة، ووجود الشّهوة ينافي المراد من التّبتّل، فيتعيّن الخصاء طريقاً إلى تحصيل المطلوب.
وغايته أنّ فيه أَلَماً عظيماً في العاجل يغتفر في جنب ما يندفع به الآجل، فهو كقطع الإصبع إذا وقعت في اليد الأكلة صيانة لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محقّقاً بل هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعل الرّاوي عبّر بالخصاء عن الجبّ لأنّه هو الذي يحصّل المقصود.
والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النّسل ليستمرّ جهاد الكفّار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النّسل فيقلّ المسلمون بانقطاعه ويكثر الكفّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمّديّة.
وفيه أيضاً من المفاسد تعذيب النّفس والتّشويه مع إدخال الضّرر الذي قد يفضي إلى الهلاك. وفيه إبطال معنى الرّجوليّة وتغيير خلق الله وكفر النّعمة، لأنّ خلق الشّخص رجلاً من النّعم العظيمة فإذا أزال
стр. 2630
ذلك فقد تشبّه بالمرأة واختار النّقص على الكمال.
قال القرطبيّ: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلَّا لمنفعةٍ حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه.
وقال النّوويّ: يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقاً، وأمّا المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره.
وما أظنّه يدفع ما ذكره القرطبيّ من إباحة ذلك في الحيوان الكبير عند إزالة الضّرر.
стр. 2631
الحديث الرابع
٣٠٨ - عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان ﵄، أنها قالت: يا رسولَ الله. انكح أختي ابنة أبي سفيان، فقال: أَوَ تُحبِّين ذلك؟. فقلت: نعم، لست لك بِمُخْلِيةٍ، وأحبُّ من شاركني في خيرٍ أختي، فقال النبيّ ﷺ : إنَّ ذلك لا يَحلُّ لي، قالت: فإنا نُحدّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: بنت أمّ سلمة؟! قلت: نعم، فقال: إنها لو لَم تكن ربيبتي في حجري، ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُويبةُ، فلا تعرضنَّ عليّ بناتكنّ ولا أخواتكنّ.
قال عروة: وثويبة مولاةٌ لأبي لهبٍ، كان أبو لهبٍ أعتقها، فأرضعت النبيّ ﷺ ، فلما مات أبو لهبٍ أُرِيَه بعض أهله بشرّ حيبةٍ، قال له: ماذا لقيت؟. قال أبو لهبٍ: لَم ألق بعدكم خيراً، غير أني سُقيت في هذه. بعتاقتي ثويبة. (١)
قال المصنف: الْحِيبة: بكسر الحاء المهملة: الحال.
قوله: (عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان) رملة بنت أبي سفيان الأموية. هاجرت في الهجرة الثانية مع زوجها عبيد الله بن جحش فمات هناك، ويقال: إنه قد تنصر، وتزوجها النبي ﷺ بعده. (٢)
стр. 2632
قوله: (انكح أختي) أي: تزوّج.
قوله: (بنت أبي سفيان) في رواية يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب عن عروة عند مسلم والنّسائيّ في هذا الحديث " انكح أختي عزّة بنت أبي سفيان " ولابن ماجه من هذا الوجه " انكح أختي عزّة ".
وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث عند الطّبرانيّ " أنّها قالت: يا رسولَ الله هل لك في حمنة بنت أبي سفيان؟ قال: أصنع ماذا؟ قالت: تنكحها. وقد أخرجه البخاري من رواية هشام , لكن لَم يسمّ بنت أبي سفيان، ولفظه " فقال: فأفعل ماذا؟ ".
وفيه شاهد على جواز تقديم الفعل على " ما " الاستفهاميَّة خلافاً لمن أنكره من النّحاة.
وعند أبي موسى في " الذّيل " درّة بنت أبي سفيان، وهذا وقع في رواية الحميديّ في " مسنده " عن سفيان عن هشام، وأخرجه أبو نعيم والبيهقيّ من طريق الحميديّ , وقالا: أخرجه البخاريّ عن الحميديّ.
стр. 2633
وهو كما قالا. قد أخرجه عنه , لكن حذف هذا الاسم وكأنّه عمداً، وكذا وقع في هذه الرّواية زينب بنت أمّ سلمة , وحذفه البخاريّ أيضاً منها , ثمّ نبّه على أنّ الصّواب درّة، وجزم المنذريّ بأنّ اسمها حمنة كما في الطّبرانيّ.
وقال عياض: لا نعلم لعزّة ذكراً في بنات أبي سفيان إلَّا في رواية يزيد بن أبي حبيب، وقال أبو موسى: الأشهر فيها عزّة.
قوله: (أو تُحبّين ذلك؟) هو استفهام تعجّب من كونها تطلب أن يتزوّج غيرها مع ما طبع عليه النّساء من الغيرة.
قوله: (لست لك بِمُخْلِيةٍ) بضمّ الميم وسكون المعجمة وكسر اللام اسم فاعل من أخلى يخلي، أي: لست بمنفردةٍ بك , ولا خالية من ضرّة.
وقال بعضهم: هو بوزن فاعل الإخلاء متعدّياً ولازماً، من أخليت بمعنى خلوت من الضّرّة، أي: لست بمتفرّغةٍ ولا خالية من ضرّة، وفي بعض الرّوايات بفتح اللام بلفظ المفعول حكاها الكرمانيّ.
وقال عياض: مخلية. أي: منفردة. يقال أخل أمرك وأخل به. أي: انفرد به، وقال صاحب النّهاية: معناه لَم أجدك خالياً من الزّوجات، وليس هو من قولهم امرأة مخلية إذا خلت من الأزواج.
قوله: (وأحبّ من شاركني) مرفوع بالابتداء. أي: إليَّ، وفي رواية هشام عند البخاري " من شركني " بغير ألفٍ، وكذا عند
стр. 2634
مسلم.
قوله: (في خير) كذا للأكثر بالتّنكير. أيْ: أيّ خير كان، وفي رواية هشام " في الخير ".
قيل: المراد به صحبة رسول الله ﷺ المتضمّنة لسعادة الدّارين السّاترة لِمَا لعلَّه يعرض من الغيرة التي جرت بها العادة بين الزّوجات.
لكن في رواية هشام المذكورة " وأحبّ من شركني فيك أختي " فعرف أنّ المراد بالخير ذاته ﷺ .
قوله: (فإنّا نحدّث) بضمّ أوّله وفتح الحاء على البناء للمجهول، وفي رواية هشام المذكورة " قلت: بلغني " , وفي رواية عقيل عن ابن شهاب عن عروة عند البخاري " قلت: يا رسولَ الله. فوالله إنّا لنتحدّث " , وفي رواية زهير (١) عن هشام عند أبي داود " فوالله لقد أخبرت ".
قوله: (أنّك تريد أن تنكح) في رواية هشام " بلغني أنّك تخطب " ولَم أقف على اسم من أخبر بذلك، ولعله كان من المنافقين , فإنّه قد ظهر أنّ الخبر لا أصل له.
وهذا ممّا يُستدلّ به على ضعف المراسيل.
قوله: (بنت أبي سلمة) في رواية عقيل , وكذا أخرجه الطّبرانيّ من طريق ابن أخي الزّهريّ عن الزّهريّ , ومن طريق معمر عن هشام بن
стр. 2635
عروة عن أبيه , ومن طريق عراك عن زينب بنت أمّ سلمة " درّة بنت أبي سلمة " وهي بضمّ المهملة وتشديد الرّاء، وفي رواية حكاها عياض , وخطّأها بفتح المعجمة.
وعند أبي داود من طريق هشام عن أبيه عن زينب عن أمّ سلمة درّة أو " ذرّة " على الشّكّ، شكّ زهير راوية عن هشام.
ووقع عند البيهقيّ من رواية الحميديّ عن سفيان عن هشام " بلغني أنّك تخطب زينب بنت أبي سلمة " وقد تقدّم التّنبيه على خطئه.
ووقع عند أبي موسى في " ذيل المعرفة " حمنة بنت أبي سلمة , وهو خطأ.
وقوله " بنت أمّ سلمة؟ " هو استفهام استثبات لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى أنّها إن كانت بنت أبي سلمة من أمّ سلمة فيكون تحريمها من وجهين كما سيأتي بيانه، وإن كانت من غيرها فمن وجه واحد.
وكأنّ أمّ حبيبة لَم تطّلع على تحريم ذلك.
إمّا لأنّ ذلك كان قبل نزول آية التّحريم.
وإمّا بعد ذلك وظنّت أنّه من خصائص النّبيّ ﷺ ، كذا قال الكرمانيّ.
والاحتمال الثّاني هو المعتمد، والأوّل يدفعه سياق الحديث، وكأنّ أمّ حبيبة استدلت على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى، لأنّ الرّبيبة حرمت على التّأبيد والأخت
стр. 2636
حرمت في صورة الجمع فقط، فأجابها ﷺ بأنّ ذلك لا يحلّ، وأنّ الذي بلغها من ذلك ليس بحقٍّ، وأنّها تحرم عليه من جهتين.
قوله: (قال: بنت أمّ سلمة؟) إنّما استثبتها في ذلك ليترتّب عليه الحكم، لأنّ بنت أبي سلمة من غير أمّ سلمة تحلّ له لو لَم يكن أبو سلمة رضيعه، لأنّها ليست ربيبة، بخلاف بنت أبي سلمة من أمّ سلمة.
قوله: (لو أنّها لَم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي) قال القرطبيّ: فيه تعليل الحكم بعلتين، فإنّه علَّل تحريمها بكونها ربيبة وبكونها بنت أخ من الرّضاعة.
كذا قال، والذي يظهر أنّه نبّه على أنّها لو كان بها مانع واحد لكفى في التّحريم. فكيف وبها مانعان؟.
فليس من التّعليل بعلتين في شيء، لأنّ كلّ وصفين يجوز أن يضاف الحكم إلى كلّ منهما لو انفرد. فإمّا أن يتعاقبا فيضاف الحكم إلى الأوّل منهما كما في السّببين إذا اجتمعا.
ومثاله لو أحدث ثمّ أحدث بغير تخلل طهارة. فالحدث الثّاني لَم يعمل شيئاً , أو يضاف الحكم إلى الثّاني كما في اجتماع السّبب والمباشرة، وقد يضاف إلى أشبههما وأنسبهما سواء كان الأوّل أم الثّاني.
فعلى كلّ تقدير لا يضاف إليهما جميعاً، وإن قدّر أنّه يوجد فالإضافة إلى المجموع , ويكون كلّ منهما جزء عِلَّة لا عِلَّة مستقلة فلا تجتمع علتان على معلول واحد، هذا الذي يظهر.
стр. 2637
والمسألة مشهورة في الأصول وفيها خلاف.
قال القرطبيّ: والصّحيح جوازه لهذا الحديث وغيره. وفي الحديث إشارة إلى أنّ التّحريم بالرّبيبة أشدّ من التّحريم بالرّضاعة.
قوله: (ربيبتي) أي: بنت زوجتي، مشتقّة من الرّبّ وهو الإصلاح , لأنّه يقوم بأمرها.
وقيل: من التّربية. وهو غلط من جهة الاشتقاق.
وقوله: (في حجري) راعى فيه لفظ الآية. وإلَّا فلا مفهوم له، كذا عند الجمهور. وأنّه خرج مخرج الغالب.
وفيه خلاف قديم. أخرجه عبد الرّزّاق وابن المنذر وغيرهما من طريق إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس قال: كانت عندي امرأة قد ولدت لي، فماتت فوجدت عليها، فلقيت عليّ بن أبي طالب فقال لي: ما لَكَ؟ فأخبرته، فقال: ألها ابنة؟ يعني من غيرك، قلت: نعم , قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي في الطّائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قوله تعالى (وربائبكم) قال: إنّها لَم تكن في حجرك.
وقد دفع بعض المتأخّرين هذا الأثر , وادّعى نفي ثبوته بأنّ إبراهيم بن عبيد لا يُعرف.
وهو عجيب، فإنّ الأثر المذكور عند ابن أبي حاتم في " تفسيره " من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، وإبراهيم ثقة تابعيّ معروف، وأبوه وجدّه صحابيّان، والأثر صحيح عن عليّ.
وكذا صحّ عن عمر , أنّه أفتى من سأله إذ تزوّج بنت رجل كانت
стр. 2638
تحته جدّتها ولَم تكن البنت في حجره. أخرجه أبو عبيد.
وهذا - وإن كان الجمهور على خلافه - فقد احتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله ﷺ : فلا تعرضن عليّ بناتكنّ. قال: ولَم يقيّد بالحجر.
وهذا فيه نظرٌ , لأنّ المطلق محمول على المقيّد، ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى. لأنّ التّحريم جاء مشروطاً بأمرين:
الأمر الأول: أن تكون في الحجر.
الأمر الثاني: أن يكون الذي يريد التّزويج قد دخل بالأمّ. (١) فلا تحرم بوجود أحد الشّرطين.
واحتجّوا أيضاً: برواية عراك عن زينب بنت أمّ سلمة. عند الطّبرانيّ (٢): لو أنّي لَم أنكح أمّ سلمة ما حلَّت لي، إنّ أباها أخي من الرّضاعة.
стр. 2639
ووقع في رواية ابن عيينة عن هشام عند البخاري " والله لو لَم تكن ربيبتي ما حلَّت لي " فذكر ابن حزم: أنّ منهم من احتجّ به على أن لا فرق بين اشتراط كونها في الحجر أو لا.
وهو ضعيف لأنّ القصّة واحدة , والذين زادوا فيها لفظ " في حجري " حفّاظ أثبات , وفي أكثر طرقه " لو لَم تكن ربيبتي في حجري " فقيّد بالحجر كما قيّد به القرآن فقوي اعتباره، والله أعلم.
قوله: (أرضعتني وأبا سلمة) أي: أرضعت أبا سلمة، وهو من تقديم المفعول على الفاعل.
وأبو سلمة. هو ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي سلمة عبد الله. زوجُ أمِّ سلمة أم المؤمنين قبل النبي ﷺ .
قوله: (ثويبةُ) بمثلثةٍ وموحّدة ومصغّر، كانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطّلب عمّ النّبيّ ﷺ كما سيأتي في الحديث.
وثويبة بالرفع. والمعنى أرضعتني ثويبة وأرضعت والد درّة بنت أبي سلمة، وقد وقع التّصريح بذلك فقال " أرضعتني وأبا سلمة ".
وإنّما نبّهت على ذلك , لأنّ صاحب " المشارق " نقل أنّ بعض الرّواة عن أبي ذرّ رواها بكسر الهمزة وتشديد التّحتانيّة. فصحّف.
ويكفي في الرّدّ عليه قوله " إنّها ابنة أخي من الرّضاعة " ووقع في روايةٍ لمسلمٍ " أرضعتني وأباها أبا سلمة ".
стр. 2640
ووجه إيراد الحديث في أبواب النفقات (١) الإشارة إلى أنَّ إرضاع الأم ليس متحتماً , بل لها أن ترضع ولها أن تمتنع. فإذا امتنعت فإنَّ للأب أو الولي إرضاع الولد بالأجنبية حرةً كانت أو أمةً متبرعةً كانت أو بأجرةٍ , والاجرة تدخل في النفقة.
قال ابن بطّالٍ: كانت العرب تكره رضاع الإماء , وترغب في رضاع العربيّة لنجابة الولد، فأعلمهم النّبيّ ﷺ أنّه قد رضع من غير العرب وأنجب , وأنّ رضاع الإماء لا يهجّن. انتهى.
وهو معنى حسن إلَّا أنه لا يفيد الجواب عن السؤال الذي أوردتُه , وكذا قول بن المنير: أشار البخاري إلى أنَّ حرمة الرضاع تنتشر سواء كانت المرضعة حرة أم أمة. والله أعلم
قوله: (فلا تعرضنَّ) بفتح أوّله وسكون العين وكسر الرّاء بعدها معجمة ساكنة ثمّ نون على الخطاب لجماعة النّساء. وبكسر المعجمة وتشديد النّون خطاب لأمّ حبيبة وحدها، والأوّل أوجه.
وقال ابن التّين: ضبط بضمّ الضّاد في بعض الأمّهات، ولا أعلم له وجهاً لأنّه إنْ كان الخطاب لجماعة النّساء - وهو الأبين - فهو بسكون الضّاد , لأنّه فعل مستقبل مبنيّ على أصله، ولو أدخلت عليه التّأكيد فشدّدت النّون لكان تعرضنانّ لأنّه يجتمع ثلاث نونات فيفرّق
стр. 2641
بينهنّ بألفٍ، وإن كان الخطاب لأمّ حبيبة خاصّة فتكون الضّاد مكسورة والنّون مشدّدة.
وقال القرطبيّ: جاء بلفظ الجمع - وإن كانت القصّة لاثنين وهما أمّ حبيبة وأمّ سلمة - ردعاً وزجراً أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك، وهذا كما لو رأى رجلٌ امرأة تكلم رجلاً , فقال لها: أتكلمين الرّجال. فإنّه مستعمل شائع.
وكان لأمّ سلمة من الأخوات قريبة زوج زمعة بن الأسود، وقريبة الصّغرى زوج عمر ثمّ معاوية، وعزّة بنت أبي أُميَّة زوج منبّه بن الحجّاج، ولها من البنات زينب راوية الخبر، ودرّة التي قيل إنّها مخطوبة.
وكان لأمّ حبيبة من الأخوات هند زوج الحارث بن نوفل، وجويريّة زوج السّائب بن أبي حبيش، وأميمة زوج صفوان بن أُميَّة، وأمّ الحكم زوج عبد الله بن عثمان، وصخرة زوج سعيد بن الأخنس، وميمونة زوج عروة بن مسعود.
ولها من البنات حبيبة. وقد روت عنها الحديث ولها صحبة , وكان لغيرهما من أمّهات المؤمنين من الأخوات أمّ كلثوم وأمّ حبيبة ابنتا زمعة أختا سودة، وأسماء أخت عائشة، وزينب بنت عمر أخت حفصة وغيرهنّ، والله أعلم.
قوله: (ولا أخواتكنّ) الجمع بين الأختين في التّزويج حرام بالإجماع، سواء كانتا شقيقتين أم من أب أم من أمّ، وسواء النّسب
стр. 2642
والرّضاع.
واختلف فيما إذا كانتا بملك اليمين.
القول الأول: أجازه بعض السّلف , وهو رواية عن أحمد
القول الثاني: الجمهور، وفقهاء الأمصار على المنع.
ونظيره الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها، وحكاه الثّوريّ عن الشّيعة.
قوله: (قال عروة) هو بالإسناد المذكور، وقد علَّق البخاري طرفاً منه في آخر النّفقات فقال: قال شعيب عن الزّهريّ. قال عروة. فذكره. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق الذّهليّ عن أبي اليمان بإسناده.
قوله: (وثويبة مولاة لأبي لهب) ذكرها ابن منده في " الصّحابة " وقال: اختلف في إسلامها. وقال أبو نعيم: لا نعلم أحداً ذكر إسلامها غيره، والذي في السّير , أنّ النّبيّ ﷺ كان يكرمها، وكانت تدخل عليه بعدما تزوّج خديجة، وكان يرسل إليها الصّلة من المدينة، إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت , ومات ابنها مسروح.
قوله: (وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النّبيّ ﷺ ) ظاهره أنّ عتقه لها كان قبل إرضاعها، والذي في السّير يخالفه، وهو أنّ أبا لهب أعتقها قبل الهجرة وذلك بعد الإرضاع بدهرٍ طويل.
وحكى السّهيليّ أيضاً أنّ عتقها كان قبل الإرضاع، وسأذكر كلامه.
قوله: (أُرِيَه) بضمّ الهمزة وكسر الرّاء وفتح التّحتانيّة على البناء
стр. 2643
للمجهول.
قوله: (بعضُ أهله) بالرّفع على أنّه النّائب عن الفاعل.
وذكر السّهيليّ , أنّ العبّاس قال: لَمَّا مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شرّ حال فقال: ما لقيتُ بعدكم راحة، إلَّا أنّ العذاب يخفّف عنّي كلّ يوم اثنين، قال: وذلك أنّ النّبيّ ﷺ ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشّرت أبا لهب بمولده فأعتقها.
قوله: (بشرّ حِيبة) بكسر المهملة وسكون التّحتانيّة بعدها موحّدة. أي سوء حال، وقال ابن فارس: أصلها الحوبة وهي المسكنة والحاجة، فالياء في حيبة منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها.
ووقع في " شرح السّنّة للبغويّ " بفتح الحاء.
ووقع عند المستملي بفتح الخاء المعجمة. أي: في حالة خائبة من كلّ خير. وقال ابن الجوزيّ: هو تصحيف.
وقال القرطبيّ: يروى بالمعجمة، ووجدته في نسخة معتمدة بكسر المهملة وهو المعروف، وحكى في " المشارق " عن رواية المستملي بالجيم , ولا أظنّه إلَّا تصحيفاً، وهو تصحيف كما قال.
قوله: (ماذا لقيت؟) أي: بعد الموت.
قوله: (لَم ألق بعدكم، غير أنّي) كذا في الأصول بحذف المفعول، وفي رواية الإسماعيليّ " لَم ألق بعدكم رخاء " وعند عبد الرّزّاق عن معمر عن الزّهريّ " لَم ألق بعدكم راحة ".
قال ابن بطّال: سقط المفعول من رواية البخاريّ، ولا يستقيم
стр. 2644
الكلام إلَّا به.
قوله: (غير أنّي سُقيت في هذه) كذا في الأصول بالحذف أيضاً، ووقع في رواية عبد الرّزّاق المذكورة " وأشار إلى النّقرة التي تحت إبهامه " وفي رواية الإسماعيليّ المذكورة " وأشار إلى النّقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع.
وللبيهقيّ في " الدّلائل " مثله بلفظ " يعني النّقرة .. إلخ " وفي ذلك إشارة إلى حقارة ما سقي من الماء.
قوله: (بعتاقتي) بفتح العين، في رواية عبد الرّزّاق " بعتقي " وهو أوجه والوجه الأولى أن يقول بإعتاقي، لأنّ المراد التّخليص من الرّقّ.
وفي الحديث دلالة على أنّ الكافر قد ينفعه العمل الصّالح في الآخرة؛ لكنّه مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً).
وأجيب:
أوّلاً: بأنّ الخبر مرسلٌ أرسله عروة , ولَم يذكر من حدّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجّة فيه، ولعل الذي رآها لَم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتجّ به.
ثانياً: على تقدير القبول. فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنّبيّ ﷺ مخصوصاً من ذلك، بدليل قصّة أبي طالب أنّه خفّف عنه فنقل من
стр. 2645
الغمرات إلى الضّحضاح (١).
وقال البيهقيّ: ما ورد من بطلان الخير للكفّار فمعناه أنّهم لا يكون لهم التّخلص من النّار ولا دخول الجنّة، ويجوز أن يخفّف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات.
وأمّا عياض فقال: انعقد الإجماع على أنّ الكفّار لا تنفعهم أعمالهم , ولا يثابون عليها بنعيمٍ , ولا تخفيف عذاب؛ وإن كان بعضهم أشدّ عذاباً من بعض.
قلت: وهذا لا يردّ الاحتمال الذي ذكره البيهقيّ، فإنّ جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأمّا ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه؟.
وقال القرطبيّ: هذا التّخفيف خاصّ بهذا وبمن ورد النّصّ فيه.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: هنا قضيّتان.
إحداهما: محال وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأنّ شرط الطّاعة أن تقع بقصدٍ صحيح، وهذا مفقود من الكافر.
стр. 2646
الثّانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضّلاً من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرّر ذلك لَم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضّل الله عليه بما شاء كما تفضّل على أبي طالب، والمتّبع في ذلك التّوقيف نفياً وإثباتاً.
قلت: وتتمّة هذا أن يقع التّفضّل المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البرّ له ونحو ذلك، والله أعلم
وفيه عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لِمَا فيه من النّفع العائد على المعروضة عليه، وأنّه لا استحياء في ذلك.
وفيه أنّه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوّجاً.
стр. 2647
الحديث الخامس
٣٠٩ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها. (١)
قوله: (لا يُجمعُ) ولمسلم من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة " لا تنكحُ .. " كلّه في الرّوايات بالرّفع على الخبر عن المشروعيّة وهو يتضمّن النّهي. قاله القرطبيّ.
وللبخاري من طريق عاصم الأحول عن الشّعبيّ، سمع جابراً ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمّتها أو خالتها ".
ثم قال البخاري: وقال داود وابن عونٍ عن الشّعبيّ، عن أبي هريرة. انتهى
أمّا رواية داود - وهو ابن أبي هند - فوصلها أبو داود والتّرمذيّ والدّارميّ من طريقه قال: حدّثنا عامر هو الشّعبيّ أنبأنا أبو هريرة , أنّ رسول الله ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمّتها. أو المرأة على خالتها، أو العمّة على بنت أخيها، أو الخالة على بنت أختها لا الصّغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصّغرى " لفظ الدّارميّ. والتّرمذيّ نحوه،
стр. 2648
ولفظ أبي داود " لا تُنكح المرأة على عمّتها , ولا على خالتها ".
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن داود بن أبي هند فقال: عن محمّد بن سيرين عن أبي هريرة. فكأنّ لداود فيه شيخين، وهو محفوظ لابن سيرين عن أبي هريرة من غير هذا الوجه.
وأمّا رواية ابن عون - وهو عبد الله - فوصلها النّسائيّ من طريق خالد بن الحارث عنه بلفظ " لا تزوّج المرأة على عمّتها ولا على خالتها " ووقع لنا في " فوائد أبي محمّد بن أبي شُريح " من وجه آخر عن ابن عون بلفظ " نهى أن تنكح المرأة على ابنة أخيها , أو ابنة أختها ".
والذي يظهر أنّ الطّريقين محفوظان، وقد رواه حمّاد بن سلمة عن عاصم عن الشّعبيّ عن جابر أو أبي هريرة , لكن نقل البيهقيّ عن الشّافعيّ: أنّ هذا الحديث لَم يرو من وجهٍ يثبته أهل الحديث إلَّا عن أبي هريرة، وروي من وجوه لا يثبتها أهل العلم بالحديث.
قال البيهقيّ: هو كما قال، قد جاء من حديث عليّ وابن مسعود وابن عمر وابن عبّاس وعبد الله بن عمرو وأنس وأبي سعيد وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصّحيح، وإنّما اتّفقا على إثبات حديث أبي هريرة. وأخرج البخاريّ روايةَ عاصم عن الشّعبيّ عن جابر , وبيّن الاختلاف على الشّعبيّ فيه، قال: والحفّاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصّواب رواية ابن عون وداود بن أبي هند. انتهى.
وهذا الاختلاف لَم يقدح عند البخاريّ، لأنّ الشّعبيّ أشهر بجابر
стр. 2649
منه بأبي هريرة، وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصّحيح. أخرجها النّسائيّ من طريق ابن جريجٍ عن أبي الزّبير عن جابر، والحديث محفوظ أيضاً من أوجهٍ عن أبي هريرة، فلكلٍّ من الطّريقين ما يعضّده.
وقول من نقل البيهقيّ عنهم تضعيف حديث جابر , معارَض بتصحيح التّرمذيّ وابن حبّان وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاريّ له موصولاً قوّة.
قال ابن عبد البرّ: كان بعض أهل الحديث يزعم أنّه لَم يرو هذا الحديث غير أبي هريرة - يعني من وجه يصحّ - وكأنّه لَم يصحّح حديث الشّعبيّ عن جابر , وصحَّحه عن أبي هريرة، والحديثان جميعاً صحيحان.
وأمّا من نقل البيهقيّ , أنّهم رووه من الصّحابة غير هذين فقد ذكر مثل ذلك التّرمذيّ بقوله , " وفي الباب " , لكن لَم يذكر ابن مسعود , ولا ابن عبّاس , ولا أنساً، وزاد بدلهم أبا موسى وأبا أُمامة وسمرة.
ووقع لي أيضاً من حديث أبي الدّرداء , ومن حديث عتّاب بن أسيد , ومن حديث سعد بن أبي وقّاص , ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود.
فصار عدّة مَن رواه غير الأوّلين ثلاثة عشر نفساً، وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والنّسائيّ وابن ماجه وأبي يعلى والبزّار والطّبرانيّ وابن حبّان وغيرهم.
стр. 2650
ولولا خشية التّطويل لأوردتها مفصّلة.
لكن في لفظ حديث ابن عبّاس عند ابن أبي داود , أنّه كره أن يجمع بين العمّة والخالة وبين العمّتين والخالتين، وفي روايته عند ابن حبّان " نهى أن تزوّج المرأة على العمّة والخالة، وقال: إنّكنّ إذا فعلتنّ ذلك قطعتنّ أرحامكنّ ".
قال الشّافعيّ: تحريم الجمع بين من ذكر. هو قول من لقيته من المفتين لا اختلاف بينهم في ذلك.
وقال التّرمذيّ بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامّة أهل العلم. لا نعلم بينهم اختلافاً , أنّه لا يحلّ للرّجل أن يجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها , ولا أن تنكح المرأة على عمّتها أو خالتها.
وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافاً اليوم، وإنّما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسّنّة واتّفق أهل العلم على القول به لَم يضرّه خلاف من خالفه.
وكذا نقل الإجماع ابن عبد البرّ وابن حزم والقرطبيّ والنّوويّ.
لكن استثنى ابن حزم عثمان البتّيّ. وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة - وهو بفتح الموحّدة وتشديد المثنّاة - واستثنى النّوويّ طائفة من الخوارج والشّيعة.
واستثنى القرطبيّ الخوارج ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمّتها وخالتها، ولا يعتدّ بخلافهم لأنّهم مرقوا من الدّين. انتهى.
стр. 2651
وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيّنٌ، فإنّ عمدتهم التّمسّك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتّة , وإنّما يردّون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثّقة بنقلتها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن.
ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها عن جمهور العلماء ولَم يعيّن المخالف.
وقال النّوويّ: احتجّ الجمهور بهذه الأحاديث , وخصّوا بها عموم القرآن في قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) , وقد ذهب الجمهور إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، وانفصل صاحب الهداية من الحنفيّة عن ذلك بأنّ هذا من الأحاديث المشهورة التي تجوز الزّيادة على الكتاب بمثلها، والله أعلم
قوله: (على عمّتها) ظاهره تخصيص المنع بما إذا تزوّج إحداهما على الأخرى، ويؤخذ منه منع تزويجهما معاً، فإن جمع بينهما بعقدٍ بطلا أو مرتّباً بطل الثّاني.
فائدة: أخرج أبو داود وابن أبي شيبة من مرسل عيسى بن طلحة: نهى رسول الله ﷺ أن تُنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة.
وأخرج الخلال من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن أبي بكر وعمر وعثمان , أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافةَ الضغائن.
وقد نُقل العمل بذلك عن ابن أبي ليلى وعن زفر أيضا.
стр. 2652
ولكن انعقد الإجماع على خلافه. وقاله ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما.
стр. 2653
الحديث السادس
٣١٠ - عن عقبة بن عامرٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ أحقّ الشروط أنْ توفوا به، ما استحللتم به الفروج. (١)
قوله: (عن عقبة بن عامرٍ ﵁) الجهني. (٢)
قوله: (إنّ أحقّ الشروط أن توفوا به) وللبخاري من طريق ليث عن يزيد بن أبي حبيبٍ " أحقّ ما أوفيتم من الشّروط أن توفوا به ".
ولمسلم من طريق عبد الحميد بن جعفر عن يزيد " أحقّ الشّروط أن يوفى به "
стр. 2654
قوله: (ما استحللتم به الفروج) أي: أحقّ الشّروط بالوفاء شروط النّكاح , لأنّ أمره أحوط وبابه أضيق.
وقال الخطّابيّ: الشّروط في النّكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتّفاقاً , وهو ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريح بإحسانٍ، وعليه حمل بعضهم هذا الحديث. ومنها ما لا يوفى به اتّفاقاً كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختلف فيه كاشتراط أن لا يتزوّج عليها , أو لا يتسرّى , أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله.
وعند الشّافعيّة الشّروط في النّكاح على ضربين:
الضرب الأول: ما يرجع إلى الصّداق فيجب الوفاء به.
الضرب الثاني: ما يكون خارجاً عنه فيختلف الحكم فيه، فمنه ما يتعلق بحقّ الزّوج، ومنه ما يشترطه العاقد لنفسه خارجاً عن الصّداق , وبعضهم يسمّيه الحلوان.
فقيل: هو للمرأة مطلقاً , وهو قول عطاء وجماعة من التّابعين , وبه قال الثّوريّ وأبو عبيد.
وقيل: هو لمن شرطه. قاله مسروق وعليّ بن الحسين.
وقيل: يختصّ ذلك بالأب دون غيره من الأولياء.
وقال الشّافعيّ: إن وقع نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجاً عنه لَم يجب.
وقال مالك: إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجاً عنه فهو لمن وهب له.
стр. 2655
وجاء ذلك في حديث مرفوع. أخرجه النّسائيّ من طريق ابن جريجٍ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص , أنّ النّبيّ ﷺ قال: أيّما امرأة نكحت على صداق أو حياء أو عدّة قبل عصمة النّكاح فهو لها، فما كان بعد عصمة النّكاح فهو لمن أعطيه، وأحقّ ما أكرم به الرّجل ابنته أو أخته.
وأخرجه البيهقيّ من طريق حجّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة نحوه.
وقال التّرمذيّ بعد تخريجه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصّحابة منهم عمر قال: إذا تزوّج الرّجل المرأة وشرط أن لا يخرجها لزم. وبه يقول الشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
كذا قال، والنّقل في هذا عن الشّافعيّ غريبٌ، بل الحديث عندهم محمول على الشّروط التي لا تنافي مقتضى النّكاح , بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراطه العشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسّكنى , وأن لا يقصّر في شيء من حقّها من قسمة ونحوها، وكشرطه عليها ألا تخرج إلَّا بإذنه , ولا تمنعه نفسها , ولا تتصرّف في متاعه إلَّا برضاه. ونحو ذلك.
وأمّا شرط ينافي مقتضى النّكاح. كأن لا يقسم لها أو لا يتسرّى عليها أو لا ينفق أو نحو ذلك فلا يجب الوفاء به , بل إن وقع في صلب العقد كفى وصحّ النّكاح بمهر المثل.
وفي وجهٍ: يجب المسمّى ولا أثر للشّرط، وفي قول للشّافعيّ: يبطل
стр. 2656
النّكاح. وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشّرط مطلقاً.
وقد استشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على الشّروط التي هي من مقتضيات النّكاح.
قال: تلك الأمور لا تؤثّر الشّروط في إيجابها، فلا تشتدّ الحاجة إلى تعليق الحكم باشتراطها، وسياق الحديث يقتضي خلاف ذلك، لأنّ لفظ " أحقّ الشّروط " يقتضي أن يكون بعض الشّروط يقتضي الوفاء بها , وبعضها أشدّ اقتضاء، والشّروط هي من مقتضى العقد مستوية في وجوب الوفاء بها.
قال التّرمذيّ: وقال عليٌّ سبق شرطُ الله شرطَها، قال: وهو قول الثّوريّ وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث الشّروط الجائزة لا المنهيّ عنها. انتهى
وقد اختلف عن عمر، فروى ابن وهب بإسنادٍ جيّد عن عبيد بن السّبّاق , أنّ رجلاً تزوّج امرأة فشرط لها أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشّرط , وقال: المرأة مع زوجها.
وروى سعيد بن منصور من طريق إسماعيل بن عبيد الله - وهو ابن أبي المهاجر - عن عبد الرّحمن بن غنمٍ قال: كنت مع عمر حيث تمسّ ركبتي ركبته. فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين تزوّجت هذه وشرطتْ لها دارها، وإنّي أجمع لأمري أو لشأني أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال: لها شرطها. فقال الرّجل: هلك الرّجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلِّق زوجها إلَّا طلقت. فقال عمر: المؤمنون على شروطهم
стр. 2657
، عند مقاطع حقوقهم.
ولابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من وجهٍ آخر عن ابن أبي المهاجر نحوه. وقال في آخر: فقال عمر: إنّ مقاطع الحقوق عند الشّروط، ولها ما اشترطت.
قال أبو عبيد: تضادّت الرّوايات عن عمر في هذا.
وقد قال بالقول الأوّل عمرو بن العاص، ومن التّابعين طاوسٌ وأبو الشّعثاء. وهو قول الأوزاعيّ.
القول الثاني: قال الليث والثّوريّ والجمهور. بقول عليٍّ حتّى لو كان صداق مثلها مائة مثلاً فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها فله إخراجها , ولا يلزمه إلَّا المسمّى.
القول الثالث: قالت الحنفيّة: لها أن ترجع عليه بما نقصته له من الصّداق.
القول الرابع: قال الشّافعيّ: يصحّ النّكاح ويلغُو الشّرط , ويلزمه مهر المثل , وعنه , يصحّ وتستحقّ الكلّ.
وقال أبو عبيد: والذي نأخذ به أنّا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن يحكم عليه بذلك. قال: وقد أجمعوا على أنّها لو اشترطت عليه أن لا يطأها لَم يجب الوفاء بذلك الشّرط , فكذلك هذا.
وممّا يقوّي حمل حديث عقبة على النّدب حديث عائشة في قصّة بريرة " كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " والوطء والإسكان وغيرهما من حقوق الزّوج إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطاً
стр. 2658
ليس في كتاب الله فيبطل.
وقد تقدّمت الإشارة إلى حديث " المسلمون عند شروطهم، إلَّا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً " (١) وحديث " المسلمون عند شرطهم ما وافق الحقّ ".
وأخرج الطّبرانيّ في " الصّغير " بإسنادٍ حسن عن جابر , أنّ النّبيّ ﷺ خطب أمّ مبشّر بنت البراء بن معرور , فقالت: إنّي شرطت لزوجي أن لا أتزوّج بعده، فقال النّبيّ ﷺ : إنّ هذا لا يصلح.
وقد ترجم المحبّ الطّبريّ على هذا الحديث " استحباب تقدّمة شيء من المهر قبل الدّخول " وفي انتزاعه من الحديث المذكور غموض، والله أعلم.
стр. 2659
الحديث السابع
٣١١ - عن ابن عمر ﵁، أنّ رسول الله ﷺ نهى عن الشّغار.
والشغار: أن يزوّج الرجل ابنته على أن يزوّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداقٌ. (١)
قوله: (نهى عن الشّغار) في رواية ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر " نهى عن نكاح الشّغار، ذكره ابن عبد البرّ، وهو مراد من حذفه. (٢)
قوله: (والشّغار أن يزوّج الرّجل ابنته .. إلخ) قال ابن عبد البرّ: ذَكَرَ تفسير الشّغار جميع رواة مالك عنه.
قلت: ولا يرِدُ على إطلاقه أنّ أبا داود أخرجه عن القعنبيّ. فلم يذكر التّفسير، وكذا أخرجه التّرمذيّ من طريق معن بن عيسى , لأنّهما اختصرا ذلك في تصنيفهما، وإلَّا فقد أخرجه النّسائيّ من طريق معنٍ بالتّفسير، وكذا أخرجه الخطيب في " المدرج " من طريق القعنبيّ.
стр. 2660
نعم اختلف الرّواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشّغار.
فالأكثر لَم ينسبوه لأحدٍ، ولهذا قال الشّافعيّ فيما حكاه البيهقيّ في " المعرفة ": لا أدري التّفسير عن النّبيّ ﷺ أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك.
ونسبه محرز بن عون وغيره لمالك.
قال الخطيب: تفسير الشّغار ليس من كلام النّبيّ ﷺ , وإنّما هو قول مالك وُصِل بالمتن المرفوع، وقد بيّن ذلك ابن مهديّ والقعنبيّ ومحرز بن عون، ثمّ ساقه كذلك عنهم.
ورواية محرز بن عون عند الإسماعيليّ والدّارقطنيّ في " الموطّآت " وأخرجه الدّارقطنيّ أيضاً من طريق خالد بن مخلد عن مالك قال: سمعت أنّ الشّغار أن يزوّج الرّجل .. إلخ، وهذا دالٌ على أنّ التّفسير من منقول مالك لا من مقوله.
ووقع عند البخاري في كتاب " ترك الحيل " من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث تفسير الشّغار من قول نافع , ولفظه " قال عبيد الله بن عمر: قلت لنافع: ما الشّغار؟ قال: ينكح ابنة الرّجل وينكحه ابنته بغير صداقٍ، وينكح أخت الرّجل وينكحه أخته بغير صداقٍ " فلعلَّ مالكاً أيضاً نقله عن نافع.
وقال أبو الوليد الباجّي: الظّاهر أنّه من جملة الحديث، وعليه يحمل حتّى يتبيّن أنّه من قول الرّاوي وهو نافع.
قلت: قد تبيّن ذلك، ولكن لا يلزم من كونه لَم يرفعه أن لا يكون
стр. 2661
في نفس الأمر مرفوعاً، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة وابن نمير عن عبيد الله بن عمر أيضاً (١) عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثله سواء.
قال: وزاد ابن نمير " والشّغار أن يقول الرّجل للرّجل زوّجني ابنتك وأزوّجك ابنتي وزوّجني أختك وأزوّجك أختي "
وهذا يحتمل: أن يكون من كلام عبيد الله بن عمر فيرجع إلى نافع.
ويحتمل: أن يكون تلقّاه عن أبي الزّناد.
ويؤيّد الاحتمال الثّاني. وروده في حديث أنس وجابر وغيرهما أيضاً.
فأخرج عبد الرّزّاق عن معمر عن ثابت وأبان عن أنس مرفوعاً: لا شغار في الإسلام، والشّغار أن يزوّج الرّجل الرّجل أخته بأخته.
وروى البيهقيّ من طريق نافع بن يزيد عن ابن جريجٍ عن أبي الزّبير عن جابر مرفوعاً: نهي عن الشّغار، والشّغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه.
وأخرج أبو الشّيخ في " كتاب النّكاح " من حديث أبي ريحانة , أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن المشاغرة، والمشاغرة أن يقول: زوِّج هذا من هذه , وهذه من هذا. بلا مهر.
стр. 2662
قال القرطبيّ: تفسير الشّغار صحيح موافق لِمَا ذكره أهل اللغة , فإن كان مرفوعاً فهو المقصود، وإن كان من قول الصّحابيّ فمقبول أيضاً , لأنّه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. انتهى
وقد اختلف الفقهاء. هل يُعتبر في الشّغار الممنوع؟.
ظاهر الحديث في تفسيره، فإنّ فيه وصفين.
أحدهما: تزويج من الوليّين وليّته للآخر بشرط أن يزوّجه وليّته.
الثّاني: خلوّ بُضعِ كلٍّ منهما من الصّداق.
فمنهم: من اعتبرهما معاً حتّى لا يمنع مثلاً إذا زوّج كلّ منهما الآخر بغير شرط وإن لَم يذكر الصّداق، أو زوّج كلّ منهما الآخر بالشّرط وذكر الصّداق.
وذهب أكثر الشّافعيّة. إلى أنّ عِلَّة النّهي الاشتراك في البضع , لأنّ بضع كلّ منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقاً مخالف لا يراد عقد النّكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصّداق , لأنّ النّكاح يصحّ بدون تسمية الصّداق.
واختلفوا فيما إذا لَم يصرّحا بذكر البضع.
فالأصحّ عندهم الصّحّة، ولكن وجد نصّ الشّافعيّ على خلافه , ولفظه: إذا زوّج الرّجل ابنته أو المرأة يلي أمرها من كانت لآخر على أنّ صداق كلّ واحدة بضع الأخرى , أو على أن ينكحه الأخرى ولَم يسمّ أحدٌ منهما لواحدةٍ منهما صداقاً فهذا الشّغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وهو منسوخ، هكذا ساقه البيهقيّ بإسناده الصّحيح
стр. 2663
عن الشّافعيّ.
قال: وهو الموافق للتّفسير المنقول في الحديث.
واختلف نصّ الشّافعيّ فيما إذا سمّى مع ذلك مهراً. فنصّ في " الإملاء " على البطلان، وظاهر نصّه في " المختصر " الصّحّة، وعلى ذلك اقتصر في النّقل عن الشّافعيّ من ينقل الخلاف من أهل المذاهب.
وقال القفّال: العلة في البطلان التّعليق والتّوقيف، فكأنّه يقول لا ينعقد لك نكاح بنتي حتّى ينعقد لي نكاح بنتك.
وقال الخطّابيّ: كان ابن أبي هريرة يُشبِّه برجلٍ تزوّج امرأة ويستثني عضواً من أعضائها. وهو ممّا لا خلاف في فساده، وتقرير ذلك أنّه يزوّج وليّته , ويستثني بضعها حيث يجعله صداقاً للأخرى.
وقال الغزاليّ في " الوسيط ": صورته الكاملة أن يقول زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك على أن يكون بضع كلّ واحدة منهما صداقاً للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ " ينبغي أن يزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر ليكون متّفقاً على تحريمه في المذهب. ونقل الخرقيّ , أنّ أحمد نصّ على أنّ عِلَّة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيمية في " المحرّر " أنّ العلة التّشريك في البضع.
وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه أحمد هو ظاهر التّفسير المذكور في الحديث لقوله فيه " ولا صداق بينهما " فإنّه يشعر بأنّ جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد.
стр. 2664
ثمّ قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأنّ عدم الصّداق له مدخل في النّهي، ويؤيّده حديث أبي ريحانة الذي تقدّم ذكره.
وقال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على أنّ نكاح الشّغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحّته.
القول الأول: الجمهور على البطلان.
القول الثاني: في روايةٍ عن مالك: يفسخ قبل الدّخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ.
القول الثالث: ذهب الحنفيّة: إلى صحّته ووجوب مهر المثل، وهو قول الزّهريّ ومكحول والثّوريّ والليث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول على مذهب الشّافعيّ، لاختلاف الجهة.
لكن قال الشّافعيّ: إنّ النّساء محرّمات إلَّا ما أحل الله أو ملك يمين، فإذا ورد النّهي عن نكاح تأكّد التّحريم
قال ابن بطّال: لا يكون البضع صداقاً عند أحد من العلماء , وإنّما قالوا: ينعقد النّكاح بمهر المثل إذا اجتمعت شروطه والصّداق ليس بركنٍ فيه، فهو كما لو عقد بغير صداق ثمّ ذكر الصّداق فصار ذكر البضع كلا ذكرٍ. انتهى.
وهذا محصّل ما قاله أبو زيد وغيره من أئمّة الحنفيّة.
وتعقّبه ابن السّمعانيّ فقال: ليس الشّغار إلَّا النّكاح الذي اختلفنا فيه , وقد ثبت النّهي عنه والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه , لأنّ العقد الشّرعيّ إنّما يجوز بالشّرع وإذا كان منهيّاً لَم يكن مشروعاً، ومن جهة
стр. 2665
المعنى أنّه يمنع تمام الإيجاب في البضع للزّوج والنّكاح لا ينعقد إلَّا بإيجابٍ كامل.
ووجه قولنا يمنع أنّ الذي أوجبه للزّوج نكاحاً هو الذي أوجبه للمرأة صداقاً، وإذا لَم يحصل كمال الإيجاب لا يصحّ فإنّه جعل عين ما أوجبه للزّوج صداقاً للمرأة فهو كمن جعل الشّيء لشخصٍ في عقد ثمّ جعل عينه لشخصٍ آخر فإنّه لا يكمل الجعل الأوّل.
قال: ولا يعارض هذا ما لو زوّج أمته آخر. فإنّ الزّوج يملك التّمتّع بالفرج والسّيّد يملك رقبة الفرج بدليل أنّها لو وطئت بعدُ بشبهةٍ يكون المهر للسّيّد، والفرق أنّ الذي جعله السّيّد للزّوج لَم يبقه لنفسه , لأنّه ملك التّمتّع بالأمة للزّوج وما عدا ذلك باقٍ له، وفي مسألة الشّغار جعل ملك التّمتّع الذي جعله للزّوج بعينه صداقاً للمرأة الأخرى ورقبة البُضع لا تدخل تحت ملك اليمين حتّى يصحّ جعله صداقاً.
تنبيهٌ: ذكر البنت في تفسير الشّغار مثال، وقد تقدّم في رواية أخرى ذكر الأخت.
قال النّوويّ: أجمعوا على أنّ غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهنّ كالبنات في ذلك، والله أعلم
تكميل: بوّب البخاريُّ على الحديث في كتاب الحيل " باب الحيلة في النكاح ".
قال ابن المنير: إدخال البخاريّ الشّغار في باب الحيل مع أنّ القائل