باب العدّة
الحديث التاسع عشر
٣٢٣ - عن سُبيعة الأسلميّة ﵂، أنها كانت تحت سعد بن خولة - وهو من بني عامر بن لؤيٍ، وكان ممن شهد بدراً - فتوفّي عنها في حجة الوداع، وهي حاملٌ، فلم تنشب أنْ وضعتْ حملَها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب، فدخل عليها أبو السّنابل بن بعككٍ - رجلٌ من بني عبد الدار - فقال لها: مالِي أراكِ مُتجمِّلةً؟ لعلك ترجّين النكاح، والله ما أنت بناكحٍ حتى تمرّ عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمَّا قال لي ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأنِي قد حللتُ حين وضعت حملي، وأمرني بالتّزويج إن بدا لي.
قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوَّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها، حتى تطهر. (١)
стр. 2837
قوله: (سبيعة الأسلميّة) هي بمهملة وموحّدة ثمّ مهملة تصغير سبع، ووقع في البخاري " سبيعة بنت الحارث " وذكرها ابن سعد في المهاجرات.
ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد " سبيعة بنت أبي برزة الأسلميّ " فإن كان محفوظاً فهو أبو برزة آخر غير الصّحابيّ المشهور، وهو إمّا كنية للحارث والد سبيعة , أو نُسبت في الرّواية المذكورة إلى جدٍّ لها.
قوله: (كانت تحت سعد بن خولة) تقدّم الكلام عليه (١)
قوله: (فتوفّي عنها في حجة الوداع) نقل ابن عبد البرّ الاتّفاق على ذلك، وفي ذلك نظرٌ. فقد ذكر: محمّد بن سعد أنّه مات قبل الفتح، وذكر الطّبريّ أنّه مات سنة سبع، وقد ذكرتُ شيئاً من ذلك في كتاب الوصايا (٢).
وفي البخاري " أنّه قتل " ومعظم الرّوايات على أنّه مات. وهو المعتمد.
ووقع للكرمانيّ: لعل سبيعة قالت: قتل , بناء على ظنّ منها في ذلك فتبيّن أنّه لَم يقتل.
وهذا الجمع يمجّه السّمع، وإذا ظنّت سبيعة أنّه قتل , ثمّ تبيّن لها
стр. 2838
أنّه لَم يُقتل , فكيف تجزم بعد دهر طويل بأنّه قتل؟ (١).
فالمعتمد أنّ الرّواية التي فيها قتل - إن كانت محفوظة - ترجّحت , لأنّها لا تنافي مات أو توفّي، وإن لَم يكن في نفس الأمر قتل فهي رواية شاذّة.
قوله: (وهي حاملٌ) ذكر الكرمانيّ: أنّه وقع في بعض طرق حديث سبيعة , أنّ زوجها مات وهي حاملةٌ وفي معظمها حاملٌ , وهو الأشهر , لأنّ الحمل من صفات النّساء فلا يحتاج إلى علامة التّأنيث.
ووجه الأوّل: أنّه أريد بأنّها ذات حملٍ بالفعل كما قيل في قوله تعالى (تذهل كل مرضعة) فلو أريد أنّ الإرضاع من شأنها لقيل كل مرضعٍ. انتهى.
والذي وقفنا عليه في جميع الرّوايات , وهي حاملٌ , وفي كلام أبي السّنابل لست بناكحٍ.
стр. 2839
قوله: (فلم تنشب أنْ وضعت حملها بعد وفاته) وللبخاري عن المسور " بعد وفاة زوجها بليالٍ " ووقع في رواية محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن أبي سلمة عن سبيعة عند أحمد " فلم أمكث إلَّا شهرين حتّى وضعت " وفي رواية داود بن أبي عاصم " فولَدتُ لأدنى من أربعة أشهر ". وهذا أيضاً مبهمٌ.
وفي رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة عند البخاري " فوضعت بعد موته بأربعين ليلةٍ " كذا في رواية شيبان عنه , وفي رواية حجّاجٍ الصّوّاف عند النّسائيّ " بعشرين ليلةً ".
ووقع عند ابن أبي حاتمٍ من رواية أيّوب عن يحيى " بعشرين ليلة أو خمس عشرة " ووقعت في رواية الأسود " فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثةٍ وعشرين يوماً أو خمسةٍ وعشرين يوماً " كذا عند التّرمذيّ والنّسائيّ.
وعند ابن ماجه " ببضعٍ وعشرين ليلةً " وكأنّ الرّاوي ألغى الشّك , وأتى بلفظ يشمل الامرين , ووقع في رواية عبد ربّه بن سعيدٍ " بنصف شهرٍ " وكذا في رواية شعبة بلفظ " خمسة عشر نصف شهر " وكذا في حديث ابن مسعودٍ عند أحمد.
والجمع بين هذه الرّوايات متعذرٌ لاتّحاد القصّة , ولعلَّ هذا هو السّرّ في إبهام من أبهم المدّة إذ محل الخلاف أنْ تضع لدون أربعة أشهر وعشر , وهو هنا كذلك , فأقل ما قيل في هذه الرّوايات " نصف شهرٍ ".
стр. 2840
وأمّا ما وقع في بعض الشّروح , أنّ في البخاريّ رواية " عشر ليالٍ " وفي روايةٍ للطّبرانيّ " ثمانٍ أو سبعٍ " فهو في مدّة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النّبيّ ﷺ , لا في مدّة بقيّة الحمل , وأكثر ما قيل فيه بالتّصريح , شهرين وبغيره دون أربعة أشهرٍ.
قوله: (أبو السّنابل بن بعككٍ) بمهملةٍ ونون ثمّ موحّدة جمع سنبلة.
اختلف في اسمه. فقيل: عمرو. قاله ابن البرقيّ عن ابن هشام عمّن يثق به عن الزّهريّ. وقيل: عامر. روي عن ابن إسحاق، وقيل: حبّة بموحّدة بعد المهملة، وقيل: بنونٍ , وقيل: لبيدُ ربِّه، وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله.
ووقع في بعض الشّروح , وقيل: بغيض.
قلت: وهو غلط. والسّبب فيه أنّ بعض الأئمّة سئل عن اسمه , فقال: بغيض يسأل عن بغيض، فظنّ الشّارح أنّه اسمه، وليس كذلك , لأنّ في بقيّة الخبر اسمه لبيدُ ربِّه، وجزم العسكريّ بأنّ اسمه كنيته.
وبعكك بموحّدةٍ ثمّ مهملة ثمّ كافين بوزن جعفر بن الحارث بن عميلة بن السّبّاق بن عبد الدّار، وكذا نسبه ابن إسحاق.
وقيل: هو ابن بعكك بن الحجّاج بن الحارث بن السّبّاق. نقل ذلك عن ابن الكلبيّ ابنُ عبد البرّ. قال: وكان من المؤلَّفة , وسكن الكوفة، وكان شاعراً.
стр. 2841
ونقل التّرمذيّ عن البخاريّ أنّه قال: لا يعلم أنّ أبا السّنابل عاش بعد النّبيّ ﷺ ، كذا قال، لكن جزم ابن سعد أنّه بقي بعد النّبيّ ﷺ زمناً.
وقال ابن منده في " الصّحابة ": عداده في أهل الكوفة، وكذا قال أبو نعيمٍ أنّه سكن الكوفة.
وفيه نظرٌ , لأنّ خليفة قال: أقام بمكّة حتّى مات، وتبعه ابن عبد البرّ.
ويؤيّد كونه عاش بعد النّبيّ ﷺ قول ابن البرقيّ: أنّ أبا السّنابل تزوّج سبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السّنابل.
ومقتضى ذلك أن يكون أبو السّنابل عاش بعد النّبيّ ﷺ ، لأنّه وقع في رواية عبد ربّه بن سعيد عن أبي سلمة , أنّها تزوّجت الشّابّ، وكذا في رواية داود بن أبي عاصم , أنّها تزوّجت فتىً من قومها.
وتقدّم أنّ قصّتها كانت بعد حجّة الوداع فيحتاج , إن كان الشّابّ دخل عليها ثمّ طلَّقها , إلى زمان عدّة منه ثمّ إلى زمان الحمل حتّى تضع وتلد سنابل حتّى صار أبوه يكنّى به أبا السّنابل.
وقد أفاد محمّد بن وضّاحٍ فيما حكاه ابن بشكوالٍ وغيره عنه , أنّ اسم الشّابّ الذي خطب سبيعة هو وأبو السّنابل فآثرته على أبي السّنابل أبو البشر بن الحارث، وضبطه بكسر الموحّدة وسكون المعجمة.
وقد أخرج التّرمذيّ والنّسائيّ قصّة سبيعة من رواية الأسود عند
стр. 2842
أبي السّنابل بسندٍ على شرط الشّيخين إلى الأسود - وهو من كبار التّابعين من أصحاب ابن مسعود - ولَم يوصف بالتّدليس، فالحديث صحيح على شرط مسلم، لكنّ البخاريّ على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرّة. فلهذا قال ما نقله التّرمذيّ.
قوله: (والله ما أنت بناكحٍ حتى تمرّ عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ) وللبخاري عن أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ : أنّ امرأةً من أسلم يقال لها سبيعة، كانت تحت زوجها، توفّي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السّنابل بن بعككٍ، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتّى تعتدّي آخر الأجلين، فمكثت قريباً من عشر ليالٍ، ثمّ جاءت النّبيّ ﷺ فقال: انكحي.
ووقع في رواية الموطّأ " فخطبها رجلان أحدهما شابّ وكهل، فحطّت إلى الشّابّ، فقال الكهل: لَم تحلِّي، وكان أهلها غيّباً فرجا أن يؤثروه بها.
قوله: (جمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيت) هذا ظاهر في أنّها توجّهت إلى النّبيّ ﷺ في مساء اليوم الذي قال لها فيه أبو السّنابل ما قال.
وقد يخالف في الظّاهر قوله في هذه الطّريق الثّانية " فمكثتْ قريباً من عشر ليالٍ ثمّ جاءتْ النّبيّ ﷺ ".
ويمكن الجمع بينهما: أن يُحمل قولها " حين أمسيت " على إرادة وقت توجّهها، ولا يلزم منه أن يكون ذلك في اليوم الذي قال لها فيه ما قال.
стр. 2843
قوله: (فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتّزويج إن بدا لي).
قال جمهور العلماء من السّلف وأئمّة الفتوى في الأمصار: إنّ الحامل إذا مات عنها زوجها تحلُّ بوضع الحمل. وتنقضي عدّة الوفاة.
وخالف في ذلك عليٌّ. فقال: تعتد آخر الأجلين.
ومعناه أنّها إن وضعت قبل مضيّ أربعة أشهرٍ وعشرٍ تربّصت إلى انقضائها. ولا تحل بمجرّد الوضع , وإن انقضت المدّة قبل الوضع تربّصت إلى الوضع , أخرجه سعيد بن منصورٍ وعبد بن حميد عن عليّ بسند صحيح.
وبه قال ابن عبّاسٍ كما في الصحيحين (١) , ويقال إنّه رجع عنه , ويقوّيه أنّ المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك.
وفي البخاري معلَّقاً. ووصله الطبراني والبيهقي , أنَّ عبد الرّحمن بن أبي ليلى أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدّتها بالوضع , وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك.
وقد ثبت عن ابن مسعودٍ من عدّة طرقٍ , أنّه كان يوافق الجماعة , حتّى كان يقول: من شاء لاعنته على ذلك.
فقد أخرج أبو داود وابن أبي حاتم من طريق مسروق قال: بلغ ابنَ مسعود أنّ عليّاً يقول: تعتدّ آخر الأجلين، فقال: من شاء لاعنته أنّ التي في النّساء القصرى أنزلت بعد سورة البقرة، ثمّ قرأ (وأولات
стр. 2844
الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ) " وعرف بهذا مراده بسورة النّساء القصرى.
ويظهر من مجموع الطّرق في قصّة سبيعة , أنَّ أبا السنابل رجع عن فتواه أنّها لا تحل حتّى تمضي مدّة عدّة الوفاة , لأنّه قد روى قصّة سبيعة وردّ النّبيّ ﷺ ما أفتاها أبو السّنابل به , من أنّها لا تحل حتّى يمضي لها أربعة أشهرٍ وعشرٌ.
ولَم يرد عن أبي السّنابل تصريحٌ في حكمها لو انقضت المدّة قبل الوضع , هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدّة , أو لا؟.
لكن نقل غير واحدٍ الإجماع على أنّها لا تنقضي في هذه الحالة الثّانية حتّى تضع.
وقد وافق سحنونُ من المالكيّة عليّاً , نقله المازريّ وغيره , وهو شذوذٌ مردودٌ , لأنّه إحداث خلافٍ بعد استقرار الإجماع.
والسّبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما , فقوله تعالى (والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهرٍ وعشراً) عامّ في كل من مات عنها زوجها , يشمل الحامل وغيرها.
وقوله تعالى (وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ) عامٌّ أيضاً يشمل المطلقة والمتوفّى عنها.
فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثّانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة والصّغيرة قبلهما , ثمّ لَم يهملوا ما تناولته الآية
стр. 2845
الثّانية من العموم , لكن قصروه على من مضت عليها المدّة ولَم تضع , فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حقّ بعض من شمله العموم.
وقد أخرج الطّبريّ وابن أبي حاتم بطرقٍ متعدّدة إلى أبيّ بن كعب , أنّه قال للنّبيّ ﷺ (وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ) المطلقة ثلاثاً أو المتوفّى عنها زوجها؟ قال: هي للمطلقة ثلاثاً أو المتوفّى عنها.
وهذا المرفوع - وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده عن مقال - لكن كثرة طرقه تشعر بأنّ له أصلاً، ويعضده قصّة سبيعة المذكورة.
قال القرطبيّ (١): هذا نظرٌ حسنٌ , فإن الجمع أولى من التّرجيح باتّفاق أهل الأصول , لكنّ حديث سبيعة نصّ بأنّها تحل بوضع الحمل , فكان فيه بيانٌ للمراد بقوله تعالى (يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهرٍ وعشرا) أنّه في حقّ من لَم تضع , وإلى ذلك أشار ابن مسعودٍ بقوله: إنّ آية الطّلاق نزلت بعد آية البقرة.
وفهم بعضهم منه. أنّه يرى نسخ الأولى بالأخيرة , وليس ذلك مراده , وإنّما يعني أنّها مخصّصةٌ لها فإنّها أخرجت منها بعض متناولاتها.
وقال ابن عبد البرّ: لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال عليّ وابن عبّاس , لأنّهما عدتان مجتمعان بصفتين , وقد اجتمعتا في الحامل
стр. 2846
المتوفّى عنها زوجها , فلا تخرج من عدّتها إلَّا بيقينٍ واليقين آخر الأجلين. وقد اتّفق الفقهاء من أهل الحجاز والعراق , أنّ أمّ الولد لو كانت متزوّجةً فمات زوجها ومات سيّدها معاً , أنّ عليها أن تأتي بالعدّة والاستبراء , بأن تتربّص أربعة أشهرٍ وعشراً فيها حيضةٌ أو بعدها.
ويترجّح قول الجمهور أيضاً بأنّ الآيتين - وإن كانتا عامّتين من وجهٍ خاصّتين من وجهٍ - فكان الاحتياط أن لا تنقضي العدّة إلَّا بآخر الأجلين , لكن لَمَّا كان المعنى المقصود الأصليّ من العدّة براءة الرّحم , ولا سيّما فيمن تحيض يحصل المطلوب بالوضع ووافق ما دلَّ عليه حديث سبيعة , ويقوّيه قول ابن مسعود , في تأخّر نزول آية الطّلاق عن آية البقرة
قوله: (قال ابن شهاب) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الفقيه، نُسب إلى جد جده لشهرته. زهرة بن كلاب، وهو من رهط آمنة أم النبي ﷺ . اتفقوا على إتقانه وإمامته.
قوله: (ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها، حتى تطهر)
القول الأول: وبه قال الجمهور , بأنّه يجوز العقد عليها إذا وضعت ولو لَم تطهر من دم النّفاس.
واستدلوا بقوله " فأفتاني بأنّي حللتُ حين وضعتُ حملي "
стр. 2847
القول الثاني: قال الشّعبيّ والحسن والنّخعيّ وحمّاد بن سلمة: لا تنكح حتّى تطهر.
قال القرطبيّ: وحديث سبيعة حجّةٌ عليهم , ولا حجّة لهم في قوله في بعض طرقه " فلمّا تعلّت من نفاسها " , لأنّ لفظ تعلَّت كما يجوز أن يكون معناه طهرت جاز أن يكون استعلت من أَلَم النّفاس.
وعلى تقدير تسليم الأوّل , فلا حجّة فيه أيضاً , لأنّها حكاية واقعة سبيعة.
والحجّة إنّما هو في قول النّبيّ ﷺ : إنّها حلت حين وضعت. كما في حديث الزّهريّ , وفي رواية معمر عن الزّهريّ " حللتِ حين وضعتِ حملك " وكذا أخرجه أحمد من حديث أبيّ بن كعبٍ , أنّ امرأته أمّ الطّفيل قالت لعمر: قد أمر رسول الله ﷺ سبيعة أن تنكح إذا وضعت. وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى (أن يضعن حملهنّ) فعلَّق الحِلَّ بحين الوضع , وقصره عليه , ولَم يقل إذا طهرت , ولا إذا انقطع دمك. فصحّ ما قال الجمهور
وفي قصّة سبيعة من الفوائد.
أنّ الصّحابة كانوا يفتون في حياة النّبيّ ﷺ .
وأنّ المفتي إذا كان له ميلٌ إلى الشّيء لا ينبغي له أن يفتي فيه , لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو مرجوحٌ كما وقع لأبي السّنابل , حيث أفتى سبيعة أنّها لا تحل بالوضع لكونه كان خطبها فمنعته ورجا أنّها إذا قبلت ذلك منه , وانتظرت مضيّ المدّة حضر أهلها فرغّبوها في
стр. 2848
زواجه دون غيره.
وفيه ما كان في سبيعة من الشّهامة والفطنة , حيث تردّدت فيما أفتاها به حتّى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشّارع , وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتى , أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النّصّ في تلك المسألة.
ولعل ما وقع من أبي السّنابل من ذلك هو السّرّ في إطلاق النّبيّ ﷺ , أنّه كذب في الفتوى المذكورة. كما أخرجه أحمد من حديث ابن مسعودٍ , على أنَّ الخطأ قد يطلق عليه الكذب , وهو في كلام أهل الحجاز كثيرٌ.
وحمله بعض العلماء على ظاهره , فقال: إنّما كذّبه لأنّه كان عالماً بالقصّة , وأفتى بخلافه. حكاه ابن داود عن الشّافعي في شرح المختصر. وهو بعيدٌ.
وفيه الرّجوع في الوقائع إلى الأعلم , ومباشرة المرأة السّؤال عمّا ينزل بها ولو كان ممّا يستحي النّساء من مثله , لكن خروجها من منزلها ليلاً يكون أستر لها كما فعلت سبيعة.
وفيه أنَّ الحامل تنقضي عدّتها بالوضع على أيّ صفةٍ كان , من مضغةٍ أو من علقةٍ , سواء استبان خلق الآدميّ أم لا , لأنّه ﷺ رتّب الحِلَّ على الوضع من غير تفصيل.
وتوقَّف ابن دقيق العيد فيه. من جهة أنّ الغالب في إطلاق وضع الحامل هو الحمل التّامّ المتخلق , وأمّا خروج المضغة أو العلقة فهو
стр. 2849
نادرٌ , والحمل على الغالب أقوى , ولهذا نقل عن الشّافعيّ , قولٌ بأنّ العدّة لا تنقضي بوضع قطعة لحمٍ ليس فيها صورةٌ بيّنةٌ ولا خفيّةٌ.
وأجيب عن الجمهور: بأنّ المقصود في انقضاء العدّة براءة الرّحم وهو حاصلٌ بخروج المضغة أو العلقة.
بخلاف أمّ الولد فإنّ المقصود منها الولادة , وما لا يصدق عليه أنّه أصلُ آدميٍ لا يقال فيه ولدت.
وفيه جواز تجمّل المرأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطبها , لأنّ في رواية الزّهريّ التي في البخاري فقال " مالي أراكِ تَجمّلتِ للخطاب " وفي رواية ابن إسحاق " فتهيّأت للنّكاح واختضبت ".
وفي رواية معمّرٍ عن الزّهري عند أحمد " فلقيها أبو السّنابل وقد اكتحلت " وفي رواية الأسود " فتطيّبت وتصنّعت ".
واستدل به على أنّ المرأة لا يجب عليها التّزويج , لقولها في الخبر " وأمرني بالتّزويج إن بدا لي " وهو مبيّنٌ للمراد من قوله في رواية سليمان بن يسارٍ عن كريب عن أم سلمة عند مسلم " وأمرها بالتّزويج " فيكون معناه وأذن لها.
وكذا ما وقع في البخاري عن أم سلمة " فقال: انكحي " وفي رواية ابن إسحاق عند أحمد " فقد حللتِ فتزوّجي ".
ووقع في رواية الأسود عن أبي السنابل عند ابن ماجه في آخره فقال: إن وجدتِ زوجاً صالحاً فتزوجي. وفي حديث ابن مسعودٍ عند أحمد " إذا أتاك أحدٌ ترضينه ".
стр. 2850
وفيه أنَّ الثّيّب لا تزوّج إلَّا برضاها من ترضاه , ولا إجبار لأحدٍ عليها , وقد تقدّم بيانه في غير هذا الحديث. (١)
стр. 2851
الحديث العشرون
٣٢٤ - عن زينب بنت أمّ سلمة ﵄، قالت: توفّي حَميمٌ لأمّ حبيبة، فدعتْ بصُفرةٍ فمسحت بذراعيها، فقالت: إنما أصنع هذا لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يَحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تُحدِّ على ميتٍ فوق ثلاثٍ، إلَّا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشراً. (١)
قوله: (زينب بنت أمّ سلمة) أي: بنت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهي ربيبة النّبيّ ﷺ , وزعم ابن التّين (٢). أنّها لا رواية لها عن رسول الله ﷺ .
كذا قال، وقد أخرج لها مسلم حديثها: كان اسمي برّة فسمّاني رسول الله ﷺ زينب. الحديث، وأخرج لها البخاريّ حديثاً في أوائل السّيرة النّبويّة. (٣)
стр. 2852
قوله: (توفّي حميمٌ لأمّ حبيبة) وللشيخين من طريق سفيان حدّثنا أيّوب بن موسى قال: أخبرني حميد بن نافعٍ عن زينب بنت أبي سلمة قالت: لَمَّا جاء نعي أبي سفيان " زاد البخاري " من الشّأم. دعت في اليوم الثّالث بصفرةٍ ".
والنعي - بفتح النّون وسكون المهملة وتخفيف الياء وكسر المهملة وتشديد الياء - هو الخبر بموت الشّخص، وأبو سفيان هو ابن حرب بن أُميَّة والد معاوية.
وفي قوله " من الشّام " نظرٌ، لأنّ أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار.
والجمهور على أنّه مات سنة اثنتين وثلاثين , وقيل: سنة ثلاث.
ولَم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك , إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه. وأظنّها وهماً، وكنت أظنّ أنّه حذف منه لفظ " ابن " لأنّ الذي جاء نعيه من الشّام , وأمّ حبيبة في الحياة , هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميراً على الشّام.
لكن رواه البخاري من طريق مالك , ومن طريق سفيان الثّوريّ كلاهما عن عبد الله بن بكر بن حزم عن حميد بن نافع بلفظ " حين توفّي عنها أبوها أبو سفيان بن حرب ".
стр. 2853
فظهر أنّه لَم يسقط منه شيء، ولَم يقل فيه واحد منهما من الشّام، وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أمّ حبيبة من طريق صفيّة بنت أبي عبيد عنها.
ثمّ وجدت الحديث في مسند ابن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع حدّثنا شعبة عن حميد بن نافع , ولفظه " جاء نعي أخي أمّ حبيبة , أو حميم لها , فدعتْ بصفرةٍ فلطخت به ذراعيها ".
وكذا رواه الدّارميّ عن هاشم بن القاسم عن شعبة , لكن بلفظ " إنّ أخاً لأمّ حبيبة مات أو حميماً لها ". ورواه أحمد عن حجّاج ومحمّد بن جعفر جميعاً عن شعبة بلفظ " إنّ حميماً لها مات " من غير تردّد.
وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظّنّ عند هذا أن تكون القصّة تعدّدت لزينب مع أمّ حبيبة عند وفاة أخيها يزيد , ثمّ عند وفاة أبيها أبي سفيان. لا مانع من ذلك. والله أعلم
قوله: (بصفرةٍ فمسحت بذراعيها) في رواية مالك عن حميد عند الشيخين " بطيبٍ فيه صفرة خلوق ". وزاد فيه " فدهنت منه جارية ثمّ مسّت بعارضيها - أي بعارضي نفسها - ثم قالت: والله مالي بالطيب حاجة. غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول .. "
قوله: (لا يحلّ) استدل به على تحريم الإحداد على غير الزّوج وهو واضح، وعلى وجوب الإحداد المدّة المذكورة على الزّوج.
واستشكل بأنّ الاستثناء وقع بعد النّفي , فيدلّ على الحلّ فوق
стр. 2854
الثّلاث على الزّوج لا على الوجوب.
وأجيب: بأنّ الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع.
ورُدّ: بأنّ المنقول عن الحسن البصريّ , أنّ الإحداد لا يجب. أخرجه ابن أبي شيبة، ونقل الخلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشّعبيّ , أنّه كان لا يعرف الإحداد.
قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبحّراً من هذين - يعني الحسن والشّعبيّ - قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى
ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج , وإن كان فيها ردٌّ على من ادّعى الإجماع.
وفي أثر الشّعبيّ تعقّب على ابن المنذر , حيث نفى الخلاف في المسألة إلَّا عن الحسن، وأيضاً فحديث التي شكَتْ عينها (١) دالٌ على الوجوب، وإلا لَم يمتنع التّداوي المباح.
وأجيب أيضاً: بأنّ السّياق يدلّ على الوجوب، فإنّ كلّ ما منع منه إذا دلَّ دليل على جوازه كان ذلك الدّليل دالاً بعينه على الوجوب , كالختان والزّيادة على الرّكوع في الكسوف ونحو ذلك.
قوله: (لامرأةٍ) تمسّك بمفهومه الحنفيّة , فقالوا: لا يجب الإحداد على الصّغيرة.
وذهب الجمهور. إلى وجوب الإحداد عليها كما تجب العدّة.
وأجابوا عن التّقييد بالمرأة: أنّه خرج مخرج الغالب، وعن كونها
стр. 2855
غير مكلفة بأنّ الوليّ هو المخاطب بمنعها ممّا تمنع منه المعتدّة.
ودخل في عموم قوله " امرأة " المدخول بها وغير المدخول بها حرّة كانت أو أمة , ولو كانت مبعّضة أو مكاتبة , أو أمّ ولد إذا مات عنها زوجها لا سيّدها , لتقييده بالزّوج في الخبر خلافاً للحنفيّة.
قوله: (تؤمن بالله واليوم الآخر) استدل به الحنفيّة بأن لَّا إحداد على الذمّيّة للتّقييد بالإيمان، وبه قال بعض المالكيّة وأبو ثور، وترجم عليه النّسائيّ بذلك.
وأجاب الجمهور: بأنّه ذكر تأكيداً للمبالغة في الزّجر فلا مفهوم له، كما يقال هذا طريق المسلمين وقد يسلكه غيرهم.
وأيضاً فالإحداد من حقّ الزّوج، وهو ملتحقٌ بالعدّة في حفظ النّسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النّهي عن السّوم على سوم أخيه، ولأنّه حقّ للزّوجيّة فأشبه النّفقة والسّكنى.
ونقل السّبكيّ في فتاويه عن بعضهم , أنّ الذّمّيّة داخلة في قوله " تؤمن بالله واليوم الآخر " وردّ على قائله , وبيّن فساد شبهته. فأجاد.
وقال النّوويّ: قيّد بوصف الإيمان , لأنّ المتّصف به هو الذي ينقاد للشّرع.
قال ابن دقيق العيد: والأوّل أولى، وفي رواية عند المالكيّة , أنّ الذّمّيّة المتوفّي عنها تعتدّ بالأقراء.
قال ابن العربيّ: هو قول مَن قال: لا إحداد عليها
قوله: (تُحدّ) بضمّ أوّله وكسر ثانيه من الرّباعيّ، ويجوز بفتحةٍ ثمّ
стр. 2856
ضمّة من الثّلاثيّ.
قال ابن بطّال: الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزّينة كلّها من لباس وطيب وغيرهما , وكلّ ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشّارع للمرأة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثة أيّام لِمَا يغلب من لوعة الحزن ويهجم من أَلَم الوجد، وليس ذلك واجباً لاتّفاقهم على أنّ الزّوج لو طالبها بالجماع لَم يحلّ لها منعه من تلك الحال.
قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع , ومنه سُمّي البوّاب حدّاداً لمنعه الدّاخل، وسُمّيت العقوبة حدّاً لأنّها تردع عن المعصية.
وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسها الزّينة وبدنها الطّيب ومنع الخطّاب خطبتها والطّمع فيها كما منع الحدّ المعصية.
وقال الفرّاء: سمّي الحديد حديداً للامتناع به أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النّظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات.
ويروى بالجيم حكاه الخطّابيّ , قال: يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشّيء إذا قطعته، فكأنّ المرأة انقطعت عن الزّينة.
وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ حدّت , ولَم يعرف إلَّا أحدّت.
وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون أحدّت. والأخرى أكثر ما في كلام العرب.
قوله: (على ميّت) يعمّ كلّ ميّت غير الزّوج. سواء كان قريباً أو
стр. 2857
أجنبيّاً.
واستدل به لمَن قال لا إحداد على امرأة المفقود , لأنّه لَم تتحقّق وفاته خلافاً للمالكيّة.
قوله: (فوق ثلاثٍ) في رواية للشيخين " فوق ثلاث ليالٍ " وللبخاري " فوق ثلاثة أيّامٍ " وجمع بإرادة الليالي بأيّامها، ويحمل المطلق هنا على المقيّد الأوّل. ولذلك أنّث، وهو محمول أيضاً على أنّ المراد ثلاث ليالٍ بأيّامها.
وذهب الأوزاعيّ: إلى أنّها تحدّ ثلاث ليالٍ فقط، فإن مات في أوّل الليل أقلعت في أوّل اليوم الثّالث , وإن مات في أثناء الليل أو في أوّل النّهار أو في أثنائه لَم تقلع إلَّا في صبيحة اليوم الرّابع، ولا تلفيق.
قوله: (إلَّا على زوج) أخذ من هذا الحصر أن لا يزاد على الثّلاث في غير الزّوج أباً كان أو غيره.
وأمّا ما أخرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية عمرو بن شعيب , أنّ النّبيّ ﷺ رخّص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيّام، وعلى من سواه ثلاثة أيّام. فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنّه مرسل أو معضل، لأنّ جلّ رواية عمرو بن شعيب عن التّابعين , ولَم يرو عن أحد من الصّحابة إلَّا الشّيء اليسير عن بعض صغار الصّحابة.
ووهم بعض الشّرّاح فتعقّب على أبي داود تخريجه في " المراسيل " فقال: عمرو بن شعيب ليس تابعيّاً فلا يخرج حديثه في المراسيل.
стр. 2858
وهذا التّعقّب مردود لِمَا قلناه، ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخصّ المراسيل برواية التّابعيّ كما هو منقول عن غيره أيضاً.
واستدل به للأصحّ عند الشّافعيّة , في أن لا إحداد على المطلقة، فأمّا الرّجعيّة فلا إحداد عليها إجماعاً.
وإنّما الاختلاف في البائن.
القول الأول: قال الجمهور: لا إحداد.
القول الثاني: وقالت الحنفيّة وأبو عبيد وأبو ثور: عليها الإحداد قياساً على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشّافعيّة والمالكيّة.
واحتجّ الأوّلون: بأنّ الإحداد شرع لأنّ تركه من التّطيّب واللبس والتّزيّن يدعو إلى الجماع , فمنعت المرأة منه زجراً لها عن ذلك , فكان ذلك ظاهراً في حديث الميّت , لأنّه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التّزويج ولا تراعيه هي ولا تخاف منه، بخلاف المطلِّق الحيّ في ذلك، ومن ثَمَّ وجبت العدّة على كلّ متوفّىً عنها , وإن لَم تكن مدخولاً بها , بخلاف المطلقة قبل الدّخول فلا إحداد عليها اتّفاقاً , وبأنّ المطلقة البائن يمكنها العود إلى الزّوج بعينه بعقدٍ جديد.
وتعقّب: بأنّ الملاعنة لا إحداد عليها.
وأجيب: بأنّ تركه لفقدان الزّوج بعينه لا لفقدان الزّوجيّة.
واستدل به على جواز الإحداد على غير الزّوج من قريب ونحوه ثلاث ليالٍ فما دونها وتحريمه فيما زاد عليها، وكأنّ هذا القدر أبيح لأجل حظّ النّفس ومراعاتها وغلبة الطّباع البشريّة، ولهذا تناولت أمّ
стр. 2859
حبيبة وزينب بنت جحش ﵄ الطّيب لتخرجا عن عهدة الإحداد، وصرّحت كلّ منهما بأنّها لَم تتطيّب لحاجةٍ، إشارة إلى أنّ آثار الحزن باقية عندها، لكنّها لَم يسعها إلَّا امتثال الأمر.
قوله: (أربعة أشهر وعشراً) قيل الحكمة فيه. أنّ الولد يتكامل تخليقه وتنفخ فيه الرّوح بعد مضيّ مائة وعشرين يوماً، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط. (١)
стр. 2860
وذكَرَ العشرَ مؤنّثاً لإرادة الليالي , والمراد مع أيّامها عند الجمهور، فلا تحلّ حتّى تدخل الليلة الحادية عشر.
وعن الأوزاعيّ وبعض السّلف. تنقضي بمضيّ الليالي العشر بعد مضيّ الأشهر , وتحلّ في أوّل اليوم العاشر.
واستثنيت الحامل كما تقدّم شرح حالها قبلُ. في الكلام على حديث سبيعة بنت الحارث (١).
وقد ورد في حديثٍ قويّ الإسناد. أخرجه أحمد وصحّحه ابن حبّان عن أسماء بنت عميسٍ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثّالث من قَتْل جعفر بن أبي طالب فقال: لا تحدّي بعد يومك. هذا لفظ أحمد.
وفي رواية له ولابن حبّان والطّحاويّ: لَمَّا أصيب جعفر أتانا النّبيّ ﷺ , فقال: تسلَّبي ثلاثاً , ثمّ اصنعي ما شئت.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": ظاهره أنّه لا يجب الإحداد على المتوفّى عنها بعد اليوم الثّالث , لأنّ أسماء بنت عميسٍ كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتّفاق , وهي والدة أولاده عبد الله ومحمّد وعون وغيرهم.
قال: بل ظاهر النّهي أنّ الإحداد لا يجوز، وأجاب بأنّ هذا الحديث شاذّ مخالف للأحاديث الصّحيحة، وقد أجمعوا على خلافه.
قال: ويحتمل أن يقال: إنّ جعفراً قتل شهيداً والشّهداء أحياء عند
стр. 2861
ربّهم. قال: وهذا ضعيف , لأنّه لَم يرد في حقّ غير جعفر من الشّهداء ممّن قطع بأنّهم شهداء كما قطع لجعفرٍ. كحمزة بن عبد المطّلب عمّه وكعبد الله بن عمرو بن حرام - والد جابر -. انتهى كلام شيخنا ملخّصاً.
وأجاب الطّحاويّ: بأنّه منسوخ، وأنّ الإحداد كان على المعتدّة في بعض عدّتها في وقت , ثمّ أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشراً.
ثمّ ساق حديث الباب. وليس فيها ما يدلّ على ما ادّعاه من النّسخ. لكنّه يكثر من ادّعاء النّسخ بالاحتمال فجرى على عادته.
ويحتمل وراء ذلك أجوبة أخرى:
أحدها: أن يكون المراد بالإحداد المقيّد بالثّلاث قدراً زائداً على الإحداد المعروف , فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر , فنهاها عن ذلك بعد الثّلاث.
ثانيها: أنّها كانت حاملاً فوضعت بعد ثلاث فانقضت العدّة , فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرّواية الأخرى " ثلاثاً " , لأنّه يحمل على أنّه ﷺ اطّلع على أنّ عدّتها تنقضي عند الثّلاث.
ثالثها: لعله كان أبانَها بالطّلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد.
رابعها: أنّ البيهقيّ أعلَّ الحديث بالانقطاع , فقال: لَم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء.
стр. 2862
وهذا تعليل مدفوع، فقد صحّحه أحمد , لكنّه قال: إنّه مخالف للأحاديث الصّحيحة في الإحداد.
قلت: وهو مصير منه إلى أنّه يعله بالشّذوذ.
وذكر الأثرم , أنّ أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه " لا إحداد فوق ثلاث " فقال: هذا منكرٌ، والمعروف عن ابن عمر من رأيه. انتهى.
وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدّة فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء والله أعلم.
وأغرب ابن حبّان فساق الحديث بلفظ " تسلمي " بالميم بدل الموحّدة , وفسّره بأنّه أمرها بالتّسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثّلاث , بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشدّ فلذلك قيّدها بالثّلاث.
هذا معنى كلامه، فصحّف الكلمة , وتكلَّف لتأويلها.
وقد وقع في رواية البيهقيّ وغيره " فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلب ثلاثاً " فتبيّن خطؤه
تكميل: قال ابن بطّالٍ: ذهب مجاهد إلى أنّ الآية , وهي قوله تعالى ﴿يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشراً﴾ نزلت قبل الآية التي فيها ﴿وصيّة لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج﴾ كما هي قبلها في التّلاوة، وكأنّ الحامل له على ذلك استشكال أن يكون النّاسخ قبل المنسوخ، فرأى أنّ استعمالها ممكن بحكم غير متدافع، لِجواز أن
стр. 2863
يوجب الله على المعتدّة تربّص أربعة أشهر وعشر , ويوجب على أهلها أن تبقى عندهم سبعة أشهر وعشرين ليلة تمام الحول إن أقامت عندهم. انتهى ملخّصاً.
قال: وهو قولٌ لَم يقله أحدٌ من المفسّرين غيره. ولا تابعه عليها من الفقهاء أحدٌ، وأطبقوا على أنّ آية الحول منسوخة , وأنّ السّكنى تبع للعدّة، فلمّا نسخ الحول في العدّة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السّكنى أيضاً.
وقال ابن عبد البرّ: لَم يختلف العلماء أنّ العدّة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر، وإنّما اختلفوا في قوله ﴿غير إخراج﴾ فالجمهور على أنّه نسخ أيضاً.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: كانت هذه العدّة تعتدّ عند أهل زوجها واجباً، فأنزل الله: ﴿والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً وصيّةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراجٍ , فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ من معروفٍ﴾.
قال: جعل الله لها تمام السّنة سبعة أشهرٍ وعشرين ليلةً وصيّةً، إن شاءت سكنت في وصيّتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: ﴿غير إخراجٍ فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾ [البقرة: ٢٤٠] فالعدّة كما هي واجبٌ عليها "
قال: ولَم يُتابع على ذلك، ولا قال أحدٌ من علماء المسلمين من
стр. 2864
الصّحابة والتّابعين به في مدّة العدّة، بل روى ابن جريجٍ عن مجاهد في قدرها مثل ما عليه النّاس، فارتفع الخلاف. واختصّ ما نقل عن مجاهد وغيره بمدّة السّكنى، على أنّه أيضاً شاذّ لا يعوّل عليه. والله أعلم.
стр. 2865
الحديث الواحد والعشرون
٣٢٥ - عن أمّ عطية ﵂، أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تُحدّ امرأةٌ على ميتٍ فوق ثلاثٍ، إلَّا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلَّا ثوب عصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيباً، إلَّا إذا طهرت: نبذةً من قسطٍ أو أظفار. (١)
قال المُصنِّف: العصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.
والنبذة: الشيء اليسير.
والقسط: العود أو نوع من الطيب تُبخّر به النفساء.
والأظفار: جنس من الطيب لا واحد له من لفظه , وقيل: هو عطر أسود. القطعة منه تشبه الظفر.
قوله: (لا تحدّ امرأةٌ .. عشراً) ولهما من طريق أيّوب عن حفصة عن أمّ عطيّة، قالت: كنّا ننهى أن نحدّ على ميّتٍ فوق ثلاثٍ إلَّا على زوجٍ، أربعة أشهرٍ وعشراً ولا نكتحل .. الحديث ".
ورواه أيّوب عن ابن سيرين بلفظ " أمرنا بأن لا نحدّ على هالك فوق ثلاث. الحديث. أخرجه عبد الرّزّاق.
وللطّبرانيّ من طريق قتادة عن ابن سيرين عن أمّ عطيّة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره معناه.
стр. 2866
وللبخاري من طريق سلمة بن علقمة عن محمّد بن سيرين، قال: توفّي ابنٌ لأمّ عطيّة ﵂، فلمّا كان اليوم الثّالث دعت بصفرةٍ، فتمسّحت به، وقالت: نهينا أن نحدّ أكثر من ثلاثٍ إلَّا بزوج.
وفي رواية الكشميهنيّ (١) " إلَّا لزوجٍ " باللام، ووقع في العِدد من طريقه بلفظ " إلَّا على زوج " والكلّ بمعنى السّببيّة.
وقوله " أن نحدّ " بضمّ أوّله من الرّباعيّ، ولَم يعرف الأصمعيّ غيره. وحكى غيرُه فتح أوّله وضمّ ثانيه من الثّلاثيّ. يقال: حدّت المرأة وأحدّت بمعنىً.
قوله: (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلَّا ثوب عصبٍ) بمهملتين. مفتوحة ثمّ ساكنة ثمّ موحّدة وهو بالإضافة , وهي برود اليمن يعصب غزلها. أي: يربط ثمّ يصبغ , ثمّ ينسج معصوباً فيخرج موشىً لبقاء ما عصب به أبيض لَم ينصبغ، وإنّما يعصب السّدى دون اللحمة.
وقال صاحب " المنتهى ": العصب هو المفتول من برود اليمن.
وذكر أبو موسى المدنيّ في " ذيل الغريب ": عن بعض أهل اليمن أنّه من دابّة بحريّة تسمّى فرس فرعون. يتّخذ منها الخرز وغيره ويكون أبيض، وهذا غريب.
وأغربُ منه قول السّهيليّ: إنّه نبات لا ينبت إلَّا باليمن. وعزاه لأبي حنيفة الدّينوريّ.
стр. 2867
وأغربُ منه قول الدّاوديّ (١): المراد بالثّوب العصب الخضرة وهي الحبرة، وليس له سلف في أنّ العصب الأخضر.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنّه لا يجوز للحادّة لبس الثّياب المعصفرة ولا المصبغة، إلَّا ما صبغ بسوادٍ , فرخّص فيه مالك والشّافعيّ , لكونه لا يتّخذ للزّينة بل هو من لباس الحزن، وكره عروةُ العصب أيضاً، وكره مالك غليظه.
قال النّوويّ: الأصحّ عند أصحابنا تحريمه مطلقاً، وهذا الحديث حجّة لمن أجازه.
وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغٍ وهي الثّياب البيض، ومنع بعض المالكيّة المرتفع منها الذي يتزيّن به، وكذلك الأسود إذا كان ممّا يتزيّن به.
قال النّوويّ: ورخّص أصحابنا فيما لا يتزيّن به ولو كان مصبوغاً. واختلف في الحرير. فالأصحّ عند الشّافعيّة منعه مطلقاً مصبوغاً أو غير مصبوغ، لأنّه أبيح للنّساء للتّزيّن به , والحادّة ممنوعة من التّزيّن فكان في حقّها كالرّجال.
وفي التّحلي بالذّهب والفضّة وباللؤلؤ ونحوه وجهان الأصحّ جوازه، وفيه نظرٌ من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنّه عند تأمّلها يترجّح المنع. والله أعلم.
قوله: (ولا تكتحل) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في حديث أم
стр. 2868
سلمة الذي بعده.
قوله: (ولا تمسّ طيباً إلَّا إذا طهرت) ولهما من رواية أيوب " وقد رخّص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت إحدانا من محيضها ".
ولهما من طريق هشام عن حفصة عنها " ولا تمسّ طيباً، إلَّا أدنى طهرها " أي: عند قرب طهرها , أو أقلّ طهرها
قوله: (نُبذةً) بضمّ النّون وسكون الموحّدة بعدها معجمة. أي: قطعة، وتطلق على الشّيء اليسير
قوله: (من قسطٍ أو أظفار) بإثبات " أو " وهي للتّخيير , وفي رواية لهما " قسطٍ وأظفارٍ " بقاف وواو عاطفة وهو أوجه.
وللبخاري " كست أظفار " كذا في هذه الرّواية. قال ابن التّين صوابه " قسط ظفار ".
كذا قال، ولَم أر هذا في هذه الرّواية، لكن حكاه صاحب المشارق.
ووجّهه بأنّه منسوب إلى ظفار مدينة معروفة بسواحل اليمن يجلب إليها القسط الهنديّ، وحكى في ضبط ظفار وجهين. كسر أوّله وصرفه , أو فتحه والبناء بوزن قطام.
ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه " من قسط أو أظفار " بإثبات " أو " وهي للتّخيير.
قال في المشارق: القسط بخور معروف وكذلك الأظفار، قال في البارع: الأظفار ضربٌ من العطر يشبه الظّفر.
وقال صاحب المحكم: الظّفر ضرب من العطر أسود مغلف من
стр. 2869
أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في البخور والجمع أظفار.
وقال صاحب العين: لا واحد له.
والكست بضمّ الكاف وسكون المهملة بعدها مثنّاة هو القسط، قاله البخاري، وكذا قاله غيره، وحكى المفضّل بن سلمة: أنّه يقال بالكاف والطّاء أيضاً.
قال النّوويّ: ليس القسط والظّفر من مقصود التّطيّب، وإنّما رخّص فيه للحادّة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرّائحة الكريهة.
قال المُهلَّب: رخّص لها في التّبخّر لدفع رائحة الدّم عنها لِمَا تستقبله من الصّلاة.
قلت: المقصود من التّطيّب بهما أن يخلطا في أجزاء أخر من غيرهما ثمّ تسحق فتصير طيباً، والمقصود بهما هنا كما قال الشّيخ أن تتبّع بهما أثر الدّم لإزالة الرّائحة لا للتّطيّب.
وزعم الدّاوديّ: أنّ المراد أنّها تسحق القسط. وتلقيه في الماء آخر غسلها لتذهب رائحة الحيض.
وردّه عياض (١): بأنّ ظاهر الحديث يأباه، وأنّه لا يحصل منه رائحة طيّبة إلَّا من التّبخّر به. كذا قال. وفيه نظرٌ.
واستدل به على جواز استعمال ما فيه منفعة لها من جنس ما منعت منه إذا لَم يكن للتّزيّن أو التّطيّب كالتّدهّن بالزّيت في شعر الرّأس أو غيره.
стр. 2870
الحديث الثاني والعشرون
٣٢٦ - وعن أمّ سلمة ﵂، قالت: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، إن ابنتي توفّي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: لا ثم قال: إنما هي أربعة أشهرٍ وعشرٌ، وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول.
فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها، دخلت حفشاً، ولبست شرّ ثيابها، ولَم تمسّ طيباً ولا شيئاً حتى تَمرَّ عليها سنةٌ، ثم تؤتى بدابّةٍ حمارٍ أو طيرٍ أو شاةٍ فتفتضّ به، فقلّما تفتضُّ بشيءٍ إلَّا مات، ثم تخرج فتعطى بعرةً فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيبٍ، أو غيره. (١)
قال المصنِّف: الحفش: البيت الصغير الحقير. وتفتضُّ: تدلك به جسدها.
قوله: (جاءت امرأة) زاد النّسائيّ من طريق الليث عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة عن أمّ سلمة " من قريش " وسمّاها ابن وهب في موطّئه، وأخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه من طريق
стр. 2871
عاتكة بنت نعيم بن عبد الله. أخرجه ابن وهب عن أبي الأسود النّوفلي عن القاسم بن محمّد عن زينب عن أمّها أمّ سلمة , أنّ عاتكة بنت نعيم بن عبد الله أتت تستفتي رسول الله ﷺ فقالت: إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها , وكانت تحت المغيرة المخزوميّ , وهي تحدّ وتشتكي عينها " الحديث.
وهكذا أخرجه الطّبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرّمليّ عن ابن لهيعة , لكنّه قال " بنت نعيمٍ " ولَم يسمّها.
وأخرجه ابن منده في " المعرفة " من طريق عثمان بن صالح عن عبد الله بن عقبة عن محمّد بن عبد الرّحمن عن حميدٍ بن نافع عن زينب عن أمّها عن عاتكة بنت نعيمٍ أخت عبد الله بن نعيم , جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إنّ ابنتها توفّي زوجها " الحديث.
وعبد الله بن عقبة. هو ابن لهيعة نسبه لجدّه، ومحمّد بن عبد الرّحمن هو أبو الأسود، فإن كان محفوظاً فلابن لهيعة طريقان.
ولَم تُسمّ البنت التي توفّي زوجها , ولَم تنسب فيما وقفت عليه.
وأمّا المغيرة المخزوميّ , فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في الصّحابة , وكذا أبو موسى في الذّيل عليه , وكذا ابن عبد البرّ، لكن استدركه ابن فتحون عليه.
قوله: (وقد اشتكت عينها) قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان
الأول: ضمّ النّون على الفاعليّة على أن تكون العين هي المشتكية.
الثاني: فتحها على أن يكون في " اشتكت " ضمير الفاعل وهي
стр. 2872
المرأة ورجّح هذا.
ووقع في بعض الرّوايات " عيناها " يعني. وهو يرجّح الضّمّ. وهذه الرّواية في مسلم، وعلى الضّمّ اقتصر النّوويّ وهو الأرجح، والذي رجّح الأوّل هو المنذريّ.
قوله: (أفنكحلها) بضمّ الحاء. أخرج ابن وهب في موطّئه عن يونس عن الزهري قال: لا أرى أن تقرب الصّبيّة الطّيب " أي: إذا كانت ذات زوج فمات عنها.
وفي التّعليل إشارة إلى أنّ سبب إلحاق الصّبيّة بالبالغ في الإحداد , وجوب العدّة على كلّ منهما اتّفاقاً، وبذلك احتجّ الشّافعيّ أيضاً.
واحتجّ أيضاً بأنّه يحرم العقد عليها بل خطبتها في العدّة.
واحتجّ غيره بقوله في حديث أمّ سلمة في الباب " أفنكحلها " فإنّه يُشعر بأنّها كانت صغيرة، إذ لو كانت كبيرة لقالت أفتكتحل هي؟.
وفي الاستدلال به نظرٌ , لاحتمال أن يكون معنى قولها " أفنكحلها " أي: أفنمكّنها من الاكتحال.
قوله: (لا، مرّتين أو ثلاثاً. كلّ ذلك يقول: لا) في رواية شعبة عن حميد بن نافع عند البخاري فقال " لا تكتحل ".
القول الأول: قال النّوويّ: فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة. سواء احتاجت إليه أم لا. وجاء في حديث أمّ سلمة في الموطّأ وغيره " اجعليه بالليل وامسحيه بالنّهار ".
ووجه الجمع أنّها إذا لَم تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لَم يجز
стр. 2873
بالنّهار ويجوز بالليل مع أنّ الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنّهار.
قال: وتأوّل بعضهم حديث الباب على أنّه لَم يتحقّق الخوف على عينها.
وتعقّب: بأنّ في حديث شعبة المذكور " فخشوا على عينها ".
وفي رواية ابن منده المقدّم ذكرها " رمدَتْ رمَدَاً شديداً , وقد خشيت على بصرها ". (١)
стр. 2874
وفي رواية الطّبرانيّ " أنّها قالت في المرّة الثّانية: إنّها تشتكي عينها فوق ما يظنّ، فقال: لا ".
وفي رواية القاسم بن أصبغ. أخرجها ابن حزم " إنّي أخشى أن تنفقئ عينها، قال: لا وإن انفقأت " وسنده صحيح.
وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عميسٍ. أخرجه ابن أبي شيبة. وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقاً.
القول الثاني: وعن مالك: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشّافعيّة. مقيّداً بالليل
وأجابوا عن قصّة المرأة:
أولاً. باحتمال أنّه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتّضميد بالصّبر ونحوه.
стр. 2875
وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد , أنّها أحدّت على ابن عمر فلم تكتحل حتّى كادت عيناها تزيغان , فكانت تقطر فيهما الصّبر.
ثانياً. منهم من تأوّل النّهي على كحل مخصوص , وهو ما يقتضي التّزيّن به , لأنّ محض التّداوي قد يحصل بما لا زينة فيه , فلم ينحصر فيما فيه زينة.
القول الثالث: قالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك , ولو كان فيه طيب.
وحملوا النّهي على التّنزيه جمعاً بين الأدلة.
قوله: (إنّما هي أربعة أشهر وعشراً) كذا في الأصل بالنّصب على حكاية لفظ القرآن، ولبعضهم بالرّفع وهو واضح.
قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنّسبة لِمَا كان قبل ذلك , وتهوين الصّبر عليها , ولهذا قال بعده " وقد كانت إحداكنّ في الجاهليّة ترمي بالبعرة على رأس الحول ".
وفي التّقييد بالجاهليّة إشارة إلى أنّ الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنّسبة لِمَا وصف من الصّنيع، لكنّ التّقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ قوله تعالى ﴿وصيّةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول﴾ ثمّ نسخت بالآية التي قبل وهي ﴿يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشراً﴾.
قوله: (كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها دخلت حفشاً إلخ) هكذا