عاتكة بنت نعيم بن عبد الله. أخرجه ابن وهب عن أبي الأسود النّوفلي عن القاسم بن محمّد عن زينب عن أمّها أمّ سلمة , أنّ عاتكة بنت نعيم بن عبد الله أتت تستفتي رسول الله ﷺ فقالت: إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها , وكانت تحت المغيرة المخزوميّ , وهي تحدّ وتشتكي عينها " الحديث.
وهكذا أخرجه الطّبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرّمليّ عن ابن لهيعة , لكنّه قال " بنت نعيمٍ " ولَم يسمّها.
وأخرجه ابن منده في " المعرفة " من طريق عثمان بن صالح عن عبد الله بن عقبة عن محمّد بن عبد الرّحمن عن حميدٍ بن نافع عن زينب عن أمّها عن عاتكة بنت نعيمٍ أخت عبد الله بن نعيم , جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إنّ ابنتها توفّي زوجها " الحديث.
وعبد الله بن عقبة. هو ابن لهيعة نسبه لجدّه، ومحمّد بن عبد الرّحمن هو أبو الأسود، فإن كان محفوظاً فلابن لهيعة طريقان.
ولَم تُسمّ البنت التي توفّي زوجها , ولَم تنسب فيما وقفت عليه.
وأمّا المغيرة المخزوميّ , فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في الصّحابة , وكذا أبو موسى في الذّيل عليه , وكذا ابن عبد البرّ، لكن استدركه ابن فتحون عليه.
قوله: (وقد اشتكت عينها) قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان
الأول: ضمّ النّون على الفاعليّة على أن تكون العين هي المشتكية.
الثاني: فتحها على أن يكون في " اشتكت " ضمير الفاعل وهي
стр. 2872
المرأة ورجّح هذا.
ووقع في بعض الرّوايات " عيناها " يعني. وهو يرجّح الضّمّ. وهذه الرّواية في مسلم، وعلى الضّمّ اقتصر النّوويّ وهو الأرجح، والذي رجّح الأوّل هو المنذريّ.
قوله: (أفنكحلها) بضمّ الحاء. أخرج ابن وهب في موطّئه عن يونس عن الزهري قال: لا أرى أن تقرب الصّبيّة الطّيب " أي: إذا كانت ذات زوج فمات عنها.
وفي التّعليل إشارة إلى أنّ سبب إلحاق الصّبيّة بالبالغ في الإحداد , وجوب العدّة على كلّ منهما اتّفاقاً، وبذلك احتجّ الشّافعيّ أيضاً.
واحتجّ أيضاً بأنّه يحرم العقد عليها بل خطبتها في العدّة.
واحتجّ غيره بقوله في حديث أمّ سلمة في الباب " أفنكحلها " فإنّه يُشعر بأنّها كانت صغيرة، إذ لو كانت كبيرة لقالت أفتكتحل هي؟.
وفي الاستدلال به نظرٌ , لاحتمال أن يكون معنى قولها " أفنكحلها " أي: أفنمكّنها من الاكتحال.
قوله: (لا، مرّتين أو ثلاثاً. كلّ ذلك يقول: لا) في رواية شعبة عن حميد بن نافع عند البخاري فقال " لا تكتحل ".
القول الأول: قال النّوويّ: فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة. سواء احتاجت إليه أم لا. وجاء في حديث أمّ سلمة في الموطّأ وغيره " اجعليه بالليل وامسحيه بالنّهار ".
ووجه الجمع أنّها إذا لَم تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لَم يجز
стр. 2873
بالنّهار ويجوز بالليل مع أنّ الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنّهار.
قال: وتأوّل بعضهم حديث الباب على أنّه لَم يتحقّق الخوف على عينها.
وتعقّب: بأنّ في حديث شعبة المذكور " فخشوا على عينها ".
وفي رواية ابن منده المقدّم ذكرها " رمدَتْ رمَدَاً شديداً , وقد خشيت على بصرها ". (١)
стр. 2874
وفي رواية الطّبرانيّ " أنّها قالت في المرّة الثّانية: إنّها تشتكي عينها فوق ما يظنّ، فقال: لا ".
وفي رواية القاسم بن أصبغ. أخرجها ابن حزم " إنّي أخشى أن تنفقئ عينها، قال: لا وإن انفقأت " وسنده صحيح.
وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عميسٍ. أخرجه ابن أبي شيبة. وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقاً.
القول الثاني: وعن مالك: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشّافعيّة. مقيّداً بالليل
وأجابوا عن قصّة المرأة:
أولاً. باحتمال أنّه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتّضميد بالصّبر ونحوه.
стр. 2875
وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد , أنّها أحدّت على ابن عمر فلم تكتحل حتّى كادت عيناها تزيغان , فكانت تقطر فيهما الصّبر.
ثانياً. منهم من تأوّل النّهي على كحل مخصوص , وهو ما يقتضي التّزيّن به , لأنّ محض التّداوي قد يحصل بما لا زينة فيه , فلم ينحصر فيما فيه زينة.
القول الثالث: قالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك , ولو كان فيه طيب.
وحملوا النّهي على التّنزيه جمعاً بين الأدلة.
قوله: (إنّما هي أربعة أشهر وعشراً) كذا في الأصل بالنّصب على حكاية لفظ القرآن، ولبعضهم بالرّفع وهو واضح.
قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنّسبة لِمَا كان قبل ذلك , وتهوين الصّبر عليها , ولهذا قال بعده " وقد كانت إحداكنّ في الجاهليّة ترمي بالبعرة على رأس الحول ".
وفي التّقييد بالجاهليّة إشارة إلى أنّ الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنّسبة لِمَا وصف من الصّنيع، لكنّ التّقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ قوله تعالى ﴿وصيّةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول﴾ ثمّ نسخت بالآية التي قبل وهي ﴿يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشراً﴾.
قوله: (كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها دخلت حفشاً إلخ) هكذا
стр. 2876
في هذه الرّواية لَم تسنده زينب.
ووقع في رواية شعبة في البخاري مرفوعاً كلّه , لكنّه باختصار ولفظه " فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكنّ تمكث في شرّ أحلاسها أو شرّ بيتها، فإذا كان حولٌ فمرّ كلب رمت ببعرةٍ، فلا حتّى تمضي أربعة أشهر وعشر ".
وهذا لا يقتضي إدراج رواية الباب , لأنّ شعبة من أحفظ النّاس فلا يقضي على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعلَّ الموقوف ما في رواية الباب من الزّيادة التي ليست في رواية شعبة.
قوله: (حِفشاً) الحفش بكسر المهملة وسكون الفاء بعدها معجمة. فسّره أبو داود في روايته من طريق مالك: البيت الصّغير.
وعند النّسائيّ من طريق ابن القاسم عن مالك: الحفش الخصّ بضمّ المعجمة بعدها مهملة، وهو أخصّ من الذي قبله.
وقال الشّافعيّ: الحفش البيت الذّليل الشّعث البناء.
وقيل: هو شيء من خوص يشبه القفّة (١) تجمع فيه المعتدّة متاعها من غزل أو نحوه.
وظاهر سياق القصّة يأبى هذا خصوصاً رواية شعبة، وكذا وقع في رواية للنّسّائيّ " عمدت إلى شرّ بيت لها فجلست فيه ".
стр. 2877
ولعلَّ أصل الحفش ما ذكر , ثمّ استعمل في البيت الصّغير الحقير على طريق الاستعارة.
والأحلاس في رواية شعبة بمهملتين. جمع حِلْس بكسر ثمّ سكون , وهو الثّوب أو الكساء الرّقيق يكون تحت البرذعة.
والمراد أنّ الرّاوي شكّ في أيّ اللفظين وقع وصف ثيابها أو وصف مكانها، وقد ذكرا معاً في رواية شعبة.
قوله: (حتّى يمرّ عليها) في رواية الكشميهنيّ " لها ".
قوله: (ثمّ تؤتى بدابّةٍ) بالتّنوين.
قوله: (حمارٍ) بالجرّ والتّنوين على البدل.
قوله: (أو شاة أو طائر) للتّنويع لا للشّكّ، وإطلاق الدّابّة على ما ذكر هو بطريق الحقيقة اللغويّة لا العرفيّة.
قوله: (فتفتضّ) بفاءٍ ثمّ مثنّاة ثمّ ضاد معجمة ثقيلة.
فسّره مالك في آخر الحديث فقال: تمسح به جلدها، وأصل الفضّ الكسر. أي: تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدّابّة.
ووقع في رواية للنّسائيّ " تقبص " بقاف ثمّ موحّدة ثمّ مهملة خفيفة، وهي رواية الشّافعيّ، والقبص الأخذ بأطراف الأنامل.
قال الأصبهاني وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع، أي: تذهب بعدوٍ وسرعة إلى منزل أبويها لكثرة حيائها لقبح منظرها , أو لشدّة شوقها إلى التّزويج لبعد عهدها به.
والباء في قولها " به " سببيّة، والضّبط الأوّل أشهر.
стр. 2878
قال ابن قتيبة: سألت الحجازيّين عن الافتضاض , فذكروا أنّ المعتدّة كانت لا تمسّ ماء , ولا تقلم ظفراً , ولا تزيل شعراً , ثمّ تخرج بعد الحول بأقبح منظر , ثمّ تفتضّ. أي: تكسر ما هي فيه من العدّة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه , فلا يكاد يعيش بعدما تفتضّ به.
قلت: وهذا لا يخالف تفسير مالك، لكنّه أخصّ منه، لأنّه أطلق الجلد. وتبيّن أنّ المراد به جلد القُبُل.
وقال ابن وهب: معناه أنّها تمسح بيدها على الدّابّة وعلى ظهره.
وقيل: المراد تمسح به ثمّ تفتضّ. أي: تغتسل، والافتضاض الاغتسال بالماء العذب , لإزالة الوسخ وإرادة النّقاء حتّى تصير بيضاء نقيّة كالفضّة.
ومن ثَمَّ قال الأخفش: معناه تتنظّف فتنتقي من الوسخ فتشبه الفضّة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرّمي الانفصال منه بالكليّة.
تنْبيهٌ. جوّز الكرمانيّ أن تكون الباء في قوله " فتفتضّ به " للتّعدّية أو تكون زائدة , أي: تفتضّ الطّائر بأن تكسر بعض أعضائه. انتهى.
ويردّه ما تقدّم من تفسير الافتضاض صريحاً.
قوله: (ثمّ تخرج فتعطى بعرة) بفتح الموحّدة وسكون المهملة ويجوز فتحها.
قوله: (فترمي بها) في رواية مطرّف وابن الماجشون عن مالك (١)
стр. 2879
" ترمي ببعرةٍ من بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالاً لها " وفي رواية ابن وهب " فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها ".
ووقع في رواية شعبة " فإذا كان حول فمرّ كلب رمت ببعرةٍ " وظاهره أنّ رميها البعرة يتوقّف على مرور الكلب سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر، وبه جزم بعض الشّرّاح.
وقيل: ترمي بها من عرض من كلب أو غيره , تري من حضرها أنّ مقامها حولاً أهون عليها من بعرة ترمي بها كلباً أو غيره.
وقال عياض. يمكن الجمع بأنّ الكلب إذا مرّ افتضّت به , ثمّ رمت البعرة.
قلت: ولا يخفى بعده، والزّيادة من الثّقة مقبولة , ولا سيّما إذا كان حافظاً، فإنّه لا منافاة بين الرّوايتين حتّى يحتاج إلى الجمع.
واختلف في المراد برمي البعرة.
فقيل: هو إشارة إلى أنّها رمت العدّة رمي البعرة.
وقيل: إشارة إلى أنّ الفعل الذي فعلته من التّربّص والصّبر على البلاء الذي كانت فيه لِمَا انقضى , كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها , استحقاراً له وتعظيماً لحقّ زوجها.
وقيل: بل ترميها على سبيل التّفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك
стр. 2880
كتاب اللّعان
مأخوذ من اللعن، لأنّ الملاعن يقول " لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ".
واختير لفظ اللعن دون الغضب في التّسمية , لأنّه قول الرّجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضاً يبدأ به، وله أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس.
وقيل: سمّي لعاناً , لأنّ اللعن الطّرد والإبعاد. وهو مشترك بينهما.
وإنّما خصّت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذّنب بالنّسبة إليها، لأنّ الرّجل إذا كان كاذباً لَم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لِمَا فيه من تلويث الفراش والتّعرّض لإلحاق من ليس من الزّوج به، فتنتشر المحرميّة، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقّهما.
واللعان والالتعان والملاعنة بمعنىً، ويقال: تلاعنا والتعنا ولاعن الحاكم بينهما , والرّجل ملاعن والمرأة ملاعنة , لوقوعه غالباً من الجانبين.
وأجمعوا على مشروعيّة اللعان , وعلى أنّه لا يجوز مع عدم التّحقّق.
واختلف في وجوبه على الزّوج، لكن لو تحقّق أنّ الولد ليس منه , قوي الوجوب.
стр. 2881
الحديث الثالث والعشرون
٣٢٧ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ فلان بن فلانٍ قال: يا رسولَ الله: أرأيتَ أن لو وجد أحدنا امرأتَه على فاحشةٍ، كيف يصنع؟ إن تكلَّم، تكلَّم بأمرٍ عظيمٍ، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك، قال: فسكتَ النبيّ ﷺ فلم يُجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنَّ الذي سألتك عنه قد ابتليتُ به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فتلاهنّ عليه، ووعظه وذكّره، وأخبره أنّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحقّ نبياً، ما كذبت عليها، ثم دعاها، فوعظها، وأخبرها أنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحقّ إنه لكاذب.
فبدأ بالرجل فشهد أربع شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنّى بالمرأة، فشهِدت أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرّق بينهما، ثم قال: الله يعلم أنّ أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ثلاثاً. (١)
وفي لفظ: لا سبيل لك عليها، فقال: يا رسولَ الله مالي؟ قال: لا مال لك، إن كنتَ صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن
стр. 2882
كنتَ كذبتَ عليها، فهو أبعد لك منها. (١)
قوله: (عن عبد الله بن عمر ﵁) أورده مسلم من وجه آخر عن سعيد بن جبير. فزاد في أوّله " قال: لَم يفرّق المصعب - يعني ابن الزّبير - بين المتلاعنين، أي: حيث كان أميرًا على العراق، قال سعيد: فذكرت ذلك لابن عمر.
ومن وجه آخر عن سعيد: سئلت عن المتلاعنين , في امرةِ مصعب بن الزّبير , فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكّة .. الحديث. وفيه فقلت: يا أبا عبد الرّحمن، المتلاعنان أيفرّق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إنّ أوّل من سأل عن ذلك فلان ابن فلان.
وعرف من قوله " بمكّة " أنّ في الرّواية التي قبلها حذفًا تقديره فسافرت إلى مكّة فذكرت ذلك لابن عمر.
ووقع في رواية عبد الرّزّاق عن معمر عن أيّوب عن سعيد بن جبير قال: كنّا بالكوفة نختلف في الملاعنة، يقول بعضنا: يفرّق بينهما , ويقول بعضنا: لا يفرّق ".
ويؤخذ منه أنّ الخلاف في ذلك كان قديمًا، وقد استمرّ عثمان البتّيّ من فقهاء البصرة على أنّ اللعان لا يقتضي الفرقة. وكأنّه لَم يبلغه حديث ابن عمر.
قوله: (أنّ فلان بن فلانٍ) في رواية أيوب عن سعيد عند الشيخين
стр. 2883
" فرّق رسول الله ﷺ بين أخوي بني العجلان ".
ووقع في رواية أبي أحمد الجرجانيّ " بين أحد بني العجلان " بحاءٍ ودال مهملتين. وهو تصحيف.
وجاء تسميتهما (١) في حديث سهل بن سعد من رواية مالك عن الزهري عنه , أنّ عويمرًا العجلانيّ جاء إلى عاصم بن عديٍّ الأنصاريّ، فقال له: أرأيت يا عاصم لو أنّ رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله، فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فسل لي عن ذلك يا عاصمُ رسولَ الله ﷺ ، فسأل عاصمٌ رسول الله ﷺ . (٢)
وفي رواية القعنبيّ عن مالك " عويمر بن أشقر " وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة من طريق عياض بن عبد الله الفهريّ عن الزّهريّ.
ووقع في " الاستيعاب " عويمر بن أبيض.
стр. 2884
وعند الخطيب في " المبهمات " عويمر بن الحارث، وهذا هو المعتمد. فإنّ الطّبريّ نسبه في " تهذيب الآثار " فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجدّ بن عجلان، فلعلَّ أباه كان يلقّب أشقر أو أبيض، وفي الصّحابة ابن أشقر آخر وهو مازني. أخرج له ابن ماجه.
وللبخاري من رواية سفيان بن عيينة عن الزّهريّ قال: قال سهل بن سعد: شهدت المتلاعنَين وأنا ابن خمس عشرة سنة ".
ووقع في نسخة أبي اليمان عن شعيب عن الزّهريّ عن سهل بن سعد قال: توفّي رسول الله ﷺ , وأنا ابن خمس عشرة سنة.
فهذا يدلّ على أنّ قصّة اللعان كانت في السّنة الأخيرة من زمان النّبيّ ﷺ ، لكن جزم الطّبريّ وأبو حاتم وابن حبّان بأنّ اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به غير واحد من المتأخّرين.
ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدّارقطنيّ , أنّ قصّة اللعان كانت بمنصرف النّبيّ ﷺ من تبوك، وهو قريبٌ من قول الطّبريّ، ومن وافقه، لكن في إسناده الواقديّ. فلا بدّ من تأويل أحد القولين، فإن أمكن وإلَّا فطريق شعيب أصحّ.
وممّا يوهن رواية الواقديّ ما اتّفق عليه أهل السّير , أنّ التّوجّه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في الصّحيحين , أنّ هلال بن أُميَّة أحد الثّلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصّته أنّ امرأته استأذنت له النّبيّ ﷺ أن تخدمه , فأذن لها بشرطٍ أن لا يقربها فقالت: إنّه لا حراك به، وفيه أنّ ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يومًا.
стр. 2885
فكيف تقع قصّة اللعان في الشّهر الذي انصرفوا فيه من تبوك , ويقع لهلال مع كونه فيما ذكر من الشّغل بنفسه وهجران النّاس له وغير ذلك، وقد ثبت في حديث ابن عبّاس , أنّ آية اللعان نزلت في حقّه، وكذا عند مسلم من حديث أنس , أنّه أوّل من لاعن في الإسلام "؟.
ووقع في رواية عبّاد بن منصور في حديث ابن عبّاس عند أبي داود وأحمد " حتّى جاء هلال بن أُميَّة - وهو أحد الثّلاثة الذين تيب عليهم - فوجد عند أهله رجلاً .. الحديث ".
فهذا يدلّ على أنّ قصّة اللعان تأخّرت عن قصّة تبوك , والذي يظهر أنّ القصّة كانت متأخّرة، ولعلَّها كانت في شعبان سنة عشر لا تسع، وكانت الوفاة النّبويّة في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة باتّفاقٍ، فيلتئم حينئذٍ مع حديث سهل بن سعد.
ووقع عند مسلم من حديث ابن مسعود: كنّا ليلة جمعة في المسجد , إذ جاء رجل من الأنصار. فذكر القصّة في اللعان باختصار، فعيّن اليوم , لكن لَم يعيّن الشّهر ولا السّنة.
وقوله " عاصم بن عديّ " أي: ابن الجدّ بن العجلان العجلانيّ، وهو ابن عمّ والد عويمر، وفي رواية الأوزاعيّ عن الزّهريّ في البخاري " وكان عاصم سيّد بني عجلان ".
والجدّ. بفتح الجيم وتشديد الدّال. والعجلان. بفتح المهملة وسكون الجيم , هو ابن حارثة بن ضبيعة من بني بليّ بن عمرو بن
стр. 2886
الحافّ بن قضاعة، وكان العجلان حالف بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس من الأنصار في الجاهليّة , وسكن المدينة فدخلوا في الأنصار.
وقد ذكر ابن الكلبيّ , أنّ امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور , وأنّ اسمها خولة.
وقال ابن منده في " كتاب الصّحابة " خولة بنت عاصم التي قذفها زوجها فلاعن النّبيُّ ﷺ بينهما، لها ذِكرٌ , ولا تعرف لها رواية، وتبعه أبو نعيمٍ، ولَم يذكرا سلفهما في ذلك , وكأنّه ابن الكلبيّ.
وذكر مقاتل بن سليمان فيما حكاه القرطبيّ , أنّها خولة بنت قيس.
وذكر ابن مردويه , أنّها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى , أنّ عاصم بن عديّ لَمَّا نزلت ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ , قال: يا رسولَ الله. أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه. وفي سنده مع إرساله ضعف.
وأخرج ابن أبي حاتم في " التّفسير " عن مقاتل بن حيّان قال: لَمَّا سأل عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمّه تحته ابنة عمّه , رماها بابن عمّة المرأة , والزّوج والحليل ثلاثتهم بنو عمّ عاصم ,
وعند ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى المذكور , أنّ الرّجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك بن سحماء.
وهو يشهد لصحّة هذه الرّواية لأنّه ابن عمّ عويمر، وكذا في مرسل مقاتل بن حيّان عند أبي حاتم، فقال الزّوج لعاصم: يا ابن عمّ
стр. 2887
, أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها , وإنّها لحبلى , وما قربتها منذ أربعة أشهر.
وفي حديث عبد الله بن جعفر عند الدّارقطنيّ: لاعن بين عويمر العجلانيّ وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها , وقال: هو لابن سحماء. ولا يمتنع أن يتّهم شريك بن سحماء بالمرأتين معًا.
وأمّا قول ابن الصّبّاغ في " الشّامل " أنّ المزنيّ ذكر في " المختصر " , أنّ العجلانيّ قذف زوجته بشريك بن سحماء.
وهو سهو في النّقل، وإنّما القاذف بشريك هلال بن أُميَّة، فكأنّه لَم يعرف مستند المزنيّ في ذلك , وإذا جاء الخبر من طرق متعدّدة , فإنّ بعضها يعضّد بعضًا. والجمع ممكن فيتعيّن المصير إليه فهو أولى من التّغليط.
قوله: (يا رسولَ الله: أرأيت أن لو وجد أحدنا .. فسكت النبيّ ﷺ فلم يجبه) في حديث سهل " فقال له: يا عاصم، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ ، فسأل عاصمٌ رسول الله ﷺ عن ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها. الحديث ".
وقوله " أيقتله فتقتلونه " أي: قصاصًا لتقدّم علمه بحكم القصاص , لعموم قوله تعالى ﴿النّفس بالنّفس﴾ لكن في طرقه احتمال أن يخصّ من ذلك ما يقع بالسّبب الذي لا يقدر على الصّبر عليه غالبًا من الغيرة التي في طبع البشر، ولأجل هذا قال: أم كيف
стр. 2888
يفعل.؟
وفي الصحيحين استشْكال سعد بن عبادة مثل ذلك. لقوله " لو رأيته لضربته بالسّيف غير مصفح " , وفي البخاري. قول النّبيّ ﷺ لهلال بن أُميَّة لَمَّا سأله عن مثل ذلك " البيّنة، وإلَّا حدّ في ظهرك " وذلك كلّه قبل أن ينزل اللعان.
وقد اختلف العلماء. فيمن وجد مع امرأته رجلاً , فتحقّق الأمر فقتله. هل يقتل به؟.
القول الأول: منع الجمهور الإقدام. وقالوا: يقتصّ منه , إلَّا أن يأتي ببيّنة الزّنا , أو على المقتول بالاعتراف , أو يعترف به ورثته فلا يقتل القاتل به , بشرط أن يكون المقتول محصنًا.
القول الثاني: يقتل به , لأنّه ليس له أن يقيم الحدّ بغير إذن الإمام.
القول الثالث: لا يقتل أصلاً , ويعزّر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه.
وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنّه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكيّة، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن.
قال القرطبيّ: ظاهر تقرير عويمر على ما قال يؤيّد قولهم، كذا قال. والله أعلم
وقوله " أم كيف يفعل "؟.
يحتمل: أن تكون " أم " متّصلة والتّقدير: أم يصبر على ما به من
стр. 2889
المضض.
ويحتمل: أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب. أي: بل هناك حكم آخر لا يعرفه ويريد أن يطّلع عليه، فلذلك قال: سل لي يا عاصم.
وإنّما خصّ عاصمًا بذلك لِما تقدّم من أنّه كان كبير قومه وصهره على ابنته أو ابنة أخيه، ولعلَّه كان اطّلع على مخايل ما سأل عنه , لكن لَم يتحقّقه فلذلك لَم يفصح به، أو اطّلع حقيقة لكن خشي إذا صرّح به من العقوبة التي تضمّنها من رمى المحصنة بغير بيّنة، أشار إلى ذلك ابن العربيّ , قال:
ويحتمل: أن يكون لَم يقع له شيء من ذلك , لكن اتّفق أنّه وقع في نفسه إرادة الاطّلاع على الحكم فابتلي به , كما يقال البلاء موكّل بالمنطق، ومن ثَمَّ قال: إنّ الذي سألتك عنه قد ابتليت به.
وفي حديث ابن مسعود عند مسلم " إن تكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ ".
وهذه أتمّ الرّوايات في هذا المعنى.
قوله: (فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾) في حديث سهل " فقال رسول الله ﷺ : قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك " ووقع في حديث ابن مسعود , إنّ الرّجل لَمَّا قال: وإن سكت سكت على غيظ، قال النّبيّ ﷺ : اللهمّ افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان.
وهذا ظاهره أنّ الآية نزلت عقب السّؤال، لكن يحتمل أن يتخلل
стр. 2890
بين الدّعاء والنّزول زمن بحيث يذهب عاصم ويعود عويمر.
وهذا كلّه ظاهر جدًّا في أنّ القصّة نزلت بسبب عويمر.
ويعارضه ما رواه البخاري من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عبّاس , أنّ هلال بن أُميَّة قذف امرأته بشريك بن سحماء , فقال النّبيّ ﷺ : البيّنة أو حدّ في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إنّني لصادقٌ، ولينزلنّ الله فيّ ما يبرّئ ظهري من الحدّ، فنزل جبريل فأنزل عليه: والذين يرمون أزواجهم. الحديث.
وفي رواية عبّاد بن منصور عن عكرمة عن ابن عبّاس. في هذا الحديث عند أبي داود " فقال هلال: وإنّي لأرجو أن يجعل الله لي فرجًا. قال: فبينا رسول الله ﷺ كذلك , إذ نزل عليه الوحي.
وفي حديث أنس عند مسلم " أنّ هلال بن أُميَّة قذف امرأته بشريك بن سحماء , وكان أخا البراء بن مالك لأمّه، وكان أوّل رجلٍ لاعن في الإسلام ".
فهذا يدلّ على أنّ الآية نزلت بسبب هلال.
وقد اختلف الأئمّة في هذا الموضع:
فمنهم: من رجّح أنّها نزلت في شأن عويمرٍ.
ومنهم: من رجّح أنّها نزلت في شأن هلال.
ومنهم: من جمع بينهما. بأنّ أوّل من وقع له ذلك هلال , وصادف مجيء عويمرٍ أيضًا فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد.
وقد جنح النّوويّ إلى هذا، وسبقه الخطيب. فقال: لعلهما اتّفق
стр. 2891
كونهما جاءا في وقت واحد.
ويؤيّد التّعدّد: أنّ القائل في قصّة هلالٍ سعدُ بنُ عبادة. ما أخرجه أبو داود والطّبريّ من طريق عبّاد بن منصور عن عكرمة عن ابن عبّاس. مثل رواية هشام بن حسّان بزيادةٍ في أوّله " لَمَّا نزلت ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية. قال سعد بن عبادة: لو رأيت لُكاعًا قد تفخّذها رجلٌ لَم يكن لي أن أهيّجه حتّى آتي أربعة شهداء، ما كنت لآتي بهم حتّى يفرغ من حاجته، قال: فما لبثوا إلَّا يسيرًا حتّى جاء هلال بن أُميَّة " الحديث.
وعند الطّبريّ من طريق أيّوب عن عكرمة مرسلاً فيه نحوه. وزاد " فلم يلبثوا أن جاء ابن عمّ له فرمى امرأته " الحديث. والقائل في قصّة عويمرٍ عاصم بن عديّ كما في حديث سهل بن سعد.
وأخرج الطّبريّ من طريق الشّعبيّ مرسلاً قال: لَمَّا نزلت ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية. قال عاصم بن عديّ: إنْ أنا رأيتُ فتكلمت جُلدت، وإن سكتّ سكتّ على غيظٍ. الحديث.
ولا مانع أنْ تتعدّد القصص ويتّحد النّزول.
وروى البزّار من طريق زيد بن تبيع عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: لو رأيتَ مع أمّ رومان رجلاً ما كنتَ فاعلاً به؟ قال: كنتُ فاعلاً به شرًّا. قال: فأنت يا عمر؟ قال: كنت أقول لعن الله الأبعد، قال: فنزلت.
ويحتمل: أنّ النّزول سبق بسبب هلال، فلمّا جاء عويمر ولَم يكن
стр. 2892
علم بما وقع لهلالٍ أعلمه النّبيّ ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصّة هلال: " فنزل جبريل " وفي قصّة عويمرٍ " قد أنزل الله فيك , فيؤوّل قوله: قد أنزل الله فيك , أي: وفيمن كان مثلك ".
وبهذا أجاب ابن الصّبّاغ في الشّامل قال: نزلت الآية في هلال، وأمّا قوله لعويمرٍ: " قد نزل فيك وفي صاحبتك " فمعناه ما نزل في قصّة هلال.
ويؤيّده: أنّ في حديث أنس عند أبي يعلى قال: أوّل لعان كان في الإسلام , أنّ شريك بن سحماء قذفه هلال بن أُميَّة بامرأته. الحديث.
وجنح القرطبيّ إلى تجويز نزول الآية مرّتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرّواة الحفّاظ , وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن.
قال القرطبيّ: أنكره أبو عبد الله بن أبي صفرة - أخو المُهلَّب - وقال: هو خطأ، والصّحيح أنّه عويمر. وسبقه إلى نحو ذلك الطّبريّ
وقال ابن العربيّ: قال النّاس: هو وهْم من هشام بن حسّان، وعليه دار حديث ابن عبّاس وأنس بذلك.
وقال عياض في " المشارق ": كذا جاء من رواية هشام بن حسّان , ولَم يقله غيره، وإنّما القصّة لعويمرٍ العجلانيّ، قال: ولكن وقع في " المدوّنة " في حديث العجلانيّ ذكر شريك.
وقال النّوويّ في مبهماته: اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال.
القول الأول: عويمر العجلانيّ.
стр. 2893
القول الثاني: هلال بن أُميَّة.
القول الثالث: وعاصم بن عديّ.
ثمّ نقل عن الواحديّ , أنّ أظهر هذه الأقوال أنّه عويمر.
وكلام الجميع متعقّب:
أمّا قول ابن أبي صفرة: فدعوى مجرّدة، وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في الصّحيحين مع إمكان الجمع؟ وما نسبه إلى الطّبريّ لَم أره في كلامه.
وأمّا قول ابن العربيّ: إنّ ذكرَ هلالٍ دار على هشام بن حسّان، وكذا جزم عياض , بأنّه لَم يقله غيره، فمردود , لأنّ هشام بن حسّان لَم ينفرد به، فقد وافقه عبّاد بن منصور كما قدّمته، وكذا جرير بن حازم عن أيّوب. أخرجه الطّبريّ وابن مردويه موصولاً قال: لَمَّا قذف هلال بن أُميَّة امرأته.
وأمّا قول النّوويّ تبعًا للواحديّ وجنوحه إلى التّرجيح: فمرجوحٌ , لأنّ الجمع مع إمكانه أولى من التّرجيح.
ثمّ قوله: " وقيل عاصم بن عديّ " فيه نظرٌ , لأنّه ليس لعاصمٍ فيه قصّة أنّه الذي لاعن امرأته، وإنّما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة. ولَمَّا روى ابن عبد البرّ في " التّمهيد " طريق جرير بن حازم , تعقّبه بأن قال: قد رواه القاسم بن محمّد عن ابن عبّاس كما رواه النّاس.
وهو يوهم أنّ القاسم سمّى الملاعن عويمرًا، والذي في الصّحيح
стр. 2894
" فأتاه رجلٌ من قومه " أي: من قوم عاصم، والنّسائيّ من هذا الوجه " لاعن بين العجلانيّ وامرأته " والعجلانيّ هو عويمر.
وظهر لي الآن احتمال: أن يكون عاصم سأل قبل النّزول ثمّ جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرّة الثّانية التي قال فيها " إنّ الذي سألتك عنه قد ابتليت به " فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه ﷺ بأنّها نزلت فيه، يعني أنّها نزلت في كلّ من وقع له ذلك، لأنّ ذلك لا يختصّ بهلالٍ.
وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود , يحتمل أنّه لَمَّا شرع يدعو بعد توجّه العجلانيّ , جاء هلال فذكر قصّته فنزلت، فجاء عويمر , فقال: قد نزل فيك وفي صاحبتك.
قوله: (فبدأ بالرجل).
القول الأول: فيه التصريح أنّ الرّجل يُقدّم قبل المرأة في الملاعنة. وبه قال الشّافعيّ ومن تبعه , وأشهب من المالكيّة , ورجّحه ابن العربيّ.
القول الثاني: قال ابن القاسم: لو ابتدأت به المرأة صحّ واعتدّ به. وهو قول أبي حنيفة.
واحتجّوا: بأنّ الله عطفه بالواو وهي لا تقتضي التّرتيب.
واحتجّ للأوّلين , بأنّ اللعان شرع لدفع الحدّ عن الرّجل.
ويؤيّده قوله ﷺ لهلال: البيّنة وإلَّا حدّ في ظهرك. فلو بُدئ بالمرأة لكان دفعًا لأمر لَم يثبت، وبأنّ الرّجل يمكنه أن يرجع بعد أن يلتعنَ
стр. 2895
فيندفع عن المرأة، بخلاف ما لو بدأت به المرأة.
قوله: (فشهد أربع .. إن كان من الصادقين) وحديث ابن مسعود نحوه , لكن زاد فيه " فذهبت لتلتعن , فقال النّبيّ ﷺ : مه، فأبتْ، فالتعنت.
وفي حديث أنس عند أبي يعلى وأصله في مسلم: فدعاه النّبيّ ﷺ , فقال: أتشهد بالله إنّك لمن الصّادقين فيما رميتها به من الزّنا؟ فشهد بذلك أربعًا , ثمّ قال له في الخامسة: ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؟ ففعل، ثمّ دعاها. فذكر نحوه، فلمّا كان في الخامسة , سكتت سكتة حتّى ظنّوا أنّها ستعترف، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول.
وفي حديث ابن عبّاس من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عنه عند أبي داود والنّسائيّ وابن أبي حاتم " فدعا الرّجل، فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين، فأمر به فأمسك على فيه، فوعظه , فقال: كلّ شيء أهون عليك من لعنة الله. ثمّ أرسله , فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وقال في المرأة نحو ذلك.
وهذه الطّريق لَم يسمّ فيها الزّوج ولا الزّوجة، بخلاف حديث أنس , فصرّح فيه بأنّها في قصّة هلال بن أُميَّة.
فإن كانت القصّة واحدة وقع الوهم في تسمية الملاعن كما جزم به غير واحد. فهذه زيادة من ثقة فتعتمد.
وإن كانت متعدّدة فقد ثبت بعضها في قصّه امرأة هلال.
стр. 2896
قوله: (الله يعلم أنّ أحدكما كاذبٌ) قال عياض: ظاهره أنّه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه عرض التّوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنّه يلزم من كذبه التّوبة من ذلك.
وقال الدّاوديّ: قال ذلك قبل اللعان تحذيرًا لهما منه. والأوّل أظهر وأولى بسياق الكلام.
قلت: والذي قاله الدّاوديّ أولى من جهة أخرى , وهي مشروعيّة الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أحرى ممّا بعد الوقوع، وأمّا سياق الكلام فمحتمل في رواية ابن عمر للأمرين.
وأمّا حديث ابن عبّاس فسياقه ظاهر فيما قال الدّاوديّ.
ففي رواية جرير بن حازم عن أيّوب عن عكرمة عن ابن عبّاس عند الطّبريّ والحاكم والبيهقيّ في قصّة هلال بن أُميَّة , قال: فدعاهما حين نزلت آية الملاعنة فقال: الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال هلال: والله إنّي لصادق. الحديث.
وقد أخرج البخاري حديث ابن عبّاس من رواية عكرمة في قصّة غير القصّة التي في حديث سهل بن سعد وابن عمر، فيصحّ الأمران معًا باعتبار التّعدّد.
قوله: (أحدكما كاذب) فيه تغليب المذكّر على المؤنّث.
وقال عياض وتبعه النّوويّ: في " قوله أحدكما " ردّ على مَن قال من النّحاة إنّ لفظ أحد لا يستعمل إلَّا في النّفي، وعلى مَن قال منهم لا يستعمل إلَّا في الوصف، وأنّها لا توضع موضع واحد ولا توقع
стр. 2897
موقعه. وقد أجازه المبرّد. وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي وبمعنىً واحد. انتهى.
قال الفاكهيّ: هذا من أعجب ما وقع للقاضي مع براعته وحذقه، فإنّ الذي قاله النّحاة إنّما هو في " أحد " التي للعموم نحو ما في الدّار من أحد. وما جاءني من أحد، وأمّا أحد بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الإثبات نحو (قل هو الله أحدٌ) ونحو (فشهادة أحدهم) ونحو " أحدكما كاذب ".
قوله: (فهل منكما تائبٌ) يحتمل أن يكون إرشادًا , لا أنّه لَم يحصل منهما , ولا من أحدهما اعتراف، ولأنّ الزّوج لو أكذب نفسه كانت توبة منه.
قوله: (وفي لفظ: لا سبيل لك عليها) أي: لا تسليط
قوله: (فقال: يا رسولَ الله مالي) وللبخاري " فقال الرجل: مالي , قيل: لا مال لك " وقوله " مالي " فاعل فعل محذوف، كأنّه لَمَّا سمع لا سبيل لك عليها قال: أيذهب مالي؟ والمراد به الصّداق
قال ابن العربيّ: قوله " مالي " أي: الصّداق الذي دفعته إليها، فأجيب بأنّك استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من نفسها. ثمّ أوضح له ذلك بتقسيم مستوعب , فقال: إن كنت صادقًا فيما ادّعيته عليها , فقد استوفيت حقّك منها قبل ذلك، وإن كنت كذبت عليها , فذلك أبعد لك من مطالبتها , لئلا تجمع عليها الظّلم في عرضها ومطالبتها بمالٍ قبضته منك قبضًا صحيحًا تستحقّه.
стр. 2898
وعرف من هذه الرّواية اسم القائل " لا مال لك " حيث أبهم في رواية البخاري بلفظ " قيل: لا مال لك " مع أنّ النّسائيّ رواه عن زياد بن أيّوب عن ابن عليّة عن أيوب بلفظ " قال: لا مال لك ".
ويستفاد من قوله " فهو بما استحللت من فرجها " أنّ الملاعنة لو أكذبت نفسها بعد اللعان وأقرّت بالزّنا وجب عليها الحدّ، لكن لا يسقط مهرها.
قوله: (إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها) وللبخاري " فقد دخلت بها ". وقد انعقد الإجماع على أنّ الملاعنه المدخول بها تستحقّ جميع الصداق.
واختلف في غير المدخول بها:
القول الأول: الجمهور على أنّ لها النّصف كغيرها من المطلقات قبل الدّخول
القول الثاني: بل لها جميعه , قاله أبو الزّناد والحكم وحمّاد
القول الثالث: لا شيء لها أصلاً , قاله الزّهريّ , وروي عن مالك.
وقد تمسّك بقوله " فقد دخلتَ بها ".
وهو القول الأول: على أنّ من أغلق بابًا وأرخى سترًا على المرأة فقد وجب لها الصّداق وعليها العدّة.
وبذلك قال الليث والأوزاعيّ وأهل الكوفة وأحمد، وجاء ذلك عن عمر وعليّ وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وابن عمر.
واحتجّوا أيضًا: بأنّ الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء السّتر على
стр. 2899
المرأة وقوع الجماع فأقيمت المظنّة مقام المئنّة , لِمَا جبلت عليه النّفوس في تلك الحالة من عدم الصّبر عن الوقاع غالبًا لغلبة الشّهوة وتوفّر الدّاعية.
القول الثاني: قال الكوفيّون: الخلوة الصّحيحة يجب معها المهر كاملاً سواء وطئ أم لَم يطأ، إلَّا إن كان أحدهما مريضًا أو صائمًا أو محرمًا أو كانت حائضًا فلها النّصف. وعليها العدّة كاملة.
القول الثالث: ذهب الشّافعيّ وطائفة إلى أنّ المهر لا يجب كاملاً إلَّا بالجماع.
واحتجّ بقوله تعالى ﴿وإن طلقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضة فنصف ما فرضتم﴾ وقال ﴿ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها﴾ وجاء ذلك عن ابن مسعود وابن عبّاس وشريح والشّعبيّ وابن سيرين.
والجواب عن الحديث: أنّه ثبت في الرّواية الأخرى في حديث الباب " فهو بما استحللت من فرجها " فلم يكن في قوله " دخلت عليها " حجّة لمَن قال إنّ مجرّد الدّخول يكفي.
القول الرابع: قال مالك: إذا دخل بالمرأة في بيته صدقت عليه، وإن دخل بها في بيتها صدق عليها، ونقله عن ابن المسيّب.
وعن مالك رواية أخرى كقول الكوفيّين.
قوله: (وإن كنتَ كذبتَ عليها، فهو أبعد لك منها) وللبخاري من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ " فذلك أبعد
стр. 2900
وأبعد لك منها " وكرّر لفظ أبعد تأكيدًا.
قوله " ذلك " الإشارة إلى الكذب، لأنّه مع الصّدق يبعد عليه استحقاق إعادة المال ففي الكذب أبعد.
стр. 2901
الحديث الرابع والعشرون
٣٢٨ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رجلاً رمى امرأته، وانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ . فأمرهما رسول الله ﷺ فتلاعنا، كما قال الله تعالى، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين. (١)
قوله: (أنّ رجلاً رمى امرأته , وانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ ) وللبخاري من رواية يحيى بن بكير عن مالك عن نافع " أنّ النّبيّ ﷺ لاعن بين رجلٍ وامرأته , فانتفى من ولدها.
قال الطّيبيّ (٢): الفاء سببيّة. أي: الملاعنة سبب الانتفاء، فإن أراد أنّ الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء فجيّد، وإن أراد أنّ الملاعنة سبب وجود الانتفاء فليس كذلك، فإنّه إن لَم يتعرّض لنفي الولد في الملاعنة لَم ينتف.
والحديث في الموطّأ بلفظ " وانتفى " بالواو لا بالفاء.
وذكر ابن عبد البرّ. أنّ بعض الرّواة عن مالك ذكره بلفظ " وانتقل " يعني بقافٍ بدل الفاء ولامٍ آخره. وكأنّه تصحيف، وإن كان محفوظًا فمعناه قريب من الأوّل، وقوله " أنّ رجلاً رمى امرأته وانتفى من ولدها، فأمرهما النّبيّ ﷺ فتلاعنا " فوَضَحَ أنّ الانتفاء
стр. 2902
سبب الملاعنة لا العكس.
واستدل بهذا الحديث.
وهو القول الأول: على مشروعيّة اللعان لنفي الولد.
القول الثاني: عن أحمد: ينتفي الولد بمجرّد اللعان , ولو لَم يتعرّض الرّجل لذكره في اللعان.
وفيه نظرٌ , لأنّه لو استلحقه لحقه، وإنّما يؤثّر لعان الرّجل دفع حدّ القذف عنه , وثبوت زنا المرأة ثمّ يرتفع عنها الحدّ بالتعانها.
القول الثالث: قال الشّافعيّ: إن نفى الولد في الملاعنة انتفى , وإن لَم يتعرّض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرّفع إلى الحاكم فأخّر بغير عذر حتّى ولدت لَم يكن له أن ينفيه كما في الشّفعة.
واستُدلّ به.
وهو القول الأول: على أنّه لا يشترط في نفي الحمل تصريح الرّجل بأنّها ولدت من زنًا، ولا أنّه استبرأها بحيضةٍ.
القول الثاني: عن المالكيّة يشترط ذلك.
واحتجّ بعض من خالفهم , بأنّه نفى الحمل عنه من غير أن يتعرّض لذلك بخلاف اللعان النّاشئ عن قذفها.
واحتجّ الشّافعيّ , بأنّ الحامل قد تحيض , فلا معنى لاشتراط الاستبراء.
قال ابن العربيّ: ليس عن هذا جواب مقنع.
стр. 2903
قوله: (فأمرهما رسول الله ﷺ فتلاعنا، كما قال الله تعالى) وللبخاري من رواية جويرية عن نافعٍ " أنّ رجلاً من الأنصار قذف امرأته، فأحلفهما النّبيّ ﷺ " والمراد بالإحلاف هنا , النّطق بكلمات اللعان.
وقد تمسّك به مَن قال إنّ اللعان يمين، وهو قول مالك والشّافعيّ والجمهور
وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة , وهو وجه للشّافعيّة.
وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين.
وقيل بالعكس، ومن ثَمَّ قال بعض العلماء: ليس بيمينٍ ولا شهادة.
وانبنى على الخلاف , أنّ اللعان يشرع بين كلّ زوجين مسلمين أو كافرين , حرّين أو عبدين , عدلين أو فاسقين بناء على أنّه يمين، فمن صحّ يمينه صحّ لعانه.
وقيل: لا يصحّ اللعان إلَّا من زوجين حرّين مسلمين، لأنّ اللعان شهادة , ولا يصحّ من محدود في قذف.
وهذا الحديث حجّة للأوّلين لتسوية الرّاوي بين لاعن وحلف. ويؤيّده أنّ اليمين ما دلَّ على حثّ أو منع أو تحقيق خبر وهو هنا كذلك.
ويدلّ عليه , قوله ﷺ في بعض طرق حديث ابن عبّاس (١) " فقال
стр. 2904
له: احلف بالله الذي لا إله إلَّا هو إنّي لصادق، يقول ذلك أربع مرّات " أخرجه الحاكم والبيهقيّ من رواية جرير بن حازم عن أيّوب عن عكرمة عنه. وقوله " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " (١).
واعتلَّ بعض الحنفيّة , بأنّها لو كانت يمينًا لَمَا تكرّرت.
وأجيب: بأنّها خرجت عن القياس تغليظًا لحرمة الفروج , كما خرجت القسامة لحرمة الأنفس، وبأنّها لو كانت شهادة لَم تكرّر أيضًا.
والذي تحرّر لي أنّها من حيث الجزم بنفي الكذب وإثبات الصّدق يمينٌ، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكتفى في ذلك بالظّنّ , بل لا بدّ من وجود علم كلّ منهما بالأمرين , علمًا يصحّ معه أن يشهد به.
ويؤيّد كونها يمينًا , أنّ الشّخص لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا لعدّ حالفًا.
وقد قال القفّال في " محاسن الشّريعة ": كرّرت أيمان اللعان , لأنّها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحدّ، ومن ثَمَّ سمّيت شهادات.
قوله: (ثم قضى بالولد للمرأة) في رواية مالك عند الشيخين "
стр. 2905
ففرّق بينهما , وألحق الولد ". قال الدّارقطنيّ: تفرّد مالك بهذه الزّيادة.
قال ابن عبد البرّ: ذكروا أنّ مالكًا تفرّد بهذه اللفظة في حديث ابن عمر.
وقد جاءت من أوجه أخرى في حديث سهل بن سعد كما تقدّم من رواية يونس عن الزّهريّ عند أبي داود بلفظ " ثمّ خرجتْ حاملاً فكان الولد إلى أمّه ". ومن رواية الأوزاعيّ عن الزّهريّ " وكان الولد يُدعى إلى أمّه " (١)
وقد اختلف السّلف في معنى إلحاقه بأمّه , مع اتّفاقهم على أنّه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه.
القول الأول: جاء عن عليٍّ وابن مسعود , أنّهما قالا في ابن الملاعنة: عصبته عصبة أمّه يرثهم ويرثونه. أخرجه ابن أبي شيبة.
وبه قال النّخعيّ والشّعبيّ.
القول الثاني: وجاء عن عليّ وابن مسعود , أنّهما كانا يجعلان أمّه عصبةً وحْدها فتُعطَى المال كله، فإن ماتت أمّه قبله فماله لعصبتها.
وبه قال جماعةٌ , منهم الحسن وابن سيرين ومكحول والثّوريّ وأحمد في رواية.
стр. 2906
القول الثالث: جاء عن عليّ , أنّ ابن الملاعنة ترثه أمّه وإخوته منها , فإن فضل شيءٌ فهو لبيت المال.
وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصار.
قال مالك: وعلى هذا أدركت أهل العلم، وأخرج عن الشّعبيّ قال: بعث أهل الكوفة إلى الحجاز في زمن عثمان , يسألون عن ميراث ابن الملاعنة , فأخبروهم أنّه لأمّه وعصبتها، وجاء عن ابن عبّاس عن عليٍّ , أنّه أعطى الملاعنة الميراث , وجعلها عصبةً.
قال ابن عبد البرّ: الرّواية الأولى أشهر عند أهل الفرائض.
قال ابن بطّال: هذا الخلاف إنّما نشأ حديث حيث جاء فيه: وألحق الولد بالمرأة , لأنّه لَمَّا أُلحق بها قطع نسب أبيه , فصار كمن لَّا أب له من أولاد البغيّ. وتمسّك الآخرون: بأنّ معناه إقامتها مقام أبيه , فجعلوا عصبة أمّه عصبة أبيه.
قلت: وقد جاء في المرفوع ما يقوّي القول الأوّل.
فأخرج أبو داود من رواية مكحول مرسلاً، ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: جعل النّبيّ ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمّه ولورثتها من بعدها. ولأصحاب السّنن الأربعة عن واثلة رفعه: تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه. , قال البيهقيّ: ليس بثابتٍ.
قلت: وحسّنه التّرمذيّ وصحّحه الحاكم، وليس فيه سوى عمر بن رؤبة - بضمّ الرّاء وسكون الواو بعدها موحّدة - مختلف فيه، قال
стр. 2907
البخاريّ: فيه نظرٌ، ووثّقه جماعة.
وله شاهدٌ من حديث ابن عمر. عند ابن المنذر , ومن طريق داود بن أبي هند عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن رجلٍ من أهل الشّام , أنّ النّبيّ ﷺ قضى به لأُمّه , هي بمنزلة أبيه وأمّه. وفي رواية , أنّ عبد الله بن عبيد كتب إلى صدّيق له من أهل المدينة , يسأله عن ولد الملاعنة فكتب إليه: إنّي سألت , فأُخبرت أنّ النّبيّ ﷺ قضى به لأمّه.
وهذه طرق يقوى بعضها ببعضٍ.
قال ابن بطّال: تمسّك بعضهم بالحديث الذي جاء أنّ الملاعنة بمنزلة أبيه وأمّه، وليس فيه حجّة , لأنّ المراد أنّها بمنزلة أبيه وأمّه في تربيته وتأديبه وغير ذلك ممّا يتولاه أبوه، فأمّا الميراث فقد أجمعوا أنّ ابن الملاعنة لو لَم تلاعن أمّه وترك أمّه وأباه كان لأمّه السّدس، فلو كانت بمنزلة أبيه وأمّه لورثت سدسين فقط. سدس بالأمومة وسدس بالأبوّة.
كذا قال , وفيه نظرٌ. تصويرًا واستدلالاً.
وحجّة الجمهور. ما أخرجه البخاري في رواية فليح عن الزّهريّ عن سهل في آخره " فكانت السّنّة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض لها " وأخرجه أبو داود. وحديث ابن عبّاس " فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ " فإنّه جعل ما فضل عن أهل الفرائض لعصبة الميّت دون عصبة أمّه، وإذا لَم يكن لولد الملاعنة عصبةٌ من قبل أبيه فالمسلمون عصبته.
وللبخاري من حديث أبي هريرة " ومن ترك مالا فليرثه عصبته من
стр. 2908
كانوا ".
واستدل به على أنّ الولد المنفيّ باللعان , لو كان بنتًا حلَّ للملاعن نكاحها، وهو وجه شاذّ لبعض الشّافعيّة.
والأصحّ كقول الجمهور أنّها تحرم , لأنّها ربيبته في الجملة.
قوله: (وفرّق بين المتلاعنين) تمسّك به مَن قال , إنّ الفرقة بين المتلاعنين لا تقع بنفس اللعان حتّى يوقعها الحاكم، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأتباعهما.
ورواية ابن جريجٍ عن الزهري عن سهل عند البخاري " فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التّلاعن، ففارقها عند النّبيّ ﷺ فقال: ذاك تفريقٌ بين كل متلاعنين. قال ابن جريجٍ: قال ابن شهابٍ: فكانت السّنّة بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين " تؤيّد أنّ الفرقة تقع بنفس اللعان، وهو قول مالك والشافعي ومن تبعهما. وعن أحمد روايتان.
ولكنّ ظاهر سياقه أنّه من كلام الزّهريّ , فيكون مرسلاً , وعلى تقدير إرسالها , فقد جاء عن ابن عمر بلفظه , عند الدّارقطنيّ، ويتأيّد بذلك قول من حمل التّفريق في حديث الباب على أنّه بيان حكم لا إيقاع فرقة.
واحتجّوا أيضًا , بقوله في الرّواية الأخرى " لا سبيل لك عليها ".
وتعقّب: بأنّ ذلك وقع جوابًا لسؤال الرّجل عن ماله الذي أخذته منه.
стр. 2909
وأجيب: بأنّ العبرة بعموم اللفظ , وهو نكرة في سياق النّفي , فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسليطه عليها بوجه من الوجوه.
ووقع في آخر حديث ابن عبّاس عند أبي داود " وقضى أن ليس عليه نفقة ولا سكنى , من أجل أنّهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفّى عنها " وهو ظاهر في أنّ الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان.
ويستفاد منه أنّ قوله في حديث سهل " فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ بفراقها " أنّ الرّجل إنّما طلَّقها قبل أن يعلم أنّ الفرقة تقع بنفس اللعان , فبادر إلى تطليقها لشدّة نفرته منها.
وذهب عثمان البتّيّ: أنّه لا تقع الفرقة حتّى يوقعها الزّوج، واعتلّ بأنّ الفرقة لَم تذكر في القرآن، ولأنّ ظاهر الأحاديث أنّ الزّوج هو الّذي طلّق ابتداء.
ويقال: إنّ عثمان تفرّد بذلك , لكن نقل الطّبريّ عن أبي الشّعثاء جابر بن زيد البصريّ أحد أصحاب ابن عبّاس، من فقهاء التّابعين نحوه.
ومقابله قول أبي عبيد: أنّ الفرقة بين الزّوجين تقع بنفس القذف , ولو لَم يقع اللّعان، وكأنّه مفرّع على وجوب اللّعان على من تحقّق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عوقب بالفرقة تغليطًا عليه.
стр. 2910
الحديث الخامس والعشرون
٣٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجلٌ من بني فزارة إلى النبيّ ﷺ , فقال: إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال النبيّ ﷺ : هل لك إبلٌ؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها، قال: حمرٌ، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إنّ فيها لورقاً، قال: فأنّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرقٌ، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرقٌ. (١)
قوله: (جاء رجلٌ من بني فزارة) في رواية أبي مصعب في " الموطأ " عن مالك عن ابن شهاب " جاء أعرابيّ ". وكذا في البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك.
وللنّسائيّ " جاء رجلٌ من أهل البادية " وكذا في رواية أشهب عن