القول الثالث: جاء عن عليّ , أنّ ابن الملاعنة ترثه أمّه وإخوته منها , فإن فضل شيءٌ فهو لبيت المال.
وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصار.
قال مالك: وعلى هذا أدركت أهل العلم، وأخرج عن الشّعبيّ قال: بعث أهل الكوفة إلى الحجاز في زمن عثمان , يسألون عن ميراث ابن الملاعنة , فأخبروهم أنّه لأمّه وعصبتها، وجاء عن ابن عبّاس عن عليٍّ , أنّه أعطى الملاعنة الميراث , وجعلها عصبةً.
قال ابن عبد البرّ: الرّواية الأولى أشهر عند أهل الفرائض.
قال ابن بطّال: هذا الخلاف إنّما نشأ حديث حيث جاء فيه: وألحق الولد بالمرأة , لأنّه لَمَّا أُلحق بها قطع نسب أبيه , فصار كمن لَّا أب له من أولاد البغيّ. وتمسّك الآخرون: بأنّ معناه إقامتها مقام أبيه , فجعلوا عصبة أمّه عصبة أبيه.
قلت: وقد جاء في المرفوع ما يقوّي القول الأوّل.
فأخرج أبو داود من رواية مكحول مرسلاً، ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: جعل النّبيّ ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمّه ولورثتها من بعدها. ولأصحاب السّنن الأربعة عن واثلة رفعه: تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه. , قال البيهقيّ: ليس بثابتٍ.
قلت: وحسّنه التّرمذيّ وصحّحه الحاكم، وليس فيه سوى عمر بن رؤبة - بضمّ الرّاء وسكون الواو بعدها موحّدة - مختلف فيه، قال
стр. 2907
البخاريّ: فيه نظرٌ، ووثّقه جماعة.
وله شاهدٌ من حديث ابن عمر. عند ابن المنذر , ومن طريق داود بن أبي هند عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن رجلٍ من أهل الشّام , أنّ النّبيّ ﷺ قضى به لأُمّه , هي بمنزلة أبيه وأمّه. وفي رواية , أنّ عبد الله بن عبيد كتب إلى صدّيق له من أهل المدينة , يسأله عن ولد الملاعنة فكتب إليه: إنّي سألت , فأُخبرت أنّ النّبيّ ﷺ قضى به لأمّه.
وهذه طرق يقوى بعضها ببعضٍ.
قال ابن بطّال: تمسّك بعضهم بالحديث الذي جاء أنّ الملاعنة بمنزلة أبيه وأمّه، وليس فيه حجّة , لأنّ المراد أنّها بمنزلة أبيه وأمّه في تربيته وتأديبه وغير ذلك ممّا يتولاه أبوه، فأمّا الميراث فقد أجمعوا أنّ ابن الملاعنة لو لَم تلاعن أمّه وترك أمّه وأباه كان لأمّه السّدس، فلو كانت بمنزلة أبيه وأمّه لورثت سدسين فقط. سدس بالأمومة وسدس بالأبوّة.
كذا قال , وفيه نظرٌ. تصويرًا واستدلالاً.
وحجّة الجمهور. ما أخرجه البخاري في رواية فليح عن الزّهريّ عن سهل في آخره " فكانت السّنّة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض لها " وأخرجه أبو داود. وحديث ابن عبّاس " فهو لأولى رجلٍ ذكرٍ " فإنّه جعل ما فضل عن أهل الفرائض لعصبة الميّت دون عصبة أمّه، وإذا لَم يكن لولد الملاعنة عصبةٌ من قبل أبيه فالمسلمون عصبته.
وللبخاري من حديث أبي هريرة " ومن ترك مالا فليرثه عصبته من
стр. 2908
كانوا ".
واستدل به على أنّ الولد المنفيّ باللعان , لو كان بنتًا حلَّ للملاعن نكاحها، وهو وجه شاذّ لبعض الشّافعيّة.
والأصحّ كقول الجمهور أنّها تحرم , لأنّها ربيبته في الجملة.
قوله: (وفرّق بين المتلاعنين) تمسّك به مَن قال , إنّ الفرقة بين المتلاعنين لا تقع بنفس اللعان حتّى يوقعها الحاكم، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأتباعهما.
ورواية ابن جريجٍ عن الزهري عن سهل عند البخاري " فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التّلاعن، ففارقها عند النّبيّ ﷺ فقال: ذاك تفريقٌ بين كل متلاعنين. قال ابن جريجٍ: قال ابن شهابٍ: فكانت السّنّة بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين " تؤيّد أنّ الفرقة تقع بنفس اللعان، وهو قول مالك والشافعي ومن تبعهما. وعن أحمد روايتان.
ولكنّ ظاهر سياقه أنّه من كلام الزّهريّ , فيكون مرسلاً , وعلى تقدير إرسالها , فقد جاء عن ابن عمر بلفظه , عند الدّارقطنيّ، ويتأيّد بذلك قول من حمل التّفريق في حديث الباب على أنّه بيان حكم لا إيقاع فرقة.
واحتجّوا أيضًا , بقوله في الرّواية الأخرى " لا سبيل لك عليها ".
وتعقّب: بأنّ ذلك وقع جوابًا لسؤال الرّجل عن ماله الذي أخذته منه.
стр. 2909
وأجيب: بأنّ العبرة بعموم اللفظ , وهو نكرة في سياق النّفي , فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسليطه عليها بوجه من الوجوه.
ووقع في آخر حديث ابن عبّاس عند أبي داود " وقضى أن ليس عليه نفقة ولا سكنى , من أجل أنّهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفّى عنها " وهو ظاهر في أنّ الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان.
ويستفاد منه أنّ قوله في حديث سهل " فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ بفراقها " أنّ الرّجل إنّما طلَّقها قبل أن يعلم أنّ الفرقة تقع بنفس اللعان , فبادر إلى تطليقها لشدّة نفرته منها.
وذهب عثمان البتّيّ: أنّه لا تقع الفرقة حتّى يوقعها الزّوج، واعتلّ بأنّ الفرقة لَم تذكر في القرآن، ولأنّ ظاهر الأحاديث أنّ الزّوج هو الّذي طلّق ابتداء.
ويقال: إنّ عثمان تفرّد بذلك , لكن نقل الطّبريّ عن أبي الشّعثاء جابر بن زيد البصريّ أحد أصحاب ابن عبّاس، من فقهاء التّابعين نحوه.
ومقابله قول أبي عبيد: أنّ الفرقة بين الزّوجين تقع بنفس القذف , ولو لَم يقع اللّعان، وكأنّه مفرّع على وجوب اللّعان على من تحقّق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عوقب بالفرقة تغليطًا عليه.
стр. 2910
الحديث الخامس والعشرون
٣٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجلٌ من بني فزارة إلى النبيّ ﷺ , فقال: إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال النبيّ ﷺ : هل لك إبلٌ؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها، قال: حمرٌ، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إنّ فيها لورقاً، قال: فأنّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرقٌ، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرقٌ. (١)
قوله: (جاء رجلٌ من بني فزارة) في رواية أبي مصعب في " الموطأ " عن مالك عن ابن شهاب " جاء أعرابيّ ". وكذا في البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك.
وللنّسائيّ " جاء رجلٌ من أهل البادية " وكذا في رواية أشهب عن
стр. 2911
مالك. عند الدّارقطني.
وفي رواية ابن وهب التي عند أبي داود " أنّ أعرابيّاً من بني فزارة ".
واسم هذا الأعرابيّ ضمضم بن قتادة , أخرج حديثه عبد الغنيّ بن سعيد في " المبهمات " له وابن فتحون من طريقه , وأبو موسى في " الذيل " من طريق قطبة بنت عمرو بن هرم , أنّ مدلوكاً حدّثها , أنّ ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود , من امرأة من بني عجل , فشكا النّبيّ ﷺ فقال: هل لك من إبل.؟ (١).
ولَم أعرف اسم امرأته , لكن في الرواية أنها امرأة من بني عجل , وفي الحديث فقدِمَ نسوة من بني عجل , فأخبرن أنه كان له جدَّةٌ سوداء.
قوله: (إلى النبيّ ﷺ ) في رواية ابن أبي ذئب (٢) عن الزهري. عند الدارقطني " صرخ بالنّبيّ ﷺ "
قوله: (فقال: يا رسولَ الله , إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود) لَم أقف على اسم المرأة , ولا على اسم الغلام.
وزاد في رواية يونس عن ابن شهاب عند الشيخين " وإنّي أنكرته " أي: استنكرته بقلبيّ , ولَم يرد أنّه أنكر كونه ابنه بلسانه وإلا لكان تصريحاً بالنّفي لا تعريضاً.
стр. 2912
والتّعريض: بعينٍ مهملة وضاد معجمة.
قال الرّاغب: هو كلام له وجهان ظاهر وباطن، فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظّاهر , ويفارق الكناية بأنّها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه , ووجه التّعريض، أنّه قال غلاماً أسود. أي: وأنا أبيض فكيف يكون منّي؟ , ووقع في رواية معمر عن الزّهريّ عند مسلم " وهو حينئذٍ يعرّض بأن ينفيه ".
القول الأول: يؤخذ منه أنّ التّعريض بالقذف ليس قذفاً. وبه قال الجمهور
واستدل الشّافعيّ بهذا الحديث لذلك قال في " الأمّ ": ظاهر قول الأعرابيّ أنّه اتّهم امرأته، لكن لَمَّا كان لقوله وجه غير القذف , لَم يحكم النّبيّ ﷺ فيه بحكم القذف , فدلَّ ذلك على أنّه لا حدّ في التّعريض، وممّا يدلّ على أنّ التّعريض لا يعطي حكم التّصريح الإذن بخطبة المعتدّة بالتّعريض لا بالتّصريح فلا يجوز، انتهى
القول الثاني: عن المالكيّة , يجب به الحدّ إذا كان مفهوماً.
وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه.
وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظرٌ، لأنّ المستفتي لا يجب عليه حدّ ولا تعزير.
قلت: وفي هذا الإطلاق نظر، لأنّه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف وبلفظ يقتضيه.
فمن الأوّل أن يقول مثلاً: إذا كان زوج المرأة أبيض فأتت بولدٍ
стр. 2913
أسود: ما الحكم؟.
ومن الثّاني أن يقول مثلاً: إنّ امرأتي أتت بولدٍ أسود وأنا أبيض فيكون تعريضاً، أو يزيد فيه مثلاً زنت فيكون تصريحاً، والذي ورد في حديث الباب هو الثّاني فيتمّ الاستدلال.
وقد نبّه الخطّابيّ على عكس هذا فقال: لا يلزم الزّوج إذا صرّح بأنّ الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حدّ قذفه , لجواز أن يريد أنّها وطئت بشهبة أو وضعته من الزّوج الذي قبله إذا كان ذلك ممكناً.
قوله: (قال: فما ألوانها؟ قال: حمر) في رواية محمّد بن مصعب عن مالك عند الدّارقطنيّ (١) " قال: رمكٌ " والأرمك الأبيض إلى حمرة.
قوله: (فهل فيها من أورق؟) بوزن أحمر.
قوله: (إنّ فيها لورقاً) بضمّ الواو بوزن حمر، والأورق الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء.
قوله: (فأنّى أتاها ذلك) بفتح النّون الثّقيلة , أي: من أين أتاها اللون الذي خالفها، هل هو بسبب فحْلٍ من غير لونها طرأ عليها , أو لأمرٍ آخرّ؟.
قوله: (عسى أن يكون نزعه عرقٌ) وللبخاري " لعلَّ نزعه عرق " في رواية كريمة " لعلَّه " ولا إشكال فيها , بخلاف الأوّل , فجزم جمعٌ
стр. 2914
بأنّ الصّواب النّصب , أي: لعل عرقاً نزعه.
وقال الصّغانيّ: ويحتمل: أن يكون في الأصل " لعله " فسقطت الهاء، ووجّهه ابن مالك: باحتمال. أنّه حذف منه ضمير الشّأن.
ويؤيّد توجيهه ما وقع في رواية كريمة، والمعنى يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه إليه فجاء على لونه.
وادّعى الدّاوديّ أنّ لعل هنا للتّحقيق.
قوله: (وهذا عسى أن يكون نزعه عرقٌ) وللبخاري " ولعل ابنك هذا نزعه عرق " والمراد بالعرق الأصل من النّسب شبهه بعرق الشّجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة , أي: أنّ أصله متناسب، وكذا معرق في الكرم أو اللؤم.
وأصل النّزع الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصّة عبد الله بن سلام حين سُئل عن شبه الولد بأبيه أو بأمّه: نزع إلى أبيه أو إلى أمّه. (١)
وفيه أنّ الزّوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرّد الظّنّ، وأنّ الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمّه.
стр. 2915
وقال القرطبيّ تبعاً لابن رشد: لا خلاف في أنّه لا يحلّ نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسّمرة، ولا في البياض والسّواد إذا كان قد أقرّ بالوطء , ولَم تمض مدّة الاستبراء.
وكأنّه أراد في مذهبه، وإلَّا فالخلاف ثابت عند الشّافعيّة بتفصيل , فقالوا: إن لَم ينضمّ إليه قرينة زناً لَم يجز النّفي، فإن اتّهمها فأتت بولدٍ على لون الرّجل الذي اتّهمها به جاز النّفي على الصّحيح.
وفي حديث ابن عبّاس (١) في اللعان ما يقوّيه.
وعند الحنابلة: يجوز النّفي مع القرينة مطلقاً، والخلاف إنّما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشّافعيّة.
وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشّبه.
وفيه الاحتياط للأنساب وإبقائها مع الإمكان، والزّجر عن تحقيق ظنّ السّوء.
وقال القرطبيّ: يؤخذ منه منع التّسلسل، وأنّ الحوادث لا بدّ لها أن تستند إلى أوّل ليس بحادث. وفيه أنّ التّعريض بالقذف لا يثبت حكم القذف حتّى يقع التّصريح خلافاً للمالكيّة.
стр. 2916
وأجاب بعض المالكيّة: أنّ التّعريض الذي يجب به القذف عندهم , هو ما يفهم منه القذف كما يفهم من التّصريح، وهذا الحديث لا حجّة فيه لدفع ذلك، فإنّ الرّجل لَم يرد قذفاً، بل جاء سائلاً مستفتياً عن الحكم لِما وقع له من الرّيبة، فلمّا ضرب له المثل أذعن.
وقال المُهلَّب: التّعريض إذا كان على سبيل السّؤال لا حدّ فيه، وإنّما يجب الحدّ في التّعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة.
وقال ابن المنيّر (١): الفرق بين الزّوج والأجنبيّ في التّعريض أنّ الأجنبيّ يقصد الأذيّة المحضة، والزّوج قد يعذر بالنّسبة إلى صيانة النّسب. والله أعلم.
قال ابن بطّال: احتجّ الشّافعيّ بأنّ التّعريض في خطبة المعتدّة جائز مع تحريم التّصريح بخطبتها، فدلَّ على افتراق حكمها.
قال: وأجاب القاضي إسماعيل , بأنّ التّعريض بالخطبة جائز , لأنّ النّكاح لا يكون إلَّا بين اثنين، فإذا صرّح بالخطبة وقع عليه الجواب بالإيجاب أو الوعد فمنع، وإذا عرّض فأفهم أنّ المرأة من حاجته لَم يحتج إلى جواب، والتّعريض بالقذف يقع من الواحد ولا يفتقر إلى جواب، فهو قاذف من غير أن يخفيه عن أحد فقام مقام الصّريح.
كذا فرّق، ويعكّر عليه أنّ الحدّ يدفع بالشّبهة , والتّعريض يحتمل الأمرين، بل عدم القذف فيه هو الظّاهر وإلا لَمَا كان تعريضاً، ومن لَم يقل بالحدّ في التّعريض يقول بالتّأديب فيه لأنّ في التّعريض أذى
стр. 2917
المسلم.
وقد أجمعوا على تأديب من وجد مع امرأة أجنبيّة في بيت. والباب مغلق عليهما.
وقد ثبت عن إبراهيم النّخعيّ أنّه قال: في التّعريض عقوبة. وقال عبد الرّزّاق أنبأنا ابن جريجٍ. قلت لعطاءٍ: فالتّعريض؟ قال: ليس فيه حدّ، قال عطاء وعمرو بن دينار: فيه نكال.
قال ابن التّين: وقد انفصل المالكيّة عن حديث الباب: بأنّ الأعرابيّ إنّما جاء مستفتياً ولَم يرد بتعريضه قذفاً. وحاصله أنّ القذف في التّعريض إنّما يثبت على من عرف من إرادته القذف، وهذا يقوّي أن لَّا حدّ في التّعريض لتعذّر الاطّلاع على الإرادة، والله أعلم.
وفي الحديث ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريباً لفهم السّائل، واستدل به لصحّة العمل بالقياس.
قال الخطّابيّ: هو أصل في قياس الشّبه.
وقال ابن العربيّ: فيه دليل على صحّة القياس والاعتبار بالنّظير.
وتوقّف فيه ابن دقيق العيد فقال: هو تشبيه في أمر وجوديّ، والنّزاع إنّما هو في التّشبيه في الأحكام الشّرعيّة من طريق واحدة قويّة.
قال ابن بطّال: التّشبيه والتّمثيل هو القياس عند العرب، وقد
стр. 2918
احتجّ المزنيّ بهذين الحديثين (١) على من أنكر القياس، قال: وأوّل من أنكر القياس إبراهيم النّظام وتبعه بعض المعتزلة، وممّن ينسب إلى الفقه داود بن عليّ، وما اتّفق عليه الجماعة هو الحجّة، فقد قاس الصّحابة فمن بعدهم من التّابعين وفقهاء الأمصار وبالله التّوفيق.
وتعقّب بعضهم الأوّليّة التي ادّعاها ابن بطّال , بأنّ إنكار القياس ثبت عن ابن مسعود من الصّحابة ومن التّابعين عن عامر الشّعبيّ من فقهاء الكوفة، وعن محمّد بن سيرين من فقهاء البصرة. نقله ابن عبد البرّ. ومِن قبله الدّارميّ وغيره عنهم وعن غيرهم
وقد ذكر الشّافعيّ شرط من له أن يقيس فقال: يشترط أن يكون عالماً بالأحكام من كتاب الله تعالى , وبناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه، ويستدلّ على ما احتمل التّأويل بالسّنّة وبالإجماع، فإن لَم يكن فبالقياس على ما في الكتاب، فإن لَم يكن فبالقياس على ما في السّنّة، فإن لَم يكن فبالقياس على ما اتّفق عليه السّلف وإجماع النّاس، ولَم يعرف له مخالف.
قال: ولا يجوز القول في شيء من العلم إلَّا من هذه الأوجه، ولا
стр. 2919
يكون لأحدٍ أن يقيس حتّى يكون عالماً بما مضى قبله من السّنن وأقاويل السّلف وإجماع النّاس واختلاف العلماء ولسان العرب , ويكون صحيح العقل ليفرّق بين المشتبهات ولا يعجل، ويستمع ممّن خالفه ليتنبّه بذلك على غفلة إن كانت، وأن يبلغ غاية جهده وينصف من نفسه حتّى يعرف من أين قال ما قال.
والاختلاف على وجهين. فما كان منصوصاً لَم يحلّ فيه الاختلاف عليه، وما كان يحتمل التّأويل أو يدرك قياساً فذهب المتأوّل أو القائس إلى معنىً يحتمل وخالفه غيره، لَم أَقُل إنّه يضيّق عليه ضيق المخالف للنّصّ، وإذا قاس من له القياس. فاختلفوا وسع كلاًّ أن يقول بمبلغ اجتهاده، ولَم يسعه اتّباع غيره فيما أدّاه إليه اجتهاده.
وقال ابن عبد البرّ في " بيان العلم " بعد أن ساق هذا الفصل: قد أتى الشّافعيّ ﵀ في هذا الباب بما فيه كفاية وشفاء. والله الموفّق.
وقال ابن العربيّ وغيره: القرآن هو الأصل، فإن كانت دلالته خفيّة نَظَرَ في السّنّة , فإن بيّنته وإلا فالجليّ من السّنّة، وإن كانت الدّلالة منها خفيّة نَظَرَ فيما اتّفق عليه الصّحابة، فإن اختلفوا رجّح فإن لَم يوجد عمل بما يشبه نصّ الكتاب والسّنة , ثمّ السّنّة ثمّ الاتّفاق ثمّ الرّاجح.
وأنشد ابن عبد البرّ لأبي محمّد اليزيديّ النّحويّ المقرئ برواية أبي عمرو بن العلاء من أبيات طويلة في إثبات القياس:
لا تكن كالحمار يحمل أسفا ... راً كما قد قرأت في القرآن
стр. 2920
إنّ هذا القياس في كلّ أمر ... عند أهل العقول كالميزان
لا يجوز القياس في الدّين إلَّا ... لفقيهٍ لدينه صوّان
ليس يغني عن جاهل قول راوٍ ... عن فلان وقوله عن فلان
إن أتاه مسترشداً أفتاه ... بحديثين فيهما معنيان
إنّ من يحمل الحديث ولا يع ... رف فيه المراد كالصّيدلانيّ
حكم الله في الجزاء ذوي عد ... لٍ لذي الصّيد بالذي يريان
لَم يوقّت ولَم يسمّ ولكن ... قال فيه فليحكم العدلان
ولنا في النّبيّ صلَّى عليه ... الله والصّالحون كلّ أوان
أسوة في مقاله لمعاذ ... اقض بالرّأي إن أتى الخصمان
وكتاب الفاروق يرحمه الله ... إلى الأشعريّ في تبيان
قس إذا أشكلت عليك أمور ... ثمّ قل بالصّواب والعرفان
والمذهب المعتدل ما قاله الشّافعيّ " أنّ القياس مشروع عند الضّرورة " لا أنّه أصل برأسه.
стр. 2921
الحديث السادس والعشرون
٣٣٠ - عن عائشة ﵂، قالت: اختصم سعد بن أبي وقّاص وعبد بن زمعة في غلامٍ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقّاص، عهد إليّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسولَ الله، وُلد على فراش أَبِي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبَهَاً بيّناً بعُتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة، فلم ير سودةَ قطّ. (١)
قوله: (وعبد بن زمعة) زمعة بفتح الزّاي وسكون الميم , وقد تحرّك، قال النّوويّ: التّسكين أشهر.
وقال أبو الوليد الوقشيّ: التّحريك هو الصّواب.
قلت: والجاري على ألسنة المحدّثين التّسكين في الاسم والتّحريك في النّسبة، وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشيّ العامريّ والد سودة زوج النّبيّ ﷺ ، وعبد بن زمعة بغير إضافة.
ووقع في " مختصر ابن الحاجب " عبد الله. وهو غلط، نعم. عبد الله بن زمعة آخر، وفي بعض الطّرق من غير رواية عائشة عند
стр. 2922
الطّحاويّ في هذا الحديث عبد الله بن زمعة , ونبّه على أنّه غلط , وأنّ عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى آخر.
قلت: وهو الذي حديثه في تفسير (والشّمس وضحاها) (١).
وقد وقع لابن منده خبطٌ في ترجمة عبد الرّحمن بن زمعة , فإنّه زعم أنّ عبد الرّحمن وعبد الله وعبداً إخوةٌ ثلاثةٌ , أولاد زمعة بن الأسود، وليس كذلك , بل عبدٌ بغير إضافة. وعبد الرّحمن أخوان عامريّان من قريش، وعبد الله بن زمعة قرشيٌّ أسديّ من قريش أيضاً.
وقد أوضحت ذلك في " الإصابة في تمييز الصّحابة "
قوله: (عتبة بن أبي وقّاص) أخو سعد مختلف في صحبته. فذكره في الصّحابة العسكريّ , وذكر ما نقله الزّبير بن بكّار في النّسب , أنّه كان أصاب دماً بمكّة في قريش فانتقل إلى المدينة، ولَمّا مات أوصى إلى سعد.
وذكره ابن منده في الصّحابة , ولَم يذكر مستنداً إلَّا قول سعد: عهد إليَّ أخي أنّه ولده. واستنكر أبو نعيم ذلك , وذكر أنّه الذي شجّ وجه رسول الله ﷺ بأحدٍ، قال: وما علمتُ له إسلاماً.
بل قد روى عبد الرّزّاق من طريق عثمان الجزريّ عن مقسمٍ , أنّ
стр. 2923
النّبيّ ﷺ , دعا بأن لَّا يحول على عتبة الحول حتّى يموت كافراً , فمات قبل الحول. وهذا مرسل، وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيّب بنحوه.
وأخرج الحاكم في " المستدرك " من طريق صفوان بن سليمٍ عن أنس أنّه سمع حاطب بن أبي بلتعة يقول: إنّ عتبة لَمَّا فعل بالنّبيّ ﷺ ما فعل تبعته فقتلته. كذا قال.
وجزم ابن التّين والدّمياطيّ (١) بأنّه مات كافراً.
قلت: وأمّ عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة، وأمّ أخيه سعد حمنة بنت سفيان بن أُميَّة.
قوله: (فقال سعدٌ: يا رسولَ الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقّاص، عهد إليّ أنه ابنه) وعتبة بالجرّ بدل من لفظ أخي أو عطف بيان، والضّمير في أخي لسعدٍ لا لعتبة.
وللبخاري من رواية مالك عن الزهري " كان عتبة عهد إلى أخيه " وفي رواية ابن عيينة عن الزّهريّ في البخاري " أوصاني أخي إذا قدمت يعني مكّة أن اقبض إليك ابنَ أمة زمعة فإنّه ابني "
وفي رواية يونس عن الزّهريّ في البخاري " فلمّا قدم رسول الله ﷺ مكّة في الفتح " وفي رواية معمر عن الزّهريّ عند أحمد، وهي لمسلمٍ " لكن لَم يسق لفظها " فلمّا كان يوم الفتح , رأى سعد الغلام فعرفه بالشّبه , فاحتضنه , وقال: ابن أخي وربّ الكعبة ".
стр. 2924
والابن المذكور اسمه عبد الرّحمن , وذكره ابن عبد البرّ في الصّحابة وغيره، وقد أعقب بالمدينة.
قوله: (وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسولَ الله، ولد على فراش أَبي من وليدته) وللبخاري من رواية مالك " كان عتبة عهد إلى أخيه سعد أنّ ابن وليدة زمعة منّي فاقبضه إليك , وفيه فقال: أخي وابن وليدة أبي , ولد على فراشه , فتساوقا إلى النبي ﷺ "
في رواية ابن عيينة عن ابن شهاب " ابن أمة زمعة " وفي رواية معمر " فجاء عبد بن زمعة فقال: بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته " وفي رواية يونس " يا رسولَ الله , هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه " وفي رواية يونس " فنظر رسول الله ﷺ , فإذا هو أشبه النّاس بعتبة بن أبي وقاصّ "
والوليدة في الأصل المولودة، وتطلق على الأمة، وهذه الوليدة لَم أقف على اسمها , لكن ذكر مصعبٌ الزّبيريّ وابن أخيه الزّبير في " نسب قريشٍ ": أنّها كانت أَمَةً يمانيّةً.
والوليدة فعيلةٌ من الولادة بمعنى مفعولة.
قال الجوهريّ: هي الصّبية والأمة والجمع ولائد.
وقيل: إنّها اسم لغير أمّ الولد.
قوله " فتساوقا " أي: تلازما في الذّهاب بحيث إنّ كلاً منهما كان كالذي يسوق الآخر.
قال الخطّابيّ وتبعه عياض والقرطبيّ وغيرهما: كان أهل الجاهليّة
стр. 2925
يقتنون الولائد , ويقرّرون عليهنّ الضّرائب فيكتسبن بالفجور، وكانوا يلحقون النّسب بالزّناة إذا ادّعوا الولد كما في النّكاح، وكانت لزمعة أمة , وكان يلمّ بها , فظهر بها حمل زعم عتبة بن أبي وقاصّ أنّه منه , وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال لي سعد: هو ابن أخي , على ما كان عليه الأمر في الجاهليّة، وقال عبد: هو أخي , على ما استقرّ عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النّبيّ ﷺ حكم الجاهليّة وألحقه بزمعة.
وأبدل عياض قوله إذا ادّعوا الولد , بقوله: إذا اعترفت به الأمّ.
وبنى عليهما القرطبيّ فقال: ولَم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهليّة , إمّا لعدم الدّعوى , وإمّا لكون الأمّ لَم تعترف به لعتبة.
قلت: وفي البخاري من حديث عائشة ما يؤيّد أنّهم كانوا يعتبرون استلحاق الأمّ في صورة , وإلحاق القائف في صورة. ولفظها " إنّ النّكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء .. الحديث. وفيه يجتمع الرّهط ما دون العشر , فيدخلون على المرأة كلّهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومضت ليالٍ , أرسلت إليهم , فاجتمعوا عندها فقالت: قد ولدتُ فهو ابنك يا فلان، فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع .. إلى أن قالت: ونكاح البغايا , كنّ ينصبن على أبوابهنّ رايات، فمن أرادهنّ دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ فوضعت , جمعوا لها القافة , ثمّ ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف لا يمتنع من ذلك " انتهى.
واللائق بقصّة أمة زمعة الأخير، فلعل جمع القافة لهذا الولد تعذّر
стр. 2926
بوجهٍ من الوجوه، أو أنّها لَم تكن بصفة البغايا , بل أصابها عتبة سرّاً من زناً وهما كافران , فحملت وولدت ولداً يشبهه فغلب على ظنّه أنّه منه , فبغته الموت قبل استلحاقه , فأوصى أخاه أن يستلحقه، فعمل سعد بعد ذلك تمسّكاً بالبراءة الأصليّة.
قال القرطبيّ: وكان عبد بن زمعة سمع أنّ الشّرع ورد بأنّ الولد للفراش، وإلا فلم يكن عادتهم الإلحاق به.
كذا قاله، وما أدري من أين له هذا الجزم بالنّفي؟ وكأنّه بناه على ما قال الخطّابيّ , أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهنّ من الضّرائب، فكان الإلحاق مختصّاً باستلحاقها على ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لَم يذكر الخطّابيّ مستنداً لذلك.
والذي يظهر من سياق القصّة ما قدّمته , أنّها كانت أمة مستفرشة لزمعة , فاتّفق أنّ عتبة زنى بها كما تقدّم، وكانت طريقة الجاهليّة في مثل ذلك أنّ السّيّد إنّ استلحقه لحقه , وإن نفاه انتفى عنه , وإذا ادّعاه غيره كان مردّ ذلك إلى السّيّد أو القافة.
وقد وقع في حديث ابن الزّبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيّد ما قلته.
وأمّا قول الخطابي: إنّ عبد بن زمعة سمع أنّ الشّرع .. إلخ.
ففيه نظرٌ؛ لأنّه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة وهو بمكّة لَم يسلم بعد. ولا يسمعه سعد بن أبي وقاصّ، وهو من السّابقين
стр. 2927
الأوّلين الملازمين لرسول الله ﷺ من حين إسلامه إلى حين فتح مكّة نحو العشرين سنّة، حتّى ولو قلنا: إنّ الشّرع لَم يرد بذلك إلَّا في زمن الفتح , فبلوغه لعبد قبل سعد بعيدٌ أيضاً.
والذي يظهر لي أنّ شرعيّة ذلك إنّما عرفت من قوله ﷺ في هذه القصّة " الولد للفراش " وإلَّا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليدّعيه، بل الذي يظهر أنّ كلاً من سعد وعتبة بنى على البراءة الأصليّة، وأنّ مثل هذا الولد يقبل النّزاع.
وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسندٍ حسن إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قام رجل فقال: يا رسولَ الله , إنّ فلاناً ابني عاهرت بأمّه في الجاهليّة، فقال رسول الله ﷺ : لا دِعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهليّة، الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقد وقع في بعض طرقه أنّ ذلك وقع في زمن الفتح، وهو يؤيّد ما قلته.
واستدل بهذه القصّة على أنّ الاستلحاق لا يختصّ بالأب , بل للأخ أن يستلحق وهو قول الشّافعيّة وجماعة , بشرط أن يكون الأخ حائزاً أو يوافقه باقي الورثة , وإمكان كونه من المذكور , وأن يوافق على ذلك إن كان بالغاً عاقلاً، وأن لا يكون معروف الأب.
وتعقّب: بأنّ زمعة كان له ورثة غير عبد.
وأجيب: بأنّه لَم يخلف وارثاً غيره إلَّا سودة، فإن كان زمعة مات كافراً فلم يرثه إلَّا عبد وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم وورثته
стр. 2928
سودة فيحتمل أن تكون وكّلت أخاها في ذلك أو ادّعت أيضاً.
وخصّ مالك وطائفة الاستلحاق بالأب.
وأجابوا بأنّ الإلحاق لَم ينحصر في استلحاق عبد , لاحتمال أن يكون النّبيّ ﷺ اطّلع على ذلك بوجهٍ من الوجوه كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنّه إنّما حكم بالفراش؛ لأنّه قال بعد قوله: هو لك " الولد للفراش " لأنّه لَمَّا أبطل الشّرع إلحاق هذا الولد بالزّاني لَم يبق صاحب الفراش.
وجرى المزنيّ على القول بأنّ الإلحاق يختصّ بالأب فقال: أجمعوا على أنّه لا يقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصّة عبد بن زمعة أنّه ﷺ أجاب عن المسألة , فأعلمهم أنّ الحكم كذا بشرط أن يدّعي صاحب الفراش , لا أنّه قَبِل دعوى سعد عن أخيه عتبة , ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة , بل عرّفهم أنّ الحكم في مثلها يكون كذلك. قال: ولذلك قال " احتجبي منه يا سودة ".
وتعقّب: بأنّ قوله لعبد بن زمعة " هو أخوك " يدفع هذا التّأويل.
واستُدل به على أنّ الوصيّ يجوز له أن يستلحق ولد موصيه إذا أوصى إليه بأن يستلحقه , ويكون كالوكيل عنه في ذلك.
قال ابن المنير ما ملخّصه: دعوى الوصيّ عن الموصى عليه لا نزاع فيه.
واستدل به.
وهو القول الأول: على أنّ الأمة تصير فراشاً بالوطء، فإذا اعترف
стр. 2929
السّيّد بوطء أمته أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان , ثمّ أتت بولدٍ لمدّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق كما في الزّوجة، لكن الزّوجة تصير فراشاً بمجرّد العقد فلا يشترط في الاستلحاق إلَّا الإمكان؛ لأنّها تراد للوطء فجعل العقد عليها كالوطء. بخلاف الأمة فإنّها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقّها الوطء ومن ثَمَّ يجوز الجمع بين الأختين بالملك دون الوطء. وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: عن الحنفيّة , لا تصير الأمة فراشاً إلَّا إذا ولدت من السّيّد ولداً ولَحِق به , فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلَّا أن ينفيه.
القول الثالث: عن الحنابلة , من اعترف بالوطء فأتت منه لمدّة الإمكان لحقه , وإن ولدت منه أوّلاً فاستلحقه لَم يلحقه ما بعده إلَّا بإقرار مستأنف على الرّاجح عندهم.
وترجيح المذهب الأوّل ظاهر؛ لأنّه لَم ينقل أنّه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكلّ متّفقون على أنّها لا تصير فراشاً إلَّا بالوطء.
قال النّوويّ: وطء زمعة أمته المذكورة علم إمّا ببيّنةٍ , وإمّا باطّلاع النّبيّ ﷺ على ذلك.
قلت: وفي حديث ابن الزّبير ما يشعر بأنّ ذلك كان أمراً مشهوراً.
وسأذكر لفظه قريباً.
واستدل به على أنّ السّبب لا يخرج , ولو قلنا إنّ العبرة بعموم اللفظ.
ونقل الغزاليّ تبعاً لشيخه والآمدي ومن تبعه عن الشّافعيّ قولاً
стр. 2930
بخصوص السّبب تمسّكاً بما نقل عن الشّافعيّ , أنّه ناظر بعض الحنفيّة لَمَّا قال: إنّ أبا حنيفة خصّ الفراش بالزّوجة , وأخرج الأمة من عموم " الولد للفراش " , فردّ عليه الشّافعيّ بأنّ هذا ورد على سبب خاصّ.
وردّ ذلك الفخر الرّازّي على مَن قاله: بأنّ مراد الشّافعيّ أنّ خصوص السّبب لا يخرج، والخبر إنّما ورد في حقّ الأمة فلا يجوز إخراجه.
ثمّ وقع الاتّفاق على تعميمه في الزّوجات , لكن شرط الشّافعيّ والجمهور الإمكان زماناً ومكاناً.
وعن الحنفيّة: يكفي مجرّد العقد , فتصير فراشاً , ويلحق الزّوج الولد.
وحجّتهم عموم قوله " الولد للفراش " لأنّه لا يحتاج إلى تقدير، وهو الولد لصاحب الفراش؛ لأنّ المراد بالفراش الموطوءة.
وردّه القرطبيّ: بأنّ الفراش كناية عن الموطوءة لكون الواطئ يستفرشها , أي: يصيّرها بوطئه لها فراشاً له , يعني فلا بدّ من اعتبار الوطء حتّى تسمّى فراشاً , وألحق به إمكان الوطء فمع عدم إمكان الوطء لا تسمّى فراشاً.
وفهم بعض الشّرّاح عن القرطبيّ خلاف مراده فقال: كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرّد كون الفراش هو الموطوءة، وليس هو المراد فعلم أنّه لا بدّ من تقدير محذوف؛ لأنّه قال: إنّ
стр. 2931
الفراش هو الموطوءة والمراد به أنّ الولد لا يلحق بالواطئ، قال المعترض: وهذا لا يستقيم إلَّا مع تقدير الحذف.
قلت: وقد بيّنت وجه استقامته بحمد الله.
ويؤيّد ذلك أيضاً أنّ ابن الأعرابيّ اللغويّ نقل أنّ الفراش عند العرب يعبّر به عن الزّوج، وعن المرأة , والأكثر إطلاقه على المرأة، وممّا ورد في التّعبير به عن الرّجل قول جرير فيمن تزوّجت بعد قتل زوجها أو سيّدها:
باتت تعانقه وبات فراشها ... خلق العباءة بالبلاء ثقيلاً.
وقد يعبّر به عن حالة الافتراش , ويمكن حمل الخبر عليها فلا يتعيّن الحذف.
نعم. لا يمكن حمل الخبر على كلّ واطئٍ , بل المراد من له الاختصاص بالوطء كالزّوج والسّيّد، ومن ثَمَّ قال ابن دقيق العيد: معنى " الولد للفراش " تابع للفراش أو محكوم به للفراش , أو ما يقارب هذا.
وقد شنّع بعضهم على الحنفيّة , بأنّ من لازم مذهبهم إخراج السّبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الأحوال.
وأجاب بعضهم: بأنّه خصّص الظّاهر القويّ بالقياس، وقد عرف من قاعدته تقديم القياس في مواضع على خبر الواحد وهذا منها.
واستدل به على أنّ القائف إنّما يعتمد في الشّبه إذا لَم يعارضه ما هو أقوى منه؛ لأنّ الشّارع لَم يلتفت هنا إلى الشّبه والتفت إليه في قصّة
стр. 2932
زيد بن حارثة (١)، وكذا لَم يحكم بالشّبه في قصّة الملاعنة (٢)؛ لأنّه عارضه حكمٌ أقوى منه، وهو مشروعيّة اللعان.
وفيه تخصيص عموم " الولد للفراش " وقد تمسّك بالعموم الشّعبيّ وبعض المالكيّة. وهو شاذٌّ.
ونقل عن الشّافعيّ أنّه قال: لقوله " الولد للفراش " معنيان.
أحدهما: هو له ما لَم ينفه , فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه.
الثّاني: إذا تنازع ربّ الفراش والعاهر. فالولد لربّ الفراش.
قلت: والثّاني منطبق على خصوص الواقعة. والأوّل أعمّ.
تكميل: قال البخاري في كتاب العتق: باب أم الولد. قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربها. ثم ذكر حديث الباب.
قوله: (باب أم الولد) أي هل يحكم بعتقها أم لا؟
أورد فيه حديثين. وليس فيهما ما يفصح بالحكم عنده، وأظن ذلك لقوة الخلاف في المسألة بين السلف، وإن كان الأمر استقرَّ عند الخلف على المنع حتى وافق في ذلك ابنُ حزم ومن تبعه من أهل الظاهر على عدم جواز بيعهن , ولم يبق إلا شذوذ.
стр. 2933
قوله: وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربها. (١) والمراد بالرب السيد أو المالك، ولا دليل فيه على جواز بيع أم الولد ولا عدمه.
قال النووي: استدل به إمامان جليلان أحدهما على جواز بيع أمهات الأولاد , والآخر على منعه.
فأما من استدل به على الجواز. فقال: ظاهر قوله: " ربها " أن المراد به سيدها , لأن ولدها من سيدها ينزل منزلة سيدها لمصير مال الإنسان إلى ولده غالباً.
وأما من استدلَّ به على المنع. فقال: لا شك أنَّ الأولاد من الإماء كانوا موجودين في عهد النبي ﷺ وعهد أصحابه كثيرا، والحديث مسوق للعلامات التي قرب قيام الساعة، فدل على حدوث قدر زائد على مجرد التسري.
قال: والمراد أن الجهل يغلب في آخر الزمان حتى تباع أمهات الأولاد فيكثر ترداد الأمة في الأيدي حتى يشتريها ولدها وهو لا يدري، فيكون فيه إشارة إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا يخفى تكلف الاستدلال من الطرفين، والله أعلم.
ثم أورد البخاري حديث عائشة في قصة ابن وليدة زمعة، والشاهد منه قول عبد بن زمعة " أخي ولد على فراش أبي " وحكمه
стр. 2934
- ﷺ لابن زمعة بأنه أخوه، فإن فيه ثبوت أمية أم الولد، ولكن ليس فيه تعرض لحريتها ولا لإرقاقها.
إلَّا أن ابن المنير أجاب بأن فيه إشارة إلى حرية أم الولد لأنَّه جعلها فراشاً فسوى بينها وبين الزوجة في ذلك، وأفاد الكرماني , أنه رأى في بعض النسخ في آخر الباب ما نصه " فسمى النبي ﷺ أم ولد زمعة أمة ووليدة فدل على أنها لم تكن عتيقة " اهـ.
فعلى هذا فهو ميل منه إلى أنها لا تعتق بموت السيد، وكأنه اختار أحد التأويلين في الحديث الأول، وقد تقدم ما فيه.
قال الكرماني: وبقية كلامه لم تكن عتيقة من هذا الحديث، لكن من يحتج بعتقها في هذه الآية: (إلا ما ملكت أيمانكم) يكون له ذلك حجة.
قال الكرماني: كأنه أشار إلى أن تقرير النبي ﷺ عبد بن زمعة على قوله: " أمة أبي " ينزل منزلة القول منه ﷺ ، ووجه الدلالة مما قال إن الخطاب في الآية للمؤمنين، وزمعة لم يكن مؤمناً فلم يكن له ملك يمين فيكون ما في يده في حكم الأحرار.
قال: ولعلَّ غرض البخاري أن بعض الحنفية لا يقول: إن الولد في الأمة للفراش، فلا يلحقونه بالسيد، إلا إن أقر به، ويخصون الفراش بالحرة، فإذا احتج عليهم بما في هذا الحديث أن الولد للفراش قالوا: ما كانت أمة , بل كانت حرة، فأشار البخاري إلى رد حجتهم هذه بما ذكره.
стр. 2935
وتعلَّق الأئمة بأحاديث. أصحُّها حديثان:
أحدهما: حديث أبي سعيد في سؤالهم عن العزل كما سيأتي شرحه (١).
وممن تعلَّق به النسائي في " السنن " فقال: باب ما يستدل به على منع بيع أم الولد. فساق حديث أبي سعيد.
ثم ساق حديث عمرو بن الحارث الخزاعي كما في البخاري، قال: ما ترك رسول الله ﷺ عبداً ولا أمةً " الحديث.
ووجه الدلالة من حديث أبي سعيد أنهم قالوا: " إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل "؟ وهذا لفظ البخاري.
قال البيهقي: لولا أنَّ الاستيلاء يمنع من نقل الملك , وإلَّا لم يكن لعزلهم لأجل محبة الأثمان فائدة.
وللنسائي من وجه آخر عن أبي سعيد " فكان منَّا من يريد أن يتخذ أهلاً، ومنَّا من يريد البيع، فتراجعنا في العزل " الحديث.
وفي رواية لمسلم " وطالت علينا العزبة , ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل ".
وفي الاستدلال به نظرٌ، إذ لا تلازم بين حملهن وبين استمرار امتناع البيع، فلعلهم أحبوا تعجيل الفداء وأخذ الثمن، فلو حملت المسبية لتأخر بيعها إلى وضعها.
стр. 2936
ووجه الدلالة من حديث عمرو بن الحارث , أن مارية أم ولده إبراهيم كانت قد عاشت بعده، فلولا أنها خرجت عن الوصف بالرق لَما صح قوله: " أنه لم يترك أمة ".
وقد ورد الحديث عن عائشة أيضاً عند ابن حبان مثله، وهو عند مسلم , لكن ليس فيه ذكر الأمة.
وفي صحة الاستدلال بذلك وقفة، لاحتمال أن يكون نجز عتقها، وأما بقية أحاديث الباب فضعيفة.
ويعارضها حديث جابر " كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد. والنبي ﷺ حيٌّ لا يرى بذلك بأسا " وفي لفظ " بعنا أمهات الأولاد على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، فلمَّا كان عمر نهانا فانتهينا ".
وقول الصحابي: " كنا نفعل " محمول على الرفع على الصحيح، وعليه جرى عمل الشيخين في صحيحهما , ولم يستند الشافعي في القول بالمنع إلَّا إلى عمر. فقال: قلتُه تقليداً لعمر.
قال بعض أصحابه: لأنَّ عمر لمَّا نهى عنه فانتهوا صار إجماعاً - يعني فلا عبرة بندور المخالف بعد ذلك - ولا يتعين معرفة سند الإجماع.
قوله: (هو لك يا عبد بن زمعة) كذا للأكثر، وعبد يجوز فيه الضّمّ والفتح، وأمّا ابن فهو منصوبٌ على الحالين.
ووقع في روايةٍ للنّسائيّ " هو لك عبد بن زمعة " بحذف حرف النّداء.
стр. 2937
وقرأه بعض المخالفين بالتّنوين , وهو مردود. فقد وقع في رواية يونس المعلقة في البخاري " هو لك، هو أخوك يا عبد " (١).
ووقع لمسدّدٍ عن ابن عيينة. عند أبي داود " هو أخوك يا عبد ". (٢)
قال ابن عبد البرّ: تثبُتُ الأمة فراشاً عند أهل الحجاز. إن أقرّ سيّدها أنّه كان يلمّ بها، وعند أهل العراق إن أقرّ سيّدها بالولد.
وقال المازريّ: يتعلق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحيح عند الشّافعيّ إذا لَم يكن له وارث سواه، وقد تعلق أصحابه بهذا الحديث , لأنّه لَم يرد أنّ زمعة ادّعاه ولداً , ولا اعترف بوطء أمّه , فكان المعوّل في هذه القصّة على استلحاق عبد بن زمعة.
قال: وعندنا لا يصحّ استلحاق الأخ، ولا حجّة في هذا الحديث؛ لأنّه يمكن أن يكون ثبت عند النّبيّ ﷺ أنّ زمعة كان يطأ أمته فألحق الولد به , لأنّ من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنّما يصعب هذا على العراقيّين , ويعسر عليهم الانفصال عمّا قاله الشّافعيّ
стр. 2938
لِمَا قرّرناه أنّه لَم يكن لزمعة ولدٌ من الأمة المذكورة سابقٌ، ومجرّد الوطء لا عبرة به عندهم فيلزمهم تسليم ما قال الشّافعيّ.
قال: ولَمّا ضاق عليهم الأمر , قالوا الرّواية في هذا الحديث " هو لك عبدٌ بنَ زمعة " وحذف حرف النّداء بين عبد وابن زمعة , والأصل يا ابن زمعة، قالوا: والمراد أنّ الولد لا يلحق بزمعة , بل هو عبدٌ لولده؛ لأنّه وارثه ولذلك أمر سودة بالاحتجاب منه , لأنّها لَم ترث زمعة؛ لأنّه مات كافراً وهي مسلمةٌ.
قال: وهذه الرّواية التي ذكروها غير صحيحة، ولو وردت لرددناها إلى الرّواية المشهورة، وقلنا: بل المحذوف حرف النّداء بين لك وعبد كقوله تعالى حكايةً عن صاحب يوسف حيث قال ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾. انتهى.
وقد سلك الطّحاويّ فيه مسلكاً آخر , فقال: معنى قوله " هو لك " أي: يدك عليه لا أنّك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبيّن أمره كما قال لصاحب اللقطة " هي لك " وقال له " إذا جاء صاحبها فأدّها إليه ".
قال: ولمّا كانت سودة شريكة لعبد في ذلك , لكن لَم يعلم منها تصديق ذلك ولا الدّعوى به , ألزم عبداً بما أقرّ به على نفسه، ولَم يجعل ذلك حجّة عليها فأمرها بالاحتجاب.
وكلامه كلّه متعقّبٌ بالرّواية الثّانية المصرّح فيها بقوله " هو أخوك " فإنّها رفعت الإشكال، وكأنّه لَم يقف عليها، ولا على حديث ابن
стр. 2939
الزّبير وسودة الدّالّ على أنّ سودة وافقت أخاها عبداً في الدّعوى بذلك.
قوله: (الولد للفراش) أي: لمالك الفراش. وهو السيد أو الزوج.
قال بن أبي جمرة: الفراش كناية عن الجماع. أي: لمن يطأ في الفراش , والكناية عن الأشياء التي يُستحى منها كثيرة في القرآن والسنة.
قوله: (وللعاهر الحجر) أي: للزّاني الخيبة والحرمان، والعهر بفتحتين الزّنا، وقيل: يختصّ بالليل.
ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدّعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب: له الحجر وبفيه الحجر والتّراب. ونحو ذلك.
وقيل: المراد بالحجر هنا أنّه يرجم.
قال النّوويّ: وهو ضعيفٌ؛ لأنّ الرّجم مختصٌّ بالمحصن، ولأنّه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنّما سيق لنفي الولد.
وقال السّبكيّ: والأوّل أشبه بمساق الحديث لتعمّ الخيبة كل زانٍ، ودليل الرّجم، مأخوذ من موضع آخر فلا حاجة للتّخصيص من غير دليل.
قلت: ويؤيّد الأوّل أيضاً ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه " الولد للفراش. وفي فم العاهر الحجر " وفي حديث ابن عمر عند ابن حبّان " الولد للفراش وبفي العاهر الأثلب "
стр. 2940
: بمثلثةٍ ثمّ موحّدة بينهما لامٌ وبفتح أوّله وثالثه ويكسران.
قيل: هو الحجر , وقيل: دقاقه , وقيل: التّراب.
قوله: (ثمّ قال لسودة: احتجبي منه) وللشيخين من رواية الليث عن الزهري " واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ".
قوله: (فلم ير سودة قطّ) وللبخاري من رواية مالك " فما رآها حتّى لقي الله " وفي رواية معمر " قالت عائشة: فوالله ما رآها حتّى ماتت " وفي رواية الليث " فلم تره سودة قطّ " يعني في المدّة التي بين هذا القول وبين موت أحدهما، وكذا لمسلمٍ من طريقه، وفي رواية ابن جريجٍ في صحيح أبي عوانة مثله.
وفي رواية البخاري في حديث الليث أيضاً " فلم تره سودة بعد " وهذه إذا ضمّت إلى رواية مالك ومعمر استفيد منها أنّها امتثلت الأمر , وبالغت في الاحتجاب منه , حتّى إنّها لَم تره فضلاً عن أن يراها؛ لأنّه ليس في الأمر المذكور دلالةٌ على منعها من رؤيته.
وقد استدل به الحنفيّة على أنّه لَم يلحقه بزمعة؛ لأنّه لو ألحقه به لكان أخا سودة , والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه.
وأجاب الجمهور: بأنّ الأمر بذلك كان للاحتياط , لأنّه وإن حكم بأنّه أخوها لقوله في الطّرق الصّحيحة " هو أخوك يا عبد " وإذا ثبت أنّه أخو عبد لأبيه , فهو أخو سودة لأبيها، لكن لَمَّا رأى الشّبه بيّناً بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطاً.
وأشار الخطّابيّ , إلى أنّ في ذلك مزيّةً لأمّهات المؤمنين؛ لأنّ لهنّ في
стр. 2941
ذلك ما ليس لغيرهنّ، قال: والشّبه يعتبر في بعض المواطن , لكن لا يُقضى به إذا وجد ما هو أقوى منه، وهو كما يحكم في الحادثة بالقياس , ثمّ يوجد فيها نصٌّ فيترك القياس.
قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث. وليس بالثّابت " احتجبي منه يا سودة فإنّه ليس لك بأخٍ ".
وتبعه النّوويّ فقال: هذه الزّيادة باطلة مردودة.
وتعقّب: بأنّها وقعت في حديث عبد الله بن الزّبير عند النّسائيّ بسندٍ حسنٍ , ولفظه: كانت لزمعة جارية يطؤها , وكان يظنّ بآخر أنّه يقع عليها , فجاءت بولدٍ يشبه الذي كان يظنّ به , فمات زمعة، فذكرت ذلك سودة للنّبيّ ﷺ فقال: الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخٍ.
ورجال سنده رجال الصّحيح إلَّا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل الزّبير. وقد طعن البيهقيّ في سنده فقال: فيه جرير. وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروفٍ.
وعلى تقدير ثبوته فلا يعارِض حديث عائشة المتّفق على صحّته.
وتعقّب: بأنّ جريراً هذا لَم ينسب إلى سوء حفظٍ، وكأنّه اشتبه عليه بجرير بن حازم، وبأنّ الجمع بينهما ممكنٌ فلا ترجيح. وبأنّ يوسف معروفٌ في موالي آل الزّبير، وعلى هذا فيتعيّن تأويله.
وإذا ثبتت هذه الزّيادة , تعيّن تأويل نفي الأخوّة عن سودة على نحو ما تقدّم من أمرها بالاحتجاب منه.
стр. 2942
ونقل ابن العربيّ في " القوانين " عن الشّافعيّ نحو ما تقدّم , وزاد: ولو كان أخاها بنسبٍ محقّقٍ لَمَا منعها كما أمر عائشة أن لَّا تحتجب من عمّها من الرّضاعة.
وقال البيهقيّ: معنى قوله " ليس لك بأخٍ " إن ثبت ليس لك بأخٍ شبهاً , فلا يخالف قوله لعبدٍ " هو أخوك ".
قلت: أو معنى قوله " ليس لك بأخٍ " بالنّسبة للميراث من زمعة , لأنّ زمعة مات كافراً وخلف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة , فلا حقّ لسودة في إرثه , بل حازه عبدٌ قبل الاستلحاق. فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث دون سودة فلهذا قال لعبدٍ " هو أخوك " وقال لسودة " ليس لك بأخٍ ".
وقال القرطبيّ بعد أن قرّر أنّ أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقّي الشّبهات: ويحتمل: أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حقّ أمّهات المؤمنين كما قال " أفعمياوان أنتما؟ " (١) فنهاهما عن رؤية
стр. 2943
الأعمى مع قوله لفاطمة بنت قيس " اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم فإنّه أعمى " (١) فغلظ الحجاب في حقّهنّ دون غيرهنّ.
وقد قال عياض: إنّه كان يحرم عليهنّ بعد الحجاب إبراز أشخاصهنّ , ولو كنّ مستتراتٍ إلَّا لضرورةٍ , بخلاف غيرهنّ فلا يشترط (٢).
وأيضاً فإنّ للزّوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها , فلعلَّ المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع به في الخلوة.
وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها , بل الواجب عليها صلة رحمها، وردّ على من زعم أنّ معنى قوله " هو لك " أي: عبدٌ، بأنّه لو قضى بأنّه عبدٌ , لَمَا أمر سودة بالاحتجاب منه , إمّا لأنّ لها فيه حصّةً، وإمّا لأنّ من في الرّقّ لا يحتجب منه على القول بذلك.
وقد تقدّم جواب المزنيّ عن ذلك قريباً.
واستدل به بعض المالكيّة على مشروعيّة الحكم بين حكمين , وهو
стр. 2944
أن يأخذ الفرع شبهاً من أكثر من أصلٍ فيعطى أحكاماً بعدد ذلك، وذلك أنّ الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النّسب والشّبه يقتضي إلحاقه بعتبة , فأعطى الفرع حكماً بين حكمين فروعي الفراش في النّسب والشّبه البيّن في الاحتجاب.
قال: وإلحاقه بهما، ولو كان من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كلّ وجه.
قال ابن دقيق العيد: ويعترض على هذا بأنّ صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيّين , وهنا الإلحاق شرعيٌّ للتّصريح بقوله " الولد للفراش " فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلاً؛ لأنّه يناقض الإلحاق , فتعيّن أنّه للاحتياط لا لوجوب حكمٍ شرعيٍّ، وليس فيه إلَّا ترك مباحٍ مع ثبوت المحرميّة.
واستدل به على أنّ حكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطن , كما لو حكم بشهادةٍ فظهر أنّها زورٌ؛ لأنّه حكم بأنّه أخو عبدٍ , وأمر سودة بالاحتجاب بسبب الشّبه بعتبة، فلو كان الحكم يحل الأمر في الباطن لَمَا أمرها بالاحتجاب.
واستدل به.
وهو القول الأول. على أنّ لِوطء الزّنا حكمَ وطء الحلال في حرمة المصاهرة , وهو قول الجمهور.
ووجه الدّلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنّه أخوها لأجل الشّبه بالزّاني.
стр. 2945
القول الثاني: قال مالك في المشهور عنه والشّافعيّ: لا أثر لوطء الزّنا , بل للزّاني أن يتزوّج أمّ التي زنى بها وبنتها.
وزاد الشّافعيّ ووافقه ابن الماجشون: والبنت التي تلدها المزنيّ بها، ولو عرفت أنّها منه.
قال النّوويّ: وهذا احتجاجٌ باطلٌ؛ لأنّه على تقدير أن يكون من الزّنا فهو أجنبيٌّ من سودة لا يحل لها أن تظهر له. سواءٌ ألحق بالزّاني أم لا , فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة من الزّنا.
كذا قال , وهو ردٌّ للفرع بردّ الأصل، وإلا فالبناء الذي بنوه صحيحٌ.
وقد أجاب الشّافعيّة عنه: بما تقدّم أنّ الأمر بالاحتجاب للاحتياط، ويحمل الأمر في ذلك إمّا على النّدب، وإمّا على تخصيص أمّهات المؤمنين بذلك، فعلى تقدير النّدب فالشّافعيّ قائل به في المخلوقة من الزّنا، وعلى التّخصيص فلا إشكال. والله أعلم.
ويلزم مَن قال بالوجوب أن يقول به في تزويج البنت المخلوقة من ماء الزّنا , فيجيز عند فقد الشّبه ويمنع عند وجوده.
واستدل به على صحّة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأنّ حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأنّ عبداً وسعداً أطلقا عليها أمة ووليدة، ولَم ينكر ذلك النّبيّ ﷺ ، كذا أشار إليه البخاريّ في كتاب العتق , عقب هذا الحديث بعد أن ترجم له " أمّ الولد " ولكنّه ليس في أكثر النُّسخ.