← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ذلك ما ليس لغيرهنّ، قال: والشّبه يعتبر في بعض المواطن , لكن لا يُقضى به إذا وجد ما هو أقوى منه، وهو كما يحكم في الحادثة بالقياس , ثمّ يوجد فيها نصٌّ فيترك القياس. قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث. وليس بالثّابت " احتجبي منه يا سودة فإنّه ليس لك بأخٍ ". وتبعه النّوويّ فقال: هذه الزّيادة باطلة مردودة. وتعقّب: بأنّها وقعت في حديث عبد الله بن الزّبير عند النّسائيّ بسندٍ حسنٍ , ولفظه: كانت لزمعة جارية يطؤها , وكان يظنّ بآخر أنّه يقع عليها , فجاءت بولدٍ يشبه الذي كان يظنّ به , فمات زمعة، فذكرت ذلك سودة للنّبيّ ﷺ فقال: الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخٍ. ورجال سنده رجال الصّحيح إلَّا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل الزّبير. وقد طعن البيهقيّ في سنده فقال: فيه جرير. وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروفٍ. وعلى تقدير ثبوته فلا يعارِض حديث عائشة المتّفق على صحّته. وتعقّب: بأنّ جريراً هذا لَم ينسب إلى سوء حفظٍ، وكأنّه اشتبه عليه بجرير بن حازم، وبأنّ الجمع بينهما ممكنٌ فلا ترجيح. وبأنّ يوسف معروفٌ في موالي آل الزّبير، وعلى هذا فيتعيّن تأويله. وإذا ثبتت هذه الزّيادة , تعيّن تأويل نفي الأخوّة عن سودة على نحو ما تقدّم من أمرها بالاحتجاب منه.

стр. 2942

ونقل ابن العربيّ في " القوانين " عن الشّافعيّ نحو ما تقدّم , وزاد: ولو كان أخاها بنسبٍ محقّقٍ لَمَا منعها كما أمر عائشة أن لَّا تحتجب من عمّها من الرّضاعة. وقال البيهقيّ: معنى قوله " ليس لك بأخٍ " إن ثبت ليس لك بأخٍ شبهاً , فلا يخالف قوله لعبدٍ " هو أخوك ". قلت: أو معنى قوله " ليس لك بأخٍ " بالنّسبة للميراث من زمعة , لأنّ زمعة مات كافراً وخلف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة , فلا حقّ لسودة في إرثه , بل حازه عبدٌ قبل الاستلحاق. فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث دون سودة فلهذا قال لعبدٍ " هو أخوك " وقال لسودة " ليس لك بأخٍ ". وقال القرطبيّ بعد أن قرّر أنّ أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقّي الشّبهات: ويحتمل: أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حقّ أمّهات المؤمنين كما قال " أفعمياوان أنتما؟ " (١) فنهاهما عن رؤية

стр. 2943

الأعمى مع قوله لفاطمة بنت قيس " اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم فإنّه أعمى " (١) فغلظ الحجاب في حقّهنّ دون غيرهنّ. وقد قال عياض: إنّه كان يحرم عليهنّ بعد الحجاب إبراز أشخاصهنّ , ولو كنّ مستتراتٍ إلَّا لضرورةٍ , بخلاف غيرهنّ فلا يشترط (٢). وأيضاً فإنّ للزّوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها , فلعلَّ المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع به في الخلوة. وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها , بل الواجب عليها صلة رحمها، وردّ على من زعم أنّ معنى قوله " هو لك " أي: عبدٌ، بأنّه لو قضى بأنّه عبدٌ , لَمَا أمر سودة بالاحتجاب منه , إمّا لأنّ لها فيه حصّةً، وإمّا لأنّ من في الرّقّ لا يحتجب منه على القول بذلك. وقد تقدّم جواب المزنيّ عن ذلك قريباً. واستدل به بعض المالكيّة على مشروعيّة الحكم بين حكمين , وهو

стр. 2944

أن يأخذ الفرع شبهاً من أكثر من أصلٍ فيعطى أحكاماً بعدد ذلك، وذلك أنّ الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النّسب والشّبه يقتضي إلحاقه بعتبة , فأعطى الفرع حكماً بين حكمين فروعي الفراش في النّسب والشّبه البيّن في الاحتجاب. قال: وإلحاقه بهما، ولو كان من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كلّ وجه. قال ابن دقيق العيد: ويعترض على هذا بأنّ صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيّين , وهنا الإلحاق شرعيٌّ للتّصريح بقوله " الولد للفراش " فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلاً؛ لأنّه يناقض الإلحاق , فتعيّن أنّه للاحتياط لا لوجوب حكمٍ شرعيٍّ، وليس فيه إلَّا ترك مباحٍ مع ثبوت المحرميّة. واستدل به على أنّ حكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطن , كما لو حكم بشهادةٍ فظهر أنّها زورٌ؛ لأنّه حكم بأنّه أخو عبدٍ , وأمر سودة بالاحتجاب بسبب الشّبه بعتبة، فلو كان الحكم يحل الأمر في الباطن لَمَا أمرها بالاحتجاب. واستدل به. وهو القول الأول. على أنّ لِوطء الزّنا حكمَ وطء الحلال في حرمة المصاهرة , وهو قول الجمهور. ووجه الدّلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنّه أخوها لأجل الشّبه بالزّاني.

стр. 2945

القول الثاني: قال مالك في المشهور عنه والشّافعيّ: لا أثر لوطء الزّنا , بل للزّاني أن يتزوّج أمّ التي زنى بها وبنتها. وزاد الشّافعيّ ووافقه ابن الماجشون: والبنت التي تلدها المزنيّ بها، ولو عرفت أنّها منه. قال النّوويّ: وهذا احتجاجٌ باطلٌ؛ لأنّه على تقدير أن يكون من الزّنا فهو أجنبيٌّ من سودة لا يحل لها أن تظهر له. سواءٌ ألحق بالزّاني أم لا , فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة من الزّنا. كذا قال , وهو ردٌّ للفرع بردّ الأصل، وإلا فالبناء الذي بنوه صحيحٌ. وقد أجاب الشّافعيّة عنه: بما تقدّم أنّ الأمر بالاحتجاب للاحتياط، ويحمل الأمر في ذلك إمّا على النّدب، وإمّا على تخصيص أمّهات المؤمنين بذلك، فعلى تقدير النّدب فالشّافعيّ قائل به في المخلوقة من الزّنا، وعلى التّخصيص فلا إشكال. والله أعلم. ويلزم مَن قال بالوجوب أن يقول به في تزويج البنت المخلوقة من ماء الزّنا , فيجيز عند فقد الشّبه ويمنع عند وجوده. واستدل به على صحّة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأنّ حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأنّ عبداً وسعداً أطلقا عليها أمة ووليدة، ولَم ينكر ذلك النّبيّ ﷺ ، كذا أشار إليه البخاريّ في كتاب العتق , عقب هذا الحديث بعد أن ترجم له " أمّ الولد " ولكنّه ليس في أكثر النُّسخ.

стр. 2946

وأجيب: بأنّ عتق أمّ الولد بموت السّيّد ثبت بأدلةٍ أخرى. وقيل: إنّ غرض البخاريّ بإيراده أنّ بعض الحنفيّة لَمَّا ألزم أنّ أمّ الولد المتنازع فيه كانت حرّة ردّ ذلك، وقال: بل كانت عتقت، وكأنّه قد ورد في بعض طرقه أنّها أمةٌ. فمن ادّعى أنّها عتقت فعليه البيان. تكملةٌ: حديث " الولد للفراش ". قال ابن عبد البرّ: هو من أصحّ ما يروى عن النّبيّ ﷺ جاء عن بضعةٍ وعشرين نفساً من الصّحابة. فذكره البخاريّ عن أبي هريرة وعائشة. وقال التّرمذيّ عقب حديث أبي هريرة: وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزّبير وعبد الله بن عمرو وأبي أُمامة وعمرو بن خارجة والبراء وزيد بن أرقم. انتهى وزاد شيخنا عليه معاوية وابن عمر. وزاد أبو القاسم بن منده في " تذكرته " معاذ بن جبل وعبادة بن الصّامت وأنس بن مالك وعليّ بن أبي طالب والحسين بن عليّ وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقّاصٍ وسودة بنت زمعة. ووقع لي من حديث ابن عبّاس وأبي مسعود البدريّ وواثلة بن الأسقع وزينب بنت جحش، وقد رقمت عليها علامات من أخرجها من الأئمّة فـ طب علامة الطّبرانيّ في " الكبير "، وطس علامته في " الأوسط "، وبز علامة البزّار، وص علامة أبي يعلى الموصليّ، وتم علامة تمّام في " فوائده ".

стр. 2947

وجميع هؤلاء وقع عندهم " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". ومنهم من اقتصر على الجملة الأولى، وفي حديث عثمان قصّة، وكذا عليّ. وفي حديث معاوية قصّة أخرى له مع نصر بن حجّاج وعبد الرّحمن بن خالد بن الوليد , فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟ فقال: قضاء رسول الله ﷺ خير من قضاء معاوية ". وفي حديث أبي أُمامة وابن مسعود وعبادة أحكامٌ أخرى، وفي حديث عبد الله بن حذافة قصّةٌ له في سؤاله عن اسم أبيه. وفي حديث ابن الزّبير قصّة نحو قصّة عائشة باختصارٍ. وقد أشرتُ إليه، وفي حديث سودة نحوه. ولَم تسمّ في رواية أحمد , بل قال " عن بنت زمعة ". وفي حديث زينب قصّة. ولَم يُسمَّ أبوها , بل فيه " عن زينب الأسديّة " وبالله التّوفيق. وجاء من مرسل عبيد بن عمير - وهو أحد كبار التّابعين - أخرجه ابن عبد البرّ بسندٍ صحيحٍ إليه. تكميل آخر: قال البخاري (باب إثم من انتفى من ولده) أورد فيه حديث عائشة في قصّة مخاصمة سعد بن أبي وقّاص وعبد بن زمعة. وقد خفي توجيه هذه التّرجمة لهذا الحديث. ويحتمل: أن يخرّج على أنّ عتبة بن أبي وقّاص مات مسلماً , وأنّ الذي حمله على أن يوصي أخاه بأخذ ولد وليدة زمعة خشية أن يكون

стр. 2948

سكوته عن ذلك مع اعتقاده أنّه ولده يتنزّل منزلة النّفي، وكان سمع ما ورد في حقّ من انتفى من ولده من الوعيد , فعهد إلى أخيه أنّه ابنه وأمره باستلحاقه. وعلى تقدير أن يكون عتبة مات كافراً , فيحتمل أن يكون ذلك هو الحامل لسعدٍ على استلحاق ابن أخيه , ويلحق انتفاء ولد الأخ بالانتفاء من الولد , لأنّه قد يرث من عمّه كما يرث من أبيه. وقد ورد الوعيد في حقّ من انتفى من ولده من رواية مجاهد عن ابن عمر رفعه " من انتفى من ولده ليفضحه في الدّنيا , فضحه الله يوم القيامة " الحديث، وفي سنده الجرّاح والد وكيع مختلف فيه. وله طريق أخرى عن ابن عمر أخرجه ابن عديٍّ بلفظ " من انتفى من ولده فليتبوّأ مقعده من النّار " وفي سنده محمّد بن أبي الزّعيزعة راوية عن نافعٍ. قال أبو حاتم: منكر الحديث. وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود والنّسائيّ وصحّحه ابن حبّان والحاكم بلفظ " وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه " الحديث، وفي سنده عبيد الله بن يوسف حجازيّ ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد.

стр. 2949

الحديث السابع والعشرون ٣٣١ - عن عائشة ﵂، أنها قالت: إنّ رسول الله ﷺ دخل عليّ مسروراً، تبرق أسارير وجهه، فقال: أَلَم تري أنَّ مجزِّزاً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيدٍ، فقال: إنّ بعض هذه الأقدام لمن بعضٍ. (١) وفي لفظ: وكان مجزِّزٌ قائفاً. (٢) قوله: (دخل عليّ مسروراً تبرق أسارير وجهه) الأسارير جمع أسرار , وهي جمع سر , وهي الخطوط التي تكون في الجبهة. قوله: (أَلَم تري أنّ مجزّزاً) وللبخاري " فقال: أَلَم تري إلى مجزّز " والمراد من الرّؤية هنا الإخبار أو العلم. وللبخاري في " مناقب زيد " من طريق ابن عيينة (٣) عن الزّهريّ " أَلَم تسمعي ما قال المدلجيّ؟ ". وله في " صفة النبي ﷺ " من طريق إبراهيم بن محمد (٤) عن

стр. 2950

الزّهريّ بلفظ " دخل عليّ قائفٌ. الحديث. وفيه. فسُرَّ بذلك النّبيّ ﷺ , وأعجبه , وأخبر به عائشة ". ولمسلمٍ من طريق معمر وابن جريجٍ عن الزّهريّ " وكان مجزّز قائفاً ". (١) ومجزِّز بضمّ الميم وكسر الزّاي الثّقيلة. وحكي: فتحها وبعدها زاي أخرى. هذا هو المشهور. ومنهم مَن قال: بسكون الحاء المهملة وكسر الرّاء ثمّ زاي. وهو ابن الأعور بن جعدة المدلجيّ نسبة إلى مدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك. وليس ذلك خاصّاً بهم على الصّحيح. وقد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض بسندٍ صحيحٍ إلى سعيد بن المسيّب , أنّ عمر كان قائفاً. أورده في قصّته، وعمر قرشيّ ليس مدلجيّاً ولا أسديّاً لا أسد قريش ولا أسد خزيمة. ومجزّز المذكور هو والد علقمة بن مجزّز، وذكر مصعب الزّبيريّ والواقديّ , أنّه سُمّي مجزّزاً لأنّه كان إذا أخذ أسيراً في الجاهليّة جزّ

стр. 2951

ناصيته وأطلقه، وهذا يدفع فتح الزّاي الأولى من اسمه، وعلى هذا فكان له اسم غير مجزّز. لكنّي لَم أر من ذكره. وكان مجزّز عارفاً بالقيافة، وذكره ابن يونس فيمن شهد فتح مصر , وقال: لا أعلم له روايةً. قوله: (نظر آنفاً) بالمدّ ويجوز القصر. أي: قريباً أو أقرب وقتٍ. قوله: (إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد) في رواية سفيان عن الزهري في الصحيحين " دخل عليّ فرأى أسامة بن زيد وزيداً وعليهما قطيفةٌ , قد غطّيا رءوسهما وبدت أقدامهما ". وفي رواية إبراهيم بن سعد " وأسامة وزيد مضطجعان ". وفي هذه الزّيادة دفع توهّم من يقول: لعله حاباهما بذلك لِما عُرف من كونهم كانوا يطعنون في أسامة. وزيد هو مولى النّبيّ ﷺ وهو من بني كلب أُسر في الجاهليّة , فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة , فاستوهبه النّبيّ ﷺ منها، ذكر قصّته محمّد بن إسحاق في " السّيرة " , وأنّ أباه وعمّته أتيا مكّة فوجداه , فطلبا أن يفدياه فخيّره النّبيّ ﷺ بين أنّ يدفعه إليهما أو يثبت عنده , فاختار أن يبقى عنده. وقد أخرج ابن منده في " معرفة الصّحابة " وتمام في " فوائده " بإسنادٍ مستغرب عن آل بيت زيد بن حارثة , أنّ حارثة أسلم يومئذٍ، وهو حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزّى الكلبيّ. وأخرج التّرمذيّ من طريق جبلة بن حارثة قال: قلت: يا رسولَ

стр. 2952

الله، ابعث معي أخي زيداً قال: إن انطلق معك لَم أمنعه، فقال زيد: يا رسولَ الله , والله لا أختار عليك أحداً. واستشهد زيد بن حارثة في غزوة مؤتة. قوله: (وأسامة بن زيد) كانوا يسمّون أسامة حبّ رسول الله ﷺ , بكسر المهملة. أي: محبوبه لِمَا يعرفون من منزلته عنده، لأنّه كان يحبّ أباه قبله حتّى تبنّاه , فكان يقال له زيد ابن محمّد، وأمّه أمّ أيمن حاضنة رسول الله ﷺ , وكان رسول الله ﷺ يقول: هي أمّي بعد أمّي " (١). وكان يجلسه على فخذه بعد أن كبر كما في البخاري عن أسامة بن زيد، ﵁: كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما. مات أسامة بن زيد بالمدينة , أو بوادي القرى سنة أربع وخمسين , وقيل: قبل ذلك، وكان قد سكن المزّة من عمل دمشق مدّة. قوله: (إنّ بعض هذه الأقدام لمن بعضٍ) في رواية لهما " إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعض ".

стр. 2953

قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النّسب , أنّهم كانوا في الجاهليّة يقدحون في نسب أسامة , لأنّه كان أسود شديد السّواد , وكان أبوه زيدٌ أبيض من القطن، فلمّا قال القائف ما قال مع اختلاف اللون , سرّ النّبيّ ﷺ بذلك , لكونه كافّاً لهم عن الطّعن فيه لاعتقادهم ذلك. وقد أخرج عبد الرّزّاق من طريق ابن سيرين، أنّ أمّ أسامة وهي أمّ أيمن مولاة النّبيّ ﷺ كانت سوداء فلهذا جاء أسامة أسود. وقد وقع في الصّحيح عن ابن شهابٍ , أنّ أمّ أيمن كانت حبشيّةً وصيفةً لعبد الله والد النّبيّ ﷺ . ويقال: كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطّلب فوهبها لعبد الله، وتزوّجت قبل زيدٍ عُبيداً الحبشيّ , فولدت له أيمن فكنيت به واشتهرت بذلك، وكان يقال لها: أمّ الظّباء. قال عياض: لو صحّ أنّ أمّ أيمن كانت سوداء , لَم ينكروا سواد ابنها أسامة , لأنّ السّوداء قد تلد من الأبيض أسود. قلت: يحتمل أنّها كانت صافيةً , فجاء أسامة شديد السّواد فوقع الإنكار لذلك. وفي الحديث جواز الشّهادة على المنتقبة والاكتفاء بمعرفتها من غير رؤية الوجه، وجواز اضطجاع الرّجل مع ولده في شعار واحد، وقبول شهادة من يشهد قبل أن يستشهد عند عدم التّهمة.

стр. 2954

وسرور الحاكم لظهور الحقّ لأحد الخصمين عند السّلامة من الهوى، وتقدّم حديث أبي هريرة (١) في قصّة الذي قال " إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود، وفيه قول النّبيّ ﷺ " لعله نزعه عرقٌ " تنْبيهٌ: وجه إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض (٢) الرّدّ على من زعم أنّ القائف لا يعتبر قوله، فإنّ من اعتبر قوله فعمل به , لزم منه حصول التّوارث بين الملحِق والملحَق به. قوله: (وكان مجزِّزٌ قائفاً) هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر. سُمي بذلك , لأنه يقفو الأشياء. أي: يتبعها فكأنه مقلوب من القافي. قال الأصمعي: هو الذي يقفو الأثر ويقتافُه قفواً وقيافةً , والجمع القافة. كذا وقع في الغريبين والنهاية.

стр. 2955

الحديث الثامن والعشرون ٣٣٢ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: ذُكر العزل لرسول الله ﷺ فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ ولَم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم , فإنه ليست نفسٌ مخلوقةٌ إلَّا الله خالقها. (١) قوله: (ذُكر العزل لرسول الله ﷺ ) في رواية للشيخين من طريق ربيعة عن محمّد بن يحيى بن حبّان عن ابن محيريزٍ عن أبي سعيد قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة، ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله، فسألنا رسول الله ﷺ .. ". وفي رواية يونس وشعيب عن الزهري عن ابن محيريز عند البخاري فقال: إنّا نُصيب سبياً ونحبّ المال , فكيف ترى في العزل؟. ووقع عند مسلم من طريق عبد الرّحمن بن بشر عن أبي سعيد قال: ذُكر العزل عند رسول الله ﷺ قال: وما ذلكم؟ قالوا: الرّجل تكون له المرأة ترضع له , فيصيب منها ويكره أن تحمل منه، والرّجل تكون

стр. 2956

له الأمة , فيصيب منها ويكره أن تحمل منه ". ففي هذه الرّواية , إشارة إلى أنّ سبب العزل شيئان. أحدهما: كراهة مجيء الولد من الأمة , وهو إمّا أنفة من ذلك , وإمّا لئلا يتعذّر بيع الأمة إذا صارت أمّ ولد , وإمّا لغير ذلك. كما سأذكره بعده. الثّاني: كراهة أن تحمل الموطوءة , وهي ترضع فيضرّ ذلك بالولد المرضع. قوله: (ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ ولَم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم) في رواية مالك عن الزهري " أو إنّكم لتفعلون؟ ". هذا الاستفهام يشعر بأنّه ﷺ ما كان اطّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقّب على مَن قال: إنّ قول الصّحابيّ كنّا نفعل كذا في عهد رسول الله ﷺ مرفوعٌ , معتلاً بأنّ الظّاهر اطّلاع النّبيّ ﷺ كما سيأتي، ففي هذا الخبر أنّهم فعلوا العزل , ولَم يعلم به حتّى سألوه عنه. نعم. للقائل أن يقول: كانت دواعيهم متوفّرة على سؤاله عن أمور الدّين، فإذا فعلوا الشّيء , وعلموا أنّه لَم يطّلع عليه , بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه , فيكون الظّهور من هذه الحيثيّة. ووقع في رواية ربيعة " لا عليكم أن لا تفعلوا "، ووقع في رواية مسلم من طريق أخرى عن محمّد بن سيرين عن عبد الرّحمن بن بشر عن أبي سعيد " لا عليكم أن لا تفعلوا ذلك " قال ابن سيرين: قوله " لا عليكم " أقرب إلى النّهي.

стр. 2957

وله من طريق ابن عون عن محمّد بن سيرين نحوه دون قول محمّد، قال ابن عون فحدّثت به الحسن فقال: والله لكأنّ هذا زجر. قال القرطبيّ: كأنّ هؤلاء فهموا من " لا " النّهي عمّا سألوه عنه , فكأنّ عندهم بعد " لا " حذفاً , تقديره لا تعزلوا وعليكم أن لا تفعلوا، ويكون قوله " وعليكم .. إلخ " تأكيداً للنّهي. وتعقّب: بأنّ الأصل عدم هذا التّقدير، وإنّما معناه: ليس عليكم أن تتركوا، وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره: قوله " لا عليكم أن لا تفعلوا " أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا , إلَّا إن ادّعى أنّ " لا " زائدة , فيقال الأصل عدم ذلك. ووقع في رواية مجاهد في البخاري تعليقاً. ووصلها مسلم وغيره " ذُكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم "؟ ولَم يقل لا يفعل ذلك. فأشار إلى أنّه لَم يصرّح لهم بالنّهي، وإنّما أشار أنّ الأولى ترك ذلك، لأنّ العزل إنّما كان خشية حصول الولد فلا فائدة في ذلك، لأنّ الله إن كان قدّر خلق الولد لَم يمنع العزل ذلك فقد يسبق الماء , ولا يشعر العازل فيحصل العلوق ويلحقه الولد. ولا رادّ لِمَا قضى الله. والفرار من حصول الولد يكون لأسبابٍ: الأول: خشية علوق الزّوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقاً.

стр. 2958

الثاني: خشية دخول الضّرر على الولد المرضع إذا كانت الموطوءة ترضعه. الثالث: فراراً من كثرة العيال إذا كان الرّجل مقلاًّ فيرغب عن قلة الولد لئلا يتضرّر بتحصيل الكسب. وكلّ ذلك لا يغني شيئاً. وقد أخرج أحمد والبزّار وصحّحه ابن حبّان من حديث أنس , أنّ رجلاً سأل عن العزل، فقال النّبيّ ﷺ : لو أنّ الماء الذي يكون منه الولد , أهرقته على صخرة , لأخرج الله منها ولداً. وله شاهدان في " الكبير للطّبرانيّ " عن ابن عبّاس , وفي " الأوسط " له عن ابن مسعود. وليس في جميع الصّور التي يقع العزل بسببها ما يكون العزل فيه راجحاً , سوى الصّورة المتقدّمة من عند مسلم في طريق عبد الرّحمن بن بشر عن أبي سعيد , وهي خشية أن يضرّ الحمل بالولد المرضع , لأنّه ممّا جُرّب فضرّ غالباً، لكن وقع في بقيّة الحديث عند مسلم , أنّ العزل بسبب ذلك لا يفيد. لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار. ووقع عند مسلم في حديث أسامة بن زيد: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي أعزل عن امرأتي شفقة على ولدها، فقال رسول الله ﷺ : إن كان كذلك فلا، ما ضرّ ذلك فارس ولا الرّوم. وفي العزل أيضاً إدخال ضرر على المرأة لِما فيه من تفويت لذّتها. وقد اختلف السّلف في حكم العزل. قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء , أنّه لا يعزل عن الزّوجة

стр. 2959

الحرّة إلَّا بإذنها، لأنّ الجماع من حقّها، ولها المطالبة به. وليس الجماع المعروف إلَّا ما لا يلحقه عزل. ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة. وتعقّب: بأنّ المعروف عند الشّافعيّة , أنّ المرأة لا حقّ لها في الجماع أصلاً، ثمّ في خصوص هذه المسألة عند الشّافعيّة خلاف مشهور في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها. قال الغزاليّ وغيره: يجوز، وهو المصحّح عند المتأخّرين واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عن عمر. أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ " نهى عن العزل عن الحرّة , إلَّا بإذنها " وفي إسناده ابن لهيعة. والوجه الآخر للشّافعيّة الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان. أصحّهما الجواز. وهذا كلّه في الحرّة. وأمّا الأمة , فإن كانت زوجة , فهي مرتّبة على الحرّة إن جاز فيها. ففي الأمة أولى، وإن امتنع فوجهان , أصحّهما الجواز تحرّزاً من إرقاق الولد، وإن كانت سرّيّة جاز بلا خلاف عندهم إلَّا في وجه حكاه الرّويانيّ في المنع مطلقاً كمذهب ابن حزم. وإن كانت السّرّيّة مستولدة , فالرّاجح الجواز فيه مطلقاً , لأنّها ليست راسخة في الفراش، وقيل: حكمها حكم الأمة المزوّجة. هذا واتّفقت المذاهب الثّلاثة على أنّ الحرّة لا يعزل عنها إلَّا بإذنها , وأنّ الأمة يعزل عنها بغير إذنها. واختلفوا في المزوّجة.

стр. 2960

فعند المالكيّة: يحتاج إلى إذن سيّدها، وهو قول أبي حنيفة، والرّاجح عن محمّد وقال أبو يوسف وأحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه: بإذنها، وعنه: يباح العزل مطلقاً، وعنه: المنع مطلقاً. والذي احتجّ به من جنح إلى التّفصيل لا يصحّ إلَّا عند عبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس قال: تستأمر الحرّة في العزل , ولا تستأمر الأمة السّرّيّة فإن كانت أمة تحت حرّ , فعليه أن يستأمرها. وهذا نصّ في المسألة، فلو كان مرفوعاً لَم يجز العدول عنه. وقد استنكر ابن العربيّ القول بمنع العزل عمّن يقول: بأنّ المرأة لا حقّ لها في الوطء، ونقل عن مالك , أنّ لها حقّ المطالبة به إذا قصد بتركه إضرارها. وعن الشّافعيّ وأبي حنيفة: لا حقّ لها فيه إلَّا في وطئة واحدة يستقرّ بها المهر. قال: فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون لها حقّ في العزل؟ فإن خصّوه بالوطئة الأولى فيمكن , وإلَّا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلَّا على مذهب مالك بالشّرط المذكور. انتهى. وما نقله عن الشّافعيّ غريب، والمعروف عند أصحابه , أنّه لا حقّ لها أصلاً. نعم. جزم ابن حزم بوجوب الوطء وبتحريم العزل. واستند إلى حديث جذامة بنت وهب , أنّ النّبيّ ﷺ سئل عن العزل؟ فقال: ذلك الوأد الخفيّ. أخرجه مسلم.

стр. 2961

وهذا معارَض بحديثين: أحدهما: أخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ وصحّحه من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمّد بن عبد الرّحمن بن ثوبان عن جابر قال: كانت لنا جواري وكنّا نعزل، فقالت اليهود: إنّ تلك الموءودة الصّغرى، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لَم تستطع ردّه. وأخرجه النّسائيّ من طريق هشام وعليّ بن المبارك وغيرهما عن يحيى عن محمّد بن عبد الرّحمن عن أبي مطيع بن رفاعة عن أبي سعيد نحوه، ومن طريق أبي عامر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه، ومن طريق سليمان الأحول أنّه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرّحمن عن العزل؟ فقال: زعم أبو سعيد، فذكر نحوه، قال فسألت أبا سلمة أسمعته من أبي سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجل عنه. والحديث الثّاني: في النّسائيّ من وجه آخر عن محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وهذه طرق يقوى بعضها ببعضٍ. وجُمع بينها وبين حديث جذامة. الأول: بحمل حديث جذامة , على التّنزيه. وهذه طريقة البيهقيّ. الثاني: منهم مَن ضعّف حديث جذامة , بأنّه معارض بما هو أكثر طرقاً منه، وكيف يصرّح بتكذيب اليهود في ذلك ثمّ يثبته؟ وهذا دفع للأحاديث الصّحيحة بالتّوهّم، والحديث صحيح لا

стр. 2962

ريب فيه , والجمع ممكن. الثالث: منهم مَن ادّعى أنّه منسوخ، وردّ بعدم معرفة التّاريخ. وقال الطّحاويّ: يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أوّلاً من موافقة أهل الكتاب، وكان ﷺ يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لَم ينزل عليه، ثمّ أعلمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه. وتعقّبه ابن رشد ثمّ ابن العربيّ: بأنّه لا يجزم بشيءٍ تبعاً لليهود ثمّ يصرّح بتكذيبهم فيه. الرابع: منهم من رجّح حديث جذامة بثبوته في الصّحيح، وضعّف مقابله بأنّه حديث واحد اختلف في إسناده فاضطرب. ورُدّ. بأنّ الاختلاف إنّما يقدح حيث لا يقوى بعض الوجوه , فمتى قوي بعضها عمل به، وهو هنا كذلك والجمع ممكن. الخامس: رجّح ابن حزم العمل بحديث جذامة , بأنّ أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة , وحديثها يدلّ على المنع. قال: فمن ادّعى أنّه أبيح بعد أن منع فعليه البيان. وتعقّب: بأنّ حديثها ليس صريحاً في المنع إذ لا يلزم من تسميته وأداً خفيّاً على طريق التّشبيه أن يكون حراماً. السادس: خصّه بعضهم بالعزل عن الحامل , لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي يعزل من حصول الحمل، لكن فيه تضييع الحمل , لأنّ المنيّ يغذوه فقد يؤدّي العزل إلى موته , أو إلى ضعفه المفضي إلى

стр. 2963

موته. فيكون وأداً خفيّاً. وجمعوا أيضاً بين تكذيب اليهود في قولهم الموءودة الصّغرى , وبين إثبات كونه وأداً خفيّاً في حديث جذامة , بأنّ قولهم الموءودة الصّغرى يقتضي أنّه وأد ظاهر، لكنّه صغير بالنّسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيّاً، فلا يعارض قوله إنّ العزل وأد خفيّ , فإنّه يدلّ على أنّه ليس في حكم الظّاهر أصلاً فلا يترتّب عليه حكم، وإنّما جعله وأداً من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. السابع: قال بعضهم: قوله " الوأد الخفيّ " ورد على طريق التّشبيه , لأنّه قطع طريق الولادة قبل مجيئه , فأشبه قتل الولد بعد مجيئه. قال ابن القيّم: الذي كذبت فيه اليهود , زعمهم أنّ العزل لا يتصوّر معه الحمل أصلاً وجعلوه بمنزلة قطع النّسل بالوأد، فأكذبهم وأخبر أنّه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لَم يرد خلقه لَم يكن وأداً حقيقة، وإنّما سمّاه وأداً خفيّاً في حديث جذامة , لأنّ الرّجل إنّما يعزل هرباً من الحمل , فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكنّ الفرق بينهما أنّ الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد صرفاً فلذلك وصفه بكونه خفيّاً. فهذه عدّة أجوبة يقف معها الاستدلال بحديث جذامة على المنع. وقد جنح إلى المنع من الشّافعيّة ابن حبّان , فقال في صحيحه " ذِكر الخبر الدّالّ على أنّ هذا الفعل مزجور عنه لا يباح استعماله " ثمّ ساق حديث أبي ذرّ رفعه " ضعه في حلاله وجنّبه حرامه وأقرره، فإن شاء

стр. 2964

الله أحياه وإن شاء أماته , ولك أجر " انتهى. ولا دلالة فيما ساقه على ما ادّعاه من التّحريم , بل هو أمر إرشاد , لِمَا دلَّت عليه بقيّة الأخبار. والله أعلم. وعند عبد الرّزّاق وجه آخر عن ابن عبّاس , أنّه أنكر أن يكون العزل وأداً , وقال: المنيّ يكون نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظماً ثمّ يكسى لحماً، قال: والعزل قبل ذلك كلّه. وأخرج الطّحاويّ من طريق عبد الله بن عديّ بن الخِيَار عن عليّ نحوه في قصّة حرب عند عمر وسنده جيّد. واختلفوا في عِلَّة النّهي عن العزل: فقيل: لتفويت حقّ المرأة. وقيل: لمعاندة القدر. وهذا الثّاني هو الذي يقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك، والأوّل مبنيّ على صحّة الخبر المفرّق بين الحرّة والأمة. وقال إمام الحرمين: موضع المنع أنّه ينزع بقصد الإنزال خارج الفرج خشية العلوق ومتى فقد ذلك لَم يمنع، وكأنّه راعى سبب المنع , فإذا فقد بقي أصل الإباحة فله أن ينزع متى شاء , حتّى لو نزع فأنزل خارج الفرج اتّفاقاً لَم يتعلق به النّهي. والله أعلم. وينتزع من حكم العزل. حكم معالجة المرأة إسقاط النّطفة قبل نفخ الرّوح، فمَن قال بالمنع هناك ففي هذه أولى، ومَن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا.

стр. 2965

ويمكن أن يفرّق بأنّه أشدّ , لأنّ العزل لَم يقع فيه تعاطي السّبب , ومعالجة السّقط تقع بعد تعاطي السّبب. ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله، وقد أفتى بعض متأخّري الشّافعيّة بالمنع، وهو مشكل على قولهم بإباحة العزل مطلقاً. والله أعلم واستدل بقوله في حديث أبي سعيد " وأصبنا كرائم العرب , وطالت علينا العزبة , وأردنا أن نستمتع وأحببنا الفداء " لمن أجاز استرقاق العرب وهي مسألةٌ مشهورةٌ. والجمهور. على أنّ العربيّ إذا سبي جاز أن يسترقّ، وإذا تزوّج أمةً بشرطه كان ولدها رقيقاً. وذهب الأوزاعيّ والثّوريّ وأبو ثور , إلى أنّ على سيّد الأمة تقويم الولد , ويُلزم أبوه بأداء القيمة , ولا يسترقّ الولد أصلاً. وقد جنح البخاري إلى الجواز. واستدل به من أجاز وطء المشركات بملك اليمين , وإن لَم يكنّ من أهل الكتاب , لأنّ بني المصطلق كانوا أهل أوثان. وقد انفصل عنه مَن منَعَ. باحتمال: أن يكونوا ممّن دان بدين أهل الكتاب وهو باطل. وباحتمال: أن يكون ذلك في أوّل الأمر ثمّ نسخ. وفيه نظرٌ. إذ النّسخ لا يثبت بالاحتمال. وباحتمال: أن تكون المسبيّات أسلمن قبل الوطء , وهذا لا يتمّ مع

стр. 2966

قوله في الحديث " وأحببنا الفداء " فإنّ المسلمة لا تعاد للمشرك. نعم. يمكن حمل الفداء على معنى أخصّ , وهو أنّهنّ يفدين أنفسهنّ فيعتقن من الرّقّ، ولا يلزم منه إعادتهنّ للمشركين. وحمله بعضهم على إرادة الثّمن , لأنّ الفداء المتخوّف من فوته هو الثّمن. ويؤيّد هذا الحمل قوله في رواية البخاري " فقال: يا رسولَ الله , إنّا أصبنا سبياً , ونحبّ الأثمان , فكيف ترى في العزل "؟ وهذا أقوى من جميع ما تقدّم، والله أعلم قوله: (فإنه ليست نفسٌ مخلوقةٌ إلَّا الله خالقها) في رواية مالك " ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة، إلَّا هي كائنةٌ ". وفي رواية موسى بن عقبة عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عند البخاري " فإنّ الله قد كتب من هو خالقٌ إلى يوم القيامة ". وفي الحديث أنّ أفعال العباد وإن صدرت عنهم , لكنّها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدريّة صريحاً. قوله: (خالقها) قال بن بطّالٍ: الخالق في هذا الباب يراد به المبدع المنشىء لأعيان المخلوقين , وهو معنىً لا يشارك اللهَ فيه أحدٌ. قال: ولَم يزل الله مسمّياً نفسه خالقاً على معنى أنّه سيخلق لاستحالةٍ قدم الخلق. وقال الكرمانيّ: معنى قوله في الحديث " إلَّا وهي مخلوقةٌ " أي: مقدّرة الخلق أو معلومة الخلق عند الله لا بدّ من إبرازها إلى الوجود.

стр. 2967

والله أعلم بالصّواب. قال الطّيبيّ: قيل: إنّ الألفاظ الثّلاثة في قوله تعالى ﴿هو الله الخالق البارئ المصور﴾ مترادفة، وهو وهمٌ فإنّ " الخالق " من الخلق، وأصله التّقدير المستقيم , ويطلق على الإبداع وهو إيجاد الشّيء على غير مثال كقوله تعالى ﴿خلق السّماوات والأرض﴾ , وعلى التّكوين كقوله تعالى ﴿خلق الإنسان من نطفة﴾. و" البارئ " من البرء، وأصله خلوص الشّيء عن غيره , إمّا على سبيل التّقصّي منه، وعليه قولهم برئ فلان من مرضه، والمديون من دينه، ومنه استبرأت الجارية، وإمّا على سبيل الإنشاء، ومنه برأ الله النّسمة. وقيل: البارئ الخالق البريء من التّفاوت والتّنافر المخلين بالنّظام. و" المصوّر " مبدعُ صورِ المخترعاتِ ومرتّبها بحسب مقتضى الحكمة، فالله خالق كلّ شيء بمعنى أنّه موجده من أصل ومن غير أصل، وبارئه بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال، ومصوّره في صورة يترتّب عليها خواصّه ويتمّ بها كماله، والثّلاثة من صفات الفعل , إلَّا إذا أريد بالخالق المقدّر , فيكون من صفات الذّات؛ لأنّ مرجع التّقدير إلى الإرادة، وعلى هذا فالتّقدير يقع أوّلاً، ثمّ الإحداث على الوجه المقدّر يقع ثانياً، ثمّ التّصوير بالتّسوية يقع ثالثاً. انتهى. وقال الرّاغب: ليس الخلق بمعنى الإبداع إلَّا لله , وإلى ذلك أشار

стр. 2968

بقوله تعالى ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ وأمّا الذي يوجد بالاستحالة , فقد وقع لغيره بتقديره ، مثل قوله لعيسى ﴿وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير بإذني﴾ والخلق في حقّ غير الله , يقع بمعنى التّقدير وبمعنى الكذب. و" البارئ " أخصّ بوصف الله تعالى. والبريّة الخلق، قيل: أصله الهمز فهو من برّأ. وقيل: أصله البري من بريت العود. وقيل: البريّة من البرى بالقصر وهو التّراب , فيحتمل أن يكون معناه موجد الخلق من البرى. وهو التّراب. و" المصوّر " معناه المهيّئ قال تعالى ﴿يصوّركم في الأرحام كيف يشاء﴾ والصّورة في الأصل ما يتميّز به الشّيء عن غيره، ومنه محسوس كصورة الإنسان والفرس، ومنه معقول كالذي اختصّ به الإنسان من العقل والرّؤية , وإلى كلّ منهما الإشارة بقوله تعالى ﴿خلقناكم ثمّ صوّرناكم﴾ وقوله ﴿وصوّركم فأحسن صوركم﴾ وقوله ﴿هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء﴾.

стр. 2969

الحديث التاسع والعشرون ٣٣٣ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئاً ينهى عنه، لنهانا عنه القرآن (١) قوله: (كنّا نعزل والقرآن ينزل) وقع في رواية الكشميهنيّ " كان يُعزل " بضمّ أوّله وفتح الزّاي على البناء للمجهول. وللبخاري من رواية ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: كنا نعزل على عهد النبي ﷺ . وله من رواية سفيان عن عمرو عن عطاء عن جابر: كنّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل ". زاد إبراهيم بن موسى في روايته عن سفيان أنّه قال حين روى هذا الحديث: أي: لو كان حراماً لنزل فيه. وقد أخرج مسلم هذه الزّيادة عن إسحاق بن راهويه عن سفيان فساقه بلفظ " كنّا نعزل , والقرآن ينزل. قال سفيان: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن، فهذا ظاهر في أنّ سفيان قاله استنباطاً. وأوهم كلام صاحب " العمدة " ومن تبعه , أنّ هذه الزّيادة من نفس الحديث فأدرجها، وليس الأمر كذلك , فإنّي تتبّعته من المسانيد فوجدت أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزّيادة.

стр. 2970

وشرحه ابن دقيق العيد على ما وقع في " العمدة " فقال: استدلال جابر بالتّقرير من الله غريبٌ، ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرّسول , لكنّه مشروط بعلمه بذلك. انتهى ويكفي في علمه به قول الصّحابيّ إنّه فعله في عهده، والمسألة مشهورة في الأصول وفي علم الحديث. وهي أنّ الصّحابيّ إذا أضافه إلى زمن النّبيّ ﷺ , كان له حكم الرّفع عند الأكثر، لأنّ الظّاهر أنّ النّبيّ ﷺ اطّلع على ذلك وأقرّه , لتوفّر دواعيهم على سؤالهم إيّاه عن الأحكام. وإذا لَم يضفه فله حكم الرّفع عند قوم، وهذا من الأوّل , فإنّ جابراً صرّح بوقوعه في عهده ﷺ , وقد وردت عدّة طرق تصرّح باطّلاعه على ذلك. والذي يظهر لي أنّ الذي استنبط ذلك. سواء كان هو جابراً أو سفيان , أراد بنزول القرآن ما يُقرأ، أعمّ من المتعبّد بتلاوته أو غيره ممّا يوحى إلى النّبيّ ﷺ ، فكأنّه يقول: فعلناه في زمن التّشريع ولو كان حراماً لَم نقرّ عليه. وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: كنّا نتّقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النّبيّ ﷺ ، فلمّا مات النّبيّ ﷺ , تكلَّمنا وانبسطنا. أخرجه البخاريّ. وقد أخرجه مسلم أيضاً من طريق أبي الزّبير عن جابر قال: كنّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ , فبلغ ذلك نبيّ الله ﷺ فلم ينهنا.

стр. 2971

ومن وجه آخر عن أبي الزّبير عن جابر , أنّ رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ لي جارية وأنا أطوف عليها , وأنا أكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنّه سيأتيها ما قدّر لها. فلبث الرّجل ثمّ أتاه فقال: إنّ الجارية قد حبلت، قال: قد أخبرتك. ووقعت هذه القصّة عنده من طريق سفيان بن عيينة بإسنادٍ له آخر إلى جابر وفي آخره " فقال: أنا عبد الله ورسوله ". وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة بسندٍ آخر على شرط الشّيخين بمعناه. ففي هذه الطّرق ما أغنى عن الاستنباط، فإنّ في إحداها التّصريح باطّلاعه ﷺ , وفي الأخرى إذنه في ذلك , وإن كان السّياق يشعر بأنّه خلاف الأولى. كما تقدّم البحث فيه. (١)

стр. 2972

الحديث الثلاثون ٣٣٤ - عن أبي ذرٍ ﵁ , أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ليس من رجلٍ ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلَّا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منّا، وليتبوّأ مقعده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: يا عدوّ الله، وليس كذلك إلَّا حار عليه. كذا عند مسلم. (١) وللبخاري نحوه (٢). قال المصنِّف: وحار: بمعنى رجع. قوله: (عن أبي ذرٍ ﵁) هو جندب. وقيل: بريد , ابن جنادة - بضم الجيم والنون الخفيفة - ابن سفيان , وقيل: سَفير. ابن عبيد بن حرام - بالمهملتين - ابن غفار، وغفار من بني كنانة. (٣)

стр. 2973

قوله: (ليس من رجلٍ) من زائدة، والتّعبير بالرّجل للغالب وإلا فالمرأة كذلك حكمها. قوله: (ادّعى لغير أبيه , وهو يعلمه إلَّا كفر) وللبخاري " إلَّا كفر بالله " كذا وقع هنا كفر بالله ولَم يقع قوله: " بالله " في غير رواية أبي ذرّ (١) , ولا في رواية مسلم ولا الإسماعيليّ وهو أولى. وإن ثبت ذاك فالمراد من استحل ذلك مع علمه بالتّحريم. وعلى الرّواية المشهورة فالمراد كفر النّعمة، وظاهر اللفظ غير مراد , وإنّما ورد على سبيل التّغليظ والزّجر لفاعل ذلك. أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فعل فعلاً شبيهاً بفعل أهل الكفر , خلافاً للخوارج الذين يكفّرون بالذّنوب. ونصّ القرآن يردّ عليهم , وهو قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن

стр. 2974

يشاء﴾ فصيّر ما دون الشّرك تحت إمكان المغفرة , والمراد بالشّرك في هذه الآية الكفر , لأنّ من جحد نبوّة محمّدٍ ﷺ مثلاً , كان كافراً. ولو لَم يجعل مع الله إلهاً آخر , والمغفرة منتفيةٌ عنه بلا خلافٍ , وقد يرد الشّرك , ويراد به ما هو أخصّ من الكفر كما في قوله تعالى ﴿لَم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾. تكملة: روى الشيخان عن أبي هريرة رفعه: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه عند أحمد " كفرٌ بالله تبرؤ من نَسَبٍ وإنْ دقَّ ". وله شاهد عن أبي بكر الصديق. أخرجه الطبراني. قال ابن بطال: ليس معنى هذين الحديثين أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أن يدخل في الوعيد كالمقداد بن الأسود، وإنما المراد به من تحول عن نسبته لأبيه إلى غير أبيه عالما عامداً مختاراً. وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يتبنى الرجل ولد غيره ويصير الولد ينسب إلى الذي تبناه حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ وقوله : ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ فنسبَ كلَّ واحدٍ إلى أبيه الحقيقي , وترك الانتساب إلى من تبنَّاه , لكن بقي بعضهم مشهوراً بمن تبنَّاه فيذكر به لقصد التعريف لا لقصد النسب الحقيقي كالمقداد بن الأسود، وليس الأسود أباه، وإنما كان تبناه. واسم أبيه الحقيقي عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني، وكان أبوه حليف كندة فقيل له الكندي، ثم حالف هو

стр. 2975

الأسود بن عبد يغوث الزهري فتبنى المقدادَ. فقيل له ابن الأسود. انتهى ملخصاً موضحاً. وقوله: (ومن ادّعى ما ليس له فليس منّا) وللبخاري " ومن ادّعى قوماً ليس له فيهم نسب ". ورواية مسلم أعمّ ممّا تدلّ عليه رواية البخاريّ، على أنّ لفظة " نسب " وقعت في رواية الكشميهنيّ دون غيره , ومع حذفها يبقى متعلق الجارّ والمجرور محذوفاً فيحتاج إلى تقدير، ولفظ " نسب " أولى ما قُدّر لوروده في بعض الرّوايات. قوله: (وليتبوّأ مقعده من النار) أي: ليتّخذ منزلاً من النّار، يقال: تبوّأ الرّجل المكان إذا اتّخذه سكناً وهو أمر بمعنى الخبر أيضاً، أو بمعنى التّهديد، أو بمعنى التّهكّم، أو دعاء على فاعل ذلك. أي: بوّأه الله ذلك. ومعناه هذا جزاؤه إن جوزي، وقد يعفى عنه، وقد يتوب فيسقط عنه. وفي الحديث تحريم الانتفاء من النّسب المعروف والادّعاء إلى غيره، وقُيّد في الحديث بالعلم , ولا بدّ منه في الحالتين إثباتاً ونفياً , لأنّ الإثم إنّما يترتّب على العالم بالشّيء المتعمّد له. وفيه جواز إطلاق الكفر على المعاصي لقصد الزّجر كما قرّرناه. ويؤخذ من رواية مسلم , تحريم الدّعوى بشيء ليس هو للمدّعي، فيدخل فيه الدّعاوي الباطلة كلّها مالاً وعلماً وتعلماً ونسباً وحالاً

стр. 2976

وصلاحاً ونعمة وولاء وغير ذلك، ويزداد التّحريم بزيادة المفسدة المترتّبة على ذلك. واستدل به ابن دقيق العيد للمالكيّة , في تصحيحهم الدّعوى على الغائب بغير مسخّر (١) لدخول المسخّر في دعوى ما ليس له وهو يعلم أنّه ليس له، والقاضي الذي يقيمه أيضاً يعلم أنّ دعواه باطلة. قال: وليس هذا القانون منصوصاً في الشّرع حتّى يخصّ به عموم هذا الوعيد، وإنّما المقصود إيصال الحقّ لمستحقّه فترك مراعاة هذا القدر، وتحصيل المقصود من إيصال الحقّ لمستحقّه أولى من الدّخول تحت هذا الوعيد العظيم. قوله: (ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: يا عدوّ الله، وليس كذلك إلَّا حار عليه) وللبخاري " لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق , ولا يرميه بالكفر إلَّا ارتدّت عليه , إن لَم يكن صاحبه كما قال " وفي رواية للإسماعيليّ " إلَّا ارتدّت عليه " يعني رجعت عليه. و " حار " بمهملتين أي: رجع. وهذا يقتضي أنّ مَن قال لآخر: أنت فاسق , أو قال له: أنت كافر , فإن كان ليس كما قال , كان هو المستحقّ للوصف المذكور، وأنّه إذا كان كما قال , لَم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم

стр. 2977

من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً أن لا يكون آثماً في صورة قوله له , أنت فاسق. بل في هذه الصّورة تفصيل: إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لَم يجز؛ لأنّه مأمور بالسّتر عليه وتعليمه وعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرّفق , لا يجوز له أن يفعله بالعنف , لأنّه قد يكون سبباً لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من النّاس من الأنفة، ولا سيّما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة. ووقع في رواية مسلم بلفظ " ومن دعا رجلاً بالكفر , أو قال عدوّ الله , وليس كذلك إلَّا حار عليه ". وقد أخرج البخاري هذا المتن من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر بلفظ " فقد باء بها أحدهما " (١) وهو بمعنى رجع أيضاً. قال النّوويّ: اختلف في تأويل هذا الرّجوع. فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلاً، وهذا بعيد من سياق الخبر. وقيل: محمول على الخوارج , لأنّهم يكفّرون المؤمنين. هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف. لأنّ الصّحيح عند الأكثرين , أنّ

стр. 2978

الخوارج لا يكفرون ببدعتهم. قلت: ولِما قاله مالك وجهٌ، وهو أنّ منهم من يكفّر كثيراً من الصّحابة ممّن شهد له رسول الله ﷺ بالجنّة وبالإيمان , فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشّهادة المذكورة , لا من مجرّد صدور التّكفير منهم بتأويل. والتّحقيق: أنّ الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم. وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به. وقيل: يخشى عليه أن يئول به ذلك إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصرّ عليها سوء الخاتمة. وأرجح من الجميع , أنّ مَن قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام , ولَم يقم له شبهة في زعمه أنّه كافر , فإنّه يكفر بذلك. كما سيأتي تقريره. فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالرّاجع التّكفير لا الكفر، فكأنّه كفَّر نفسه لكونه كفَّر مَن هو مثله، ومن لا يكفّره إلَّا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام. ويؤيّده أنّ في بعض طرقه " وجب الكفر على أحدهما ". (١)

стр. 2979

وقال القرطبيّ: حيث جاء الكفر في لسان الشّرع , فهو جحد المعلوم من دين الإسلام بالضّرورة الشّرعيّة، وقد ورد الكفر في الشّرع بمعنى جحد النّعم , وترك شكر المنعم والقيام بحقّه كما تقدّم تقريره. (١) قال: وقوله " باء بها أحدهما " أي: رجع بإثمها ولازم ذلك، وأصل البوء اللزوم، ومنه: " أبوء بنعمتك " أي: ألزمها نفسي وأقرّ بها. قال: والهاء في قوله: " بها " راجع إلى التّكفيرة الواحدة التي هي أقل ما يدلّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة. والحاصل أنّ المقول له إن كان كافراً كفراً شرعيّاً فقد صدق القائل وذهب بها المقول له، وإن لَم يكن رجعت للقائل معرّة ذلك القول وإثمه. كذا اقتصر على هذا التّأويل في رجع، وهو من أعدل الأجوبة. وقد أخرج أبو داود عن أبي الدّرداء بسندٍ جيّد رفعه: إنّ العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لَم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها.

стр. 2980

وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسندٍ حسن , وآخر عند أبي داود والتّرمذيّ عن ابن عبّاس. ورواته ثقات، ولكنّه أعل بالإرسال.
следующие страницы →