← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصينٍ في النّهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كلّ مثلة. وتعقّبه ابن الجوزيّ: بأنّ ادّعاء النّسخ يحتاج إلى تاريخ. قلت: يدل عليه ما رواه البخاريّ من حديث أبي هريرة في النّهي عن التّعذيب بالنّار بعد الإذن فيه (١) , وقصّة العرنيّن قبل إسلام أبي هريرة. وقد حضر الإذن ثمّ النّهي. وروى قتادة عن ابن سيرين , أنّ قصّتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. ولموسى بن عقبة في " المغازي ": وذكروا أنّ النّبيّ ﷺ نهى بعد ذلك عن المُثلة (٢) بالآية التي في سورة المائدة. وإلى هذا مال البخاريّ , وحكاه إمام الحرمين في النّهاية عن الشّافعيّ. واستشكل القاضي عياض. عدم سقيهم الماء للإجماع على أنّ من وجب عليه القتل فاستسقى , لا يمنع. وأجاب: بأنّ ذلك لَم يقع عن أمر النّبيّ ﷺ ولا وقع منه نهي عن سقيهم. انتهى

стр. 3152

وهو ضعيفٌ جدّاً؛ لأنّ النّبيّ ﷺ اطّلع على ذلك , وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم. وأجاب النّوويّ: بأنّ المحارب المرتدّ لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره , ويدل عليه أنّ من ليس معه ماءٌ إلَّا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتدّ ويتيمّم , بل يستعمله ولو مات المرتدّ عطشاً. وقال الخطّابيّ: إنّما فعل النّبيّ ﷺ بهم ذلك؛ لأنّه أراد بهم الموت بذلك , وقيل: إنّ الحكمة في تعطيشهم؛ لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشّفاء من الجوع والوخم. ولأنّ النّبيّ ﷺ دعا بالعطش على من عطّش آل بيته , في قصّةٍ رواها النّسائيّ وابن وهب من مرسل سعيد بن المسيب. فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النّبيّ ﷺ من لقاحه في كل ليلةٍ , كما ذكر ذلك ابن سعد. والله أعلم قوله: (قال أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو. وقيل: عامر بن ناتل - بنون ومثناة - بن مالك بن عبيد الجرمي. بفتح الجيم وسكون الراء. قوله: (فهؤلاء سرقوا) أي: لأنّهم أخذوا اللقاح من حرزٍ مثلها. وهذا قاله أبو قلابة استنباطاً. قوله: (وقتلوا) أي: الرّاعي. كما تقدّم. قوله: (وكفروا) هو في رواية سعيدٍ عن قتادة عن أنس عند

стр. 3153

البخاري في " المغازي ". وكذا في رواية وهيب عن أيّوب في " الجهاد " في أصل الحديث , وليس موقوفاً على أبي قلابة كما توهّمه بعضهم. وكذا قوله " وحاربوا " ثبت عند أحمد من رواية حميدٍ عن أنس في أصل الحديث " وهربوا محاربين " وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: قدوم الوفود على الإمام ونظره في مصالحهم. وفيه مشروعيّة الطّبّ والتّداوي بألبان الإبل وأبوالها. وفيه أنّ كل جسدٍ يطبّب بما اعتاده. وفيه قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة إن قلنا إنّ قتلهم كان قصاصاً وفيه المماثلة في القصاص , وليس ذلك من المُثلة المنهيّ عنها , وثبوت حكم المحاربة في الصّحراء وأمّا في القرى ففيه خلاف. وفيه جواز استعمال أبناء السّبيل إبل الصّدقة في الشّرب وفي غيره قياساً عليه بإذن الإمام , وفيه العمل بقول القائف وللعرب في ذلك المعرفة التّامّة. تكميل: قال ابن بطّال: ذهب البخاريّ إلى أنّ آية المحاربة ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسله ...﴾ الآية. نزلت في أهل الكفر والرّدّة، وساق حديث العرنيّين وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة حديث العرنيّين. وفي آخره , قال: بلغنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنّما جزاء الذين يحاربون الله

стр. 3154

ورسوله .. الآية﴾، ووقع مثله في حديث أبي هريرة، وممَن قال ذلك الحسن وعطاء والضّحّاك والزّهريّ. قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطّريق، وهو قول مالك والشّافعيّ والكوفيّين. ثمّ قال: ليس هذا منافياً للقول الأوّل , لأنّها وإن نزلت في العرنيّين بأعيانهم , لكنّ لفظها عامٌّ يدخل في معناه كلّ من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد. قلت: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة: فمن حملها على الكفر خصّ الآية بأهل الكفر , ومن حملها على المعصية عمّم. ثمّ نقل ابن بطّال عن إسماعيل القاضي , أنّ ظاهر القرآن وما مضى عليه عمل المسلمين , يدلّ على أنّ الحدود المذكورة في هذه الآية نزلت في المسلمين، وأمّا الكفّار فقد نزل فيهم ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرّقاب﴾ إلى آخر الآية فكان حكمهم خارجاً عن ذلك، وقال تعالى في آية المحاربة ﴿إلَّا الذين تابوا من قبل أن تقْدِروا عليهم﴾ وهي دالةٌ على أنّ من تاب من المحاربين يسقط عنه الطّلب بما ذكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكان إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية وسلم من القتل فتكون الحرابة خفّفت عنه القتل.

стр. 3155

وأجيب عن هذا الإشكال: بأنّه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتدّ مثلاً أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام أو القتل. وقد نقل البخاري في " تفسير المائدة " عن سعيد بن جبير , أنّ معنى المحاربة لله الكفر به. وأخرج الطّبريّ من طريق روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في آخر قصّة العرنيّين قال: فذُكر لنا أنّ هذه الآية نزلت فيهم ﴿إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيليّ هناك من طريق مروان بن معاوية عن معاوية بن أبي العبّاس عن أيّوب عن أبي قلابة عن أنس عن النّبيّ ﷺ في قوله تعالى ﴿إنّما جزاء الذّين يحاربون الله ورسوله﴾ قال: هم من عكل. قلت: قد ثبت في الصّحيحين أنّهم كانوا من عكل وعرينة، فقد وجد التّصريح الذي نفاه ابن بطّال. والمعتمد: أنّ الآية نزلت أوّلاً فيهم , وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطّريق، لكنّ عقوبة الفريقين مختلفة: فإن كانوا كفّاراً يخيّر الإمام فيهم إذا ظفر بهم. وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: القول الأول: وهو قول الشّافعيّ والكوفيّين , ينظر في الجناية فمن قَتَل قُتل ومن أخذ المال قُطع , ومن لَم يَقْتل , ولَم يأخذ مالاً نفي، وجعلوا " أو " للتّنويع.

стр. 3156

القول الثاني: قال مالك: بل هي للتّخيير , فيتخيّر الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثّلاثة، ورجّح الطّبريّ الأوّل. واختلفوا في المراد بالنّفي في الآية: القول الأول: قال مالك والشّافعيّ يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى، زاد مالك فيحبس فيها. القول الثاني: عن أبي حنيفة , بل يحبس في بلده. وتعقّب: بأنّ الاستمرار في البلد , ولو كان مع الحبس إقامة , فهو ضدّ النّفي فإنّ حقيقة النّفي الإخراج من البلد، وقد قرنت مفارقة الوطن بالقتل , قال تعالى ﴿ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾. وحجّة أبي حنيفة: أنّه لا يؤمن منه استمرار المحاربة في البلدة الأخرى. فانفصل عنه مالك بأنّه يحبس بها. وقال الشّافعيّ: يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلاناً وذلاً.

стр. 3157

الحديث الثاني ٣٥١ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ، عن أبي هريرة، وزيد بن خالدٍ الجهنيّ ﵃ أنهما قالا: إنّ رجلاً من الأعراب أتى النبيّ ﷺ , فقال: يا رسولَ الله، أنشدك الله إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل، قال: إنَّ ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أنّ على ابني الرّجم، فافتديت منه بمائة شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهل العلم: فأخبروني أنما على ابني جلد مائةٍ وتغريب عامٍ، وأنّ على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌ عليك، وعلى ابنك جلد مائةٍ، وتغريب عامٍ، واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفتْ فارجمها، فغدا عليها، فاعترفتْ، فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجِمت. (١) العسيف: الأجير. قوله: (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ) المدني الهذلي. أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة.

стр. 3158

قوله: (عن أبي هريرة وزيد بن خالد) في رواية الحميديّ " عن زيد بن خالد الجهنيّ وأبي هريرة وشبل " وكذا قال أحمد وقتيبة عند النّسائيّ , وهشام بن عمّار وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمّد بن الصّبّاح عند ابن ماجه , وعمرو بن عليّ وعبد الجبّار بن العلاء والوليد بن شجاع وأبو خيثمة ويعقوب الدّورقيّ وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ عند الإسماعيليّ , وآخرون عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله. وأخرجه التّرمذيّ عن نصر بن عليّ وغير واحد عن سفيان. ولفظه. سمعت من أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل , أَنّهم كانوا عند النّبيّ ﷺ . قال التّرمذيّ: هذا وهمٌ من سفيان، وإنّما روى عن الزّهريّ بهذا السّند حديث " إذا زنت الأمة " فذكر فيه شبلاً، وروى حديث الباب بهذا السّند ليس فيه شبل فوهم سفيان في تسويته بين الحديثين. قلت: وسقط ذِكْرُ شِبل من رواية الصّحيحين من طريقه لهذا الحديث. وكذا أخرجاه من طرق عن الزّهريّ: منها عن مالك والليث وصالح بن كيسان، وللبخاريّ من رواية ابن أبي ذئب وشعيب بن أبي حمزة، ولمسلمٍ من رواية يونس بن يزيد ومعمر كلّهم عن الزّهريّ. ليس فيه شبل. قال التّرمذيّ: وشبل لا صحبة له، والصّحيح ما روى الزّبيديّ

стр. 3159

ويونس وابن أخي الزّهريّ فقالوا عن الزّهريّ: عن عبيد الله عن شبل بن خالد عن عبد الله بن مالك الأوسيّ عن النّبيّ ﷺ في الأمة إذا زنت. قلت: ورواية الزّبيديّ عند النّسائيّ، وكذا أخرجه من رواية يونس عن الزّهريّ، وليس هو في الكتب السّتّة من هذا الوجه إلَّا عند النّسائيّ، وليس فيه " كنت عند النّبيّ ﷺ ". قوله: (إنّ رجلاً من الأعراب أتى النبيّ ﷺ ) في رواية سفيان " كنّا عند النّبيّ ﷺ , فقام رجل " وفي رواية شعيب " بينما نحن عند النّبيّ ﷺ " وفي رواية ابن أبي ذئب " وهو جالس في المسجد ". وفي رواية شعيب في البخاري " إذ قام رجل من الأعراب " , وفي رواية مالك عند البخاري " أنّ رجلين اختصما ". قوله: (فقال: يا رسولَ الله , أنشدك الله) بفتح أوّله ونونٍ ساكنة وضمّ الشّين المعجمة. أي: أسألك بالله، وضمّن أنشدك معنى أذكّرك فحذف الباء , أي: أذكّرك رافعاً نشدتي. أي: صوتي، هذا أصله , ثمّ استعمل في كلّ مطلوب مؤكّد , ولو لَم يكن هناك رفع صوت. وبهذا التّقرير. يندفع إيراد من استشكل رفع الرّجل صوته عند النّبيّ ﷺ , مع النّهي عنه ثمّ أجاب عنه: بأنّه لَم يبلغه النّهي لكونه أعرابيّاً، أو النّهي لمن يرفعه حيث يتكلم النّبيّ ﷺ على ظاهر الآية. وذكر أبو عليّ الفارسيّ , أنّ بعضهم رواه بضمّ الهمزة وكسر

стр. 3160

المعجمة. وغلَّطه. قوله: (إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله) في رواية الليث " إلَّا قضيت لي بكتاب الله " قيل: فيه استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويل المصدر , وإن لَم يكن فيه حرف مصدريّ لضرورة افتقار المعنى إليه، وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع الاسم ويراد به النّفي المحصور فيه المفعول، والمعنى هنا لا أسألك إلَّا القضاء بكتاب الله. ويحتمل: أن تكون إلَّا جواب القسم لِمَا فيها من معنى الحصر , وتقديره أسألك بالله لا تفعل شيئاً إلَّا القضاء، فالتّأكيد إنّما وقع لعدم التّشاغل بغيره لا لأنّ لقوله " بكتاب الله " مفهوماً. وبهذا يندفع إيراد من استشكل فقال: لَم يكن النّبيّ ﷺ يحكم إلَّا بكتاب الله. فما فائدة السّؤال والتّأكيد في ذلك؟. ثمّ أجاب: بأنّ ذلك من جفاة الأعراب , والمراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده. وقيل: المراد القرآن , وهو المتبادر. وقال ابن دقيق العيد: الأوّل أولى لأنّ الرّجم والتّغريب ليسا مذكورين في القرآن إلَّا بواسطة أمر الله باتّباع رسوله، قيل: وفيما قال نظر لاحتمال أن يكون المراد ما تضمّنه قوله تعالى ﴿أو يجعل الله لهنّ سبيلاً﴾ فبيّن النّبيّ ﷺ أنّ السّبيل جلد البكر ونفيه ورجم الثّيّب. قلت: وهذا أيضاً بواسطة التّبيين، ويحتمل: أن يراد بكتاب الله الآية التي نسخت تلاوتها. وهي " الشّيخ والشّيخة إذا زنيا

стр. 3161

فارجموهما " (١).

стр. 3162

وبهذا أجاب البيضاويّ , ويبقى عليه التّغريب. وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النّهي عن أكل المال بالباطل , لأنّ خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حقّ , فلذلك قال " الغنم والوليدة ردٌّ عليك ". والذي يترجّح , أنّ المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصّة

стр. 3163

ممّا وقع به الجواب الآتي ذكره، والعلم عند الله تعالى. قوله: (فقال الخصم الآخر: وهو أفقه منه) في رواية سفيان " فقام خصمه , وكان أفقه منه " وفي رواية مالك " فقال الآخر وهو أفقههما ". قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": يحتمل أن يكون الرّاوي كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثّاني بأنّه أفقه من الأوّل , إمّا مطلقاً , وإمّا في هذه القصّة الخاصّة. أو استدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته إن كان الأوّل رفعه وتأكيده السّؤال على فقهه، وقد ورد " أنّ حسن السّؤال نصف العلم " وأورده ابن السّنّيّ في كتاب " رياضة المتعلمين " حديثاً مرفوعاً بسندٍ ضعيف. قوله: (نعم , فاقض بيننا بكتاب الله) في رواية مالك " فقال: أجل " وفي رواية ابن أبي ذئب وشعيب " فقال: صدق. اقض له يا رسولَ الله بكتاب الله " قوله: (وأذن لي) زاد ابن أبي شيبة عن سفيان " حتّى أقول " وفي رواية مالك " أن أتكلم ". قوله: (فقال النّبيّ ﷺ : قل) وفي رواية مالك " قال: تكلم ". قوله: (قال) ظاهر السّياق أنّ القائل هو الثّاني. وجزم الكرمانيّ بأنّ القائل هو الأوّل. واستند في ذلك لِمَا وقع في البخاري عن آدم عن ابن أبي ذئب هنا

стр. 3164

" فقال الأعرابيّ: إنّ ابني. بعد قوله في أوّل الحديث. جاء أعرابيّ، وفيه. فقال خصمه ". وهذه الزّيادة شاذّة , والمحفوظ ما في سائر الطّرق كما في رواية سفيان، وكذا في البخاري عن عاصم بن عليّ عن ابن أبي ذئب موافقاً للجماعة. ولفظه " فقال: صدق، اقض له يا رسولَ الله بكتاب الله، إنّ ابني إلخ .. " فالاختلاف فيه على ابن أبي ذئب. وقد وافق آدمَ أبو بكرٍ الحنفيّ. عند أبي نعيم في " المستخرج " ووافق عاصماً يزيد بن هارون. عند الإسماعيليّ. وهذا هو المعتمد، وأنّ قوله في رواية آدم " فقال الأعرابيّ " زيادة , إلَّا إن كان كلٌّ من الخصمين متّصفاً بهذا الوصف، وليس ذلك ببعيدٍ، والله أعلم. قوله: (إنّ ابني) في رواية سفيان عند البخاري " إنّ ابني هذا " فيه أنّ الابن كان حاضراً فأشار إليه، وخلا معظم الرّوايات عن هذه الإشارة. قوله: (كان عسيفاً على هذا) هذه الإشارة الثّانية لخصم المتكلم - وهو زوج المرأة - زاد شعيب في روايته " والعسيف الأجير " وهذا التّفسير مدرج في الخبر، وكأنّه من قول الزّهريّ لِمَا عُرف من عادته أنّه كان يدخل كثيراً من التّفسير في أثناء الحديث. كما بيّنته في مقدّمة كتابي في المدرج. وقد فصَلَه مالك فوقع في سياقه، " كان عسيفاً على هذا ". قال

стр. 3165

مالك: والعسيف الأجير. وحذفها سائر الرّواة. والعسيف - بمهملتين - الأجير وزنه ومعناه , والجمع عسفاء كأجراء، ويطلق أيضاً على الخادم وعلى العبد وعلى السّائل. وقيل: يطلق على من يستهان به، وفسّره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لَم يحتلم، وإن ثبت ذلك فإطلاقه على صاحب هذه القصّة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار. ووقع في رواية للنّسائيّ تعيين كونه أجيراً، ولفظه من طريق عمرو بن شعيب عن ابن شهاب " كان ابني أجيراً لامرأته ". وسُمّي الأجير عسيفاً لأنّ المستأجر يعسفه في العمل والعسف الجور، أو هو بمعنى الفاعل لكونه يعسف الأرض بالتّردّد فيها، يقال: عسف الليل عسفاً إذا أكثر السّير فيه، ويطلق العسف أيضاً على الكفاية، والأجير يكفي المستأجر الأمر الذي أقامه فيه. قوله: (على هذا) ضمّن على معنى عند بدليل رواية عمرو بن شعيب، وفي رواية محمّد بن يوسف عن ابن عيينة عند البخاري " عسيفاً في أهل هذا " وكأنّ الرّجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور , فكان ذلك سبباً لِمَا وقع له معها. قوله: (فزنَى بامرأته , وإني أخبرت أنَّ على ابني الرّجم فافتديتُ) زاد الحميديّ عن سفيان " فزنى بامرأته فأخبروني أنّ على ابني الرّجم , فافتديت " وقد ذكر عليّ بن المدينيّ رواية في آخره أنّ سفيان كان يشكّ في هذه الزّيادة فربّما تركها.

стр. 3166

وغالب الرّواة عنه كأحمد ومحمّد بن يوسف وابن أبي شيبة لَم يذكروها , وثبتت عند مالك والليث وابن أبي ذئب وشعيب وعمرو بن شعيب. ووقع في رواية آدم " فقالوا لي: على ابنك الرّجم " وفي رواية الحميديّ " فأُخبرت " بضمّ الهمزة على البناء للمجهول، وفي رواية أبي بكر الحنفيّ " فقال لي " بالإفراد، وكذا عند أبي عوانة من رواية ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، فإن ثبتت , فالضّمير في قوله " فافتديت منه " لخصمه، وكأنّهم ظنّوا أنّ ذلك حقٌّ له يستحقّ أن يعفو عنه على مال يأخذه، وهذا ظنٌّ باطل. ووقع في رواية عمرو بن شعيب " فسألت من لا يعلم , فأخبروني أنّ على ابني الرّجم , فافتديت منه ". قوله: (بمائة شاة ووليدة) في رواية سفيان " بمائة شاة وخادم " المراد بالخادم الجارية المعدّة للخدمة , بدليل رواية مالك بلفظ " وجارية لي " وفي رواية ابن أبي ذئب وشعيب " بمائةٍ من الغنم ووليدة ". والوليدة فعيلةٌ من الولادة بمعنى مفعولة. قال الجوهريّ: هي الصّبية والأمة والجمع ولائد. وقيل: إنّها اسم لغير أمّ الولد. قوله: (فسألت أهل العلم: فأخبروني) في رواية سفيان " ثمّ سألتُ رجالاً من أهل العلم فأخبروني " لَم أقف على أسمائهم , ولا

стр. 3167

على عددهم , ولا على اسم الخصمين , ولا الابن ولا المرأة. وفي رواية مالك وصالح بن كيسان وشعيب " ثمّ إنّي سألتُ أهل العلم فأخبروني ". ومثله لابن أبي ذئب , لكن قال " فزعموا ". وفي رواية معمر " ثمّ أخبرني أهل العلم " وفي رواية عمرو بن شعيب " ثمّ سألت من يعلم ". قوله: (أنّما على ابني) في رواية سفيان " أنّ على ابني ". قوله: (جلد مائة) بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين جلد مرفوع , وتنوين مائة منصوب على التّمييز , ولَم يثبت روايةً. قوله: (وأن على امرأة هذا الرّجم) في رواية مالك والأكثر " وإنّما الرّجم على امرأته " وفي رواية عمرو بن شعيب " فأخبروني أن ليس على ابني الرّجم ". قوله: (والذي نفسي بيده) في رواية مالك " أما والذي ". وهو قسمٌ كان النّبيّ ﷺ كثيراً ما يقسم به , والمعنى أنّ أمر نفوس العباد بيد الله. أي: بتقديره وتدبيره. وقد وقع في حديث رفاعة بن عرابة عند بن ماجه والطّبرانيّ " كان النّبيّ ﷺ إذا حلف , قال: والذي نفسي بيده ". ولابن أبي شيبة من طريق عاصم بن شميخٍ عن أبي سعيدٍ " كان النّبيّ ﷺ إذا اجتهد في اليمين , قال: لا. والذي نفس أبي القاسم بيده ". ولابن ماجه من وجهٍ آخر في هذا الحديث " كانت يمين رسول الله

стр. 3168

- ﷺ التي يحلف بها , أشهد عند الله والذي نفسي بيده " قوله: (لأقضينّ) بتشديد النّون للتّأكيد. قوله: (بينكما بكتاب الله) في رواية عمرو بن شعيب " بالحقّ " وهي ترجّح أوّل الاحتمالات الماضي ذكرها. وهذا يوهم أنّ الخطاب لهما وليس كذلك، وإنّما هو لوالد العسيف والذي استأجره لَمَّا تحاكما بسبب زنا العسيف بامرأة الذي استأجره. قوله: (الوليدة والغنم ردٌ) في رواية سفيان " المائة شاة والخادم ردٌّ " وفي رواية الكشميهنيّ " عليك " وكذا في رواية مالك. ولفظه " أمّا غنمك وجاريتك فردٌّ عليك " أي: مردود. من إطلاق لفظ المصدر على اسم المفعول , كقولهم ثوبٌ نسجٌ , أي منسوجٌ. ووقع في رواية صالح بن كيسان " أمّا الوليدة والغنم فردّها " وفي رواية عمرو بن شعيب " أمّا ما أعطيته فردٌّ عليك " فإن كان الضّمير في أعطيته لخصمه , تأيّدت الرّواية الماضية , وإن كان للعطاء فلا. قوله: (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) وافقه الأكثر، ووقع في رواية عمرو بن شعيب " وأمّا ابنك فنجلده مائة ونغرّبه سنة ". وفي رواية مالك وصالح بن كيسان " وجلَدَ ابنه مائة وغرّبه عاماً " وهذا ظاهر في أنّ الذي صدر حينئذٍ كان حكماً لا فتوى، بخلاف رواية سفيان ومن وافقه. قال النّوويّ: هو محمول على أنّه ﷺ علم أنّ الابن كان بكراً وأنّه اعترف بالزّنا، ويحتمل: أن يكون أضمر اعترافه , والتّقدير وعلى

стр. 3169

ابنك إن اعترف. والأوّل أليق. فإنّه كان في مقام الحكم، فلو كان في مقام الإفتاء لَم يكن فيه إشكال , لأنّ التّقدير إن كان زنى وهو بكرٌ، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه وسكوته عمّا نسبه إليه، وأمّا العلم بكونه بكراً فوقع صريحاً من كلام أبيه في رواية عمرو بن شعيب , ولفظه " كان ابني أجيراً لامرأة هذا , وابني لَم يحصن ". قوله: (واغد يا أنيس) بنونٍ ومهملة مصغّر قوله: (إلى امرأة هذا) زاد محمّد بن يوسف: فاسألها. قال ابن السّكن في كتاب الصّحابة: لا أدري من هو , ولا وجدت له رواية , ولا ذكراً إلَّا في هذا الحديث. وقال ابن عبد البرّ: هو ابن الضّحّاك الأسلميّ , وقيل: ابن مرثد , وقيل: ابن أبي مرثد، وزيّفوا الأخير بأنّ أنيس بن أبي مرثد , صحابيّ مشهور وهو غنويّ - بالغين المعجمة والنّون - لا أسلميّ - وهو بفتحتين - لا التّصغير. وغلط من زعم أيضاً أنّه أنس بن مالك , وصُغِّر كما صُغِّر في رواية أخرى عند مسلم , لأنّه أنصاريّ لا أسلميّ. ووقع في رواية شعيب وابن أبي ذئب " وأمّا أنت يا أنيس - لرجلٍ من أسلم - فاغد " وفي رواية مالك ويونس وصالح بن كيسان " وأمر أنيساً الأسلميّ , أن يأتي امرأة الآخر " وفي رواية معمر " ثمّ قال لرجلٍ من أسلم , يقال له أنيس: قم يا أنيس فسل امرأة هذا ".

стр. 3170

وهذا يدلّ على أنّ المراد بالغدوّ الذّهاب والتّوجّه كما يطلق الرّواح على ذلك، وليس المراد حقيقة الغدوّ , وهو التّأخير إلى أوّل النّهار كما لا يراد بالرّواح التّوجّه نصف النّهار. وقد حكى عياض , أنّ بعضهم استدل به على جواز تأخّر إقامة الحدّ عند ضيق الوقت , واستضعفه بأنّه ليس في الخبر أنّ ذلك كان في آخر النّهار. قوله: (فإن اعترفت فارجمها) في رواية يونس " وأمر أنيساً الأسلميّ أن يرجم امرأة الآخر إذ اعترفت ". قوله: (فاعترفت , فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجمت) كذا وقع في رواية الليث , واختصره ابن أبي ذئب فقال " فغدا عليها فرجمها " , ونحوه في رواية صالح ابن كيسان، وفي رواية عمرو بن شعيب " وأمّا امرأة هذا فترجم ". وفي رواية سفيان " فغدا عليها فاعترفت فرجمها " كذا للأكثر , ورواية الليث أتمّها , لأنّها تشعر بأنّ أنيساً أعاد جوابها على النّبيّ ﷺ فأمر حينئذٍ برجمها. ويحتمل: أن يكون المراد أمره الأوّل المعلق على اعترافها , فيتّحد مع رواية الأكثر , وهو أولى. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. الرّجوع إلى كتاب الله نصّاً أو استنباطاً، وجواز القسم على الأمر لتأكيده، والحلف بغير استحلاف، وحسن خلق النّبيّ ﷺ وحلمه

стр. 3171

على من يخاطبه بما الأولى خلافه، وأنّ من تأسّى به من الحكّام في ذلك يحمد , كمن لا ينزعج لقول الخصم مثلاً احكم بيننا بالحقّ. وقال البيضاويّ: إنّما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله , مع أنّهما يعلمان أنّه لا يحكم إلَّا بحكم الله , ليحكم بينهما بالحقّ الصِّرف , لا بالمصالحة ولا الأخذ بالأرفق، لأنّ للحاكم أنْ يفعل ذلك برضا الخصمين. وفيه. أنّ حسن الأدب في مخاطبة الكبير يقتضي التّقديم في الخصومة ولو كان المذكور مسبوقاً، وأنّ للإمام أن يأذن لمن شاء من الخصمين في الدّعوى إذا جاءا معاً وأمكن أن كلاً منهما يدّعي. واستحباب استئذان المدّعي والمستفتي الحاكم والعالم في الكلام، ويتأكّد ذلك إذا ظنّ أنّ له عذراً. وفيه أنّ من أقرّ بالحدّ وجب على الإمام إقامته عليه. ولو لَم يعترف مشاركه في ذلك. وفيه. أنّ من قذف غيره لا يقام عليه الحدّ إلَّا إن طلبه المقذوف، خلافاً لابن أبي ليلى فإنّه قال: يجب ولو لَم يطلب المقذوف. قلت: وفي الاستدلال به نظر، لأنّ محلّ الخلاف إذا كان المقذوف حاضراً، وأمّا إذا كان غائباً كهذا , فالظّاهر أنّ التّأخير لاستكشاف الحال. فإن ثبت في حقّ المقذوف فلا حدّ على القاذف كما في هذه القصّة. وقد قال النّوويّ تبعاً لغيره: إنّ سبب بعث النّبيّ ﷺ أنيساً للمرأة

стр. 3172

ليعلمها بالقذف المذكور لتطالب بحدّ قاذفها إن أنكرت. قال: هكذا أوّله العلماء من أصحابنا وغيرهم , ولا بدّ منه , لأنّ ظاهره أنّه بعث يطلب إقامة حدّ الزّنا , وهو غير مراد , لأنّ حدّ الزّنا لا يحتاط له بالتّجسّس والتّنقيب عنه , بل يستحبّ تلقين المقرّ به ليرجع كما سيأتي في قصّة ماعز (١). وكأنّ لقوله " فإن اعترفت " مقابلاً , أي: وإن أنكرت فأعلمها أنّ لها طلب حدّ القذف , فحُذف لوجود الاحتمال. فلو أنكرت وطلبت لأجيبت. وقد أخرج أبو داود والنّسائيّ من طريق سعيد بن المسيّب عن ابن عبّاس , أنّ رجلاً أقرّ بأنّه زنى بامرأةٍ فجلده النّبيّ ﷺ مائة. ثمّ سأل المرأة , فقالت: كذب , فجلده حدّ الفرية ثمانين. وقد سكت عليه أبو داود وصحّحه الحاكم , واستنكره النّسائيّ. وفيه. أنّ المُخدَّرة التي لا تعتاد البروز , لا تُكلَّف الحضور لمجلس الحكم , بل يجوز أن يرسل إليها من يحكم لها وعليها، وقد ترجم النّسائيّ لذلك. وفيه. أنّ السّائل يذكر كل ما وقع في القصّة , لاحتمال أن يفهم المفتي أو الحاكم من ذلك ما يستدلّ به على خصوص الحكم في المسألة , لقول السّائل " إنّ ابني كان عسيفاً على هذا "، وهو إنّما جاء يسأل عن حكم الزّنا، والسّرّ في ذلك , أنّه أراد أن يقيم لابنه معذرةً ما ,

стр. 3173

وأنّه لَم يكن مشهوراً بالعهر , ولَم يهجم على المرأة مثلاً , ولا استكرهها، وإنّما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التّأنيس والإدلال. فيستفاد منه. الحثّ على إبعاد الأجنبيّ من الأجنبيّة مهما أمكن، لأنّ العشرة قد تفضي إلى الفساد , ويتسوّر بها الشّيطان إلى الإفساد. وفيه. جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، والرّدّ على من منع التّابعيّ أن يفتي مع وجود الصّحابيّ مثلاً. وفيه. جواز الاكتفاء في الحكم بالأمر النّاشئ عن الظّنّ مع القدرة على اليقين، لكن إذا اختلفوا على المستفتي يرجع إلى ما يفيد القطع , وإن كان في ذلك العصر الشّريف من يفتي بالظّنّ الذي لَم ينشأ عن أصل. ويحتمل: أن يكون وقع ذلك من المنافقين , أو من قرب عهده بالجاهليّة فأقدم على ذلك. وفيه. أنّ الصّحابة كانوا يفتون في عهد النّبيّ ﷺ وفي بلده، وقد عقد محمّد بن سعد في " الطّبقات " باباً لذلك. وأخرج بأسانيد فيها الواقديّ , أنّ منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً وعبد الرّحمن بن عوف وأبيَّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت. وفيه. أنّ الحكم المبنيّ على الظّنّ ينقض بما يفيد القطع. وفيه أنّ الحدّ لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزّنا والسّرقة والحرابة وشرب المسكر.

стр. 3174

واختلف في القذف. والصّحيح , أنّه كغيره , وإنّما يجري الفداء في البدن كالقصاص في النّفس والأطراف. وفيه. أنّ الصّلح المبنيّ على غير الشّرع يردّ , ويعاد المال المأخوذ فيه. قال ابن دقيق العيد: وبذلك يتبيّن ضعف عذر من اعتذر من الفقهاء عن بعض العقود الفاسدة بأنّ المتعاوضين تراضيا وأذن كلّ منهما للآخر في التّصرّف، والحقّ أنّ الإذن في التّصرّف مقيّد بالعقود الصّحيحة. وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحدّ. واستدل به على وجوب الإعذار والاكتفاء فيه بواحدٍ. وأجاب عياض: باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النّبيّ ﷺ بشهادة هذين الرّجلين. كذا قال , والذي تقبل شهادته من الثّلاثة , والد العسيف فقط , وأمّا العسيف والزّوج فلا. وغفل بعض من تبع القاضي فقال: لا بدّ من هذا الحمل , وإلا لزم الاكتفاء بشهادة واحد في الإقرار بالزّنا. ولا قائل به. ويمكن الانفصال عن هذا: بأنّ أنيساً بُعث حاكماً , فاستوفى شروط الحكم , ثمّ استأذن في رجمها فأذن له في رجمها. وكيف يتصوّر من الصّورة المذكورة إقامة الشّهادة عليها من غير تقدّم دعوى عليها , ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متوارية؟ إلَّا أن يقال إنّها شهادة حسبة.

стр. 3175

ويجاب: بأنّه لَم يقع هناك صيغة الشّهادة المشروطة في ذلك. قال محمّد بن الحسن: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقرّ عندي فلان بكذا لشيءٍ يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق، حتّى يشهد معه على ذلك غيره , وادّعى أنّ مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاصّ بالنّبيّ ﷺ . قال: وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبداً عدلان يسمعان من يقرّ , ويشهدان على ذلك , فينفذ الحكم بشهادتهما " نقله ابن بطّال. وقال المُهلَّب: فيه حجّة لمالكٍ في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحداً في الأعذار، وفي أن يتّخذ واحداً يثق به يكشف عن حال الشّهود في السّرّ، كما يجوز قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشّهادة. قال: وقد استدل به قوم في جواز تنفيذ الحكم دون إعذار إلى المحكوم عليه. قال: وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنّ الإعذار يشترط فيما كان الحكم فيه بالبيّنة، لا ما كان بالإقرار كما في هذه القصّة، لقوله " فإن اعترفت ". واستُدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادةٍ عليه، ولكنّها واقعة عينٍ فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها. قال عياض: احتجّ قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها , بما أقرّ به الخصم عنده , وهو أحد قولي الشّافعيّ , وبه قال أبو ثور، وأبى ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى. قال: وقصّة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار كما مضى، وأنّ

стр. 3176

قوله " فارجمها " أي بعد إعلامي، أو أنّه فوّض الأمر إليه، فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم، وقد دلَّ قوله " فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجمت " أنّ النّبيّ ﷺ هو الذي حكم فيها , بعد أن أعلمه أنيس باعترافها. كذا قال، والذي يظهر , أنّ أنيساً لَمَّا اعترفت , أعلم النّبيّ ﷺ مبالغة في الاستثبات، مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها. واستدل به على أنّ حضور الإمام الرّجم ليس شرطاً. وفيه نظر لاحتمال أنّ أنيساً كان حاكماً , وقد حضر بل باشر الرّجم لظاهر قوله " فرَجَمَها ". وفيه الجمع بين الجلد والتّغريب، وللبخاري من طريق عروة , أنَّ عمر غرّب , ثم لَم تزل تلك السنة. زاد عبد الرّزّاق في روايته عن مالك " حتّى غرّب مروان , ثمّ ترك النّاس ذلك , يعني أهل المدينة ". وهو منقطع , لأنّ عروة لَم يسمع من عمر. لكنّه ثبت عن عمر من وجه آخر , أخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ وصحّحه ابن خزيمة والحاكم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ ضرب وغرّب، وأنّ أبا بكر ضرب وغرّب، وأنّ عمر ضرب وغرّب " أخرجوه من رواية عبد الله بن إدريس عنه. وذكر التّرمذيّ: أنّ أكثر أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه موقوفاً على أبي بكر وعمر.

стр. 3177

ونقل محمّد بن نصر في " كتاب الإجماع ": الاتّفاقَ على نفي الزّاني إلَّا عن الكوفيّين. ووافق الجمهورَ منهم ابن أبي ليلى وأبو يوسف. وادّعى الطّحاويّ أنّه منسوخ، كما سأذكره. واختلف القائلون بالتّغريب. فقال الشّافعيّ والثّوريّ وداود والطّبريّ: بالتّعميم. وفي قول للشّافعيّ: لا ينفى الرّقيق. وخصّ الأوزاعيّ النّفي بالذّكوريّة، وبه قال مالك. وقيّده بالحرّيّة، وبه قال إسحاق. وعن أحمد روايتان. واحتجّ من شرط الحرّيّة: بأنّ في نفي العبد عقوبة لمالكه لمنعه منفعته مدّة نفيه، وتصرّف الشّرع , يقتضي أن لا يعاقب إلَّا الجاني، ومن ثَمّ سقط فرض الحجّ والجهاد عن العبد. وقال ابن المنذر: أقسم النّبيّ ﷺ في قصّة العسيف أنّه يقضي فيه بكتاب الله , ثمّ قال: إنّ عليه جلد مائة وتغريب عام " وهو المبيّن لكتاب الله. وخطب عمر بذلك على رءوس النّاس، وعمل به الخلفاء الرّاشدون فلم ينكره أحد فكان إجماعاً. واختلف في المسافة التي ينفى إليها: فقيل: هو إلى رأي الإمام، وقيل: يشترط مسافة القصر. وقيل: إلى ثلاثة أيّام، وقيل: إلى يومين، وقيل: يوم وليلة. وقيل: من عمل إلى عمل، وقيل: إلى ميل. وقيل: إلى ما ينطلق عليه اسم نفي.

стр. 3178

وشرط المالكيّة الحبسَ في المكان الذي ينفى إليه، وسيأتي البحث فيه. في الحديث الذي بعده. ومن عجيب الاستدلال , احتجاج الطّحاويّ لسقوط النّفي أصلاً , بأنّ نفي الأمة ساقط بقوله " بيعوها " كما سيأتي تقريره (١). قال: وإذا سقط عن الأمة سقط عن الحرّة لأنّها في معناها، ويتأكّد بحديث " لا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم ". (٢) قال: وإذا انتفى أن يكون على النّساء نفي , انتفى أن يكون على الرّجال. كذا قال. وهو مبنيّ على أنّ العموم إذا سقط خصّ الاستدلال به، وهو مذهب ضعيف جدّاً. أمّا الجلد فثابت بكتاب الله، لقوله ﴿الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة .. الآية﴾ وقام الإجماع ممّن يعتدّ به على اختصاصه بالبكر وهو غير المحصن. (٣) واختلفوا في كيفيّة الجلد. القول الأول: عن مالك. يختصّ بالظّهر لقوله في حديث اللعان " البيّنة وإلا جلدٌ في ظهرك ". القول الثاني: قال غيره: يفرّق على الأعضاء , ويتّقى الوجه

стр. 3179

والرّأس، ويجلد في الزّنا والشّرب والتّعزير قائماً مجرّداً، والمرأة قاعدةً، وفي القذف وعليه ثيابه. القول الثالث: قال أحمد وإسحاق وأبو ثور: لا يُجرَّد أحدٌ في الحدّ. وليس في الآية للنّفي ذِكْر , فتمسّك به الحنفيّة , فقالوا: لا يزاد على القرآن بخبر الواحد. والجواب: أنّه مشهور لكثرة طرقه ومن عمل به من الصّحابة، وقد عملوا بمثله بل بدونه , كنقض الوضوء بالقهقهة , وجواز الوضوء بالنّبيذ , وغير ذلك ممّا ليس في القرآن. وقد أخرج مسلم من حديث عبادة بن الصّامت مرفوعاً " خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم ". وأخرج الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس قال: كنّ يُحبسن في البيوت إن ماتت ماتت , وإن عاشت عاشت: لَمَّا نزل ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم , فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلاً﴾ حتّى نزلت ﴿الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة﴾. وفيه الاكتفاء بالاعتراف بالمرّة الواحدة , لأنّه لَم ينقل أنّ المرأة تكرّر اعترافها. وفيه الاكتفاء بالرّجم من غير جلد , لأنّه لَم ينقل في قصّتها أيضاً.

стр. 3180

وفيه نظرٌ , لأنّ الفعل لا عموم له فالتّرك أولى (١). وفيه جواز استئجار الحرّ. وجواز إجارة الأب ولده الصّغير لمن يستخدمه إذا احتاج لذلك. واستدل به على صحّة دعوى الأب لمحجوره , ولو كان بالغاً , لكون الولد كان حاضراً ولَم يتكلم إلَّا أبوه. وتعقّب: باحتمال أن يكون وكيله , أو لأنّ التّداعي لَم يقع إلَّا بسبب المال الذي وقع به الفداء , فكأنّ والد العسيف ادّعى على زوج المرأة بما أخذه منه , إمّا لنفسه , وإمّا لامرأته بسبب ذلك حين أعلمه أهل العلم , بأنّ ذلك الصّلح فاسد ليستعيده منه , سواء كان من ماله أو من مال ولده، فأمره النّبيّ ﷺ بردّ ذلك إليه، وأمّا ما وقع في القصّة من الحدّ , فباعتراف العسيف ثمّ المرأة. وفيه أنّ حال الزّانيين إذا اختلفا , أقيم على كلّ واحد حدّه , لأنّ العسيف جلد والمرأة رجمت، فكذا لو كان أحدهما حرّاً والآخر رقيقاً، وكذا لو زنى بالغ بصبيّةٍ , أو عاقل بمجنونةٍ حدّ البالغ والعاقل دونهما، وكذا عكسه. وفيه. أنّ من قذف ولده لا يحدّ له , لأنّ الرّجل قال: إنّ ابني زنى " ولَم يثبت عليه حدّ القذف. تكميل: أخرج البخاري عن يحيى بن بكيرٍ حدّثنا الليث عن عقيلٍ

стр. 3181

عن ابن شهابٍ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى , ولَم يحصن بنفي عامٍ، بإقامة الحدّ عليه. وقع في رواية النّسائيّ " أن يُنفى عاماً مع إقامة الحدّ عليه " وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق حجّاج بن محمّد عن الليث. وعُرف أنّ الباء في رواية يحيى بن بكير بمعنى مع. والمراد بإقامة الحدّ , ما ذكر في رواية عبد العزيز جلد المائة , وأطلق عليها الجلد لكونها بنصّ القرآن. وقد تمسّك بهذه الرّواية , من زعم أنّ النّفي تعزير , وأنّه ليس جزءاً من الحدّ. وأجيب: بأنّ الحديث يفسّر بعضه بعضاً، وقد وقع التّصريح في قصّة العسيف من لفظ النّبيّ ﷺ , أنّ عليه جلد مائة وتغريب عام. وهو ظاهر في كون الكلّ حدّه، ولَم يختلف على راويه في لفظه , فهو أرجح من حكاية الصّحابيّ مع الاختلاف. وممّا يؤيّد كون الحديثين واحداً مع أنّه اختلف على ابن شهاب في تابعيّه وصحابيّه , أنّ الزّيادة التي عن عمر , عند عبد العزيز (١) في

стр. 3182

حديث زيد بن خالد , وقعت عند عُقيل في حديث أبي هريرة، ففي آخر رواية حجّاج بن محمّد التي أشرت إليها عند الإسماعيليّ. " قال ابن شهاب: وكان عمر ينفي من المدينة إلى البصرة وإلى خيبر ". وفيه إشارة إلى بعد المسافة , وقربها في النّفي بحسب ما يراه الإمام , وأنّ ذلك لا يتقيّد. والذي تحرّر لي من هذا الاختلاف أنّ في حديثي الباب اختصاراً من قصّة العسيف , وأنّ أصل الحديث كان عند عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد جميعاً , فكان يحدّث به عنهما بتمامه , وربّما حدّث عنه عن زيد بن خالد باختصارٍ، وكان عند سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة وحده باختصارٍ. والله أعلم. وفي الحديث جواز الجمع بين الحدّ والتّعزير خلافاً للحنفيّة , إن أُخِذ بظاهر قوله " مع إقامة الحدّ " , وجواز الجمع بين الجلد والنّفي في حقّ الزّاني الذي لَم يحصن , خلافاً لهم أيضاً , إن قلنا إنّ الجميع حدٌّ. واحتجّ بعضهم: بأنّ حديث عبادة الذي فيه النّفي منسوخ بآية النّور , لأنّ فيها الجلد بغير نفي. وتعقّب: بأنّه يحتاج إلى ثبوت التّاريخ، وبأنّ العكس أقرب , فإنّ آية الجلد مطلقة في حقّ كلّ زانٍ , فخصّ منها في حديث عبادة الثّيّب، ولا يلزم من خلوّ آية النّور عن النّفي عدم مشروعيّته , كما لَم يلزم من خلوّها من الرّجم ذلك.

стр. 3183

ومن الحجج القويّة: أنّ قصّة العسيف كانت بعد آية النّور , لأنّه كانت في قصّة الإفك , وهي متقدّمة على قصّة العسيف , لأنّ أبا هريرة حضرها , وإنّما هاجر بعد قصّة الإفك بزمانٍ. تكميل آخر: قال البخاري (باب إذا رمى امرأتَه أو امرأةَ غيرِه بالزّنا عند الحاكم والنّاس , هل على الحاكم أن يبعثَ إليها فيسألها عمّا رُميت به). ذكر قصّة العسيف، والحكم المذكور ظاهر فيمن قذف امرأة غيره. وأمّا من قذف امرأته , فكأنّه أخذه من كون زوج المرأة كان حاضراً ولَم ينكر ذلك. وأشار بقوله " هل على الإمام " إلى الخلاف في ذلك، والجمهور على أنّ ذلك بحسب ما يراه الإمام. قال النّوويّ: الأصحّ عندنا وجوبه , والحجّة فيه بعث أنيس إلى المرأة. وتعقّب: بأنّه فعلٌ وقع في واقعة حال لا دلالة فيه على الوجوب , لاحتمال أن يكون سبب البعث ما وقع بين زوجها وبين والد العسيف من الخصام والمصالحة على الحدّ واشتهار القصّة , حتّى صرّح والد العسيف بما صرّح به ولَم ينكر عليه زوجها، فالإرسال إلى هذه , يختصّ بمن كان على مثل حالها من التّهمة القويّة بالفجور، وإنّما علَّق على اعترافها , لأنّ حدّ الزّنا لا يثبت في مثلها إلَّا بالإقرار لتعذّر إقامة البيّنة على ذلك.

стр. 3184

وقد تقدّم ذكر ما قيل من الحكمة في إرسال أنيس إلى المرأة المذكورة. وفي الموطّأ " أنّ عمر أتاه رجلٌ , فأخبره أنّه وجد مع امرأته رجلاً , فبعث إليها أبا واقد فسألها عمّا قال زوجها , وأعلمها أنّه لا يؤخذ بقوله فاعترفت، فأمر بها عمر فرُجمت. قال ابن بطّال: أجمع العلماء على أنّ من قذف امرأته أو امرأة غيره بالزّنا , فلم يأت على ذلك ببيّنةٍ أنّ عليه الحدّ، إلَّا إن أقرّ المقذوف، فلهذا يجب على الإمام أن يبعث إلى المرأة يسألها عن ذلك، ولو لَم تعترف المرأة في قصّة العسيف , لوجب على والد العسيف حدّ القذف. وممّا يتفرّع عن ذلك , لو اعترف رجل بأنّه زنى بامرأةٍ معيّنة فأنكرت. هل يجب عليه حدّ الزّنا وحدّ القذف , أو حدّ القذف فقط؟. قال بالأوّل. مالك , وبالثّاني. أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ وصاحبا أبي حنيفة: من أقرّ منهما فإنّما عليه حدّ الزّنا فقط، والحجّة فيه أنّه إن كان صدق في نفس الأمر فلا حدّ عليه لقذفها، وإن كان كذب. فليس بزانٍ وإنّما يجب عليه حدّ الزّنا , لأنّ كلّ من أقرّ على نفسه وعلى غيره , لزمه ما أقرّ به على نفسه , وهو مدّعٍ فيما أقرّ به على غيره , فيؤاخذ بإقراره على نفسه دون غيره.

стр. 3185

الحديث الثالث ٣٥٢ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ، عن أبي هريرة، وزيد بن خالدٍ الجهنيّ ﵃ قالا: سُئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولَم تحصن؟ قال: إنْ زنت فاجلدوها، ثم إنْ زنت فاجلدوها، ثم إنْ زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفيرٍ. قال ابن شهابٍ: ولا أدري؟ أبعد الثالثة أو الرابعة. (١) قال المصنِّف: الضفير: الحبل. قوله: (عن أبي هريرة وزيد بن خالد) سبق التّنبيه في شرح قصّة العسيف , على أنّ الزّبيديّ ويونس زادا في روايتهما لهذا الحديث عن الزّهريّ , شبل بن خليد (٢) أو ابن حامد. وتقدّم بيانه مفصّلاً. قوله: (سُئل عن الأمة) في رواية حميد بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة عند النسائي " أتى رجلٌ النّبيّ ﷺ فقال: إنّ جاريتي زنت فتبيّن زناها، قال: اجلدها " ولَم أقف على اسم هذا الرّجل. قوله: (إذا زنت ولَم تحصن) قال تعالى ﴿ومن لَم يستطع منكم

стр. 3186

طولاً .. إلى قوله. فإذا أُحصنّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. قال الواحدي: قرئ المحصنات في القرآن بكسر الصاد وفتحها , إلَّا في قوله تعالى ﴿والمحصنات من النساء إلَّا ما ملكت أيمانكم﴾ فبالفتح جزماً , وقرئ ﴿فإذا أحصن﴾ بالضّمّ وبالفتح، فبالضّمّ معناه التّزويج. وبالفتح معناه الإسلام. وقال غيره: اختلف في إحصان الأمة. فقال الأكثر: إحصانها التّزويج، وقيل: العتق. وعن ابن عبّاس وطائفة , إحصانها التّزويج. ونصره أبو عبيد وإسماعيل القاضي , واحتجّ له. بأنّه تقدّم في الآية قوله تعالى ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فيبعد أن يقول بعده فإذا أسلمن. قال: فإن كان المراد التّزويج , كان مفهومه أنّها قبل أن تتزوّج لا يجب عليها الحدّ إذا زنت. وقد أخذ به ابن عبّاس , فقال: لا حدّ على الأمة إذا زنت قبل أن تتزوّج، وبه قال جماعة من التّابعين، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو وجه للشّافعيّة. واحتجّ بما أخرجه الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس: ليس على الأمة حدٌّ حتّى تحصن. وسنده حسن , لكن اختلف في رفعه ووقفه , والأرجح وقفه , وبذلك جزم ابن خزيمة وغيره. وادّعى ابن شاهين في " النّاسخ والمنسوخ " أنّه منسوخ بحديث

стр. 3187

الباب. وتعقّب: بأنّ النّسخ يحتاج إلى التّاريخ وهو لَم يُعلم، وقد عارضه حديث عليّ " أقيموا الحدود على أرقّائكم , من أُحصن منهم ومن لَم يُحصن ". واختلف أيضاً في رفعه ووقفه، والرّاجح أنّه موقوف، لكنّ سياقه في مُسلم يدلّ على رفعه , فالتّمسّك به أقوى. وإذا حمل الإحصان في الحديث على التّزويج , وفي الآية على الإسلام , حصل الجمع، وقد بيّنت السّنّة أنّها إذا زنت قبل الإحصان تجلد. وقال غيره: التّقييد بالإحصان يفيد أنّ الحكم في حقّها الجلد لا الرّجم، فأخذ حكم زناها بعد الإحصان من الكتاب وحكم زناها قبل الإحصان من السّنّة، والحكمة فيه أنّ الرّجم لا يتنصّف فاستمرّ حكم الجلد في حقّها. قال البيهقيّ: ويحتمل أن يكون نصّ على الجلد في أكمل حاليها , ليستدل به على سقوط الرّجم عنها لا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لَم تتزوّج، وقد بيّنت السّنّة أنّ عليها الجلد وإن لَم تحصن. قال ابن بطّال: زعم مَن قال لا جلد عليها قبل التّزويج , بأنّه لَم يقل في هذا الحديث " ولَم تحصن " غير مالكٍ، وليس كما زعموا , فقد رواه يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن ابن شهاب كما قال مالك، وكذا رواه طائفة عن ابن عيينة عنه.

стр. 3188

قلت: رواية يحيى بن سعيد. أخرجها النّسائيّ , ورواية ابن عيينة. أخرجها البخاري ليس فيها " ولَم تحصن " وزادها النّسائيّ في روايته عن الحارث بن مسكين عن ابن عيينة بلفظ " سئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن " , وكذا عند ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمّد بن الصّبّاح كلاهما عن ابن عيينة. وقد رواه عن ابن شهاب أيضاً صالح بن كيسان كما قال مالك. عند البخاري , وكذا أخرجهما مسلم والنّسائيّ. ووقع في رواية سعيد المقبريّ عن أبيه عن أبي هريرة , في الصحيحين بدونها (١). وعلى تقدير أنّ مالكاً تفرّد بها , فهو من الحفّاظ وزيادته مقبولة، وقد سبق الجواب عن مفهومها. قوله: (قال: إنْ زنت) قيل: أعاد الزّنا في الجواب غير مقيّد بالإحصان , للتّنبيه على أنّه لا أثر له , وأنّ موجب الحدّ في الأمة مطلق الزّنا. زاد في رواية المقبري: إذا زنت الأمة فتبيَّن زناها فليجلدها ولا يثرِّب. أي: ظهر. وشرَطَ بعضهم أن يظهر بالبينة مراعاة للفظ تبيَّن. وقيل: يُكتفى في ذلك بعلم السيد. وقوله. لا يثرب. التثريب بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة فهو التعنيف

стр. 3189

وزنه ومعناه , وقد جاء بلفظ " ولا يعنفها " في رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عند النسائي. والمعنى لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير , وقيل: المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد. وفي رواية سعيد عن أبي هريرة عند عبد الرزاق " ولا يعيّرها ولا يفندها ". قال ابن بطال: يُؤخذ منه أنَّ كل من أُقيم عليه الحد لا يُعزَّر بالتعنيف واللوم , وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام للتحذير والتخويف. فإذا رفع وأُقيم عليه الحد كفاه. قلت: وقد تقدم في البخاري: نَهيُه ﷺ عن سبِّ الذي أقيم عليه حد الخمر , وقال: لا تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم. قوله: (فاجلدوها) الحدّ اللائق بها المبيّن في الآية ﴿فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ وهو نصف ما على الحرّة، وقد وقع في رواية المقبري عن أبي هريرة " فليجلدها الحدّ ". والخطاب في " اجلدوها " لمن يملك الأمة، فاستدل به على أنّ السّيّد يقيم الحدّ على من يملكه من جارية وعبد، أمّا الجارية فبالنّصّ , وأمّا العبد فبالإلحاق. وقد اختلف السّلف فيمن يقيم الحدود على الأرقّاء: القول الأول: قالت طائفة: لا يقيمها إلَّا الإمام , أو من يأذن له , وهو قول الحنفيّة

стр. 3190

القول الثاني: عن الأوزاعيّ والثّوريّ. لا يقيم السيّد إلَّا حدّ الزّنا. واحتجّ الطّحاويّ. بما أورده من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله رجلٌ من الصّحابة يقول: الزّكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السّلطان. قال الطّحاويّ: لا نعلم له مخالفاً من الصّحابة. وتعقّبه ابن حزم فقال: بل خالفه اثنا عشر نفساً من الصّحابة. القول الثالث: قال آخرون: يقيمها السّيّد , ولو لَم يأذن له الإمام , وهو قول الشّافعيّ. القول الرابع: أخرج عبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن ابن عمر , في الأمة إذا زنت ولا زوج لها يحدّها سيّدها، فإن كانت ذات زوج , فأمرُها إلى الإمام. وبه قال مالك. إلَّا إن كان زوجها عبداً لسيّدها , فأمرها إلى السّيّد. واستثنى مالك القطع في السّرقة، وهو وجه للشّافعيّة. وفي آخر: يستثنى حدّ الشّرب. واحتجّ للمالكيّة: بأنّ في القطع مثلةً , فلا يؤمن السّيّد أن يريد أن يمثّل بعبده , فيخشى أن يتّصل الأمر بمن يعتقد أنّه يعتق بذلك , فيدّعي عليه السّرقة لئلا يعتق , فيمنع من مباشرته القطع سدّاً للذّريعة. وأخذ بعض المالكيّة من هذا التّعليل , اختصاصَ ذلك بما إذا كان مستندُ السّرقة علمَ السّيّد أو الإقرار، بخلاف ما لو ثبتت بالبيّنة فإنّه
следующие страницы →