طولاً .. إلى قوله. فإذا أُحصنّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
قال الواحدي: قرئ المحصنات في القرآن بكسر الصاد وفتحها , إلَّا في قوله تعالى ﴿والمحصنات من النساء إلَّا ما ملكت أيمانكم﴾ فبالفتح جزماً , وقرئ ﴿فإذا أحصن﴾ بالضّمّ وبالفتح، فبالضّمّ معناه التّزويج. وبالفتح معناه الإسلام.
وقال غيره: اختلف في إحصان الأمة.
فقال الأكثر: إحصانها التّزويج، وقيل: العتق.
وعن ابن عبّاس وطائفة , إحصانها التّزويج.
ونصره أبو عبيد وإسماعيل القاضي , واحتجّ له. بأنّه تقدّم في الآية قوله تعالى ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فيبعد أن يقول بعده فإذا أسلمن.
قال: فإن كان المراد التّزويج , كان مفهومه أنّها قبل أن تتزوّج لا يجب عليها الحدّ إذا زنت.
وقد أخذ به ابن عبّاس , فقال: لا حدّ على الأمة إذا زنت قبل أن تتزوّج، وبه قال جماعة من التّابعين، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو وجه للشّافعيّة.
واحتجّ بما أخرجه الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس: ليس على الأمة حدٌّ حتّى تحصن. وسنده حسن , لكن اختلف في رفعه ووقفه , والأرجح وقفه , وبذلك جزم ابن خزيمة وغيره.
وادّعى ابن شاهين في " النّاسخ والمنسوخ " أنّه منسوخ بحديث
стр. 3187
الباب.
وتعقّب: بأنّ النّسخ يحتاج إلى التّاريخ وهو لَم يُعلم، وقد عارضه حديث عليّ " أقيموا الحدود على أرقّائكم , من أُحصن منهم ومن لَم يُحصن ".
واختلف أيضاً في رفعه ووقفه، والرّاجح أنّه موقوف، لكنّ سياقه في مُسلم يدلّ على رفعه , فالتّمسّك به أقوى.
وإذا حمل الإحصان في الحديث على التّزويج , وفي الآية على الإسلام , حصل الجمع، وقد بيّنت السّنّة أنّها إذا زنت قبل الإحصان تجلد.
وقال غيره: التّقييد بالإحصان يفيد أنّ الحكم في حقّها الجلد لا الرّجم، فأخذ حكم زناها بعد الإحصان من الكتاب وحكم زناها قبل الإحصان من السّنّة، والحكمة فيه أنّ الرّجم لا يتنصّف فاستمرّ حكم الجلد في حقّها.
قال البيهقيّ: ويحتمل أن يكون نصّ على الجلد في أكمل حاليها , ليستدل به على سقوط الرّجم عنها لا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لَم تتزوّج، وقد بيّنت السّنّة أنّ عليها الجلد وإن لَم تحصن.
قال ابن بطّال: زعم مَن قال لا جلد عليها قبل التّزويج , بأنّه لَم يقل في هذا الحديث " ولَم تحصن " غير مالكٍ، وليس كما زعموا , فقد رواه يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن ابن شهاب كما قال مالك، وكذا رواه طائفة عن ابن عيينة عنه.
стр. 3188
قلت: رواية يحيى بن سعيد. أخرجها النّسائيّ , ورواية ابن عيينة. أخرجها البخاري ليس فيها " ولَم تحصن " وزادها النّسائيّ في روايته عن الحارث بن مسكين عن ابن عيينة بلفظ " سئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن " , وكذا عند ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمّد بن الصّبّاح كلاهما عن ابن عيينة.
وقد رواه عن ابن شهاب أيضاً صالح بن كيسان كما قال مالك. عند البخاري , وكذا أخرجهما مسلم والنّسائيّ.
ووقع في رواية سعيد المقبريّ عن أبيه عن أبي هريرة , في الصحيحين بدونها (١). وعلى تقدير أنّ مالكاً تفرّد بها , فهو من الحفّاظ وزيادته مقبولة، وقد سبق الجواب عن مفهومها.
قوله: (قال: إنْ زنت) قيل: أعاد الزّنا في الجواب غير مقيّد بالإحصان , للتّنبيه على أنّه لا أثر له , وأنّ موجب الحدّ في الأمة مطلق الزّنا. زاد في رواية المقبري: إذا زنت الأمة فتبيَّن زناها فليجلدها ولا يثرِّب. أي: ظهر.
وشرَطَ بعضهم أن يظهر بالبينة مراعاة للفظ تبيَّن.
وقيل: يُكتفى في ذلك بعلم السيد.
وقوله. لا يثرب. التثريب بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة فهو التعنيف
стр. 3189
وزنه ومعناه , وقد جاء بلفظ " ولا يعنفها " في رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عند النسائي.
والمعنى لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير , وقيل: المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد. وفي رواية سعيد عن أبي هريرة عند عبد الرزاق " ولا يعيّرها ولا يفندها ".
قال ابن بطال: يُؤخذ منه أنَّ كل من أُقيم عليه الحد لا يُعزَّر بالتعنيف واللوم , وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام للتحذير والتخويف. فإذا رفع وأُقيم عليه الحد كفاه.
قلت: وقد تقدم في البخاري: نَهيُه ﷺ عن سبِّ الذي أقيم عليه حد الخمر , وقال: لا تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم.
قوله: (فاجلدوها) الحدّ اللائق بها المبيّن في الآية ﴿فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ وهو نصف ما على الحرّة، وقد وقع في رواية المقبري عن أبي هريرة " فليجلدها الحدّ ".
والخطاب في " اجلدوها " لمن يملك الأمة، فاستدل به على أنّ السّيّد يقيم الحدّ على من يملكه من جارية وعبد، أمّا الجارية فبالنّصّ , وأمّا العبد فبالإلحاق.
وقد اختلف السّلف فيمن يقيم الحدود على الأرقّاء:
القول الأول: قالت طائفة: لا يقيمها إلَّا الإمام , أو من يأذن له , وهو قول الحنفيّة
стр. 3190
القول الثاني: عن الأوزاعيّ والثّوريّ. لا يقيم السيّد إلَّا حدّ الزّنا.
واحتجّ الطّحاويّ. بما أورده من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله رجلٌ من الصّحابة يقول: الزّكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السّلطان.
قال الطّحاويّ: لا نعلم له مخالفاً من الصّحابة.
وتعقّبه ابن حزم فقال: بل خالفه اثنا عشر نفساً من الصّحابة.
القول الثالث: قال آخرون: يقيمها السّيّد , ولو لَم يأذن له الإمام , وهو قول الشّافعيّ.
القول الرابع: أخرج عبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن ابن عمر , في الأمة إذا زنت ولا زوج لها يحدّها سيّدها، فإن كانت ذات زوج , فأمرُها إلى الإمام. وبه قال مالك. إلَّا إن كان زوجها عبداً لسيّدها , فأمرها إلى السّيّد.
واستثنى مالك القطع في السّرقة، وهو وجه للشّافعيّة.
وفي آخر: يستثنى حدّ الشّرب.
واحتجّ للمالكيّة: بأنّ في القطع مثلةً , فلا يؤمن السّيّد أن يريد أن يمثّل بعبده , فيخشى أن يتّصل الأمر بمن يعتقد أنّه يعتق بذلك , فيدّعي عليه السّرقة لئلا يعتق , فيمنع من مباشرته القطع سدّاً للذّريعة.
وأخذ بعض المالكيّة من هذا التّعليل , اختصاصَ ذلك بما إذا كان مستندُ السّرقة علمَ السّيّد أو الإقرار، بخلاف ما لو ثبتت بالبيّنة فإنّه
стр. 3191
يجوز للسّيّد لفقد العلة المذكورة.
وحجّة الجمهور. حديث عليّ المشار إليه قبل , وهو عند مسلم والثّلاثة.
وعند الشّافعيّة خلاف في اشتراط أهليّة السّيّد لذلك.
وتمسّك من لَم يشترط , بأنّ سبيله سبيل الاستصلاح فلا يفتقر للأهليّة.
وقال ابن حزم: يقيمه السّيّد إلَّا إن كان كافراً، واحتجّ بأنّهم لا يقرّون إلَّا بالصّغار وفي تسليطه على إقامة الحدّ منافاةٌ لذلك.
وقال ابن العربيّ: في قول مالك إن كانت الأمة ذات زوج لَم يحدّها الإمام من أجل أنّ للزّوج تعلقاً بالفرج في حفظه عن النّسب الباطل والماء الفاسد، لكنّ حديث النّبيّ ﷺ أولى أن يتّبع، يعني: حديث عليّ المذكور الدّالّ على التّعميم في ذات الزّوج وغيرها. وقد وقع في بعض طرقه " من أحصن منهم ومن لَم يحصن ".
قوله: (ثمّ بيعوها ولو بضفيرٍ) بفتح الضّاد المعجمة غير المشالة ثمّ فاء , أي: المضفور فعيل بمعنى مفعول.
وأصل الضّفر نسج الشّعر وإدخال بعضه في بعض , ومنه ضفائر شعر الرّأس للمرأة وللرّجل.
قيل: لا يكون مضفوراً إلَّا إن كان من ثلاث.
وقيل: شرطه أن يكون عريضاً. وفيه نظر.
زاد يونس وابن أخي الزّهريّ والزّبيديّ ويحيى بن سعيد كلّهم عن
стр. 3192
ابن شهاب عند النّسائيّ " والضّفير الحبل " وهكذا أخرجه عن قتيبة عن مالك.
وزادها عمّار بن أبي فروة عن محمّد بن مسلم - وهو ابن شهاب الزّهريّ - عند النّسائيّ وابن ماجه، لكن خالف في الإسناد فقال: إنّ محمّد بن مسلم حدّثه , أنّ عروة وعمرة حدّثاه , أنّ عائشة حدّثته أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا زنت الأمة فاجلدوها. وقال في آخره: ولو بضفيرٍ. والضّفير الحبل.
وقوله " والضّفير الحبل " مُدرج في هذا الحديث من قول الزّهريّ , على ما بيّن في رواية القعنبيّ عن مالك , عند مسلم وأبي داود. فقال في آخره , قال ابن شهاب: والضّفير الحبل. وكذلك ذكره الدّارقطنيّ في " الموطّآت " منسوباً لجميع من روى الموطّأ إلَّا ابن مهديّ , فإنّ ظاهر سياقه أنّه أدرجه أيضاً.
ومنهم: من لَم يذكر قوله " والضّفير الحبل " كما في رواية الباب. ووقع في رواية المقبريّ " ولو بحبلٍ من شعر "
قوله: (قال ابن شهاب) هو موصول بالسّند المذكور.
قوله: (لا أدري بعد الثّالثة أو الرّابعة) لَم يختلف في رواية مالك في هذا، وكذا في رواية صالح بن كيسان وابن عيينة، وكذا في رواية يونس والزّبيديّ عن الزّهريّ عند النّسائيّ، وكذا في رواية معمر عند مسلم.
وأدرجه في رواية يحيى بن سعيد عند النّسائيّ , ولفظه " ثمّ إن زنت
стр. 3193
فاجلدوها , ثمّ بيعوها ولو بضفيرٍ بعد الثّالثة أو الرّابعة " ولَم يقل , قال ابن شهاب , وعن قتيبة عن مالك كذلك. وأُدرج أيضاً في رواية محمّد بن أبي فروة عن الزّهريّ في حديث عائشة. عند النّسائيّ. والصّواب التّفصيل.
وأمّا الشّكّ في الثّالثة أو في الرّابعة.
فوقع في حديث أبي صالح عن أبي هريرة عند التّرمذيّ " فليجلدها ثلاثاً , فإن عادت فليبعها " ونحوه في مرسل عكرمة عند أبي قرّة بلفظ " وإذا زنت الرّابعة فبيعوها " , ووقع في رواية سعيد المقبريّ عن أبي هريرة عند البخاري " ثمّ إن زنت الثّالثة فليبعها ".
ومحصّل الاختلاف. هل يجلدها في الرّابعة قبل البيع , أو يبيعها بلا جلدٍ؟.
والرّاجح الأوّل , ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأنّ الجلد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه.
ويمكن الجمع: بأنّ البيع يقع بعد المرّة الثّالثة في الجلد , لأنّه المحقّق فيلغى الشّكّ، والاعتماد على الثّلاث في كثير من الأمور المشروعة.
وفي الحديث أنّ الزّنا عيبٌ يردّ به الرّقيق للأمر بالحطّ من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزّنا، كذا جزم به النّوويّ تبعاً لغيره.
وتوقّف فيه ابن دقيق العيد لجواز أن يكون المقصود الأمر بالبيع , ولو انحطّت القيمة , فيكون ذلك متعلقاً بأمرٍ وجوديّ لا إخباراً عن
стр. 3194
حكم شرعيّ , إذ ليس في الخبر تصريح بالأمر من حطّ القيمة.
وروى سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين , أنّ رجلاً اشترى من رجلٍ جاريةً كانت فَجَرتْ , ولَم يعلم بذلك المشتري، فخاصمه إلى شُرْيح , فقال: إن شاء ردّ من الزّنا. وإسناده صحيح.
وفيه أنّ من زنى فأقيم عليه الحدّ ثمّ عاد أعيد عليه، بخلاف من زنى مراراً فإنّه يكتفى فيه بإقامة الحدّ عليه مرّة واحدة على الرّاجح.
وفيه الزّجر عن مخالطة الفسّاق ومعاشرتهم , ولو كانوا من الألزام إذا تكرّر زجرهم ولَم يرتدعوا , ويقع الزّجر بإقامة الحدّ فيما شرع فيه الحدّ وبالتّعزير فيما لا حدّ فيه.
وفيه. جواز عطف الأمر المقتضي للنّدب على الأمر المقتضي للوجوب , لأنّ الأمر بالجلد واجب , والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور خلافاً لأبي ثور وأهل الظّاهر.
وادّعى بعض الشّافعيّة , أنّ سبب صرف الأمر عن الوجوب أنّه منسوخ، وممّن حكاه ابن الرّفعة في المطلب. ويحتاج إلى ثبوت.
وقال ابن بطّال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضّ على مساعدة من تكرّر منه الزّنا , لئلا يظنّ بالسّيّد الرّضا بذلك , ولِمَا في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزّنا.
قال: وحمله بعضهم على الوجوب , ولا سلف له من الأمّة فلا يستقل به، وقد ثبت النّهي عن إضاعة المال , فكيف يجب بيع الأمة ذات القيمة بحبلٍ من شعر لا قيمة له؟ فدلَّ على أنّ المراد الزّجر عن
стр. 3195
معاشرة من تكرّر منه ذلك.
وتعقّب: بأنّه لا دلالة فيه على بيع الثّمين بالحقير , وإن كان بعضهم قد استدل به على جواز بيع المطلق التّصرّف ماله بدون قيمته , ولو كان بما يتغابن بمثله إلَّا أنّ قوله " ولو بحبلٍ من شعر " لا يراد به ظاهره , وإنّما ذُكِر للمبالغة كما وقع في حديث " من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة " على أحد الأجوبة، لأنّ قدر المفحص لا يسع أن يكون مسجداً حقيقة، فلو وقع ذلك في عين مملوكة لمحجورٍ فلا يبيعها وليّه إلَّا بالقيمة.
ويحتمل: أن يطّرد , لأنّ عيب الزّنا تنقص به القيمة عند كلّ أحد , فيكون بيعها بالنّقصان بيعاً بثمن المثل , نبّه عليه القاضي عياض ومن تبعه.
وقال ابن العربيّ: المراد من الحديث الإسراع بالبيع وإمضاؤه ولا يتربّص به طلب الرّاغب في الزّيادة، وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة.
وفيه أنّه يجب على البائع أن يعلم المشتري بعيب السّلعة , لأنّ قيمتها إنّما تنقص مع العلم بالعيب. حكاه ابن دقيق العيد، وتعقّبه: بأنّ العيب لو لَم يعلم له تنقص القيمة فلا يتوقّف على الإعلام.
واستشكل الأمر ببيع الرّقيق إذا زنى , مع أنّ كلّ مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه.
стр. 3196
وأجيب: بأنّ السّبب الذي باعه لأجله ليس محقّق الوقوع عند المشتري , لجواز أن يرتدع الرّقيق إذا علم أنّه متى عاد أخرج , فإنّ الإخراج من الوطن المألوف شاقّ، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
قال ابن العربيّ: يرجى عند تبديل المحلّ تبديل الحال، ومن المعلوم أنّ للمجاورة تأثيراً في الطّاعة وفي المعصية.
وقال ابن بطّال: فائدة الأمر ببيع الأمة الزّانية المبالغة في تقبيح فعلها، والإعلام بأنّ الأمة الزّانية لا جزاء لها إلَّا البيع أبداً، وأنّها لا تبقى عند سيّد زجراً لها عن معاودة الزّنا، ولعلَّ ذلك يكون سبباً لإعفافها إمّا أن يزوّجها المشتري أو يعفّها بنفسه أو يصونها بهيبته.
قال النّوويّ: وفيه أنّ الزّاني إذا حدّ ثمّ زنى لزمه حدٌّ آخر ثمّ كذلك أبداً، فإذا زنى مرّات ولَم يحدّ فلا يلزمه إلَّا حدٌّ واحدٌ.
قلت: من قوله " فإذا زنى " ابتداء كلام قاله لتكميل الفائدة , وإلا فليس في الحديث ما يدلّ عليه إثباتاً ولا نفياً. بخلاف الشّقّ الأوّل فإنّه ظاهر.
وفيه إشارة إلى أنّ العقوبة في التّعزيرات إذا لَم يفد مقصودها من الزّجر لا يفعل , لأنّ إقامة الحدّ واجبة، فلمّا تكرّر ذلك ولَم يفد عدل إلى ترك شرط إقامته على السّيّد وهو الملك، ولذلك قال " بيعوها " ولَم يقل: اجلدوها كلما زنت، ذكره ابن دقيق العيد.
وقال: قد تعرّض إمام الحرمين لشيءٍ من ذلك فقال: إذا علم
стр. 3197
المعزّر في أنّ التّأديب لا يحصل إلَّا بالضّرب المبرّح فليتركه , لأنّ المبرّح يهلك وليس له الإهلاك، وغير المبرّح لا يفيد.
قال الرّافعيّ: وهو مبنيّ على أنّ الإمام لا يجب عليه تعزير من يستحقّ التّعزير، فإن قلنا يجب التحق بالحدّ فليعزّره بغير المبرّح. وإن لَم ينزجر.
وفيه أنّ السّيّد يقيم الحدّ على عبده وإن لَم يستأذن السّلطان.
ويؤخذ من الحديث جواز بيع المدبّر في الجملة، ووجه عموم الأمر ببيع الأَمَة إذا زنت، فيشمل ما إذا كانت مدبّرة أو غير مدبّرة (١)
واستنبطوا من قوله " فليبعها " (٢) أنّ المقصود من النّفي الإبعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية وهو حاصل بالبيع.
وقال ابن بطّال: وجه الدّلالة أنّه قال " فليجلدها " وقال " فليبعها " فدلَّ على سقوط النّفي , لأنّ الذي ينفى لا يقدر على تسليمه إلَّا بعد مدّة فأشبه الآبق.
قلت: وفيه نظر. لجواز أن يتسلمه المشتري مسلوب المنفعة مدّة النّفي، أو يتّفق بيعه لمن يتوجّه إلى المكان الذي يصدق عليه وجود النّفي.
وقال ابن العربيّ: تستثنى الأمة لثبوت حقّ السّيّد فيقدّم على حقّ
стр. 3198
الله، وإنّما لَم يسقط الحدّ لأنّه الأصل والنّفي فرع.
قلت: وتمامه أن يقال: روعي حقّ السّيّد فيه أيضاً بترك الرّجم , لأنّه فوّت المنفعة من أصلها بخلاف الجلد، واستمرّ نفي العبد إذ لا حقّ للسّيّد في الاستمتاع به.
واستدل من استثنى نفي الرّقيق , بأنّه لا وطن له وفي نفيه قطع حقّ السّيّد , لأنّ عموم الأمر بنفي الزّاني عارضه عموم نهي المرأة عن السّفر بغير المحرم.
وهذا خاصّ بالإماء من الرّقيق دون الذّكور , وبه احتجّ مَن قال: لا يشرع نفي النّساء مطلقاً.
واختلَفَ مَن قال بنفي الرّقيق.
فالصّحيح نصف سنة.
وفي وجه ضعيف عند الشّافعيّة سنة كاملة.
وفي ثالثٍ , لا نفي على رقيق , وهو قول الأئمّة الثّلاثة والأكثر.
стр. 3199
الحديث الرابع
٣٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ , أنه قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسولَ الله، إني زنيت فأعرض عنه، فتنحّى تلقاءَ وجهِه، فقال: يا رسولَ الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثَنّى ذلك عليه أربع مراتٍ، فلمَّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ، دعاه رسول الله، فقال: أبكَ جُنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنتَ؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه.
قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنتُ فيمن رجمه، فرجمناه بالمُصلَّى. فلمَّا أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرّة، فرجمناه. (١)
قال المصنِّف: الرَّجل هو ماعز بن مالكٍ، روى قصّته جابر بن سمرة، وعبد الله بن عباسٍ، وأبو سعيدٍ الخدريّ، وبريدة بن الحصيب الأسلميّ ﵃.
قوله: (عن أبي هريرة) رواه عنه أبو سلمة وسعيد بن المسيّب , وهي رواية يحيى بن بكير عن الليث عند البخاري، ووافقه شعيب بن الليث عن أبيه عند مسلم، ورواه البخاري من رواية سعيد بن عفير
стр. 3200
عن الليث عن عبد الرّحمن بن خالد عن ابن شهاب.
وجمعها مسلم , فوصل رواية عقيل , وعلَّق رواية عبد الرّحمن , فقال بعد رواية الليث عن عقيل: ورواه الليث أيضاً عن عبد الرّحمن بن خالد.
قلت: ورواه معمر ويونس وابن جريجٍ عن ابن شهاب عن أبي سلمة وحده عن جابر، وجمع مسلمٌ هذه الطّرق. وأحال بلفظها على رواية عقيل.
ورواه البخاريّ من رواية معمر، وعلَّق طرفاً منه ليونس وابن جريجٍ , ووصل رواية يونس قبل هذا.
وأمّا رواية ابن جريجٍ , فوصلها مسلم عن إسحاق بن راهويه عن عبد الرّزّاق عن معمر وابن جريجٍ معاً، ووقعت لنا بعلوٍّ في " مستخرج أبي نعيم " من رواية الطّبرانيّ عن الفربريّ عن عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ وحده.
قوله: (أتى رجلٌ) زاد ابن مسافر (١) في روايته " من النّاس " وفي رواية يونس ومعمر " أنّ رجلاً من أسلم ".
وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم " رأيت ماعز بن مالك الأسلميّ حين جيء به رسول الله ﷺ الحديث , وفيه " رجلٌ قصيرٌ أعضل ليس عليه رداء " وفي لفظ " ذو عضلات " بفتح المهملة ثمّ
стр. 3201
المعجمة.
قال أبو عبيدة: العضلة ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن السّاق.
وقال الأصمعيّ: كلّ عصبة مع لحم فهي عضلة.
وقال ابن القطّاع: العضلة لحم السّاق والذّراع وكلّ لحمة مستديرة في البدن , والأعضل الشّديد الخلق , ومنه أعضل الأمر إذا اشتدّ، لكن دلت الرّواية الأخرى على أنّ المراد به هنا كثير العضلات.
قوله: (إني زنيت) وللبخاري " يا رسولَ الله: إن الأَخِرَ قد زنى. يعني: نفسه " أي: أنّه لَم يجئ مستفتياً لنفسه ولا لغيره , وإنّما جاء مقرّاً بالزّنا ليفعل معه ما يجب عليه شرعاً.
وقوله " الأَخِر " بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة , أي: المتأخّر عن السّعادة , وقيل: معناه الأرذل.
قوله: (فأعرض عنه فتنحّى تلقاء وجهه) أي: انتقل من النّاحية التي كان فيها إلى النّاحية التي يستقبل بها وجه النّبيّ ﷺ .
وفي رواية ابن مسافر " فتنحّى لشقّ وجه رسول الله ﷺ الذي أعرض قِبله " بكسر القاف وفتح الموحّدة،، وتلقاء منصوب على الظّرفيّة , وأصله مصدرٌ أقيم مقام الظّرف , أي: مكان تلقاء فحذف مكان قبل.
وليس من المصادر تفعال بكسر أوّله إلَّا هذا , وتبيان وسائرها بفتح أوّله، وأمّا الأسماء بهذا الوزن فكثيرة.
قوله: (حتّى ثنَّى ذلك عليه) وهو بمثلثةٍ بعدها نون خفيفة. أي:
стр. 3202
كرّر، وفي رواية يحيى بن بكير عن الليث " حتّى ردّد ".
وفي حديث بريدة عند مسلم " قال: ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه. فرجع غير بعيد ثمّ جاء فقال: يا رسولَ الله طهّرني. وفي لفظ " فلمّا كان من الغد أتاه ".
ووقع في مرسل سعيد بن المسيّب عند مالك والنّسائيّ من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن سعيد , أنّ رجلاً من أسلم , قال لأبي بكر الصّدّيق: إنّ الأَخِر زنى، قال: فتب إلى الله , واستتر بستر الله. ثمّ أتى عمر كذلك , فأتى رسول الله ﷺ , فأعرض عنه ثلاث مرّات، حتّى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله.
قوله: (فلمّا شهِد على نفسه أربع شهادات) في رواية للشيخين " أربع مرّات " وفي رواية بريدة المذكورة " حتّى إذا كانت الرّابعة , قال: فبِمَ أطهّرك؟ " وفي حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك " فشهد على نفسه أربع شهادات " أخرجه مسلم.
وأخرجه من طريق شعبة عن سماك قال " فردّه مرّتين " وفي أخرى " مرّتين أو ثلاثاً " قال شعبة: قال سماك: فذكرته لسعيد بن جبير , فقال: إنّه ردّه أربع مرّات , ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم أيضاً " فاعترف بالزّنا ثلاث مرّات ". والجمع بينها.
أمّا رواية مرّتين:
فتحمل على أنّه اعترف مرّتين في يوم , ومرّتين في يوم آخر لِمَا يشعر به قول بريدة " فلمّا كان من الغد " فاقتصر الرّاوي على أحدهما.
стр. 3203
أو مراده اعترف مرّتين في يومين فيكون من ضرب اثنين في اثنين. وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: جاء ماعز بن مالك إلى النّبيّ ﷺ , فاعترف بالزّنا مرّتين فطرده، ثمّ جاء فاعترف بالزّنا مرّتين.
وأمّا رواية الثّلاث: فكأنّ المراد الاقتصار على المرّات التي ردّه فيها.
وأمّا الرّابعة: فإنّه لَم يردّه بل استثبت فيه , وسأل عن عقله.
لكن وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داود من طريق عبد الرّحمن بن الصّامت , ما يدلّ على أنّ الاستثبات فيه إنّما وقع بعد الرّابعة. ولفظه " جاء الأسلميّ , فشهد على نفسه أنّه أصاب امرأة حراماً أربع مرّات , كلّ ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ ، فأقبل في الخامسة فقال: تدري ما الزّاني " إلى آخره.
والمراد بالخامسة: الصّفة التي وقعت منه عند السّؤال والاستثبات، لأنّ صفة الإعراض وقعت أربع مرّات , وصفة الإقبال عليه للسّؤال وقعت بعدها.
قوله: (فقال: أبك جنون؟ قال: لا) في رواية شعيب عند البخاري " وهل بك جنون؟ " وفي حديث بريدة " فسأل أبه جنون؟ , فأخبر بأنّه ليس بمجنونٍ " وفي لفظ " فأرسل إلى قومه , فقالوا: ما نعلمه إلَّا وفيّ العقل من صالحينا ".
وفي حديث أبي سعيد " ثمّ سأل قومه , فقالوا: ما نعلم به بأساً , إلَّا أنّه أصاب شيئاً يرى أنّه لا يخرج منه إلَّا أن يقام فيه الحدّ لله ".
стр. 3204
وفي مرسل أبي سعيد " بعث إلى أهله. فقال: أشتكى به جِنّة؟ فقالوا: يا رسولَ الله إنّه لصحيح ".
ويجمع بينهما: بأنّه سأله ثمّ سأل عنه احتياطاً، فإنّ فائدة سؤاله أنّه لو ادّعى الجنون لكان في ذلك دفع لإقامة الحدّ عليه حتّى يظهر خلاف دعواه، فلمّا أجاب بأنّه لا جنون به سأل عنه لاحتمال أن يكون كذلك ولا يعتدّ بقوله.
ومعنى الاستفهام. هل كان بك جنون , أو هل تجنّ تارة وتفيق تارة؟ , وذلك أنّه كان حين المخاطبة مفيقاً.
ويحتمل: أن يكون وجّه له الخطاب , والمراد استفهام من حضر ممّن يعرف حاله , وعند أبي داود من طريق نعيم بن هزّال قال: كان ماعز بن مالك يتيماً في حجر أبي , فأصاب جارية من الحيّ، فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك , ورجاء أن يكون له مخرج " فذكر الحديث.
قال عياض: فائدة سؤاله أبك جنون , ستراً لحاله واستبعاد أن يلحّ عاقلٌ بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعله يرجع عن قوله، أو لأنّه سمعه وحده، أو ليتمّ إقراره أربعاً عند من يشترطه. وأمّا سؤاله قومه عنه بعد ذلك , فمبالغة في الاستثبات.
وتَعقّب بعضُ الشّرّاح قوله " أو لأنّه سمعه وحده ": بأنّه كلام ساقط , لأنّه وقع في نفس الخبر أنّ ذلك كان بمحضر الصّحابة في المسجد.
стр. 3205
قلت: ويردّ بوجهٍ آخر , وهو أنّ انفراده ﷺ بسماع إقرار المقرّ كافٍ في الحكم عليه بعلمه اتّفاقاً , إذ لا ينطق عن الهوى، بخلاف غيره , ففيه احتمال.
قوله: (قال: فهل أحصنت) أي: تزوّجت، هذا معناه جزماً هنا، لافتراق الحكم في حدّ من تزوّج ومن لَم يتزوّج.
والإحصان , يأتي بمعنى العفّة والتّزويج والإسلام والحرّيّة , لأنّ كلاً منها يمنع المكلَّف من عمل الفاحشة.
قال ابن القطّاع: رجل محصِن بكسر الصّاد على القياس , وبفتحها على غير قياس.
قلت: يمكن تخريجه على القياس، وهو أنّ المراد هنا من له زوجة عقد عليها ودخل بها وأصابها , فكأنّ الذي زوّجها له أو حمله على التّزويج بها , ولو كانت نفسه أحصنه. أي: جعله في حصن من العفّة , أو منعه من عمل الفاحشة.
وقال الرّاغب: يقال للمتزوّجة محصنة , أي: أنّ زوجها أحصنها، ويقال: امرأة محصن بالكسر إذا تصوّر حصنها من نفسها، وبالفتح إذا تصوّر حصنها من غيرها.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّه لا يكون الإحصان بالنّكاح الفاسد ولا الشّبهة، وخالفهم أبو ثور فقال: يكون محصناً.
واحتجّ: بأنّ النّكاح الفاسد يعطى أحكام الصّحيح في تقدير المهر ووجوب العدّة , ولحوق الولد , وتحريم الرّبيبة.
стр. 3206
وأجيب: بعموم " ادرءوا الحدود ".
قال: وأجمعوا على أنّه لا يكون بمجرّد العقد محصناً، واختلفوا إذا دخل بها , وادّعى أنّه لَم يصبها قال: حتّى تقوم البيّنة أو يوجد منه إقرار أو يعلم له منها واحد.
وعن بعض المالكيّة , إذا زنى أحد الزّوجين.
واختلفوا في الوطء لَم يصدّق الزّاني , ولو لَم يمض لهما إلَّا ليلة , وأمّا قبل الزّنا , فلا يكون محصناً , ولو أقام معها ما أقام.
واختلفوا إذا تزوّج الحرُّ أمةً هل تحصنه؟.
القول الأول: قال الأكثر: نعم.
القول الثاني: عن عطاء والحسن وقتادة والثّوريّ والكوفيّين وأحمد وإسحاق: لا.
واختلفوا إذا تزوّج كتابيّة.
القول الأول: قال إبراهيم وطاوسٌ والشّعبيّ: لا تحصنه، وعن الحسن: لا تحصنه حتّى يطأها في الإسلام، أخرجهما ابن أبي شيبة.
القول الثاني: عن جابر بن زيد وابن المسيّب تحصنه، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير.
وقال ابن بطّال: أجمع الصّحابة وأئمّة الأمصار , على أنّ المحصن إذا زنى عامداً عالماً مختاراً فعليه الرّجم.
ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة , واعتلُّوا بأنّ الرّجم لَم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربيّ عن طائفة من أهل المغرب لقيهم , وهم
стр. 3207
من بقايا الخوارج.
واحتجّ الجمهور: بأنّ النّبيّ ﷺ رجم , وكذلك الأئمّة بعده، ولذلك أشار عليّ ﵁ بقوله في البخاري: ورجمتها بسنّة رسول الله ﷺ (١).
وثبت في صحيح مسلم عن عبادة , أنّ النّبيّ ﷺ قال: خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلاً. الثّيّب بالثّيّب الرّجم.
وفي الصحيحين من حديث عمر , أنّه خطب فقال: إنّ الله بعث محمّداً بالحقّ وأنزل عليه القرآن , فكان ممّا أنزل آية الرّجم.
قال ابن التّين: محلّ مشروعيّة سؤال المقرّ بالزّنا عن ذلك إذا كان لَم يعلم أنّه تزوّج تزويجاً صحيحاً ودخل بها، فأمّا إذا علم إحصانه فلا يسأل عن ذلك.
ثمّ حكى عن المالكيّة تفصيلاً فيما إذا علم أنّه تزوّج , ولَم يسمع منه إقراراً بالدّخول.
فقيل: من أقام مع الزّوجة ليلة واحدة لَم يقبل إنكاره.
وقيل: أكثر من ذلك. وهل يحدّ حدّ الثّيّب أو البكر؟
الثّاني أرجح، وكذا إذا اعترف الزّوج بالإصابة.
стр. 3208
ثمّ قال: إنّما اعترفت بذلك لأملك الرّجعة أو اعترفت المرأة ثمّ قالت: إنّما فعلت ذلك لأستكمل الصّداق، فإنّ كلاً منهما يحدّ حدّ البكر. انتهى.
وعند غيرهم يرفع الحدّ أصلاً. ونقل الطّحاويّ عن أصحابهم , أنّ مَن قال لآخر: يا زاني , فصدّقه , أنّه يجلد القائل , ولا يحدّ المصدّق، وقال زفر: بل يحدّ.
قلت: وهو قول الجمهور.
ورجّح الطّحاويّ قولَ زفر, واستدل بحديث الباب وأنّ النّبيّ ﷺ قال لماعزٍ: أحقٌّ ما بلغني عنك أنّك زنيت؟ قال: نعم، فحدّه (١).
قال: وباتّفاقهم على أنّ مَن قال لآخر: لي عليك ألف , فقال: صدقت , أنّه يلزمه المال.
قوله: (قال: نعم) زاد في حديث بريدة قبل هذا " أشربت خمراً؟ قال: لا. وفيه: فقام رجل فاستنكهه , فلم يجد منه ريحاً ".
وزاد في حديث ابن عبّاس عند البخاري " لعلك قبّلت أو غمزت - بمعجمةٍ وزاي - أو نظرت - أي: فأطلقت على كلّ ذلك زناً , ولكنّه لا حدّ في ذلك - قال: لا ". وفي حديث نعيم " فقال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم ".
وفي حديث ابن عبّاس المذكور " فقال: أنكتها؟ " لا يكني بفتح
стр. 3209
التّحتانيّة وسكون الكاف من الكناية , أي: أنّه ذكر هذا اللفظ صريحاً , ولَم يكن عنه بلفظٍ آخر كالجماع.
ويحتمل: أن يجمع بأنّه ذكر بعد ذكر الجماع , بأنّ الجماع قد يحمل على مجرّد الاجتماع، وفي حديث أبي هريرة المذكور " أنكتها؟ قال: نعم. قال: حتّى دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرّشاء في البئر؟ قال: نعم. قال: تدري ما الزّنا قال: نعم؟ أتيت منها حراماً ما يأتي الرّجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهّرني، فأمر به فرُجم ".
وقبله عند النّسائيّ هنا " هل أدخلته وأخرجته؟ قال: نعم ".
قوله: (اذهبوا به فارجموه) استدل به على الاكتفاء بالرّجم في حدّ من أحصن من غير جلد.
القول الأول: قال الحازميّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر , إلى أنّ الزّاني المحصن يجلد ثمّ يرجم.
القول الثاني: قال الجمهور - وهي رواية عن أحمد أيضاً - لا يجمع بينهما، وذكروا أنّ حديث عبادة منسوخ يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ " الثّيّب بالثّيّب جلد مائة والرّجم , والبكر بالبكر جلد مائة والنّفي ".
والنّاسخ له ما ثبت في قصّة ماعز , أنّ النّبيّ ﷺ رجمه ولَم يذكر الجلد.
قال الشّافعيّ: فدلّت السّنّة على أنّ الجلد ثابت على البكر وساقط
стр. 3210
عن الثّيّب.
والدّليل على أنّ قصّة ماعز متراخية عن حديث عبادة , أنّ حديث عبادة ناسخ لِمَا شرع أوّلاً من حبس الزّاني في البيوت , فنسخ الحبس بالجلد وزيد الثّيّب الرّجم، وذلك صريح في حديث عبادة، ثمّ نسخ الجلد في حقّ الثّيّب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصّة ماعز على الرّجم , وذلك في قصّة الغامديّة والجهنيّة واليهوديّين لَم يذكر الجلد مع الرّجم.
وقال ابن المنذر: عارض بعضهم الشّافعيّ , فقال: الجلد ثابت في كتاب الله والرّجم ثابت بسنّة رسول الله كما قال عليّ، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة , وعمل به عليٌّ ووافقه أُبيّ، وليس في قصّة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم , لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه , ولكونه الأصل فلا يردّ ما وقع التّصريح به بالاحتمال.
وقد احتجّ الشّافعيّ بنظير هذا , حين عورض إيجابه العمرة , بأنّ النّبيّ ﷺ أمر من سأله أن يحجّ عن أبيه (١) ولَم يذكر العمرة.
فأجاب الشّافعيّ: بأنّ السّكوت عن ذلك لا يدلّ على سقوطه، قال: فكذا ينبغي أن يجاب هنا.
стр. 3211
قلت: وبهذا ألزم الطّحاويّ أيضاً الشّافعيّة.
ولهم أن ينفصلوا , لكن في بعض طرقه " حجّ عن أبيك واعتمر " (١) فالتّقصير في ترك ذكر العمرة من بعض الرّواة.
وأمّا قصّة ماعز , فجاءت من طرق متنوّعة بأسانيد مختلفة , لَم يذكر في شيء منها أنّه جُلد، وكذلك الغامديّة والجهنيّة وغيرهما، وقال في ماعز " اذهبوا فارجموه " وكذا في حقّ غيره. ولَم يذكر الجلد، فدلَّ ترك ذكره على عدم وقوعه , ودلَّ عدم وقوعه على عدم وجوبه.
القول الثالث: من المذاهب المستغربة , ما حكاه ابن المنذر وابن حزم عن أُبيّ بن كعب، زاد ابن حزم: وأبي ذرّ , وابن عبد البرّ , عن مسروق , أنّ الجمع بين الجلد والرّجم خاصّ بالشّيخ والشّيخة، وأمّا الشّابّ فيجلد إن لَم يحصن ويرجم إن أحصن فقط.
وحجّتهم في ذلك , حديث " الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة " (٢).
وقال عياض: شذّت فرقةٌ من أهل الحديث , فقالت: الجمع على الشّيخ الثّيّب دون الشّابّ. ولا أصل له.
وقال النّوويّ: هو مذهبٌ باطلٌ.
стр. 3212
كذا قاله , ونفى أصله ووصفه بالبطلان. إن كان المراد به طريقه , فليس بجيّدٍ , لأنّه ثابت , وإن كان المراد دليله , ففيه نظرٌ أيضاً , لأنّ الآية وردت بلفظ " الشّيخ " ففهم هؤلاء من تخصيص الشّيخ بذلك , أنّ الشّابّ أعذر منه في الجملة، فهو معنىً مناسب.
وفيه جمع بين الأدلة , فكيف يوصف بالبطلان؟!.
قوله: (قال ابن شهاب) هو موصول بالسّند المذكور.
قوله: (فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله) وللشيخين من رواية عقيل وشعيب عن الزهري " أخبرني من سمع جابر بن عبد الله " صرَّح يونس ومعمر في روايتهما بأنه أبو سلمة بن عبد الرحمن , فكأنّ الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة , كما عند سعيد بن المسيّب , وعنده زيادة عليه عن جابر.
قوله: (فكنت فيمن رجمه , فرجمناه بالمُصلَّى) في رواية معمر " فأمر به فرجم بالمُصلَّى " وفي حديث أبي سعيد " فما أوثقناه ولا حفرنا له , قال: فرميناه بالعظام والمدر والخزف " بفتح المعجمة والزّاي وبالفاء , وهي الآنية التي تتّخذ من الطّين المشويّ. وكأنّ المراد ما تكسّر منها.
وقوله: (بالمُصلَّى) أي: عنده. والمراد المكان الذي كان يُصلِّي عنده العيد والجنائز، وهو من ناحية بقيع الغرقد، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند مسلم " فأمرنا أن نرجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد ".
وفهم بعضهم كعياضٍ من قوله " بالمُصلَّى " أنّ الرّجم وقع داخله.
стр. 3213
وقال: يستفاد منه أنّ المُصلَّى لا يثبت له حكم المسجد , إذ لو ثبت له ذلك لاجتنب الرّجم فيه , لأنّه لا يؤمن التّلويث من المرجوم , خلافاً لِمَا حكاه الدّارميّ , أنّ المُصلَّى يثبت له حكم المسجد ولو لَم يوقف.
وتعقّب: بأنّ المراد أنّ الرّجم وقع عنده لا فيه كما سيأتي في البلاط (١)، وأنّ في حديث ابن عبّاس , أنّ النّبيّ ﷺ رجم اليهوديّين عند باب المسجد. وفي رواية موسى بن عقبة , أنّهما رجما قريباً من موضع الجنائز قرب المسجد.
وبأنّه ثبت في حديث أمّ عطيّة الأمر بخروج النّساء حتّى الحيّض في العيد إلى المُصلَّى (٢) وهو ظاهر في المراد. والله أعلم.
وقال النّوويّ: ذكر الدّارميّ من أصحابنا , أنّ مصلَّى العيد وغيره إذا لَم يكن مسجداً , يكون في ثبوت حكم المسجد له وجهان , أصحّهما لا.
وقال البخاريّ وغيره: في رجم هذا بالمُصلَّى , دليل على أنّ مصلى الجنائز والأعياد إذا لَم يوقف مسجداً لا يثبت له حكم المسجد , إذ لو كان له حكم المسجد , لاجتنب فيه ما يجتنب في المسجد.
قلت: وهو كلام عياض بعينه. وليس للبخاريّ منه سوى التّرجمة.
قوله: (فلمّا أذلقته) بذالٍ معجمة وفتح اللام بعدها قاف , أي:
стр. 3214
أقلقته , وزنه ومعناه. قال أهل اللغة: الذّلق بالتّحريك القلق , وممّن ذكره الجوهريّ.
وقال في النّهاية: أذلقته بلغت منه الجهد حتّى قلق، يقال: أذلقه الشّيء أجهده.
وقال النّوويّ: معنى أذلقته الحجارة , أصابته بحدّها، ومنه انذلق صار له حدٌّ يقطع.
قوله: (هرب) في رواية ابن مسافر " جَمَزَ " بجيمٍ وميم مفتوحتين ثمّ زاي , أي: وثب مسرعاً وليس بالشّديد العدو , بل كالقفز.
ووقع في حديث أبي سعيد " فاشتدّ , وأسند لنا خلفه ".
قوله: (فأدركناه بالحرّة , فرجمناه) زاد معمر في روايته " حتّى مات " وفي حديث أبي سعيد " حتّى أتى عرض - بضمّ أوّله - أي جانب الحرّة، فرميناه بجلاميد الحرّة حتّى سكت ".
وعند التّرمذيّ من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في قصّة ماعز " فلمّا وجد مسّ الحجارة فرّ يشتدّ , حتّى مرّ برجلٍ معه لحي جمل , فضربه , وضربه النّاس حتّى مات ".
وعند أبي داود والنّسائيّ من رواية يزيد بن نعيم بن هزّال عن أبيه في هذه القصّة " فوجد مسّ الحجارة فخرج يشتدّ، فلقيه عبد الله بن أنيس , وقد عجَزَ أصحابه , فنزع له بوظيف بعير , فرماه فقتله ".
وهذا ظاهره يخالف ظاهر رواية أبي هريرة أنّهم ضربوه معه.
لكن يجمع بأنّ قوله في هذا " فقتله " أي: كان سبباً في قتله، وقد
стр. 3215
وقع في رواية للطّبرانيّ في هذه القصّة " فضرب ساقه فصرعه، ورجموه حتّى قتلوه ".
والوظيف بمعجمةٍ وزن عظيم: خفّ البعير.
وقيل: مستدقّ الذّراع والسّاق من الإبل وغيرها.
وفي حديث أبي هريرة عند النّسائيّ " فانتهى إلى أصل شجرة فتوسّد يمينه حتّى قتل ".
وللنّسائيّ من طريق أبي مالك عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : فذهبوا به إلى حائط يبلغ صدره , فذهب يثب فرماه رجل فأصاب أصل أذنه , فصُرع فقتل.
وفي هذا الحديث من الفوائد.
منقبة عظيمة لماعز بن مالك , لأنّه استمرّ على طلب إقامة الحدّ عليه مع توبته , ليتمّ تطهيره , ولَم يرجع عن إقراره مع أنّ الطّبع البشريّ يقتضي أنّه لا يستمرّ على الإقرار , بما يقتضي إزهاق نفسه , فجاهد نفسه على ذلك وقوي عليها , وأقرّ من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشّهادة مع وضوح الطّريق إلى سلامته من القتل بالتّوبة.
ولا يقال , لعله لَم يعلم أنّ الحدّ بعد أن يرفع للإمام يرتفع بالرّجوع , لأنّا نقول: كان له طريق أن يبرز أمره في صورة الاستفتاء فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة , ويبني على ما يجاب به ويعدل عن الإقرار إلى ذلك.
ويؤخذ من قضيّته أنّه يستحبّ لمن وقع في مثل قضيّته , أن يتوب
стр. 3216
إلى الله تعالى ويستر نفسه , ولا يذكر ذلك لأحدٍ كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، وأنّ من اطّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام , كما قال ﷺ في هذه القصّة " لو سترته بثوبك , لكان خيراً لك ".
وبهذا جزم الشّافعيّ ﵁ فقال: أحبّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتجّ بقصّة ماعز مع أبي بكر وعمر.
وقال ابن العربيّ: هذا كلّه في غير المجاهر، فأمّا إذا كان متظاهراً بالفاحشة مجاهراً فإنّي أحبّ مكاشفته , والتّبريح به , لينزجر هو وغيره.
وقد استشكل استحباب السّتر مع ما وقع من الثّناء على ماعز والغامديّة.
وأجاب شيخنا " في شرح التّرمذيّ " بأنّ الغامديّة كان ظهر بها الحبل مع كونها غير ذات زوج فتعذّر الاستتار للاطّلاع على ما يشعر بالفاحشة، ومن ثَمّ قيّد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضدّه , وإن وجد فالرّفع إلى الإمام ليقيم عليه الحدّ أفضل. انتهى.
والذي يظهر. أنّ السّتر مستحبّ , والرّفع لقصد المبالغة في التّطهير أحبّ. والعلم عند الله تعالى.
وفيه. التّثبّت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته , لِمَا وقع في
стр. 3217
هذه القصّة من ترديده والإيماء إليه بالرّجوع , والإشارة إلى قبول دعواه إن ادّعى إكراهاً أو خطأً في معنى الزّنا , أو مباشرة دون الفرج مثلاً أو غير ذلك.
وفيه مشروعيّة الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام وفي المسجد , والتّصريح فيه بما يستحيى من التّلفّظ به من أنواع الرّفث في القول , من أجل الحاجة الملجئة لذلك.
وفيه نداء الكبير بالصّوت العالي , وإعراض الإمام عن من أقرّ بأمرٍ محتمل لإقامة الحدّ , لاحتمال أن يفسّره بما لا يوجب حدّاً أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك ليرتّب عليه مقتضاه , وأنّ إقرار المجنون لاغٍ، والتّعريض للمقرّ بأن يرجع , وأنّه إذا رجع قبل.
قال ابن العربيّ: وجاء عن مالك رواية , أنّه لا أثر لرجوعه، وحديث النّبيّ ﷺ أحقّ أن يتّبع.
وفيه. أنّه يستحبّ لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التّوبة منها , ولا يخبر بها أحداً ويستتر بستر الله، وإن اتّفق أنّه يخبر أحداً , فيستحبّ أن يأمره بالتّوبة وستر ذلك عن النّاس كما جرى لماعزٍ مع أبي بكر ثمّ عمر.
وقد أخرج قصّته معهما في " الموطّأ " عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب مرسلة، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزّال عن أبيه. وفي القصّة أنّ النّبيّ ﷺ قال لهزّالٍ: لو سترته بثوبك لكان خيراً لك.
стр. 3218
وفي " الموطّأ " عن يحيى بن سعيد. ذكرتُ هذا الحديث في مجلسٍ فيه يزيد بن نعيم , فقال هزّال: جدّي جدّي , وهذا الحديث حقٌّ.
قال الباجيّ: المعنى خيراً لك ممّا أمرته به من إظهار أمره، وكان ستره بأن يأمره بالتّوبة والكتمان كما أمره أبو بكر وعمر، وذِكْر الثّوب مبالغة , أي: لو لَم تجد السّبيل إلى ستره إلَّا بردائك ممّن علم أمره , كان أفضل ممّا أشرت به عليه من الإظهار.
واستدل به على اشتراط تكرير الإقرار بالزّنا أربعاً لظاهر قوله " فلمّا شهد على نفسه أربع شهادات " فإنّ فيه إشعاراً بأنّ العدد هو العلة في تأخير إقامة الحدّ عليه , وإلَّا لأَمرَ برجمه في أوّل مرّة، ولأنّ في حديث ابن عبّاس " قال لماعزٍ: قد شهدتَ على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به فارجموه ".
وقد تقدّم ما يؤيّده , ويؤيّد القياس على عدد شهود الزّنا دون غيره من الحدود، وهو قول الكوفيّين والرّاجح عند الحنابلة.
وزاد ابن أبي ليلى , فاشترط أن تتعدّد مجالس الإقرار، وهي رواية عن الحنفيّة.
وتمسّكوا بصورة الواقعة، لكنّ الرّوايات فيها اختلفت، والذي يظهر أنّ المجالس تعدّدت لكن لا بعدد الإقرار، فأكثر ما نُقل في ذلك أنّه أقرّ مرّتين , ثمّ عاد من الغد فأقرّ مرّتين. كما تقدّم بيانه من عند مسلم.
وتأوّل الجمهور , بأنّ ذلك وقع في قصّة ماعز , وهي واقعة حالٍ ,
стр. 3219
فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات.
ويؤيّد هذا الجواب ما تقدّم في سياق حديث أبي هريرة , وما وقع عند مسلم في قصّة الغامديّة حيث قالت لَمَّا جاءت: طهّرني، فقال: ويحك ارجعي فاستغفري، قالت: أراك تريد أن تردّدني كما ردّدت ماعزاً , إنّها حُبلى من الزّنا. فلم يؤخّر إقامة الحدّ عليها إلَّا لكونها حبلى. فلمّا وضعتْ أمر برجمها , ولَم يستفسرها مرّة أخرى , ولا اعتبر تكرير إقرارها , ولا تعدّد المجالس.
وكذا وقع في قصّة العسيف حيث قال: واغد يا أنيس إلى امرأة هذا , فإن اعترفت فارجمها. وفيه: فغدا عليها , فاعترفت فرجمها. ولَم يذكر تعدّد الاعتراف ولا المجالس.
وتقدّم قريباً مع شرحه مستوفىً.
وأجابوا عن القياس المذكور: بأنّ القتل لا يقبل فيه إلَّا شاهدان بخلاف سائر الأموال فيقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يشترط الإقرار بالقتل مرّتين، وقد اتّفقوا أنّه يكفي فيه مرّة.
فإن قلت: والاستدلال بمجرّد عدم الذّكر في قصّة العسيف وغيره فيه نظرٌ، فإنّ عدم الذّكر لا يدلّ على عدم الوقوع، فإذا ثبت كون العدد شرطاً , فالسّكوت عن ذكره , يحتمل أن يكون لعلم المأمور به.
وأمّا قول الغامديّة " تريد أن تردّدني كما ردّدت ماعزاً " فيمكن التّمسّك به.
لكن أجاب الطّيبيّ: بأنّ قولها " إنّها حبلى من الزّنا " فيه إشارة إلى
стр. 3220
أنّ حالها مغايرة لحال ماعز، لأنّهما وإن اشتركا في الزّنا , لكنّ العلة
غير جامعة , لأنّ ماعزاً كان متمكّناً من الرّجوع عن إقراره بخلافها، فكأنّها قالت أنا غير متمكّنة من الإنكار بعد الإقرار , لظهور الحمل بها بخلافه.
وتعقّب: بأنّه كان يمكنها أن تدّعي إكراهاً أو خطأ أو شبهة.
وفيه. أنّ الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرّجم فيمن أقرّ , وإن كان ذلك مستحبّاً , لأنّ الإمام إذا بدأ مع كونه مأموراً بالتّثبّت والاحتياط فيه , كان ذلك أدعى إلى الزّجر عن التّساهل في الحكم وإلى الحضّ على التّثبّت في الحكم، ولهذا يبدأ الشّهود إذا ثبت الرّجم بالبيّنة.
وفيه جواز تفويض الإمام إقامة الحدّ لغيره.
واستُدل به على أنّه لا يشترط الحفر للمرجوم , لأنّه لَم يذكر في حديث الباب , بل وقع التّصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم فقال: " فما حفرنا له , ولا أوثقناه " , ولكن وقع في حديث بريدة عنده " فحفر له حفيرة ".
ويمكن الجمع: بأنّ المنفيّ حفيرة لا يمكنه الوثوب منها , والمثبت عكسه.
أو أنّهم في أوّل الأمرلم يحفروا له , ثمّ لَمَّا فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة , فانتصب لهم فيها حتّى فرغوا منه.
وعند الشّافعيّة: لا يحفر للرّجل.
وفي وجه: يتخيّر الإمام , وهو أرجح لثبوته في قصّة ماعز , فالمثبت
стр. 3221
مقدّمٌ على النّافي، وقد جمع بينهما بما دلَّ على وجودِ حفْرٍ في الجملة.
وفي المرأة أوجه , ثالثها. الأصحّ - إن ثبت زناها بالبيّنة - استحبّ , لا بالإقرار.
وعن الأئمّة الثّلاثة في المشهور عنهم. لا يحفر.
وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للرّجل وللمرأة.
وفيه. جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ , ما يدفع به عنه الحدّ , وأنّ الحدّ لا يجب إلَّا بالإقرار الصّريح، ومن ثَمّ شرط على من شهد بالزّنا أن يقول رأيته: ولَج ذكره في فرجها أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي أن يقول أشهد أنّه زنى.
وثبت عن جماعة من الصّحابة تلقين المقرّ بالحدّ. كما أخرجه مالك عن عمر , وابن أبي شيبة (١) عن أبي الدّرداء , وعن عليّ في قصّة شراحة. (٢)
ومنهم من خصّ التّلقين بمن يظنّ به أنّه يجهل حكم الزّنا , وهو
стр. 3222
قول أبي ثور.
وعند المالكيّة: يستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه وليس ذلك بشرطٍ.
وفيه. ترك سجن من اعترف بالزّنا في مدّة الاستثبات وفي الحامل حتّى تضع، وقيل: إنّ المدينة لَم يكن بها حينئذٍ سجنٌ، وإنّما كان يسلم كل جانٍ لوليّه.
وقال ابن العربيّ: إنّما لَم يأمر بسجنه ولا التّوكيل به , لأنّ رجوعه مقبول , فلا فائدة في ذلك مع جواز الإعراض عنه إذا رجع، ويؤخذ من قوله " هل أحصنت؟ " وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها.
وفيه. أنّ إقرار السّكران لا أثر له يؤخذ من قوله " استنكهوه " والذين اعتبروه وقالوا إنّ عقله زال بمعصيته، ولا دلالة في قصّة ماعز , لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر , أو أنّ سكره وقع عن غير معصية.
وفيه. أنّ المقرّ بالزّنا إذا أقرّ يترك، فإن صرّح بالرّجوع فذاك , وإلَّا اتّبع ورجم , وهو قول الشّافعيّ وأحمد , ودلالته من قصّة ماعز ظاهرة.
وقد وقع في حديث نعيم بن هزّال: هلاَّ تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه. أخرجه أبو داود وصحّحه الحاكم وحسّنه، وللتّرمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة. وصحّحه الحاكم أيضاً.
стр. 3223
وعند أبي داود من حديث بريدة قال: كنّا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدّث , أنّ ماعزاً والغامديّة لو رجعا لَم يطلبهما.
وعند المالكيّة في المشهور , لا يترك إذا هرب.
وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور. فإن لَم يؤخذ ترك.
وعن ابن عيينة. إن أخذ في الحال كمل عليه الحدّ , وإن أخذ بعد أيّام ترك.
وعن أشهب. إن ذكر عذراً يقبل ترك وإلَّا فلا، ونقله القعنبيّ عن مالك، وحكى الكجّيّ عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة.
ومنهم من قيّده بما بعد إقراره عند الحاكم.
واحتجّوا: بأنّ الذين رجموه حتّى مات بعد أن هرب , لَم يلزموا بديته فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدّية.
والجواب: أنّه لَم يصرّح بالرّجوع، ولَم يقل أحدٌ إنّ حدّ الرّجم يسقط بمجرّد الهرب، وقد عبّر في حديث بريدة بقوله " لعله يتوب "
وفيه. أنّ المرجوم في الحدّ لا تشرع الصّلاة عليه إذا مات بالحدّ , ويأتي البحث فيه قريباً.
وفيه. أنّ من وجد منه ريح الخمر وجب عليه الحدّ , من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له: أشربت خمراً؟.
قال القرطبيّ: وهو قول مالك والشّافعيّ , كذا قال.
وقال المازريّ: استدل به بعضهم , على أنّ طلاق السّكران لا يقع.
وتعقّبه عياض: بأنّه لا يلزم من درء الحدّ به أنّه لا يقع طلاقه ,
стр. 3224
لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل، قال: ولَم يختلف في غير
الطّافح أنّ طلاقه لازم.
قال: ومذهبنا التزامه بجميع أحكام الصّحيح , لأنّه أدخل ذلك على نفسه , وهو حقيقة مذهب الشّافعيّ، واستثنى من أُكْرِه , ومن شرب ما ظنّ أنّه غير مسكر , ووافقه بعض متأخّري المالكيّة.
وقال النّوويّ: الصّحيح عندنا صحّة إقرار السّكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه.
قال: والسّؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنّه لو كان سكراناً لَم يقم عليه الحدّ.
كذا أطلق , فألزم التّناقض، وليس كذلك. فإنّ مراده لَم يقم عليه الحدّ لوجود الشّبهة , كما تقدّم من كلام عياض.
قلت: روى ابن أبي شيبة عن الزّهريّ قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقتُ امرأتي وأنا سكران، فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا , أن يجلده ويفرّق بينه وبين امرأته، حتّى حدّثه أبان بن عثمان بن عفّان عن أبيه , أنّه قال: ليس على المجنون ولا على السّكران طلاق، قال عمر: تأمرونني وهذا يحدّثني عن عثمان؟ فجلده، وردّ إليه امرأته.
وروى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعاً عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعيّ عن أبي يزيد المزنيّ عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ليس لسكران , ولا لمضطَهد طلاق.
стр. 3225
المضطهد: بضاد معجمة ساكنة ثمّ طاء مهملة مفتوحة ثمّ هاء ثمّ مهملة , هو المغلوب المقهور.
وقد ذهب إلى عدم وقوع طلاق السّكران أيضاً.
أبو الشّعثاء وعطاء وطاوسٌ وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي شيبة عنهم بأسانيد صحيحة. وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزنيّ.
واختاره الطّحاويّ , واحتجّ بأنّهم أجمعوا على أنّ طلاق المعتوه لا يقع قال: والسّكران معتوه بسكره.
وقال بوقوعه طائفة من التّابعين.
كسعيد بن المسيّب والحسن وإبراهيم والزّهريّ والشّعبيّ، وبه قال الأوزاعيّ والثّوريّ ومالك وأبو حنيفة.
وعن الشّافعيّ قولان: المصحّح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة , لكنّ التّرجيح بالعكس.
وقال ابن المرابط: إذا تيقّنّا ذهاب عقل السّكران. لَم يلزمه طلاق، وإلا لزمه. وقد جعل الله حدّ السّكر الذي تبطل به الصّلاة أن لا يعلم ما يقول.
وهذا التّفصيل لا يأباه من يقول بعدم طلاقه، وإنّما استدل مَن قال بوقوعه مطلقاً بأنّه عاصٍ بفعله لَم يزل عنه الخطاب بذلك، ولا الإثم لأنّه يؤمر بقضاء الصّلوات وغيرها ممّا وجب عليه قبل وقوعه في السّكر أو فيه.