← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الحديث الثاني والأربعون ٤٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ , قال: أُعطِيتُ خمساً , لَم يُعطَهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرّعب مسيرةَ شهرٍ , وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً , فأيّما رجلٍ من أمّتي أدركته الصّلاة. فلْيصلِّ , وأُحلِّتْ لي المغانم , ولَم تحلِّ لأحدٍ قبلي , وأُعطيتُ الشّفاعة، وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً , وبُعثت إلى النّاس عامّةً. (١) تمهيد: مدار حديث جابر هذا على هشيم , أخبرنا سيّار أبو الحكم العنزي عن يزيد الفقير عن جابر. وله شواهد من حديث ابن عبّاس وأبي موسى وأبي ذرٍّ، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، رواها كلّها أحمد بأسانيد حسان. قوله: (أعطيت خمساً) بيّن في رواية عمرو بن شعيب , أنّ ذلك كان في غزوة تبوك , وهي آخر غزوات رسول الله ﷺ . قوله: (لَم يُعطَهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي) وفي حديث ابن عبّاس " لا أقولهنّ فخراً " ومفهومه أنّه لَم يختصّ بغير الخمس المذكورة، لكن روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: فضّلت على الأنبياء

стр. 352

بستٍّ. فذكر أربعاً من هذه الخمس , وزاد ثنتين. كما سيأتي بعد. وطريق الجمع أن يقال: لعله اطّلع أوّلاً على بعض ما اختصّ به , ثمّ اطّلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجّةً يدفع هذا الإشكال من أصله. وظاهر الحديث يقتضي أنّ كلّ واحدة من الخمس المذكورات لَم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأنّ نوحاً ﵇ كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطّوفان؛ لأنّه لَم يبق إلاَّ من كان مؤمناً معه. وقد كان مرسلاً إليهم؛ لأنّ هذا العموم لَم يكن في أصل بعثته , وإنّما اتّفق بالحادث الذي وقع - وهو انحصار الخلق في الموجودين - بعد هلاك سائر النّاس، وأمّا نبيّنا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك. وأمّا قول أهل الموقف لِنُوحِ ﵇ كما صحّ في حديث الشّفاعة " أنت أوّل رسول إلى أهل الأرض " (١) فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أوّليّة إرساله، وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه في عدّة آياتٍ على أنّ إرسال نوح كان إلى قومه , ولَم يذكر أنّه أرسل إلى غيرهم. واستدلَّ بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلاَّ أهل السّفينة، ولو لَم يكن مبعوثاً إليهم لَمَا أهلكوا

стр. 353

لقوله تعالى (وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً). وقد ثبت أنّه أوّل الرّسل. وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدّة نوح , وعلم نوحٌ بأنّهم لَم يؤمنوا فدعا على من لَم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب. وهذا جوابٌ حسنٌ، لكن لَم ينقل أنّه نُبِّئ في زمن نوحٍ غيره. ويحتمل: أن يكون معنى الخصوصيّة لنبيّنا ﷺ في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوحٌ وغيره بصدد أن يُبعث نبيٌّ في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته. ويحتمل: أن يكون دعاؤه قومه إلى التّوحيد بلغ بقيّة النّاس فتمادوا على الشّرك فاستحقّوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطيّة في تفسير سورة هود , قال: وغير ممكن أن تكون نبوّته لَم تبلغ القريب والبعيد لطول مدّته. ووجّهه ابن دقيق العيد. بأنّ توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامّاً في حقّ بعض الأنبياء , وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامّاً؛ لأنّ منهم من قاتل غير قومه على الشّرك، ولو لَم يكن التّوحيد لازماً لهم لَم يقاتلهم. ويحتمل: أنّه لَم يكن في الأرض عند إرسال نوحٍ إلاَّ قوم نوحٍ (١)

стр. 354

فبعثته خاصّةٌ لكونها إلى قومه فقط , وهي عامّةٌ في الصّورة لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتّفق وجود غيرهم لَم يكن مبعوثاً إليهم. وغفل الدّاوديّ الشّارح (١) غفلة عظيمة فقال: قوله " لَم يعطهنّ أحدٌ " يعني لَم تجمع لأحدٍ قبله؛ لأنّ نوحاً بعث إلى كافّة النّاس، وأمّا الأربع فلم يعط أحدٌ واحدةً منهنّ. وكأنّه نظر في أوّل الحديث , وغفل عن آخره؛ لأنّه نصّ ﷺ على خصوصيّته بهذه أيضاً لقوله " وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة " وفي رواية مسلم " وكان كلّ نبيّ ... إلخ ". قوله: (نُصرتُ بالرُّعب) زاد أبو أمامة " يقذف في قلوب أعدائي " أخرجه أحمد. قوله: (مسيرة شهر) مفهومه أنّه لَم يوجد لغيره النّصر بالرّعب في هذه المدّة ولا في أكثر منها، أمّا ما دونها فلا، لكنّ لفظ رواية عمرو بن شعيب " ونصرت على العدوّ بالرّعب , ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر " فالظّاهر اختصاصه به مطلقاً. وإنّما جعل الغاية شهراً؛ لأنّه لَم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصيّة حاصلةٌ له على الإطلاق حتّى لو كان

стр. 355

وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمّته من بعده؟. فيه احتمالٌ. قوله: (وجُعِلتْ لي الأرض مسجداً) أي: موضع سجود، لا يختصّ السّجود منها بموضعٍ دون غيره، ويمكن أن يكون مجازاً عن المكان المبنيّ للصّلاة، وهو من مجاز التّشبيه؛ لأنّه لَمّا جازت الصّلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. قال ابن التّين: قيل المراد جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وجعلت لغيري مسجداً ولَم تجعل له طهوراً؛ لأنّ عيسى كان يسيح في الأرض , ويُصلِّي حيث أدركته الصّلاة. كذا قال. وسبقه إلى ذلك الدّاوديّ. وقيل: إنّما أبيحت لهم في موضع يتيقّنون طهارته، بخلاف هذه الأمّة فأبيح لها في جميع الأرض إلاَّ فيما تيقّنوا نجاسته. والأظهر ما قاله الخطّابيّ , وهو أنّ من قبله إنّما أبيحت لهم الصّلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصّوامع. ويؤيّده رواية عمرو بن شعيب بلفظ " وكان من قبلي إنّما كانوا يصلّون في كنائسهم " وهذا نصٌّ في موضع النّزاع فثبتت الخصوصيّة. ويؤيّده ما أخرجه البزّار من حديث ابن عبّاس نحو حديث الباب. وفيه " ولَم يكن من الأنبياء أحدٌ يُصلِّي حتّى يبلغ محرابه ". قوله: (وطهوراً) استدل به على أنّ الطّهور هو المطهّر لغيره؛ لأنّ الطّهور لو كان المراد به الطّاهر لَم تثبت الخصوصيّة، والحديث إنّما سيق لإثباتها.

стр. 356

وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسنادٍ صحيح عن أنس مرفوعاً: جعلت لي كلّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجداً وطهوراً. ومعنى طيّبة طاهرة، فلو كان معنى طهوراً طاهراً للزم تحصيل الحاصل. واستدل به على أنّ التّيمّم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا الوصف. وفيه نظرٌ (١). وعلى أنّ التّيمّم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أكّد في رواية أبي أمامة بقوله " وجعلت لي الأرض كلّها ولأمّتي مسجداً وطهوراً ". وسيأتي البحث في ذلك. قوله: (فأيّما رجلٍ) أي: مبتدأ فيه معنى الشّرط، و " ما " زائدة للتّأكيد، وهذه صيغة عموم يدخل تحتها من لَم يجد ماءً ولا تراباً ووجد شيئاً من أجزاء الأرض فإنّه يتيمّم به، ولا يقال هو خاصّ بالصّلاة؛ لأنّا نقول: لفظ حديث جابر مختصر. وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيّ " فأيّما رجل من أمّتي أتى الصّلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهوراً ومسجداً " , وعند أحمد " فعنده طهوره ومسجده " , وفي رواية عمرو بن شعيب " فأينما أدركتني

стр. 357

الصّلاة. تمسّحت وصليت ". واحتجّ من خصّ التّيمّم بالتّراب بحديث حذيفة عند مسلم بلفظ " وجعلت لنا الأرض كلّها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لَم نجد الماء ". وهذا خاصّ فينبغي أن يُحمل العامّ عليه فتختصّ الطّهوريّة بالتّراب، ودلَّ الافتراق في اللفظ حيث حصل التّأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر , على افتراق الحكم , وإلاَّ لعطف أحدهما على الآخر نسقاً كما في حديث الباب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ " التّربة " على خصوصيّة التّيمّم بالتّراب , بأن قال: تربة كلّ مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب: بأنّه ورد في الحديث المذكور بلفظ " التّراب " أخرجه ابن خزيمة وغيره. وفي حديث عليٍّ " وجعل التّراب لي طهوراً " أخرجه أحمد والبيهقيّ بإسنادٍ حسن. ويقوّي القول بأنّه خاصّ بالتّراب: أنّ الحديث سيق لإظهار التّشريف والتّخصيص، فلو كان جائزاً بغير التّراب لَمَا اقتصر عليه. ويدلُّ عليه قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) فإنَّ الظاهر أنها للتبعيض. قال ابن بطال: فإن قيل لا يقال مسح منه إلا إذا أخذ منه جزءاً، وهذه صفة التراب لا صفة الصخر مثلاً الذي لا يعلق باليد منه شيء، قال: فالجواب أنه يجوز أن يكون قوله " منه " صلة.

стр. 358

وتعقب: بأنه تعسف. قال صاحب الكشاف: فإن قلتَ لا يفهم أحدٌ من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن أو غيره إلا معنى التبعيض. قلت: هو كما تقول، والإذعان للحق خير من المراء. انتهى. واحتج ابن خزيمة لجواز التيمم بالسبِخَة (١) بحديث عائشة في شأن الهجرة أنه قال ﷺ : أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل. يعني: المدينة. (٢) قال: وقد سمَّى النبي ﷺ المدينة طيبة. (٣) فدلَّ على أنَّ السبِخة داخلة في الطيب. ولَم يخالف في ذلك إلا إسحاق بن راهويه. قوله: (فليصلِّ) عرف ممّا تقدّم , أنّ المراد فليصل بعد أن يتيمّم. قوله: (وأُحلّت لي الغنائم) وللكشميهنيّ " المغانم " وهي رواية مسلم. قال الخطّابيّ: كان مَن تقدّم على ضربين. منهم: من لَم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم: من أذن له فيه , لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لَم يحلّ لهم أن يأكلوه وجاءت

стр. 359

نار فأحرقته (١). وقيل: المراد أنّه خصّ بالتّصرّف في الغنيمة يصرفها كيف يشاء. والأوّل أصوب , وهو أنّ من مضى لَم تحلّ لهم الغنائم أصلاً. قوله: (وأُعطيت الشّفاعة) قال ابن دقيق العيد: الأقرب أنّ اللام فيها للعهد، والمراد الشّفاعة العظمى في إراحة النّاس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها. وكذا جزم النّوويّ وغيره. وقيل: الشّفاعة التي اختصّ بها أنّه لا يردّ فيما يسأل. وقيل: الشّفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ لأنّ شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك، قاله عياض. والذي يظهر لي أنّ هذه مرادة مع الأولى؛ لأنّه يتبعها بها.

стр. 360

وقال البيهقيّ في " البعث ": يحتمل أنّ الشّفاعة التي يختصّ بها أنّه يشفع لأهل الصّغائر والكبائر، وغيره إنّما يشفع لأهل الصّغائر دون الكبائر. ونقل عياض: أنّ الشّفاعة المختصّة به شفاعة لا تردّ. وقد وقع في حديث ابن عبّاس " وأعطيت الشّفاعة فأخّرتها لأمّتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً " , وفي حديث عمرو بن شعيب " فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلاَّ الله ". فالظّاهر أنّ المراد بالشّفاعة المختصّة في هذا الحديث إخراج من ليس له عملٌ صالحٌ إلاَّ التّوحيد، وهو مختصّ أيضاً بالشّفاعة الأولى، لكن جاء التّنويه بذكر هذه؛ لأنّها غاية المطلوب من تلك لاقتضائها الرّاحة المستمرّة، والله أعلم. وقد ثبتت هذه الشّفاعة في رواية الحسن عن أنس كما في البخاري " ثمّ أرجع إلى ربّي في الرّابعة فأقول: يا ربّ ائذن لي فيمَن قال لا إله إلاَّ الله، فيقول: وعزّتي وجلالي لأخرجنّ منها مَن قال لا إله إلاَّ الله ". ولا يعكّر على ذلك. ما وقع عند مسلم قبل قوله وعزّتي " فيقول ليس ذلك لك، وعزّتي .. إلخ؛ لأنّ المراد أنّه لا يباشر الإخراج كما في المرّات الماضية، بل كانت شفاعته سبباً في ذلك في الجملة. والله أعلم. وقد تقدّم الكلام على قوله " وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة ". وأمّا قوله " وبعثت إلى النّاس عامّة " فوقع في رواية مسلم " وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود " , فقيل: المراد بالأحمر العجم وبالأسود

стр. 361

العرب، وقيل: الأحمر الإنس والأسود الجنّ. وعلى الأوّل التّنصيص على الإنس من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنّه مرسل إلى الجميع، وأصرح الرّوايات في ذلك وأشملها رواية أبي هريرة عند مسلم " وأرسلت إلى الخلق كافّة ". تكميلٌ: أوّلُ حديث أبي هريرة هذا " فضّلت على الأنبياء بستٍّ " فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر إلاَّ الشّفاعة , وزاد خصلتين وهما " وأعطيت جوامع الكلم، وختم بي النّبيّون " فتحصّل منه. ومن حديث جابر سبع خصال. ولمسلمٍ أيضاً من حديث حذيفة: فضّلنا على النّاس بثلاث خصال: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وذكر خصلة الأرض كما تقدّم. قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة بيّنها ابن خزيمة والنّسائيّ. وهي: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش. يشير إلى ما حطّه الله عن أمّته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنّسيان، فصارت الخصال تسعاً. ولأحمد من حديث عليٍّ: أعطيت أربعاً لَم يعطهنّ أحدٌ من أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمد، وجعلت أمّتي خير الأمم. وذكر خصلة التّراب فصارت الخصال اثنتي عشرة خصلة. وعند البزّار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: فضّلت على الأنبياء بستٍّ: غفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر , وجعلت أمّتي خير الأمم

стр. 362

، وأعطيت الكوثر، وإنّ صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه. وذكَرَ ثنتين ممّا تقدّم. وله من حديث ابن عبّاس رفعه: فضّلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه فأسلم. قال: ونسيت الأخرى. قلت: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة. ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التّتبّع. وقد تقدّم طريق الجمع بين هذه الرّوايات، وأنّه لا تعارض فيها. وقد ذكر أبو سعيد النّيسابوريّ في كتاب " شرف المصطفى " , أنّ عدد الذي اختصّ به نبيّنا ﷺ عن الأنبياء ستّون خصلة. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدّم. مشروعيّة تعديد نعم الله، وإلقاء العلم قبل السّؤال، وأنّ الأصل في الأرض الطّهارة. وأنّ صحّة الصّلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك. وأمّا حديث " لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد " فضعيفٌ (١) أخرجه الدّارقطنيّ

стр. 363

من حديث جابر. واستدل به صاحب المبسوط من الحنفيّة على إظهار كرامة الآدميّ , وقال: لأنّ الآدميّ خلق من ماء وتراب، وقد ثبت أنّ كلاً منهما طهور، ففي ذلك بيان كرامته، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 364

باب الحيض أصله السّيلان، وفي العرف جريان دم المرأة من موضع مخصوص في أوقات معلومة. قال الله تعالى " ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النّساء في المحيض ". والمحيض عند الجمهور هو الحيض، وقيل: زمانه، وقيل: مكانه. قوله: (أذىً) قال الطّيبيّ: سُمِّي الحيض أذىً لنتنه وقذره ونجاسته. وقال الخطّابيّ: الأذى المكروه الذي ليس بشديدٍ، كما قال تعالى (لن يضرّوكم إلاَّ أذىً)، فالمعنى: أنّ المحيض أذىً يعتزل من المرأة موضعه ولا يتعدّى ذلك إلى بقيّة بدنها. وقوله: (فاعتزلوا النّساء في المحيض) روى مسلم وأبو داود من حديث أنس , أنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فسئل النّبيّ ﷺ عن ذلك , فنزلت الآية فقال: اصنعوا كلّ شيء إلاَّ النّكاح. فأنكرتِ اليهود ذلك، فجاء أسيد بن حضيرٍ وعبّاد بن بشر , فقالا: يا رسولَ الله إلاَّ نجامعهنّ في الحيض؟ يعني خلافاً لليهود، فلم يأذن في ذلك. وروى الطّبريّ عن السّدّيّ , أنّ الذي سأل أوّلاً عن ذلك , هو ثابت بن الدّحداح. واختلف في ابتداءه: فقال بعضهم: أول ما أرسل على نساء بني إسرائيل.

стр. 365

وقد أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن مسعود بإسنادٍ صحيح قال: كان الرّجال والنّساء في بني إسرائيل يصلّون جميعاً، فكانت المرأة تتشرّف للرّجل، فألقى الله عليهنّ الحيض ومنعهنّ المساجد. وعنده عن عائشة نحوه وقيل: عامّ في جميع بنات آدم، لقول النبي ﷺ : هذا شيئ كتبه الله على بنات آدم. متفق عليه. فيتناول الإسرائيليّات ومن قبلهنّ. قال الدّاوديّ: ليس بينهما مخالفة , فإنّ نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله " بنات آدم " عامّ أريد به الخصوص. قلت: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتّعميم , بأنّ الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبة لهنّ لا ابتداء وجوده. وقد روى الطّبريّ وغيره عن ابن عبّاس وغيره , أنّ قوله تعالى في قصّة إبراهيم (وامرأته قائمة فضحكت) أي: حاضت. والقصّة متقدّمة على بني إسرائيل بلا ريب. وروى الحاكم وابن المنذر بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس: أنّ ابتداء الحيض كان على حوّاء بعد أن أهبطت من الجنّة. وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها، والله أعلم.

стр. 366

الحديث الثالث والأربعون ٤٣ - عن عائشة ﵂ , أنّ فاطمةَ بنتَ أبي حبيشٍ , سألتِ النّبيّ ﷺ , فقالت: إنّي أُستحاض فلا أطْهر , أفأدعُ الصّلاة؟ قال: لا، إنّ ذلك عرقٌ , ولكن دعي الصّلاة قدرَ الأيّام التي كنتِ تحيضين فيها , ثمّ اغتسلي وصلِّي. وفي روايةٍ: وليس بالحيضة , فإذا أقبلتِ الحيضة فاتركي الصلاة فيها , فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي. (١) قوله: (فاطمة بنت أبي حبيش) بالحاء المهملة والموحّدة والشّين المعجمة بصيغة التّصغير. اسمه قيس بن المطّلب بن أسد , وهي غير فاطمة بنت قيس التي طُلِّقت ثلاثاً. (٢) قوله: (أُستَحاض) بضمّ الهمزة وفتح المثنّاة , يقال: استحيضت المرأة إذا استمرّ بها الدّم بعد أيّامها المعتادة فهي مستحاضة. والاستحاضة. جريان الدّم من فرج المرأة في غير أوانه.

стр. 367

قوله: (فلا أطهر) في هذا الحديث التّصريح ببيان السّبب , وهو قولها " إنّي أستحاض " وكان عندها أنّ طهارة الحائض لا تعرف إلاَّ بانقطاع الدّم فكنّتْ بعدم الطّهر عن اتّصاله، وكانت علمت أنّ الحائض لا تصلي , فظنّت أنّ ذلك الحكم مقترن بجريان الدّم من الفرج , فأرادت تحقّق ذلك فقالت: أفأدع الصّلاة؟ قوله: (لا) أي: لا تدعي الصّلاة. قوله: (عرق) بكسر العين , هو المسمّى بالعاذل. بالذّال المعجمة. قوله: (دعي الصّلاة) يتضمّن نهي الحائض عن الصّلاة , وهو للتّحريم ويقتضي فساد الصّلاة بالإجماع. قوله: (قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها) وكَلَ ذلك إلى أمانتها وردّه إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص. واختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطّهر. ونقل الدّاوديّ: أنّهم اتّفقوا على أنّ أكثره خمسة عشر يوماً. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلّ الطّهر وأقلّ الحيض معاً. فأقلّ ما تنقضي به العدّة عنده ستّون يوماً. وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يوماً بناء على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام , وأنّ أقلّ الطّهر خمسة عشر يوماً , وأنّ المراد بالقرء الحيض، وهو قول الثّوريّ. وقال الشّافعيّ: القرء الطّهر وأقلّه خمسة عشر يوماً، وأقلّ الحيض يوم وليلة. فتنقضي عنده في اثنين وثلاثين يوماً ولحظتين. وهو موافق

стр. 368

لقصّة عليّ وشريح. قال الدّارميّ: أخبرنا يعلى بن عبيد حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عامرٍ - هو الشّعبيّ - قال: جاءت امرأةٌ إلى عليٍّ تخاصم زوجها طلَّقها , فقالت: حِضت في شهر ثلاث حيضٍ، فقال عليٌّ لشريحٍ: اقض بينهما. قال: يا أمير المؤمنين وأنت هاهنا؟ قال: اقض بينهما. قال: إن جاءت من بطانة أهلها ممّن يرضى دينه وأمانته تزعم أنّها حاضت ثلاث حيض. تطهر عند كلّ قرء وتصلي جاز لها وإلاَّ فلا. قال عليّ: قالون , قال: وقالون بلسان الرّوم: أحسنت ". إذا حمل ذكر الشّهر فيها على إلغاء الكسر، ويدلّ عليه رواية هشيم عن إسماعيل فيها بلفظ " حاضت في شهر أو خمسة وثلاثين يوماً " قوله: (ثمّ اغتسلي وصلي) لَم يذكر غسل الدّم , وفي رواية لهما " فاغسلي عنك الدّم وصلي " أي: بعد الاغتسال. وهذا الاختلاف واقعٌ بين أصحاب هشام. منهم: من ذكر غسل الدّم ولَم يذكر الاغتسال. ومنهم: من ذكر الاغتسال ولَم يذكر غسل الدّم، كلّهم ثقات وأحاديثهم في الصّحيحين. فيُحمل على أنّ كلّ فريق اختصر أحد الأمرين لوضوحه عنده. وفيه اختلاف ثالث ذكره البخاري في " باب غسل الدّم " من رواية أبي معاوية. فذكر مثل حديث الباب , وزاد , قال هشام بن عروة قال أبي: ثمّ توضّئي لكل صلاة.

стр. 369

وادّعى بعضهم: أنّ هذا معلّق، وليس بصواب بل هو بالإسناد المذكور عن محمّد عن أبي معاوية عن هشام , وقد بيّن ذلك التّرمذيّ في روايته. وادّعى آخر: أنّ قوله " ثمّ توضّئي " من كلام عروة موقوفاً عليه. وفيه نظرٌ؛ لأنّه لو كان كلامه. لقال ثمّ تتوضّأ بصيغة الإخبار , فلمّا أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع. وهو قوله " فاغسلي ". ولَم ينفرد أبو معاوية بذلك , فقد رواه النّسائيّ من طريق حمّاد بن زيد عن هشام , وادّعى أنّ حمّاداً تفرّد بهذه الزّيادة، وأومأ مسلم أيضاً إلى ذلك. (١) وليس كذلك، فقد رواه الدّارميّ من طريق حمّاد بن سلمة , والسّرّاج من طريق يحيى بن سليمٍ كلاهما عن هشام. (٢) وفي الحديث دليل على أنّ المرأة إذا ميّزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه. ثمّ صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث

стр. 370

فتتوضّأ لكل صلاة، لكنّها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤدّاة أو مقضيّة لظاهر قوله " ثمّ توضّئي لكل صلاة "، وبهذا قال الجمهور. وعند الحنفيّة. أنّ الوضوء متعلّق بوقت الصّلاة فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لَم يخرج وقت الحاضرة. وعلى قولهم المراد بقوله " وتوضّئي لكل صلاة " أي: لوقت كلّ صلاة، ففيه مجاز الحذف ويحتاج إلى دليل. وعند المالكيّة. يستحبّ لها الوضوء لكل صلاة , ولا يجب إلاَّ بحديثٍ آخر. وقال أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط. وفيه جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها للرّجل فيما يتعلق بأحوال النّساء، وجواز سماع صوتها للحاجة. وفيه غير ذلك. وقد استنبط منه الرّازيّ الحنفيّ: أنّ مدّة أقلّ الحيض ثلاثة أيّام وأكثره عشرة لقوله " قدر الأيّام التي كنت تحيضين فيها "؛ لأنّ أقلّ ما يطلق عليه لفظ " أيّام ثلاثةٌ وأكثره عشرةٌ , فأمّا دون الثّلاثة فإنّما يقال يومان ويوم , وأمّا فوق عشرة فإنّما يقال أحد عشر يوماً. وهكذا إلى عشرين. وفي الاستدلال بذلك نظرٌ. قوله: (وليس بالْحَيضة) بفتح الحاء كما نقله الخطّابيّ عن أكثر المحدّثين أو كلّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحالة , لكنّ

стр. 371

الفتح هنا أظهر. وقال النّوويّ: وهو متعيّن أو قريب من المتعيّن؛ لأنّه ﷺ أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض. وأمّا قوله " فإذا أقبلت الحيضة " فيجوز فيه الوجهان معاً جوازاً حسناً. انتهى كلامه. والذي في روايتنا بفتح الحاء في الموضعين. والله أعلم. واتّفق العلماء على أنّ إقبال المحيض يعرف بالدّفعة من الدّم في وقت إمكان الحيض , واختلفوا في إدباره. فقيل: يعرف بالجفوف، وهو أن يخرج ما يحتشى به جافّاً. وقيل: بالقصّة البيضاء. وإليه ميل البخاري. لِمَا رواه مالك في " الموطأ " عن علقمة بن أبي علقمة المدنيّ عن أمّه - واسمها مرجانة مولاة عائشة قالت: كان النّساء يبعثن إلى عائشة بالدّرجة فيها الكرسف فيه الصّفرة، فتقول: لا تعجلن حتّى ترين القصّة البيضاء. وفيه أنّ القصّة البيضاء علامةٌ لانتهاء الحيض ويتبيّن بها ابتداء الطّهر. واعترض على من ذهب إلى أنّه يعرف بالجفوف بأنّ القطنة قد تخرج جافّة في أثناء الأمر فلا يدلّ ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القصّة وهي ماء أبيض يدفعه الرّحم عند انقطاع الحيض. قال مالك: سألت النّساء عنه. فإذا هو أمرٌ معلومٌ عندهنّ يعرفنه عند الطّهر. واستدل البخاري بهذا الحديث على جواز وطء المستحضة.

стр. 372

فأخرج عبد الرّزّاق وغيره من طريق عكرمة عن ابن عباس , قال: المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها , ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: كانت أمّ حبيبة تستحاض , وكان زوجها يغشاها. وهو حديثٌ صحيحٌ. إن كان عكرمة سمعه منها. وإذا جازت الصّلاة فجواز الوطء أولى؛ لأنّ أمر الصّلاة أعظم من أمر الجماع. وروى عبد الرّزّاق والدّارميّ من طريق سالم الأفطس , أنّه سأل سعيد بن جبير عن المستحاضة. أتُجامع؟ قال: الصّلاة أعظم من الجماع. ونقل ابن المنذر عن إبراهيم النّخعيّ والحكم والزّهريّ وغيرهم، المنع من وطء المستحاضة. وما استدل به البخاري على الجواز ظاهر فيه.

стр. 373

الحديث الرابع والأربعون ٤٤ - عن عائشة ﵂ , أنَّ أمّ حبيبة استُحِيضتْ سبعَ سنين , فسَأَلتْ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فأمرها أن تغتسل , فقال: هذا عِرق , فكانت تغتسل لكل صلاةٍ. (١) قوله: (أنّ أمّ حبيبة) هي بنت جحش أخت زينب أمّ المؤمنين، وهي مشهورة بكنيتها، وقد قيل: اسمها حبيبة وكنيتها أمّ حبيب بغير هاء. قاله الواقديّ. وتبعه الحربيّ , ورجّحه الدّارقطنيّ. والمشهور في الرّوايات الصّحيحة أمّ حبيبة بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرّحمن بن عوف كما ثبت عند مسلم من رواية عمرو بن الحارث. ووقع في " الموطّأ " عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة , أنّ زينب بنت جحش - التي كانت تحت عبد الرّحمن بن عوف - كانت تستحاض. الحديث. فقيل: هو وهمٌ، وقيل: بل صوابٌ , وأنّ اسمها زينب وكنيتها أمّ حبيبة. وأمّا كون اسم أختها أمّ المؤمنين زينب فإنّه لَم يكن اسمها الأصليّ، وإنّما كان اسمها برّة فغيّره النّبيّ ﷺ ، وفي " أسباب النّزول "

стр. 374

للواحديّ , أنّ تغيير اسمها كان بعد أن تزوّجها النّبيّ ﷺ . فلعله ﷺ سمّاها باسم أختها لكون أختها غلبت عليها الكنية فأمن اللبس. ولهما أخت أخرى. اسمها حمنة - بفتح المهملة وسكون الميم بعدها نونٌ - وهي إحدى المستحاضات. وتعسّف بعض المالكيّة. فزعم أنّ اسم كلّ من بنات جحش زينب , قال: فأمّا أمّ المؤمنين، فاشتهرت باسمها، وأمّا أمّ حبيبة فاشتهرت بكنيتها، وأمّا حمنة فاشتهرت بلقبها، ولَم يأت بدليلٍ على دعواه بأنّ حمنة لقبٌ. ولَم ينفرد الموطّأ بتسمية أمّ حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطّيالسيّ في " مسنده " عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة حديث الباب فقال: أنّ زينب بنت جحش. وقد تقدّم توجيهه. قوله: (استحيضت سبع سنين) قيل: فيه حجّة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاء الصّلاة إذا تركتها ظانّة أنّ ذلك حيض؛ لأنّه ﷺ لَم يأمرها بالإعادة مع طول المدّة. ويحتمل: أن يكون المراد بقولها " سبع سنين " بيان مدّة استحاضتها مع قطع النّظر هل كانت المدّة كلّها قبل السّؤال أو لا.؟ , فلا يكون فيه حجّة لِمَا ذُكر. (١)

стр. 375

قوله: (فأمرها أن تغتسل) زاد الإسماعيليّ " وتصلي " , ولمسلمٍ نحوه، وهذا الأمر بالاغتسال مطلق فلا يدلّ على التّكرار، فلعلها فهمت طلب ذلك منها بقرينةٍ فلهذا كانت تغتسل لكل صلاة. وقال الشّافعيّ: إنّما أمرها ﷺ أن تغتسل وتصلي، وإنّما كانت تغتسل لكل صلاة تطوّعاً، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم: لَم يذكر ابن شهاب أنّه ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكنّه شيء فعلته هي. وإلى هذا ذهب الجمهور , قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة، إلاَّ المتحيّرة، لكن يجب عليها الوضوء. ويؤيّده ما رواه أبو داود من طريق عكرمة , أنّ أمّ حبيبة استحيضت فأمرها ﷺ أن تنتظر أيّام أقرائها ثمّ تغتسل وتصلي، فإذا رأتْ شيئاً من ذلك توضّأت وصلَّت. واستدل المُهلَّبيّ بقوله لها " هذا عرق " على أنّه لَم يوجب عليها الغسل لكل صلاة؛ لأنّ دم العرق لا يوجب غسلاً. وأمّا ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزّهريّ في هذا الحديث " فأمرها بالغسل لكل صلاة ". فقد

стр. 376

طعن الحفّاظ في هذه الزّيادة؛ لأنّ الأثبات من أصحاب الزّهريّ لَم يذكروها، وقد صرّح الليث كما تقدّم عند مسلم بأنّ الزّهريّ لَم يذكرها. لكن روى أبو داود من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة في هذه القصّة: فأمرها أن تغتسل عند كلّ صلاة. فيحمل الأمر على النّدب جمعاً بين الرّوايتين، هذه ورواية عكرمة. وقد حمله الخطّابيّ على أنّها كانت متحيّرة. وفيه نظرٌ. لِمَا تقدّم من رواية عكرمة أنّه أمرها أن تنتظر أيّام أقرائها، ولمسلمٍ من طريق عراك بن مالك عن عروة في هذه القصّة " فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ". ولأبي داود وغيره من طريق الأوزاعيّ وابن عيينة عن الزّهريّ في حديث الباب نحوه، لكن استنكر أبو داود هذه الزّيادة في حديث الزّهريّ. وأجاب بعض من زعم أنّها كانت غير مميّزة: بأنّ قوله " فأمرها أن تغتسل لكل صلاة " أي: من الدّم الذي أصابها؛ لأنّه من إزالة النّجاسة وهي شرط في صحّة الصّلاة. وقال الطّحاويّ: حديث أمّ حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيشٍ، أي لأنّ فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة لا الغسل، والجمع بين الحديثين بحمل الأمر في حديث أمّ حبيبة على النّدب أولى. والله أعلم.

стр. 377

الحديث الخامس والأربعون ٤٥ - عن عائشة ﵂ , قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ , كلانا جنبٌ. (١) الحديث السادس والأربعون ٤٦ - وكان يأمرُني فأتّزر , فيباشرُني وأنا حائضٌ. (٢) قوله: (فأتّزر) بتشديد التّاء المثنّاة بعد الهمزة، وأصله فأئتزر بهمزةٍ ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثمّ المثنّاة بوزن أفتعل. وأنكر أكثر النّحاة الإدغام حتّى قال صاحب المفصّل: إنّه خطأ، لكن نقل غيره أنّه مذهب الكوفيّين، وحكاه الصّغانيّ في مجمع البحرين. وقال ابن مالك: إنّه مقصور على السّماع , ومنه قراءة ابن محيص (فليؤدّ الذي أتّمن) بالتّشديد، والمراد بذلك أنّها تشدّ إزارها على وسطها، وحدّد ذلك الفقهاء بما بين السّرّة والرّكبة عملاً بالعرف الغالب قوله: (فيباشرني) المراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين، لا الجماع. وللبخاري عنها قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد

стр. 378

رسول الله ﷺ أن يباشرها , أمرها أن تتّزر في فور حيضتها، ثمّ يباشرها، قالت: وأيّكم يملك إربه، كما كان النّبيّ ﷺ يملك إربه. والمراد أنّه ﷺ كان أملك النّاس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزار تشريعاً لغيره ممّن ليس بمعصومٍ. وبهذا قال أكثر العلماء، وهو الجاري على قاعدة المالكيّة في باب سدّ الذّرائع. وذهب كثيرٌ من السّلف والثّوريّ وأحمد وإسحاق. إلى أنّ الذي يمتنع في الاستمتاع بالحائض الفرج فقط. وبه قال محمّد بن الحسن من الحنفيّة ورجّحه الطّحاويّ، وهو اختيار أصبغ من المالكيّة، وأحد القولين أو الوجهين للشّافعيّة. واختاره ابن المنذر. وقال النّوويّ: هو الأرجح دليلاً لحديث أنس في مسلم: اصنعوا كلّ شيء إلاَّ الجماع. وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعاً بين الأدلة. وقال ابن دقيق العيد: ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار؛ لأنّه فعلٌ مجرّدٌ. انتهى. ويدلّ على الجواز أيضاً ما رواه أبو داود بإسنادٍ قويّ عن عكرمة عن بعض أزواج النّبيّ ﷺ , أنّه كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً. واستدل الطّحاويّ على الجواز. بأنّ المباشرة تحت الإزار دون الفرج

стр. 379

لا توجب حدّاً ولا غسلاً , فأشبهت المباشرة فوق الإزار. فصّل بعض الشّافعيّة , فقال: إن كان يضبط نفسه عند المباشرة عن الفرج ويثق منها باجتنابه جاز وإلاَّ فلا، واستحسنه النّوويّ. ولا يبعد تخريج وجهٍ مفرّق بين ابتداء الحيض وما بعده لظاهر التّقييد بقولها " فور حيضتها "، ويؤيّده ما رواه ابن ماجه بإسنادٍ حسن عن أمّ سلمة أيضاً , أنّ النّبيّ ﷺ كان يتّقي سَورة الدّم ثلاثاً ثمّ يباشر بعد ذلك. ويُجمع بينه وبين الأحاديث الدّالة على المبادرة إلى المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين.

стр. 380

الحديث السابع والأربعون ٤٧ - عن عائشة: كان يخرج رأسه إليّ وهو معتكفٌ , فأغسله وأنا حائضٌ. وفي رواية لهما: كان يُخرج إليَّ رأسَه من المسجد، وهو مجاورٌ، وأنا في حجرتي فأغسله وأنا حائضٌ. (١) قوله: (وكان يخرج رأسه إليّ) وللبخاري " يُصغي إليّ رأسُه " بضم أوله. أي: يُمِيل. قوله: (فأغسله) زاد النسائي من رواية حماد عن إبراهيم " فأغسله بخطمي ". قوله: (وهو مجاورٌ) أي: معتكف , وفي رواية أحمد والنّسائيّ " كان يأتيني وهو معتكفٌ في المسجد. فيتّكئ على باب حجرتي , فأغسل رأسه , وسائره في المسجد " وحجرة عائشة كانت ملاصقةً للمسجد. وألْحَقَ عُروة الجنابة بالحيض قياساً، وهو جليٌّ؛ لأنّ الاستقذار بالحائض أكثر من الجنب، وأَلْحَقَ الخدمة بالتّرجيل. وفي الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وأنّ المباشرة

стр. 381

الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدّماته، وأنّ الحائض لا تدخل المسجد. وقال ابن بطّال: فيه حجّة على الشّافعيّ في قوله: إنّ المباشرة مطلقاً تنقض الوضوء. كذا قال. ولا حجّة فيه؛ لأنّ الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء، وليس في الحديث أنّه عقّب ذلك الفعل بالصّلاة، وعلى تقدير ذلك فمسّ الشّعر لا ينقض الوضوء. ويؤخذ منه أنّ المجاورة والاعتكاف واحدٌ، وفرّق بينهما مالكٌ. وفي الحديث جواز التّنظّف والتّطيّب والغسل والحلق والتّزيّن إلحاقاً بالتّرجّل. القول الأول: الجمهور على أنّه لا يكره فيه إلاَّ ما يكره في المسجد. القول الثاني: عن مالك. تكره فيه الصّنائع والحرف حتّى طلب العلم. وفي الحديث استخدام الرّجل امرأته برضاها، وفي إخراجه رأسه دلالةٌ على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أنّ من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه لَم يحنث حتّى يخرج رجليه ويعتمد عليهما. تنْبيه: الرّأس مذكّرٌ اتّفاقاً , ووهِم من أنّثه من الفقهاء وغيرهم.

стр. 382

الحديث الثامن والأربعون ٤٨ - عن عائشة ﵂ , قالت: كان رسول الله ﷺ يَتّكئُ في حجري , فيقرأ القرآن وأنا حائضٌ. (١) قوله: (فيقرأ القرآن) وللبخاري " كان يقرأ القرآن , ورأسه في حجري , وأنا حائض " فعلى هذا. فالمراد بالاتّكاء وضع رأسه في حجرها. قال ابن دقيق العيد: في هذا الفعل إشارة إلى أنّ الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأنّ قراءتها لو كانت جائزة لَمَا توهّم امتناع القراءة في حجرها حتّى احتيج إلى التّنصيص عليها. (٢)

стр. 383

وفيه جواز ملامسة الحائض , وأنّ ذاتها وثيابها على الطّهارة ما لَم يلحق شيئاً منها نجاسة، وهذا مبنيّ على منع القراءة في المواضع

стр. 384

المستقذرة، وفيه جواز القراءة بقرب محلّ النّجاسة، قاله النّوويّ. وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرة، قاله القرطبيّ.

стр. 385

الحديث التاسع والأربعون ٤٩ - عن معاذة , قالت: سألت عائشة ﵂ , فقلتُ: ما بال الحائضِ تقضي الصّومَ , ولا تقضي الصّلاةَ؟ فقالت: أحروريّةٌ أنتِ؟ فقلت: لستُ بحروريّةٍ , ولكنّي أسأل. فقالتْ: كان يصيبُنا ذلك , فنؤمَر بقضاء الصّومِ , ولا نُؤمَر بقضاءِ الصّلاةِ. (١) قوله: (عن معاذة) هي بنت عبد الله العدويّة، وهي معدودةٌ في فقهاء التّابعين. قوله: (سأَلتُ عائشة) في رواية لهما " أنّ امرأةً قالت لعائشة: أتَجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحروريّةٌ أنتِ؟ كنّا نحيض مع النّبيّ ﷺ فلا يأمرنا به أو قالت: فلا نفعله. أتجزي بفتح أوّله، أي: أتقضي. وصلاتها بالنّصب على المفعوليّة، ويُروى أتُجزئ بضمّ أوّله والهمز، أي: أتكفي المرأة الصّلاة الحاضرة وهي طاهرة ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض؟. فصلاتها على هذا بالرّفع على الفاعليّة، والأولى أشهر. قوله: (ولا تقضي الصّلاة) نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على ذلك، وروى عبد الرّزّاق عن معمر أنّه سأل الزّهريّ عنه , فقال: اجتمع النّاس عليه.

стр. 386

وحكى ابن عبد البرّ عن طائفة من الخوارج , أنّهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب , أنّه كان يأمر به , فأنكرت عليه أمّ سلمة. لكن استقرّ الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزّهريّ وغيره. وفي الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعاً: أليس إذا حاضت لَم تصل ولَم تصم؟. قوله: (أحروريّة) الحروريّ منسوب إلى حروراء بفتح الحاء وضمّ الرّاء المهملتين وبعد الواو السّاكنة راءٌ أيضاً، بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنّها بالمدّ. قال المبرّد: النّسبة إليها حروراويّ، وكذا كلّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل الحروريّ بحذف الزّوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروريّ؛ لأنّ أوّل فرقة منهم خرجوا على عليٍّ بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنّسبة إليها، وهم فِرَقٌ كثيرة، لكن من أصولهم المتّفق عليها بينهم الأخذ بما دلَّ عليه القرآن ورَدُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقاً، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار. وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة , فقلت: لا , ولكنّي أسأل. أي: سؤالاً مجرّداً لطلب العلم لا للتّعنّت، وفهِمت عائشة عنها طلب الدّليل فاقتصرت في الجواب عليه دون التّعليل. والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصّلاة والصّيام , أنّ الصّلاة تتكرّر فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصّيام، ولمن يقول بأنّ الحائض مخاطبة بالصّيام أن يفرّق بأنّها لَم تخاطب بالصّلاة أصلاً.

стр. 387

وقال ابن دقيق العيد: اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لَم تؤمر به يحتمل وجهين: أحدهما: أنّها أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء فيتمسّك به حتّى يوجد المعارض وهو الأمر بالقضاء كما في الصّوم. ثانيهما: - قال وهو أقرب - أنّ الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرّر الحيض منهنّ عنده ﷺ ، وحيث لَم يبيّن دلَّ على عدم الوجوب، لا سيّما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصّوم كما في رواية عاصم عن معاذة عند مسلم. قوله: (فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله) كذا في هذه الرّواية بالشّكّ، وعند الإسماعيليّ من وجه آخر " فلم نكن نقضي ولَم نؤمر به ". والاستدلال بقولها " فلم نكن نقضي " أوضح من الاستدلال بقولها " فلم نؤمر به " لأنّ عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب، لاحتمال الاكتفاء بالدّليل العامّ على وجوب القضاء. والله أعلم. تكميل: قال أبو الزناد: إنَّ السننَ ووجوهَ الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بُدَّاً من اتّباعها، من ذلك أنَّ الحائض تقضي الصيام , ولا تقضي الصلاة. (١)

стр. 388

قال الزين بن المنير: نظَرَ أبو الزناد إلى الحيض فوجده مانعاً من هاتين العبادتين، وما سلبَ الأهليةَ استحال أن يتوجَّه به خطاب الاقتضاء، وما يمنع صحةَ الفعل يمنع الوجوب، فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك على اتباع السنة والتعبد المحض. وقد سألتْ معاذةُ عائشةَ عن الفرق المذكور , فأنكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون تلقَّنتْه من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على الحوالة على النصِّ، وكأنها قالت لها: دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها. وهو الانقياد إلى الشارع. وقد تكلَّم بعض الفقهاء في الفرق المذكور، واعتمد كثيرٌ منهم على أنَّ الحكمة فيه أنَّ الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة إلَّا مرة. واختار إمام الحرمين أنَّ المتبع ذلك هو النصُّ , وأن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف. والله أعلم. وزعم المهلَّب: أنَّ السبب في منع الحائض من الصوم أنَّ خروج الدم يُحدث ضعفاً في النفس غالباً فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال، فلمَّا كان الضعف يبيح الفطر , ويوجب القضاء كان كذلك

стр. 389

الحيض. ولا يخفى ضعفُ هذا المأخذ، فإنَّ المريض لو تحامل فصام صحَّ صومه بخلاف الحائض، وأن المستحاضة في نزف الدم أشدُّ من الحائض وقد أبيح لها الصوم. وقول أبي الزناد: إنَّ السنن لتأتي كثيراً على خلاف الرأي. كأنه يشير إلى قول عليٍّ: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من أعلاه. أخرجه احمد وأبو داود والدارقطني. ورجال إسناده ثقات. ونظائر ذلك في الشرعيات كثيرٌ. ومما يفرق فيه بين الصوم والصلاة في حق الحائض أنها لو طهرت قبل الفجر ونوت صحَّ صومها في قول الجمهور , ولا يتوقف على الغسل، بخلاف الصلاة.

стр. 390

فتح السلام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني «مأخوذ من كتابه فتح الباري» جمعه وهذبه وحققه أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر [المجلد الثاني] «من كتاب الصلاة حتى نهاية باب جامع»
следующие страницы →