← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

" إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه " (١) قوله: (على سبعين امرأة) وللبخاري من رواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فقال " تسعين " بتقديم المثنّاة , ورجّح البخاري رواية تسعين على سبعين. وذكر: أنّ ابن أبي الزّناد رواه كذلك. قلت: وقد رواه سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس فقال: " تسعين " كما في البخاري من طريقه. ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان فقال: " سبعين " بتقديم السّين، وكذا هو في " مسند الحميديّ " عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء عن، والبخاري من رواية المغيرة عن أبي الزناد. وأخرجه الإسماعيليّ والنّسائيّ وابن حبّان من طريق هشام بن عروة عن أبي الزّناد قال: " مائة امرأة ". وكذا قال طاوسٌ عن أبي هريرة كما في البخاري من رواية معمر، وكذا قال أحمد عن عبد الرّزّاق (٢). وللبخاري من رواية هشام بن حجير عن طاوس " تسعين " ورواه

стр. 3397

مسلم عن عبد بن حميدٍ عن عبد الرّزّاق فقال " سبعين ". وللبخاري من رواية أيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة " كان لسليمان ستّون امرأة " , ورواه أحمد وأبو عوانة من طريق هشام عن ابن سيرين فقال: " مائة امرأة ". وكذا قال عمران بن خالد عن ابن سيرين عند ابن مردويه. وللبخاري من طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج فقال: " مائة امرأة أو تسع وتسعون " على الشّكّ. (١) فمحصّل الرّوايات ستّون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة. والجمع بينها: أنّ السّتّين كنّ حرائر. وما زاد عليهنّ كنّ سراري أو بالعكس. وأمّا السّبعون فللمبالغة، وأمّا التّسعون والمائة فكنّ دون المائة وفوق التّسعين , فمَن قال: تسعون ألغى الكسر , ومَن قال: مائة جبَرَه , ومن ثَمّ وقع التّردّد في رواية جعفر. وأمّا قول بعض الشّرّاح: ليس في ذكر القليل نفي الكثير , وهو من مفهوم العدد. وليس بحجّة عند الجمهور. فليس بكافٍ في هذا المقام، وذلك أنّ مفهوم العدد معتبر عند كثيرين. ونصَّ الشّافعيّ على أنّه حجّة، وجزم بنقله عنه الشّيخ أبو حامد

стр. 3398

والماورديّ وغيرهما، ولكن شرطه أن لا يخالفه المنطوق. قلت: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة واختلاف الرّواة عنه أنّ الحكم للزّائد , لأنّ الجميع ثقاتٌ. وذكر أبو موسى المدينيّ في كتابه المذكور: أنّ في بعض نسخ مسلم عقب قصّة سليمان هذا الاختلاف في هذا العدد , وليس هو من قول النّبيّ ﷺ . وإنّما هو من النّاقلين. ونقل الكرمانيّ (١): أنّه ليس في الصّحيح أكثر اختلافاً في العدد من هذه القصّة. قلت: وغاب عن هذا القائل حديث جابر في قدر ثمن الجمل (٢). وقد حكى وهب بن منبّه في " المبتدأ ": أنّه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرّيّة. ونحوه ممّا أخرج الحاكم في " المستدرك " من طريق أبي معشر عن محمّد بن كعب قال: بلغَنَا أنّه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب. فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرّيّة. قوله: (تلد كلُّ امرأةٍ منهن غلاماً، يقاتل في سبيل الله) في رواية لهما عن أبي الزناد " تحملُ كلّ امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله ". وقوله " تلد " فيه حذفٌ تقديره فتعلق فتحمل فتلد، وكذا في قوله " يقاتل " تقديره فينشأ فيتعلم الفروسيّة فيقاتل، وساغ الحذف , لأنّ

стр. 3399

كلّ فعل منها مسبّب عن الذي قبله، وسبب السّبب سببٌ. هذا قاله على سبيل التّمنّي للخير، وإنّما جزم به لأنّه غلب عليه الرّجاء، لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة لا لغرض الدّنيا. قال بعض السّلف: نبّه ﷺ في هذا الحديث على آفة التّمنّي والإعراض عن التّفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء ليمضي فيه القدر. قوله: (فقيل له: قل: إن شاء الله) في رواية أبي الزناد " فقال له صاحبه: إن شاء الله " , وفي رواية معمر عن ابن طاوسٍ عند البخاري " فقال له الملك ". وفي رواية هشام بن حجير عن طاوس عند البخاري " فقال له صاحبه، قال سفيان: يعني الملك ". وفي هذا إشعار بأنّ تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، لكن في " مسند الحميديّ " عن سفيان " فقال له صاحبه أو الملك " بالشّكّ، ومثلها لمسلم. وفي الجملة ففيه ردٌّ على من فسّر صاحبه بأنّه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصف - بالمدّ وكسر المهملة بعدها فاء - ابن برخيا - بفتح الموحّدة وسكون الرّاء وكسر المعجمة بعدها تحتانيّة -. وقال القرطبيّ (١): في قوله " فقال له صاحبه أو الملك " إنْ كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس والجنّ، وإن كان الملك فهو الذي

стр. 3400

كان يأتيه بالوحي. وقال: وقد أبعد مَن قال المراد به خاطره. وقال النّوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظّاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدميّ. قلت: ليس بين قوله صاحبه والملك منافاةٌ، إلَّا أنّ لفظة " صاحبه " أعمّ، فمن ثَمّ نشأ لهم الاحتمال، ولكنّ الشّكّ لا يؤثّر في الجزم، فمن جزم بأنّه الملك حجّة على من لَم يجزم. قوله: (فلم يقل) قال عياض: بيّن في الطّريق الأخرى بقوله " فنسي ". قلت: هي رواية ابن عيينة عن شيخه هشام بن حجير، وفي رواية معمر قال: " ونسي أن يقول إن شاء الله " ومعنى قوله: " فلم يقل " أي: بلسانه لا أنّه أبى أن يفوّض إلى الله بل كان ذلك ثابتاً في قلبه، لكنّه اكتفى بذلك أوّلاً ونسي أن يجريه على لسانه لَمَّا قيل له لشيء عرض له. قيل: الحكمة في ذلك أنّه صرف عن الاستثناء السّابق القدر، وأبعد مَن قال في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ , والتّقدير فلم يقل: إن شاء الله , فقيل له: قل إن شاء الله، وهذا إن كان سببه أنّ قوله " فنسي " يغني عن قوله " فلم يقل " , فكذا يقال إنّ قوله " فقال له صاحبه: قل إن شاء الله " فيستلزم أنّه كان لَم يقلها، فالأولى عدم ادّعاء التّقديم والتّأخير.

стр. 3401

ومن هنا يتبيّن أنّ تجويز من ادّعى أنّه تعمّد الحنث مع كونه معصية لكونها صغيرة لا يؤاخذ بها. لَم يصب دعوى ولا دليلاً. وقال القرطبيّ: قوله " فلم يقل " أي: لَم ينطق بلفظ إن شاء الله بلسانه، وليس المراد أنّه غفل عن التّفويض إلى الله بقلبه، والتّحقيق أنّ اعتقاد التّفويض مستمرٌّ له , لكنّ المراد بقوله " فنسي " أنّه نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفع حكم اليمين. ففيه تعقّبٌ على من استدلَّ به لاشتراط النّطق في الاستثناء. قوله: (فطاف بهنّ) في رواية ابن عيينة " فأطاف بهنّ " وقد تقدّم توجيهه. قوله: (فلم تلد منهنّ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ: نصف إنسانٍ) في رواية مغيرة عن أبي الزناد " إلَّا واحداً ساقطاً أحد شقّيه ". وفي رواية شعيب " فلم يحمل منهنّ إلَّا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل ". وفي رواية أيّوب عن ابن سيرين " ولدت شقّ غلام ". حكى النّقّاش في " تفسيره ": أنّ الشّقّ المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيّه. وقد قال غيرُ واحدٍ من المفسّرين: إنّ المراد بالجسد المذكور شيطان وهو المعتمد، والنّقّاش صاحب مناكير. قوله: (لو قال: إن شاء الله لَم يحنث، وكان ذلك دركاً لحاجته) في رواية مغيرة " لو قالها لجاهدوا في سبيل الله " , وفي رواية ابن سيرين " لو استثنى لحملت كلّ امرأة منهنّ فولدت فارساً يقاتل في سبيل

стр. 3402

الله " , وعند البخاري من طريق معمر " وكان أرجى لحاجته ". وفي رواية شعيب " وايم الذي نفس محمّد بيده لو قال: إن شاء الله " , وزاد في آخره " فرساناً أجمعون " هكذا وقع في هذه الرّواية , وفي سائر الطّرق كما تقدّم بغير يمينٍ. واستدل بما وقع في هذا الموضع على جواز إضافة " ايم " إلى غير لفظ الجلالة. وأجيب: بأنّه نادر , ومنه قول عروة بن الزّبير في قصّته " ليمنك لئن ابتليتَ فقد عافيتَ " (١) فأضافها إلى الضّمير. قوله: (دركاً) بفتحتين من الإدراك , وهو كقوله تعالى: ﴿لا تخاف دركاً﴾ أي: لحاقاً، والمراد أنّه كان يحصل له ما طلب , ولا يلزم من إخباره ﷺ بذلك في حقّ سليمان في هذه القصّة أن يقع ذلك لكل من استثنى في أمنيّته، بل في الاستثناء رجوّ الوقوع وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع. وبهذا يجاب عن قول موسى للخضر ﴿ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ مع قول الخضر له آخراً ﴿ذلك تأويل ما لَم تسطع عليه صبراً﴾ وفي الحديث فضل فعل الخير وتعاطي أسبابه، وأن كثيراً من المباح والملاذّ يصير مستحبّاً بالنّيّة والقصد. وفيه استحباب الاستثناء لِمَن قال: سأفعل كذا.

стр. 3403

وفيه أنّ إتباع المشيئة اليمين يرفع حكمها، وهو متّفق عليه بشرط الاتّصال. وتقدّم بيان ذلك مع بسط فيه. (١) وقد قيل هو خاصّ بسليمان ﵇ , وأنّه لو قال في هذه الواقعة: إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أنّ كلّ مَن قالها وقع ما أراد. ويؤيّد ذلك أنّ موسى ﵇ قالها عندما وعد الخضر أنّه يصبر عمّا يراه منه ولا يسأله عنه , ومع ذلك فلم يصبر كما أشار إلى ذلك في الحديث الصّحيح " رحم الله موسى، لوددنا لو صبر حتّى يقصّ الله علينا من أمرهما ". وقد قالها الذّبيح فوقع ما ذكر في قوله ﵇ ﴿ستجدني إن شاء الله من الصّابرين﴾ فصبر حتّى فداه الله بالذّبح. وقد سُئل بعضُهم عن الفرق بين الكليم والذّبيح في ذلك , فأشار إلى أنّ الذّبيح بالغ في التّواضع في قوله ﴿من الصّابرين﴾ حيث جعل نفسه واحداً من جماعة فرزقه الله الصّبر. قلت: وقد وقع لموسى ﵇ أيضاً نظير ذلك مع شعيب حيث قال له ﴿ستجدني إن شاء الله من الصّالحين﴾ فرزقه الله ذلك. قال ابن التّين: ليس الاستثناء في قصّة سليمان الذي يرفع حكم اليمين ويحلّ عقده، وإنّما هو بمعنى الإقرار لله بالمشيئة والتّسليم

стр. 3404

لحكمه فهو نحو قوله ﴿ولا تقولنّ لشيءٍ إنّي فاعلٌ ذلك غداً إلَّا أن يشاء الله﴾. وقال أبو موسى في كتابه المذكور (١) نحو ذلك. ثمّ قال بعد ذلك: وإنّما أخرج مسلم من رواية عبد الرّزّاق عن معمر عن عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه عن أبي هريرة , أنّ رسول الله ﷺ قال: من حلف فقال: إن شاء الله لَم يحنث. كذا قال: وليس هو عند مسلم بهذا اللفظ، وإنّما أخرج قصّة سليمان وفي آخره " لو قال: إن شاء الله لَم يحنث " نعم. أخرجه التّرمذيّ والنّسائيّ من هذا الوجه بلفظ " مَن قال .. إلخ ". قال التّرمذيّ: سألت محمّداً عنه فقال: هذا خطأٌ، أخطأ فيه عبد الرّازق فاختصره من حديث معمر بهذا الإسناد في قصّة سليمان بن داود. قلت: وقد أخرجه البخاريّ عن محمود بن غيلان عن عبد الرّزّاق بتمامه. وأشرت إلى ما فيه من فائدة، وكذا أخرجه مسلم. وقد اعترض ابن العربيّ: بأنّ ما جاء به عبد الرّزّاق في هذه الرّواية لا يناقض غيرها؛ لأنّ ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النّبيّ ﷺ في التّعبير عنها لتبيّن الأحكام بألفاظٍ، أي: فيخاطب كلّ قوم بما يكون أوصل لأفهامهم , وإمّا بنقل الحديث على المعنى على أحد القولين.

стр. 3405

وأجاب شيخنا في شرح التّرمذيّ: بأنّ الذي جاء به عبد الرّزّاق في هذه الرّواية ليس وافياً بالمعنى الذي تضمّنته الرّواية التي اختصره منها، فإنّه لا يلزم من قوله ﷺ : لو قال سليمان: إن شاء الله لَم يحنث. أن يكون الحكم كذلك في حقّ كلّ أحد غير سليمان، وشرط الرّواية بالمعنى عدم التّخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم. قلت: وإذا كان مخرج الحديث واحداً فالأصل عدم التّعدّد. لكن قد جاء لرواية عبد الرّزّاق المختصرة شاهد من حديث ابن عمر. أخرجه أصحاب السّنن الأربعة وحسّنه التّرمذيّ وصحَّحه الحاكم من طريق عبد الوارث عن أيّوب - وهو السّختيانيّ - عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله. فلا حنث عليه. قال التّرمذيّ: رواه غير واحد عن نافع موقوفاً، وكذا رواه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، ولا نعلم أحداً رفعه غير أيّوب. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيّوب أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه. وذكر في " العلل " , أنّه سأل محمّداً عنه , فقال: أصحاب نافع رووه موقوفاً إلَّا أيّوب، ويقولون: إنّ أيّوب في آخر الأمر وقفه. وأسند البيهقيّ عن حمّاد بن زيد قال: كان أيّوب يرفعه ثمّ تركه. وذكر البيهقيّ: أنّه جاء من رواية أيّوب بن موسى وكثير بن فرقد وموسى بن عقبة وعبد الله بن العمريّ المكبّر وأبي عمرو بن العلاء وحسّان بن عطيّة كلّهم عن نافع مرفوعاً. انتهى.

стр. 3406

ورواية أيّوب بن موسى. أخرجها ابن حبّان في " صحيحه "، ورواية كثير. أخرجها النّسائيّ والحاكم في " مستدركه "، ورواية موسى بن عقبة. أخرجها ابن عديّ في ترجمة " داود بن عطاء " أحد الضّعفاء عنه، وكذا أخرج رواية أبي عمرو بن العلاء، وأخرج البيهقيّ رواية حسّان بن عطيّة ورواية العمريّ. وأخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقيّ من طريق مالك وغيره عن نافع موقوفاً، وكذا أخرج سعيد والبيهقيّ من طريقه رواية سالم. والله أعلم. وتعقّبَ بعضُ الشّرّاح كلامَ التّرمذيّ في قوله " لَم يرفعه غير أيّوب " وكذا رواه سالم عن أبيه موقوفاً. قال شيخنا: قد رواه هو من طريق موسى بن عقبة مرفوعاً , ولفظه " من حلف على يمين فاستثنى على أثره , ثمّ لَم يفعل ما قال: لَم يحنث " انتهى. ولَم أر هذا في التّرمذيّ، ولا ذكره المزّيّ في ترجمة موسى بن عقبة عن نافع في " الأطراف "، وقد جزم جماعة , أنّ سليمان ﵇ كان قد حلف كما بيّنته. والحقّ أنّ مراد البخاريّ من إيراد قصّة سليمان في " باب الاستثناء في الأيمان " أن يبيّن أنّ الاستثناء في اليمين يقع بصيغة " إن شاء الله " فذكر حديث أبي موسى المصرّح بذكرها مع اليمين (١) ثمّ ذكر قصّة

стр. 3407

سليمان لمجيء قوله ﷺ فيها تارة بلفظ " لو قال: إن شاء الله " وتارة بلفظ " لو استثنى " فأطلق على لفظ " إن شاء الله " أنّه استثناء. فلا يعترض عليه بأنّه ليس في قصّة سليمان يمين. وقال ابن المنير في الحاشية: وكأنّ البخاريّ يقول: إذا استثني من الأخبار فكيف لا يستثنى من الأخبار المؤكّد بالقسم. وهو أحوج في التّفويض إلى المشيئة. وقد استدل بهذا الحديث مَن قال: الاستثناء إذا عقب اليمين ولو تخلل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإنّ الحديث دلَّ على أنّ سليمان لو قال: إن شاء الله عقب قول الملك له " قل إن شاء الله " لأفاد منع التّخلّل بين كلاميه بمقدار كلام الملك. وأجاب القرطبيّ: باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان، وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور. وفيه أنّ الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ , ولا يكفي فيه النّيّة. وهو اتّفاق إلَّا ما حكي عن بعض المالكيّة. وفيه ما خصّ به الأنبياء من القوّة على الجماع الدّالّ ذلك على صحّة البنية وقوّة الفحوليّة وكمال الرّجوليّة مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم. وقد وقع للنّبيّ ﷺ من ذلك أبلغ المعجزة , لأنّه مع اشتغاله بعبادة ربّه وعلومه ومعالجة الخلق كان متقللاً من المآكل والمشارب المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في

стр. 3408

ليلة بغسل واحد. وهنّ إحدى عشرة امرأة (١). ويقال: إنّ كلّ من كان أتقى لله فشهوته أشدّ , لأنّ الذي لا يتّقي يتفرّج بالنّظر ونحوه. وفيه جواز الإخبار عن الشّيء ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظّنّ , فإنّ سليمان ﵇ جزم بما قال , ولَم يكن ذلك عن وحي وإلا لوقع، كذا قيل. وقال القرطبيّ: لا يظنّ بسليمان ﵇ أنّه قطع بذلك على ربّه إلَّا من جهل حال الأنبياء وأدبهم مع الله تعالى. وقال ابن الجوزيّ: فإن قيل: من أين لسليمان أن يخلق من مائه هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحي لأنّه ما وقع، ولا جائز أن يكون الأمر في ذلك إليه لأنّ الإرادة لله. والجواب: أنّه من جنس التّمنّي على الله , والسّؤال له أن يفعل , والقسم عليه كقول أنس بن النّضر " والله لا يكسر سنّها " (٢).

стр. 3409

ويحتمل: أن يكون لَمَّا أجاب الله دعوته أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده كان هذا عنده من جملة ذلك فجزم به. وأقرب الاحتمالات ما ذكرته أوّلاً. وبالله التّوفيق. قلت: ويحتمل أن يكون أوحي إليه بذلك مقيّداً بشرط الاستثناء فنسي الاستثناء فلم يقع ذلك لفقدان الشّرط، ومن ثَمّ ساغ له أوّلاً أن يحلف. وأبعد من استدل به على جواز الحلف على غلبة الظّنّ. وفيه جواز السّهو على الأنبياء، وأنّ ذلك لا يقدح في علوّ منصبهم. وفيه جواز الإخبار عن الشّيء أنّه سيقع , ومستند المخبر الظّنّ مع وجود القرينة القويّة لذلك. وفيه جواز إضمار المقسم به في اليمين لقوله: " لأطّوّفن " مع قوله ﷺ : " لَم يحنث " فدلَّ على أنّ اسم الله فيه مقدّر، فإن قال أحدٌ بجواز ذلك. فالحديث حجّة له بناء على أنّ شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد تقريره على لسان الشّارع. وإن وقع الاتّفاق على عدم الجواز فيحتاج إلى تأويله كأن يقال: لعل التّلفّظ باسم الله وقع في الأصل وإن لَم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإنّ مَن قال: والله لأطوفنّ. يصدق أنّه قال: لأطّوّفن فإنّ اللافظ بالمركّب لافظ بالمفرد. وفيه حجّة لِمَن قال: لا يشترط التّصريح بمقسم به معيّن، فمَن قال أحلف أو أشهد ونحو ذلك فهو يمين وهو قول الحنفيّة، وقيّده

стр. 3410

المالكيّة بالنّيّة. وقال بعض الشّافعيّة: ليست بيمين مطلقاً. وفيه جواز استعمال لو ولولا. وفيه استعمال الكناية في اللفظ الذي يستقبح ذكره لقوله " لأطّوّفن " بدل قوله: لأجامعن.

стр. 3411

الحديث الخامس ٣٦٥ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمينٍ صبْرٍ يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ، هو فيها فاجرٌ، لقي اللهَ وهو عليه غضبان. ونزلت ﴿إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ إلي آخر الآية. (١) قوله: (من حلف على يمين صبر) بفتح الصّاد وسكون الموحّدة، ويمين الصّبر هي التي تلزم ويجبر عليها حالفها , يقال: أصبره اليمين أحلفه بها في مقاطع الحقّ. وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند البخاري " هو عليها فاجر ليقتطع " , وكأنّ فيها حذفاً تقديره هو في الإقدام عليها، والمراد بالفجور لازمه وهو الكذب، وقد وقع في رواية شعبة عند البخاري " على يمينٍ كاذبةٍ " قوله: (يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ) في رواية حجّاج بن منهال عن

стр. 3412

أبي عوانة عن الأعمش عند البخاري " ليقتطع بها " بزيادة لام تعليل , ويقتطع يفتعل من القطع. كأنّه قطعه عن صاحبه. أو أخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور. قوله: (لقي الله وهو عليه غضبان) في حديث وائل بن حجرٍ عند مسلم " وهو عنه معرضٌ " وفي رواية كردوسٍ عن الأشعث عند أبي داود " إلَّا لقي الله وهو أجذم ". وفي حديث أبي أُمامة بن ثعلبة عند مسلم والنّسائيّ نحوه في هذا الحديث " فقد أوجب الله له النّار. وحرّم عليه الجنّة " , وفي حديث عمران عند أبي داود " فليتبوّأ مقعده من النّار ". قوله: (فنزلت: إنّ الذين يشترون بعهد الله) وفي رواية " فأنزل الله تصديق ذلك. الآية ". كذا في رواية الأعمش ومنصور عن شقيق عند البخاري. ووقع في رواية جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين عند مسلم والتّرمذيّ وغيرهما جميعاً عن أبي وائل عن عبد الله سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف على مالِ امرئٍ مسلمٍ بغير حقّه. الحديث. ثمّ قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﴿إنّ الذين يشترون بعهد الله﴾ فذكر هذه الآية. (١) ولولا التّصريح بأنّها نزلت في ذلك لكان ظاهر هذه الرّواية أنّها نزلت قبل ذلك. فروى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ , أنّ

стр. 3413

رجلاً أقام سلعةً في السّوق، فحلف فيها، لقد أُعطى بها ما لَم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين " فنزلت: ﴿إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ..﴾ إلى آخر الآية. ويجوز أنّها نزلت في الأمرين معاً، ولفظ الآية أعمّ من ذلك , ولهذا وقع في صدر حديث ابن مسعودٍ ما يقتضي ذلك. وقال الكرمانيّ: لعل الآية لَم تبلغ ابنَ أبي أوفى إلَّا عند إقامته السّلعة , فظنّ أنّها نزلت في ذلك، أو أنّ القصّتين وقعتا في وقت واحد فنزلت الآية، واللفظ عامٌّ متناولٌ لهما ولغيرهما. وذكر الطّبريّ من طريق عكرمة , أنّ الآية نزلت في حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التّوراة من شأن النّبيّ ﷺ , وقالوا وحلفوا أنّه من عند الله. وقصّ الكلبيّ في " تفسيره " في ذلك قصّةً طويلةً , وهي محتملةٌ أيضاً. لكن المعتمد في ذلك ما ثبت في الصّحيح. قوله: (بعهد الله) أي قول القائل: عليّ عهد الله لأفعلنّ كذا. قال الرّاغب: العهد حفظ الشّيء ومراعاته، ومن ثَمّ قيل للوثيقة عهدة. ويطلق عهد الله على ما فطر عليه عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق. ويراد به أيضاً ما أمر به في الكتاب والسّنّة مؤكّداً , وما التزمه المرء من قبل نفسه كالنّذر.

стр. 3414

قلت: وللعهد معانٍ أخرى غير هذه. كالأمان والوفاء والوصيّة واليمين ورعاية الحرمة والمعرفة واللقاء عن قرب والزّمان والذّمّة، وبعضها قد يتداخل. قال ابن المنذر: من حلف بالعهد فحنث لزمه الكفّارة. سواء نوى أم لا. عند مالك والأوزاعيّ والكوفيّين، وبه قال الحسن والشّعبيّ وطاوسٌ وغيرهم. قلت: وبه قال أحمد. وقال عطاء والشّافعيّ وإسحاق وأبو عبيد: لا تكون يميناً إلَّا إذا نوى. وقال الشّافعيّ فيمَن قال: أمانة الله مثله. وأغرب إمام الحرمين فادّعى اتّفاق العلماء على ذلك، ولعله أراد من الشّافعيّة ومع ذلك فالخلاف ثابت عندهم. كما حكاه الماورديّ وغيره عن أبي إسحاق المروزيّ. واحتجّ للمذهب: بأنّ عهد الله يُستعمل في وصيّته لعباده باتّباع أوامره وغير ذلك كما ذكر , فلا يحمل على اليمين إلَّا بالقصد. وقال الشّافعيّ: إذا قال عليّ عهد الله. احتمل أن يريد معهوده , وهو وصيّته فيصير كقوله عليّ فرض الله , أي: مفروضة فلا يكون يميناً؛ لأنّ اليمين لا تنعقد بمحدث، فإن نوى بقوله عهد الله اليمين انعقدت. وقال ابن المنذر: قد قال الله تعالى ﴿أَلَم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا

стр. 3415

تعبدوا الشّيطان﴾ فمَن قال: عليّ عهد الله صدق؛ لأنّ الله أخبر أنّه أخذ علينا العهد فلا يكون ذلك يميناً إلَّا إن نواه، واحتجّ الأوّلون: بأنّ العرف قد صار جارياً به فحمل على اليمين. وقال ابن التّين: هذا لفظٌ يستعمل على خمسة أوجه: الأوّل: علي عهد الله، والثّاني: وعهد الله، الثّالث: عهد الله، الرّابع: أعاهد الله، الخامس: عليّ العهد. وقد طرد بعضهم ذلك في الجميع , وفصّل بعضهم , فقال: لا شيء في ذلك إلَّا إن قال عليّ عهد الله ونحوها، وإلَّا فليست بيمينٍ نوى أو لَم ينو. قوله: (وأيمانهم ثمناً قليلاً) يستفاد من الآية أنّ العهد غير اليمين لعطف اليمين عليه، ففيه حجّة على من احتجّ بها بأنّ العهد يمين. واحتجّ بعض المالكيّة: بأنّ العرف جرى على أنّ العهد والميثاق والكفالة والأمانة أيمانٌ؛ لأنّها من صفات الذّات، ولا يخفى ما فيه. قال ابن بطّال (١): وجه الدّلالة أنّ الله خصّ العهد بالتّقدمة على سائر الأيمان فدلَّ على تأكّد الحلف به؛ لأنّ عهد الله ما أخذه على عباده، وما أعطاه عباده كما قال تعالى ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ الآية لأنّه قدّم على ترك الوفاء به. انتهى

стр. 3416

الحديث السادس ٣٦٦ - عن الأشعث بن قيسٍ ﵁ قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : شاهداك أو يمينه، قلت: إذاً يحلف، ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمينٍ صبرٍ يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ، هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان. (١) قوله: (عن الأشعث بن قيس) بن معديكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الكندي. (٢)

стр. 3417

قوله: (كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ) في رواية أبي عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود عند البخاري " كان لي بئر في أرض ابن عمٍّ لي " , وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند البخاري " أرضٌ ". وزعم الإسماعيليّ , أنّ أبا حمزة (١) تفرّد بذكر البئر عن الأعمش , قال: ولا أعلم فيمن رواه عن الأعمش إلَّا قال: " في أرض ". قال: والأكثرون أولى بالحفظ من أبي حمزة. انتهى. وليس كما قال. فقد وافقه أبو عوانة كما ترى، وكذا للبخاري من رواية الثّوريّ عن الأعمش ومنصور جميعاً، ومثله في رواية شعبة , لكن بيّن أنّ ذلك في حديث الأعمش وحده. ووقع في رواية جرير عن منصور " في شيء " ولبعضهم " في بئر ". ووقع عند أحمد من طريق عاصم عن شقيق أيضاً " في بئر ". والأكثر. أنّ الخصومة كانت في بئر يدّعيها الأشعث في أرض لخصمه، وفي رواية أبي معاوية " كان بيني وبين رجلٍ من اليهود أرض فجحدني ".

стр. 3418

ويُجمع: بأنّ المراد أرض البئر لا جميع الأرض التي هي أرض البئر، والبئر من جملتها. ولا منافاة بين قوله: ابن عمّ لي , وبين قوله: من اليهود؛ لأنّ جماعة من اليمن كانوا تهوّدوا لمَّا غلب يوسف ذو نواسٍ على اليمن. فطردَ عنها الحبشةَ , فجاء الإسلام وهم على ذلك، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في أوائل " السّيرة النّبويّة " مبسوطاً. واسم ابن عمّه المذكور معدان بن معد يكرب الكندي، ولقبه الجفشيش بوزن فعليلٍ مفتوح الأوّل. واختلف في ضبط هذا الأوّل على ثلاثة أقوالٍ: أشهرها: بالجيم والشّين معجمةً في الموضعين. وقيل: اسمه جرير. وقيل: معدّان. حكاه ابن طاهر، والمعروف أنّه اسم. وكنيته أبو الخير. وأخرج الطّبرانيّ من طريق الشّعبيّ عن الأشعث قال: خاصم رجلٌ من الحضرميّين رجلاً منّا يقال له الجفشيش إلى النّبيّ ﷺ في أرضٍ له، فقال النّبيّ ﷺ للحضرميّ: جئ بشهودك على حقّك , وإلاَّ حلف لك. الحديث. قلت: وهذا يخالف السّياق الذي في الصّحيح، فإن كان ثابتاً حُمل على تعدّد القصّة، وقد أخرج أحمد والنّسائيّ من حديث عديّ بن عميرة الكنديّ , قال: خاصم رجلٌ من كندة - يقال له امرؤ القيس بن عابس الكنديّ - رجلاً من حضرموت في أرض. فذكر نحو قصّة

стр. 3419

الأشعث. وفيه: إن مكّنته من اليمين ذهبت أرضي، وقال: من حلف. فذكر الحديث. وتلا الآية. ومعد يكرب جدّ الجفشيش. وهو جدّ الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن جبلة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية، فهو ابن عمّه حقيقة. ووقع في رواية لأبي داود من طريق كردوس عن الأشعث , أنّ رجلاً من كندة ورجلاً من حضرموت اختصما إلى النّبيّ ﷺ في أرض من اليمن. فذكر قصّةً تشبه قصّة الباب إلَّا أنّ بينهما اختلافاً في السّياق. وأظنّها قصّة أخرى , فإنّ مسلماً أخرج من طريق علقمة بن وائل عن أبيه قال: جاء رجلٌ من حضرموت ورجلٌ من كندة إلى رسول الله ﷺ . فقال الحضرميّ: إنّ هذا غلبني على أرض كانت لأبي. وإنّما جوّزتُ التّعدّد؛ لأنّ الحضرميّ يغاير الكنديّ؛ لأنّ المدّعي في حديث الباب هو الأشعث وهو الكنديّ جزماً , والمُدّعي في حديث وائل هو الحضرميّ فافترقا. ويجوز أن يكون الحضرميّ: نسب إلى البلد لا إلى القبيلة , فإنّ أصل نسبة القبيلة كانت إلى البلد ثمّ اشتهرت النّسبة إلى القبيلة، فلعل الكنديّ في هذه القصّة كان يسكن حضرموت فنسب إليها , والكنديّ لَم يسكنها فاستمرّ على نسبته. وقد ذكروا الجفشيش في الصّحابة، واستشكله بعض مشايخنا

стр. 3420

لقوله في الطّريق المذكورة قريباً " إنّه يهوديّ " ثمّ قال: يحتمل أنّه أسلم. قلت: وتمامه أن يقال: إنّما وصفه الأشعث بذلك باعتبار ما كان عليه أوّلاً. ويؤيّد إسلامه أنّه وقع في رواية كردوس عن الأشعث في آخر القصّة , أنّه لَمّا سمع الوعيد المذكور قال: هي أرضه، فترك اليمين تورّعاً، ففيه إشعار بإسلامه. ويؤيّده أنّه لو كان يهوديّاً ما بالَى بذلك , لأنّهم يستحلّون أموال المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى حكاية عنهم ﴿ليس علينا في الأمّيّين سبيلٌ﴾ أي: حرجٌ. ويؤيّد كونه مسلماً أيضاً رواية الشّعبيّ الآتية قريباً. قوله: (فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ) في رواية أبي عوانة " فأتيت رسول الله ﷺ " وفي رواية الثّوريّ " خاصمته " , وفي رواية أبي معاوية " فجحدني , فقدّمته إلى رسول الله ﷺ " قوله: (فقال رسول الله ﷺ : شاهداك أو يمينه) في رواية أبي عوانة " فقال: بيّنتك أو يمينه " , وفي رواية أبي معاوية " فقال: ألك بيّنةٌ؟ فقلت: لا. فقال لليهوديّ: احلف " , وفي رواية أبي حمزة " فقال لي: شهودك. قلت: ما لي شهود. قال: فيمينه " , وفي رواية وكيع عند مسلم " ألك عليه بيّنةٌ ". وارتفع " شاهداك " على أنّه خبر مبتدأ محذوف. تقديره المثبت لك

стр. 3421

أو الحجّة أو ما يثبت لك، والمعنى ما يثبت لك شهادة شاهديك أو لك إقامة شاهديك. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب إعرابه فارتفع، وحذف الخبر للعلم به. والأصل في هذا التّقدير قول سيبويه: المثبت لك ما تدّعيه شاهداك، وتأويله المثبت لك هو شهادة شاهديك .. إلخ. وفي رواية أبي حمزة بلفظ " شهودك أو يمينه " بالنّصب فيهما. أي: أحضر شهودك أو اطلب يمينه. وفيه أنّه أطلق اليمين في جانب المدّعى عليه. ولَم يقيّده بشيءٍ دون شيء. وأشار البخاري (١) إلى الرّدّ على الكوفيّين في تخصيصهم اليمين على المدّعى عليه في الأموال دون الحدود. وذهب الشّافعيّ والجمهور إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنّكاح ونحوه. واستثنى مالك النّكاح والطّلاق والعتاق والفدية , فقال: لا يجب في شيء منها اليمين حتّى يقيم المدّعي البيّنة ولو شاهداً واحداً. وقوله " شاهداك أو يمينه " روى نحو هذه القصّة وائل بن حجرٍ. وزاد فيها " ليس لك إلَّا ذلك " أخرجه مسلم وأصحاب السّنن. واستدل بهذا الحصر على ردّ القضاء باليمين والشّاهد.

стр. 3422

وأجيب: بأنّ المراد بقوله ﷺ " شاهداك " أي: بيّنتك. سواء كانت رجلين , أو رجلاً وامرأتين , أو رجلاً ويمين الطّالب، وإنّما خصّ الشّاهدين بالذّكر لأنّه الأكثر الأغلب، فالمعنى شاهداك أو ما يقوم مقامهما. ولو لزم من ذلك ردّ الشّاهد واليمين - لكونه لَم يُذكر - للزم ردّ الشّاهد والمرأتين لكونه لَم يذكر فوضح التّأويل المذكور، والملجئ إليه ثبوت الخبر باعتبار الشّاهد واليمين، فدلَّ على أنّ ظاهر لفظ الشّاهدين غير مراد , بل المراد هو أو ما يقوم مقامه. وقيل: لا يُقضى باليمين مع الشّاهد الواحد إلَّا عند فقد الشّاهدين أو ما قام مقامهما من الشّاهد والمرأتين، وهو وجه للشّافعيّة، وصحَّحه الحنابلة. ويؤيّده ما رواه الدّارقطنيّ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً: قضى الله ورسوله في الحقّ بشاهدين. فإن جاء بشاهدين أخذ حقّه. وإن جاء بشاهدٍ واحد حلف مع شاهده. وأجاب بعض الحنفيّة: بأنّ الزّيادة على القرآن نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر، ولا تقبل الزّيادة من الأحاديث إلَّا إذا كان الخبر بها مشهوراً. وأجيب: بأنّ النّسخ رفع الحكم ولا رفع هنا. وأيضاً. فالنّاسخ والمنسوخ لا بدّ أن يتواردا على محلّ واحد , وهذا غير متحقّق في الزّيادة على النّصّ، وغاية ما فيه أنّ تسمية الزّيادة

стр. 3423

كالتّخصيص نسخاً اصطلاح فلا يلزم منه نسخ الكتاب بالسّنّة، لكن تخصيص الكتاب بالسّنّة جائز , وكذلك الزّيادة عليه كما في قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾. وأجمعوا على تحريم نكاح العمّة مع بنت أخيها. وسند الإجماع في ذلك السّنّة الثّابتة (١). وكذلك قطع رجل السّارق في المرّة الثّانية، وأمثلة ذلك كثيرة. وقد أخذَ مَن ردّ الحكم بالشّاهد واليمين لكونه زيادة على القرآن بأحاديث كثيرة في أحكام كثيرة , كلّها زائدة على ما في القرآن كالوضوء بالنّبيذ والوضوء من القهقهة ومن القيء والمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء , واستبراء المسبيّة , وترك قطع من سرق ما يُسرع إليه الفساد , وشهادة المرأة الواحدة في الولادة , ولا قود إلَّا بالسّيف , ولا جمعة إلَّا في مصر جامع , ولا تقطع الأيدي في الغزو , ولا يرث الكافر المسلم , ولا يؤكل الطّافي من السّمك , ويحرم كلّ ذي نابٍ من السّباع ومخلب من الطّير , ولا يقتل الوالد بالولد , ولا يرث القاتل من القتيل. وغير ذلك من الأمثلة التي تتضمّن الزّيادة على عموم الكتاب. وأجابوا: بأنّها أحاديث شهيرة موجب العمل بها لشهرتها. فيقال لهم: وحديث القضاء بالشّاهد واليمين جاء من طرق كثيرة مشهورة، بل ثبت من طرق صحيحة متعدّدة.

стр. 3424

فمنها: ما أخرجه مسلم من حديث ابن عبّاس , أنّ رسول الله ﷺ قضى بيمينٍ وشاهد. وقال في اليمين: إنّه حديثٌ صحيحٌ لا يرتاب في صحّته. وقال ابن عبد البرّ: لا مطعن لأحدٍ في صحّته ولا إسناده. وأمّا قول الطّحاويّ: إنّ قيس بن سعد لا تعرف له رواية عن عمرو بن دينار. لا يقدح في صحّة الحديث , لأنّهما تابعيّان ثقتان مكّيّان , وقد سمع قيس من أقدم من عمرو، وبمثل هذا لا تردّ الأخبار الصّحيحة. ومنها: حديث أبي هريرة , أنّ النّبيّ ﷺ قضى باليمين مع الشّاهد. وهو عند أصحاب السّنن ورجاله مدنيّون ثقات، ولا يضرّه أنّ سهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدّث به ربيعة , لأنّه كان بعد ذلك يرويه عن ربيعة عن نفسه عن أبيه، وقصّته بذلك مشهورة في سنن أبي داود وغيرها. ومنها: حديث جابر مثل حديث أبي هريرة. أخرجه التّرمذيّ وابن ماجه , وصحَّحه ابن خزيمة وأبو عوانة. وفي الباب عن نحو من عشرين من الصّحابة فيها الحسان والضّعاف، وبدون ذلك تثبت الشّهرة، ودعوى نسخه مردودة , لأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال. وأمّا احتجاج مالك في " الموطّأ ". بأنّ اليمين تتوجّه على المدّعي عند النّكول , وردّ اليمين بغير حلف فإذا حلف ثبت الحقّ بغير

стр. 3425

خلاف فيكون حلف المدّعي ومعه شاهد آخر أولى، فهو متعقّبٌ. ولا يردّ على الحنفيّة , لأنّهم لا يقولون بردّ اليمين. وقال الشّافعيّ: القضاء بشاهدٍ ويمين لا يخالف ظاهر القرآن , لأنّه لَم يمنع أن يجوز أقلّ ممّا نصّ عليه، يعني: والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم فضلاً عن مفهوم العدد. والله أعلم. وقال ابن العربيّ: أظرف ما وجدت لهم في ردّ الحكم بالشّاهد واليمين أمران: أحدهما: أنّ المراد قضى بيمين المنكر مع شاهد الطّالب، والمراد أنّ الشّاهد الواحد لا يكفي في ثبوت الحقّ فيجب اليمين على المدّعى عليه، فهذا المراد بقوله: قضى بالشّاهد واليمين. وتعقّبه ابن العربيّ: بأنّه جهل باللّغة، لأنّ المعيّة تقتضي أن تكون من شيئين في جهة واحدة لا في المتضادّين. ثانيهما: حمله على صورة مخصوصة , وهي أنّ رجلاً اشترى من آخر عبداً مثلاً فادّعى المشتري أنّ به عيباً , وأقام شاهداً واحداً , فقال البائع: بعته بالبراءة , فيحلف المشتري أنّه ما اشترى بالبراءة ويردّ العبد. وتعقّبه: بنحو ما تقدّم، ولأنّها صورة نادرة ولا يحمل الخبر عليها. قلت: وفي كثير من الأحاديث الواردة في ذلك ما يبطل هذا التّأويل. والله أعلم قوله: (قلت: إذاً يحلف، ولا يبالي) في رواية أبي عوانة " قلت:

стр. 3426

إذاً يحلف عليها يا رسولَ الله " , لَم يقع في رواية أبي حمزة ما بعد قوله " يحلف " بلفظ " أذن يحلف " بالنّصب لوجود شرائطه من الاستقبال وغيره. وحكى ابن خروف جواز الرّفع في مثل هذا. وزاد في رواية أبي معاوية " إذاً يحلف ويذهب بمالي " , ووقع في حديث وائل من الزّيادة بعد قوله ألك بيّنةٌ , قال: لا , قال: فلك يمينه، قال: إنّه فاجرٌ ليس يبالي ما حلف عليه , وليس يتورّع من شيءٍ، قال: ليس لك منه إلَّا ذلك. ووقع في رواية الشّعبيّ عن الأشعث قال: أرضي أعظم شأناً أن يحلف عليها، فقال: إنّ يمين المسلم يدرأ بها أعظم من ذلك. قوله: (فقال رسول الله ﷺ : من حلف) فذكر مثل حديث ابن مسعودٍ سواء. وزاد " وهو فيها فاجرٌ ". وهذه الزّيادة وقعت في حديث ابن مسعودٍ عند أبي حمزة وغيره. وزاد أبو حمزة " فأنزل الله ذلك تصديقاً له " أي: لحديث النّبيّ ﷺ ، ولَم يقع في رواية منصور حديث " من حلف " من رواية الأشعث بل اقتصر على قوله " فأنزل الله " وساق الآية. ووقع في رواية كردوس عن الأشعث " فتهيّأ الكنديّ لليمين " وفي حديث وائلٍ: فانطلق ليحلف، فلمّا أدبر , قال رسول الله ﷺ . الحديث. ووقع في رواية الشّعبيّ عن الأشعث , فقال النّبيّ ﷺ : إنْ هو

стр. 3427

حلف كاذباً أدخله الله النّار. فذهب الأشعث فأخبره القصّة , فقال: أصلِح بيني وبينه، قال: فأصلح بينهما. وفي حديث عديّ بن عميرة , فقال له أمرؤ القيس: ما لمن تركها يا رسولَ الله؟ قال: الجنّة. قال: أشهد أنّي قد تركتها له كلها. وهذا يؤيّد ما أشرت إليه من تعدّد القصّة. وفي الحديث سماع الحاكم الدّعوى فيما لَم يره إذا وُصف وحدّد وعرفه المتداعيان، لكن لَم يقع في الحديث تصريحٌ بوصفٍ ولا تحديدٍ. فاستدلَّ به القرطبيّ على أنّ الوصف والتّحديد ليس بلازمٍ لذاته , بل يكفي في صحّة الدّعوى تمييز المدّعى به تمييزاً ينضبط به. قلت: ولا يلزم من ترك ذكر التّحديد والوصف في الحديث أن لا يكون ذلك وقع، ولا يستدلّ بسكوت الرّاوي عنه بأنّه لَم يقع بل يطالب من جعل ذلك شرطاً بدليله. فإذا ثبت حمل على أنّه ذكر في الحديث، ولَم ينقله الرّاوي. وفيه أنّ الحاكم يسأل المدّعي هل له بيّنة؟ وقد ترجم بذلك البخاري في الشّهادات " وأنّ البيّنة على المدّعي في الأموال كلّها ". واستدل به لمالكٍ في قوله: إنّ من رضي بيمين غريمه , ثمّ أراد إقامة البيّنة بعد حلفه أنّها لا تسمع , إلَّا إن أتى بعذرٍ يتوجّه له في ترك إقامتها قبل استحلافه. قال ابن دقيق العيد: ووجهه أنّ " أو " تقتضي أحد الشّيئين. فلو جاز إقامة البيّنة بعد الاستحلاف لكان له الأمران معاً , والحديث

стр. 3428

يقتضي أنّه ليس له إلَّا أحدهما. قال: وقد يجاب بأنّ المقصود من هذا الكلام نفي طريقٍ أخرى لإثبات الحقّ فيعود المعنى إلى حصر الحجّة في البيّنة واليمين. ثمّ أشار إلى أنّ النّظر إلى اعتبار مقاصد الكلام , وفهمه يضعف هذا الجواب. قال: وقد يستدلّ الحنفيّة به في ترك العمل بالشّاهد واليمين في الأموال. قلت: والجواب عنه بعد ثبوت دليل العمل بالشّاهد واليمين أنّها زيادة صحيحةٌ يجب المصير إليها لثبوت ذلك بالمنطوق، وإنّما يستفاد نفيه من حديث الباب بالمفهوم. واستدل به على توجيه اليمين في الدّعاوي كلّها على من ليست له بيّنةٌ. وفيه بناء الأحكام على الظّاهر , وإن كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلاً. وفيه دليلٌ للجمهور , أنّ حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لَم يكن حلالاً له خلافاً لأبي حنيفة. كذا أطلقه النّوويّ. وتعقّب: بأنّ ابن عبد البرّ نقل الإجماع على أنّ الحكم لا يحلّ حراماً في الباطن في الأموال. قال: واختلفوا في حل عصمة نكاحٍ من عقد عليها بظاهر الحكم وهي في الباطن بخلافه. فقال الجمهور: الفروج كالأموال، وقال

стр. 3429

أبو حنيفة وأبو يوسف وبعض المالكيّة: إنّ ذلك إنّما هو في الأموال دون الفروج، وحجّتهم في ذلك اللعان. انتهى. وقد طرد ذلك بعض الحنفيّة في بعض المسائل في الأموال، والله أعلم. قال ابن بطّال: هذا الحديث حجّة في أنّ حكم الحاكم في الظّاهر لا يحلّ الحرام ولا يبيح المحظور، لأنّه ﷺ حذّر أمّته عقوبة من اقتطع من حقّ أخيه شيئاً بيمينٍ فاجرة، والآية المذكورة من أشدّ وعيد جاء في القرآن، فيؤخذ من ذلك أنّ من تحيّل على أخيه وتوصّل إلى شيء من حقّه بالباطل فإنّه لا يحلّ له لشدّة الإثم فيه. وفيه التّشديد على من حلف باطلاً ليأخذ حقّ مسلمٍ، وهو عند الجميع محمولٌ على من مات على غير توبةٍ صحيحةٍ. وعند أهل السّنّة محمولٌ على من شاء الله أن يعذّبه كما قرّرناه مراراً. وآخرها في الكلام على حديث أبي ذرٍّ (١).

стр. 3430

وقوْله ﴿ولا ينْظر الله إليْه﴾ قال في الكشّاف: هو كنايةٌ عن عدم الإحسان إليه عند من يجوّز عليه النّظر مجازٌ عند من لا يجوّزه , والمراد بترك التّزكية ترك الثّناء عليه وبالغضب إيصال الشّرّ إليه. وقال المازريّ: ذكر بعض أصحابنا: أنّ فيه دلالة على أنّ صاحب اليد أولى بالمدّعى فيه. وفيه التّنبيه على صورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنّه بدأ بالطّالب فقال: ليس لك إلَّا يمين الآخر، ولَم يحكم بها للمدّعى عليه إذا حلف , بل إنّما جعل اليمين تصرف دعوى المدّعي لا غير، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حلف المدّعى عليه أن لا يحكم له بملك المدّعى فيه , ولا بحيازته بل يقرّه على حكم يمينه. واستدل به على أنّه لا يشترط في المتداعيين أن يكون بينهما اختلاط أو يكونا ممّن يتّهم بذلك ويليق به , لأنّ النّبيّ ﷺ أمر المدّعى عليه هنا بالحلف بعد أن سمع الدّعوى، ولَم يسأل عن حالهما. وتعقّب: بأنّه ليس فيه التّصريح بخلاف ما ذهب إليه مَن قال به من المالكيّة لاحتمال أن يكون النّبيّ ﷺ علم من حاله ما أغناه عن السّؤال فيه، وقد قال خصمه عنه: إنّه فاجرٌ لا يبالي ولا يتورّع عن شيء " ولَم ينكر عليه ذلك , ولو كان بريئاً ممّا قال لبادر للإنكار عليه.

стр. 3431

بل في بعض طرق الحديث ما يدلّ على أنّ الغصب المدّعى به وقع في الجاهليّة , ومثل ذلك تسمع الدّعوى بيمينه فيه عندهم. وفي الحديث أيضاً , أنّ يمين الفاجر تسقط عنه الدّعوى، وأنّ فجوره في دينه لا يوجب الحجر عليه، ولا إبطال إقراره ولولا ذلك لَم يكن لليمين معنى، وأنّ المدّعى عليه إن أقرّ أنّ أصل المدّعي لغيره لا يكلف لبيان وجه مصيره إليه ما لَم يعلم إنكاره لذلك يعني تسليم المطلوب له ما قال. قال: وفيه أنّ من جاء بالبيّنة قضي له بحقّه من غير يمينٍ , لأنّه محالٌ أن يسأله عن البيّنة دون ما يجب له الحكم به، ولو كانت اليمين من تمام الحكم له لقال له بيّنتك ويمينك على صدقها. وتعقّب: بأنّه لا يلزم من كونه لا يحلف مع بيّنته على صدقها فيما شهدت أنّ الحكم له لا يتوقّف بعد البيّنة على حلفه بأنّه ما خرج عن ملكه ولا وهبه مثلاً وأنّه يستحقّ قبضه، فهذا - وإن كان لَم يذكر في الحديث - فليس في الحديث ما ينفيه، بل فيه ما يشعر بالاستغناء عن ذكر ذلك؛ لأنّ في بعض طرقه أنّ الخصم اعترف وسلَّم المدّعى به للمدّعي فأغنى ذلك عن طلبه يمينه، والغرض أنّ المدّعي ذكر أنّه لا بيّنة له فلم تكن اليمين إلَّا في جانب المدّعى عليه فقط. وقال القاضي عياض: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً البداءة بالسّماع من الطّالب ثمّ من المطلوب. هل يقرّ أو ينكر؟ ثمّ طلب البيّنة من الطّالب إن أنكر المطلوب، ثمّ توجيه اليمين على المطلوب

стр. 3432

إذا لَم يجد الطّالب البيّنة، وأنّ الطّالب إذا ادّعى أنّ المدّعى به في يد المطلوب فاعترف استغنى عن إقامة البيّنة بأنّ يد المطلوب عليه. قال: وذهب بعض العلماء إلى أنّ كلّ ما يجري بين المتداعيين من تسابٍّ بخيانةٍ وفجورٍ هدرٌ لهذا الحديث. وفيه نظرٌ؛ لأنّه إنّما نسبه إلى الغصب في الجاهليّة وإلى الفجور وعدم التّوقّي في الأيمان في حال اليهوديّة فلا يطّرد ذلك في حقّ كلّ أحد. وفيه موعظة الحاكم المطلوب إذا أراد أن يحلف خوفاً من أن يحلف باطلاً فيرجع إلى الحقّ بالموعظة. واستدل به القاضي أبو بكر بن الطّيّب في سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه فيقول له: ألك دليلٌ على ذلك؟ فإن قال نعم. سأله عنه , ولا يقول له ابتداءً: ما دليلك على ذلك؟. ووجه الدّلالة أنّه ﷺ قال للطّالب: ألك بيّنةٌ؟ ولَم يقل له قرّب بيّنتك. وفيه إشارةٌ إلى أنّ لليمين مكاناً يختصّ به لقوله في بعض طرقه " فانطلق ليحلف " وقد عهد في عهده ﷺ الحلف عند منبره. وبذلك احتجّ الخطّابيّ (١) فقال: كانت المحاكمة والنّبيّ ﷺ في المسجد فانطلق المطلوب ليحلف فلم يكن انطلاقه إلَّا إلى المنبر؛ لأنّه كان في المسجد فلا بدّ أن يكون انطلاقه إلى موضعٍ أخصّ منه. وفيه أنّ الحالف يحلف قائماً لقوله " فلمّا قام ليحلف ". وفيه نظرٌ؛

стр. 3433

لأنّ المراد بقوله قام ما تقدّم من قوله: " انطلق ليحلف ". واستدل به الشّافعيّ أنّ من أسلم وبيده مالٌ لغيره أنّه يرجع إلى مالكه إذا أثبته. وعن المالكيّة. اختصاصه بما إذا كان المال لكافرٍ، وأمّا إذا كان لمسلمٍ وأسلم عليه الذي هو بيده فإنّه يقرّ بيده. والحديث حجّة عليهم. وقال ابن المنير في الحاشية: يستفاد منه أنّ الآية المذكورة في هذا الحديث نزلت في نقض العهد، وأنّ اليمين الغموس لا كفّارة فيها؛ لأنّ نقض العهد لا كفّارة فيه. كذا قال، وغايته أنّها دلالة اقترانٍ. وقال النّوويّ: يدخل في قوله " من اقتطع حقّ امرئٍ مسلمٍ " من حلف على غير مال كجلد الميتة والسّرجين وغيرهما ممّا ينتفع به، وكذا سائر الحقوق كنصيب الزّوجة بالقسم، وأمّا التّقييد بالمسلم فلا يدلّ على عدم تحريم حقّ الذّمّيّ بل هو حرام أيضاً، لكن لا يلزم أن يكون فيه هذه العقوبة العظيمة. انتهى وهو تأويلٌ حسنٌ , لكن ليس في الحديث المذكور دلالةٌ على تحريم حقّ الذّمّيّ بل ثبت بدليلٍ آخر. والحاصل أنّ المسلم والذّمّيّ لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغموس والوعيد عليها، وفي أخذ حقّهما باطلاً، وإنّما يفترق قدر العقوبة بالنّسبة إليهما. قال: وفيه غلظ تحريم حقوق المسلمين، وأنّه لا فرق بين قليل

стр. 3434

الحقّ وكثيره في ذلك. وكأنّ مراده عدم الفرق في غلظ التّحريم لا في مراتب الغلظ. وقد صرّح ابن عبد السّلام في " القواعد " بالفرق بين القليل والكثير , وكذا بين ما يترتّب عليه كثير المفسدة وحقيرها. وقد ورد الوعيد في الحالف الكاذب في حقّ الغير مطلقاً في حديث أبي ذرٍّ " ثلاثةٌ لا يكلمهم الله , ولا ينظر إليهم. الحديث، وفيه. والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " أخرجه مسلم. وله شاهدٌ عند أحمد وأبي داود والتّرمذيّ من حديث أبي هريرة بلفظ " ورجل حلف على سلعته بعد العصر كاذباً ".

стр. 3435

الحديث السابع ٣٦٧ - عن ثابت بن الضّحّاك الأنصاريّ ﵁ , أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأنّ رسول الله ﷺ , قال: من حلف على يمينٍ بملةٍ غير الإسلام، كاذباً متعمداً، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيءٍ عذّب به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذرٌ فيما لا يملك. وفي رواية: ولعن المؤمن كقتله. (١) وفي رواية: ومن ادعى دعوى كاذبةً، ليتكثّر بها، لَم يزده الله إلَّا قلةً. (٢)
следующие страницы →