← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

بل في بعض طرق الحديث ما يدلّ على أنّ الغصب المدّعى به وقع في الجاهليّة , ومثل ذلك تسمع الدّعوى بيمينه فيه عندهم. وفي الحديث أيضاً , أنّ يمين الفاجر تسقط عنه الدّعوى، وأنّ فجوره في دينه لا يوجب الحجر عليه، ولا إبطال إقراره ولولا ذلك لَم يكن لليمين معنى، وأنّ المدّعى عليه إن أقرّ أنّ أصل المدّعي لغيره لا يكلف لبيان وجه مصيره إليه ما لَم يعلم إنكاره لذلك يعني تسليم المطلوب له ما قال. قال: وفيه أنّ من جاء بالبيّنة قضي له بحقّه من غير يمينٍ , لأنّه محالٌ أن يسأله عن البيّنة دون ما يجب له الحكم به، ولو كانت اليمين من تمام الحكم له لقال له بيّنتك ويمينك على صدقها. وتعقّب: بأنّه لا يلزم من كونه لا يحلف مع بيّنته على صدقها فيما شهدت أنّ الحكم له لا يتوقّف بعد البيّنة على حلفه بأنّه ما خرج عن ملكه ولا وهبه مثلاً وأنّه يستحقّ قبضه، فهذا - وإن كان لَم يذكر في الحديث - فليس في الحديث ما ينفيه، بل فيه ما يشعر بالاستغناء عن ذكر ذلك؛ لأنّ في بعض طرقه أنّ الخصم اعترف وسلَّم المدّعى به للمدّعي فأغنى ذلك عن طلبه يمينه، والغرض أنّ المدّعي ذكر أنّه لا بيّنة له فلم تكن اليمين إلَّا في جانب المدّعى عليه فقط. وقال القاضي عياض: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً البداءة بالسّماع من الطّالب ثمّ من المطلوب. هل يقرّ أو ينكر؟ ثمّ طلب البيّنة من الطّالب إن أنكر المطلوب، ثمّ توجيه اليمين على المطلوب

стр. 3432

إذا لَم يجد الطّالب البيّنة، وأنّ الطّالب إذا ادّعى أنّ المدّعى به في يد المطلوب فاعترف استغنى عن إقامة البيّنة بأنّ يد المطلوب عليه. قال: وذهب بعض العلماء إلى أنّ كلّ ما يجري بين المتداعيين من تسابٍّ بخيانةٍ وفجورٍ هدرٌ لهذا الحديث. وفيه نظرٌ؛ لأنّه إنّما نسبه إلى الغصب في الجاهليّة وإلى الفجور وعدم التّوقّي في الأيمان في حال اليهوديّة فلا يطّرد ذلك في حقّ كلّ أحد. وفيه موعظة الحاكم المطلوب إذا أراد أن يحلف خوفاً من أن يحلف باطلاً فيرجع إلى الحقّ بالموعظة. واستدل به القاضي أبو بكر بن الطّيّب في سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه فيقول له: ألك دليلٌ على ذلك؟ فإن قال نعم. سأله عنه , ولا يقول له ابتداءً: ما دليلك على ذلك؟. ووجه الدّلالة أنّه ﷺ قال للطّالب: ألك بيّنةٌ؟ ولَم يقل له قرّب بيّنتك. وفيه إشارةٌ إلى أنّ لليمين مكاناً يختصّ به لقوله في بعض طرقه " فانطلق ليحلف " وقد عهد في عهده ﷺ الحلف عند منبره. وبذلك احتجّ الخطّابيّ (١) فقال: كانت المحاكمة والنّبيّ ﷺ في المسجد فانطلق المطلوب ليحلف فلم يكن انطلاقه إلَّا إلى المنبر؛ لأنّه كان في المسجد فلا بدّ أن يكون انطلاقه إلى موضعٍ أخصّ منه. وفيه أنّ الحالف يحلف قائماً لقوله " فلمّا قام ليحلف ". وفيه نظرٌ؛

стр. 3433

لأنّ المراد بقوله قام ما تقدّم من قوله: " انطلق ليحلف ". واستدل به الشّافعيّ أنّ من أسلم وبيده مالٌ لغيره أنّه يرجع إلى مالكه إذا أثبته. وعن المالكيّة. اختصاصه بما إذا كان المال لكافرٍ، وأمّا إذا كان لمسلمٍ وأسلم عليه الذي هو بيده فإنّه يقرّ بيده. والحديث حجّة عليهم. وقال ابن المنير في الحاشية: يستفاد منه أنّ الآية المذكورة في هذا الحديث نزلت في نقض العهد، وأنّ اليمين الغموس لا كفّارة فيها؛ لأنّ نقض العهد لا كفّارة فيه. كذا قال، وغايته أنّها دلالة اقترانٍ. وقال النّوويّ: يدخل في قوله " من اقتطع حقّ امرئٍ مسلمٍ " من حلف على غير مال كجلد الميتة والسّرجين وغيرهما ممّا ينتفع به، وكذا سائر الحقوق كنصيب الزّوجة بالقسم، وأمّا التّقييد بالمسلم فلا يدلّ على عدم تحريم حقّ الذّمّيّ بل هو حرام أيضاً، لكن لا يلزم أن يكون فيه هذه العقوبة العظيمة. انتهى وهو تأويلٌ حسنٌ , لكن ليس في الحديث المذكور دلالةٌ على تحريم حقّ الذّمّيّ بل ثبت بدليلٍ آخر. والحاصل أنّ المسلم والذّمّيّ لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغموس والوعيد عليها، وفي أخذ حقّهما باطلاً، وإنّما يفترق قدر العقوبة بالنّسبة إليهما. قال: وفيه غلظ تحريم حقوق المسلمين، وأنّه لا فرق بين قليل

стр. 3434

الحقّ وكثيره في ذلك. وكأنّ مراده عدم الفرق في غلظ التّحريم لا في مراتب الغلظ. وقد صرّح ابن عبد السّلام في " القواعد " بالفرق بين القليل والكثير , وكذا بين ما يترتّب عليه كثير المفسدة وحقيرها. وقد ورد الوعيد في الحالف الكاذب في حقّ الغير مطلقاً في حديث أبي ذرٍّ " ثلاثةٌ لا يكلمهم الله , ولا ينظر إليهم. الحديث، وفيه. والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " أخرجه مسلم. وله شاهدٌ عند أحمد وأبي داود والتّرمذيّ من حديث أبي هريرة بلفظ " ورجل حلف على سلعته بعد العصر كاذباً ".

стр. 3435

الحديث السابع ٣٦٧ - عن ثابت بن الضّحّاك الأنصاريّ ﵁ , أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأنّ رسول الله ﷺ , قال: من حلف على يمينٍ بملةٍ غير الإسلام، كاذباً متعمداً، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيءٍ عذّب به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذرٌ فيما لا يملك. وفي رواية: ولعن المؤمن كقتله. (١) وفي رواية: ومن ادعى دعوى كاذبةً، ليتكثّر بها، لَم يزده الله إلَّا قلةً. (٢)

стр. 3436

قوله: (بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة) أي: التي كانت بيعة الرضوان تحتها , وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض , وكنا ألفا وأربع مائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة ". وهذا صريحٌ في فضل أصحاب الشّجرة , فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعةٌ بمكّة وبالمدينة وبغيرهما. وعند أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال: لَمَّا كان بالحديبية , قال النّبيّ ﷺ : لا توقدوا ناراً بليلٍ , فلمّا كان بعد ذلك , قال: أوقدوا واصطنعوا , فإنّه لا يدرك قومٌ بعدكم صاعكم ولا مدّكم. وعند مسلمٍ من حديث جابرٍ مرفوعاً: لا يدخل النّارَ من شهد بدراً والحديبية. وروى مسلمٌ أيضاً من حديث أمّ مبشّرٍ , أنّها سمعت النّبيّ ﷺ يقول: لا يدخل النّار أحدٌ من أصحاب الشّجرة. وكان السّبب في البيعة تحت الشّجرة. ما ذكر ابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ , أنّ رسول الله ﷺ بلغه أنّ عثمان قد قتل فقال: لئن كانوا قتلوه لأناجزنّهم، فدعا النّاس إلى البيعة

стр. 3437

فبايعوه على القتال على أن لا يفرّوا. قال: فبلغهم بعد ذلك أنّ الخبر باطلٌ , ورجع عثمان. وذكر أبو الأسود في " المغازي " عن عروة السّبب في ذلك مطوّلاً قال: إنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا نزل بالحديبية أحبّ أن يبعث إلى قريشٍ رجلاً يخبرهم بأنّه إنّما جاء معتمراً، فدعا عمر ليبعثه , فقال: والله لا آمنهم على نفسي، فدعا عثمان فأرسله , وأمره أن يبشّر المستضعفين من المؤمنين بالفتح قريباً، وأنّ الله سيظهر دينه. فتوجّه عثمان فوجد قريشاً نازلين ببلدحٍ، قد اتّفقوا على أن يمنعوا النّبيّ ﷺ من دخول مكّة، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص قال: وبعثتْ قريشٌ بديلَ بن ورقاء وسهيلَ بن عمرو إلى النّبيّ ﷺ " فذكر القصّة المطوّلة في البخاري (١). قال: وأَمِن النّاس بعضهم بعضاً، وهم في انتظار الصّلح، إذ رمى رجل من الفريقين رجلاً من الفريق الآخر فكانت معاركة، وتراموا بالنّبل والحجارة. فارتهن كلّ فريقٍ من عندهم، ودعا النّبيّ ﷺ إلى البيعة، فجاءه المسلمون وهو نازل تحت الشّجرة التي كان يستظلّ بها، فبايعوه على أن لا يفرّوا، وألقى الله الرّعب في قلوب الكفّار فأذعنوا إلى المصالحة ". وروى البيهقيّ في " الدّلائل " من مرسل الشّعبيّ. قال: كان أوّل من انتهى إلى النّبيّ ﷺ لَمَّا دعا النّاس إلى البيعة تحت الشّجرة أبو سنان الأزديّ.

стр. 3438

وروى مسلم في حديث سلمة بن الأكوع قال: ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة فبايعه أوّل النّاس .. فذكر الحديث. وقول جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشّجرة. فهذا يدلّ على أنّه كان يضبط مكانها بعينه، وإذا كان في آخر عمره بعد الزّمان الطّويل يضبط موضعها. ففيه دلالةٌ على أنّه كان يعرفها بعينها , لأنّ الظّاهر أنّها حين مقالته تلك كانت هلكت إمّا بجفافٍ أو بغيره، واستمرّ هو يعرف موضعها بعينه. ثمّ وجدت عند ابن سعد بإسنادٍ صحيحٍ عن نافعٍ , أنّ عمر بلغه , أنّ قوماً يأتون الشّجرة فيصلّون عندها فتوعّدهم، ثمّ أمر بقطعها فقُطِعت. قوله: (من حلف على يمينٍ بملةٍ غير الإسلام) الْمِلة - بكسر الميم وتشديد اللام - الدّين والشّريعة، وهي نكرة في سياق الشّرط فتعمّ جميع الْمِلَلِ من أهل الكتاب كاليهوديّة والنّصرانيّة ومَن لَحِق بهم من المجوسيّة والصّابئة وأهل الأوثان والدّهريّة والمعطّلة وعبدة الشّياطين والملائكة وغيرهم. ولَم يجزم البخاري (١) بالحكم. هل يكفُرُ الحالف بذلك أو لا.؟. لكنّ تصرّفه يقتضي أن لا يكفُر بذلك , لأنّه علَّق حديث " من

стр. 3439

حلف باللات والعزّى فليقل لا إله إلَّا الله " (١). ثم قال: ولَم ينسبه إلى الكفر. وتمام الاحتجاج أن يقول: لكونه اقتصر على الأمر بقول لا إله إلَّا الله، ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشّهادتين، والتّحقيق في المسألة التّفصيل الآتي. قال ابن المنذر: اختلف فيمَن قال: أكفر بالله ونحو ذلك إنْ فعلتُ ثمّ فعل. القول الأول: قال ابن عبّاس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه , ولا يكون كافراً إلَّا إن أضمر ذلك بقلبه. القول الثاني: قال الأوزاعيّ والثّوريّ والحنفيّة وأحمد وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأوّل أصحّ لقوله " من حلف باللاّت والعزّى فليقل لا إله إلَّا الله " ولَم يذكر كفّارة، زاد غيره: ولذا قال: من حلف بملة غير الإسلام فهو كما قال. فأراد التّغليظ في ذلك حتّى لا يجترئ أحدٌ عليه. ونقل أبو الحسن بن القصّار من المالكيّة عن الحنفيّة أنّهم احتجّوا لإيجاب الكفّارة: بأنّ في اليمين الامتناع من الفعل وتضمّن كلامه بما ذكر تعظيماً للإسلام.

стр. 3440

وتعقّب ذلك: بأنّهم قالوا فيمَن قال: وحقّ الإسلام إذا حنث , لا تجب عليه كفّارة فأسقطوا الكفّارة إذا صرّح بتعظيم الإسلام وأثبتوها إذا لَم يصرّح. قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشّيء حقيقةً هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله واللهِ والرّحمنِ، وقد يطلق على التّعليق بالشّيء يمينٌ كقولهم من حلف بالطّلاق فالمراد تعليق الطّلاق , وأُطلق عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحنث والمنع. وإذا تقرّر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثّاني لقوله " كاذباً متعمّداً " والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة التي يقع مقتضاها تارة، ولا يقع أخرى. وهذا بخلاف قولنا: والله وما أشهد فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ بل هي لإنشاء القسم فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: أحدهما: أن يتعلق بالمستقبل كقوله: إن فعل كذا فهو يهوديٌّ. الثّاني: يتعلق بالماضي كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهوديٌّ، وقد يتعلق بهذا من لَم ير فيه الكفّارة لكونه لَم يذكر فيه كفّارةً , بل جعل المرتّب على كذبه قوله " فهو كما قال " قال ابن دقيق العيد: ولا يكفر في صورة الماضي إلَّا إن قصد التّعظيم، وفيه خلاف عند الحنفيّة. لكونه يتخيّر معنىً فصار كما لو قال: هو يهوديّ. ومنهم مَن قال: إن كان لا يعلم أنّه يمين لَم يكُفر , وإن كان يعلم

стр. 3441

أنّه يكُفر بالحنث به كَفَر , لكونه رضي بالكُفر حين أقدم على الفعل. وقال بعض الشّافعيّة: ظاهر الحديث أنّه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذباً. والتّحقيق التّفصيل: فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر. وإن قصد حقيقة التّعليق فينظر: فإن كان أراد أن يكون متّصفاً بذلك كفر؛ لأنّ إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لَم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهاً؟. الثّاني هو المشهور. قال ابن بطّال: كنت أسأل المُهلَّب كثيراً عن هذا الحديث لصعوبته فيجيبني بأجوبةٍ مختلفة والمعنى واحد , قال قوله " فهو كما قال ": يعني فهو كاذب لا كافر، إلَّا أنّه لَمَّا تعمّد الكذب الذي حلف عليه والتزم الملة التي حلف بها , قال ﷺ : فهو كما قال. منِ التزام تلك الْمِلّة - إن صحّ قصده بكذبه إلى التزامها في تلك الحالة - لا في وقت ثانٍ إذا كان على سبيل الخديعة للمحلوف له. قلت: وحاصله أنّه لا يصير بذلك كافراً , وإنّما يكون كالكافر في حال حلفه بذلك خاصّة. وتقدّم أنّ غيره حمل الحديث على الزّجر والتّغليظ، وأنّ ظاهره غير مراد، وفيه غير ذلك من التّأويلات. قوله: (كاذباً متعمّداً) قال عياض: تفرّد بزيادتها سفيان الثّوريّ , وهي زيادةٌ حسنةٌ يستفاد منها أنّ الحالف المتعمّد إن كان مطمئنّ

стр. 3442

القلب بالإيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لَم يكفر، وإن قاله معتقداً لليمين بتلك الملة لكونها حقّاً كفر، وإن قالها لمجرّد التّعظيم لها احتمل. قلت: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النّسخ لَم يكفر أيضاً. ودعواه أنّ سفيان تفرّد بها. إن أراد بالنّسبة لرواية مُسلم فعسى. فإنّه أخرجه من طريق شعبة عن أيّوب وسفيان عن خالد الحذّاء جميعاً عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك. وبيّن أنّ لفظ " متعمّداً " لسفيان. ولَم ينفرد بها سفيان. فقد أخرجه البخاري من طريق يزيد بن زريع عن خالد، وكذا أخرجها النّسائيّ من طريق محمّد بن أبي عديّ عن خالد. ولهذه الخصلة في حديث ثابت بن الضّحّاك شاهد من حديث بريدة. أخرجه النّسائيّ , وصحَّحه من طريق الحسين عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رفعه: مَن قال: إنّي بريءٌ من الإسلام. فإنْ كان كاذباً فهو كما قال، وإنْ كان صادقاً لَم يعد إلى الإسلام سالِماً. يعني: إذا حلف بذلك، وهو يؤيّد التّفصيل الماضي، ويخصّص بهذا عموم الحديث الماضي. ويحتمل: أن يكون المراد بهذا الكلام التّهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم، وكأنّه قال: فهو مستحقٌّ مثل عذاب من اعتقد ما قال.

стр. 3443

ونظيره " من ترك الصّلاة فقد كفر " أي: استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذر: قوله " فهو كما قال " ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر , بل المراد أنّه كاذب ككذب المعظّم لتلك الجهة. قوله: (ومن قتل نفسه بشيءٍ عذّب به يوم القيامة) في رواية لهما " في نار جهنّم " , وقوله " بشيءٍ " أعمّ ممّا وقع في رواية مسلم " بحديدةٍ " (١). ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة: ومن تحسّى سُمّاً. قال ابن دقيق العيد: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدّنيويّة، ويؤخذ منه أنّ جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم , لأنّ نفسه ليست ملكاً له مطلقاً بل هي لله تعالى فلا يتصرّف فيها إلَّا بما أذن له فيه. انتهى قيل: وفيه حجّةٌ لمن أوجب المماثلة في القصاص خلافاً لمن خصّصه بالمحدّد. وردّه ابن دقيق العيد: بأنّ أحكام الله لا تقاس بأفعاله، فليس كلّ ما ذكر أنّه يفعله في الآخرة يشرع لعباده في الدّنيا كالتّحريق بالنّار مثلاً وسقي الحَمِيم الذي يقطّع به الأمعاء.

стр. 3444

وحاصله أنّه يستدلّ للمماثلة في القصاص بغير هذا الحديث , وقد استدلّوا بقوله تعالى ﴿وجزاء سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها﴾. قوله: (وليس على رجلٍ نذرٌ فيما لا يملك) وللبخاري بلفظ " وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك " وقد أخرجه التّرمذيّ مقتصراً على هذا القدر من الحديث. وأخرج أبو داود سبب هذا الحديث مقتصراً عليه أيضاً. ولفظه: نذر رجل على عهد النّبيّ ﷺ أن ينحر ببوانة - يعني موضعاً - وهو بفتح الموحّدة وتخفيف الواو وبنونٍ - فذكر الحديث. وأخرجه مسلم من حديث عمران بن حصينٍ. في قصّة المرأة التي كانت أسيرة فهربت على ناقة للنّبيّ ﷺ ، فإنّ الذين أسروا المرأة انتهبوها. فنذرت إن سلِمتْ أن تنحرها، فقال النّبيّ ﷺ : لا نذر في معصية الله , ولا فيما لا يملك ابن آدم. وأخرجه النّسائيّ من حديث عبد الرّحمن بن سمرة , مثله. وأخرج ابن أبي شيبة من حديث أبي ثعلبة. الحديث دون القصّة بنحوه. وأخرجه أبو داود من حديث عمر بلفظ " لا يمين عليك , ولا نذر في معصية الرّبّ , ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا يملك ". وأخرجه أبو داود والنّسائيّ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مثله، ورواته لا بأس بهم , لكن اختلف في سنده على عمرٍو.

стр. 3445

واختلف فيمن وقع منه النّذر في ذلك. هل تجب فيه كفّارة؟ القول الأول: قال الجمهور: لا. القول الثاني: عن أحمد والثّوريّ وإسحاق وبعض الشّافعيّة والحنفيّة. نعم. ونقل التّرمذيّ اختلاف الصّحابة في ذلك كالقولين. واتّفقوا على تحريم النّذر في المعصية، واختلافهم إنّما هو في وجوب الكفّارة. واحتجّ من أوجبها بحديث عائشة: لا نذر في معصية وكفّارته كفّارة يمين. أخرجه أصحاب السّنن ورواته ثقات، لكنّه معلولٌ؛ فإنّ الزّهريّ رواه عن أبي سلمة , ثمّ بيّن أنّه حمله عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. فدلَّسه بإسقاط اثنين، وحسّن الظّنّ بسليمان , وهو عند غيره ضعيف باتّفاقهم. وحكى التّرمذيّ عن البخاريّ , أنّه قال: لا يصحّ. ولكن له شاهد من حديث عمران بن حصين أخرجه النّسائيّ. وضعّفه وشواهد أخرى ذكرتها آنفاً، وأخرج الدّارقطنيّ من حديث عديّ بن حاتم نحوه. وفي الباب أيضاً عموم حديث عقبة بن عامر: كفّارة النّذر كفّارة اليمين. أخرجه مسلم. وقد حمله الجمهور على نذر اللجاج والغضب. وبعضهم على النّذر المطلق.

стр. 3446

لكن أخرج التّرمذيّ وابن ماجه حديث عقبة بلفظ: كفّارة النّذر إذا لَم يُسمّ كفّارة يمين. ولفظ ابن ماجه " من نذر نذراً لَم يسمّه " الحديث. وفي الباب حديث ابن عبّاس رفعه: من نذر نذراً لَم يسمّه فكفّارته كفّارة يمين. أخرجه أبو داود، وفيه " ومن نذر في معصية فكفّارته كفّارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفّارته كفّارة يمين " ورواته ثقات، لكن أخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً. وهو أشبه، وأخرجه الدّارقطنيّ من حديث عائشة. وحمله أكثر فقهاء أصحاب الحديث على عمومه , لكن قالوا: إنّ النّاذر مخيّر بين الوفاء بما التزمه وكفّارة اليمين، وفي حديث عائشة في البخاري: من نَذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. وهو بمعنى حديث: لا نذر في معصية. ولو ثبتت الزّيادة لكانت مبينة لِما أُجمل فيه. واحتجّ بعض الحنابلة: بأنّه ثبت عن جماعة من الصّحابة , ولا يُحفظ عن صحابيّ خلافه , قال: والقياس يقتضيه، لأنّ النّذر يمين كما وقع في حديث عقبة (١) لَمَّا نذرت أخته أن تحجّ ماشيةً لتكفّر عن يمينها. فسمّى النّذر يميناً. ومن حيث النّظر: هو عقده لله تعالى بالتزام شيء، والحالف عقد يمينه بالله ملتزماً بشيء ثمّ بين أنّ النّذر آكدّ من اليمين , ورتّب عليه

стр. 3447

أنّه لو نذر معصية ففعلها لَم تسقط عنه الكفّارة بخلاف الحالف، وهو وجه للحنابلة، واحتجّ له بأنّ الشّارع نهى عن المعصية وأمر بالكفّارة فتعيّنت. فائدة: استدل بحديث " لا نذر في معصية " لصحّة النّذر في المباح , لأنّ فيه نفي النّذر في المعصية فبقي ما عداه ثابتاً. واحتجّ مَن قال: إنّه يشرع في المباح. بما أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وأخرجه أحمد والتّرمذيّ من حديث بريدة , أنّ امرأة قالت: يا رسولَ الله إنّي نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال: أوف بنذرك. وزاد في حديث بريدة , أنّ ذلك وقت خروجه في غزوة. فنذرت إنْ ردّه الله تعالى سالماً. قال البيهقيّ: يُشبه أن يكون أذن لها في ذلك لِما فيه من إظهار الفرح بالسّلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النّذر به. ويدلّ على أنّ النّذر لا ينعقد في المباح حديث ابن عبّاس في البخاري , فإنّه أمر النّاذر بأن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ولا يستظلّ ويصوم ولا يفطر بأن يتمّ صومه ويتكلم ويستظلّ ويقعد " فأمره بفعل الطّاعة وأسقط عنه المباح. وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أيضاً: إنّما النّذر ما يُبتغى به وجه الله. والجواب عن قصّة التي نذرت الضّرب بالدّفّ: ما أشار إليه

стр. 3448

البيهقيّ. ويمكن أن يقال: إنّ من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوباً كالنّوم في القائلة للتّقوّي على قيام الليل وأكلة السّحر للتّقوّي على صيام النّهار. فيمكن أن يقال: إنّ إظهار الفرح بعود النّبيّ ﷺ سالماً معنى مقصود يحصل به الثّواب. قوله: (ولعن المؤمن كقتله) وللبخاري " ومن لعن مؤمناً فهو كقتله ". واللعن الدّعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى. وقد أخرج أبو داود عن أبي الدّرداء بسندٍ جيّد رفعه " إنّ العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لَم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها ". وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بسندٍ حسن. وآخر عند أبي داود والتّرمذيّ عن ابن عبّاس. ورواته ثقات، ولكنّه أُعلَّ بالإرسال.

стр. 3449

باب النذر النّذر في اللّغة: التزام خيرٍ أو شرٍّ. وفي الشّرع: التزام المكلف شيئاً لَم يكن عليه منجّزاً أو معلقاً. وهو قسمان نذر تبرّرٍ ونذر لجاجٍ. ونذر التّبرّر قسمان. القسم الأول: ما يتقرّب به ابتداء كـ (لله) عليّ أن أصوم كذا , ويلتحق به ما إذا قال: لله عليّ أن أصوم كذا شكراً على ما أنعم به عليّ من شفاء مريضي مثلاً. وقد نقل بعضهم الاتّفاق على صحّته واستحبابه , وفي وجهٍ شاذٍّ لبعض الشّافعيّة أنّه لا ينعقد. القسم الثاني: ما يتقرّب به معلقاً بشيءٍ ينتفع به إذا حصل له كـ: إن قدم غائبي , أو كفاني شرّ عدوّي. فعليّ صوم كذا مثلاً. والمُعلَّق لازمٌ اتّفاقاً , وكذا المنجّز في الرّاجح. ونذر اللجاج قسمان. القسم الأول: ما يعلّقه على فعل حرامٍ , أو ترك واجبٍ. فلا ينعقد في الرّاجح , إلَّا إن كان فرض كفايةٍ , أو كان في فعله مشقّةٌ فيلزمه , ويلتحق به ما يعلقه على فعل مكروهٍ. القسم الثاني: ما يعلّقه على فعلٍ خلاف الأولى أو مباحٍ أو ترك مستحبٍّ. وفيه ثلاثة أقوالٍ للعلماء: الوفاء أو كفّارة يمين أو التّخيير بينهما. واختلف التّرجيح عند الشّافعيّة , وكذا عند الحنابلة , وجزم الحنفيّة بكفّارة اليمين في الجميع , والمالكيّة بأنّه لا ينعقد أصلاً.

стр. 3450

الحديث الثامن ٣٦٨ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله إني كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلةً. وفي روايةٍ: يوماً في المسجد الحرام، قال: فأوف بنذرك. (١) تقدّم شرحه مستوفى في الاعتكاف برقم (٢١٤). الحديث التاسع ٣٦٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبيّ ﷺ , أنه نهى عن النذر، وقال: إنّه لا يأتي بخيرٍ، وإنما يستخرج به من البخيل. (٢) قوله: (نهى عن النذر) في لفظ لمسلمٍ من هذا الوجه عن عبد الله بن مرة عن ابن عمر: أخذ رسول الله ﷺ ينهى عن النّذر. وجاء بصيغة النّهي الصّريحة في رواية العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ: لا تنذروا. وللبخاري من طريق فليح بن سليمان حدّثنا سعيد بن الحارث , أنّه سمع ابن عمر ﵁ يقول: أَوَلم يُنهوا عن النّذر؟ إن النبي ﷺ قال: إنَّ النذر لا يُقدِّم شيئاً , ولا يُؤخِّر. الحديث.

стр. 3451

كذا فيه، وكأنّه اختصر السّؤال , فاقتصر على الجواب. وقد بيّنه الحاكم في " المستدرك " من طريق المعافى بن سليمان، والإسماعيليّ من طريق أبي عامر العقديّ ومن طريق أبي داود. واللفظ له. قالا: حدّثنا فليح عن سعيد بن الحارث , قال: كنت عند ابن عمر فأتاه مسعود بن عمرو - أحد بني عمرو بن كعب - فقال: يا أبا عبد الرّحمن , إنّ ابني كان مع عمر بن عبيد الله بن معمر بأرض فارس , فوقع فيها وباءٌ وطاعونٌ شديدٌ , فجعلتُ على نفسي. لئن سلَّم الله ابني ليمشين إلى بيت الله تعالى، فقدم علينا وهو مريض , ثمّ مات. فما تقول؟ فقال ابن عمر: أَوَلَم تُنهوا عن النّذر؟ إنّ النّبيّ ﷺ . فذكر الحديث المرفوع. وزاد: أوف بنذرك. وقال أبو عامر: فقلت: يا أبا عبد الرّحمن. إنّما نذرتُ أن يمشي ابني. فقال: أوف بنذرك , قال سعيد بن الحارث فقلت له: أتعرف سعيد بن المسيّب؟ قال: نعم. قلت له: اذهب إليه ثمّ أخبرني ما قال لك، قال: فأخبرني أنّه قال له: امش عن ابنك , قلت: يا أبا محمّد , وترى ذلك مقبولاً؟ قال: نعم، أرأيت لو كان على ابنك دين لا قضاء له فقضيته. أكان ذلك مقبولاً؟ قال: نعم. قال: فهذا مثل هذا. انتهى. وأبو عبد الرّحمن كنية عبد الله بن عمر , وأبو محمّد كنية سعيد بن المسيّب، وأخرجه ابن حبّان في " النّوع السّادس والسّتّين من القسم الثّالث " من طريق زيد بن أبي أنيسة متابعاً لفليح بن سليمان عن سعيد

стр. 3452

بن الحارث. فذكر نحوه بتمامه , ولكن لَم يُسمّ الرّجل. وهذا الفرع غريبٌ , وهو أن ينذر عن غيره فيلزم الغير الوفاء بذلك , ثمّ إذا تعذّر لزم النّاذر. وقد كنت أستشكل ذلك، ثمّ ظهر لي أنّ الابنَ أقرّ بذلك والتزم به، ثمّ لَمَّا مات أمره ابن عمر وسعيد أن يفعل ذلك عن ابنه كما يفعل سائر القرب عنه كالصّوم والحجّ والصّدقة. ويحتمل: أن يكون مختصّاً عندهما بما يقع من الوالد في حقّ ولده. فيعقد لوجوب برّ الوالدين على الولد بخلاف الأجنبيّ. قوله: (إنه لا يأتي بخيرٍ) وللبخاري من رواية سعيد بن الحارث " لا يقدّم شيئاً ولا يؤخّر " , ولهما من رواية عبد الله بن مرة عن ابن عمر " لا يردّ شيئاً " وهي أعمّ، ونحوها في حديث أبي هريرة في الصحيحين " لا يأتي ابنَ آدم النّذرُ بشيءٍ لَم يكن قدّر له ". وفي رواية العلاء المشار إليها " فإنّ النّذر لا يغني من القدر شيئاً " , وفي لفظ عنه " لا يردّ القدر " , وفي حديث أبي هريرة عنده " لا يقرّب من ابن آدم شيئاً لَم يكن الله قدّره له ". ومعاني هذه الألفاظ المختلفة متقاربة، وفيها إشارة إلى تعليل النّهي عن النّذر. وقد اختلف العلماء في هذا النّهي: فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من تأوّله. قال ابن الأثير في النّهاية: تكرّر النّهي عن النّذر في الحديث، وهو

стр. 3453

تأكيد لأمره وتحذير عن التّهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزّجر عنه حتّى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنّهي يصير معصيةً فلا يلزم، وإنّما وجه الحديث أنّه قد أعلمهم أنّ ذلك أمر لا يجرّ لهم في العاجل نفعاً ولا يصرف عنهم ضرّاً ولا يغيّر قضاء , فقال: لا تنذروا على أنّكم تدركون بالنّذر شيئاً لَم يقدّره الله لكم أو تصرفوا به عنكم ما قدّره عليكم، فإذا نذرتم فاخرجوا بالوفاء فإنّ الذي نذرتموه لازمٌ لكم. انتهى كلامه. ونسَبَه بعض شرّاح المصابيح للخطّابيّ , وأصله من كلام أبي عبيد فيما نقله ابن المنذر في كتابه الكبير , فقال: كان أبو عبيد يقول: وجه النّهي عن النّذر والتّشديد فيه ليس هو أن يكون مأثماً، ولو كان كذلك ما أمر الله أن يوفّى به ولا حَمِد فاعله، ولكنّ وجهه عندي تعظيم شأن النّذر وتغليظ أمره , لئلا يتهاون به فيفرّط في الوفاء به ويترك القيام به. ثمّ استدل بما ورد من الحثّ على الوفاء به في الكتاب والسّنّة. وإلى ذلك أشار المازريّ بقوله: ذهب بعض علمائنا إلى أنّ الغرض بهذا الحديث التّحفّظ في النّذر والحضّ على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي: أن يكون وجه الحديث أنّ النّاذر يأتي بالقربة مستثقلاً لها لَمَّا صارت عليه ضربة لازبٍ، وكلّ ملزوم فإنّه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار. ويحتمل: أن يكون سببه أنّ النّاذر لَمَّا لَم ينذر القربة إلَّا بشرط أن

стр. 3454

يفعل له ما يريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نيّة المتقرّب. قال: ويشير إلى هذا التّأويل قوله " إنّه لا يأتي بخيرٍ " وقوله " إنّه لا يقرّب من ابن آدم شيئاً لَم يكن الله قدّره له " وهذا كالنّصّ على هذا التّعليل. انتهى. والاحتمال الأوّل: يعمّ أنواع النّذر. والثّاني يخصّ نوع المجازات. وزاد القاضي عياض: ويقال: إنّ الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من أنّه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه، والنّهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظنّ بعض الجهلة. قال: ومحصّل مذهب مالكٍ أنّه مباح. إلَّا إذا كان مؤبّداً لتكرّره عليه في أوقات فقد يثقل عليه فعله فيفعله بالتّكلّف من غير طيب نفس وغير خالص النّيّة فحينئذٍ يكره. قال: وهذا أحد محتملات قوله " لا يأتي بخيرٍ " أي: إنّ عقباه لا تحمد , وقد يتعذّر الوفاء به، وقد يكون معناه لا يكون سبباً لخيرٍ لَم يقدّر كما في الحديث. وبهذا الاحتمال الأخير صدّر ابن دقيق العيد كلامه. فقال: يحتمل أن تكون الباء للسّببيّة كأنّه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس النّاذر وطبعه في طلب القربة والطّاعة من غير عوضٍ يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خيرٌ، وهو فعل الطّاعة التي نذرها، لكنّ سبب ذلك الخير حصول غرضه. وقال النّوويّ: معنى قوله " لا يأتي بخيرٍ " أنّه لا يردّ شيئاً من

стр. 3455

القدر كما بيّنته الرّوايات الأخرى. تنبيهٌ: قوله " لا يأتي " كذا للأكثر، ووقع في بعض النّسخ " لا يأت " بغير ياء وليس بلحنٍ؛ لأنّه قد سمع نظيره من كلام العرب. وقال الخطّابيّ في الأعلام: هذا باب من العلم غريبٌ، وهو أن ينهى عن فعل شيء حتّى إذا فعل كان واجباً، وقد ذكر أكثر الشّافعيّة - ونقله أبو عليّ السّنجيّ عن نصّ الشّافعيّ - أنّ النّذر مكروه لثبوت النّهي عنه , وكذا نقل عن المالكيّة , وجزم به عنهم ابن دقيق العيد. وأشار ابن العربيّ إلى الخلاف عنهم. والجزم عن الشّافعيّة بالكراهة. قال: واحتجّوا بأنّه ليس طاعة محضة , لأنّه لَم يقصد به خالص القربة وإنّما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضرراً بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنّها كراهة تحريمٍ , وتوقّف بعضهم في صحّتها. وقال التّرمذيّ بعد أن ترجم كراهة النّذر، وأورد حديث أبي هريرة. ثمّ قال: وفي الباب عن ابن عمر. العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ وغيرهم كرهوا النّذر. وقال ابن المبارك: معنى الكراهة في النّذر في الطّاعة وفي المعصية، فإن نذر الرّجل في الطّاعة فوفّى به فله فيه أجرٌ، ويكره له النّذر. قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكال على القواعد فإنّها تقتضي أنّ الوسيلة إلى الطّاعة طاعةٌ كما أنّ الوسيلة إلى المعصية معصيةٌ، والنّذر

стр. 3456

وسيلة إلى التزام القربة فيلزم أن يكون قربة إلَّا أنّ الحديث دلَّ على الكراهة. ثمّ أشار إلى التّفرقة بين نذر المجازاة فحمل النّهي عليه , وبين نذر الابتداء فهو قربة محضةٌ. وقال ابن أبي الدّم في شرح الوسيط: القياس استحبابه، والمختار أنّه خلاف الأولى وليس بمكروهٍ. كذا قال، ونوزع بأنّ خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهيٍ , والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النّهي عن النّذر بخصوصه فيكون مكروهاً. وإنّي لأتعجّب ممّن انطلق لسانه بأنّه ليس بمكروهٍ مع ثبوت النهي الصّريح عنه , فأقلّ درجاته أن يكون مكروهاً كراهة تنزيه. وممّن بنى على استحبابه النّوويّ في شرح المهذّب فقال: إنّ الأصحّ أنّ التّلفّظ بالنّذر في الصّلاة لا يبطلها , لأنّها مناجاة لله فأشبه الدّعاء. انتهى. وإذا ثبت النّهي عن الشّيء مطلقاً فترك فعله داخل الصّلاة أولى فكيف يكون مستحبّاً؟ وأحسن ما يُحمل عليه كلام هؤلاء نذر التّبرّر المحض بأن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا أو لأفعلنه على المجازاة. وقد حمل بعضهم النّهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه. حكاه شيخنا في شرح التّرمذيّ. ولَمَّا نقل ابن الرّفعة عن أكثر الشّافعيّة كراهة النّذر وعن القاضي حسين المتولي بعده والغزاليّ أنّه مستحبّ؛ لأنّ الله أثنى على من وفّى به

стр. 3457

, ولأنّه وسيلة إلى القربة فيكون قربة. قال: يمكن أن يتوسّط فيقال: الذي دلَّ الخبر على كراهته نذر المجازاة، وأمّا نذر التّبرّر فهو قربة محضة؛ لأنّ للنّاذر فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التّطوّع. انتهى. وجزم القرطبيّ في " المفهم " بحمل ما ورد في الأحاديث من النّهي على نذر المجازاة. فقال: هذا النّهي محلّه أن يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي فعليّ صدقة كذا، ووجه الكراهة أنّه لَمَّا وقف فعل القربة المذكور على حصول الغرض المذكور ظهر أنّه لَم يتمحّض له نيّة التّقرّب إلى الله تعالى لِما صدر منه بل سلك فيها مسلك المعارضة، ويوضّحه أنّه لو لَم يشف مريضه لَم يتصدّق بما علَّقه على شفائه، وهذه حالة البخيل فإنّه لا يخرج من ماله شيئاً إلَّا بعوضٍ عاجلٍ يزيد على ما أخرج غالباً. وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث لقوله " إنّما يستخرج به من البخيل ما لَم يكن البخيل يخرجه ". (١) قال: وقد ينضمّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أنّ النّذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أنّ الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النّذر، وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضاً " فإنّ النّذر لا يردّ من

стр. 3458

قدر الله شيئاً " والحالة الأولى تقارب الكفر والثّانية خطأ صريح. انتهى قلت: بل تقرب من الكفر أيضاً. ثمّ نقل القرطبيّ عن العلماء حمل النّهي الوارد في الخبر على الكراهة , وقال: الذي يظهر لي أنّه على التّحريم في حقّ من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرّماً، والكراهة في حقّ من لَم يعتقد ذلك. انتهى. وهو تفصيلٌ حسنٌ. ويؤيّده قصّة ابن عمر راوي الحديث في النّهي عن النّذر فإنّها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطّبريّ بسندٍ صحيحٍ عن قتادة في قوله تعالى ﴿يوفون بالنّذر﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والعمرة وما افترض عليهم. فسمّاهم الله أبراراً. وهذا صريح في أنّ الثّناء وقع في غير نذر المجازاة. وكأنّ البخاريّ رمز في التّرجمة (١) إلى الجمع بين الآية والحديث بذلك , وقد يشعر التّعبير بالبخيل أنّ المنهيّ عنه من النّذر ما فيه مال فيكون أخصّ من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطّاعة. كما في الحديث المشهور: البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليّ. أخرجه النّسائيّ وصحَّحه ابن حبّان، أشار إلى ذلك شيخنا في

стр. 3459

شرح التّرمذيّ. ثمّ نقل القرطبيّ الاتّفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة. لقوله ﷺ : من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه. ولَم يفرّق بين المُعلّق وغيره. انتهى والاتّفاق الذي ذكره مُسلَّم، لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوب الوفاء بالنّذر المعلق نظرٌ. قوله: (وإنّما يستخرج به من البخيل) وللبخاري من حديث أبي هريرة ﵁: فيستخرج الله به من البخيل فيؤتيني عليه ما لَم يكن يؤتيني عليه من قبل. كذا للأكثر. أي: يعطيني. ووقع في رواية الكشميهنيّ (١) " يؤتني " بالجزم. ووجّهت بأنّها بدلٌ من قوله " يكن " فجزمت بلم، ووقع في رواية مالك " يؤتي " في الموضعين، وفي رواية ابن ماجه " فييسّر عليه ما لَم يكن ييسّر عليه من قبل ذلك ". وفي رواية مسلم " فيخرج بذلك من البخيل ما لَم يكن البخيل يريد أن يخرج ". وهذه أوضح الرّوايات. قال البيضاويّ: عادة النّاس تعليق النّذر على تحصيل منفعة أو دفع مضرّةٍ، فنهي عنه لأنّه فعل البخلاء؛ إذ السّخيّ إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه , والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلَّا في مقابلة عوض يستوفيه أوّلاً فيلتزمه في مقابلة ما يحصل له، وذلك لا يغني

стр. 3460

من القدر شيئاً فلا يسوق إليه خيراً، لَم يقدّر له ولا يردّ عنه شرّاً قضي عليه، لكنّ النّذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل ما لولاه لَم يكن ليخرجه. قال ابن العربيّ: فيه حجّة على وجوب الوفاء بما التزمه النّاذر، لأنّ الحديث نصَّ على ذلك بقوله " يستخرج به " فإنّه لو لَم يلزمه إخراجه لَما تمّ المراد من وصفه بالبخل من صدور النّذر عنه؛ إذ لو كان مخيّراً في الوفاء لاستمرّ لبخله على عدم الإخراج. وفي الحديث الرّدّ على القدريّة. وأمّا ما أخرجه التّرمذيّ من حديث أنس: إنّ الصّدقة تدفع ميتة السّوء. فظاهره يعارض قوله " إنّ النّذر لا يردّ القدر ". ويُجمع بينهما: بأنّ الصّدقة تكون سبباً لدفع ميتة السّوء، والأسباب مقدّرة كالمسبّبات، وقد قال ﷺ لمن سأله عن الرّقى. هل تردّ من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله. أخرجه أبو داود والحاكم. ونحوه قول عمر: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. ومثل ذلك مشروعيّة الطّبّ والتّداوي. وقال ابن العربيّ: النّذر شبيه بالدّعاء فإنّه لا يردّ القدر , ولكنّه من القدر أيضاً، ومع ذلك فقد نهي عن النّذر وندب إلى الدّعاء، والسّبب فيه أنّ الدّعاء عبادةٌ عاجلةٌ، ويظهر به التّوجّه إلى الله والتّضرّع له والخضوع، وهذا بخلاف النّذر فإنّ فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضّرورة. والله أعلم.

стр. 3461

وفي الحديث أنّ كلّ شيء يبتدئه المُكلّف من وجوه البرّ أفضل ممّا يلتزمه بالنّذر. قاله الماورديّ. وفيه الحثّ على الإخلاص في عمل الخير وذمّ البخل، وأنّ من اتّبع المأمورات واجتنب المنهيّات لا يعدّ بخيلاً. تنْبيهٌ: قال ابن المنير: مناسبة أحاديث الباب لترجمة الوفاء بالنّذر. قوله " يستخرج به من البخيل ". وإنّما يخرج البخيل ما تعيّن عليه إذ لو أخرج ما يتبرّع به لكان جواداً. وقال الكرمانيّ: يؤخذ معنى التّرجمة من لفظ " يستخرج ". قلت: ويحتمل أن يكون البخاريّ أشار إلى تخصيص النّذر المنهيّ عنه بنذر المعاوضة واللجاج بدليل الآية، فإنّ الثّناء الذي تضمّنته محمول على نذر القربة، فيُجمع بين الآية والحديث بتخصيص كلٍّ منهما بصورةٍ من صور النّذر. والله أعلم. قوله: (من البخيل) كذا في أكثر الرّوايات، ووقع في رواية مسلم في حديث ابن عمر " من الشّحيح ". وكذا للنّسائيّ. وفي رواية ابن ماجه " من اللئيم ". ومدار الجميع على منصور بن المعتمر عن عبد الله بن مرّة. فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرّواة عن منصور، والمعاني متقاربة؛ لأنّ الشّحّ أخصّ واللّؤمَ أعمّ. قال الرّاغب: البخل إمساك ما يقتضى عمّن يستحقّ، والشّحّ بخلٌ مع حرصٍ، واللّؤم فعل ما يلام عليه.

стр. 3462

الحديث العاشر ٣٧٠ - عن عقبة بن عامرٍ ﵁ , قال: نذرتْ أختي أن تَمشيَ إلى بيت الله الحرام حافيةً، فأمرتْنِي أن أستفْتِي لها رسول الله ﷺ فاستفْتيْتُه، فقال: لتمش ولتركب. (١) قوله: (عن عقبة بن عامر) هو الجهنيّ. كذا وقع عند أحمد ومسلم وغيرهما في هذا الحديث. (٢) قوله: (نذرت أختي) قال المنذريّ وابن القسطلانيّ والقطب الحلبيّ ومن تبعهم: هي أمّ حبّان بنت عامر، وهي بكسر المهملة وتشديد الموحّدة، ونسبوا ذلك لابن ماكولا فوهِموا. فإنّ ابن ماكولا إنّما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنّما ذكر في طبقات النّساء أمّ حبّان بنت عامر بن نابي - بنونٍ وموحّدة - ابن زيد بن حرام - بمهملتين - الأنصاريّة. قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي، شهد بدراً، وهي زوج حرام بن محيّصة، وكان ذكرَ قبل عقبة بن عامر بن نابي الأنصاريّ , وأنّه شهد بدراً , ولا رواية له.

стр. 3463

وهذا كلّه مغاير للجهنيّ. فإنّ له رواية كثيرة. ولَم يشهد بدراً , وليس أنصاريّاً، فعلى هذا لَم يُعرف اسم أخت عقبة بن عامر الجهنيّ، وقد كنت تبعت في المقدّمة من ذكرتُ ثمّ رجعتُ الآن عن ذلك. وبالله التّوفيق. قوله: (أن تَمشي إلى بيت الله) ولأحمد وأصحاب السّنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر الجهنيّ , أنّ أخته نذرت أنْ تمشي حافية غير مختمرة. وزاد الطّبريّ من طريق إسحاق بن سالم عن عقبة بن عامر " وهي امرأة ثقيلة والمشي يشقّ عليها ". ولأبي داود من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس , أنّ عقبة بن عامر سأل النّبيّ ﷺ , فقال: إنّ أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا إليه ضعفها. قوله: (فقال ﷺ : لتمش ولتركب) في رواية عبد الله بن مالك " مرها فلتختمر , ولتركب , ولتصم ثلاثة أيّام " وروى مسلم عقب هذا الحديث حديثَ عبد الرّحمن بن شماسة - وهو بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها مهملة - عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رفعه: كفّارة النّذر كفّارة اليمين. ولعله مختصر من هذا الحديث، فإنّ الأمر بصيام ثلاثة أيّام هو أحد أوجه كفّارة اليمين. لكن وقع عند البيهقي في رواية عكرمة المذكورة. قال: فلتركب ولتهد بدنة. وأصله عند أبي داود بلفظ " ولتهد

стр. 3464

هدياً ". ووهِم من نسب إليه أنّه أخرج هذا الحديث بلفظ " ولتهد بدنةً " , وأورده من طريق أخرى عن عكرمة بغير ذِكر الهدي. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عبّاس بلفظ: جاء رجلٌ , فقال: إنّ أختي حلفت أن تمشي إلى البيت، وإنّه يشقّ عليها المشي، فقال: مُرها فلتركب إذا لَم تستطع أن تمشي , فما أغنى الله أن يشقّ على أختك. ومن طريق كريب عن ابن عبّاس , جاء رجلٌ فقال: يا رسولَ الله. إنّ أختي نذرت أن تحجّ ماشية، فقال: إنّ الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، لتحجّ راكبةً ثمّ لتكفّر يمينها. وأخرجه أصحاب السّنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تحجّ ماشية غير مختمرة. فذكرتْ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: مر أختك فلتختمر , ولتركب , ولتصم ثلاثة أيّام. ونقل التّرمذيّ عن البخاريّ: أنّه لا يصحّ فيه الهدي. وقد أخرج الطّبرانيّ من طريق أبي تميم الجيشانيّ عن عقبة بن عامر في هذه القصّة " نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً حاسرةً. وفيه: لتركب ولتلبس ولتصم " , وللطّحاويّ من طريق أبي عبد الرّحمن الحبليّ عن عقبة بن عامر نحوه. وأخرج البيهقيّ بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة: بينما رسول الله ﷺ يسير في جوف الليل إذ بصر بخيَالٍ نفرتْ منه الإبل، فإذا امرأة

стр. 3465

عريانة نافضةٌ شعرها، فقالت: نذرتُ أن أحجّ ماشيةً عريانة نافضةً شعري، فقال: مرها فلتلبس ثيابها ولتهرق دماً. وأورد من طريق الحسن عن عمران رفعه: إذا نذر أحدكم أن يحجّ ماشياً فليهد هدياً وليركب. وفي سنده انقطاع. وفي الحديث صحّة النّذر بإتيان البيت الحرام. وعن أبي حنيفة إذا لَم ينو حجّاً ولا عمرةً لا ينعقد. ثمّ إن نَذَرَه راكباً لزمه , فلو مشى لزمه دم لترفّهه بتوفّر مؤنة الرّكوب، وإن نَذَرَه ماشياً لزمه من حيث أحرم إلى أن تنتهي العمرة أو الحجّ، وهو قول صاحبي أبي حنيفة. فإن ركب بعذرٍ أجزأه , ولزمه دم في أحد القولين عن الشّافعيّ. واختلف. هل يلزمه بدنةٌ أو شاةٌ؟. وإنْ ركب بلا عذر لزمه الدّم، وعن المالكيّة في العاجز يرجع من قابِل فيمشي ما ركب إلَّا إنْ عجَزَ مطلقاً فيلزمه الهدي، وليس في طرق حديث عقبة ما يقتضي الرّجوع، فهو حجّة للشّافعيّ ومن تبِعه. وعن عبد الله بن الزّبير: لا يلزمه شيء مطلقاً. قال القرطبيّ: زيادة الأمر بالهدي رواتها ثقات ولا تردّ، وليس سكوت من سكت عنها بحجّةٍ على من حفظها وذكرها. قال: والتّمسّك بالحديث في عدم إيجاب الرّجوع ظاهر، ولكنّ عمدة مالك عمل أهل المدينة.

стр. 3466

الحديث الحادي عشر ٣٧١ - عن عبد الله بن عباسٍ ﵁ , أنه قال: استفتَى سعدُ بنُ عبادة رسولَ الله ﷺ في نذرٍ كان على أُمّه، توفّيت قبل أن تقضيَه، فقال رسول الله ﷺ : فاقضه عنها. (١) قوله: (عن عبد الله بن عباس ﵁ أنّه قال: استفتى سعدُ بنُ عبادة) كذا رواه مالك , وتابعه الليث وبكر بن وائل وغيرهما عن الزّهريّ عن عبيد الله بن عبد الله. وقال سليمان بن كثير عن الزّهريّ عن عبيد الله: عن ابن عبّاس عن سعد بن عبادة , أنّه استفتى. جعله من مسند سعد. أخرج جميع ذلك النّسائيّ. وأخرجه أيضاً من رواية الأوزاعيّ , ومن رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الزّهريّ على الوجهين. وابن عبّاس لَم يدرك القصّة كما سيأتي، فتعيّن ترجيح رواية من زاد فيه " عن سعد بن عبادة " ويكون ابن عبّاس قد أخذه عنه. ويحتمل: أن يكون أخذه عن غيره , ويكون قول مَن قال " عن سعد بن عبادة " لَم يقصد به الرّواية، وإنّما أراد عن قصّة سعدِ بن

стр. 3467

عبادة فتتّحد الرّوايتان. قوله: (استفتى سعد بن عبادة) أي: ابن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة يكنى أبا ثابت، وهو والد قيس بن سعد أحد مشاهير الصحابة. وكان سعدٌ كبيرَ الخزرج , وأحد المشهورين بالجود، ومات بحوران من أرض الشام سنة أربع عشرة , أو خمس عشرة في خلافة عمر. قوله: (في نذرٍ كان على أمّه) هي عمرة بنت مسعود. وقيل: سعد بن قيس بن عمرو. أنصاريّة خزرجيّة. ذكر ابن سعد , أنّها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس والنّبيّ ﷺ في غزوة دومة الجندل وابنها سعد بن عبادة معه، قال: فلمّا رجعوا جاء النّبيّ ﷺ فصلَّى على قبرها. وعلى هذا فهذا الحديث مرسل صحابيّ , لأنّ ابن عبّاس كان حينئذٍ مع أبويه بمكّة؛ والذي يظهر أنّه سمعه من سعد بن عبادة. قوله: (توفّيت قبل أن تقضيه) وللبخاري " إنّ أمّي ماتت وعليها نذر " , وفي رواية قتيبة عن مالك " لَم تقضه " (١). وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة " أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟

стр. 3468

قال: أعتق عن أمّك " فأفادت هذه الرّواية بيان ما هو النّذر المذكور، وهو أنّها نذرت أن تعتق رقبة فماتت قبل أن تفعل. ويحتمل: أن تكون نذرت نذراً مطلقاً غير معيّن. فيكون في الحديث حجّة لمن أفتى في النّذر المطلق بكفّارة يمين، والعتق أعلى كفّارات الأيمان، فلذلك أمره أن يعتق عنها. وحكى ابن عبد البرّ عن بعضهم: أنّ النّذر الذي كان على والدة سعد صيام، واستند إلى حديث ابن عبّاس في البخاري , أنّ رجلاً قال: يا رسولَ الله إنّ أمّي ماتت وعليها صوم. الحديث، ثمّ ردّه بأنّ في بعض الرّوايات عن ابن عبّاس: جاءت امرأة فقالت: إنّ أختي ماتت. قلت: والحقّ أنّها قصّة أخرى، وقد أوضحت ذلك في كتاب الصّيام (١). تكملة: أخرج البخاري من وجه آخر عن ابن عبّاس , أنَّ سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إنّ أمّي توفّيت وأنا غائب عنها. فهل ينفعها شيء إن تصدّقت به عنها؟. قال: نعم. الحديث. ولا تنافي بينه وبين قوله " إنّ أمّي ماتت وعليها نذر ". لاحتمال أن يكون سأل عن النّذر وعن الصّدقة عنها.

стр. 3469

وبيّن النّسائيّ من وجه آخر الصّدقة المذكورة. فأخرج من طريق سعيد بن المسيّب عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسولَ الله إنّ أمّي ماتت، أفأتصدّق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: سقي الماء. وأخرجه الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " من طريق حمّاد بن خالد عنه بإسناد الحديث , لكن بلفظ , إنّ سعداً قال: يا رسولَ الله. أتنتفع أمّي إن تصدّقت عنها. وقد ماتت؟ قال: نعم. قال: فما تأمرني؟ قال: اسق الماء. والمحفوظ عن مالك ما وقع في هذا الباب. والله أعلم. قوله: (فاقضه عنها) زاد البخاري " فأفتاه أن يقضيه عنها , فكانت سُنّة بعدُ " أي: صار قضاء الوارث ما على المورث طريقةً شرعيّةً أعمّ من أن يكون وجوباً أو ندباً. ولَم أر هذه الزّيادة في غير رواية شعيب عن الزّهريّ. فقد أخرج الحديث الشّيخان من رواية مالك والليث , وأخرجه مسلم أيضاً من رواية ابن عيينة ويونس ومعمر وبكر بن وائل، والنّسائيّ من رواية الأوزاعيّ، والإسماعيليّ من رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلّهم عن الزّهريّ بدونها، وأظنّها من كلام الزّهريّ. ويحتمل: من شيخه. وفيها تعقّب على ما نُقل عن مالك: لا يحجّ أحدٌ عن أحدٍ.

стр. 3470

واحتجّ: بأنّه لَم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله ﷺ أنّه حجّ عن أحد، ولا أمر به، ولا أذن فيه. فيقال لمن قلَّد: قد بلغ ذلك غيرَه؛ وهذا الزّهريّ معدود في فقهاء أهل المدينة، وكان شيخه في هذا الحديث. وقد استدل بهذه الزّيادة ابن حزم للظّاهريّة ومن وافقهم في أنّ الوارث يلزمه قضاء النّذر عن مورثه في جميع الحالات. قال: وقد وقع نظير ذلك في حديث الزّهريّ عن سهيل في اللعان لَمَّا فارقها الرّجل قبل أن يأمره النّبيّ ﷺ بفراقها , قال: فكانت سنّة. واختلف في تعيين نذر أمّ سعد. فقيل: كان صوماً. لِما رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس , جاء رجل فقال: يا رسولَ الله إنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر. أفأقضيه عنها؟ قال: نعم الحديث. وتعقّب: بأنّه لَم يتعيّن أنّ الرّجل المذكور هو سعد بن عبادة. وقيل: كان عتقاً. قاله ابن عبد البرّ. واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمّد , أنّ سعد بن عبادة قال: يا رسولَ الله إنّ أمّي هلكت. فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم. وتعقّب: بأنّه مع إرساله. ليس فيه التّصريح بأنّها كانت نذرت ذلك. وقيل: كان نذرها صدقة، ودليله في " الموطّأ " وغيره من وجه آخر عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن
следующие страницы →