الحديث الحادي عشر
٣٧١ - عن عبد الله بن عباسٍ ﵁ , أنه قال: استفتَى سعدُ بنُ عبادة رسولَ الله ﷺ في نذرٍ كان على أُمّه، توفّيت قبل أن تقضيَه، فقال رسول الله ﷺ : فاقضه عنها. (١)
قوله: (عن عبد الله بن عباس ﵁ أنّه قال: استفتى سعدُ بنُ عبادة) كذا رواه مالك , وتابعه الليث وبكر بن وائل وغيرهما عن الزّهريّ عن عبيد الله بن عبد الله. وقال سليمان بن كثير عن الزّهريّ عن عبيد الله: عن ابن عبّاس عن سعد بن عبادة , أنّه استفتى. جعله من مسند سعد. أخرج جميع ذلك النّسائيّ.
وأخرجه أيضاً من رواية الأوزاعيّ , ومن رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الزّهريّ على الوجهين.
وابن عبّاس لَم يدرك القصّة كما سيأتي، فتعيّن ترجيح رواية من زاد فيه " عن سعد بن عبادة " ويكون ابن عبّاس قد أخذه عنه.
ويحتمل: أن يكون أخذه عن غيره , ويكون قول مَن قال " عن سعد بن عبادة " لَم يقصد به الرّواية، وإنّما أراد عن قصّة سعدِ بن
стр. 3467
عبادة فتتّحد الرّوايتان.
قوله: (استفتى سعد بن عبادة) أي: ابن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة يكنى أبا ثابت، وهو والد قيس بن سعد أحد مشاهير الصحابة.
وكان سعدٌ كبيرَ الخزرج , وأحد المشهورين بالجود، ومات بحوران من أرض الشام سنة أربع عشرة , أو خمس عشرة في خلافة عمر.
قوله: (في نذرٍ كان على أمّه) هي عمرة بنت مسعود. وقيل: سعد بن قيس بن عمرو. أنصاريّة خزرجيّة.
ذكر ابن سعد , أنّها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس والنّبيّ ﷺ في غزوة دومة الجندل وابنها سعد بن عبادة معه، قال: فلمّا رجعوا جاء النّبيّ ﷺ فصلَّى على قبرها.
وعلى هذا فهذا الحديث مرسل صحابيّ , لأنّ ابن عبّاس كان حينئذٍ مع أبويه بمكّة؛ والذي يظهر أنّه سمعه من سعد بن عبادة.
قوله: (توفّيت قبل أن تقضيه) وللبخاري " إنّ أمّي ماتت وعليها نذر " , وفي رواية قتيبة عن مالك " لَم تقضه " (١).
وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة " أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟
стр. 3468
قال: أعتق عن أمّك " فأفادت هذه الرّواية بيان ما هو النّذر المذكور، وهو أنّها نذرت أن تعتق رقبة فماتت قبل أن تفعل.
ويحتمل: أن تكون نذرت نذراً مطلقاً غير معيّن. فيكون في الحديث حجّة لمن أفتى في النّذر المطلق بكفّارة يمين، والعتق أعلى كفّارات الأيمان، فلذلك أمره أن يعتق عنها.
وحكى ابن عبد البرّ عن بعضهم: أنّ النّذر الذي كان على والدة سعد صيام، واستند إلى حديث ابن عبّاس في البخاري , أنّ رجلاً قال: يا رسولَ الله إنّ أمّي ماتت وعليها صوم. الحديث، ثمّ ردّه بأنّ في بعض الرّوايات عن ابن عبّاس: جاءت امرأة فقالت: إنّ أختي ماتت.
قلت: والحقّ أنّها قصّة أخرى، وقد أوضحت ذلك في كتاب الصّيام (١).
تكملة: أخرج البخاري من وجه آخر عن ابن عبّاس , أنَّ سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إنّ أمّي توفّيت وأنا غائب عنها. فهل ينفعها شيء إن تصدّقت به عنها؟. قال: نعم. الحديث.
ولا تنافي بينه وبين قوله " إنّ أمّي ماتت وعليها نذر ". لاحتمال أن يكون سأل عن النّذر وعن الصّدقة عنها.
стр. 3469
وبيّن النّسائيّ من وجه آخر الصّدقة المذكورة. فأخرج من طريق سعيد بن المسيّب عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسولَ الله إنّ أمّي ماتت، أفأتصدّق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: سقي الماء.
وأخرجه الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " من طريق حمّاد بن خالد عنه بإسناد الحديث , لكن بلفظ , إنّ سعداً قال: يا رسولَ الله. أتنتفع أمّي إن تصدّقت عنها. وقد ماتت؟ قال: نعم. قال: فما تأمرني؟ قال: اسق الماء.
والمحفوظ عن مالك ما وقع في هذا الباب. والله أعلم.
قوله: (فاقضه عنها) زاد البخاري " فأفتاه أن يقضيه عنها , فكانت سُنّة بعدُ " أي: صار قضاء الوارث ما على المورث طريقةً شرعيّةً أعمّ من أن يكون وجوباً أو ندباً.
ولَم أر هذه الزّيادة في غير رواية شعيب عن الزّهريّ.
فقد أخرج الحديث الشّيخان من رواية مالك والليث , وأخرجه مسلم أيضاً من رواية ابن عيينة ويونس ومعمر وبكر بن وائل، والنّسائيّ من رواية الأوزاعيّ، والإسماعيليّ من رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلّهم عن الزّهريّ بدونها، وأظنّها من كلام الزّهريّ.
ويحتمل: من شيخه.
وفيها تعقّب على ما نُقل عن مالك: لا يحجّ أحدٌ عن أحدٍ.
стр. 3470
واحتجّ: بأنّه لَم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله ﷺ أنّه حجّ عن أحد، ولا أمر به، ولا أذن فيه.
فيقال لمن قلَّد: قد بلغ ذلك غيرَه؛ وهذا الزّهريّ معدود في فقهاء أهل المدينة، وكان شيخه في هذا الحديث.
وقد استدل بهذه الزّيادة ابن حزم للظّاهريّة ومن وافقهم في أنّ الوارث يلزمه قضاء النّذر عن مورثه في جميع الحالات.
قال: وقد وقع نظير ذلك في حديث الزّهريّ عن سهيل في اللعان لَمَّا فارقها الرّجل قبل أن يأمره النّبيّ ﷺ بفراقها , قال: فكانت سنّة.
واختلف في تعيين نذر أمّ سعد.
فقيل: كان صوماً. لِما رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس , جاء رجل فقال: يا رسولَ الله إنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر. أفأقضيه عنها؟ قال: نعم الحديث.
وتعقّب: بأنّه لَم يتعيّن أنّ الرّجل المذكور هو سعد بن عبادة.
وقيل: كان عتقاً. قاله ابن عبد البرّ. واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمّد , أنّ سعد بن عبادة قال: يا رسولَ الله إنّ أمّي هلكت. فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم.
وتعقّب: بأنّه مع إرساله. ليس فيه التّصريح بأنّها كانت نذرت ذلك.
وقيل: كان نذرها صدقة، ودليله في " الموطّأ " وغيره من وجه آخر عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن
стр. 3471
أبيه عن جده , أنّ سعداً خرج مع النّبيّ ﷺ في بعض مغازيه وحضرت أمَّه الوفاةُ في المدينة , فقيل لأُمِّه: أوصي، قالت: المال مال سعدٍ؛ فتوفّيت قبل أن يقدم , فقال: يا رسولَ الله. هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: نعم. وعند أبي داود من وجه آخر نحوه. وزاد: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: الماء. الحديث.
وليس في شيء من ذلك التّصريح بأنّها نذرت ذلك.
قال عياض: والذي يظهر أنّه كان نذرها في المال أو مبهماً.
قلت: بل ظاهر حديث الباب أنّه كان معيّناً عند سعد، والله أعلم.
وفي الحديث قضاء الحقوق الواجبة عن الميّت.
وقد ذهب الجمهور إلى أنّ من مات، وعليه نذرٌ ماليٌّ أنّه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لَم يوص , إلَّا إن وقع النّذر في مرض الموت فيكون من الثّلث.
وشرط المالكيّة والحنفيّة. أن يوصي بذلك مطلقاً.
واستدل للجمهور بقصّة أمّ سعد هذه، وقول الزّهريّ: إنّها صارت سنّةً بعدُ، ولكن يمكن أن يكون سعد قضاه من تركتها أو تبرّع به.
وفيه استفتاء الأعلم، وفيه فضل برّ الوالدين بعد الوفاة والتّوصّل إلى براءة ما في ذمّتهم.
وقد اختلف أهل الأصول في الأمر بعد الاستئذان. هل يكون كالأمر بعد الحظر أو لا؟.
стр. 3472
فرجّح صاحب " المحصول " أنّه مثله، والرّاجح عند غيره أنّه للإباحة كما رجّح جماعةٌ في الأمر بعد الحظر أنّه للاستحباب.
وفيه أنّ ترك الوصيّة جائز , لأنّه ﷺ لَم يذمّ أمّ سعد على ترك الوصيّة , قاله ابن المنذر.
وتعقّب: بأنّ الإنكار عليها قد تعذّر لموتها وسقط عنها التّكليف.
وأجيب: بأنّ فائدة إنكار ذلك لو كان منكراً ليتّعظ غيرها ممّن سمعه، فلمّا أقرّ على ذلك دلَّ على الجواز.
وفيه ما كان الصّحابة عليه من استشارة النّبيّ ﷺ في أمور الدّين.
وفيه الجهاد في حياة الأمّ وهو محمول على أنّه استأذنها.
وفيه السّؤال عن التّحمّل والمسارعة إلى عمل البرّ , والمبادرة إلى برّ الوالدين.
تكميل: قال البخاري: وأمر ابن عمر امرأةً جعلت أمُّها على نفسها صلاة بقباءٍ - يعني فماتت - فقال: صلّي عنها. (١)
وأخرج مالك عن عبد الله بن أبي بكر. أي: ابن محمّد بن عمرو بن حزم عن عمّته , أنّها حدّثته عن جدّته , أنّها كانت جعلت على نفسها مشياً إلى مسجد قباءٍ فماتت ولَم تقضه , فأفتى عبد الله بن عبّاس ابنتها أن تمشي عنها.
وأخرجه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبير. قال مرّة:
стр. 3473
عن ابن عبّاس قال: إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليّه.
ومن طريق عون بن عبد الله بن عتبة , أنّ امرأة نذرت أن تعتكف عشرة أيّام فماتت ولَم تعتكف , فقال ابن عبّاس: اعتكف عن أمّك.
وجاء عن ابن عمر وابن عبّاس خلاف ذلك.
فقال مالك في " الموطّأ ": إنّه بلغه , أنّ عبد الله بن عمر كان يقول: لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ , ولا يصوم أحدٌ عن أحد.
وأخرج النّسائيّ من طريق أيّوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس. قال: لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ , ولا يصوم أحد عن أحد.
أورده ابن عبد البرّ من طريقه موقوفاً , ثمّ قال: والنّقل في هذا عن ابن عبّاس مضطرب.
قلت: ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حقّ من مات , والنّفي في حقّ الحيّ.
ثمّ وجدت عنه ما يدلّ على تخصيصه في حقّ الميّت بما إذا مات وعليه شيء واجب , فعند ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ: سئل ابن عبّاس عن رجل مات وعليه نذر. فقال: يصام عنه النّذر.
وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله " صلي عنها ". العمل بقوله ﷺ : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث. فعدّ منها الولد , لأنّ الولد من كسبه فأعماله الصّالحة مكتوبة للوالد من غير أن ينقص من أجره، فمعنى صلي عنها أنّ صلاتك مكتتبةٌ لها ولو
стр. 3474
كنت إنّما تنوي عن نفسك.
كذا قال , ولا يخفى تكلّفه. وحاصل كلامه تخصيص الجواز بالولد، وإلى ذلك جنح ابن وهب وأبو مصعب من أصحاب الإمام مالك.
وفيه تعقّب على ابن بطّال حيث نقل الإجماع , أنّه لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ لا فرضاً ولا سنّة. لا عن حيّ ولا عن ميّت.
ونقل عن المُهلَّب , أنّ ذلك لو جاز لجاز في جميع العبادات البدنيّة , ولكان الشّارع أحقّ بذلك أن يفعله عن أبويه، ولما نهي عن الاستغفار لعمّه، ولبطل معنى قوله ﴿ولا تكسب كلّ نفسٍ إلَّا عليها﴾. انتهى
وجميع ما قال لا يخفى وجه تعقّبه. خصوصاً ما ذكره في حقّ الشّارع، وأمّا الآية فعمومها مخصوص اتّفاقاً. والله أعلم.
تنْبيهٌ: ذكر الكرمانيّ أنّه وقع في بعض النّسخ. قال: صلي عليها. وجّه بأنّ " على " بمعنى " عن " على رأيٍ.
قال: أو الضّمير راجعٌ إلى قباءٍ.
стр. 3475
الحديث الثاني عشر
٣٧٢ - عن كعب بن مالكٍ ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله إنّ من توبتي أنْ أنْخَلِع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله ﷺ : أَمسِك عليك بعضَ مالِك، فهو خيرٌ لك. (١)
قوله: (عن كعب بن مالكٍ) (٢)
قوله: (قلت: يا رسولَ الله إنّ من توبتي) أي: الحديث الطّويل في قصّة تخلّفه في غزوة تبوك , ونَهْي النّبيّ ﷺ عن كلامِه وكلامِ رفيقَيه.
стр. 3476
وعند ابن مردويه من وجه آخر عن كعب بن مالك: لَمَّا نزلت توبتي أتيت النبي ﷺ فقبَّلت يده وركبته.
قوله: (أن أنخلع) بنونٍ وخاءٍ معجمةٍ. أي: أعرى من مالي كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه.
قوله: (صدقةً) هو مصدر في موضع الحال. أي: متصدّقاً، أو ضمّن أنخلع معنى أتصدّق , وهو مصدر أيضاً.
قوله: (أمسك عليك بعضَ مالك , فهو خير لك) زاد أبو داود عن أحمد بن صالح (١) عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب " فقلت: إنّي أمسك سهمي الذي بخيبر ". وهو عند البخاري من وجه آخر عن ابن شهاب.
ووقع في رواية ابن إسحاق عن الزّهريّ بهذا السّند عند أبي داود بلفظ: إنّ من توبتي أن أخرج من مالي كلّه لله ورسوله صدقةً، قال: لا، قلت: فنصفه؟، قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم، قلت: فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر.
وأخرج من طريق ابن عيينة عن الزّهريّ عن ابن كعب بن مالك عن أبيه , أنّه قال للنّبيّ ﷺ فذكر الحديث. وفيه. وإنّي أنخلع من مالي كلّه صدقة، قال: يجزي عنك الثّلث. وفي حديث أبي لبابة عند أحمد وأبي داود نحوه.
وقد اختلف السّلف فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله على عشرة
стр. 3477
مذاهب.
القول الأول: قال مالك: يلزمه الثّلث بهذا الحديث.
ونوزع. في أنّ كعب بن مالك لَم يصرّح بلفظ النّذر ولا بمعناه، بل يحتمل أنّه نجّز النّذر، ويحتمل أن يكون أراده فاستأذن، والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهرٍ في صدور النّذر منه، وإنّما الظّاهر أنّه أراد أن يؤكّد أمر توبته بالتّصدّق بجميع ماله شكراً لله تعالى على ما أنعم به عليه.
وقال الفاكهانيّ في شرح العمدة: كان الأولى بكعبٍ أن يستشير ولا يستبدّ برأيه، لكن كأنّه قامت عنده حالٌ لفرحه بتوبته. ظهر له فيها أنّ التّصدّق بجميع ماله مستحقٌّ عليه في الشّكر. فأورد الاستشارة بصيغة الجزم. انتهى
وكأنّه أراد أنّه استبدّ برأيه في كونه جزم بأنّ من توبته أن ينخلع من جميع ماله إلَّا أنّه نجّز ذلك.
وقال ابن المنير: لَم يبتّ كعب الانخلاع بل استشار. هل يفعل أو لا؟.
قلت: ويحتمل أن يكون استفهم وحذفت أداة الاستفهام، ومن ثَمّ كان الرّاجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء لمن التزم أن يتصدّق بجميع ماله إلَّا إذا كان على سبيل القربة.
القول الثاني: إن كان مليّاً لزمه، وإن كان فقيراً فعليه كفّارة يمين، وهذا قول الليث.
стр. 3478
القول الثالث: عن ابن وهب. كقول الليث. وزاد: وإن كان متوسّطاً يخرج قدر زكاة ماله.
القول الرابع: عن أبي حنيفة. يخرج قدر زكاة ماله بغير تفصيل , وهو قول ربيعة
القول الخامس: عن الشّعبيّ وابن أبي لبابة. لا يلزم شيء أصلاً.
القول السادس: عن قتادة. يلزم الغنيّ العشر والمتوسّط السّبع والمملق الخمس.
القول السابع: يلزم الكلّ إلَّا في نذر اللجاج فكفّارته يمين.
القول الثامن: عن سحنونٍ يلزمه أن يخرج ما لا يضرّ به.
القول التاسع: عن الثّوريّ والأوزاعيّ وجماعة. يلزمه كفّارة يمين بغير تفصيل.
القول العاشر: عن النّخعيّ يلزمه الكلّ بغير تفصيل.
وإذا تقرّر ذلك فمناسبة حديث كعب لترجمة البخاري " باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة " أنّ معنى التّرجمة أنّ من أهدى أو تصدّق بجميع ماله إذا تاب من ذنب , أو إذا نذر. هل ينفذ ذلك إذا نجّزه أو علقه؟.
وقصّة كعب منطبقة على الأوّل - وهو التّنجيز - لكن لَم يصدر منه تنجيزٌ كما تقرّر، وإنّما استشار فأشير عليه بإمساك البعض فيكون الأولى لمن أراد أن ينجز التّصدّق بجميع ماله أو يعلقه أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنّه لو نجّزه لَم ينفذ.
стр. 3479
أمّا التّصدّق بجميع المال فيختلف باختلاف الأحوال.
الحال الأولى: من كان قويّاً على ذلك يعلم من نفسه الصّبر لَم يمنع. وعليه يتنزّل فعل أبي بكر الصّدّيق وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين ولو كان بهم خصاصةٌ.
الحال الثانية: من لَم يكن كذلك فلا. وعليه يتنزّل " لا صدقة إلَّا عن ظهر غنىً " وفي لفظ " أفضل الصّدقة ما كان عن ظهر غنىً " (١)
قال ابن دقيق العيد: في حديث كعب أنّ للصّدقة أثراً في محو الذّنوب. ومن ثَمّ شرعت الكفّارة الماليّة.
ونازعه الفاكهانيّ فقال: التّوبة تجبّ ما قبلها، وظاهر حال كعب أنّه أراد فعل ذلك على جهة الشّكر.
قلت: مراد الشّيخ أنّه يؤخذ من قول كعب " إنّ من توبتي .. إلخ " أنّ للصّدقة أثراً في قبول التّوبة التي يتحقّق بحصولها محو الذّنوب، والحجّة فيه تقرير النّبيّ ﷺ له على القول المذكور.
ويؤخذ منها جواز وقف المشاع، وشاهده قوله " أمسك عليك بعض مالك " فإنّه ظاهر في أمره بإخراج بعض ماله وإمساك بعض ماله من غير تفصيل بين أن يكون مقسوماً أو مشاعاً، فيحتاج من منع
стр. 3480
وقف المشاع إلى دليل المنع.
والمخالف فيه محمّد بن الحسن , لكن خصّ المنع بما يمكن قسمته.
واحتجّ له الجوريّ - بضمّ الجيم - وهو من الشّافعيّة: بأنّ القسمة بيع , وبيع الوقف لا يجوز.
وتعقّب: بأنّ القسمة إفراز , فلا محذور. والله أعلم.
стр. 3481
باب القضاء
الحديث الأول
٣٧٣ - عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ. (١)
وفي لفظ: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ (٢).
قوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه) في رواية الإسماعيليّ من طريق محمّد بن خالد الواسطيّ عن إبراهيم بن سعد عن أبيه , أنّ رجلاً من آل أبي جهل أوصى بوصايا فيها أَثَرَة في ماله، فذهبتُ إلى القاسم بن محمّد أستشيره , فقال القاسم: سمعت عائشة. فذكره.
وسيأتي بيان الأثرة المذكورة في رواية المخرميّ المعلّقة عن العلاء بن عبد الجبّار.
قوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا) علَّقه البخاري عن عبد الله بن جعفر المخرميّ - بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الرّاء نسبة إلى المسور بن مخرمة - فجعفر هو ابن عبد الرّحمن بن المسور بن
стр. 3482
مخرمة.
وروايته هذه. وصلها مسلم من طريق أبي عامر العقديّ , والبخاريّ في " كتاب خلق أفعال العباد " كلاهما عنه عن سعد بن إبراهيم. سألت القاسم بن محمّد عن رجل له مساكن فأوصى بثلث كلّ مسكن منها , قال: يجمع ذلك كلّه في مسكن واحد. فذكر المتن. وليس لعبد الله بن جعفر في البخاريّ سوى هذا الموضع.
وللدارقطني من طريق عبد العزيز بن محمّد عن عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم بلفظ: من فعل أمراً ليس عليه أمرنا فهو ردّ.
وقد روّيناه في " كتاب السّنّة لأبي الحسين بن حامد " من طريق محمّد بن إسحاق عن عبد الواحد , وفيه قصّة قال: عن سعد بن إبراهيم قال: كان الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب أوصى بوصيّةٍ، فجعل بعضها صدقة وبعضها ميراثاً وخلط فيها، وأنا يومئذٍ على القضاء، فما دريت كيف أقضي فيها، فصلَّيت بجنب القاسم بن محمّد فسألته , فقال: أَجِز من ماله الثّلث وصيّة، وردّ سائر ذلك ميراثاً، فإنّ عائشة حدّثتني. فذكره بلفظ إبراهيم بن سعد.
وفي هذه الرّواية دلالة على أنّ قوله في رواية الإسماعيليّ المتقدّمة " من آل أبي جهل " وهمٌ، وإنّما هو من آل أبي لهب، وعلى أنّ قوله في رواية مسلم " يجمع ذلك كلّه في مسكن واحد " هو بقيّة الوصيّة. وليس هو من كلام القاسم بن محمّد، لكن صرّح أبو عوانة في روايته
стр. 3483
بأنّه كلام القاسم بن محمّد.
وهو مشكل جدّاً , فالذي أوصى بثلث كلّ مسكن أوصى بأمرٍ جائز اتّفاقاً.
وأمّا إلزام القاسم بأن يجمع في مسكن واحد , ففيه نظرٌ. لاحتمال أن يكون بعض المساكن أغلى قيمة من بعض.
لكن يحتمل أن تكون تلك المساكن متساوية فيكون الأولى أن تقع الوصيّة بمسكنٍ واحد من الثّلاثة، ولعلَّه كان في الوصيّة شيء زائد على ذلك يوجب إنكارها كما أشارت إليه رواية أبي الحسين بن حامد. والله أعلم.
وقد استشكل القرطبيّ شارح مسلم ما استشكلته، وأجاب عنه: بالحمل على ما إذا أراد أحد الفريقين الفدية، أو الموصى لهم القسمة وتمييز حقّه، وكانت المساكن بحيث يضمّ بعضها إلى بعض في القسمة، فحينئذٍ تقوم المساكن قيمة التّعديل ويجمع نصيب الموصى لهم في موضع واحد , ويبقى نصيب الورثة فيما عدا ذلك. والله أعلم.
وهذا الحديث معدودٌ من أصول الإسلام وقاعدةٌ من قواعده، فإنّ معناه: من اخترع في الدّين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه.
قال النّوويّ: هذا الحديث ممّا ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك.
стр. 3484
وقال الطّرقيّ (١): هذا الحديث يصلح أن يسمّى نصف أدلة الشّرع، لأنّ الدّليل يتركّب من مقدّمتين، والمطلوب بالدّليل إمّا إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدّمة كبرى في إثبات كلّ حكم شرعيّ ونفيه، لأنّ منطوقه مقدّمة كليّة في كلّ دليل نافٍ لحكمٍ، مثل أن يقال في الوضوء بماءٍ نجس: هذا ليس من أمر الشّرع، وكلّ ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود.
فالمقدّمة الثّانية ثابتة بهذا الحديث، وإنّما يقع النّزاع في الأولى.
ومفهومه أنّ من عمل عملاً عليه أمر الشّرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنّيّة: هذا عليه أمر الشّرع، وكلّ ما كان عليه أمر الشّرع فهو صحيح. فالمقدّمة الثّانية ثابتة بهذا الحديث والأولى فيها النّزاع.
فلو اتّفق أن يوجد حديث يكون مقدّمة أولى في إثبات كلّ حكم شرعيّ ونفيه لاستقل الحديثان بجميع أدلة الشّرع، لكن هذا الثّاني لا يوجد، فإذا حديث الباب نصف أدلة الشّرع. والله أعلم.
قوله: (ردّ) معناه مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول،
стр. 3485
مثل خلق ومخلوق ونسخ ومنسوخ، وكأنّه قال: فهو باطل غير معتدّ به.
واللفظ الثّاني وهو قوله " من عمل " أعمّ من اللفظ الأوّل. وهو قوله " من أحدث " فيحتجّ به في إبطال جميع العقود المنهيّة , وعدم وجود ثمراتها المرتّبة عليها , وفيه ردّ المحدثات , وأنّ النّهي يقتضي الفساد، لأنّ المنهيّات كلّها ليست من أمر الدّين فيجب ردّها.
ويستفاد منه أنّ حكم الحاكم لا يغيّر ما في باطن الأمر لقوله " ليس عليه أمرنا " والمراد به أمر الدّين.
وفيه أنّ الصّلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عليه مستحقّ الرّدّ.
стр. 3486
الحديث الثاني
٣٧٤ - عن عائشة ﵂، قالت: دخلتْ هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بَنِيَّ، إلَّا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جُناحٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : خذي من ماله بالمعروف، ما يكفيك ويكفي بنِيكِ. (١)
قوله: (هند بنت عتبة) وللبخاري من رواية يحيى عن هشام عن أبيه " أنّ هنداً بنت عتبة " كذا في هذه الرّواية هنداً بالصّرف. (٢)
ووقع في رواية الزّهريّ عن عروة. بغير صرف " هند بنت عتبة بن ربيعة ". أي ابن عبد شمس بن عبد منافٍ.
وفي رواية الشّافعيّ عن أنس بن عياض عن هشام " أنّ هنداً أمّ معاوية , وكانت هند لَمَّا قتل أبوها عتبة وعمّها شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شقّ عليها، فلمّا كان يوم أحد وقتل حمزة فرحت بذلك , وعمَدَتْ إلى بطنه فشقّتها , وأخذت كبده فلاكتْها ثمّ لفظتْها، فلمّا كان يوم الفتح , ودخل أبو سفيان مكّة مسلماً بعد أن أسرته خيل
стр. 3487
النّبيّ ﷺ تلك الليلة , فأجاره العبّاس , غضبت هند لأجل إسلامه، وأخذت بلحيته , ثمّ إنّها بعد استقرار النّبيّ ﷺ بمكّة , جاءت فأسلمت وبايعت ".
وكانت من عقلاء النّساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزوميّ , ثمّ طلقها في قصّة جرت، فتزوّجها أبو سفيان فأنتجت عنده، وهي القائلة للنّبيّ ﷺ لَمَّا شرط على النّساء المبايعة ولا يسرقن ولا يزنين " وهل تزني الحرّة؟ " (١).
وماتت هند في خلافة عمر. وقد كانت هند في منزلة أمّهات نساء النّبيّ ﷺ , لأنّ أمّ حبيبة إحدى زوجاته بنت زوجها أبي سفيان.
وفي الصحيحين. أنّها قالت له: يا رسولَ الله. ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلّوا من أهل خبائك، وما على ظهر الأرض اليوم أهل خباء أحبّ إليّ أن يعزّوا من أهل خبائك. فقال: أيضاً والذي نفسي بيده. ثمّ قالت: يا رسولَ الله، إنّ أبا سفيان. إلخ.
وذكر ابن عبد البرّ: أنّها ماتت في المحرّم سنة أربع عشرة , يوم مات أبو قحافة والد أبي بكر الصّدّيق.
стр. 3488
وأخرج ابن سعد في " الطّبقات " ما يدلّ على أنّها عاشت بعد ذلك، فروى عن الواقديّ عن ابن أبي سبرة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم , أنّ عمر استعمل معاوية على عمل أخيه، فلم يزل والياً لعمر حتّى قُتل , واستخلف عثمان فأقرّه على عمله وأفرده بولاية الشّام جميعاً، وشخص أبو سفيان إلى معاوية , ومعه ابناه عتبة وعنبسة، فكتبت هند إلى معاوية قد قدم عليك أبوك وأخواك، فاحمل أباك على فرس وأعطه أربعة آلاف درهم، واحمل عتبة على بغل وأعطه ألفي درهم، واحمل عنبسة على حمار وأعطه ألف درهم، ففعل ذلك. فقال أبو سفيان: أشهد بالله أنّ هذا عن رأي هند.
قلت: كان عتبة منها وعنبسة من غيرها , أمّه عاتكة بنت أبي أزيهر الأزديّ. وفي " الأمثال للميدانيّ , أنّها عاشت بعد وفاة أبي سفيان، فإنّه ذكر قصّة فيها , أنّ رجلاً سأل معاوية أن يزوّجه أمّه؟ فقال: إنّها قعدت عن الولد.
قوله: (إنّ أبا سفيان) هو صخر بن حرب بن أُميَّة بن عبد شمس زوجها، وكان قد رأس في قريش بعد وقعة بدر، وسار بهم في أحد، وساق الأحزاب يوم الخندق، ثمّ أسلم ليلة الفتح
قوله: (رجلٌ شحيحٌ) في رواية للشيخين " رجل مِسّيك , فهل عليَّ حرجٌ من أن أطعم من الذي له عيالنا ".
واختلف في ضبطه.
فالأكثر. بكسر الميم وتشديد السّين على المبالغة.
стр. 3489
وقيل: بوزن شحيح. قال النّوويّ: هذا هو الأصحّ من حيث اللّغة , وإن كان الأوّل أشهر في الرّواية.
ولَم يظهر لي كون الثّاني أصحّ , فإنّ الآخر مستعمل كثيراً مثل شرّيب وسكّير , وإن كان المخفّف أيّهما فيه نوع مبالغة , لكنّ المشدّد أبلغ.
قال في النّهاية في كتاب الأشخاص: المشهور في كتب اللّغة الفتح والتّخفيف. وفي كتب المحدّثين الكسر والتّشديد. والشّحّ البخل مع حرص، والشّحّ أعمّ من البخل , لأنّ البخل يختصّ بمنع المال , والشّحّ بكل شيء.
وقيل: الشّحّ لازم كالطّبع , والبخل غير لازم.
قال القرطبيّ: لَم ترد هند وصف أبي سفيان بالشّحّ في جميع أحواله، وإنّما وصفت حالها معه , وأنّه كان يقتّر عليها وعلى أولادها، وهذا لا يستلزم البخل مطلقاً فإنّ كثيراً من الرّؤساء يفعل ذلك مع أهله , ويؤثر الأجانب استئلافاً لهم.
قلت: وورد في بعض الطّرق لقول هند هذا سبب يأتي ذكره قريباً.
قوله: (إلَّا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناحٍ) وللبخاري " إلَّا ما أخذت منه , وهو لا يعلم ".
زاد الشّافعيّ في روايته " سرّاً، فهل عليّ في ذلك من شيء؟ " , ووقع في رواية الزّهريّ " فهل عليّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا "؟.
стр. 3490
قوله: (خذي من ماله بالمعروف، ما يكفيك ويكفي بَنِيْك) وللبخاري من رواية هشام عن أبيه " فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " وفي رواية شعيب عن الزّهريّ في الصحيحين " لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف ".
قال القرطبيّ: قوله " خذي " أمر إباحة بدليل قوله " لا حرج " والمراد بالمعروف القدر الذي عُرف بالعادة أنّه الكفاية.
قال: وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظاً لكنّها مقيّدة معنىً، كأنّه قال: إن صحّ ما ذكرتِ.
وقال غيره: يحتمل أن يكون ﷺ علم صدقها فيما ذكرت فاستغنى عن التّقييد.
واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة.
وفيه من الفوائد: جواز ذِكر الإنسان بالتّعظيم كاللقب والكنية.
كذا قيل. وفيه نظرٌ، لأنّ أبا سفيان كان مشهوراً بكنيته دون اسمه , فلا يدلّ قولها " إنّ أبا سفيان " على إرادة التّعظيم.
وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر. وفيه أنّ من نسب إلى نفسه أمراً عليه فيه غضاضة فليقرنه بما يقيم عذره في ذلك.
وفيه جواز سماع كلام الأجنبيّة عند الحكم , والإفتاء عند من يقول إنّ صوتها عورة , ويقول جاز هنا للضّرورة.
стр. 3491
وفيه أنّ القول قول الزّوجة في قبض النّفقة، لأنّه لو كان القول قول الزّوج إنّه منفق لكلفت هذه البيّنة على إثبات عدم الكفاية.
وأجاب المازريّ عنه: بأنّه من باب تعليق الفتيا لا القضاء.
وفيه وجوب نفقة الزّوجة , وقد انعقد الإجماع على الوجوب.
لكن اختلفوا في تقديرها.
القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنها مقدّرة بالكفاية، وهو قول للشّافعيّ حكاه الجوينيّ.
القول الثاني: المشهور عن الشّافعيّ أنّه قدّرها بالأمداد , فعلى الموسر كلّ يوم مدّان , والمتوسّط مدّ ونصف والمعسر مدّ، وتقريرها بالأمداد رواية عن مالك أيضاً.
ووافق الجمهورَ من الشّافعيّة أصحابُ الحديث كابن خزيمة وابن المنذر ومن غيرهم أبو الفضل بن عبدان، وقال الرّويانيّ في " الحلية ": هو القياس.
وتمسّك بعض الشّافعيّة بأنّها لو قدّرت بالحاجة لسقطت نفقة المريضة والغنيّة في بعض الأيّام، فوجب إلحاقها بما يشبه الدّوام , وهو الكفّارة لاشتراكهما في الاستقرار في الذّمّة.
ويقوّيه قوله تعالى ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ فاعتبروا الكفّارة بها , والأمداد معتبرة في الكفّارة.
ويخدش في هذا الدّليل أنّهم صحّحوا الاعتياض عنه، وبأنّها لو أَكلتْ معه على العادة سقطت بخلاف الكفّارة فيهما.
стр. 3492
والرّاجح من حيث الدّليل أنّ الواجب الكفاية، ولا سيّما وقد نقل بعض الأئمّة الإجماع الفعليّ في زمن الصّحابة والتّابعين على ذلك , ولا يحفظ عن أحدٍ منهم خلافه.
قال النّوويّ في " شرح مسلم ": وهذا الحديث حجّة على أصحابنا.
قلت: وليس صريحاً في الرّدّ عليهم، لكنّ التّقدير بالأمداد محتاج إلى دليل , فإن ثبت حملت الكفاية في حديث الباب على القدر المقدّر بالأمداد، فكأنّه كان يعطيها وهو موسر ما يعطي المتوسّط , فأذن لها في أخذ التّكملة.
وفيه اعتبار النّفقة بحال الزّوجة، وهو قول الحنفيّة.
واختار الخصّاف منهم أنّها معتبرة بحال الزّوجين معاً. قال صاحب " الهداية ": وعليه الفتوى، والحجّة فيه ضمّ قوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ الآية إلى هذا الحديث.
وذهبت الشّافعيّة: إلى اعتبار حال الزّوج تمسّكاً بالآية، وهو قول بعض الحنفيّة.
وفيه وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة، والأصحّ عند الشّافعيّة اعتبار الصّغر أو الزّمانة.
وفيه وجوب نفقة خادم المرأة على الزّوج.
قال الخطّابيّ: لأنّ أبا سفيان كان رئيس قومه , ويبعد أن يمنع زوجته وأولاده النّفقة، فكأنّه كان يعطيها قدر كفايتها وولدها دون
стр. 3493
من يخدمهم , فأضافت ذلك إلى نفسها , لأنّ خادمها داخل في جملتها.
قلت: ويحتمل أن يتمسّك لذلك بقوله في بعض طرقه " أن أطعم من الذي له عيالنا ". (١)
واستُدل به على وجوب نفقة الابن على الأب , ولو كان الابن كبيراً.
وتعقّب: بأنّها واقعة عين ولا عموم في الأفعال، فيحتمل أن يكون المراد بقولها " بنيّ " بعضهم أي: من كان صغيراً أو كبيراً زمناً لا جميعهم.
واستدل به على أنّ من له عند غيره حقّ وهو عاجز عن استيفائه , جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقّه بغير إذنه , وتسمى مسألة الظّفر.
وبها قال الشّافعيّ، فجزم بجواز الأخذ فيما إذا لَم يمكن تحصيل الحقّ بالقاضي , كأن يكون غريمه منكراً ولا بيّنة له عند وجود الجنس , فيجوز عنده أخذه إن ظفر به , وأخذ غيره بقدره إن لَم يجده ويجتهد في التّقويم ولا يحيف.
فإن أمكن تحصيل الحقّ بالقاضي. فالأصحّ عند أكثر الشّافعيّة الجواز أيضاً.
وعن أبي حنيفة: المنع، وعنه: يأخذ جنس حقّه , ولا يأخذ من غير جنس حقّه إلَّا أحد النّقدين بدل الآخر.
وعن مالك: ثلاث روايات كهذه الآراء.
стр. 3494
وعن أحمد: المنع مطلقاً.
واتّفقوا على أنّ محلّ الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنيّة لكثرة الغوائل في ذلك، ومحلّ الجواز في الأموال أيضاً ما إذا أمن الغائلة كنسبته إلى السّرقة ونحو ذلك.
قال الخطّابيّ: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس، لأنّ منزل الشّحيح لا يجمع كلّ ما يحتاج إليه من النّفقة والكسوة وسائر المرافق اللازمة , وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله.
قال: ويدلّ على صحّة ذلك قولها في رواية أخرى " وإنّه لا يدخل على بيتي ما يكفيني وولدي ".
قلت: ولا دلالة فيه لِما ادّعاه من أنّ بيت الشّحيح لا يحتوي على كلّ ما يحتاج إليه , لأنّها نفت الكفاية مطلقاً , فتناول جنس ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه.
ودعواه أنّ منزل الشّحيح كذلك مسلَّمة , لكن من أين له أنّ منزل أبي سفيان كان كذلك؟.
والذي يظهر من سياق القصّة , أنّ منزله كان فيه كلّ ما يحتاج إليه إلَّا أنّه كان لا يمكّنها إلَّا من القدر الذي أشارت إليه , فاستأذنت أن تأخذ زيادة على ذلك بغير علمه.
وقد وجّه ابن المنيّر قوله , أنّ في قصّة هند دلالة على أنّ لصاحب الحقّ أن يأخذ من غير جنس حقّه بحيث يحتاج إلى التّقويم، لأنّه ﷺ -
стр. 3495
أذن لهندٍ أن تفرض لنفسها وعيالها قدر الواجب، وهذا هو التّقويم بعينه , بل هو أدقّ منه وأعسر.
واستدل به على أنّ للمرأة مدخلاً في القيام على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم، وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشّرع.
وقال القرطبيّ: فيه اعتبار العرف في الشّرعيّات خلافاً لمن أنكر ذلك لفظاً , وعمل به معنىً كالشّافعيّة.
كذا قال، والشّافعيّة إنّما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النّصّ الشّرعيّ , أو لَم يرشد النّصّ الشّرعيّ إلى العرف.
واستدل به الخطّابيّ على جواز القضاء على الغائب، وترجم البخاريّ في كتاب الأحكام " القضاء على الغائب " وأورد هذا الحديث من طريق سفيان الثّوريّ عن هشام بلفظ " إنّ أبا سفيان رجل شحيح , فأحتاج أن آخذ من ماله، قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "
وذكر النّوويّ , أنّ جمعاً من العلماء من أصحاب الشّافعيّ , ومن غيرهم استدلّوا بهذا الحديث لذلك، حتّى قال الرّافعيّ في " القضاء على الغائب ": احتجّ أصحابنا على الحنفيّة في منعهم القضاء على الغائب بقصّة هند، وكان ذلك قضاء من النّبيّ ﷺ على زوجها وهو غائب.
قال النّوويّ: ولا يصحّ الاستدلال، لأنّ هذه القصّة كانت بمكّة ,
стр. 3496
وكان أبو سفيان حاضراً بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه أو متعزّزاً، ولَم يكن هذا الشّرط في أبي سفيان موجوداً فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء، وقد وقع في كلام الرّافعيّ في عدّة مواضع أنّه كان إفتاء. انتهى.
واستدل بعضهم على أنّه كان غائباً بقول هند " لا يعطيني " إذ لو كان حاضراً لقالت لا ينفق عليّ، لأنّ الزّوج هو الذي يباشر الإنفاق.
وهذا ضعيف. لِجواز أن يكون عادته أن يعطيها جملة , ويأذن لها في الإنفاق مفرّقاً.
نعم. قول النّوويّ , إنّ أبا سفيان كان حاضراً بمكّة حقٌّ، وقد سبقه إلى الجزم بذلك السّهيليّ، بل أورد أخصّ من ذلك , وهو أنّ أبا سفيان كان جالساً معها في المجلس، لكن لَم يسق إسناده.
وقد ظفرتُ به في " طبقات ابن سعد " أخرجه بسندٍ رجاله رجال الصّحيح، إلَّا أنّه مرسل عن الشّعبيّ , أنّ هنداً لَمَّا بايعت , وجاء قوله ولا يسرقن قالت: قد كنت أصبت من مال أبي سفيان , فقال أبو سفيان: فما أصبتِ من مالي فهو حلال لكِ.
قلت: ويمكن تعدّد القصّة , وأنّ هذا وقع لَمَّا بايعت ثمّ جاءت مرّة أخرى فسألت عن الحكم، وتكون فهمت من الأوّل إحلال أبي سفيان لها ما مضى فسألت عمّا يستقبل.
لكن يشكل على ذلك. ما أخرجه ابن منده في " المعرفة " من طريق
стр. 3497
عبد الله بن محمّد بن زاذان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت هند لأبي سفيان: إنّي أريد أن أبايع، قال: فإن فعلت فاذهبي معك برجلٍ من قومك، فذهبت إلى عثمان فذهب معها، فدخلت منتقبة فقال: بايعي أن لا تشركي .. الحديث، وفيه: فلمّا فرغت. قالت: يا رسولَ الله. إنّ أبا سفيان رجل بخيل - الحديث - قال: ما تقول يا أبا سفيان؟ قال: أمّا يابساً فلا، وأمّا رطباً فأحلّه.
وذكر أبو نعيمٍ في " المعرفة " , أنّ عبد الله تفرّد به بهذا السّياق وهو ضعيف.
وأوّل حديثه يقتضي , أنّ أبا سفيان لَم يكن معها , وآخره يدلّ على أنّه كان حاضراً.
لكن يحتمل: أن يكون كلّ منهما توجّه وحده , أو أرسل إليه لَمَّا اشتكت منه.
ويؤيّد هذا الاحتمال الثّاني. ما أخرجه الحاكم في تفسير الممتحنة من " المستدرك " عن فاطمة بنت عتبة , أنّ أبا حذيفة بن عتبة ذهب بها وبأختها هند يبايعان فلمّا اشترط. ولا يسرقن , قالت هند: لا أبايعك على السّرقة، إنّي أسرق من زوجي، فكفّ حتّى أرسل إلى أبي سفيان يتحلّل لها منه , فقال: أمّا الرّطب فنعم , وأمّا اليابس فلا.
والذي يظهر لي أنّ البخاريّ لَم يرد أنّ قصّة هند كان قضاء على أبي سفيان وهو غائب، بل استدل بها على صحّة القضاء على الغائب , ولو لَم يكن ذلك قضاء على غائب بشرطه، بل لمَّا كان أبو سفيان غير
стр. 3498
حاضر معها في المجلس وأذن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه قدر كفايتها كان في ذلك نوع قضاء على الغائب , فيحتاج من منعه أن يجيب عن هذا.
وقد انبنى على هذا خلاف يتفرّع منه.
وهو أنّ الأب إذا غاب أو امتنع من الإنفاق على ولده الصّغير , أذن القاضي للأمّ إذا كانت فيها أهليّة ذلك في الأخذ من مال الأب إن أمكن , أو في الاستقراض عليه والإنفاق على الصّغير.
وهل لها الاستقلال بذلك بغير إذن القاضي؟.
وجهان ينبنيان على الخلاف في قصّة هند، فإن كانت إفتاء جاز لها الأخذ بغير إذن، وإن كانت قضاء فلا يجوز إلَّا بإذن القاضي.
وممّا رجح به أنّه كان قضاء لا فتيا , التّعبير بصيغة الأمر حيث قال لها " خذي " ولو كان فتيا لقال مثلاً: لا حرج عليكِ إذا أخذت، ولأنّ الأغلب من تصرّفاته ﷺ إنّما هو الحكم.
وممّا رجح به أنّه كان فتوى , وقوع الاستفهام في القصّة في قولها " هل عليّ جناح "؟ , ولأنّه فوّض تقدير الاستحقاق إليها، ولو كان قضاء لَم يفوّضه إلى المدّعي، ولأنّه لَم يستحلفها على ما ادّعته ولا كلفها البيّنة.
والجواب: أنّ في ترك تحليفها أو تكليفها البيّنة حجّة لمن أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه , فكأنّه ﷺ علم صدقها في كلّ ما ادّعت به.
وعن الاستفهام أنّه لا استحالة فيه من طالب الحكم.
стр. 3499
وعن تفويض قدر الاستحقاق أنّ المراد الموكول إلى العرف كما تقدم.
وفيه القضاء على الغائب في حقوق الآدميّين دون حقوق الله بالاتّفاق، حتّى لو قامت البيّنة على غائب بسرقةٍ مثلاً، حكم بالمال دون القطع.
قال ابن بطّال: أجاز مالك والليث والشّافعيّ وأبو عبيد وجماعة الحكم على الغائب، واستثنى ابن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالأرض والعقار إلَّا إن طالت غيبته أو انقطع خبره.
وأنكر ابن الماجشون صحّة ذلك عن مالك وقال: العمل بالمدينة على الحكم على الغائب مطلقاً حتّى لو غاب بعد أن توجّه عليه الحكم قضي عليه.
وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: لا يُقضى على الغائب مطلقاً. وأمّا من هرب أو استتر بعد إقامة البيّنة , فينادي القاضي عليه ثلاثاً , فإن جاء وإلا أنفذ الحكم عليه.
وقال ابن قدامة: أجازه أيضاً ابن شبرمة والأوزاعيّ وإسحاق وهو أحد الرّوايتين عن أحمد.
ومنعه أيضاً الشّعبيّ والثّوريّ , وهي الرّواية الأخرى عن أحمد.
قال: واستثنى أبو حنيفة مَن له وكيل مثلاً، فيجوز الحكم عليه بعد الدّعوى على وكيله.
واحتجّ من منع بحديث عليٍّ ﵁ رفعه: لا تقضي لأحد الخصمين
стр. 3500
حتّى تسمع من الآخر. وهو حديث حسن، أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وغيرهما.
وبحديث: الأمر بالمساواة بين الخصمين. (١) وبأنّه لو حضر لَم تسمع بيّنة المدّعي حتّى يسأل المدّعى عليه فإذا غاب فلا تسمع، وبأنّه لو جاز الحكم مع غيبته لَم يكن الحضور واجباً عليه.
وأجاب من أجاز: بأنّ ذلك كلّه لا يمنع الحكم على الغائب , لأنّ حجّته إذا حضر قائمة فتسمع ويعمل بمقتضاها , ولو أدّى إلى نقض الحكم السّابق، وحديث عليٍّ محمول على الحاضرين.
وقال ابن العربيّ: حديث عليٍّ، إنّما هو مع إمكان السّماع , فأمّا مع تعذّره بمغيبٍ فلا يمنع الحكم، كما لو تعذّر بإغماءٍ أو جنون أو حجر أو صغر، وقد عمل الحنفيّة بذلك في الشّفعة والحكم على من عنده للغائب مال أن يدفع منه نفقة زوج الغائب , وقد احتجّ بقصة هند الشّافعيّ وجماعة لجواز القضاء على الغائب.
وتعقّب: بأنّ أبا سفيان كان حاضراً في البلد كما تقدّم.
تنْبيهٌ: أشكل على بعضهم استدلال البخاريّ بهذا الحديث على مسألة الظّفر في " كتاب الأشخاص " حيث ترجم له " قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه " , واستدلاله به على جواز القضاء على
стр. 3501
الغائب.
لأنّ الاستدلال به على مسألة الظّفر لا تكون إلَّا على القول , بأنّ مسألة هند كانت على طريق الفتوى.
والاستدلال به على مسألة القضاء على الغائب , لا يكون إلَّا على القول بأنّها كانت حكماً.
والجواب أن يقال: كلّ حكم يصدر من الشّارع , فإنّه ينزّل منزلة الإفتاء بذلك الحكم في مثل تلك الواقعة، فيصحّ الاستدلال بهذه القصّة للمسألتين. والله أعلم.
واستدلَّ به البخاري على أنَّ للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر النّاس إذا لَم يخف الظّنون والتّهمة.
وقال أبو حنيفة ومن وافقه: للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق النّاس , وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله كالحدود , لأنّها مبنيّة على المسامحة.
وله في حقوق النّاس تفصيل، قال: إن كان ما علمه قبل ولايته لَم يحكم , لأنّه بمنزلة ما سمعه من الشّهود وهو غير حاكم، بخلاف ما علمه في ولايته.
وأمّا قوله " إذا لَم يخف الظّنون والتّهمة " فقيّد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه , لأنّ الذين منعوا ذلك مطلقاً , اعتلّوا بأنّه غير معصوم فيجوز أن تلحقه التّهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوّه , فحسمت المادّة. فجعل البخاري محلّ الجواز ما
стр. 3502
إذا لَم يخف الحاكم الظّنون والتّهمة.
وأشار إلى أنّه يلزم من المنع من أجل حسم المادّة , أن يسمع مثلاً رجلاً طلَّق امرأته طلاقاً بائناً. ثمّ رفعته إليه فأنكر فإذا حلَّفه فحلف لزم أن يديمه على فرج حرام فيفسق به , فلم يكن له بدٌّ من أن لا يقبل قوله ويحكم عليه بعلمه، فإن خشي التّهمة فله أن يدفعه , ويقيم شهادته عليه عند حاكم آخر.
وقال الكرابيسيّ (١): الذي عندي أنّ شرط جواز الحكم بالعلم أن يكون الحاكم مشهوراً بالصّلاح والعفاف والصّدق , ولَم يعرف بكبير زلة ولَم يؤخذ عليه خربة بحيث تكون أسباب التّقى فيه موجودة وأسباب التّهم فيه مفقودة , فهذا الذي يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقاً.
قلت: وكأنّ البخاريّ أخذ ذلك عنه , فإنّه من مشايخه. (٢)
قال ابن بطّال: احتجّ من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه , بحديث الباب فإنّه ﷺ قضى لها بوجوب النّفقة لها ولولدها لعلمه بأنّها زوجة أبي سفيان ولَم يلتمس على ذلك بيّنة، ومن حيث النّظر أنّ علمه أقوى من الشّهادة لأنّه يتيقّن ما علمه، والشّهادة قد تكون كذباً.
وحجّة من منع قوله حديث أمّ سلمة " إنّما أقضي له بما أسمع " ولَم يقل بما أعلم. وقال للحضرميّ " شاهداك أو يمينه " وفيه " وليس
стр. 3503
لك إلَّا ذلك " ولِمَا يخشى من قضاة السّوء أن يحكم أحدهم بما شاء , ويحيل على علمه.
واحتجّ من منع مطلقاً بالتّهمة.
واحتجّ من فصّل: بأنّ الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشّهادة , فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره، وأيضاً فيكون كالحاكم بشاهدٍ واحد، وأمّا في حال القضاء ففي حديث أمّ سلمة " فإنّما أقضي له على نحو ما أسمع " ولَم يفرّق بين سماعه من شاهد أو مدّعٍ.
وقال ابن المنير: لَم يتعرّض ابن بطّال لمقصود الباب، وذلك أنّ البخاريّ احتجّ لجواز الحكم بالعلم بقصّة هند، فكان ينبغي للشّارح أن يتعقّب ذلك بأن لا دليل فيه , لأنّه خرج مخرج الفتيا , وكلام المفتي يتنزّل على تقدير صحّة إنهاء المستفتي، فكأنّه قال: إن ثبت أنّه يمنعك حقّك جاز لك استيفاؤه مع الإمكان.
قال: وقد أجاب بعضهم بأنّ الأغلب من أحوال النّبيّ ﷺ الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه " عليه " لكن يردّ عليه أنّه ﷺ ما ذكر في قصّة هند أنّه يعلم صدقها، بل ظاهر الأمر أنّه لَم يسمع هذه القصّة إلَّا منها , فكيف يصحّ الاستدلال به على حكم الحاكم بعلمه؟.
قلت: وما ادّعى نفيه بعيد، فإنّه لو لَم يعلم صدقها لَم يأمرها بالأخذ؛ واطّلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بدّ من سبق علم.
стр. 3504
ويؤيّد اطّلاعه على حالها من قبل أن تذكر ما ذكرت من المصاهرة، ولأنّه قَبِل قولها إنّها زوجة أبي سفيان بغير بيّنة واكتفى فيه بالعلم، ولأنّه لو كانت فتيا لقال مثلاً تأخذ، فلمّا أتى بصيغة الأمر بقوله " خذي " دلَّ على الحكم.
ثمّ قال ابن المنير أيضاً: لو كان حكماً لاستدعى معرفة المحكوم به، والواقع أنّ المحكوم به غير معيّن، كذا قال. والله أعلم.
تنْبيهٌ: اتّفقوا على أنّه يقضي في قبول الشّاهد وردّه بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية. ومحصّل الآراء في هذه المسألة سبعة (١).
ثالثها: في زمن قضائه خاصّةً.
رابعها: في مجلس حكمه.
خامسها: في الأموال دون غيرها.
سادسها: مثله وفي القذف أيضاً وهو عن بعض المالكيّة.
سابعها: في كلّ شيء إلَّا في الحدود , وهذا هو الرّاجح عند الشّافعيّة.
وقال ابن العربيّ: لا يقضي الحاكم بعلمه، والأصل فيه عندنا الإجماع على أنّه لا يحكم بعلمه في الحدود، ثمّ أحدث بعض الشّافعيّة قولاً مخرّجاً أنّه يجوز فيها أيضاً حين رأوا أنّها لازمة لهم.
كذا قال , فجرى على عادته في التّهويل والإقدام على نقل الإجماع
стр. 3505
مع شهرة الاختلاف.
وفيه الإحالة على العرف فيما ليس فيه تحديدٌ شرعيٌّ لقوله " خذي من ماله ما يكفيك بالمعروف ".
قال ابن المنير وغيره: مقصود البخاري بهذه التّرجمة (١) إثبات الاعتماد على العرف، وأنّه يقضى به على ظواهر الألفاظ. ولو أنّ رجلاً وكّل رجلاً في بيع سلعةٍ فباعها بغير النّقد الذي عرف النّاس لَم يجز، وكذا لو باع موزوناً أو مكيلاً بغير الكيل أو الوزن المعتاد.
وذكر القاضي الحسين من الشّافعيّة. أنّ الرّجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه، فمنها الرّجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصّفات الإضافيّة كصغر ضبّة الفضّة وكبرها وغالب الكثافة في اللحية ونادرها وقرب منزله وبعده وكثرة فعلٍ أو كلامٍ وقلته في الصّلاة، ومقابلاً بعوضٍ في البيع وعيناً وثمن مثلٍ ومهر مثلٍ وكفء نكاحٍ ومؤنةٍ ونفقةٍ وكسوةٍ وسكنى وما يليق بحال الشّخص من ذلك.
ومنها الرّجوع إليه في المقادير كالحيض والطّهر وأكثر مدّة الحمل وسنّ اليأس.
ومنها الرّجوع إليه في فعل غير منضبطٍ يترتّب عليه الأحكام كإحياء الموات والإذن في الضّيافة ودخول بيت قريبٍ وتبسّطٍ مع