← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

الغائب. لأنّ الاستدلال به على مسألة الظّفر لا تكون إلَّا على القول , بأنّ مسألة هند كانت على طريق الفتوى. والاستدلال به على مسألة القضاء على الغائب , لا يكون إلَّا على القول بأنّها كانت حكماً. والجواب أن يقال: كلّ حكم يصدر من الشّارع , فإنّه ينزّل منزلة الإفتاء بذلك الحكم في مثل تلك الواقعة، فيصحّ الاستدلال بهذه القصّة للمسألتين. والله أعلم. واستدلَّ به البخاري على أنَّ للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر النّاس إذا لَم يخف الظّنون والتّهمة. وقال أبو حنيفة ومن وافقه: للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق النّاس , وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله كالحدود , لأنّها مبنيّة على المسامحة. وله في حقوق النّاس تفصيل، قال: إن كان ما علمه قبل ولايته لَم يحكم , لأنّه بمنزلة ما سمعه من الشّهود وهو غير حاكم، بخلاف ما علمه في ولايته. وأمّا قوله " إذا لَم يخف الظّنون والتّهمة " فقيّد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه , لأنّ الذين منعوا ذلك مطلقاً , اعتلّوا بأنّه غير معصوم فيجوز أن تلحقه التّهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوّه , فحسمت المادّة. فجعل البخاري محلّ الجواز ما

стр. 3502

إذا لَم يخف الحاكم الظّنون والتّهمة. وأشار إلى أنّه يلزم من المنع من أجل حسم المادّة , أن يسمع مثلاً رجلاً طلَّق امرأته طلاقاً بائناً. ثمّ رفعته إليه فأنكر فإذا حلَّفه فحلف لزم أن يديمه على فرج حرام فيفسق به , فلم يكن له بدٌّ من أن لا يقبل قوله ويحكم عليه بعلمه، فإن خشي التّهمة فله أن يدفعه , ويقيم شهادته عليه عند حاكم آخر. وقال الكرابيسيّ (١): الذي عندي أنّ شرط جواز الحكم بالعلم أن يكون الحاكم مشهوراً بالصّلاح والعفاف والصّدق , ولَم يعرف بكبير زلة ولَم يؤخذ عليه خربة بحيث تكون أسباب التّقى فيه موجودة وأسباب التّهم فيه مفقودة , فهذا الذي يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقاً. قلت: وكأنّ البخاريّ أخذ ذلك عنه , فإنّه من مشايخه. (٢) قال ابن بطّال: احتجّ من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه , بحديث الباب فإنّه ﷺ قضى لها بوجوب النّفقة لها ولولدها لعلمه بأنّها زوجة أبي سفيان ولَم يلتمس على ذلك بيّنة، ومن حيث النّظر أنّ علمه أقوى من الشّهادة لأنّه يتيقّن ما علمه، والشّهادة قد تكون كذباً. وحجّة من منع قوله حديث أمّ سلمة " إنّما أقضي له بما أسمع " ولَم يقل بما أعلم. وقال للحضرميّ " شاهداك أو يمينه " وفيه " وليس

стр. 3503

لك إلَّا ذلك " ولِمَا يخشى من قضاة السّوء أن يحكم أحدهم بما شاء , ويحيل على علمه. واحتجّ من منع مطلقاً بالتّهمة. واحتجّ من فصّل: بأنّ الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشّهادة , فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره، وأيضاً فيكون كالحاكم بشاهدٍ واحد، وأمّا في حال القضاء ففي حديث أمّ سلمة " فإنّما أقضي له على نحو ما أسمع " ولَم يفرّق بين سماعه من شاهد أو مدّعٍ. وقال ابن المنير: لَم يتعرّض ابن بطّال لمقصود الباب، وذلك أنّ البخاريّ احتجّ لجواز الحكم بالعلم بقصّة هند، فكان ينبغي للشّارح أن يتعقّب ذلك بأن لا دليل فيه , لأنّه خرج مخرج الفتيا , وكلام المفتي يتنزّل على تقدير صحّة إنهاء المستفتي، فكأنّه قال: إن ثبت أنّه يمنعك حقّك جاز لك استيفاؤه مع الإمكان. قال: وقد أجاب بعضهم بأنّ الأغلب من أحوال النّبيّ ﷺ الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه " عليه " لكن يردّ عليه أنّه ﷺ ما ذكر في قصّة هند أنّه يعلم صدقها، بل ظاهر الأمر أنّه لَم يسمع هذه القصّة إلَّا منها , فكيف يصحّ الاستدلال به على حكم الحاكم بعلمه؟. قلت: وما ادّعى نفيه بعيد، فإنّه لو لَم يعلم صدقها لَم يأمرها بالأخذ؛ واطّلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بدّ من سبق علم.

стр. 3504

ويؤيّد اطّلاعه على حالها من قبل أن تذكر ما ذكرت من المصاهرة، ولأنّه قَبِل قولها إنّها زوجة أبي سفيان بغير بيّنة واكتفى فيه بالعلم، ولأنّه لو كانت فتيا لقال مثلاً تأخذ، فلمّا أتى بصيغة الأمر بقوله " خذي " دلَّ على الحكم. ثمّ قال ابن المنير أيضاً: لو كان حكماً لاستدعى معرفة المحكوم به، والواقع أنّ المحكوم به غير معيّن، كذا قال. والله أعلم. تنْبيهٌ: اتّفقوا على أنّه يقضي في قبول الشّاهد وردّه بما يعلمه منه من تجريح أو تزكية. ومحصّل الآراء في هذه المسألة سبعة (١). ثالثها: في زمن قضائه خاصّةً. رابعها: في مجلس حكمه. خامسها: في الأموال دون غيرها. سادسها: مثله وفي القذف أيضاً وهو عن بعض المالكيّة. سابعها: في كلّ شيء إلَّا في الحدود , وهذا هو الرّاجح عند الشّافعيّة. وقال ابن العربيّ: لا يقضي الحاكم بعلمه، والأصل فيه عندنا الإجماع على أنّه لا يحكم بعلمه في الحدود، ثمّ أحدث بعض الشّافعيّة قولاً مخرّجاً أنّه يجوز فيها أيضاً حين رأوا أنّها لازمة لهم. كذا قال , فجرى على عادته في التّهويل والإقدام على نقل الإجماع

стр. 3505

مع شهرة الاختلاف. وفيه الإحالة على العرف فيما ليس فيه تحديدٌ شرعيٌّ لقوله " خذي من ماله ما يكفيك بالمعروف ". قال ابن المنير وغيره: مقصود البخاري بهذه التّرجمة (١) إثبات الاعتماد على العرف، وأنّه يقضى به على ظواهر الألفاظ. ولو أنّ رجلاً وكّل رجلاً في بيع سلعةٍ فباعها بغير النّقد الذي عرف النّاس لَم يجز، وكذا لو باع موزوناً أو مكيلاً بغير الكيل أو الوزن المعتاد. وذكر القاضي الحسين من الشّافعيّة. أنّ الرّجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه، فمنها الرّجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصّفات الإضافيّة كصغر ضبّة الفضّة وكبرها وغالب الكثافة في اللحية ونادرها وقرب منزله وبعده وكثرة فعلٍ أو كلامٍ وقلته في الصّلاة، ومقابلاً بعوضٍ في البيع وعيناً وثمن مثلٍ ومهر مثلٍ وكفء نكاحٍ ومؤنةٍ ونفقةٍ وكسوةٍ وسكنى وما يليق بحال الشّخص من ذلك. ومنها الرّجوع إليه في المقادير كالحيض والطّهر وأكثر مدّة الحمل وسنّ اليأس. ومنها الرّجوع إليه في فعل غير منضبطٍ يترتّب عليه الأحكام كإحياء الموات والإذن في الضّيافة ودخول بيت قريبٍ وتبسّطٍ مع

стр. 3506

صديقٍ , وما يعدّ قبضاً وإيداعاً وهديّةً وغصباً وحفظ وديعةٍ وانتفاعاً بعاريةٍ. ومنها الرّجوع إليه في أمرٍ مخصّصٍ كألفاظ الأيمان وفي الوقف والوصيّة والتّفويض ومقادير المكاييل والموازين والنّقود وغير ذلك. وفي قصّة هند بنت عتبة أنّه أذن لها في أخذ نفقة بنيها من مال الأب فدلَّ على أنّها تجب عليه دونها. فأراد البخاريّ أنّه لَمَّا لَم يلزم الأمّهات نفقة الأولاد في حياة الآباء. فالحكم بذلك مستمرّ بعد الآباء. ويقوّيه قوله تعالى ﴿وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ﴾ أي: رزق الأمّهات وكسوتهنّ من أجل الرّضاع للأبناء، فكيف يجب لهنّ في أوّل الآية , ويجب عليهنّ نفقة الأبناء في آخرها؟.

стр. 3507

الحديث الثالث ٣٧٥ - عن أمّ سلمة ﵂، أنّ رسول الله ﷺ سمع جَلَبَةَ خَصمٍ بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: ألا إنما أنا بشرٌ مثلكم، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنه صادقٌ، فأقضي له، فمن قضيت له بحقّ مسلمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار فليحملها أو يذرها. (١) قوله: (سمع جلَبَةَ خصمٍ) وللبخاري من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب " سمع خصومة " , وفي رواية شعيب عن الزّهريّ عند البخاري " سمع جلبة خصام ". والجَلَبة بفتح الجيم واللام: اختلاط الأصوات، وقوله " خصم " بفتح الخاء وسكون الصّاد، وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنّى مذكّراً ومؤنّثاً , ويجوز جمعه وتثنيته كما في رواية " خصوم " وكما في قوله تعالى: ﴿هذان خصمان﴾. ولمسلمٍ من طريق معمر عن هشام " لَجبة " بتقديم اللام على الجيم، وهي لغة فيها. فأمّا الخصوم. فلم أقف على تعيينهم , ووقع التّصريح بأنّهما كانا

стр. 3508

اثنين. في رواية عبد الله بن رافع عن أمّ سلمة عند أبي داود ولفظه: أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان. (١) وأمّا الخصومة. فبيّن في رواية عبد الله بن رافع , أنّها كانت في مواريث لهما. وفي لفظ عنده " في مواريث وأشياء قد درست ". قوله: (بباب حجرته) في رواية شعيب ويونس عند مسلم " عند بابه " والحجرة المذكورة هي منزل أمّ سلمة , ووقع عند مسلم في رواية معمر " بباب أمّ سلمة ". قوله: (إنّما أنا بشر) البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد، بمعنى أنّه منهم , والمراد أنّه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصّ بها في ذاته وصفاته. والحصر هنا مجازيّ , لأنّه يختصّ بالعلم الباطن , ويسمّى قصر قلب , لأنّه أتى به ردّاً على من زعم أنّ من كان رسولاً فإنّه يعلم كلّ غيب حتّى لا يخفى عليه المظلوم. قوله: (وإنما يأتيني الخصم , فلعلَّ بعضَكم أنْ يكونَ أبلغَ من بعض) في رواية سفيان الثّوري عند البخاري " وإنّكم تختصمون إليّ

стр. 3509

, ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض " , ومثله لمسلمٍ من طريق أبي معاوية. وقوله " ألحن " بمعنى " أبلغ " لأنّه من لحن بمعنى فطن وزنه ومعناه، والمراد: أنّه إذا كان أفطن كان قادراً على أن يكون أبلغ في حجّته من الآخر. وقوله " فلعل " هي هنا بمعنى عسى. قوله: (فأحسب أنّه صادق) هذا يؤذن أنّ في الكلام حذفاً تقديره " وهو في الباطن كاذب " وفي رواية معمر " فأظنّه صادقاً ". قوله: (فأقضي له) في رواية صالح بن كيسان " فأقضي له بذلك " وفي رواية أبي داود من طريق الثّوريّ " فأقضي له عليه على نحو ممّا أسمع " ومثله في رواية أبي معاوية. وفي رواية عبد الله بن رافع " إنّي إنّما أقضي بينكم برأيي فيما لَم ينزل عليّ فيه ". قوله: (فمن قضيت له بحقّ مسلم) في رواية مالك ومعمر " فمن قضيت له بشيءٍ من حقّ أخيه " وفي رواية الثّوريّ " فمن قضيت له من أخيه شيئاً " وكأنّه ضمّن قضيت معنى. أعطيت. ووقع عند أبي داود عن محمّد بن كثير - شيخ البخاريّ فيه - عن سفيان " فمن قضيت له من حقّ أخيه بشيءٍ فلا يأخذه ". وفي رواية عبد الله بن رافع عند الطّحاويّ والدّارقطنيّ " فمن قضيت له بقضيّةٍ أراها يقطع بها قطعة ظلماً , فإنّما يقطع له بها قطعة

стр. 3510

من نار. إسطاماً (١) يأتي بها في عنقه يوم القيامة ". والإسطام بكسر الهمزة وسكون المهملة والطّاء المهملة " قطعة " فكأنّها للتّأكيد. قوله: (فإنّما هي) الضّمير للحالة أو القصّة. قوله: (قطعة من النّار) أي: الذي قضيت له به بحسب الظّاهر , إذا كان في الباطن لا يستحقّه فهو عليه حرام يئول به إلى النّار. وقوله " قطعة من النّار " تمثيل يفهم منه شدّة التّعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التّشبيه كقوله تعالى ﴿إنّما يأكلون في بطونهم ناراً﴾. قوله: (فليحملها أو يذرها) في رواية صالح بن كيسان " فليأخذها أو ليتركها ". وفي رواية مالك عن هشام عند البخاري " فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعة من النّار " قال الدّارقطنيّ: هشام - وإن كان ثقة - لكنّ الزّهريّ أحفظ منه، وحكاه الدّارقطنيّ عن شيخه أبي بكر النّيسابوريّ. قلت: ورواية الزّهريّ ترجع إلى رواية هشام. فإنّ الأمر فيه للتّهديد لا لحقيقة التّخيير، بل هو كقوله. ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾.

стр. 3511

قال ابن التّين: هو خطاب للمقضى له، ومعناه: أنّه أعلم من نفسه، هل هو محقٌّ أو مبطل؟ فإن كان محقّاً فليأخذ، وإن كان مبطلاً فليترك، فإنّ الحكم لا ينقل الأصل عمّا كان عليه. تنْبيهٌ: زاد عبد الله بن رافع في آخر الحديث: فبكى الرّجلان، وقال كلّ منهما: حقّي لك , فقال لهما النّبيّ ﷺ : أمّا إذا فعلتما , فاقتسما وتوخّيا الحقّ، ثمّ استهما، ثمّ تحاللا. (١) وفي هذا الحديث من الفوائد. إثم من خاصم في باطل حتّى استحقّ به في الظّاهر شيئاً هو في الباطل حرام عليه. وفيه أنّ من ادّعى مالاً - ولَم يكن له بيّنة - فحلف المدّعى عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف، أنّه لا يبرّأ في الباطن، وأنّ المدّعي لو أقام بيّنة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت وبطل الحكم. وفيه أنّ من احتال لأمرٍ باطل بوجهٍ من وجوه الحيل حتّى يصير حقّاً في الظّاهر ويحكم له به , أنّه لا يحلّ له تناوله في الباطن , ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. وفيه أنّ المجتهد قد يخطئ فيردّ به على من زعم أنّ كلّ مجتهد

стр. 3512

مصيب , وفيه أنّ المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر. وفيه أنّه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لَم ينزل عليه فيه شيء , وخالف في ذلك قوم , وهذا الحديث من أصرح ما يحتجّ به عليهم. وفيه أنّه ربّما أدّاه اجتهاده إلى أمرٍ فيحكم به , ويكون في الباطن بخلاف ذلك , لكنّ مثل ذلك لو وقع لَم يقرّ عليه ﷺ لثبوت عصمته. واحتجّ من منع مطلقاً. أولاً. بأنّه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه للزم أمر المكلفين بالخطأ لثبوت الأمر باتّباعه في جميع أحكامه، حتّى قال تعالى ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم﴾ الآية: ثانياً. أنّ الإجماع معصوم من الخطأ، فالرّسول أولى بذلك لعلوّ رتبته. والجواب عن الأوّل: أنّ الأمر إذا استلزم إيقاع الخطأ لا محذور فيه، لأنّه موجود في حقّ المقلدين , فإنّهم مأمورون باتّباع المفتي والحاكم , ولو جاز عليه الخطأ. والجواب عن الثّاني: أنّ الملازمة مردودةٌ , فإنّ الإجماع إذا فرض وجوده دلَّ على أنّ مستندهم ما جاء عن الرّسول، فرجع الاتّباع إلى الرّسول لا إلى نفس الإجماع. والحديث حجّة لمن أثبت أنّه قد يحكم بالشّيء في الظّاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه , ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلاً ولا نقلاً.

стр. 3513

وأجاب من منعه: بأنّ الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنيّة على الإقرار أو البيّنة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك فلا يقرّ على الخطأ، وإنّما الممتنعة أن يقع فيه الخطأ أن يخبر عن أمر بأنّ الحكم الشّرعيّ فيه كذا , ويكون ذلك ناشئاً عن اجتهاده , فإنّه لا يكون إلَّا حقّاً، لقوله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ الآية. وأجيب: بأنّ ذلك يستلزم الحكم الشّرعيّ , فيعود الإشكال كما كان. ومن حجج من أجاز ذلك. قوله ﷺ : أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم , فيحكم بإسلام من تلفّظ بالشّهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك. والحكمة في ذلك مع أنّه كان يمكن اطّلاعه بالوحي على كلّ حكومة , أنّه لمَّا كان مشرّعاً كان يحكم بما شرع للمكلفين , ويعتمده الحكّام بعده، ومن ثَمّ قال: إنّما أنا بشر. أي: في الحكم بمثل ما كلفوا به. وإلى هذه النّكتة أشار البخاري بإيراده حديث عائشة في قصّة ابن وليدة زمعة , حيث حكم ﷺ بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة، ثمّ لَمَّا رأى شبهة بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه احتياطاً. ومثله قوله ﷺ في قصّة المتلاعنين لَمَّا وضعت التي لوعنت ولداً

стр. 3514

يشبه الذي رُميت به: لولا الأيمان لكان لي ولها شأنٌ. فأشار البخاريّ إلى أنّه ﷺ حكم في ابن وليدة زمعة بالظّاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة , ولا يسمّى ذلك خطأ في الاجتهاد، ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك. وسبقه إلى ذلك الشّافعيّ , فإنّه لَمَّا تكلم على حديث الباب قال: وفيه أنّ الحكم بين النّاس يقع على ما يسمع من الخصمين بما لفظوا به , وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنّه لا يقضى على أحدٍ بغير ما لَفَظَ به , فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله وسنّة نبيّه , قال: ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة، فلمّا رأى الشّبه بيّناً بعتبة , قال: احتجبي منه يا سودة. (١) ولعل السّرّ في قوله ﴿إنّما أنا بشر﴾ امتثال قول الله تعالى ﴿قل إنّما أنا بشر مثلكم﴾ أي: في إجراء الأحكام على الظّاهر الذي يستوي فيه جميع المكلفين، فأُمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به، ليتمّ الاقتداء به , وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظّاهرة من غير نظر إلى الباطن. والحاصل أنّ هنا مقامين. أحدهما: طريق الحكم , وهو الذي كلف المجتهد بالتّبصّر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصّواب. وفيه البحث. والآخر: ما يبطنه الخصم. ولا يطّلع عليه إلَّا الله ومن شاء من

стр. 3515

رسله , فلم يقع التّكليف به. قال الطّحاويّ: ذهب قومٌ. إلى أنّ الحكم بتمليك مالٍ أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو فرقة أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظّاهر نفذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشّهادة أو غيرها , لَم يكن الحكم موجباً للتّمليك , ولا الإزالة ولا النّكاح ولا الطّلاق ولا غيرها، وهو قول الجمهور، ومعهم أبو يوسف. وذهب آخرون: إلى أنّ الحكم إن كان في مالٍ، وكان الأمر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظّاهر، لَم يكن ذلك موجباً لحله للمحكوم له , وإن كان في نكاح أو طلاق فإنّه ينفذ باطناً وظاهراً. وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه , وهو المال , واحتجّوا لِما عداه بقصّة المتلاعنين فإنّه ﷺ فرّق بين المتلاعنين , مع احتمال أن يكون الرّجل قد صدق فيما رماها به. قال: فيؤخذ من هذا أنّ كلّ قضاء ليس فيه تمليك مالٍ أنّه على الظّاهر , ولو كان الباطن بخلافه وأنّ حكم الحاكم يحدث في ذلك التّحريم والتّحليل بخلاف الأموال. وتعقّب: بأنّ الفرقة في اللعان إنّما وقعت عقوبة للعلم بأنّ أحدهما كاذبٌ، وهو أصلٌ برأسه فلا يقاس عليه. وأجاب غيره من الحنفيّة:

стр. 3516

أولاً: أنّ ظاهر الحديث يدلّ على أنّ ذلك مخصوص بما يتعلق بسماع كلام الخصم حيث لا بيّنة هناك ولا يمينٌ، وليس النّزاع فيه , وإنّما النّزاع في الحكم المرتّب على الشّهادة. ثانياً: أنّ " مَن " في قوله " فمَن قضيت له " شرطيّة , وهي لا تستلزم الوقوع , فيكون من فرض ما لَم يقع , وهو جائز فيما تعلق به غرضٌ , وهو هنا محتمل لأَنْ يكون للتّهديد والزّجر عن الإقدام على أخذ أموال النّاس باللسن والإبلاغ في الخصومة، وهو وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطناً في العقود والفسوخ , لكنّه لَم يسق لذلك , فلا يكون فيه حجّة لمن منع. ثالثاً: أنّ الاحتجاج به يستلزم أنّه ﷺ يقرّ على الخطأ , لأنّه لا يكون ما قضى به قطعة من النّار إلَّا إذا استمرّ الخطأ، وإلا فمتى فرض أنّه يطّلع عليه , فإنّه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويردّ الحقّ لمستحقّه. وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإمّا أن يسقط الاحتجاج به ويؤوّل على ما تقدّم، وإمّا أن يستلزم استمرار التّقرير على الخطأ وهو باطل. والجواب عن الأوّل: أنّه خلاف الظّاهر، وكذا الثّاني. والجواب عن الثّالث: أنّ الخطأ الذي لا يقرّ عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لَم يوح إليه فيه، وليس النّزاع فيه , وإنّما النّزاع في الحكم الصّادر منه بناءً على شهادة زورٍ أو يمينٍ فاجرة فلا يُسمّى خطأ للاتّفاق على وجوب العمل بالشّهادة وبالإيمان، وإلَّا لكان الكثير من الأحكام يسمّى خطأ وليس كذلك.

стр. 3517

وعلى هذا فالحجّة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر: الأموال والعقود والفسوخ. والله أعلم. ومن ثَمّ قال الشّافعيّ: إنّه لا فرق في دعوى حلّ الزّوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زورٍ وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حرٍّ أنّه في ملكه وأقام بذلك شاهدي زورٍ , وهو يعلم حرّيّته، فإذا حكم له الحاكم بأنّه ملكه لَم يحلّ له أن يسترقّه بالإجماع. قال النّوويّ: والقول بأنّ حكم الحاكم يحلّ ظاهراً وباطناً مخالف لهذا الحديث الصّحيح، وللإجماع السّابق على قائلة , ولقاعدةٍ أجمع العلماء عليها ووافقهم القائل المذكور، وهو أنّ الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. وقال ابن العربيّ: إن كان حاكماً نفذ على المحكوم له أو عليه , وإن كان مفتياً لَم يحل، فإن كان المفتى له مجتهداً يرى بخلاف ما أفتاه به لَم يجز، وإلَّا جاز. والله أعلم. قال: ويستفاد من قوله " وتوخّيا الحقّ " جواز الإبراء من المجهول؛ لأنّ التّوخّي لا يكون في المعلوم. وقال القرطبيّ: شنّعوا على مَن قال ذلك قديماً وحديثاً لمخالفة الحديث الصّحيح؛ ولأنّ فيه صيانة المال وابتذال الفروج، وهي أحقّ أن يحتاط لها وتصان. واحتجّ بعض الحنفيّة: بما جاء عن عليّ , أنّ رجلاً خطب امرأة فأبت , فادّعى أنّه تزوّجها وأقام شاهدين، فقالت المرأة: إنّهما شهدا

стр. 3518

بالزّور، فزوّجني أنت منه فقد رضيت، فقال: شاهداك زوّجاك. وأمضى عليها النّكاح. وتعقّب: بأنّه لَم يثبت عن عليّ. واحتجّ المذكور من حيث النّظر: بأنّ الحاكم قضى بحجّةٍ شرعيّة فيما له ولاية الإنشاء فيه , فجعل الإنشاء تحرّزاً عن الحرام، والحديث صريح في المال وليس النّزاع فيه، فإنّ القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو، ويملك إنشاء العقود والفسوخ، فإنّه يملك بيع أمة زيد مثلاً من عمرو حال خوف الهلاك للحفظ وحال الغيبة، ويملك إنشاء النّكاح على الصّغيرة، والفرقة على العينين، فيجعل الحكم إنشاء احترازاً عن الحكم، ولأنّه لو لَم ينفذ باطناً فلو حكم بالطّلاق لبقيت حلالاً للزّوج الأوّل باطناً وللثّاني ظاهراً، فلو ابتلي الثّاني مثل ما ابتلي الأوّل حلَّت للثّالث، وهكذا فتحلّ لجمعٍ متعدّد في زمن واحد، ولا يخفى فحشه بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطناً فإنّها لا تحلّ إلَّا لواحدٍ. انتهى. وتعقّب: بأنّ الجمهور إنّما قالوا في هذا: تحرم على الثّاني مثلاً إذا علم أنّ الحكم ترتّب على شهادة الزّور، فإذا اعتمد الحكم وتعمّد الدّخول بها فقد ارتكب محرّماً كما لو كان الحكم بالمال فأكله، ولو ابتلي الثّاني كان حكم الثّالث كذلك والفحش إنّما لزم من الإقدام على تعاطي المحرّم، فكان كما لو زنوا ظاهراً واحداً بعد واحد. وقال ابن السّمعانيّ: شرط صحّة الحكم وجود الحجّة وإصابة

стр. 3519

المحلّ، وإذا كانت البيّنة في نفس الأمر شهود زورٍ لَم تحصل الحجّة، لأنّ حجّة الحكم هي البيّنة العادلة فإنّ حقيقة الشّهادة إظهار الحقّ؛ وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإن كان الشّهود كذبة لَم تكن شهادتهم حقّاً. قال: فإن احتجّوا بأنّ القاضي حكم بحجّةٍ شرعيّة أمر الله بها , وهي البيّنة العادلة في علمه ولَم يكلف بالإطلاع على صدقهم في باطن الأمر، فإذا حكم بشهادتهم فقد امتثل ما أمر به , فلو قلنا لا ينفذ في باطن الأمر للزم إبطال ما وجب بالشّرع , لأنّ صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة , فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهاديّة على مجتهد لا يعتقد ذلك , فإنّه يجب عليه قبول ذلك وإن كان لا يعتقده صيانة للحكم. وأجاب ابن السّمعانيّ: بأنّ هذه الحجّة للنّفوذ , ولهذا لا يأثم القاضي , وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الأمر، وإنّما يجب صيانة القضاء عن الإبطال إذا صادف حجّة صحيحة. والله أعلم. فرعٌ: لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم، هل يحلّ له أخذ ما حكم له به أو لا؟. كمن مات ابن ابنه , وترك أخاً شقيقاً , فرفعه لقاضٍ يرى في الجدّ رأي أبي بكر الصّدّيق، فحكم له بجميع الإرث دون الشّقيق، وكان الجدّ المذكور يرى رأي الجمهور. نقل ابن المنذر عن الأكثر , أنّه يجب على الجدّ أن يشارك الأخ

стр. 3520

الشّقيق عملاً بمعتقده , والخلاف في المسألة مشهور. واستدل بالحديث لِمَن قال: إنّ الحاكم لا يحكم بعلمه بدليل الحصر في قوله " إنّما أقضي له بما أسمع " وقد تقدّم البحث فيه قبل (١). وفيه: إنّ التّعمّق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحقّ وعكسه مذموم، فإنّ المراد بقوله أبلغ. أي: أكثر بلاغةً , ولو كان ذلك في التّوصّل إلى الحقّ لَم يذمّ , وإنّما يذمّ من ذلك ما يتوصّل به إلى الباطل في صورة الحقّ. فالبلاغة إذن لا تذمّ لذاتها , وإنّما تذمّ بحسب التّعلّق الذي يمدح بسببه وهي في حدّ ذاتها ممدوحة. وهذا كما يذمّ صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب، وتحقير غيره ممّن لَم يصل إلى درجته , ولا سيّما إن كان الغير من أهل الصّلاح , فإنّ البلاغة إنّما تذمّ من هذه الحيثيّة بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجيّة عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها بل كلّ فتنة توصل إلى المطلوب محمودة في حدّ ذاتها , وقد تذمّ أو تمدح بحسب متعلقها. واختلف في تعريف البلاغة. فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ، وقيل: الإيجاز مع الإفهام والتّصرّف من غير إضمار، وقيل: قليل لا يبهم وكثير لا يسأم؛ وقيل: إجمال اللفظ

стр. 3521

واتّساع المعنى، وقيل: تقليل اللفظ وتكثير المعنى، وقيل: حسن الإيجاز مع إصابة المعنى، وقيل: سهولة اللفظ مع البديهة، وقيل: لمحة دالة أو كلمة تكشف عن البغية، وقيل: الإيجاز من غير عجَزَ والإطناب من غير خطأ، وقيل: النّطق في موضعه والسّكوت في موضعه، وقيل: معرفة الفصل والوصل، وقيل: الكلام الدّالّ أوّله على آخره وعكسه. وهذا كلّه عن المتقدّمين. وعرّف أهل المعاني والبيان البلاغةَ: بأنّها مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة وهي خلوّه عن التّعقيد، وقالوا: المراد بالمطابقة ما يحتاج إليه المتكلم بحسب تفاوت المقامات، كالتّأكيد وحذفه، والحذف وعدمه، أو الإيجاز والإسهاب ونحو ذلك، والله أعلم. وفيه الرّدّ على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمرٍ خارجيّ من بيّنة ونحوها. واحتجّ بأنّ الشّاهد المتّصل به أقوى من المنفصل عنه. ووجه الرّدّ عليه: كونه ﷺ أعلى في ذلك من غيره مطلقاً، ومع ذلك فقد دلَّ حديثه هذا على أنّه إنّما يحكم بالظّاهر في الأمور العامّة , فلو كان المدّعى صحيحاً لكان الرّسول أحقّ بذلك، فإنّه أعلم أنّه تجري الأحكام على ظاهرها، ولو كان يمكن أنّ الله يطلعه على غيب كلّ قضيّة. وسبب ذلك: أنّ تشريع الأحكام واقع على يده , فكأنّه أراد تعليم غيره من الحكّام أن يعتمدوا ذلك.

стр. 3522

نعم: لو شهدت البيّنة مثلاً بخلاف ما يعلمه علماً حسّيّاً بمشاهدةٍ أو سماع، يقينيّاً أو ظنّيّاً راجحاً لَم يجز له أن يحكم بما قامت به البيّنة، ونقل بعضهم الاتّفاق , وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم، كما تقدّم , تكون عند الحاكم في ولايته القضاء. وفي الحديث أيضاً: موعظة الإمام الخصوم ليعتمدوا الحقّ والعمل بالنّظر الرّاجح وبناء الحكم عليه , وهو أمرٌ إجماعيّ للحاكم والمفتي، والله أعلم. تكميل: بوّب عليه البخاري " القضاء في قليل المال وكثيره سواءٌ ". قال ابن المنير: القضاء عامّ في كلّ شيء: قلَّ أو جلَّ لقوله فيه " فمن قضيت له بحقّ مسلم " , وهو يتناول القليل والكثير. وكأنّه أشار بهذه التّرجمة إلى الرّدّ على مَن قال: إنّ للقاضي أن يستنيب بعض من يريد في بعض الأمور دون بعض، بحسب قوّة معرفته ونفاذ كلمته في ذلك , وهو منقول عن بعض المالكيّة. أو على مَن قال: لا يجب اليمين إلَّا في قدر معيّن من المال، ولا تجب في الشّيء التّافه. أو على من كان من القضاة لا يتعاطى الحكم في الشّيء التّافه، بل إذا رفع إليه ردّه إلى نائبه مثلاً , قاله ابن المنير. قال: وهو نوع من الكبر، والأوّل أليق بمراد البخاريّ.

стр. 3523

الحديث الرابع ٣٧٦ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كتب أبي , أوكتبتُ له إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة، وهو قاضٍ بسجستان، أنْ لَّا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحكم أحدٌ بين اثنين، وهو غضبان. (١) وفي رواية: لا يقضين حكَمٌ بين اثنين وهو غضبان. قوله: (كتب أَبي) تقدّمت ترجمة أبي بكرة. (٢) قوله: (كتب أبي , أوكتبت له إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة) في رواية مسلم من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرّحمن , قال: كتب أبي. وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة. ووقع في العمدة " كتب أبي , وكتبت له إلى ابنه عبيد الله .. إلخ " , وهو موافق لسياق مسلم إلَّا أنّه زاد لفظ " ابنه " (٣). قيل: معناه كتب أبو بكرة بنفسه مرّة , وأمر ولده عبد الرّحمن أن يكتب لأخيه , فكتب له مرّة أخرى.

стр. 3524

قلت: ولا يتعيّن ذلك، بل الذي يظهر أنّ قوله " كتب أبي " أي: أمر بالكتابة، وقوله " وكتبت له " أي: باشرت الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التّعدّد. ويؤيّده قوله في المتن المكتوب " إنّي سمعت رسول الله ﷺ " , فإنّ هذه العبارة لأبي بكرة لا لابنه عبد الرّحمن، فإنّه لا صحبة له. وذكر البخاريّ في " تاريخه " وابن سعدٍ , أنّ عبد الرّحمن كان أوّل مولودٍ ولد بالبصرة بعد أن بنيت , وأرخها ابنُ زيدٍ سنة أربع عشرة , وذلك في أوائل خلافة عمر ﵁. قوله: (وهو قاضٍ بسجستان) هي جملة حاليّة , وسجستان بكسر المهملة والجيم على الصّحيح بعدهما مثنّاة ساكنة , وهي إلى جهة الهند بينها وبين كرمان مائة فرسخ منها أربعون فرسخاً مفازة ليس فيها ماء. ويُنسب إليها سجستانيّ وسجزتيّ بزايٍ بدل السّين الثّانية والتّاء وهو على غير قياس. وسجستان لا تصرف للعلميّة والعجمة , أو زيادة الألف والنّون. قال ابن سعد في " الطّبقات ": كان زياد في ولايته على العراق قرّب أولاد أخيه لأمّه أبي بكرة وشرّفهم وأقطعهم , وولَّى عبيد الله بن أبي بكر سجستان، قال: ومات أبو بكرة في ولاية زياد. قوله: (أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان) وللبخاري " أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان ".

стр. 3525

قوله: (لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان) وفي رواية الشّافعيّ عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة " لا يقضي القاضي , أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان " ولَم يذكر القصّة. والْحَكَم بفتحتين هو الحاكم، وقد يطلق على القيّم بما يسند إليه. قال المُهلَّب: سبب هذا النّهي , أنّ الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحقّ فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابن دقيق العيد: فيه النّهي عن الحكم حالة الغضب لِما يحصل بسببه من التّغيّر الذي يختلّ به النّظر , فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه. قال: وعدّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كلّ ما يحصل به تغيّر الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النّعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلّقاً يشغله عن استيفاء النّظر، وهو قياس مظنّة على مظنّة، وكأنّ الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النّفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره. وقد أخرج البيهقيّ بسندٍ ضعيف عن أبي سعيد رفعه: لا يقض القاضي إلَّا وهو شبعان ريّان. وقول الشّيخ " وهو قياس مظنّة على مظنّة " صحيح، وهو استنباط معنىً دلَّ عليه النّصّ , فإنّه لَمَّا نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه أنّ الحكم لا يكون إلَّا في حالة استقامة الفكر، فكانت عِلَّة

стр. 3526

النّهي المعنى المشترك وهو تغيّر الفكر، والوصف بالغضب يسمّى عِلَّة بمعنى أنّه مشتمل عليه , فألحق به ما في معناه كالجائع. قال الشّافعيّ في " الأمّ ": أكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب فإنّ ذلك يغيّر القلب. فرعٌ: لو خالف فحكم في حال الغضب. صحّ إن صادف الحقّ مع الكراهة، هذا قول الجمهور، وفي الصحيحين: أنّه ﷺ قضى للزّبير بشراج الحرّة بعد أن أغضبه خصم الزّبير. لكن لا حجّة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته ﷺ , فلا يقول في الغضب إلَّا كما يقول في الرّضا. (١) قال النّوويّ في حديث اللّقطة (٢): فيه جواز الفتوى في حال الغضب , وكذلك الحكم وينفذ , ولكنّه مع الكراهة في حقّنا , ولا يكره في حقّه ﷺ , لأنّه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره، وأبعد مَن قال: يحمل على أنّه تكلم في الحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغيّر الفكر.

стр. 3527

ويؤخذ من الإطلاق أنّه لا فرق بين مراتب الغضب ولا أسبابه، وكذا أطلقه الجمهور. وفصّل إمام الحرمين والبغويّ. فقيّدا الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله. واستغرب الرّويانيّ هذا التّفصيل , واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الحديث , وللمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم حال الغضب. وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حالة الغضب لثبوت النّهي عنه , والنّهي يقتضي الفساد. وفصّل بعضهم: بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثّر , وإلَّا فهو محلّ الخلاف، وهو تفصيل معتبر. وقال ابن المنير: أدخل البخاريّ حديث أبي بكرة الدّالّ على المنع , ثمّ حديث أبي مسعود (١) الدّالّ على الجواز , تنبيهاً منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصّاً بالنّبيّ ﷺ لوجود العصمة في حقّه والأمن من التّعدّي، أو أنّ غضبه إنّما كان للحقّ , فمن كان في مثل حاله جاز وإلا منع، وهو كما قيل في شهادة العدوّ: إن كانت دنيويّة ردّت , وإن كانت دينيّة لَم تردّ , قاله ابن دقيق العيد وغيره. وفي الحديث أنّ الكتابة بالحديث كالسّماع من الشّيخ في وجوب

стр. 3528

العمل، وأمّا في الرّواية فمنع منها قوم إذا تجرّدت عن الإجازة، والمشهور الجواز. نعم. الصّحيح عند الأداء أن لا يطلق الإخبار , بل يقول كتب إليّ أو كاتبني أو أخبرني في كتابه. وفيه ذكر الحكم مع دليله في التّعليم، ويجيء مثله في الفتوى. وفيه شفقة الأب على ولده , وإعلامه بما ينفعه , وتحذيره من الوقوع فيما ينكر. وفيه نشر العلم للعمل به والاقتداء , وإن لَم يسأل العالم عنه.

стр. 3529

الحديث الخامس ٣٧٧ - وعن أبي بكرة ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قلنا: بلى، يا رسولَ الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: أَلا وقول الزور، وشهادة الزور، فمازال يكرّرها، حتى قلنا: ليته سكت. (١) قوله: (ألا أنبّئكم) في رواية بشر بن المفضّل عن الجريريّ عند البخاري " ألا أخبركم ". وقد نظم كُلاًّ من العقوق وشهادة الزّور بالشّرك في آيتين. إحداهما: قوله تعالى: ﴿وقضى ربّك ألا تعبدوا إلَّا إيّاه وبالوالدين إحساناً﴾. ثانيهما: قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرّجس من الأوثان واجتنبوا قول الزّور﴾. قوله: (بأكبر الكبائر ثلاثاً) أي: قالها ثلاث مرّات على عادته في تكرير الشّيء ثلاث مرّات تأكيداً لينبّه السّامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره. وفهِمَ بعضهم منه أنّ المراد بقوله: " ثلاثاً " عدد الكبائر , وهو بعيد.

стр. 3530

ويؤيّد الأوّل: أنّ أوّل رواية إسماعيل بن عليّة عن الجريري عند البخاري: أكبر الكبائر الإشراك، وعقوق الوالدين، وشهادة الزّور ثلاثاً. وقد اختلف السّلف. القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّ من الذّنوب كبائر، ومنها صغائر. القول الثاني: شذّت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ. فقال: ليس في الذّنوب صغيرة , بل كلّ ما نهى الله عنه كبيرة. ونقل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين. واحتجّوا بأنّ كلّ مخالفة لله فهي بالنّسبة إلى جلاله كبيرة. ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة. فقال: انقسام الذّنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم من الأشعريّة أبو بكر بن الطّيّب وأصحابه فقالوا: المعاصي كلّها كبائر، وإنّما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القبلة المحرّمة صغيرة بإضافتها إلى الزّنا وكلّها كبائر. قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر واجباً باجتناب ذنب آخر بل كلّ ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأوّل بها , وهي قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾: أنّ المراد الشّرك.

стр. 3531

وقد قال الفرّاء: من قرأ " كبائر " فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشّرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله تعالى: ﴿كذّبت قوم نوح المرسلين﴾ , ولَم يرسل إليهم غير نوح، قالوا: وجواز العقاب على الصّغيرة كجوازه على الكبيرة. انتهى. قال النّوويّ: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسّنّة إلى القول الأوّل. وقال الغزاليّ في " البسيط ": إنكار الفرق بين الصّغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه. قلت: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة واختاره , وبيّن أنّه لا يخالف ما قاله الجمهور. فقال في " الإرشاد ": المرضيّ عندنا أنّ كلّ ذنب يعصى الله به كبيرة، فربّ شيء يعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والرّبّ أعظم من عصي، فكلّ ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم؛ ولكنّ الذّنوب وإن عظمت فهي متفاوته في رتبها. وظنّ بعض النّاس أنّ الخلاف لفظيّ , فقال: التّحقيق أنّ للكبيرة اعتبارين: فبالنّسبة إلى مقايسة بعضها لبعضٍ فهي تختلف قطعاً، وبالنّسبة إلى الآمر النّاهي فكلّها كبائر. انتهى. والتّحقيق: أنّ الخلاف معنويّ، وإنّما جرى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدّالّ على أنّ الصّغائر تكفّر باجتناب الكبائر (١)، والله

стр. 3532

أعلم. وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عبّاس , أنّ كلّ ما نهى الله عنه كبيرة , لأنّه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصّغائر والكبائر في قوله: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلَّا اللمم﴾ وقوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم﴾ , فجعل في المنهيّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السّيّئات في الآية مشروطاً باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟ قلت: ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن ابن عبّاس في تفسير اللمم قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق .. الحديث " , لكنّ النّقل المذكور عنه. أخرجه إسماعيل القاضي والطّبريّ بسندٍ صحيح على شرط الشّيخين إلى ابن عبّاس. فالأولى أن يكون المراد بقوله: نهى الله عنه " محمولاً على نهي خاصّ , وهو الذي قرن به وعيد كما قيّد في الرّواية الأخرى عن ابن عبّاس , فيحمل مطلقه على مقيّده جمعاً بين كلاميه.

стр. 3533

وقال الطّيبيّ: الصّغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه وهو أحد ثلاثة أشياء: الطّاعة أو المعصية أو الثّواب. فأمّا الطّاعة فكلّ ما تكفّره الصّلاة مثلاً هو من الصّغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام أو الهجرة فهو من الكبائر. وأمّا المعصية فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيداً أو عقاباً أزيد من الوعيد أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى فهي كبيرة. وأمّا الثّواب ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين فالصّغيرة بالنّسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لَم تعدّ من غيرهم معصية. انتهى. وكلامه فيما يتعلق بالوعيد والعقاب يخصّص عموم من أطلق أنّ علامة الكبيرة ورود الوعيد أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أنّ مطلق قتل النّفس مثلاً ليس كبيرة، كأنّه وإن ورد الوعيد فيه أو العقاب , لكن ورد الوعيد والعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصّواب ما قاله الجمهور , وأنّ المثال المذكور وما أشبهه ينقسم إلى كبيرة وأكبر. والله أعلم. قال النّوويّ: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافاً كثيراً منتشراً. فروي عن ابن عبّاس , أنّها كلّ ذنب ختمه الله بنارٍ أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصريّ. وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنارٍ في الآخرة , أو أوجب فيه حدّاً في الدّنيا.

стр. 3534

قلت: وممّن نصّ على هذا الأخير الإمام أحمد. فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشّافعيّة الّماورديّ , ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد. والمنقول عن ابن عبّاس. أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ لا بأس به، إلَّا أنّ فيه انقطاعاً. وأخرج من وجه آخر متّصل لا بأس برجاله أيضاً عن ابن عبّاس , قال: كلّ ما توعّد الله عليه بالنّار كبيرة. وقد ضبط كثير من الشّافعيّة الكبائر بضوابط أخرى. منها قول إمام الحرمين: كلّ جريمة تؤذن بقلة اكثراث مرتكبها بالدّين ورقّة الدّيانة. وقول الحليميّ: كلّ محرّم لعينه منهيّ عنه لمعنىً في نفسه. وقال الرّافعيّ: هي ما أوجب الحدّ. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب أو سنّة. هذا أكثر ما يوجد للأصحاب وهم إلى ترجيح الأوّل أميل؛ لكنّ الثّاني أوفق لِما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه. وقد استُشكل بأنّ كثيراً ممّا وردت النّصوص بكونه كبيرة لا حدّ فيه كالعقوق. وأجاب بعض الأئمّة: بأنّ مراد قائله ضبط ما لَم يرد فيه نصّ بكونه كبيرة. وقال ابن عبد السّلام في " القواعد ": لَم أقف لأحدٍ من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر

стр. 3535

بتهاون مرتكبها بدينه إشعاراً دون الكبائر المنصوص عليها. قلت: وهو ضابط جيّد. وقال القرطبيّ في " المفهم ": الرّاجح أنّ كلّ ذنب نصّ على كِبَره أو عظمه أو توعّد عليه بالعقاب أو علق عليه حدّ أو شدّد النّكير عليه فهو كبيرة، وكلام ابن الصّلاح يوافق ما نقل أوّلاً عن ابن عبّاس، وزاد إيجاب الحدّ، وعلى هذا يكثر عدد الكبائر. فأمّا ما ورد النّصّ الصّريح بكونه كبيرة كما في حديث أبي هريرة " اجتنبوا السّبع الموبقات " (١) فقد ورد في الأحاديث زيادة على السّبع المذكورات ممّا نصّ على كونها كبيرة أو موبقة. وقد ذهب آخرون: إلى أنّ الذّنوب التي لَم ينصّ على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها. فقال الواحديّ: ما لَم ينصّ الشّارع على كونه كبيرة , فالحكمة في إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة، كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم. والله أعلم. فصلٌ. قوله: (أكبر الكبائر) ليس على ظاهره من الحصر بل من فيه مقدّرة، فقد ثبت في أشياء أخر أنّها من أكبر الكبائر. منها حديث أنس في قتل النّفس في الصحيحين، وحديث ابن

стр. 3536

مسعود في الصحيحين " أي الذّنب أعظم؟ " فذكر فيه الزّنا بحليلة الجار , وحديث عبد الله بن أنيس الجهنيّ مرفوعاً قال: من أكبر الكبائر - فذكر منها - اليمين الغموس. أخرجه التّرمذيّ بسندٍ حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد. وحديث أبي هريرة رفعه: إنّ من أكبر الكبائر استطالة المرء في عِرْض رجل مسلم. أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ حسن، وحديث بريدة رفعه: من أكبر الكبائر فذكر منها منع فضل الماء ومنع الفحل. أخرجه البزّار بسندٍ ضعيف. وحديث ابن عمر رفعه: أكبر الكبائر سوء الظّنّ بالله. أخرجه ابن مردويه بسندٍ ضعيف، ويقرب منه حديث أبي هريرة مرفوعاً: ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي. الحديث. أخرجه البخاري. وحديث عائشة: أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم. أخرجه الشّيخان، وفي البخاري حديث عبد الله بن عمرو: من أكبر الكبائر أن يسبّ الرّجل أباه. ولكنّه من جملة العقوق. قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله " أكبر الكبائر " انقسام الذّنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أنّ في الذّنوب صغائر، لكن فيه نظر؛ لأنّ مَن قال كلّ ذنب كبيرة , فالكبائر والذّنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنّه قيل: ألا أنبّئكم بأكبر الذّنوب؟ قال: ولا يلزم من كون الذي ذكر أنّه أكبر الكبائر استواؤها , فإنّ الشّرك بالله أعظم من جميع ما ذكر معه.

стр. 3537

قوله: (الإشراك بالله) قال ابن دقيق العيد: يحتمل: أن يراد به مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذّكر لغلبته في الوجود، لا سيّما في بلاد العرب، فذكر تنبيهاً على غيره من أصناف الكفر. ويحتمل: أن يراد به خصوصه , إلَّا أنّه يرد على هذا الاحتمال , أنّه قد يظهر أنّ بعض الكفر أعظم من الشّرك , وهو التّعطيل , فيترجّح الاحتمال الأوّل على هذا. قال ابن بطّال: قوله تعالى " إنّ الشّرك لظلمٌ عظيم " دالة على أنّه لا إثم أعظم من الشّرك، وأصل الظّلم وضع الشّيء في غير موضعه , فالمشرك أصل من وضع الشّيء في غير موضعه , لأنّه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساوياً فنسب النّعمة إلى غير المنعم بها، وقوله تعالى ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين﴾ خوطب بها النّبيّ ﷺ والمراد غيره، والإحباط المذكور مقيّد بالموت على الشّرك لقوله تعالى ﴿فيمت وهو كافر , فأولئك حبطت أعمالهم﴾. قوله: (وعقوق الوالدين) تقدّم الكلام عليه (١) قوله: (وكان متّكئاً) قيل: الاتّكاء الاضطجاع، وفي حديث عمر في البخاري " وهو متّكئ على سرير " أي: مضطجع، بدليل قوله " قد أثّر السّرير في جنبه " كذا قال عياض. وفيه نظرٌ , لأنّه يصحّ مع عدم تمام الاضطجاع.

стр. 3538

وقد قال الخطّابيّ: كلّ معتمد على شيء متمكّن منه , فهو متّكئ. وإيراد البخاريّ حديث خبّاب المعلَّق (١) يشير به إلى أنّ الاضطجاع اتّكاء وزيادة. وأخرج الدّارميّ والتّرمذيّ وصحَّحه هو وأبو عوانة وابن حبّان عن جابر بن سمرة: رأيت النّبيّ ﷺ متّكئاً على وسادة. ونقل ابن العربيّ عن بعض الأطبّاء , أنّه كره الاتّكاء، وتعقّبه: بأنّ فيه راحة كالاستناد والاحتباء. وورد في مثل ذلك حديث أنس في قصّة ضمام بن ثعلبة لَمَّا قال: أيّكم ابن عبد المطّلب؟ فقالوا: ذلك الأبيض المتّكئ. قال المُهلَّب: يجوز للعالِم والمفتي والإمام الاتّكاء في مجلسه بحضرة النّاس لألمٍ يجده في بعض أعضائه , أو لراحةٍ يرتفق بذلك , ولا يكون ذلك في عامّة جلوسه. قوله: (فجلس) في رواية بشر بن المفضّل عن الجريريّ في البخاري " وجلس وكان متّكئاً " يشعر بأنّه اهتمّ بذلك حتّى جلس بعد أن كان متّكئاً , ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه. قوله: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور) كذا وقع في العمدة بالواو. وفي رواية ابن عليّة " شهادة الزّور أو قول الزّور ".

стр. 3539

وأشار البخاري إلى أنّ قوله تعالى ﴿والذين لا يشهدون الزّور .. الآية﴾ , سيقت في ذمّ متعاطي شهادة الزّور , وهو اختيارٌ منه لأحد ما قيل في تفسيرها. وقيل: المراد بالزّور هنا الشّرك , وقيل: الغناء , وقيل: غير ذلك. قال الطّبريّ: أصل الزّور تحسين الشّيء ووصفه بخلاف صفته , حتّى يخيّل لمن سمعه أنّه بخلاف ما هو به قال: وأولى الأقوال عندنا , أنّ المراد به مدح من لا يشهد شيئاً من الباطل. والله أعلم. والشهادة مصدر شهد يشهد. قال الجوهريّ: الشّهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشّهود أي الحضور؛ لأنّ الشّاهد مشاهدٌ لِما غاب عن غيره , وقيل: مأخوذة من الإعلام. قوله: (فما زال يكرّرها، حتى قلنا: ليته سكت) أي: تمنّيناه يسكت إشفاقاً عليه لِما رأوا من انزعاجه في ذلك , وفي رواية خالد الواسطي عن الجريري عند البخاري " فما زال يقولها حتّى قلت: لا يسكت ". وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ , والمحبّة له والشّفقة عليه. وقال ابن دقيق العيد: اهتمامه ﷺ بشهادة الزّور , يحتمل: أن يكون لأنّها أسهل وقوعاً على النّاس، والتّهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعاً؛ لأنّ الشّرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطّبع، وأمّا قول الزّور فإنّ الحوامل عليه كثيرة فحسن الاهتمام بها، وليس

стр. 3540

ذلك لعظمها بالنّسبة إلى ما ذكر معها. قال: وأمّا عطف الشّهادة على القول , فينبغي أن يكون تأكيداً للشّهادة , لأنّا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقاً كبيرة وليس كذلك، وإذا كان بعض الكذب منصوصاً على عظمه كقوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثمّ يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً﴾. وفي الجملة فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده. قال: وقد نصّ الحديث الصّحيح على أنّ الغيبة والنّميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة أو الهيئة مثلاً. والله أعلم. وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنّ كلّ شهادة زور قول زور بغير عكس، ويحتمل: قول الزّور على نوع خاصّ منه. قلت: والأولى ما قاله الشّيخ. ويؤيّده وقوع الشّكّ في ذلك في حديث أنس (١) وفيه " قول الزّور أو قال: شهادة الزّور " قال شعبة: وأكبر ظنّي أنّه شهادة الزّور , فدلَّ على أنّ المراد شيء واحد.
следующие страницы →