مسعود في الصحيحين " أي الذّنب أعظم؟ " فذكر فيه الزّنا بحليلة الجار , وحديث عبد الله بن أنيس الجهنيّ مرفوعاً قال: من أكبر الكبائر - فذكر منها - اليمين الغموس. أخرجه التّرمذيّ بسندٍ حسن، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد.
وحديث أبي هريرة رفعه: إنّ من أكبر الكبائر استطالة المرء في عِرْض رجل مسلم. أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ حسن، وحديث بريدة رفعه: من أكبر الكبائر فذكر منها منع فضل الماء ومنع الفحل. أخرجه البزّار بسندٍ ضعيف.
وحديث ابن عمر رفعه: أكبر الكبائر سوء الظّنّ بالله. أخرجه ابن مردويه بسندٍ ضعيف، ويقرب منه حديث أبي هريرة مرفوعاً: ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي. الحديث. أخرجه البخاري.
وحديث عائشة: أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم. أخرجه الشّيخان، وفي البخاري حديث عبد الله بن عمرو: من أكبر الكبائر أن يسبّ الرّجل أباه. ولكنّه من جملة العقوق.
قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله " أكبر الكبائر " انقسام الذّنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أنّ في الذّنوب صغائر، لكن فيه نظر؛ لأنّ مَن قال كلّ ذنب كبيرة , فالكبائر والذّنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنّه قيل: ألا أنبّئكم بأكبر الذّنوب؟ قال: ولا يلزم من كون الذي ذكر أنّه أكبر الكبائر استواؤها , فإنّ الشّرك بالله أعظم من جميع ما ذكر معه.
стр. 3537
قوله: (الإشراك بالله) قال ابن دقيق العيد:
يحتمل: أن يراد به مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذّكر لغلبته في الوجود، لا سيّما في بلاد العرب، فذكر تنبيهاً على غيره من أصناف الكفر.
ويحتمل: أن يراد به خصوصه , إلَّا أنّه يرد على هذا الاحتمال , أنّه قد يظهر أنّ بعض الكفر أعظم من الشّرك , وهو التّعطيل , فيترجّح الاحتمال الأوّل على هذا.
قال ابن بطّال: قوله تعالى " إنّ الشّرك لظلمٌ عظيم " دالة على أنّه لا إثم أعظم من الشّرك، وأصل الظّلم وضع الشّيء في غير موضعه , فالمشرك أصل من وضع الشّيء في غير موضعه , لأنّه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساوياً فنسب النّعمة إلى غير المنعم بها، وقوله تعالى ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين﴾ خوطب بها النّبيّ ﷺ والمراد غيره، والإحباط المذكور مقيّد بالموت على الشّرك لقوله تعالى ﴿فيمت وهو كافر , فأولئك حبطت أعمالهم﴾.
قوله: (وعقوق الوالدين) تقدّم الكلام عليه (١)
قوله: (وكان متّكئاً) قيل: الاتّكاء الاضطجاع، وفي حديث عمر في البخاري " وهو متّكئ على سرير " أي: مضطجع، بدليل قوله " قد أثّر السّرير في جنبه " كذا قال عياض.
وفيه نظرٌ , لأنّه يصحّ مع عدم تمام الاضطجاع.
стр. 3538
وقد قال الخطّابيّ: كلّ معتمد على شيء متمكّن منه , فهو متّكئ.
وإيراد البخاريّ حديث خبّاب المعلَّق (١) يشير به إلى أنّ الاضطجاع اتّكاء وزيادة.
وأخرج الدّارميّ والتّرمذيّ وصحَّحه هو وأبو عوانة وابن حبّان عن جابر بن سمرة: رأيت النّبيّ ﷺ متّكئاً على وسادة.
ونقل ابن العربيّ عن بعض الأطبّاء , أنّه كره الاتّكاء، وتعقّبه: بأنّ فيه راحة كالاستناد والاحتباء.
وورد في مثل ذلك حديث أنس في قصّة ضمام بن ثعلبة لَمَّا قال: أيّكم ابن عبد المطّلب؟ فقالوا: ذلك الأبيض المتّكئ.
قال المُهلَّب: يجوز للعالِم والمفتي والإمام الاتّكاء في مجلسه بحضرة النّاس لألمٍ يجده في بعض أعضائه , أو لراحةٍ يرتفق بذلك , ولا يكون ذلك في عامّة جلوسه.
قوله: (فجلس) في رواية بشر بن المفضّل عن الجريريّ في البخاري " وجلس وكان متّكئاً " يشعر بأنّه اهتمّ بذلك حتّى جلس بعد أن كان متّكئاً , ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه.
قوله: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور) كذا وقع في العمدة بالواو. وفي رواية ابن عليّة " شهادة الزّور أو قول الزّور ".
стр. 3539
وأشار البخاري إلى أنّ قوله تعالى ﴿والذين لا يشهدون الزّور .. الآية﴾ , سيقت في ذمّ متعاطي شهادة الزّور , وهو اختيارٌ منه لأحد ما قيل في تفسيرها.
وقيل: المراد بالزّور هنا الشّرك , وقيل: الغناء , وقيل: غير ذلك.
قال الطّبريّ: أصل الزّور تحسين الشّيء ووصفه بخلاف صفته , حتّى يخيّل لمن سمعه أنّه بخلاف ما هو به قال: وأولى الأقوال عندنا , أنّ المراد به مدح من لا يشهد شيئاً من الباطل. والله أعلم.
والشهادة مصدر شهد يشهد. قال الجوهريّ: الشّهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشّهود أي الحضور؛ لأنّ الشّاهد مشاهدٌ لِما غاب عن غيره , وقيل: مأخوذة من الإعلام.
قوله: (فما زال يكرّرها، حتى قلنا: ليته سكت) أي: تمنّيناه يسكت إشفاقاً عليه لِما رأوا من انزعاجه في ذلك , وفي رواية خالد الواسطي عن الجريري عند البخاري " فما زال يقولها حتّى قلت: لا يسكت ".
وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ , والمحبّة له والشّفقة عليه.
وقال ابن دقيق العيد: اهتمامه ﷺ بشهادة الزّور , يحتمل: أن يكون لأنّها أسهل وقوعاً على النّاس، والتّهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعاً؛ لأنّ الشّرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطّبع، وأمّا قول الزّور فإنّ الحوامل عليه كثيرة فحسن الاهتمام بها، وليس
стр. 3540
ذلك لعظمها بالنّسبة إلى ما ذكر معها.
قال: وأمّا عطف الشّهادة على القول , فينبغي أن يكون تأكيداً للشّهادة , لأنّا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقاً كبيرة وليس كذلك، وإذا كان بعض الكذب منصوصاً على عظمه كقوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثمّ يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً﴾. وفي الجملة فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده.
قال: وقد نصّ الحديث الصّحيح على أنّ الغيبة والنّميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبة بالقذف كبيرة ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة أو الهيئة مثلاً. والله أعلم.
وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنّ كلّ شهادة زور قول زور بغير عكس، ويحتمل: قول الزّور على نوع خاصّ منه.
قلت: والأولى ما قاله الشّيخ.
ويؤيّده وقوع الشّكّ في ذلك في حديث أنس (١) وفيه " قول الزّور أو قال: شهادة الزّور " قال شعبة: وأكبر ظنّي أنّه شهادة الزّور , فدلَّ على أنّ المراد شيء واحد.
стр. 3541
وقال القرطبيّ: شهادة الزّور , هي الشّهادة بالكذب ليتوصّل بها إلى الباطل من إتلاف نفس , أو أخذ مال , أو تحليل حرام أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً منها , ولا أكثر فساداً بعد الشّرك بالله.
وزعم بعضهم: أنّ المراد بشهادة الزّور في هذا الحديث الكفر، فإنّ الكافر شاهد بالزّور وهو ضعيف.
وقيل: المراد من يستحلّ شهادة الزّور وهو بعيد، والله أعلم
وفي هذا الحديث استحباب إعادة الموعظة ثلاثاً لتفهم، وانزعاج الواعظ في وعظه ليكون أبلغ في الوعي عنه والزّجر عن فعل ما ينهى عنه.
وفيه غلظ أمر شهادة الزّور لِما يترتّب عليها من المفاسد وإن كانت مراتبها متفاوتة، وضابط الزّور وصف الشّيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشّهادة فيختصّ بها، وقد يضاف إلى الفعل ومنه " لابس ثوبي زور " (١) , ومنه تسمية الشّعر الموصول زوراً كما في البخاري.
وتقدّم بيان الاختلاف في المراد بقوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزّور﴾ , وأنّ الرّاجح أنّ المراد به في الآية الباطل , والمراد لا
стр. 3542
يحضرونه.
وفيه التّحريض على مجانبة كبائر الذّنوب ليحصل تكفير الصّغائر بذلك كما وعد الله .
وفيه إشفاق التّلميذ على شيخه إذا رآه منزعجاً , وتمنّي عدم غضبه لِما يترتّب على الغضب من تغيّر مزاجه. والله أعلم.
стр. 3543
الحديث السادس
٣٧٨ - عن ابن عباسٍ ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ قال: لو يُعطى الناس بدعواهم، لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المُدّعى عليه. (١)
قوله: (ولكن اليمين على الْمدّعى عليه) أخرجه البخاري ومسلم مختصراً من طريق نافع بن عمر الجمحيّ عن ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس , أنَّ رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدّعى عليه.
وأخرجه البخاري من طريق ابن جريجٍ عن ابن أبي مُلَيْكة. مثله، وذكر فيه قصّة المرأتين اللتين ادّعت إحداهما على الأخرى أنّها جرحَتْها (٢).
وقد أخرجه الطّبرانيّ من رواية سفيان عن نافع بن عمر (٣) بلفظ " البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه " وقال: لَم يروه عن
стр. 3544
سفيان إلَّا الفريابيّ.
وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن جريجٍ بلفظ " ولكنّ البيّنة على الطّالب واليمين على المطلوب ".
وأخرجه البيهقيّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريجٍ وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مُلَيْكة , قال: كنت قاضياً لابن الزّبير على الطّائف، فذكر قصّة المرأتين، فكتبت إلى ابن عبّاس، فكتب إليّ: أنّ رسول الله ﷺ قال: لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.
وهذه الزّيادة ليست في الصّحيحين، وإسنادها حسن.
وقد بيّن ﷺ الحكمة في كون البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه بقوله ﷺ : لو يُعطى النّاس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم.
وقال العلماء: الحكمة في ذلك لأنّ جانب المدّعي ضعيف , لأنّه يقول خلاف الظّاهر فكلف الحجّة القويّة وهي البيّنة , لأنّها لا تجلب لنفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضرراً فيقوى بها ضعف المدّعي، وجانب المدّعى عليه قويّ , لأنّ الأصل فراغ في ذمّته فاكتفي منه باليمين وهي حجّة ضعيفة , لأنّ الحالف يجلب لنفسه النّفع ويدفع الضّرر , فكان ذلك في غاية الحكمة.
واختلف الفقهاء في تعريف المدّعي والمدّعى عليه، والمشهور فيه تعريفان:
стр. 3545
الأوّل: المدّعي من يخالف قوله الظّاهر والمدّعى عليه بخلافه.
الثّاني: مَن إذا سكت تُرك وسكوته , والمدّعى عليه من لا يخلى إذا سكت.
والأوّل أشهر، والثّاني أسلم.
وقد أُورد على الأوّل بأنّ المودع إذا ادّعى الرّدّ أو التّلف فإنّ دعواه تخالف الظّاهر، ومع ذلك فالقول قوله. وقيل: في تعريفهما: غير ذلك.
القول الأول: استدل بقوله " اليمين على المدّعى عليه " للجمهور بحمله على عمومه في حقّ كلّ واحد. سواء كان بين المدّعي والمدّعى عليه , اختلاط أم لا.
القول الثاني: عن مالك: لا تتوجّه اليمين إلَّا على مَن بينه وبين المدّعي اختلاط , لئلا يبتذل أهلُ السّفه أهلَ الفضل بتحليفهم مراراً.
القول الثالث: قريبٌ من مذهب مالك. قول الإصطخريّ من الشّافعيّة: إنّ قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدّعي لَم يُلتفت إلى دعواه.
واستُدل بقوله " لادّعى ناس دماء ناس وأموالهم " على إبطال قول المالكيّة في التّدمية، ووجه الدّلالة تسويته ﷺ بين الدّماء والأموال.
وأجيب: بأنّهم لَم يسندوا القصاص مثلاً إلى قول المدّعي بل للقسامة، فيكون قوله ذلك لوثاً يقوّي جانب المدّعي في بداءته بالأيمان.
стр. 3546
تكميل:
ذهب الشّافعيّ والجمهور: إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنّكاح ونحوه.
واستثنى مالك: النّكاح والطّلاق والعتاق والفدية , فقال: لا يجب في شيء منها اليمين حتّى يقيم المدّعي البيّنة ولو شاهداً واحداً.
وخصّ الكوفيّون: اليمين على المدّعى عليه في الأموال دون الحدود.
стр. 3547
كتاب الأطعمة
الحديث الأول
٣٧٩ - عن النّعمان بن بشيرٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه: إنّ الحلال بيّنٌ، وإنّ الحرام بيّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأَ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أنْ يرتعَ فيه، أَلَا وإنَّ لكل ملكٍ حمىً، أَلا وإنَّ حمى الله محارمُه، أَلَا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحتْ صلح الجسد كلّه، وإذا فسدتْ فسد الجسد كلّه، أَلا وهي القلب. (١)
قوله: (النعمان بن بشير). ولأبي عوانة في " صحيحه " من طريق أبي حريز - وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي - عن الشّعبيّ , أنّ النّعمان بن بشير خطب به بالكوفة , وقد دخل النّعمان الكوفة وولي إِمْرتها , وفي رواية لمسلمٍ , أنّه خطب به بحمص.
ويجمع بينهما: بأنّه سمع منه مرّتين، فإنّه ولي إمرة البلدين واحدة بعد أخرى.
قوله: (سمعت رسول الله ﷺ يقول , وأهوى النعمان بإصبعيه إلى
стр. 3548
أذنيه) زادها مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا.
وفي هذا ردّ لقول الواقديّ ومن تبعه: إنّ النّعمان لا يصحّ سماعه من رسول الله ﷺ .
وفيه دليل على صحّة تحمّل الصّبيّ المميّز , لأنّ النّبيّ ﷺ مات وللنّعمان ثمان سنين، وزكريّاء موصوف بالتّدليس , ولَم أره في الصّحيحين وغيرهما من روايته عن الشّعبيّ إلَّا معنعناً.
ثمّ وجدته في " فوائد ابن أبي الهيثم " من طريق يزيد بن هارون عن زكريّاء حدّثنا الشّعبيّ، فحصل الأمن من تدليسه.
تكمِلةٌ: توارد أكثر الأئمّة المخرّجين له على إيراده في كتاب البيوع , لأنّ الشّبهة في المعاملات تقع فيها كثيراً، وله تعلّقٌ أيضاً بالنّكاح وبالصّيد والذّبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك ممّا لا يخفى. والله المستعان.
فائدة: ادّعى أبو عمرو الدّانيّ: أنّ هذا الحديث لَم يروه عن النّبيّ ﷺ غير النّعمان بن بشير.
فإن أراد من وجه صحيح فمُسلَّمٌ، وإلَّا فقد روّيناه من حديث ابن عمر وعمّار في " الأوسط " للطّبرانيّ، ومن حديث ابن عبّاس في " الكبير " له، ومن حديث واثلة في " التّرغيب " للأصبهانيّ، وفي أسانيدها مقال.
وادّعى أيضاً أنّه لَم يروه عن النّعمان غير الشّعبيّ.
وليس كما قال، فقد رواه عن النّعمان أيضاً خيثمة بن عبد الرّحمن
стр. 3549
عند أحمد وغيره، وعبد الملك بن عمير عند أبي عوانة وغيره، وسماك بن حرب عند الطّبرانيّ.
لكنّه مشهور عن الشّعبيّ. رواه عنه جمع جمٌّ من الكوفيّين، ورواه عنه من البصريّين عبد الله بن عون، وقد ساق البخاريّ إسناده في البيوع. ولَم يسق لفظه , فأخرجه أبو داود والنّسائيّ وغيرهما بلفظ " إنّ الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن , وبينهما أمور مشتبهات - وأحياناً يقول: مشتبهةٌ - وسأضرب لكم في ذلك مثلاً: إنّ الله حمى حمىً، وإنّ حمى الله ما حرّم، وأنّه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه، وأنّه من يخالط الرّيبة يوشك أن يجسر ".
قوله: (الحلال بيّن والحرام بيّن) أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظّاهرة.
وفيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح:
الأوّل: أنّ الشّيء إمّا أن ينصّ على طلبه مع الوعيد على تركه، فهو الحلال البيّن.
الثّاني: أن ينصّ على تركه مع الوعيد على فعله، فهو الحرام البيّن. فمعنى قوله " الحلال بيّن " أي لا يحتاج إلى بيانه , ويشترك في معرفته كلّ أحدٍ.
الثالث: أن لا ينصّ على واحدٍ منهما , فهو مشتبهٌ لخفائه فلا يدرى هل هو حلال أو حرام، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه , لأنّه إن كان في نفس الأمر حراماً فقد برئ من تبعتها , وإن كان حلالاً فقد
стр. 3550
أجر على تركها بهذا القصد , لأنّ الأصل في الأشياء مختلفٌ فيه حظراً وإباحةً.
والأوّلان قد يردان جميعاً , فإن علم المتأخّر منهما , وإلا فهو من حيّز القسم الثّالث.
قوله: (وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ) بوزن مفتعلات بتاءٍ مفتوحة وعين خفيفة مكسورة , والمعنى أنّها موحّدة اكتسبت الشّبه من وجهين متعارضين.
وللبخاري " وبينهما مشبّهات " بوزن مفعّلات بتشديد العين المفتوحة , وهي رواية مسلم، أي: شبّهت بغيرها ممّا لَم يتبيّن به حكمها على التّعيين.
ورواه الدّارميّ عن أبي نعيمٍ - شيخ البخاريّ فيه - عن زكريّاء بلفظ " وبينهما متشابهات ".
قوله: (لا يعلمهنّ كثير من النّاس) أي: لا يعلم حكمها.
وجاء واضحاً في رواية التّرمذيّ بلفظ " لا يدري كثيرٌ من النّاس أمن الحلال هي أم من الحرام ".
ومفهوم قوله " كثير " أنّ معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من النّاس وهم المجتهدون، فالشّبهات على هذا في حقّ غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدّليلين.
قوله: (فمن اتّقى الشّبهات) بالضّمّ جمع شبهة. أي: حذر منها كذا عند مسلم والإسماعيليّ " الشّبهات " وللبخاري " المشبّهات "
стр. 3551
والاختلاف في لفظها بين الرّواة نظير التي قبلها.
قوله: (استبرأ) بالهمز بوزن استفعل من البراءة، أي: برّأ دينه من النّقص وعرضه من الطّعن فيه؛ لأنّ من لَم يعرف باجتناب الشّبهات لَم يسلم لقول من يطعن فيه.
وفيه دليل على أنّ من لَم يتوقّ الشّبهة في كسبه ومعاشه فقد عرّض نفسه للطّعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدّين ومراعاة المروءة.
قوله: (ومن وقع في الشّبهات) فيها أيضاً ما تقدّم من اختلاف الرّواة.
واختلف في حكم الشّبهات.
فقيل: التّحريم، وهو مردود. وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف. وهو كالخلاف فيما قبل الشّرع.
وحاصل ما فسّر به العلماء الشّبهات أربعة أشياء:
أحدها: تعارض الأدلة كما تقدّم.
ثانيها: اختلاف العلماء , وهي منتزعة من الأولى.
ثالثها: أنّ المراد بها مسمّى المكروه , لأنّه يجتذبه جانبا الفعل والتّرك.
رابعها: أنّ المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطّرفين من كلّ وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطّرفين باعتبار ذاته، راجح
стр. 3552
الفعل أو التّرك باعتبار أمر خارج.
ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القبّاريّ (١) عنه , أنّه كان يقول: المكروه عَقَبةٌ بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرّق إلى الحرام، والمباح عَقَبةٌ بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرّق إلى المكروه.
وهو منزعٌ حسنٌ.
ويؤيّده رواية ابن حبّان من طريقٍ ذكَرَ مُسلمٌ إسنادها , ولَم يسق لفظها , فيها من الزّيادة: اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه.
والمعنى أنّ الحلال حيث يخشى أن يئول فعله مطلقاً إلى مكروه أو محرّم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلاً من الطّيّبات، فإنّه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحقّ أو يفضي إلى بطر النّفس، وأقلّ ما فيه الاشتغال عن مواقف العبوديّة، وهذا معلوم بالعادة مشاهد بالعيان.
والذي يظهر لي رجحان الوجه الأوّل على ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كلّ من الأوجه مراداً.
ويختلف ذلك باختلاف النّاس: فالعالِم الفطن لا يخفى عليه تمييز
стр. 3553
الحكم فلا يقع له ذلك إلَّا في الاستكثار من المباح أو المكروه. كما تقرّر قبل، ودونه تقع له الشّبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال.
ولا يخفى أنّ المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهيّ في الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهيّ غير المحرّم على ارتكاب المنهيّ المحرّم إذا كان من جنسه. أو يكون ذلك لشبهةٍ فيه , وهو أنّ من تعاطى ما نُهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع , فيقع في الحرام ولو لَم يختر الوقوع فيه.
ووقع عند البخاري من رواية أبي فروة عن الشّعبيّ في هذا الحديث " فمن ترك ما شبّه عليه من الإثم كان لِما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما يشكّ فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان ".
وهذا يرجّح الوجه الأوّل كما أشرت إليه.
وأبو فروة المذكور هو الأكبر. واسمه عروة بن الحارث الهمدانيّ الكوفيّ، ولهم أبو فروة الأصغر الجهنيّ الكوفيّ. واسمه مسلم بن سالمٍ , ما له في البخاريّ سوى حديث واحدٍ في أحاديث الأنبياء.
تنْبيهٌ: استدل به ابن المنير على جواز بقاء المجمل بعد النّبيّ ﷺ .
وفي الاستدلال بذلك نظر، إلَّا إن أراد به أنّه مجمل في حقّ بعض دون بعض، أو أراد الرّدّ على منكري القياس فيحتمل ما قال. والله أعلم.
قوله: (وقع في الحرام كالراعي يرعى) وللبخاري " ومن وقع في
стр. 3554
الشّبهات كراعٍ يرعى " , هكذا في جميع نسخ البخاريّ محذوف جواب الشّرط إن أعربت " من " شرطيّة.
وقد ثبت المحذوف في رواية الدّارميّ عن أبي نعيمٍ - شيخ البخاريّ فيه - عن زكريّاء فقال " ومن وقع في الشّبهات وقع في الحرام، كالرّاعي يرعى ".
ويمكن إعراب " مَن " في سياق البخاريّ موصولة فلا يكون فيه حذف، إذ التّقدير والذي وقع في الشّبهات مثل راعٍ يرعى.
والأوّل أولى. لثبوت المحذوف في صحيح مسلم وغيره من طريق زكريّا التي أخرجه منها البخاري، وعلى هذا فقوله " كراعٍ يرعى " جملة مستأنفة وردت على سبيل التّمثيل للتّنبيه بالشّاهد على الغائب , والحمى المحميّ، أطلق المصدر على اسم المفعول.
وفي اختصاص التّمثيل بذلك نكتة، وهي أنّ ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصّة يتوعّدون من يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشّديدة، فمثّل لهم النّبيّ ﷺ بما هو مشهور عندهم.
فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتدّ حذره.
وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذّة فتقع فيه بغير اختياره، أو يمحل المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه. فالله هو الملك حقّاً، وحماه محارمه.
стр. 3555
تنْبيهٌ: ادّعى بعضهم أنّ التّمثيل من كلام الشّعبيّ، وأنّه مدرج في الحديث، حكى ذلك أبو عمرو الدّانيّ.
ولَم أقف على دليله إلَّا ما وقع عند ابن الجارود والإسماعيليّ من رواية ابن عون عن الشّعبيّ، قال ابن عون في آخر الحديث: لا أدري المثل من قول النّبيّ ﷺ أو من قول الشّعبيّ.
قلت: وتردُّدُ ابنِ عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجاً؛ لأنّ الأثبات قد جزموا باتّصاله ورفعه، فلا يقدح شكّ بعضهم فيه.
وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرّواة - كأبي فروة عن الشّعبيّ - لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنّهم حفّاظ. ولعل هذا هو السّرّ في حذف البخاريّ قوله " وقع في الحرام " ليصير ما قبل المثل مرتبطاً به فيسلم من دعوى الإدراج.
وممّا يقوّي عدم الإدراج رواية ابن حبّان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعاً في رواية ابن عبّاس وعمّار بن ياسر أيضاً.
قوله: (ألا وإن لكل ملكٍ حِمى، أَلَا وإنَّ حِمى الله محارمه) وللبخاري " ألا وإنّ حمى الله في أرضه ".
والمراد بالمحارم فعل المنهيّ المحرّم أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فروة عن الشعبي عند البخاري التّعبير بالمعاصي بدل المحارم.
وقوله " ألا " للتّنبيه على صحّة ما بعدها، وفي إعادتها وتكريرها دليل على عظم شأن مدلولها.
стр. 3556
قوله: (مضغة) أي: قدر ما يمضغ، وعبّر بها هنا عن مقدار القلب في الرّؤية، وسمّي القلب قلباً لتقلّبه في الأمور، أو لأنّه خالص ما في البدن، وخالص كلّ شيء قلبه، أو لأنّه وضع في الجسد مقلوباً.
وقوله: (إذا صلحت .. وإذا فسدت) هو بفتح عينهما وتضمّ في المضارع. وحكى الفرّاء , الضّمّ في ماضي صلح، وهو يضمّ وفاقاً إذا صار له الصّلاح هيئة لازمة لشرفٍ ونحوه، والتّعبير بإذا لتحقّق الوقوع غالباً، وقد تأتي بمعنى إن كما هنا.
وخصّ القلب بذلك لأنّه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرّعيّة، وبفساده تفسد. وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحثّ على صلاحه، والإشارة إلى أنّ لطيب الكسب أثراً فيه. والمراد المتعلق به من الفهم الذي ركّبه الله فيه.
ويستدلّ به على أنّ العقل في القلب، ومنه قوله تعالى ﴿فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾. وقوله تعالى ﴿إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾.
قال المفسّرون: أي: عقْل. وعبّر عنه بالقلب لأنّه محلّ استقراره.
فائدة: لَم تقع هذه الزّيادة التي أوّلها " ألا وإنّ في الجسد مضغة " إلَّا في رواية الشّعبيّ، ولا هي في أكثر الرّوايات عن الشّعبيّ، إنّما تفرّد بها في الصّحيحين زكريّا المذكور عنه، وتابعه مجاهد عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطّبرانيّ.
стр. 3557
وعبّر في بعض رواياته عن الصّلاح والفساد بالصّحّة والسّقم، ومناسبتها لِما قبلها بالنّظر إلى أنّ الأصل في الاتّقاء والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنّه عماد البدن.
وقد عظّم العلماء أمر هذا الحديث فعدّوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبى داود، وفيه البيتان المشهوران وهما:
عمدة الدّين عندنا كلمات مـ ... سندات من قول خير البريّه
اترك المشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنيّه (١)
والمعروف عن أبي داود عدّ " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه .. الحديث " (٢) بدل " ازهد فيما في أيدي النّاس " (٣) وجعله بعضُهم ثالثَ ثلاثة حذف الثّاني.
وأشار ابن العربيّ: إلى أنّه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام.
قال القرطبيّ: لأنّه اشتمل على التّفصيل بين الحلال وغيره، وعلى
стр. 3558
تعلّق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن تردّ جميع الأحكام إليه.
وفي الحديث دليلٌ على جواز الجرح والتّعديل. قاله البغويّ في " شرح السّنّة "
واستنبط منه بعضهم منع إطلاق الحلال والحرام على ما لا نصَّ فيه , لأنّه من جملة ما لَم يستبن. لكنّ قوله ﷺ : لا يعلمها كثيرٌ من النّاس. يشعر بأنّ منهم من يعلمها.
стр. 3559
الحديث الثاني
٣٨٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: أنفجنا أرنباً بِمرّ الظّهران، فسعى القوم فلَغِبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها أو فخذيها فقبله. (١)
قال المُصنِّف: لغبوا: تعبوا وأعيوا
قوله: (أنفجنا) بفاءٍ مفتوحة وجيم ساكنة. أي: أثرنا.
وفي رواية مسلم " استنفجنا " وهو استفعال منه، يقال: نفج الأرنب إذا ثار وعدا، وانتفج كذلك، وأنفجته إذا أثّرته من موضعه.
ويقال: إنّ الانتفاج الاقشعرار , فكأنّ المعنى جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والانتفاج أيضاً ارتفاع الشّعر وانتفاشه.
ووقع في شرح مسلم للمازريّ " بعجنا " بموحّدةٍ وعين مفتوحة، وفسّره بالشّقّ من بعج بطنه إذا شقّه.
وتعقّبه عياض: بأنّه تصحيف، وبأنّه لا يصحّ معناه من سياق الخبر , لأنّ فيه أنّهم سعوا في طلبها بعد ذلك، فلو كان شقّوا بطنها. كيف كانوا يحتاجون إلى السّعي خلفها؟.
قوله: (أرنباً) دويبّة معروفة تشبه العناق , لكن في رجليها طول بخلاف يديها، والأرنب اسم جنس للذّكر والأنثى.
стр. 3560
ويقال للذّكر أيضاً: الْخُزَز وزن عمر بمعجماتٍ.
وللأنثى عكرشة، وللصّغير خِرنق - بكسر المعجمة وسكون الرّاء وفتح النّون بعدها قاف - هذا هو المشهور.
وقال الجاحظ: لا يقال أرنب إلَّا للأنثى، ويقال: إنّ الأرنب شديدة الجبن كثيرة الشّبق , وأنّها تكون سنة ذكراً وسنة أنثى وأنّها تحيض، وسأذكر من خرّجه، ويقال: إنّها تنام مفتوحة العين.
قوله: (بمرّ الظّهران) مرّ بفتح الميم وتشديد الرّاء، والظّهران بفتح المعجمة بلفظ تثنية الظّهر، اسم موضع على مرحلة من مكّة. وقد يسمّى بإحدى الكلمتين تخفيفاً، وهو المكان الذي تسمّيه عوامّ المصريّين بطن مرو.
والصّواب مرّ بتشديد الرّاء. وهو وادٍ معروف على خمسة أميال من مكّة إلى جهة المدينة.
وقد ذكر الواقديّ. أنّه من مكّة على خمسة أميال.
وزعم ابن وضّاح , أنّ بينهما أحداً وعشرين ميلاً.
وقيل: ستّة عشر , وبه جزم البكريّ.
قال النّوويّ: والأوّل غلط وإنكار للمحسوس. ومرّ قرية ذات نخل وزرع ومياه.
قلت: وقول البكريّ هو المعتمد. والله أعلم.
قوله: (فسعى القوم فلغبوا) بمعجمةٍ وموحّدة. أي: تعبوا وزنه ومعناه، ووقع بلفظ " تعبوا " في رواية الكشميهنيّ.
стр. 3561
وأغرب الدّاوديّ، فقال: معناه عطشوا.
وتعقّبه ابن التّين. وقال: ضبطوا لغبوا بكسر الغين , والفتح أعرف.
قوله: (فأخذتها) زاد البخاري " فأدركتها فأخذتها " , ولمسلمٍ " فسعيت حتّى أدركتها ".
ولأبي داود من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام بن زيد عن أنس " وكنت غلاماً حزوّراً " وهو بفتح المهملة والزّاي والواو المشدّدة بعدها راء , ويجوز سكون الزّاي وتخفيف الواو , وهو المراهق.
قوله: (إلى أبي طلحة) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام - وهو بمهملتين - الأنصاري الخزرجي النجاري، زوج أم سليم والدة أنس.
روى ابن سعد والحاكم وغيرهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس " أنَّ أبا طلحة قرأ ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ فقال: استنفرنا الله شيوخاً وشباناً جهّزوني، فقال له بنوه: نحن نغزو عنك، فأبى فجهزوه، فغزا في البحر فمات، فدفنوه بعد سبعة أيام. ولم يتغير. وأقام بعد النبي ﷺ ثلاثاً أو أربعاً وعشرين سنة.
قوله: (فذبحها) زاد في رواية الطّيالسيّ " بمروة " , وزاد في رواية حمّاد المذكورة " فشويتها ".
قوله: (فبعث بوركها أو فخذيها) وللبخاري " بوركيها أو فخذيها " وله من طريق شعبة عن هشام بن زيد " قال: فخذيها لا
стр. 3562
شكّ فيه , قال: فقِبَله، قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثمّ قال بعد: قَبِلَه ".
يشير إلى أنّه يشكّ في الوركين خاصّة، وأنّ الشّكّ في قوله: " فخذيها أو وركيها " ليس على السّواء، أو كان يشكّ في الفخذين ثمّ استيقن، وكذلك شكّ في الأكل ثمّ استيقن القبول , فجزم به آخراً.
ووقع في رواية حمّاد " بعجزها ".
قوله: (فَقَبِلَها) أي: الهديّة، وتقدّم في رواية شعبة " قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه. ثمّ قال: فقبله " , وللتّرمذيّ من طريق أبي داود الطّيالسيّ فيه " فأكله، قلت: أكله؟ قال: قبله ".
وهذا التّرديد لهشام بن زيد وقّف جدّه أنساً على قوله " أكله " , فكأنّه توقّف في الجزم به , وجزم بالقبول.
وقد أخرج الدّارقطنيّ من حديث عائشة: أُهدي إلى رسول الله ﷺ أرنب وأنا نائمة فخبّأ لي منها العجز، فلمّا قمت أطعمني.
وهذا لو صحّ لأشعر بأنّه أكل منها، لكن سنده ضعيف.
ووقع في " الهداية " للحنفيّة , أنّ النّبيّ ﷺ أكل من الأرنب حين أهدي إليه مشويّاً وأمر أصحابه بالأكل منه.
وكأنّه تلقّاه من حديثين: فأوّله من حديث الباب وقد ظهر ما فيه.
والآخر من حديث أخرجه النّسائيّ من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة: جاء أعرابيّ إلى النّبيّ ﷺ بأرنبٍ قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك. وأمر أصحابه أن يأكلوا.
стр. 3563
ورجاله ثقات، إلَّا أنّه اختُلف فيه على موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً.
وفي الحديث جواز أكل الأرنب , وهو قول العلماء كافّة. إلَّا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصّحابة , وعن عكرمة من التّابعين , وعن محمّد بن أبي ليلى من الفقهاء.
واحتجّ: بحديث خزيمة بن جزء , قلت: يا رسولَ الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرّمه، قالت: فإنّي آكل ما لا تحرّمه. ولِمَ يا رسولَ الله؟ قال: نبّئت أنّها تدمى. وسنده ضعيف.
ولو صحّ. لَم يكن فيه دلالة على الكراهة. كما سيأتي تقريره بعد (١).
وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بلفظ: جيء بها إلى النّبيّ ﷺ فلم يأكلها , ولَم ينه عنها , زعم أنّها تحيض. أخرجه أبو داود.
وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في " مسنده ".
وحكى الرّافعيّ عن أبي حنيفة أنّه حرّمها، وغلَّطه النّوويّ في النّقل عن أبي حنيفة.
وفي الحديث أيضاً جواز استثارة الصّيد والغدوّ في طلبه.
وأمّا ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ من حديث ابن عبّاس رفعه: من اتّبع الصّيد غفل. فهو محمول على من واظب على ذلك حتّى يشغله عن غيره من المصالح الدّينيّة وغيرها.
وفيه أنّ آخذ الصّيد يملكه بأخذه ولا يشاركه من أثاره معه.
стр. 3564
وفيه هديّة الصّيد وقبولها من الصّائد , وإهداء الشّيء اليسير الكبير القدر إذا علم من حاله الرّضا بذلك.
وفيه أنّ وليّ الصّبيّ يتصرّف فيما يملكه الصّبيّ بالمصلحة.
وفيه استثبات الطّالب شيخه عمّا يقع في حديثه ممّا يحتمل أنّه يضبطه كما وقع لهشام بن زيد مع أنس ﵁.
стр. 3565
الحديث الثالث
٣٨١ - عن أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄، قالت: نَحرْنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً، فأكلناه. (١) وفي رواية: ونحن في المدينة. (٢)
قوله: (عن أسماء بنت أبي بكرٍ) الصدّيق. (٣)
стр. 3566
قوله: (نَحرْنا) أورده البخاري من رواية سفيان الثّوريّ , ومن رواية جرير كلاهما عن هشام بن عروة موصولاً بلفظ " نحرنا " , وقال في آخره: تابعه وكيع وابن عيينة عن هشام في النّحر.
وأورده أيضاً من رواية عبدة - وهو ابن سليمان - عن هشام بلفظ " ذبحنا "
ورواية ابن عيينة التي أشار إليها. وصلها البخاري من رواية الحميديّ عن سفيان - وهو ابن عيينة - به , وقال " نحرنا ".
ورواية وكيع. أخرجها أحمد عنه بلفظ " نحرنا "، وأخرجها مسلم عن محمّد بن عبد الله بن نمير حدّثنا أبي وحفص بن غياث ووكيع ثلاثتهم عن هشام " بلفظ " نحرنا ".
وأخرجه عبد الرّزّاق عن معمر والثّوريّ جميعاً عن هشام بلفظ " نحرنا ".
وقال الإسماعيليّ: قال همّام وعيسى بن يونس وعليّ بن مسهر عن هشام بلفظ " نحرنا " , واختلف على حمّاد بن زيد وابن عيينة , فقال أكثر أصحابهما " نحرنا " وقال بعضهم " ذبحنا ".
وأخرجه الدّارقطنيّ من رواية مؤمّل بن إسماعيل عن الثّوريّ ووهيب بن خالد , ومن رواية ابن ثوبان - وهو عبد الرّحمن بن ثابت بن ثوبان - , ومن رواية يحيى القطّان كلّهم عن هشام بلفظ " ذبحنا " ,
стр. 3567
ومن رواية أبي معاوية عن هشام " انتحرنا " , وكذا أخرجه مسلم من رواية أبي معاوية وأبي أسامة , ولَم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة عنهما بلفظ " نحرنا ".
وهذا الاختلاف كلّه عن هشام.
وفيه إشعار بأنّه كان تارة يرويه بلفظ " ذبحنا " وتارة بلفظ " نحرنا " , وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى، وأنّ النّحر يطلق عليه ذبح والذّبح يطلق عليه نحر.
ولا يتعيّن مع هذا الاختلاف ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز , إلَّا إن رجح أحد الطّريقين.
وأمّا أنّه يُستفاد من هذا الاختلاف جواز نحر المذبوح وذبح المنحور كما قاله بعض الشّرّاح. فبعيدٌ، لأنّه يستلزم أن يكون الأمر في ذلك وقع مرّتين، والأصل عدم التّعدّد مع اتّحاد المخرج.
وقد جرى النّوويّ على عادته في الحمل على التّعدّد , فقال بعد أن ذكر اختلاف الرّواة في قولها نحرنا وذبحنا: يُجمع بين الرّوايتين بأنّهما قضيّتان، فمرّة نحروها ومرّة ذبحوها.
ثمّ قال: ويجوز أن تكون قصّة واحدة. وأحد اللفظين مجاز والأوّل أصحّ. كذا قال. والله أعلم
تكميل: النّحر في الإبل خاصّة، وأمّا غير الإبل فيذبح، وقد جاءت أحاديث في ذبح الإبل وفي نحر غيرها.
وقال ابن التّين: الأصل في الإبل النّحر، وفي الشّاة ونحوها الذّبح،
стр. 3568
وأمّا البقر فجاء في القرآن ذكر ذبحها وفي السّنّة ذكر نحرها. واختلف في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح. فأجازه الجمهور. ومنع ابن القاسم.
وروى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك: من نحر البقر فبئس ما صنع , ثم تلا ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. إلى .. فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ وعن أشهب: إنْ ذبحَ بعيراً من غير ضرورة لم يؤكل.
قوله: (على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلناه) وفي رواية للدّارقطنيّ " فأكلناه نحن وأهل بيت رسول الله ﷺ ".
قوله: (وفي رواية: ونحن في المدينة) يستفاد منه أنّ ذلك بعد فرض الجهاد، فيردّ على من استند إلى منع أكلها بعلة أنّها من آلات الجهاد.
ومن قولها " نحن وأهل بيت النّبيّ ﷺ " الرّدّ على من زعم أنّه ليس فيه أنّ النّبيّ ﷺ اطّلع على ذلك، مع أنّ ذلك لو لَم يرد لَم يظنّ بآل أبي بكر أنّهم يقدمون على فعل شيء في زمن النّبيّ ﷺ إلَّا وعندهم العلم بجوازه، لشدّة اختلاطهم بالنّبيّ ﷺ وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفّر داعية الصّحابة إلى سؤاله عن الأحكام.
ومن ثَمّ كان الرّاجح , أنّ الصّحابيّ إذا قال " كنّا نفعل كذا على عهد النّبيّ ﷺ " كان له حكم الرّفع، لأنّ الظّاهر اطّلاع النّبيّ ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصّحابيّ. فكيف بآل أبي
стр. 3569
بكر الصّدّيق؟.
مسائل:
المسألة الأولى: روى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: الذبح قطع الأوداج، قلت: فذبح ذابحٌ، فلم يقطع أوداجها؟ قال: ما أراه إلَّا قد ذكاها، فليأكلها.
قوله: والذبح قطع الأوداج. جمع ودَجَ بفتح الدال المهملة والجيم. وهو العرق الذي في الأخدع، وهما عرقان متقابلان.
قيل: ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط , وهما محيطان بالحلقوم، ففي الإتيان بصيغة الجمع نظر، ويمكن أن يكون أضاف كل ودجين إلى الأنواع كلها، هكذا اقتصر عليه بعض الشراح.
وبقي وجه آخر. وهو أنه أطلق على ما يقطع في العادة ودجاً تغليباً.
فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم: إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية، وهما الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب.
وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن: إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ، فإن قطع أقلَّ فلا خير فيها.
وقال الشافعي: يكفي ولو لم يقطع من الودجين شيئاً، لأنهما قد يسلان من الإنسان وغيره فيعيش.
وعن الثوري: إن قطع الودجين أجزأ , ولو لم يقطع الحلقوم والمريء.
стр. 3570
وعن مالك والليث: يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط.
واحتج له بما في حديث رافع " ما أنهر الدم " (١) وإنهاره إجراؤه، وذلك يكون بقطع الأوداج لأنها مجرى الدم.
وأما المريء: فهو مجرى الطعام , وليس به من الدم ما يحصل به إنهار، كذا قال.
المسألة الثانية: روى عبد الرزاق عن نافع , أنَّ ابن عمر نهى عن النخع , يقول: يقطع ما دون العظم , ثم يدع حتى يموت.
قوله " النخع " بفتح النون وسكون الخاء المعجمة. فسره في الخبر بأنه قطع ما دون العظم.
والنخاع: عرق أبيض في فقار الظهر إلى القلب، يقال له خيط الرقبة. وقال الشافعي: النخع أن تذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع المذبح، أو تضرب ليعجل قطع حركتها.
وأخرج أبو عبيد في " الغريب " عن عمر , أنه نهى عن الفرس في الذبيحة.
ثم حكى عن أبي عبيدة , أنَّ الفرس هو النخع، يقال: فرست الشاة ونخعتها، وذلك أن ينتهي بالذبح إلى النخاع. وهو عظم في الرقبة.
قال: ويقال أيضاً هو الذي يكون في فقار الصلب شبيه بالمخ , وهو
стр. 3571
متصل بالقفا، نهى أن ينتهى بالذبح إلى ذلك.
قال أبو عبيد: أما النخع فهو على ما قال، وأما الفرس. فيقال هو الكسر، وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد. ويبين ذلك أن في الحديث " ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق ".
قلت: يعني في حديث عمر المذكور، وكذا ذكره الشافعي عن عمر.
المسألة الثالثة: روى أبو موسى الزَّمِن (١) من رواية أبي مجلز , سألت ابن عمر عن ذبيحة قطع رأسها، فأمر ابن عمر بأكلها.
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح , أنَّ ابن عباس سُئل عمن ذبح دجاجة فطيَّر رأسها. فقال: ذكاة وَحِية - بفتح الواو وكسر الحاء المهملة بعدها تحتانية ثقيلة - أي: سريعة، منسوبة إلى الوحاء , وهو الإسراع والعجلة.
وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس , أنَّ جزاراً لأنس ذبحَ دجاجةً فاضطربتْ فذبحها من قفاها فأطار رأسها، فأرادوا طرحها، فأمرهم أنس بأكلها. (٢)
стр. 3572
الحديث الرابع
٣٨٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁، أنّ رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحُمر الأهليّة، وأَذِن في لحوم الخيل. (١)
ولمسلم وحده قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبيّ ﷺ عن الحمار الأهليّ. (٢)
قوله: (نهى عن لحوم الحمر الأهليّة) أخرج البخاري من طريق سفيان، قال عمرٌو: قلت لجابر بن زيدٍ: يزعمون , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن حمر الأهليّة؟ فقال: قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرٍو الغفاريّ عندنا بالبصرة , ولكن أَبَى ذاك البحر ابن عبّاسٍ، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً﴾.
وفي رواية ابن مردويه وصحَّحه الحاكم من طريق محمّد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشّعثاء عن ابن عبّاس , قال: كان أهل الجاهليّة يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذّراً , فبعث الله نبيّه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرّم حرامه، فما أحلَّ فيه فهو حلال، وما حرّم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو , وتلا هذه ﴿قل لا أجد .... إلى آخرها﴾.
стр. 3573
والاستدلال بهذا للحلِّ إنّما يتمّ فيما لَم يأت فيه نصٌّ عن النّبيّ ﷺ بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك , والتّنصيص على التّحريم مقدّم على عموم التّحليل وعلى القياس.
وعن ابن عبّاس , أنّه توقّف في النّهي عن الحمر: هل كان لمعنىً خاصّ، أو للتّأييد؟. ففي البخاري عن الشّعبيّ عنه , أنّه قال: لا أدري أَنَهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنّه كان حمولة النّاس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّمها البتّة يوم خيبر؟.
وهذا التّردّد أصحّ من الخبر الذي جاء عنه بالجزم بالعلة المذكورة.
وكذا فيما أخرجه الطّبرانيّ وابن ماجه من طريق شقيق بن سلمة عن ابن عبّاس قال: إنّما حرّم رسول الله ﷺ الحمر الأهليّة مخافة قلّة الظّهر. وسنده ضعيف.
وفي البخاري في حديث ابن أبي أوفى (١) قال: فتحدّثنا أنّه إنّما نهى عنها لأنّها لَم تخمّس , وقال بعضهم: نَهى عنها لأنّها كانت تأكل العذرة.
قلت: وقد أزال هذه الاحتمالاتِ من كونها لَم تخمّس , أو كانت جلالة , أو كانت انتُهبت , حديثُ أنس في الصحيحين , أنّ رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ، فقال: أُكلت الحمر، ثمّ جاءه جاءٍ، فقال: أُكلت الحمر، ثمّ جاءه جاءٍ، فقال: أُفنيت الحمر، فأمر منادياً فنادى في النّاس: إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهليّة، فإنّها
стр. 3574
رجسٌ , فأكفئت القدور، وإنّها لتفور باللحم. حيث قال " فإنها رجسٌ " وكذا الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة (١).
قال القرطبيّ: قوله: " فإنّها رجس " ظاهر في عود الضّمير على الحمر لأنّها المتحدّث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجّس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دالٌّ على تحريمها لعينها لا لمعنىً خارج.
وقال ابن دقيق العيد: الأمر بإكفاء القدر ظاهر أنّه سبب تحريم لحم الحمر، وقد وردت علل أخرى. إن صحَّ رفع شيء منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يُعلّل الحكم بأكثر من عِلَّة، وحديث أبي ثعلبة (٢) صريح في التّحريم فلا معدل عنه.
وأمّا التّعليل بخشية قلة الظّهر. فأجاب عنه الطّحاويّ بالمعارضة بالخيل، فإنّ في حديث جابر النّهي عن الحمر والإذن في الخيل مقروناً، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزّتها وشدّة حاجتهم إليها.
والجواب عن آية الأنعام: أنّها مكّيّة , وخبر التّحريم متأخّر جدّاً فهو مقدّم.
стр. 3575
وأيضاً: فنصّ الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنّه حينئذٍ لَم يكن نزل في تحريم المأكول إلَّا ما ذكر فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضاً تحريم ما أهلّ لغير الله به والمنخنقة إلى آخره، وكتحريم السّباع والحشرات.
قال النّوويّ: قال بتحريم الحمر الأهليّة أكثر العلماء من الصّحابة فمن بعدهم، ولَم نجد عن أحدٍ من الصّحابة في ذلك خلافاً لهم إلَّا عن ابن عبّاس، وعند المالكيّة ثلاث روايات. ثالثها الكراهة.
وأمّا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن أبجر , قال: أصابتنا سنة (١)، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلَّا سمان الْحُمُر، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنّك حرّمت لحوم الحمر الأهليّة وقد أصابتنا سنة، قال: أطعم أهلك من سمين حُمرك، فإنّما حرّمتها من أجل جوالي القرية. يعني الجلالة.
وإسناده ضعيف، والمتن شاذّ مخالف للأحاديث الصّحيحة، فالاعتماد عليها.
وأمّا الحديث الذي أخرجه الطّبرانيّ عن أمّ نصر المحاربيّة , أنّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهليّة , فقال: أليس ترعى الكلأ وتأكل الشّجر؟ قال: نعم، قال: فأصب من لحومها.