متصل بالقفا، نهى أن ينتهى بالذبح إلى ذلك.
قال أبو عبيد: أما النخع فهو على ما قال، وأما الفرس. فيقال هو الكسر، وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد. ويبين ذلك أن في الحديث " ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق ".
قلت: يعني في حديث عمر المذكور، وكذا ذكره الشافعي عن عمر.
المسألة الثالثة: روى أبو موسى الزَّمِن (١) من رواية أبي مجلز , سألت ابن عمر عن ذبيحة قطع رأسها، فأمر ابن عمر بأكلها.
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح , أنَّ ابن عباس سُئل عمن ذبح دجاجة فطيَّر رأسها. فقال: ذكاة وَحِية - بفتح الواو وكسر الحاء المهملة بعدها تحتانية ثقيلة - أي: سريعة، منسوبة إلى الوحاء , وهو الإسراع والعجلة.
وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس , أنَّ جزاراً لأنس ذبحَ دجاجةً فاضطربتْ فذبحها من قفاها فأطار رأسها، فأرادوا طرحها، فأمرهم أنس بأكلها. (٢)
стр. 3572
الحديث الرابع
٣٨٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁، أنّ رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحُمر الأهليّة، وأَذِن في لحوم الخيل. (١)
ولمسلم وحده قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبيّ ﷺ عن الحمار الأهليّ. (٢)
قوله: (نهى عن لحوم الحمر الأهليّة) أخرج البخاري من طريق سفيان، قال عمرٌو: قلت لجابر بن زيدٍ: يزعمون , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن حمر الأهليّة؟ فقال: قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرٍو الغفاريّ عندنا بالبصرة , ولكن أَبَى ذاك البحر ابن عبّاسٍ، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً﴾.
وفي رواية ابن مردويه وصحَّحه الحاكم من طريق محمّد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشّعثاء عن ابن عبّاس , قال: كان أهل الجاهليّة يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذّراً , فبعث الله نبيّه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرّم حرامه، فما أحلَّ فيه فهو حلال، وما حرّم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو , وتلا هذه ﴿قل لا أجد .... إلى آخرها﴾.
стр. 3573
والاستدلال بهذا للحلِّ إنّما يتمّ فيما لَم يأت فيه نصٌّ عن النّبيّ ﷺ بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بذلك , والتّنصيص على التّحريم مقدّم على عموم التّحليل وعلى القياس.
وعن ابن عبّاس , أنّه توقّف في النّهي عن الحمر: هل كان لمعنىً خاصّ، أو للتّأييد؟. ففي البخاري عن الشّعبيّ عنه , أنّه قال: لا أدري أَنَهى عنه رسول الله ﷺ من أجل أنّه كان حمولة النّاس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّمها البتّة يوم خيبر؟.
وهذا التّردّد أصحّ من الخبر الذي جاء عنه بالجزم بالعلة المذكورة.
وكذا فيما أخرجه الطّبرانيّ وابن ماجه من طريق شقيق بن سلمة عن ابن عبّاس قال: إنّما حرّم رسول الله ﷺ الحمر الأهليّة مخافة قلّة الظّهر. وسنده ضعيف.
وفي البخاري في حديث ابن أبي أوفى (١) قال: فتحدّثنا أنّه إنّما نهى عنها لأنّها لَم تخمّس , وقال بعضهم: نَهى عنها لأنّها كانت تأكل العذرة.
قلت: وقد أزال هذه الاحتمالاتِ من كونها لَم تخمّس , أو كانت جلالة , أو كانت انتُهبت , حديثُ أنس في الصحيحين , أنّ رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ، فقال: أُكلت الحمر، ثمّ جاءه جاءٍ، فقال: أُكلت الحمر، ثمّ جاءه جاءٍ، فقال: أُفنيت الحمر، فأمر منادياً فنادى في النّاس: إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهليّة، فإنّها
стр. 3574
رجسٌ , فأكفئت القدور، وإنّها لتفور باللحم. حيث قال " فإنها رجسٌ " وكذا الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة (١).
قال القرطبيّ: قوله: " فإنّها رجس " ظاهر في عود الضّمير على الحمر لأنّها المتحدّث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجّس، فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دالٌّ على تحريمها لعينها لا لمعنىً خارج.
وقال ابن دقيق العيد: الأمر بإكفاء القدر ظاهر أنّه سبب تحريم لحم الحمر، وقد وردت علل أخرى. إن صحَّ رفع شيء منها وجب المصير إليه، لكن لا مانع أن يُعلّل الحكم بأكثر من عِلَّة، وحديث أبي ثعلبة (٢) صريح في التّحريم فلا معدل عنه.
وأمّا التّعليل بخشية قلة الظّهر. فأجاب عنه الطّحاويّ بالمعارضة بالخيل، فإنّ في حديث جابر النّهي عن الحمر والإذن في الخيل مقروناً، فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزّتها وشدّة حاجتهم إليها.
والجواب عن آية الأنعام: أنّها مكّيّة , وخبر التّحريم متأخّر جدّاً فهو مقدّم.
стр. 3575
وأيضاً: فنصّ الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنّه حينئذٍ لَم يكن نزل في تحريم المأكول إلَّا ما ذكر فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضاً تحريم ما أهلّ لغير الله به والمنخنقة إلى آخره، وكتحريم السّباع والحشرات.
قال النّوويّ: قال بتحريم الحمر الأهليّة أكثر العلماء من الصّحابة فمن بعدهم، ولَم نجد عن أحدٍ من الصّحابة في ذلك خلافاً لهم إلَّا عن ابن عبّاس، وعند المالكيّة ثلاث روايات. ثالثها الكراهة.
وأمّا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن غالب بن أبجر , قال: أصابتنا سنة (١)، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلَّا سمان الْحُمُر، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنّك حرّمت لحوم الحمر الأهليّة وقد أصابتنا سنة، قال: أطعم أهلك من سمين حُمرك، فإنّما حرّمتها من أجل جوالي القرية. يعني الجلالة.
وإسناده ضعيف، والمتن شاذّ مخالف للأحاديث الصّحيحة، فالاعتماد عليها.
وأمّا الحديث الذي أخرجه الطّبرانيّ عن أمّ نصر المحاربيّة , أنّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الحمر الأهليّة , فقال: أليس ترعى الكلأ وتأكل الشّجر؟ قال: نعم، قال: فأصب من لحومها.
стр. 3576
وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرّة قال: سألت. فذكر نحوه، ففي السّندين مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التّحريم.
قال الطّحاويّ: لو تواتر الحديث عن رسول الله ﷺ بتحريم الحمر الأهليّة لكان النّظر يقتضي حلّها , لأنّ كلّ ما حرّم من الأهليّ أجمع على تحريمه إذا كان وحشيّاً كالخنزير، وقد أجمع العلماء على حلّ الحمار الوحشيّ فكان النّظر يقتضي حلّ الحمار الأهليّ.
قلت: ما ادّعاه من الإجماع مردودٌ، فإنّ كثيراً من الحيوان الأهليّ مختلف في نظيره من الحيوان الوحشيّ كالهرّ.
قوله: (وأذن في لحوم الخيل) وللبخاري " رخّص " بدل " أذن ".
ولمسلم في رواية ابن جريجٍ عن أبي الزبير عن جابر: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النّبيّ ﷺ عن الحمار الأهليّ , وفي حديث ابن عبّاس عند الدّارقطنيّ " أمر "
قال الطّحاويّ: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجّوا بالأخبار المتواترة في حلّها، ولو كان ذلك مأخوذاً من طريق النّظر لَما كان بين الخيل والحمر الأهليّة فرق، ولكنّ الآثار إذا صحّت عن رسول الله ﷺ أولى أن يقال بها ممّا يوجبه النّظر، ولا سيّما وقد أخبر جابر أنّه ﷺ أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر، فدلَّ ذلك على اختلاف حكمهما.
قلت: وقد نقل الحلَّ بعضُ التّابعين عن الصّحابة من غير استثناء
стр. 3577
أحدٍ، فأخرج ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح على شرط الشّيخين عن عطاء قال: لَم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريجٍ: قلت له أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم.
وأمّا ما نقل في ذلك عن ابن عبّاس من كراهتها , فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرّزّاق بسندين ضعيفين.
ويدلّ على ضعف ذلك عنه ما تقدّم صحيحاً عنه أنّه استدل لإباحة الحمر الأهليّة بقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً﴾ فإنّ هذا - إن صلح مستمسكاً لحل الحمر - صلح للخيل ولا فرق.
وتقدّم فيه أيضاً أنّه توقّف في سبب المنع من أكل الحمر. هل كان تحريماً مؤبّداً. أو بسبب كونها كانت حمولة النّاس؟.
وهذا يأتي مثله من الخيل أيضاً , فيبعد أن يثبت عنه القول بتحريم الخيل والقول بالتّوقّف في الحمر الأهليّة.
بل أخرج الدّارقطنيّ بسندٍ قويّ عن ابن عبّاس مرفوعاً مثل حديث جابر , ولفظه: نهى رسول ﷺ عن لحوم الحمر الأهليّة , وأمر بلحوم الخيل.
وصحّ القول بالكراهة عن الحكم بن عتيبة ومالك وبعض الحنفيّة.
وعن بعض المالكيّة والحنفيّة التّحريم.
وقال الفاكهيّ: المشهور عند المالكيّة الكراهة، والصّحيح عند المحقّقين منهم التّحريم، وقال أبو حنيفة في " الجامع الصّغير ": أكره لحم الخيل. فحمله أبو بكر الرّازيّ على التّنزيه.
стр. 3578
وقال: لَم يطلق أبو حنيفة فيه التّحريم , وليس هو عنده كالحمار الأهليّ، وصحّح عنه أصحاب المحيط والهداية والذّخيرة التّحريم، وهو قول أكثرهم، وعن بعضهم: يأثم آكله , ولا يسمّى حراماً، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك المنع , وأنّه احتجّ بالآية الآتي ذكرها، وأخرج محمّد بن الحسن في " الآثار " عن أبي حنيفة بسندٍ له عن ابن عبّاس نحو ذلك.
وقال القرطبيّ في " شرح مسلم ": مذهب مالك الكراهة، واستدلَّ له ابن بطّال بالآية.
وقال ابن المنيّر: الشّبه الخلقيّ بينها وبين البغال والحمير ممّا يؤكّد القول بالمنع، فمن ذلك هيئتها وزهومة لحمها، وغلظه، وصفة أرواثها، وأنّها لا تجترّ، قال: وإذا تأكّد الشّبه الخلقيّ التحق بنفي الفارق وبعد الشّبه بالأنعام المتّفق على أكلها. انتهى.
وقد تقدّم من كلام الطّحاويّ ما يؤخذ منه الجواب عن هذا.
وقال الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة: الدّليل في الجواز مطلقاً واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالباً في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله , ولو كثر لأدّى إلى قتلها فيفضي إلى فنائها فيئول إلى النّقص من إرهاب العدوّ الذي وقع الأمر به في قوله تعالى ﴿ومن رباط الخيل﴾.
قلت: فعلى هذا فالكراهة لسببٍ خارجٍ وليس البحث فيه، فإنّ الحيوان المتّفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى
стр. 3579
ارتكاب محذور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه، وكذا قوله إنّ وقوع أكلها في الزّمن النّبويّ كان نادراً، فإذا قيل بالكراهة قلَّ استعماله فيوافق ما وقع قبل. انتهى.
وهذا لا ينهض دليلاً للكراهة بل غايته أن يكون خلاف الأولى، ولا يلزم من كون أصل الحيوان حل أكله فناؤه بالأكل.
وأمّا قول بعض المانعين: لو كانت حلالاً لجازت الأضحيّة بها.
فمنتقض بحيوان البرّ , فإنّه مأكول ولَم تشرع الأضحيّة به، ولعل السّبب في كون الخيل لا تشرع الأضحيّة بها استبقاؤها , لأنّه لو شرع فيها جميع ما جاز في غيرها لفاتت المنفعة بها في أهمّ الأشياء منها , وهو الجهاد.
وذكر الطّحاويّ وأبو بكر الرّازيّ وأبو محمّد بن حزم من طريق عكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر والخيل والبغال.
قال الطّحاويّ: وأهل الحديث يضعّفون عكرمة بن عمّار.
قلت: لا سيّما في يحيى بن أبي كثير، فإنّ عكرمة - وإن كان مختلفاً في توثيقه - فقد أخرج له مسلم، لكن إنّما أخرج له من غير روايته عن يحيى بن أبي كثير.
وقد قال يحيى بن سعيد الّقطّان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة.
وقال البخاريّ حديثه عن يحيى مضطرب. وقال النّسائيّ: ليس به
стр. 3580
بأس إلَّا في يحيى.
وقال أحمد: حديثه عن غير إياس بن سلمة مضطرب، وهذا أشدّ ممّا قبله، ودخل في عمومه يحيى بن أبي كثير أيضاً.
وعلى تقدير صحّة هذه الطّريق فقد اختلف عن عكرمة فيها، فإنّ الحديث عند أحمد والتّرمذيّ من طريقه ليس فيه للخيل ذكرٌ، وعلى تقدير أن يكون الذي زاده حفظه فالرّوايات المتنوّعة عن جابر المفصّلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكم أظهر اتّصالاً , وأتقن رجالاً , وأكثر عدداً.
وأعلَّ بعض الحنفيّة حديث جابر. بما نقله عن ابن إسحاق , أنّه لَم يشهد خيبر. وليس بعلةٍ , لأنّ غايته أن يكون مرسل صحابيّ.
ومن حُجج من منع أكل الخيل. حديث خالد بن الوليد المخرّج في السّنن , أنّ النّبيّ ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل.
وتعقّب: بأنّه شاذّ منكر، لأنّ في سياقه أنّه شهد خيبر، وهو خطأ. فإنّه لَم يُسلم إلَّا بعدها على الصّحيح، والذي جزم به الأكثر. أنّ إسلامه كان سنة الفتح.
والعمدة في ذلك على ما قال مصعب الزّبيريّ , وهو أعلم النّاس بقريشٍ قال: كتب الوليد بن الوليد إلى خالد حين فرّ من مكّة في عمرة القضيّة حتّى لا يرى النّبيّ ﷺ بمكّة , فذكر القصّة في سبب إسلام خالد، وكانت عمرة القضيّة بعد خيبر جزماً.
وأُعلّ أيضاً بأنّ في السّند راوياً مجهولاً، لكن قد أخرج الطّبريّ من
стр. 3581
طريق يحيى بن أبي كثير عن رجل من أهل حمص قال: كنّا مع خالد، فذكر أنّ رسول الله ﷺ حرّم لحوم الحمر الأهليّة وخيلها وبغالها.
وأُعل بتدليس يحيى وإبهام الرّجل.
وادّعى أبو داود: أنّ حديث خالد بن الوليد منسوخ.
ولَم يبيّن ناسخه. وكذا قال النّسائيّ: الأحاديث في الإباحة أصحّ، وهذا - إن صحّ - كان منسوخاً.
وكأنّه لَمَّا تعارض عنده الخبران , ورأى في حديث خالد " نهى " , وفي حديث جابر " أَذِن " حمل الإذن على نسخ التّحريم.
وفيه نظرٌ , لأنّه لا يلزم من كون النّهي سابقاً على الإذن أن يكون إسلام خالد سابقاً على فتح خيبر، والأكثر على خلافه , والنّسخ لا يثبت بالاحتمال.
وقد قرّر الحازميّ النّسخ بعد أن ذكر حديث خالد , وقال:
هو شاميّ المخرج، جاء من غير وجه بما ورد في حديث جابر من " رخّص " و " أذن " , لأنّه من ذلك يظهر أنّ المنع كان سابقاً والإذن متأخّراً فيتعيّن المصير إليه.
قال: ولو لَم ترد هذه اللفظة لكانت دعوى النّسخ مردودة لعدم معرفة التّاريخ. انتهى.
وليس في لفظ رخّص وأذن ما يتعيّن معه المصير إلى النّسخ، بل الذي يظهر أنّ الحكم في الخيل والبغال والحمير كان على البراءة الأصليّة، فلمّا نهاهم الشّارع يوم خيبر عن الحمر والبغال خشي أن
стр. 3582
يظنّوا أنّ الخيل كذلك لشبهها بها فأذن في أكلها دون الحمير والبغال.
والرّاجح. أنّ الأشياء قبل بيان حكمها في الشّرع لا توصف لا بحلٍّ ولا حرمة. فلا يثبت النّسخ في هذا.
ونقل الحازميّ أيضاً تقرير النّسخ بطريقٍ أخرى , فقال: إنّ النّهي عن أكل الخيل والحمير كان عامّاً من أجل أخذهم لها قبل القسمة والتّخميس، ولذلك أمر بإكفاء القدور، ثمّ بيّن بندائه بأنّ لحوم الحمر رجس أنّ تحريمها لذاتها، وأنّ النّهي عن الخيل إنّما كان بسبب ترك القسمة خاصّة.
ويعكّر عليه: أنّ الأمر بإكفاء القدور إنّما كان بطبخهم فيها الحمر كما هو مصرّح به في الصّحيح لا الخيل , فلا يتمّ مراده.
والحقّ: أنّ حديث خالد - ولو سُلِّم أنّه ثابت - لا ينهض معارضاً لحديث جابر الدّالّ على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء. (١)
وقد ضعّف حديثَ خالدٍ أحمدُ والبخاريّ وموسى بن هارون والدّارقطنيّ والخطّابيّ وابن عبد البرّ وعبد الحقّ وآخرون.
وجمع بعضهم بين حديث جابر وخالد: بأنّ حديث جابر دالٌّ على الجواز في الجملة. وحديث خالد دالٌّ على المنع في حالة دون حالة، لأنّ الخيل في خيبر كانت عزيزة , وكانوا محتاجين إليها للجهاد، فلا يعارض النّهي المذكور، ولا يلزم وصف أكل الخيل بالكراهة المطلقة فضلاً عن التّحريم.
стр. 3583
وقد وقع عند الدّارقطنيّ في حديث أسماء " كانت لنا فرس على عهد رسول الله ﷺ , فأرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها ".
وأجاب عن حديث أسماء: بأنّها واقعة عين. فلعلَّ تلك الفرس كانت كبرت بحيث صارت لا ينتفع بها في الجهاد , فيكون النّهي عن الخيل لمعنىً خارجٍ لا لذاتها، وهو جمع جيّد.
وزعم بعضهم: أنّ حديث جابر في الباب دالٌّ على التّحريم لقوله " رخّص " لأنّ الرّخصة استباحة المخطور مع قيام المانع، فدلَّ على أنّه رخّص لهم فيها بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدلّ ذلك على الحلّ المطلق.
وأجيب: بأنّ أكثر الرّوايات جاء بلفظ الإذن , وبعضها بالأمر , فدلَّ على أنّ المراد بقوله " رخّص " أذِنَ. لا خصوص الرّخصة باصطلاح من تأخّر عن عهد الصّحابة.
ونوقض أيضاً: بأنّ الإذن في أكل الخيل لو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهليّة أولى بذلك لكثرتها وعزّة الخيل حينئذٍ.
ولأنّ الخيل يُنتفع بها فيما يُنتفع بالحمير من الحمل وغيره، والحمير لا ينتفع بها فيما ينتفع بالخيل من القتال عليها.
والواقع كما سيأتي صريحاً في الحديث الذي يليه (١) , أنّه ﷺ أمر بإراقة القدور التي طبخت فيها الْحُمُر مع ما كان بهم من الحاجة , فدلَّ ذلك على أنّ الإذن في أكل الخيل إنّما كان للإباحة العامّة لا
стр. 3584
لخصوص الضّرورة.
وأمّا ما نقل عن ابن عبّاس ومالك وغيرهما من الاحتجاج للمنع بقوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ فقد تمسّك بها أكثر القائلين بالتّحريم.
وقرّروا ذلك بأوجهٍ:
أحدها: أنّ اللام للتّعليل. فدلَّ على أنّها لَم تخلق لغير ذلك، لأنّ العلة المنصوصة تفيد الحصر , فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية.
ثانيها: عطَفَ البغال والحمير فدلَّ على اشتراكها معها في حكم التّحريم , فيحتاج من أفرد حكمها عن حكم ما عطفت عليه إلى دليل.
ثالثها: أنّ الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كانت ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم , لأنّه يتعلق به بقاء البنية بغير واسطة، والحكيم لا يمتنّ بأدنى النّعم ويترك أعلاها، ولا سيّما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.
رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الرّكوب والزّينة.
هذا ملخّص ما تمسّكوا به من هذه الآية.
والجواب على سبيل الإجمال
الجواب الأول: أنّ آية النّحل مكّيّة اتّفاقاً , والإذن في أكل الخيل
стр. 3585
كان بعد الهجرة من مكّة بأكثر من ستّ سنين، فلو فهم النّبيّ ﷺ من الآية المنع لَما أذن في الأكل.
الجواب الثاني: آية النّحل ليست نصّاً في منع الأكل، والحديث صريح في جوازه.
الجواب الثالث: على سبيل التّنزّل , فإنّما يدلّ ما ذكر على ترك الأكل، والتّرك أعمّ من أن يكون للتّحريم أو للتّنزيه أو خلاف الأولى، وإذا لَم يتعيّن واحد منها بقي التّمسّك بالأدلة المصرّحة بالجواز.
وعلى سبيل التّفصيل.
أوّلاً: فلو سلَّمنا أنّ اللام للتّعليل لَم نسلِّم إفادة الحصر في الرّكوب والزّينة، فإنّه ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتّفاقاً، وإنّما ذكر الرّكوب والزّينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل.
ونظيره حديث البقرة المذكور في الصّحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: إنّا لَم نخلق لهذا , إنّما خلقنا للحرث. فإنّه مع كونه أصرح في الحصر لَم يقصد به الأغلب، وإلَّا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتّفاقاً.
وأيضاً فلو سلّم الاستدلال للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير، ولا قائل به.
ثانياً: دلالة العطف إنّما هي دلالة اقتران، وهي ضعيفة.
ثالثاً: الامتنان إنّما قصد به غالباً ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل , فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولَم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزّتها في
стр. 3586
بلادهم، بخلاف الأنعام فإنّ أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال وللأكل فاقتصر في كلّ من الصّنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشّقّ للزم مثله في الشّقّ الآخر.
رابعاً: لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى. للزم مثله في البقر وغيرها ممّا أبيح أكله ووقع الامتنان بمنفعةٍ له أخرى. والله أعلم.
стр. 3587
الحديث الخامس
٣٨٣ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ , قال: أصابتْنا مجاعةٌ ليالي خيبر، فلمَّا كان يوم خيبر، وقعنا في الْحُمر الأهلية فانتحرناها، فلمَّا غلتْ بِها القدور، نادى منادي رسولِ الله ﷺ أنْ أكفئوا القدور، وربَّما قال: ولا تأكلوا من لحوم الْحمر الأهليّة شيئاً. (١)
الحديث السادس
٣٨٤ - عن أبي ثعلبة الْخُشنيّ ﵁، قال: حرّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهليّة. (٢)
قوله: (عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁) اسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي. شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة.
وعُمِّر عبد الله إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة , وذلك سنة سبع وثمانين. (٣)
стр. 3588
قوله: (وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها) ذكر الواقديّ. أنّ عدّة الْحُمر التي ذبحوها كانت عشرين أو ثلاثين. كذا رواه بالشّكّ.
قوله: (نادى منادي رسول الله ﷺ ) وقع عند مسلم عن أنس , أنّ الذي نادى بذلك هو أبو طلحة. وعزاه النّوويّ لرواية أبي يعلى. فنُسب إلى التّقصير.
ووقع عند مسلم أيضاً " أنّ بلالاً نادى بذلك " , ووقع عند النّسائيّ عن أبي ثعلبة فيه قصّة , ولفظه: غزونا مع النّبيّ ﷺ خيبر والنّاس جياع، فوجدوا حمراً إنسيّة , فذبحوا منها، فأمر النّبيّ ﷺ عبد الرّحمن بن عوف فنادى: ألا إنّ لحوم الحمر الإنسيّة لا تحلّ.
ولعلَّ عبد الرّحمن نادى أوّلاً بالنّهي مطلقاً، ثمّ نادى أبو طلحة وبلال بزيادةٍ على ذلك , وهو قوله " فإنّها رجس، فأكفئت القدور وإنّها لتفور باللحم ".
ووقع في الشّرح الكبير للرّافعيّ: أنّ المنادي بذلك خالد بن الوليد. وهو غلط , فإنّه لَم يشهد خيبر , وإنّما أسلم بعد فتحها.
قوله: (ولا تأكلوا من لحوم الْحُمر الأهليّة شيئاً) زاد الشيخان: قال ابن أبي أوفى: فتحدّثنا أنّه إنّما نهى عنها , لأنّها لَم تُخمّس، وقال بعضهم: نهى عنها البتّة , لأنّها كانت تأكل العذرة. (١).
وفيه اختلافهم في سبب النّهي , هل هو لكونها لَم تخمّس , أو
стр. 3589
لتحريم الحمر الأهليّة؟.
وفي الحديث إشعار بأنّ عادتهم جرت بالإسراع إلى المأكولات وانطلاق الأيدي فيها. ولولا ذلك ما قدموا بحضرة النّبيّ ﷺ على ذلك، وقد ظهر أنّه لَم يأمرهم بإراقة لحوم الحمر إلَّا لأنّها لَم تُخمّس.
وأمّا حديث ثعلبة بن الحكم قال: أصبْنا يوم خيبر غنماً .. فذكر الأمر بإكفائها. وفيه: فإنّها لا تحلّ النّهبة. (١)
قال ابن المنذر: إنّما كان ذلك لأجل ما وقع من النّهبة، لأنّ أكل نَعَم أهل الحرب غير جائز.
ومن أحاديث الباب. حديث عبد الله بن أبي أوفى أيضاً: أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرّجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه , ثمّ ينصرف. أخرجه أبو داود والحاكم والطّحاويّ. ولفظه " فيأخذ منه حاجته ".
وللبخاري عن ابن عمر ﵁ قال: كنّا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه.
قوله " ولا نرفعه " أي: ولا نحمله على سبيل الادّخار.
ويحتمل: أن يريد ولا نرفعه إلى متولي أمر الغنيمة. أو إلى النّبيّ ﷺ , ولا نستأذنه في أكله , اكتفاءً بما سبق منه من الإذن.
стр. 3590
والجمهور. على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به , وكلّ طعام يعتاد أكله عموماً، وكذلك علف الدّوابّ، سواء كان قبل القسمة أو بعدها، بإذن الإمام وبغير إذنه. والمعنى فيه. أنّ الطّعام يعزّ في دار الحرب فأبيح للضّرورة.
والجمهور أيضاً. على جواز الأخذ ولو لَم تكن الضّرورة ناجزة.
واتّفقوا على جواز ركوب دوابّهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب، ورَدُّ ذلك بعد انقضاء الحرب.
وشرطَ الأوزاعيّ فيه إذن الإمام، وعليه أن يردّه كلَّما فرغتْ حاجتُه، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر بردّه انقضاء الحرب لئلا يعرّضه للهلاك.
وحجّته حديث رويفع بن ثابت مرفوعاً: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابّة من المغنم فيركبها حتّى إذا أعجفها ردّها إلى المغانم , وذكر في الثّوب مثل ذلك.
وهو حديثٌ حسنٌ. أخرجه أبو داود والطّحاويّ.
ونُقل عن أبي يوسف , أنّه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج يبقي دابّته أو ثوبه , بخلاف من ليس له ثوب ولا دابّة.
وقال الزّهريّ: لا يأخذ شيئاً من الطّعام ولا غيره إلَّا بإذن الإمام.
وقال سليمان بن موسى: يأخذ إلَّا إن نهى الإمام.
وقال ابن المنذر. قد وردت الأحاديث الصّحيحة في التّشديد في الغلول، واتّفق علماء الأمصار على جواز أكل الطّعام، وجاء الحديث
стр. 3591
بنحو ذلك فليقتصر عليه، وأمّا العلف فهو في معناه.
وقال مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل كما يجوز أخذ الطّعام.
وقيّده الشّافعيّ بالضّرورة إلى الأكل حيث لا طعام.
تنْبيهٌ: قوله: " البتّة " معناه القطع، وألفها ألف وصلٍ.
وجزم الكرمانيّ بأنّها ألف قطع على غير القياس، ولَم أر ما قاله في كلام أحدٍ من أهل اللّغة.
قال الجوهريّ: الانبتات الانقطاع، ورجل منبتٌّ. أي: منقطع به، ويقال: لا أفعله بتّةً , ولا أفعله البتّة لكل أمرٍ لا رجعة فيه، ونصبه على المصدر. انتهى.
ورأيته في النّسخ المعتمدة بألف وصلٍ. والله أعلم
قوله في حديث أبي ثعلبة: (حرّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهليّة). وقع عند النّسائيّ من وجه آخر عن أبي ثعلبة فيه قصّة , ولفظه: غزونا مع النّبيّ ﷺ خيبر والنّاس جياع، فوجدوا حمراً إنسيّة فذبحوا منها، فأمر النّبيّ ﷺ عبدَ الرّحمن بن عوف فنادى: ألا إنّ لحوم الحمر الإنسيّة لا تحلّ. (١)
стр. 3592
الحديث السابع
٣٨٥ - عن ابن عباسٍ ﵁ , قال: دخلتُ أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأُتي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضبٌ يا رسولَ الله، فرفع رسول الله ﷺ يده.
فقلت: أحرامٌ هو يا رسولَ الله؟، قال: لا، ولكنه لَم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه، قال خالدٌ: فاجتررته فأكلته، والنبيّ ﷺ ينظر. (١)
قال المصنِّف: المحنوذ: المشوي بالرضف. وهي الحجارة المُحماة.
قوله: (عن ابن عبّاس ﵁) (٢) وللشيخين من طريق يونس عن ابن شهابٍ عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيفٍ الأنصاريّ، أنّ عبد الله بن عبّاسٍ أخبره، أنّ خالد بن الوليد، الذي يقال له: سيف الله، أخبره.
وهذا الحديث ممّا اختلف فيه على الزّهريّ , هل هو من مسند ابن
стр. 3593
عبّاس أو من مسند خالد؟ , وكذا اختلف فيه على مالك.
فقال الأكثر: عن ابن عبّاس عن خالد.
وقال يحيى بن بكير في " الموطّأ " وطائفة عن مالك بسنده: عن ابن عبّاس وخالد , أنّهما دخلا.
وقال يحيى بن يحيى التّميميّ عن مالك بلفظ: عن ابن عبّاس قال: دخلت أنا وخالد على النّبيّ ﷺ . أخرجه مسلم عنه , وكذا أخرجه من طريق عبد الرّزّاق عن معمر عن الزّهريّ بلفظ عن ابن عبّاس قال: أُتِي النّبيّ ﷺ . ونحن في بيت ميمونة بضبّين مشويّين.
وقال هشام بن يوسف عن معمر عند البخاري: كالجمهور.
والجمع بين هذه الرّوايات. أنّ ابن عبّاس كان حاضراً للقصّة في بيت خالته ميمونة كما صرّح به في إحدى الرّوايات، وكأنّه استثبت خالد بن الوليد في شيء منه لكونه الذي كان باشر السّؤال عن حكم الضّبّ , وباشر أكله أيضاً، فكان ابن عبّاس ربّما رواه عنه.
ويؤيّد ذلك , أنّ محمّد بن المنكدر حدّث به عن أبي أُمامة بن سهل عن ابن عبّاس قال: أُتِي النّبيّ ﷺ , وهو في بيت ميمونة , وعنده خالد بن الوليد بلحمِ ضبٍّ. الحديث. أخرجه مسلم، وكذا رواه سعيد بن جبير عن ابن عبّاس , فلم يذكر فيه خالداً. كما في الصحيحين.
قوله: (دخلت أنا وخالد بن الوليد) أي ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة - بفتح التحتانية والقاف والمشالة - ابن مرة
стр. 3594
بن كعب، يجتمع مع النبي ﷺ ومع أبي بكر جميعاً في مرة بن كعب.
يكنى أبا سليمان، وكان من فرسان الصحابة، أسلم بين الحديبية والفتح، ويقال: قبل غزوة مؤتة بشهرين، وكانت في جمادى سنة ثمان، ومن ثم جزم مُغلْطاي بأنها كانت في صفر , وكان الفتح بعد ذلك في رمضان.
وحكى ابن أبي خيثمة , أنه أسلم سنة خمس، وهو غلط. فإنه كان بالحديبية طليعة للمشركين. وهي في ذي القعدة سنة ست.
وقال الحاكم: أسلم سنة سبع، زاد غيره. وقيل: عمرة القضاء، والراجح الأول وما وافقه.
وقد أخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه , أنَّ خالد بن الوليد فقَدَ قلنسوة فقال: اعتمر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلَّا رزقت النصر.
وشهد مع النبي ﷺ عدة مشاهد ظهرتْ فيها نَجابته، ثم كان قتل أهل الردة على يديه ثم فتوح البلاد الكبار، ومات على فراشه سنة إحدى وعشرين. وبذلك جزم ابن نمير، وذلك في خلافة عمر بحمص.
وقد أخرج ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صبَّه الله على الكفار.
стр. 3595
قوله: (مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة) زاد يونس في روايته " وهي خالته وخالة ابن عبّاس ".
قلت: واسم أمّ خالد لُبابة الصّغرى، واسم أمّ ابن عبّاس لُبابة الكبرى , وكانت تكنّى أمّ الفضل بابنها الفضل بن عبّاس، وهما أختا ميمونة. والثّلاث بنات الحارث بن حزن - بفتح المهملة وسكون الزّاي - الهلاليّ.
قوله: (فأُتِي بضبٍّ) هو دويبة تشبه الجرذون، لكنّه أكبر من الجرذون، ويكنّى أبا حسل - بمهملتين مكسورة ثمّ ساكنة - ويقال للأنثى ضبّة، وبه سُمِّيت القبيلة.
وبالْخَيف من منىً جبل يقال له ضبّ. والضّبّ داء في خفّ البعير. ويقال: إنّ لأصل ذَكَر الضّبّ فرعين، ولهذا يقال: له ذكران.
وذكر ابن خالويه: أنّ الضّبّ يعيش سبعمائة سنة، وأنّه لا يشرب الماء، ويبول في كلّ أربعين يوماً قطرة، ولا يسقط له سنّ، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة.
وحكى غيره: أنّ أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال " لا أفعل كذا حتّى يرِدَ (١) الضّبّ " يقوله من أراد أن لا يفعل الشّيء , لأنّ الضّبّ لا يرِدُ , بل يكتفي بالنّسيم وبرْد الهواء، ولا يخرج من جحره
стр. 3596
في الشّتاء.
قوله: (محنوذ) زاد يونس في روايته " قدِمت به أختها حُفيدة " وهي بمهملةٍ وفاء مصغّر.
وللشيخين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس , أنّ أمّ حفيدة بنت الحارث بن حزن خالة ابن عبّاس , أهدت للنّبيّ ﷺ سمناً وأقطاً وأضبّاً.
وفي رواية عوف عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن الطّحاويّ " جاءت أمّ حفيدة بضبٍّ وقُنفذ ". وذِكْر القنفذ فيه غريبٌ.
وقد قيل: في اسمها: هزيلة بالتّصغير , وهي رواية الموطّأ من مرسل عطاء بن يسار.
فإن كان محفوظاً فلعل لها اسمين , أو اسم ولقب.
وحكى بعض شرّاح العمدة في اسمها: حُميدة بميمٍ , وفي كنيتها: أمّ حميدٍ بميمٍ بغير هاء، وفي رواية بهاءٍ وبفاءٍ , ولكن براءٍ بدل الدّال وبعينٍ مهملة بدل الحاء بغير هاء، وكلّها تصحيفات.
وقوله " محنوذ " بمهملةٍ ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة. أي: مشويّ بالحجارة المحماة , ووقع في رواية معمر " بضبٍّ مشويّ ".
قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿فما لبث أن جاء بعجلٍ حنيذ﴾: أي: محنوذ , وهو المشويّ. مثل قتيل في مقتول.
وروى الطّبريّ عن وهب بن منبّه عن سفيان الثّوريّ مثله، وعن
стр. 3597
ابن عبّاس أخصّ منه قال: حنيذ. أي: نضيج , ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: الحنيذ المشويّ النّضيج. ومن طرق عن قتادة والضّحاك وابن إسحاق مثله.
ومن طريق السّدّيّ قال: الحنيذ المشويّ في الرّضف. أي: الحجارة المحماة، وعن مجاهد والضّحاك نحوه. وهذا أخصّ من جهة أخرى , وبه جزم الخليل صاحب اللّغة.
ومن طريق شمر بن عطيّة قال: الحنيذ الذي يقطر ماؤه بعد أن يشوى، وهذا أخصّ من جهة أخرى. والله أعلم
قوله: (فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده) زاد يونس " وكان رسول الله ﷺ قلَّ ما يُقدِّم يده لطعامٍ حتّى يُسمّى له ".
وأخرج إسحاق بن راهويه والبيهقيّ في الشّعب من طريق يزيد بن الحوتكيّة عن عمر ﵁ , أنّ أعرابيّاً جاء إلى النّبيّ ﷺ بأرنبٍ يهديها إليه، وكان النّبيّ ﷺ لا يأكل من الهديّة حتّى يأمر صاحبها فيأكل منها , من أجل الشّاة التي أهديت إليه بخيبر. الحديث. وسنده حسن.
قوله: (فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضبٌ يا رسولَ الله) في رواية يونس " فقدّمت الضّبّ لرسول الله ﷺ ، وكان قلَّما يُقدَّم إليه طعامٌ حتّى يحدّث به , ويُسمَّى له، فأهوى رسول الله ﷺ يده إلى الضّبّ، فقالت امرأة من النّسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ بما قدّمتنّ له، هو الضّبّ يا رسولَ الله.
стр. 3598
وكأنّ المرأة أرادت أنّ غيرها يخبره، فلمّا لَم يخبروا بادرت هي فأخبرت.
وللبخاري من طريق الشّعبيّ عن ابن عمر قال: كان ناسٌ من أصحاب النّبيّ ﷺ فيهم سعد يعني. ابن أبي وقّاص , فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض أزواج النّبيّ ﷺ .
ولمسلمٍ من طريق يزيد بن الأصمّ عن ابن عبّاس , أنّه بينما هو عند ميمونة وعندها الفضل بن عبّاس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى إذ قرّب إليهم خوان عليه لحم، فلمّا أراد النّبيّ ﷺ أن يأكل , قالت له ميمونة: إنّه لحم ضبّ، فكفّ يده.
وعُرف بهذه الرّواية اسم التي أُبهمت في الرّواية الأخرى.
وعند الطّبرانيّ في " الأوسط " من وجه آخر صحيح. فقالت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ ما هو.
قال ابن التّين: إنّما كان يسأل , لأنّ العرب كانت لا تعاف شيئاً من المآكل لقلتها عندهم، وكان هو ﷺ قد يعاف بعض الشّيء فلذلك كان يسأل.
قلت: ويحتمل أن يكون سبب السّؤال أنّه ﷺ ما كان يكثر الكون في البادية فلم يكن له خبرة بكثير من الحيوانات.
أو لأنّ الشّرع ورد بتحريم بعض الحيوانات وإباحة بعضها , وكانوا لا يحرّمون منها شيئاً، وربّما أتوا به مشويّاً أو مطبوخاً فلا يتميّز عن غيره إلَّا بالسّؤال عنه.
стр. 3599
قوله: (فرفع يده) زاد يونس " عن الضّبّ ".
ويؤخذ منه أنّه أكل من غير الضّبّ ممّا كان قدّم له من غير الضّبّ، كما تقدّم أنّه كان فيه غير الضّبّ، وقد جاء صريحاً في رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس كما في البخاري، قال: فأكل الأقط وشرب اللبن.
قوله: (لَم يكن بأرض قومي) في رواية يزيد بن الأصمّ " هذا لحم لَم آكله قطّ ".
قال ابن العربيّ: اعترض بعض النّاس على هذه اللفظة " لَم يكن بأرض قومي " بأنّ الضّباب كثيرة بأرض الحجاز.
قال ابن العربيّ: فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو، فإنّه ليس بأرض الحجاز منها شيء، أو ذكرت له بغير اسمها أو حدَثَتْ بعد ذلك.
وكذا أنكر ابن عبد البرّ ومن تبعه. أن يكون ببلاد الحجاز شيء من الضّباب.
قلت: ولا يحتاج إلى شيء من هذا , بل المراد بقوله ﷺ " بأرض قومي " قريش فقط فيختصّ النّفي بمكّة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز.
وقد وقع في رواية يزيد بن الأصمّ عند مسلم " دعانا عروس بالمدينة فقرّب إلينا ثلاثة عشر ضبّاً، فآكلٌ وتاركٌ " الحديث، فبهذا يدلّ على كثرة وجدانها بتلك الدّيار.
стр. 3600
قوله: (فأجدني أعافه) بعينٍ مهملة وفاء خفيفة. أي: أتكرّه أكله، يقال عفت الشّيء أعافه.
ووقع في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس عند البخاري " فتركهنّ النّبيّ ﷺ كالمتقذّر لهنّ، ولو كنّ حراماً لَما أُكلن على مائدة النّبيّ ﷺ , ولَما أمر بأكلهنّ.
كذا أطلق الأمر , وكأنّه تلقّاه من الإذن المستفاد من التّقرير، فإنّه لَم يقع في شيء من طرق حديث ابن عبّاس بصيغة الأمر إلَّا في رواية يزيد بن الأصمّ عند مسلم , فإنّ فيها " فقال لهم: كُلوا، فأكَلَ الفضلُ وخالد والمرأة ".
وكذا في رواية الشّعبيّ عن ابن عمر , فقال النّبيّ ﷺ : كلوا. وأطعموا فإنّه حلال , أو قال: لا بأس به , ولكنّه ليس طعامي.
وفي هذا كلّه بيان سبب ترك النّبيّ ﷺ وأنّه بسبب أنّه ما اعتاده.
وقد ورد لذلك سبب آخر.
أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار. فذكر معنى حديث ابن عبّاس , وفي آخره. فقال النّبيّ ﷺ : كُلا - يعني لخالدٍ وابن عبّاس - فإنّني يحضرني من الله حاضرة.
قال المازريّ: يعني الملائكة، وكأنّ للحم الضّبّ ريحاً فترك أكله لأجل ريحه، كما ترك أكل الثّوم مع كونه حلالاً.
قلت: وهذا - إنْ صحّ - يمكن ضمّه إلى الأوّل , ويكون لتركه الأكل من الضّبّ سببان.
стр. 3601
قوله: (قال خالد: فاجْتَرَرْتُه) بجيمٍ ورائين، هذا هو المعروف في كتب الحديث.
وضبطه بعض شرّاح " المهذّب " بزايٍ قبل الرّاء , وقد غلَّطه النّوويّ.
قوله: (ينظر) زاد يونس في روايته " إِلَيَّ ".
وفي هذا الحديث من الفوائد.
جواز أكل الضّبّ، وحكى عياض: عن قوم تحريمه. وعن الحنفيّة. كراهته.
وأنكر ذلك النّوويّ , وقال: لا أظنّه يصحُّ عن أحدٍ، فإن صحّ. فهو محجوج بالنّصوص وبإجماع مَن قبله.
قلت: قد نقله ابن المنذر عن عليّ، فأيّ إجماع يكون مع مخالفته؟.
ونقل التّرمذيّ كراهته عن بعض أهل العلم.
وقال الطّحاويّ في " معاني الآثار ": كره قوم أكل الضّبّ، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد بن الحسن.
قال: واحتجّ محمّد بحديث عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ أُهدي له ضبّ فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ : أتعطينه ما لا تأكلين؟.
قال الطّحاويّ: ما في هذا دليل على الكراهة لاحتمال أن تكون عافته، فأراد النّبيّ ﷺ أن لا يكون ما يتقرّب به إلى الله إلَّا من خير الطّعام، كما نهى أن يتصدّق بالتّمر الرّديء. انتهى.
стр. 3602
وقد جاء عن النّبيّ ﷺ , أنّه نهى عن الضّبّ. أخرجه أبو داود بسندٍ حسن، فإنّه من رواية إسماعيل بن عيّاش عن ضمضم بن زرعة عن شُرْيح بن عتبة عن أبي راشد الحبرانيّ عن عبد الرّحمن بن شبل.
وحديث ابن عيّاش عن الشّاميّين قويّ، وهؤلاء شاميّون ثقات.
ولا يغترّ بقول الخطّابيّ: ليس إسناده بذاك، وقول ابن حزم: فيه ضعفاء ومجهولون، وقول البيهقيّ: تفرّد به إسماعيل بن عيّاش وليس بحجّةٍ، وقول ابن الجوزيّ: لا يصحّ.
ففي كلّ ذلك تساهل لا يخفى، فإنّ رواية إسماعيل عن الشّاميّين قويّة عند البخاريّ , وقد صحّح التّرمذيّ بعضها.
وقد أخرج أبو داود من حديث عبد الرّحمن بن حسنة: نزلنا أرضاً كثيرة الضّباب. الحديث، وفيه أنّهم طبخوا منها , فقال النّبيّ ﷺ : إنّ أمّة من بني إسرائيل مُسخت دوابّ في الأرض , فأخشى أن تكون هذه فأكفئوها. أخرجه أحمد وصحَّحه ابن حبّان والطّحاويّ.
وسنده على شرط الشّيخين إلَّا الضّحّاك فلم يخرّجا له.
وللطّحاويّ من وجه آخر عن زيد بن وهب , ووافقه الحارث بن مالك ويزيد بن أبي زياد ووكيع في آخره. فقيل له: إنّ النّاس قد اشتووها أكلوها، فلم يأكل , ولَم ينه عنه.
والأحاديث الماضية. وإنْ دلَّت على الحلّ تصريحاً وتلويحاً نصّا وتقريراً، فالجمع بينها وبين هذا , حمل النّهي فيه على أوّل الحال عند تجويز أن يكون ممّا مسخ وحينئذٍ أمر بإكفاء القدور، ثمّ توقّف فلم
стр. 3603
يأمر به , ولَم ينه عنه.
وحمل الأذن فيه على ثاني الحال لَمَّا علم أنّ الممسوخ لا نسل له، ثمّ بعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرّمه، وأُكِل على مائدته فدلَّ على الإباحة.
وتكون الكراهة للتّنزيه في حقّ من يتقذّره، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذّره، ولا يلزم من ذلك أنّه يُكره مطلقاً.
وقد أفهم كلام ابن العربيّ , أنّه لا يحلّ في حقّ من يتقذّره لِمَا يتوقّع في أكله من الضّرر وهذا لا يختصّ بهذا، ووقع في حديث يزيد بن الأصمّ. أخبرت ابن عبّاس بقصّة الضّبّ، فأكثر القوم حوله حتّى قال بعضهم: قال رسول الله ﷺ : لا آكله , ولا أنهى عنه , ولا أحرّمه، فقال ابن عبّاس: بئس ما قلتم، ما بعث نبيّ الله إلَّا محرّماً , أو محللاً. أخرجه مسلم.
قال ابن العربيّ: ظنّ ابن عبّاس أنّ الذي أخبر بقوله ﷺ : لا آكله , أراد لا أحلّه. فأنكر عليه , لأنّ خروجه من قسم الحلال والحرام محال.
وتعقّبه شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": بأنّ الشّيء إذا لَم يتّضح إلحاقه بالحلال أو الحرام يكون من الشّبهات فيكون من حكم الشّيء قبل ورود الشّرع، والأصحّ كما قال النّوويّ , أنّه لا يحكم عليها بحلٍّ ولا حرمة.
قلت: وفي كون مسألة الكتاب من هذا النّوع نظرٌ، لأنّ هذا إنّما هو
стр. 3604
إذا تعارض الحكم على المجتهد، أمّا الشّارع إذا سئل عن واقعة فلا بدّ أن يذكر فيها الحكم الشّرعيّ. وهذا هو الذي أراده ابن العربيّ , وجعل محطّ كلام ابن عبّاس عليه.
ثمّ وجدت في الحديث زيادةَ لفظةٍ سقطتْ من رواية مسلم , وبها يتّجه إنكار ابن عبّاس ويستغنى عن تأويل ابن العربيّ " لا آكله " بلا أحلّه , وذلك أنّ أبا بكر بن أبي شيبة - وهو شيخ مسلم فيه - أخرجه في " مسنده " بالسّند الذي ساقه به عند مسلم , فقال في روايته " لا آكله , ولا أنهى عنه , ولا أحلّه , ولا أحرّمه ".
ولعل مسلماً حذفها عمداً لشذوذها، لأنّ ذلك لَم يقع في شيء من الطّرق لا في حديث ابن عبّاس ولا غيره.
وأشهر مَن روى عن النّبيّ ﷺ " لا آكله , ولا أحرّمه " ابن عمر كما في الصحيحين، وليس في حديثه " لا أحلّه " , بل جاء التّصريح عنه بأنّه حلال.
فلم تثبت هذه اللفظة. وهي قوله " لا أحلّه " , لأنّها - وإن كانت من رواية يزيد بن الأصمّ - وهو ثقة - لكنّه أخبر بها عن قوم كانوا عند ابن عبّاس. فكانت رواية عن مجهول، ولَم يقل يزيد بن الأصمّ إنّهم صحابة حتّى يغتفر عدم تسميتهم.
واستدل بعض من منع أكله: بحديث أبي سعيد عند مسلم والنّسائيّ من حديث أبي سعيد: قال رجلٌ: يا رسولَ الله. إنّا بأرضٍ مضبّة، فما تأمرنا؟ قال: ذُكر لي أنّ أمة من بني إسرائيل مُسخت،
стр. 3605
فلم يأمر ولَم ينه.
وقوله " مضبّة " - بضمّ أوّله وكسر المعجمة - أي: كثيرة الضّباب.
وهذا يمكن أن يفسّر بثابت بن وديعة، فقد أخرج أبو داود والنّسائيّ من حديثه قال: أصبت ضباباً فشويت منها ضبّاً، فأتيت به رسول الله ﷺ , فأخذ عُوداً فعدّ به أصابعه , ثمّ قال: إنّ أمّة من بني إسرائيل مسخت دوابّ في الأرض، وإنّي لا أدري أيّ الدّوابّ هي، فلم يأكل ولَم ينه. وسنده صحيح.
وقال الطّبريّ: ليس في الحديث الجزم بأنّ الضّبّ ممّا مسخ، وإنّما خشي أن يكون منهم فتوقّف عنه، وإنّما قال ذلك قبل أن يعلم الله تعالى نبيّه أنّ الممسوخ لا ينسلّ.
وبهذا أجاب الطّحاويّ , ثمّ أخرج من طريق المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود , قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير. أهي ممّا مسخ؟ قال: إنّ الله لَم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة.
وأصل هذا الحديث في مسلم.
ثمّ قال الطّحاويّ بعد أن أخرجه من طرق ثمّ أخرج حديث ابن عمر: فثبت بهذه الآثار , أنّه لا بأس بأكل الضّبّ، وبه أقول.
قال: وقد احتجّ محمّد بن الحسن لأصحابه بحديث عائشة، فساقه الطّحاويّ من طريق حمّاد بن سلمة عن
стр. 3606
حمّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أُهدي للنّبيّ ﷺ فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها: أتعطيه ما لا تأكلين؟.
قال محمّد: دلَّ ذلك على كراهته لنفسه ولغيره.
وتعقّبه الطّحاويّ: باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى ﴿ولستم بآخذيه إلَّا أن تُغمضوا فيه﴾ ثمّ ساق الأحاديث الدّالة على كراهة التّصدّق بحشف التّمر (١) , وبحديث البراء: كانوا يحبّون الصّدقة بأرداء تمرهم، فنزلت ﴿أنفقوا من طيّبات ما كسبتم﴾ الآية.
قال: فلهذا المعنى كره لعائشة الصّدقة بالضّبّ لا لكونه حراماً. انتهى
وهذا يدلّ على أنّه فهم عن محمّد أنّ الكراهة فيه للتّحريم، والمعروف عن أكثر الحنفيّة فيه كراهة التّنزية. وجنح بعضهم إلى التّحريم
وقال: اختلفت الأحاديث وتعذّرت معرفة المتقدّم فرجّحنا جانب التّحريم تقليلاً للنّسخ. انتهى.
ودعواه التّعذّر ممنوعة لِما تقدّم. والله أعلم.
ويتعجّب من ابن العربيّ حيث قال: قولهم إنّ الممسوخ لا ينسل
стр. 3607
دعوى، فإنّه أمر لا يُعرف بالعقل وإنّما طريقه النّقل، وليس فيه أمر يعوّل عليه.
كذا قال , وكأنّه لَم يستحضره من صحيح مسلم.
ثمّ قال: وعلى تقدير ثبوت كون الضّبّ ممسوخاً فذلك لا يقتضي تحريم أكله , لأنّ كونه آدميّاً قد زال حكمه , ولَم يبق له أثر أصلاً، وإنّما كره ﷺ الأكل منه لِمَا وقع عليه من سخط الله كما كره الشّرب من مياه ثمود. انتهى.
ومسألة جواز أكل الآدميّ إذا مسخ حيواناً مأكولاً لَم أرها في كتب فقهائنا.
وفي الحديث أيضاً الإعلام بما شكّ فيه لإيضاح حكمه، وأنّ مطلق النّفرة وعدم الاستطابة لا يستلزم التّحريم، وأنّ المنقول عنه ﷺ أنّه كان لا يعيب الطّعام إنّما هو فيما صنعه الآدميّ لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التّقصير فيه؛ وأمّا الذي خلق كذلك فليس نفور الطّبع منه ممتنعاً.
وفيه أنّ وقوع مثل ذلك ليس بمعيبٍ ممّن يقع منه خلافاً لبعض المُتنطّعة.
وفيه أنّ الطّباع تختلف في النّفور عن بعض المأكولات، وقد يستنبط منه أنّ اللحم إذا أنتن لَم يحرم لأنّ بعض الطّباع لا تعافه.
وفيه دخول أقارب الزّوجة بيتها إذا كان بإذن الزّوج أو رضاه.
وذهل ابن عبد البرّ هنا ذهولاً فاحشاً , فقال: كان دخول خالد بن
стр. 3608
الوليد بيت النّبيّ ﷺ في هذه القصّة قبل نزول الحجاب.
وغفل عمّا ذكره هو أنّ إسلام خالد كان بين عمرة القضيّة والفتح، وكان الحجاب قبل ذلك اتّفاقاً، وقد وقع في حديث الباب " قال خالد: أحرام هو يا رسولَ الله "؟ فلو كانت القصّة قبل الحجاب لكانت قبل إسلام خالد، ولو كانت قبل إسلامه لَم يسأل عن حلال ولا حرام، ولا خاطب بقوله يا رسولَ الله.
وفيه جواز الأكل من بيت القريب والصّهر والصّديق، وكأنّ خالداً ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب الذي أهدته، أو لتحقّق حكم الحلّ، أو لامتثال قوله ﷺ : كلوا , وفهم من لَم يأكل أنّ الأمر فيه للإباحة.
وفيه أنّه ﷺ كان يُؤاكل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسّر؛ وأنّه كان لا يعلم من المغيّبات إلَّا ما علمه الله تعالى.
وفيه وفور عقل ميمومة أمّ المؤمنين وعظيم نصيحتها للنّبيّ ﷺ ، لأنّها فهمت مظنّة نفوره عن أكله بما استقرّت منه، فخشيت أن يكون ذلك كذلك فيتأذّى بأكله لاستقذاره له فصدقت فراستها.
ويؤخذ منه أنّ من خشي أن يتقذّر شيئاً لا ينبغي أن يدلس له لئلا يتضرّر به، وقد شوهد ذلك من بعض النّاس.
стр. 3609
الحديث الثامن
٣٨٦ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزواتٍ، نأكل الجراد. (١)
قوله: (سبع غزوات) وللبخاري من طريق شعبة عن أبي يعفور (٢) عن ابن أبي أوفى " سبع غزواتٍ أو ستّاً " كذا للأكثر. ولا إشكال فيه.
ووقع في رواية النّسفيّ " أو ستّ " بغير تنوين.
ووقع في توضيح ابن مالك " سبع غزوات أو ثماني " وتكلم عليه , فقال: الأجود: أن يقال سبع غزوات أو ثمانية بالتّنوين , لأنّ لفظ ثمانٍ. وإن كان كلفظ جوارٍ في أنّ ثالث حروفه ألف بعدها حرفان ثانيهما ياء. فهو يخالفه في أنّ جواري جمع , وثمانية ليس بجمعٍ.
стр. 3610
واللفظ بهما في الرّفع والجرّ سواء، ولكنّ تنوين ثمانٍ تنوين صرف وتنوين جوارٍ تنوين عوض، وإنّما يفترقان بالنّصب.
واستمرّ يتكلم على ذلك , ثمّ قال: وفي ذكره له بلا تنوين ثلاثة أوجه.
أجودها: أن يكون حذفَ المضافَ إليه وأبقى المضافَ على ما كان عليه قبل الحذف، ومثله قول الشّاعر:
خمس ذود أو ستّ عوّضت منها. ... البيت.
الوجه الثّاني: أن يكون المنصوب كتب بغير ألف على لغة ربيعة.
وذكر وجهاً آخر يختصّ بالثّمان.
ولَم أره في شيء من طرق الحديث لا في البخاريّ ولا في غيره بلفظ ثمان، فما أدري كيف وقع هذا.
وهذا الشّكّ في عدد الغزوات من شعبة، وقد أخرجه مسلم من رواية شعبة بالشّكّ أيضاً؛ والنّسائيّ من روايته بلفظ " السّتّ " من غير شكّ، والتّرمذيّ من طريق غندر عن شعبة فقال " غزوات " ولَم يذكر عدداً.
ورواه سفيان الثّوريّ عند الدّارميّ عن محمّد بن يوسف - وهو الفريابيّ - عنه ولفظه " غزونا مع النّبيّ ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد. وكذا أخرجه التّرمذيّ من وجه آخر عن الثّوريّ , وأفاد أنّ سفيان بن عيينة روى هذا الحديث أيضاً عن أبي يعفور , لكن قال " ستّ غزوات ".