وحكى ابن عبد البرّ عن طائفة من الخوارج , أنّهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب , أنّه كان يأمر به , فأنكرت عليه أمّ سلمة.
لكن استقرّ الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزّهريّ وغيره. وفي الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعاً: أليس إذا حاضت لَم تصل ولَم تصم؟.
قوله: (أحروريّة) الحروريّ منسوب إلى حروراء بفتح الحاء وضمّ الرّاء المهملتين وبعد الواو السّاكنة راءٌ أيضاً، بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنّها بالمدّ.
قال المبرّد: النّسبة إليها حروراويّ، وكذا كلّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل الحروريّ بحذف الزّوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروريّ؛ لأنّ أوّل فرقة منهم خرجوا على عليٍّ بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنّسبة إليها، وهم فِرَقٌ كثيرة، لكن من أصولهم المتّفق عليها بينهم الأخذ بما دلَّ عليه القرآن ورَدُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقاً، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار.
وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة , فقلت: لا , ولكنّي أسأل. أي: سؤالاً مجرّداً لطلب العلم لا للتّعنّت، وفهِمت عائشة عنها طلب الدّليل فاقتصرت في الجواب عليه دون التّعليل.
والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصّلاة والصّيام , أنّ الصّلاة تتكرّر فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصّيام، ولمن يقول بأنّ الحائض مخاطبة بالصّيام أن يفرّق بأنّها لَم تخاطب بالصّلاة أصلاً.
стр. 387
وقال ابن دقيق العيد: اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لَم تؤمر به يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّها أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء فيتمسّك به حتّى يوجد المعارض وهو الأمر بالقضاء كما في الصّوم.
ثانيهما: - قال وهو أقرب - أنّ الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرّر الحيض منهنّ عنده ﷺ ، وحيث لَم يبيّن دلَّ على عدم الوجوب، لا سيّما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصّوم كما في رواية عاصم عن معاذة عند مسلم.
قوله: (فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله) كذا في هذه الرّواية بالشّكّ، وعند الإسماعيليّ من وجه آخر " فلم نكن نقضي ولَم نؤمر به ".
والاستدلال بقولها " فلم نكن نقضي " أوضح من الاستدلال بقولها " فلم نؤمر به " لأنّ عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب، لاحتمال الاكتفاء بالدّليل العامّ على وجوب القضاء. والله أعلم.
تكميل: قال أبو الزناد: إنَّ السننَ ووجوهَ الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بُدَّاً من اتّباعها، من ذلك أنَّ الحائض تقضي الصيام , ولا تقضي الصلاة. (١)
стр. 388
قال الزين بن المنير: نظَرَ أبو الزناد إلى الحيض فوجده مانعاً من هاتين العبادتين، وما سلبَ الأهليةَ استحال أن يتوجَّه به خطاب الاقتضاء، وما يمنع صحةَ الفعل يمنع الوجوب، فلذلك استبعد الفرق بين الصلاة والصوم فأحال بذلك على اتباع السنة والتعبد المحض.
وقد سألتْ معاذةُ عائشةَ عن الفرق المذكور , فأنكرت عليها عائشة السؤال وخشيت عليها أن تكون تلقَّنتْه من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم، ولم تزدها على الحوالة على النصِّ، وكأنها قالت لها: دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها. وهو الانقياد إلى الشارع.
وقد تكلَّم بعض الفقهاء في الفرق المذكور، واعتمد كثيرٌ منهم على أنَّ الحكمة فيه أنَّ الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة إلَّا مرة. واختار إمام الحرمين أنَّ المتبع ذلك هو النصُّ , وأن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف. والله أعلم.
وزعم المهلَّب: أنَّ السبب في منع الحائض من الصوم أنَّ خروج الدم يُحدث ضعفاً في النفس غالباً فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال، فلمَّا كان الضعف يبيح الفطر , ويوجب القضاء كان كذلك
стр. 389
الحيض.
ولا يخفى ضعفُ هذا المأخذ، فإنَّ المريض لو تحامل فصام صحَّ صومه بخلاف الحائض، وأن المستحاضة في نزف الدم أشدُّ من الحائض وقد أبيح لها الصوم.
وقول أبي الزناد: إنَّ السنن لتأتي كثيراً على خلاف الرأي. كأنه يشير إلى قول عليٍّ: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من أعلاه. أخرجه احمد وأبو داود والدارقطني. ورجال إسناده ثقات.
ونظائر ذلك في الشرعيات كثيرٌ. ومما يفرق فيه بين الصوم والصلاة في حق الحائض أنها لو طهرت قبل الفجر ونوت صحَّ صومها في قول الجمهور , ولا يتوقف على الغسل، بخلاف الصلاة.
стр. 390
فتح السلام شرح عمدة الأحكام
للحافظ ابن حجر العسقلاني
«مأخوذ من كتابه فتح الباري»
جمعه وهذبه وحققه
أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر
[المجلد الثاني]
«من كتاب الصلاة حتى نهاية باب جامع»
стр. 391
كتاب الصلاة
فوائد.
الأولى:
مناسبة تعقيب الطهارة بالصلاة لتقدُّم الشرط على المشروط والوسيلة على المقصود.
الثانية:
الحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج , أنه لَمَّا قُدس ظاهراً وباطناً ﷺ حين غسل بماء زمزم بالإيمان والحكمة , ومن شأن الصلاة أنْ يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تُفرض الصلاة في تلك الحالة.
وليظهر شرفه في الملأ الأعلى , ويصلي بمن سكنه من الأنبياء وبالملائكة , وليناجي ربه , ومن ثَمَّ كان الْمُصلي يناجي ربه جل وعلا.
الثالثة:
ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاةٌ مفروضةٌ إلاَّ ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد.
وذهب الحربي: إلى أنَّ الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
وذكر الشافعي عن بعض أهل العلم: أنَّ صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعالى (فاقرءوا ما تيسر منه) فصار الفرض قيام بعض الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس.
стр. 392
واستنكر محمد بن نصر المروزي ذلك , وقال: الآية تدلُّ على أنَّ قوله تعالى (فاقرءوا ما تيسر منه) إنما نزل بالمدينة لقوله تعالى فيها (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة، والإسراء كان بمكة قبل ذلك. انتهى
وما استدلَّ به غير واضح؛ لأنَّ قوله تعالى (علم أنْ سيكون) ظاهر في الاستقبال، فكأنه امتنَّ عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علِم أنها ستقع لهم، والله أعلم.
стр. 393
باب المواقيت
الحديث الأول
٥٠ - عن أبي عمرٍو الشّيبانيّ - واسمه سعد بن إياسٍ - قال: حدّثني صاحب هذه الدّار , وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعودٍ ﵁ , قال: سألت النّبيّ ﷺ : أيُّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: الصّلاة على وقتها , قلتُ: ثمّ أيُّ؟ قال: برّ الوالدين , قلتُ: ثمّ أيُّ؟ , قال: الْجهاد في سبيل الله , قال: حدّثني بهنّ رسول الله ﷺ , ولو استزدته لزادني. (١)
قوله: (عن أبي عمرٍو الشّيبانيّ. واسمه سعد بن إياسٍ) أحد كبار التابعين.
قوله: (حدّثنا صاحب هذه الدّار) كذا رواه شعبة عن الوليد بن العيزار مبهماً، ورواه مالك بن مِغْوَل وأبو إسحاق الشّيبانيّ عن الوليد عند البخاري فصرّحا باسم عبد الله (٢)، وكذا رواه النّسائيّ من طريق أبي معاوية النّخعيّ عن أبي عمرو الشّيبانيّ , وأحمد من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه.
стр. 394
قوله: (وأشار بيده) فيه الاكتفاء بالإشارة المفهمة عن التّصريح
قوله: (عبد الله بن مسعودٍ ﵁) بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية وأسلمت أمه وصحِبَتْ، فلذلك نُسب إليها أحياناً، وكان هو من السابقين.
وقد روى ابن حبان من طريقه , أنه كان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد غزوة بدر، وولي بيتَ المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقدم في أواخر عمره المدينة.
ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين. وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه والآخذين عنه.
قوله: (سألت النّبيّ ﷺ ) وللبخاري " أنَّ رجلاً سأل النبي ﷺ , أيَّ الأعمال أفضل. الحديث.
يحتمل: أن يكون الراوي حدَّث به بالمعنى فأبهم السائل ذهولاً عن أنه الراوي. كما حذف من صورة السؤال الترتيب في قوله " قلت: ثم أي؟ ".
ويحتمل: أن يكون ابن مسعود حدَّث به على الوجهين.
والأول أقرب.
وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية أحمد بن إبراهيم الموصلي عن عباد بن العوام فقال في روايته عن أبي إسحاق يعني الشيباني , وقال فيه: سأل رجلٌ النبي ﷺ , أو قال: سألت النبيَّ ﷺ عن الأعمال أيها
стр. 395
أفضل.
فهذا مما يؤيُّد الاحتمال الأول , وأنَّ الراوي لم يضبط اللفظ , وشعبة أتقن من الشيباني , وأضبط لألفاظ الحديث فروايته هي المعتمدة. والله أعلم
قوله: (أيّ العمل أحبّ إلى الله) في رواية مالك بن مِغْوَل " أيّ العمل أفضل؟ " وكذا لأكثر الرّواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسئول به , فلفظ حديث الباب ملزوم عنه.
ومحصّل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره ممّا اختلفت فيه الأجوبة بأنّه أفضل الأعمال.
الجواب الأول: أنّ الجواب اختلف لاختلاف أحوال السّائلين , بأن أعلم كل قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائقٌ بهم.
الجواب الثاني: كان الاختلاف باختلاف الأوقات. بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنّه الوسيلة إلى القيام بها والتّمكّن من أدائها، وقد تضافرت النّصوص على أنّ الصّلاة أفضل من الصّدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطرّ تكون الصّدقة أفضل.
الجواب الثالث: أنّ " أفضل " ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال فحُذِفَت مِن. وهي مرادة.
стр. 396
وقال ابن دقيق العيد (١): الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنيّة، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنّه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذٍ بينه وبين حديث أبي هريرة " أفضل الأعمال إيمان بالله " (٢) الحديث.
وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنّه يتوقّف على إذن الوالدين فيكون برّهما مقدّماً عليه
قوله: (الصّلاة على وقتها) هي رواية شعبة وأكثر الرّواة.
نعم. أخرجه البخاري من وجهٍ آخر بلفظ " الصلاة لوقتها "، وكذا أخرجه مسلم باللفظين.
قال ابن بطّال (٣): فيه أنّ البدار إلى الصّلاة في أوّل أوقاتها أفضل من التّراخي فيها؛ لأنّه إنّما شرط فيها أن تكون أحبّ الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب.
قلت: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظرٌ.
قال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أوّلاً ولا آخراً , وكأنّ المقصود به الاحتراز عمّا إذا وقعت قضاء.
وتعقّب: بأنّ إخراجها عن وقتها محرّم، ولفظ " أحبّ " يقتضي
стр. 397
المشاركة في الاستحباب , فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت.
وأجيب: بأنّ المشاركة إنّما هي بالنّسبة إلى الصّلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصّلاة في وقتها كانت أحبّ إلى الله من غيرها من الأعمال؛ فوقع الاحتراز عمّا إذا وقعت خارج وقتها من معذورٍ كالنّائم والنّاسي , فإنّ إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتّحريم , ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوباً , لكنّ إيقاعها في الوقت أحبّ.
تنبيهٌ: اتّفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب. وهو قوله " على وقتها " وخالفهم عليّ بن حفصٍ - وهو شيخٌ صدوقٌ من رجال مسلمٍ - فقال " الصّلاة في أوّل وقتها " أخرجه الحاكم والدّارقطنيّ والبيهقيّ من طريقه.
قال الدّارقطنيّ: ما أحسبه حفظه؛ لأنّه كَبُر وتغيّر حفظه.
قلت: ورواه الحسن بن عليّ المعمريّ في " اليوم والليلة " عن أبي موسى محمّد بن المثنّى عن غندرٍ عن شعبة كذلك.
قال الدّارقطنيّ: تفرّد به المعمريّ، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ " على وقتها " ثمّ أخرجه الدّارقطنيّ عن المحامليّ عن أبي موسى كرواية الجماعة , وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظّاهر أنّ المعمريّ وهم فيه؛ لأنّه كان يحدّث من حفظه.
стр. 398
وقد أطلق النّوويّ (١) في " شرح المهذّب " أنّ رواية " في أوّل وقتها " ضعيفة. انتهى
لكن لها طريق أخرى , أخرجها ابن خزيمة في " صحيحه " والحاكم وغيرهما من طريق عثمان عن عمر عن مالك بن مِغْوَل عن الوليد. وتفرّد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْوَل كرواية الجماعة، كذا أخرجه البخاري وغيره.
وكأنّ من رواها كذلك ظنّ أنّ المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة " على "؛ لأنّها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فيتعيّن أوّله.
قال القرطبيّ (٢) وغيره: قوله " لوقتها " اللام للاستقبال مثل قوله تعالى (فطلقوهنّ لعدّتهنّ. أي مستقبلاتٍ عدّتهنّ.
وقيل: للابتداء كقوله تعالى (أقم الصّلاة لدلوك الشّمس).
وقيل: بمعنى في، أي: في وقتها.
وقوله " على وقتها " قيل: على بمعنى اللام ففيه ما تقدّم.
وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت , وفائدته تحقّق دخول الوقت ليقع الأداء فيه.
قوله: (ثمّ أيُّ) قيل: الصّواب أنّه غير منوّنٍ؛ لأنّه غير موقوفٍ عليه في الكلام، والسّائل ينتظر الجواب والتّنوين لا يوقف عليه
стр. 399
فتنوينه ووصْله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة , ثمّ يؤتى بما بعده. قاله الفاكهانيّ.
وحكى ابن الجوزيّ عن ابن الخشّاب الجزم بتنوينه؛ لأنّه معربٌ غير مضافٍ.
وتعقّب: بأنّه مضافٌ تقديراً والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتّقدير: ثمّ أيّ العمل أحبّ؟ فيوقف عليه بلا تنوين. وقد نصّ سيبويه على أنّها تعرب , ولكنّها تبنى إذا أضيفت، واستشكله الزّجّاج.
قوله: (قال: برّ الوالدين) كذا للأكثر , وللمستملي قال " ثمّ برّ الوالدين " بزيادة ثمّ.
قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى (أن اشكر لي ولوالديك) وكأنّه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال: من صلَّى الصّلوات الخمس فقد شكر الله , ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما.
قوله: (حدّثني بهنّ) هو مقول عبد الله بن مسعود , وفيه تقريرٌ وتأكيدٌ لِمَا تقدّم من أنّه باشر السّؤال وسمع الجواب.
قوله: (ولو استزدته) يحتمل: أن يريد من هذا النّوع , وهو مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل: أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها.
وزاد التّرمذيّ من طريق المسعوديّ عن الوليد " فسكت عنّي رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني " , فكأنّه استشعر منه مشقّة،
стр. 400
ويؤيّده ما في روايةٍ لمسلم " فما تركت أن أستزيده إلاَّ إرعاء عليه " أي: شفقةً عليه لئلا يسأم.
وفي الحديث فضل تعظيم الوالدين، وأنّ أعمال البرّ يفضّل بعضها على بعض. وفيه السّؤال عن مسائل شتّى في وقتٍ واحدٍ، والرّفق بالعالم، والتّوقّف عن الإكثار عليه خشية ملاله، وما كان عليه الصّحابة من تعظيم النّبيّ ﷺ والشّفقة عليه، وما كان هو عليه من إرشاد المسترشدين ولو شقّ عليه.
وفيه أنّ الإشارة تتنزّل منزلة التّصريح إذا كانت معيّنة للمشار إليه مميّز له عن غيره.
قال ابن بزيزة: الذي يقتضيه النّظر تقدّم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأنّ فيه بذل النّفس، إلاَّ أنّ الصّبر على المحافظة على الصّلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على برّ الوالدين أمرٌ لازم متكرّر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلاَّ الصّدّيقون، والله أعلم
وأغرب الدّاوديّ (١) , فقال في شرح هذا الحديث: إن أوقع الصّلاة في ميقاتها كان الجهاد مقدّماً على برّ الوالدين، وإن أخّرها كان البرّ مقدّماً على الجهاد.
ولا أعرف له في ذلك مستنداً، فالذي يظهر أنّ تقديم الصّلاة على الجهاد والبرّ لكونها لازمة للمكلف في كلّ أحيانه، وتقديم البرّ على
стр. 401
الجهاد لتوقّفه على إذن الأبوين.
وقال الطّبريّ: إنّما خصّ ﷺ هذه الثّلاثة بالذّكر لأنّها عنوان على ما سواها من الطّاعات، فإنّ من ضيّع الصّلاة المفروضة حتّى يخرج وقتها من غير عذر مع خفّة مؤنتها عليه وعظيم فضلها فهو لِما سواها أضيع، ومن لَم يبرّ والديه مع وفور حقّهما عليه كان لغيرهما أقلّ برّاً، ومن ترك جهاد الكفّار مع شدّة عداوتهم للدّين كان لجهاد غيرهم من الفسّاق أترك، فظهر أنّ الثّلاثة تجتمع في أنّ من حافظ عليها كان لِما سواها أحفظ، ومن ضيّعها كان لِمَا سواها أضيع.
تكميلٌ: وقال ابن التّين (١): تقديم البرّ على الجهاد يحتمل وجهين:
أحدهما: التّعدية إلى نفع الغير.
والثّاني: أنّ الذي يفعله يرى أنّه مكافأة على فعلهما، فكأنّه يرى أنّ غيره أفضل منه، فنبّهه على إثبات الفضيلة فيه.
قلت: والأوّل ليس بواضحٍ، ويحتمل أنّه قُدّم لتوقّف الجهاد عليه، إذ من برّ الوالدين استئذانهما في الجهاد لثبوت النّهي عن الجهاد بغير إذنهما.
стр. 402
الحديث الثاني
٥١ - عن عائشة ﵂ , قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يُصلِّي الفجر , فيشهد معه نساءٌ من المؤمنات , متلفّعاتٍ بمروطهنّ , ثمّ يرجعن إلى بيوتهنّ ما يعرفهنّ أحدٌ , من الغلَس. (١)
قوله: (عائشة قالت: لقد) اللام في لقد جواب قسم محذوف.
قوله: (نساء من المؤمنات) في رواية لهما " نساء المؤمنات " تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها ذلك حتّى لا يكون من إضافة الشّيء إلى نفسه.
وقيل: إنّ " نساء " هنا بمعنى الفاضلات , أي: فاضلات المؤمنات كما يقال: رجال القوم , أي: فضلاؤهم.
قوله: (متلفّعات) قال الأصمعيّ: التّلفّع أن تشتمل بالثّوب حتّى تجلل به جسدك، وفي شرح الموطّأ لابن حبيب: التّلفّع لا يكون إلاَّ بتغطية الرّأس، والتّلفّف يكون بتغطية الرّأس وكشفه.
قوله: (بمروطهن) المروط جمع مرطٍ بكسر الميم , وهو كساءٌ معلمٌ من خزٍّ أو صوف أو غير ذلك.
стр. 403
وقيل: لا يسمّى مرطاً إلاَّ إذا كان أخضر ولا يلبسه إلاَّ النّساء، وهو مردودٌ بقوله مرطٌ من شعرٍ أسود (١).
وقد اعترض على استدلال البخاري به على جواز صلاة المرأة في الثّوب الواحد , بأنّ الالتفاع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أخرى.
والجواب عنه: أنّه تمسّك بأنّ الأصل عدم الزّيادة على ما ذكر، على أنّه لَم يصرّح بشيءٍ إلاَّ أنّ اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يودعها في التّرجمة. كقول عكرمة " لو وارتْ جسدها في ثوب لأجزتُه ".
قال ابن المنذر بعد أن حكى عن الجمهور أنّ الواجب على المرأة أنْ تصلي في درع وخمار: المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان الثّوب واسعاً فغطّت رأسها بفضله جاز.
قال: وما رويناه عن عطاء أنّه قال: تصلي في درع وخمار وإزار. وعن ابن سيرين مثله. وزاد " وملحفة " , فإنّي أظنّه محمولاً على الاستحباب.
قوله: (ما يعرفهنّ أحدٌ) قال الدّاوديّ: معناه لا يعرفن أنساءٌ أم رجالٌ، أي: لا يظهر للرّائي إلاَّ الأشباح خاصّةً.
стр. 404
وقيل: لا يُعرف أعيانهنّ فلا يفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النّوويّ. بأنّ المتلفّعة في النّهار لا تعرف عينها , فلا يبقى في الكلام فائدةٌ.
وتعقّب: بأنّ المعرفة إنّما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأوّل لعبّر بنفي العلم، وما ذكره من أنّ المتلفّعة بالنّهار لا تعرف عينها فيه نظرٌ، لأنّ لكل امرأةٍ هيئةٌ غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطّىً.
وقال الباجيّ: هذا يدلّ على أنّهنّ كنّ سافراتٍ , إذ لو كنّ متنقّباتٍ لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس.
قلت: وفيه ما فيه، لأنّه مبنيّ على الاشتباه الذي أشار إليه النّوويّ، وأمّا إذا قلنا إنّ لكل واحدةٍ منهنّ هيئةً غالباً فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم.
قوله: (يرجعن) وفي رواية لهما " ينقلبن " وللبخاري عن القاسم عنها " فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس , أو لا يعرف بعضهنّ بعضاً " هو على لغة بني الحارث، وكذا قوله " لا يعرفن بعضهنّ بعضاً " وهذا في رواية الحمويّ والكشميهنيّ (١) , ولغيرهما " لا يعرف " بالإفراد على الجادّة.
قوله: (من الغلس) وهو يعيّن أحد الاحتمالين: هل عدم المعرفة
стр. 405
بهنّ لبقاء الظّلمة أو لمبالغتهنّ في التّغطية؟ ومن ابتدائيّةٌ أو تعليليّةٌ.
ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة الآتي " أنّه كان ينصرف من الصّلاة حين يعرف الرّجل جليسه " (١) , لأنّ هذا إخبارٌ عن رؤية المتلفّعة على بُعدٍ، وذاك إخبارٌ عن رؤية الجليس.
وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصّبح في أوّل الوقت , وجواز خروج النّساء إلى المساجد لشهود الصّلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النّهار من باب أولى , لأنّ الليل مظنّة الرّيبة أكثر من النّهار، ومحلّ ذلك إذا لَم يخش عليهنّ أو بهنّ فتنةٌ.
واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنّه جعل التّلفّع صفةً لشهود الصّلاة.
وتعقّبه عياضٌ (٢): بأنّها إنّما أخبرت عن هيئة الانصراف.
واستدل به البخاري على سرعة انصراف النّساء من الصّبح , لأنّ طول التّأخير فيه يفضي إلى الإسفار، فناسب الإسراع، بخلاف العشاء فإنّه يفضي إلى زيادة الظّلمة فلا يضرّ المكث.
стр. 406
الحديث الثالث
٥٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: كان ﷺ يُصلِّي الظّهر بالهاجرة , والعصر والشّمس نقيّةٌ , والمغرب إذا وجبت , والعشاء أحياناً وأحياناً , إذا رآهم اجتمعوا عجّل. وإذا رآهم أبطئوا أخّر , والصّبح كان النّبيّ ﷺ يُصلِّيها بغلسٍ. (١)
قال المصنف: الهاجرة: هي شدة الحر بعد الزوال
قوله: (بالهاجرة) الهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار. قيل: سميت بذلك من الهجر وهو الترك , لأنَّ الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون.
ظاهره يعارض حديث الإبراد (٢)، لأنّ قوله كان يفعل , يشعر بالكثرة والدّوام عرفاً. قاله ابن دقيق العيد.
ويجمع بين الحديثين. بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزّوال مطلقاً , لأنّ الإبراد مقيّد بحال شدّة الحرّ وغير ذلك كما سيأتي (٣).
فإن وجدت شروط الإبراد أبرد وإلا عجّل، فالمعنى كان يُصلِّي الظّهر بالهاجرة إلاَّ إن احتاج إلى الإبراد.
стр. 407
وتعقّب: بأنّه لو كان ذلك مراده لفصّل كما فصّل في العشاء، والله أعلم
تكميل: روى الشيخان عن أنس , أنَّ رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فقام على المنبر .. الحديث. قوله (زاغت) أي: مالت، وقد رواه الترمذي بلفظ " زالت " وقوله " خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر " يقتضي أنَّ زوال الشمس أول وقت الظهر، إذ لم ينقل أنه صلَّى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع.
وكان فيه خلافٌ قديمٌ عن بعض الصحابة أنه جوَّز صلاة الظهر قبل الزوال. وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه.
وفيه الرد على من زعم من الكوفيين: أنَّ الصلاة لا تجب بأول الوقت.
ونقل ابن بطال أنَّ الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نُقل عن الكرخي عن أبي حنيفة. أنَّ الصلاة في أول الوقت تقع نفلاً، انتهى.
والمعروف عند الحنفية تضعيف هذا القول. ونقل بعضهم. أنَّ أول الظهر إذا صار الفيء قدر الشراك.
قوله: (نقيّة) بالنّون أوّله، أي: خالصة صافية لَم تدخلها صفرة ولا تغيّرٌ.
قوله: (إذا وجبت) أي: غابت، وأصل الوجوب السّقوط، والمراد سقوط قُرص الشّمس، وفاعل وجبت مستتر وهو الشّمس.
стр. 408
وفي رواية أبي داود " والمغرب إذا غربت الشّمس " , ولأبي عوانة " والمغرب حين تجب الشّمس ".
وفيه دليل على أنّ سقوط قُرص الشّمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أنّ محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرّائي حائل. والله أعلم.
وللبخاري عن سلمة قال: كنا نُصلِّي مع النبي ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب. أي: استترت، والمراد الشّمس.
قال الخطّابيّ (١): لَم يذكرها اعتماداً على أفهام السّامعين، وهو كقوله في القرآن (حتّى توارت بالحجاب).
واستُدل بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة - بالموحّدة ثمّ المهملة - رفعه في أثناء حديث: ولا صلاة بعدها حتّى يرى الشّاهد. (٢) والشّاهد النّجم.
стр. 409
قوله: (والعشاء أحياناً وأحياناً) ولمسلمٍ " أحياناً يؤخّرها , وأحياناً يعجّل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا إلخ " , وللبخاري " إذا كثر النّاس عجّل، وإذا قلّوا أخّر " , ونحوه لأبي عوانة في رواية.
والأحيان جمع حينٍ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزّمان على المشهور، وقيل: الحين ستّة أشهرٍ , وقيل: أربعون سنةً.
وحديث الباب يقوّي المشهور.
وسيأتي الكلام على حكم وقت العشاء (١)
وقال ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخصٍ أمران أحدهما أن يقدّم الصّلاة في أوّل الوقت منفرداً أو يؤخّرها في الجماعة، أيّهما أفضل؟.
الأقرب عندي أنّ التّأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلّ عليه لقوله " وإذا رآهم أبطئوا أخّر " فيؤخّر لأجل الجماعة مع إمكان التّقديم.
قلت: ورواية البخاري التي تقدّمت تدلّ على أخصّ من ذلك، وهو أنّ انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التّقديم، ولا يخفى أنّ محل ذلك ما إذا لَم يفحش التّأخير. ولَم يشقّ على الحاضرين، والله
стр. 410
أعلم.
قوله: (كان النبي ﷺ يصلِّيها بغلس) في رواية لهما " كانوا , أو كان ".
قال الكرمانيّ (١): الشّكّ من الرّاوي عن جابر، ومعناهما متلازمان , لأنّ أيّهما كان يدخل فيه الآخر، إن أراد النّبيّ ﷺ فالصّحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصّحابة فالنّبيّ ﷺ كان إمامهم، أي: كان شأنه التّعجيل لها دائماً لا كما كان يصنع في العشاء من تعجيلها أو تأخيرها. وخبر كانوا محذوف يدلّ عليه قوله يُصلِّيها، أي: كانوا يصلّون.
والغلس بفتح اللام ظلمة آخر الليل.
وقال ابن بطّالٍ ما حاصله: فيه حذفان.
حذف خبر كانوا , وهو جائز كحذف خبر المبتدأ في قوله (واللائي لَم يحضن) أي: فعدّتهنّ مثل ذلك.
والحذف الثّاني: حذف الجملة التي بعد " أو " تقديره: أو لَم يكونوا مجتمعين.
قال ابن التّين: ويصحّ أن يكون كانوا هنا تامّة غير ناقصة بمعنى الحضور والوقوع، فيكون المحذوف ما بعد " أو " خاصّة.
وقال ابن المنير (٢): يحتمل: أن يكون شكّاً من الرّاوي هل قال كان النّبيّ ﷺ ، أو كانوا. ويحتمل: أن يكون تقديره , والصّبح كانوا
стр. 411
مجتمعين مع النّبيّ، أو كان النّبيّ ﷺ وحده يُصلِّيها بالغلس.
قلت: والتّقدير المتقدّم أولى.
والحقّ أنّه شكٌّ من الرّاوي، فقد وقعت في رواية مسلم " والصّبح كانوا أو قال كان النّبيّ ﷺ " وفيه حذفٌ واحد تقديره: والصّبح كانوا يصلّونها , أو كان النّبيّ ﷺ يُصلِّيها بغلسٍ، فقوله " بغلسٍ " يتعلق بأيّ اللفظين كان هو الواقع.
ولا يلزم من قوله " كانوا يصلّونها " أنّ النّبيّ ﷺ لَم يكن معهم، ولا من قوله " كان النّبيّ ﷺ " أنّه كان وحده، بل المراد بقوله " كانوا يصلّونها " أي: النّبيّ ﷺ بأصحابه، وهكذا قوله " كان النّبيّ ﷺ يُصلِّيها " أي: بأصحابه، والله أعلم
стр. 412
الحديث الرابع
٥٣ - عن أبي المنهال سيّار بن سلامة , قال: دخلت أنا وأَبِي على أبي برزة الأسلميّ , فقال له أَبِي: كيف كان النّبيّ ﷺ يُصلِّي المكتوبة؟ فقال: كان يُصلِّي الهجير - التي تدعونها الأولى - حين تدحض الشّمس , ويُصلِّي العصر , ثمّ يرجع أحدنا إلى رَحْله في أقصى المدينة والشّمس حيّةٌ , ونسيتُ ما قال في المغرب , وكان يستحبُّ أنْ يؤخّر من العشاء التي تدعونها العتمة , وكان يكره النّوم قبلها , والحديث بعدها , وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرّجل جليسه , وكان يقرأ بالسّتّين إلى المائة. (١)
قوله: (دخلت أنا وأَبِي) زاد الإسماعيليّ " زمن أخرج ابن زيادٍ من البصرة ".
قلت: وكان ذلك في سنة أربعٍ وستّين، وسلامة والد سيّارٍ حكى عنه ولده هنا , ولَم أجد من ترجمه، وقد وقعتْ لابنه عنه روايةٌ في الطّبرانيّ الكبير. في ذكر الحوض.
قوله: (على أبي برزة الأسلمي) اسمه نضلة بن عبيد. (٢)
стр. 413
قوله: (المكتوبة) أي: المفروضة، واستدل به على أنّ الوتر ليس من المكتوبة لكون أبي برزة لَم يذكره , وفيه بحثٌ.
قوله: (كان يُصلِّي الهجير) أي: صلاة الهجير، والهجير والهاجرة بمعنىً، وهو وقت شدّة الحرّ، وسمّيت الظّهر بذلك , لأنّ وقتها يدخل حينئذٍ.
قوله: (تدعونها الأولى) قيل: سُمّيت الأولى لأنّها أوّل صلاة النّهار.
وقيل: لأنّها أوّل صلاةٍ صلاها جبريل بالنّبيّ ﷺ حين بيّن له
стр. 414
الصّلوات الخمس
قال ابن إسحاق: حدّثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير , وقال عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: قال نافع بن جبير وغيره: لَمّا أصبح النّبيّ ﷺ من الليلة التي أسري به , لَم يرعه إلاَّ جبريل نزل حين زاغت الشّمس، ولذلك سُمّيت الأولى. أي: صلاة الظّهر، فأمر فصيح بأصحابه: الصّلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلَّى به جبريل , وصلَّى النّبيّ ﷺ بالنّاس. فذكر الحديث
قوله: (حين تدحض الشّمس) أي: تزول عن وسط السّماء مأخوذٌ من الدّحض وهو الزّلق، وفي روايةٍ لمسلمٍ " حين تزول الشّمس " ومقتضى ذلك أنّه كان يُصلِّي الظّهر في أوّل وقتها.
ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد أو قبل الأمر بالإبراد أو عند فقد شروط الإبراد , لأنّه يختصّ بشدّة الحرّ، أو لبيان الجواز.
وقد يتمسّك بظاهره مَن قال: إنّ فضيلة أوّل الوقت لا تحصل إلاَّ بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارةٍ وسترٍ وغيرهما قبل دخول الوقت، ولكنّ الذي يظهر أنّ المراد بالحديث التّقريب. فتحصل الفضيلة لمن لَم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصّلاة.
قوله: (ويُصلِّي العصر , ثم يرجع أحدنا إلى رحله) بفتح الرّاء وسكون المهملة، أي: مسكنه.
قوله: (في أقصى المدينة) صفةٌ للرّحل. وللبخاري " وأحدنا
стр. 415
يذهب إلى أقصى المدينة , رجع والشّمس حيّةٌ " كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ (١) والأصيليّ (٢)، وفي رواية غيرهما " ويرجع " بزيادة واوٍ وبصيغة المضارعة عليها شرح الخطّابيّ.
وظاهره حصول الذّهاب إلى أقصى المدينة والرّجوع من ثَمّ إلى المسجد، لكن في رواية عوف عن سيار عند البخاري " ثمّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشّمس حيّةٌ " فليس فيه إلاَّ الذّهاب فقط دون الرّجوع.
وطريق الجمع بينها وبين تلك الرواية أن يقال: يحتمل أنّ الواو في قوله " وأحدنا " بمعنى " ثمّ " على قول مَن قال: إنّها ترد للتّرتيب مثل ثمّ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتّقدير , ثمّ يذهب أحدنا. أي: ممّن صلَّى معه.
وأمّا قوله: " رجع ".
فيحتمل: أن يكون بمعنى يرجع ويكون بياناً لقوله يذهب.
ويحتمل: أن يكون رجع في موضع الحال. أي: يذهب راجعاً.
ويحتمل: أنّ أداة الشّرط سقطت إمّا لو أو إذا، والتّقدير. ولو يذهب أحدنا .. إلخ.
وجوّز الكرمانيّ (٣). أن يكون " رجع " خبراً للمبتدأ الذي هو
стр. 416
أحدنا " ويذهب " جملةٌ حاليّةٌ - وهو وإن كان محتملاً من جهة اللفظ - لكنّه يغاير رواية عوفٍ، وقد رواه أحمد عن حجّاج بن محمّدٍ عن شعبة بلفظ " والعصر يرجع الرّجل إلى أقصى المدينة والشّمس حيّةٌ ".
ولمسلمٍ والنّسائيّ من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مثله لكن بلفظ " يذهب " بدل يرجع.
وقال الكرمانيّ أيضاً بعد أن حكى احتمالاً آخر: وهو أي: قوله " رجع " عطفٌ على يذهب , والواو مقدّرةٌ , ورجع بمعنى يرجع. انتهى.
وهذا الاحتمال الأخير جزم به ابن بطّالٍ، وهو موافقٌ للرّواية التي حكيناها.
ويؤيّد ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر - شيخ البخاري فيه - بلفظ " وإنّ أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشّمس حيّةٌ ".
وقد قدّمنا ما يرد عليها , وأنّ رواية عوفٍ أوضحت أنّ المراد بالرّجوع الذّهاب. أي: من المسجد، وإنّما سُمِّي رجوعاً لأنّ ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد فكان الذّهاب منه إلى المنزل رجوعاً.
قوله: (والشّمس حيّةٌ) أي: بيضاء نقيّةٌ.
قال الزين بن المنير (١): المراد بحياتها قوّة أثرها حرارةً ولوناً
стр. 417
وشعاعاً وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير الظّل مثلي الشّيء. انتهى.
وفي سنن أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ عن خيثمة - أحد التّابعين - قال: حياتها أن تجد حرّها.
فائدة: أول وقت العصر هو مصيرُ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله , وقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرِّحة بالمقصود (١). ولم يُنقل عن أحدٍ من أهل العلم مخالفةٌ في ذلك، إلاَّ عن أبي حنيفة، فالمشهور عنه أنه قال: أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه. بالتثنية.
قال القرطبي: خالفه الناس كلهم في ذلك حتى أصحابه - يعني الآخذين عنه - وإلاَّ فقد انتصر له جماعة ممن جاء بعدهم. فقالوا: ثبت الأمر بالإبراد , ولا يحصل إلاَّ بعد ذهاب اشتداد الحر، ولا يذهب في تلك البلاد إلا بعد أن يصير ظل الشيء مثليه، فيكون أول وقت العصر مصير الظل مثليه، وحكاية مثل هذا تغني عن رده.
قوله: (ونسيت ما قال في المغرب) قائل ذلك هو سيّارٌ، بيّنه أحمد في روايته عن حجّاجٍ عن شعبة عنه.
قوله: (وكان يستحب أن يؤخّر من العشاء) أي: من وقت العشاء.
стр. 418
قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على استحباب التّأخير قليلاً لأنّ التّبعيض يدلّ عليه.
وتعقّب: بأنّه بعضٌ مطلقٌ لا دلالة فيه على قلةٍ ولا كثرةٍ، وتقدم من حديث جابرٍ , أنّ التّأخير إنّما كان لانتظار من يجيء لشهود الجماعة.
قوله: (التي تدعونها العتمة) وللبخاري عن ابن عمر قال: صلَّى لنا رسول الله ﷺ ليلةً صلاة العشاء، وهي التي يدعو النّاس العتمة، ثمّ انصرف .. الحديث
وفي كلّ ذلك إشعارٌ بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار من عرف النّهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التّعريف.
وأخرج مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن ابن عمر بلفظ: لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنّها في كتاب الله العشاء، وأنّهم يعتمون بحلاب الإبل، ولابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة. وإسناده حسن، ولأبي يعلى والبيهقيّ من حديث عبد الرّحمن بن عوف كذلك.
زاد الشّافعيّ في روايته في حديث ابن عمر: وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة. صاح وغضب.
وأخرج عبد الرّزّاق هذا الموقوف من وجه آخر عن ابن عمر.
واختلف السّلف في ذلك:
القول الأول: منهم من كرهه كابن عمر راوي الحديث.
стр. 419
القول الثاني: منهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصّدّيق وغيره.
القول الثالث: منهم من جعله خلاف الأولى. وهو الرّاجح، واختاره البخاري، وكذلك نقله ابن المنذر عن مالك والشّافعيّ واختاره.
ونقل القرطبيّ عن غيره: إنّما نهى عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشّرعيّة الدّينيّة عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلةٍ دنيويّة , وهي الْحَلْبة التي كانوا يجلبونها في ذلك الوقت , ويسمّونها العتمة.
قلت: وذكر بعضهم أنّ تلك الحَلْبة إنّما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفاً من السّؤال والصّعاليك، فعلى هذا فهي فعلةٌ دنيويّة مكروهة لا تطلق على فعلةٍ دينيّة محبوبة، ومعنى العتم في الأصل تأخير مخصوص.
وقال الطّبريّ: العتمة بقيّة اللبن تغبق بها النّاقة بعد هوىً من الليل، فسمّيت الصّلاة بذلك لأنّهم كانوا يصلّونها في تلك السّاعة.
وروى ابن أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر: مَن أوّل من سمّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشّيطان
وفي الصحيحين عن أبي هريرة , أنَّ النبي ﷺ قال: ولو يعلمون ما في العتمة والصّبح لأتوهما ولو حبواً. حاصله ثبوت تسمية هذه الصّلاة تارةً عتمة وتارةً عشاء.
وأمّا الأحاديث التي لا تسمية فيها , بل فيها إطلاق الفعل كقول
стр. 420
عائشة وابن عباس وغيرهما: أعتم النّبيّ ﷺ .. " (١) فتفيد إلى أنّ النّهي عن ذلك إنّما هو لإطلاق الاسم، لا لمنع تأخير هذه الصّلاة عن أوّل الوقت.
قال النّوويّ وغيره: يجمع بين النّهي عن تسميتها عتمة , وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين:
أحدهما: أنّه استعمل ذلك لبيان الجواز , وأنّ النّهي للتّنزيه لا للتّحريم.
الثّاني: بأنّه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التّعريف لا لقصد التّسمية.
ويحتمل: أنّه استعمل لفظ العتمة في العشاء , لأنّه كان مشتهراً عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: لو يعلمون ما في الصّبح والعشاء، لتوهّموا أنّها المغرب.
قلت: وهذا ضعيف , لأنّه قد ثبت في نفس هذا الحديث " لو يعلمون ما في الصّبح والعشاء " فالظّاهر أنّ التّعبير بالعشاء تارةً وبالعتمة تارةً من تصرّف الرّواة.
وقيل: إنّ النّهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز.
وتعقّب: بأنّ نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كلٍّ من القولين نظرٌ للاحتياج في مثل ذلك إلى التّاريخ، ولا بُعد في أنّ ذلك
стр. 421
كان جائزاً، فلمّا كثر إطلاقهم له نهوا عنه , لئلا تغلب السّنّة الجاهليّة على السّنّة الإسلاميّة، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أنّ الصّحابة الذين رووا النّهي استعملوا التّسمية المذكورة , وأمّا استعمالها في مثل حديث أبي هريرة فلرفع الالتباس بالمغرب، والله أعلم.
وقال الطِّيبي (١): لعل تقييده الظّهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظّهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها.
قوله: (وكان يكره النّوم قبلها) قال التّرمذيّ: كره أكثر أهل العلم النّوم قبل صلاة العشاء، ورخّص بعضهم فيه في رمضان خاصّةً. انتهى.
ومن نُقلت عنه الرّخصة قُيّدت عنه في أكثر الرّوايات بما إذا كان له من يوقظه , أو عرف من عادته أنّه لا يستغرق وقت الاختيار بالنّوم، وهذا جيّدٌ حيث قلنا إنّ عِلَّة النّهي خشية خروج الوقت.
وحمل الطّحاويّ الرّخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله.
قوله: (والحديث بعدها) أي: المحادثة والسّمر بعدها قد يؤدّي إلى النّوم عن الصّبح أو عن وقتها المختار أو عن قيام الليل، وكان عمر بن الخطّاب يضرب النّاس على ذلك , ويقول: أسمراً أوّل الليل
стр. 422
ونوماً آخره؟ (١).
وإذا تقرّر أنّ عِلَّة النّهي ذلك. فقد يُفرّق فارقٌ بين الليالي الطّوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسماً للمادّة، لأنّ الشّيء إذا شرع لكونه مظنّةً قد يستمرّ فيصير مئنّةً، والله أعلم.
وهذه الكراهة مخصوصة بما إذا لَم يكن في أمر مطلوب , كالسمر في الفقه والخير , وقد روى التّرمذيّ من حديث عمر محسّناً , أنّ النّبيّ ﷺ كان يسمر هو وأبو بكرٍ في الأمر من أمور المسلمين , وأنا معهما.
أو في أمر مباح , كالسمر مع الضيف والأهل.
قوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف من الصّلاة، أو يلتفت إلى المأمومين.
قوله: (من صلاة الغداة) أي: الصّبح، وفيه أنّه لا كراهة في تسمية الصّبح بذلك.
قوله: (حين يعرف الرّجل جليسه) أي: الذي بجنبه، ففي رواية الجوزقيّ من طريق وهب بن جريرٍ عن شعبة " فينظر الرّجل إلى جليسه إلى جنبه فيعرف وجهه " ولأحمد " فينصرف الرّجل فيعرف وجه جليسه ".
وفي روايةٍ لمسلمٍ " فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه ".
стр. 423
وله في أخرى " وننصرف حين يعرف بعضنا وجه بعضٍ "
واستدل بذلك على التّعجيل بصلاة الصّبح , لأنّ ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صحّ بأنّ ذلك كان عند فراغ الصّلاة. ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنّه كان يدخل فيها مغلساً.
وادّعى الزين بن المنير. أنّه مخالفٌ لحديث عائشة المتقدم حيث قالت فيه: لا يُعرفن من الغلس.
وتعقّب: بأنّ الفرق بينهما ظاهرٌ، وهو أنّ حديث أبي برزة متعلقٌ بمعرفة من هو مسفرٌ جالسٌ إلى جنب المُصلِّي فهو ممكنٌ، وحديث عائشة متعلقٌ بمن هو متلفّفٌ مع أنّه على بعدٍ فهو بعيدٌ.
قوله: (ويقرأ) أي: في الصّبح
قوله: (بالسّتّين إلى المائة) يعني من الآي. وقدّرها في رواية الطّبرانيّ " بسورة الحاقّة ونحوها " , وفي رواية لهما بلفظ " ما بين السّتّين إلى المائة ".
وأشار الكرمانيّ: أنّ القياس أن يقول ما بين السّتّين والمائة , لأنّ لفظ " بين " يقتضي الدّخول على متعدّدٍ.
قال: ويحتمل أن يكون التّقدير: ويقرأ ما بين السّتّين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه.
وللبخاري " وكان يقرأ في الرّكعتين أو إحداهما ما بين السّتّين إلى المائة " أي: من الآيات، وهذه الزّيادة تفرّد بها شعبة عن أبي المنهال.
стр. 424
والشّكّ فيه منه، وقد تقدّم عن رواية الطّبرانيّ تقديرها " بالحاقّة ونحوها ".
فعلى تقدير أن يكون ذلك في كل الرّكعتين , فهو منطبقٌ على حديث ابن عبّاسٍ. في قراءته في صبح الجمعة تنزيل السّجدة , وهل أتى (١).
وعلى تقدير أن يكون في كل ركعةٍ فهو منطبقٌ على حديث جابر بن سمرة في قراءاته في الصّبح بـ " ق " أخرجه مسلمٌ، وفي روايةٍ له بـ " الصّافّات " وفي أخرى عند الحاكم بـ " الواقعة ".
وفي السّياق تأدّب الصّغير مع الكبير، ومسارعة المسئول بالجواب إذا كان عارفاً به.
стр. 425
الحديث الخامس
٥٤ - عن عليٍّ ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً , كما شغلونا عن الصّلاة الوسطى حتّى غابت الشّمس (٢)
وفي لفظٍ لمسلمٍ " شغلونا عن الصّلاة الوسطى - صلاة العصر - ثمّ صلاها بين المغرب والعشاء. (٣)
الحديث السادس
٥٥ - ولمسلم عن عبد الله بن مسعودٍ , قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن العصر , حتّى احمرَّت الشّمس أو اصفرَّت , فقال رسول الله ﷺ : شغلونا عن الصّلاة الوسطى - صلاة العصر - ملأ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم ناراً , أو حشا اللهُ أجوافَهم وقبورَهم ناراً.
قوله: (يوم الخندق) في رواية لهما " يوم الأحزاب " يعني أنّ لها اسمين، والأحزاب جمع حزب. أي: طائفة.
فأمّا تسميتها الخندق فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النّبيّ ﷺ ، وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي.
منهم أبو معشر قال: قال سلمان للنّبيّ ﷺ : إنّا كنّا بفارسٍ إذا حوصرنا خندقناً علينا، فأمر النّبيّ ﷺ بحفر الخندق حول المدينة،