حمّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أُهدي للنّبيّ ﷺ فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها: أتعطيه ما لا تأكلين؟.
قال محمّد: دلَّ ذلك على كراهته لنفسه ولغيره.
وتعقّبه الطّحاويّ: باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى ﴿ولستم بآخذيه إلَّا أن تُغمضوا فيه﴾ ثمّ ساق الأحاديث الدّالة على كراهة التّصدّق بحشف التّمر (١) , وبحديث البراء: كانوا يحبّون الصّدقة بأرداء تمرهم، فنزلت ﴿أنفقوا من طيّبات ما كسبتم﴾ الآية.
قال: فلهذا المعنى كره لعائشة الصّدقة بالضّبّ لا لكونه حراماً. انتهى
وهذا يدلّ على أنّه فهم عن محمّد أنّ الكراهة فيه للتّحريم، والمعروف عن أكثر الحنفيّة فيه كراهة التّنزية. وجنح بعضهم إلى التّحريم
وقال: اختلفت الأحاديث وتعذّرت معرفة المتقدّم فرجّحنا جانب التّحريم تقليلاً للنّسخ. انتهى.
ودعواه التّعذّر ممنوعة لِما تقدّم. والله أعلم.
ويتعجّب من ابن العربيّ حيث قال: قولهم إنّ الممسوخ لا ينسل
стр. 3607
دعوى، فإنّه أمر لا يُعرف بالعقل وإنّما طريقه النّقل، وليس فيه أمر يعوّل عليه.
كذا قال , وكأنّه لَم يستحضره من صحيح مسلم.
ثمّ قال: وعلى تقدير ثبوت كون الضّبّ ممسوخاً فذلك لا يقتضي تحريم أكله , لأنّ كونه آدميّاً قد زال حكمه , ولَم يبق له أثر أصلاً، وإنّما كره ﷺ الأكل منه لِمَا وقع عليه من سخط الله كما كره الشّرب من مياه ثمود. انتهى.
ومسألة جواز أكل الآدميّ إذا مسخ حيواناً مأكولاً لَم أرها في كتب فقهائنا.
وفي الحديث أيضاً الإعلام بما شكّ فيه لإيضاح حكمه، وأنّ مطلق النّفرة وعدم الاستطابة لا يستلزم التّحريم، وأنّ المنقول عنه ﷺ أنّه كان لا يعيب الطّعام إنّما هو فيما صنعه الآدميّ لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التّقصير فيه؛ وأمّا الذي خلق كذلك فليس نفور الطّبع منه ممتنعاً.
وفيه أنّ وقوع مثل ذلك ليس بمعيبٍ ممّن يقع منه خلافاً لبعض المُتنطّعة.
وفيه أنّ الطّباع تختلف في النّفور عن بعض المأكولات، وقد يستنبط منه أنّ اللحم إذا أنتن لَم يحرم لأنّ بعض الطّباع لا تعافه.
وفيه دخول أقارب الزّوجة بيتها إذا كان بإذن الزّوج أو رضاه.
وذهل ابن عبد البرّ هنا ذهولاً فاحشاً , فقال: كان دخول خالد بن
стр. 3608
الوليد بيت النّبيّ ﷺ في هذه القصّة قبل نزول الحجاب.
وغفل عمّا ذكره هو أنّ إسلام خالد كان بين عمرة القضيّة والفتح، وكان الحجاب قبل ذلك اتّفاقاً، وقد وقع في حديث الباب " قال خالد: أحرام هو يا رسولَ الله "؟ فلو كانت القصّة قبل الحجاب لكانت قبل إسلام خالد، ولو كانت قبل إسلامه لَم يسأل عن حلال ولا حرام، ولا خاطب بقوله يا رسولَ الله.
وفيه جواز الأكل من بيت القريب والصّهر والصّديق، وكأنّ خالداً ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب الذي أهدته، أو لتحقّق حكم الحلّ، أو لامتثال قوله ﷺ : كلوا , وفهم من لَم يأكل أنّ الأمر فيه للإباحة.
وفيه أنّه ﷺ كان يُؤاكل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسّر؛ وأنّه كان لا يعلم من المغيّبات إلَّا ما علمه الله تعالى.
وفيه وفور عقل ميمومة أمّ المؤمنين وعظيم نصيحتها للنّبيّ ﷺ ، لأنّها فهمت مظنّة نفوره عن أكله بما استقرّت منه، فخشيت أن يكون ذلك كذلك فيتأذّى بأكله لاستقذاره له فصدقت فراستها.
ويؤخذ منه أنّ من خشي أن يتقذّر شيئاً لا ينبغي أن يدلس له لئلا يتضرّر به، وقد شوهد ذلك من بعض النّاس.
стр. 3609
الحديث الثامن
٣٨٦ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزواتٍ، نأكل الجراد. (١)
قوله: (سبع غزوات) وللبخاري من طريق شعبة عن أبي يعفور (٢) عن ابن أبي أوفى " سبع غزواتٍ أو ستّاً " كذا للأكثر. ولا إشكال فيه.
ووقع في رواية النّسفيّ " أو ستّ " بغير تنوين.
ووقع في توضيح ابن مالك " سبع غزوات أو ثماني " وتكلم عليه , فقال: الأجود: أن يقال سبع غزوات أو ثمانية بالتّنوين , لأنّ لفظ ثمانٍ. وإن كان كلفظ جوارٍ في أنّ ثالث حروفه ألف بعدها حرفان ثانيهما ياء. فهو يخالفه في أنّ جواري جمع , وثمانية ليس بجمعٍ.
стр. 3610
واللفظ بهما في الرّفع والجرّ سواء، ولكنّ تنوين ثمانٍ تنوين صرف وتنوين جوارٍ تنوين عوض، وإنّما يفترقان بالنّصب.
واستمرّ يتكلم على ذلك , ثمّ قال: وفي ذكره له بلا تنوين ثلاثة أوجه.
أجودها: أن يكون حذفَ المضافَ إليه وأبقى المضافَ على ما كان عليه قبل الحذف، ومثله قول الشّاعر:
خمس ذود أو ستّ عوّضت منها. ... البيت.
الوجه الثّاني: أن يكون المنصوب كتب بغير ألف على لغة ربيعة.
وذكر وجهاً آخر يختصّ بالثّمان.
ولَم أره في شيء من طرق الحديث لا في البخاريّ ولا في غيره بلفظ ثمان، فما أدري كيف وقع هذا.
وهذا الشّكّ في عدد الغزوات من شعبة، وقد أخرجه مسلم من رواية شعبة بالشّكّ أيضاً؛ والنّسائيّ من روايته بلفظ " السّتّ " من غير شكّ، والتّرمذيّ من طريق غندر عن شعبة فقال " غزوات " ولَم يذكر عدداً.
ورواه سفيان الثّوريّ عند الدّارميّ عن محمّد بن يوسف - وهو الفريابيّ - عنه ولفظه " غزونا مع النّبيّ ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد. وكذا أخرجه التّرمذيّ من وجه آخر عن الثّوريّ , وأفاد أنّ سفيان بن عيينة روى هذا الحديث أيضاً عن أبي يعفور , لكن قال " ستّ غزوات ".
стр. 3611
قلت: وكذا أخرجه أحمد بن حنبل عن ابن عيينة جازماً بالسّتّ، وقال التّرمذيّ: كذا قال ابن عيينة: ستّ , وقال غيره سبع.
قلت: ودلَّت رواية شعبة على أنّ شيخهم كان يشكّ , فيحمل على أنّه جزم مرّة بالسّبع , ثمّ لَمَّا طرأ عليه الشّكّ صار يجزم بالسّتّ , لأنّه المتيقّن.
ويؤيّد هذا الحمل: أنّ سماع سفيان بن عيينة عنه متأخّر دون الثّوريّ ومن ذُكر معه، ولكن وقع عند ابن حبّان من رواية أبي الوليد - شيخ البخاريّ فيه - " سبعاً أو ستّاً، يشكّ شعبة ". ورواه أبو عوانة عند مسلم عن أبي كامل عنه , ولفظه مثل الثّوريّ.
وذكره البزّار من رواية يحيى بن حمّاد عن أبي عوانة , فقال مرّة: عن أبي يعفور , ومرّة: عن الشّيبانيّ، وأشار إلى ترجيح كونه عن أبي يعفور.
وهو كذلك كما تقدّم صريحاً أنّه عند أبي داود. ورواه إسرائيل عند الطّبرانيّ من طريق عبد الله بن رجاء عنه , ولفظه " سبع غزوات فكنّا نأكل معه الجراد ".
قوله: (نأكل الجراد) وللبخاري " وكنّا نأكل معه الجراد ".
يحتمل: أن يريد بالمعيّة مجرّد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد.
ويحتمل: أن يريد مع أكله.
ويدلّ على الثّاني , أنّه وقع في رواية أبي نعيم في الطّبّ " ويأكل معنا " , وهذا - إن صحّ - يردّ على الصّيمريّ من الشّافعيّة في زعمه
стр. 3612
أنّه ﷺ عافه كما عاف الضّبّ.
ثمّ وقفت على مستند الصّيمريّ. وهو ما أخرجه أبو داود من حديث سلمان: سئل ﷺ عن الجراد. فقال: لا آكله ولا أحرّمه.
والصّواب مرسل.
ولابن عديّ في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر , أنّه ﷺ سئل عن الضّبّ. فقال: لا آكله ولا أحرّمه، وسئل عن الجراد , فقال مثل ذلك. وهذا ليس ثابتاً , لأنّ ثابتاً قال فيه النّسائيّ: ليس بثقةٍ.
ونقل النّوويّ الإجماع على حلّ أكل الجراد.
لكن فصَّل ابن العربيّ في شرح التّرمذيّ بين جراد الحجاز وجراد الأندلس , فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل , لأنّه ضرر محض.
وهذا - إن ثبت - أنّه يضرّ أكله بأن يكون فيه سمّيّة تخصّه دون غيره من جراد البلاد تعيّن استثناؤه. والله أعلم
قوله: (الجراد) بفتح الجيم وتخفيف الرّاء معروف , والواحدة جرادة , والذّكر والأنثى سواء كالحمامة.
ويقال: إنّه مشتقّ من الجرد , لأنّه لا ينزل على شيء إلَّا جرّده.
وخلْقة الجراد عجيبة , فيها عشرة من الحيوانات , ذكر بعضها ابن الشّهرزوريّ في قوله:
لها فخذا بَكْرٍ وساقا نعامة ... وقادِمَتَا نسر وجؤجؤ ضيغم
حَبَتْها أفاعي الرّمل بطنًا وأنعمت عليها جياد الخيل بالرّأس والفم قيل: وفَاتَه. عين الفيل وعنق الثّور وقرن الأيّل وذنب الحيّة.
стр. 3613
وهو صنفان طيّار ووثّاب، ويبيض في الصّخر فيتركه حتّى ييبس وينتشر , فلا يمرّ بزرعٍ إلَّا اجتاحه.
واختلف في أصله:
فقيل: إنّه نثرة حوت. فلذلك كان أكله بغير ذكاة.
وهذا ورد في حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أنس رفعه: إنّ الجراد نثرة حوت من البحر.
ومن حديث أبى هريرة: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجّ أو عمرة فاستقبلنا رِجْلٌ من جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا وأسواطنا، فقال: كلوه فإنّه من صيد البحر.
أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وابن ماجه. وسنده ضعيف.
ولو صحّ لكان فيه حجّة لِمَن قال: لا جزاء فيه إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء على خلافه.
قال ابن المنذر: لَم يقل لا جزاء فيه غير أبي سعيد الخدريّ وعروة بن الزّبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء دلَّ على أنّه برّيّ.
وقد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية , إلَّا أنّ المشهور عند المالكيّة اشتراط تذكيته.
واختلفوا في صفتها.
فقيل: بقطع رأسه.
وقيل: إن وقع في قِدْر أو نار حلّ.
стр. 3614
وقال ابن وهب: أخذه ذكاته.
ووافق مطرّفٌ منهم الجمهورَ في أنّه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: أحلّت لنا ميتتان ودمان: السّمك والجراد والكبد والطّحال. أخرجه أحمد والدّارقطنيّ مرفوعًا , وقال: إنّ الموقوف أصحّ.
ورجّح البيهقيّ أيضًا الموقوف إلَّا أنّه قال: إنّ له حكم الرّفع.
стр. 3615
الحديث التاسع
٣٨٧ - عن زهدم بن مضرّبٍ الجرمي، قال: كنا عند أبي موسى الأشعريّ ﵁ فدعا بمائدة وعليها لحم دجاجٍ، فدخل رجلٌ من بني تيم الله، أحمر شبيهٌ بالموالي، فقال له: هلمّ، فتلكّأ، فقال: هلم فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه. (١)
قوله: (عن زهدم بن مضرّب الجرمي) بفتح الزّاي. هو ابن مضرّب - بضمّ أوّله وبفتح الضّاد المعجمة وتشديد الرّاء المكسورة بعدها موحّدة - والجرميّ - بفتح الجيم - بصريّ ثقة، ليس له في البخاريّ سوى حديثين: هذا الحديث. وقد أخرجه في مواضع له، وحديث آخر. أخرجه عن عمران بن حصينٍ في " المناقب " (٢) , وذكره في مواضع أخرى أيضاً.
قوله: (وعليها لحم دجاجٍ) الدجاج اسم جنس مثلث الدّال، ذكره المنذريّ في الحاشية وابن مالك وغيرهما، ولَم يحك النّوويّ الضّمّ.
والواحدة دجاجة مثلث أيضاً، وقيل: إنّ الضّمّ فيه ضعيف.
قال: الجوهريّ دخلتها الهاء للوحدة مثل الحمامة.
стр. 3616
وأفاد إبراهيم الحربيّ في " غريب الحديث ": أنّ الدّجاج بالكسر اسم للذّكران دون الإناث , والواحد منها ديك، وبالفتح الإناث دون الذّكران والواحدة دجاجة بالفتح أيضاً.
قال: وسمّي لإسراعه في الإقبال والإدبار. من دجّ يدجّ , إذا أسرع.
قلت: ودجاجة اسم امرأة - وهي بالفتح فقط - ويسمّى بها الكبّة من الغزل.
قوله: (فدخل رجلٌ من بني تيم الله) هو اسم قبيلةٍ , يقال لهم أيضاً تيم اللات , وهم من قضاعة.
قوله: (أحمر شبيهٌ بالموالي) أي: العجم.
قال الدّاوديّ: يعني أنّه من سبي الرّوم.
كذا قال. فإن كان اطّلع على نقلٍ في ذلك , وإلَّا فلا اختصاص لذلك بالرّوم دون الفرس أو النّبط أو الدّيلم.
وهذا الرّجل. هو زهدم الرّاوي أَبْهَم نفسه، فقد أخرج التّرمذيّ من طريق قتادة عن زهدم قال: دخلت على أبي موسى وهو يأكل دجاجاً , فقال: ادن فكل، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكله. مختصراً.
وقد أشكل هذا , لكونه وصف الرّجل في رواية الباب: بأنّه من بني تيم الله , وزهدم من بني جرم.
فقال بعض النّاس: الظّاهر أنّهما امتنعا معاً زهدم والرّجل التّيميّ.
وحَمْلُه على دعوى التّعدّد استبعاد أن يكون الشّخص الواحد ينسب
стр. 3617
إلى تيم الله وإلى جرم، ولا بُعد في ذلك , بل قد أخرج أحمد الحديث المذكور عن عبد الله بن الوليد - هو العدنيّ - عن سفيان هو الثّوريّ عن أيّوب عن أبي قلابة فقال في روايته: عن رجلٍ من بني تيم الله , يقال له زهدم , قال: كنّا عند أبي موسى، فأتى بلحم دجاج.
فعلى هذا فلعلَّ زهدماً كان تارة ينسب إلى بني جرم , وتارة إلى بني تيم الله.
وجَرْم قبيلة في قضاعة , ينسبون إلى جرم بن زبان - بزايٍ وموحّدة ثقيلة - ابن عمران بن الحاف بن قضاعة.
وتيم الله بطن من بني كلب , وهم قبيلة في قضاعة أيضاً , ينسبون إلى تيم الله بن رفيدة - براءٍ وفاء مصغّراً - ابن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فحلوان عمّ جرم.
قال الرّشاطيّ في الأنساب: وكثيراً ما ينسبون الرّجل إلى أعمامه.
قلت: وربّما أبهم الرّجل نفسه كما جاء في عدّة مواضع، فلا بُعد في أن يكون زهدم صاحب القصّة , والأصل عدم التّعدّد.
وقد أخرج البيهقيّ من طريق الفريابيّ عن الثّوريّ بسنده المذكور إلى زهدم , قال: رأيت أبا موسى يأكل الدّجاج فدعاني , فقلت: إنّي رأيته يأكل نتناً، قال: ادنه فكل. فذكر الحديث المرفوع.
ومن طريق الصّعق بن حزن عن مطر الورّاق عن زهدم , قال: دخلت على أبي موسى وهو يأكل لحم دجاج , فقال: ادن فكل،
стр. 3618
فقلت: إنّي حلفت لا آكله. الحديث، وقد أخرجه موسى عن شيبان بن فرّوخ عن الصّعق , لكن لَم يسق لفظه، وكذا أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " من وجه آخر عن زهدم نحوه وقال فيه. فقال لي: ادن فكل، فقلت: إنّي لا أريده. الحديث.
فهذه عدّة طرق صرّح زهدم فيها بأنّه صاحب القصّة. فهو المعتمد.
ولا يعكّر عليه إلَّا ما وقع في الصّحيحين ممّا ظاهره المغايرة بين زهدم والممتنع من أكل الدّجاج، ففي رواية عن زهدم: كنّا عند أبي موسى , فدخل رجلٌ من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي. فقال: هلمّ، فتلكّأ .. الحديث.
فإنّ ظاهره أنّ الدّاخل دخل وزهدم جالس عند أبي موسى، لكن يجوز أن يكون مراد زهدم بقوله " كنّا " قومه الذين دخلوا قبله على أبي موسى، وهذا مجاز قد استعمل غيرُه مثلَه كقول ثابت البنانيّ: خطبنا عمران بن حصينٍ. أي: خطب أهل البصرة، ولَم يدرك ثابتٌ خطبةَ عمران المذكورة.
فيحتمل: أن يكون زهدم دخل فجرى له ما ذكر، وغاية ما فيه أنّه أبهم نفسه، ولا عجب فيه. والله أعلم
قوله: (هلمّ، فتلكّأ) بمثنّاةٍ ولامٍ مفتوحتين وتشديدٍ. أي: تمنّع وتوقّف وزنه ومعناه. وللبخاري " فدعاه إليه , فقال: إنّي رأيته يأكل شيئاً فقذرته , فحلفت لا آكله فقال: هلمّ ".
стр. 3619
وله أيضاً " قال: ادن أخبرك أو أحدّثك " كذا للأكثر , فعل أمر من الدّنوّ، ووقع عند المستملي والسّرخسيّ " إذاً " بكسر الهمزة وبذالٍ معجمة مع التّنوين حرف نصب.
وعلى الأوّل فقوله " أخبرك " مجزوم، وعلى الثّاني هو منصوب، قوله " فقذرته " بكسر الذّال المعجمة.
وفي رواية أبي عوانة " إنّي رأيتها تأكل قذراً " , وكأنّه ظنّ أنّها أكثرت من ذلك بحيث صارت جلالة , فبيّن له أبو موسى أنّها ليست كذلك , أو أنّه لا يلزم من كون تلك الدّجاجة التي رآها كذلك أن يكون كلّ الدّجاج كذلك.
قوله: (فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه) فيه جواز أكل الدّجاج إنسيّه ووحشيّه، وهو بالاتّفاق إلَّا عن بعض المتعمّقين على سبيل الورع، إلَّا أنّ بعضهم استثنى الجلالة وهي ما تأكل الأقذار، وظاهر صنيع أبي موسى أنّه لَم يبال بذلك.
والجلالة. عبارة عن الدّابّة التي تأكل الجلة - بكسر الجيم والتّشديد - وهي البعر.
وادّعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التّعميم.
وقد أخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن ابن عمر , أنّه كان يحبس الدّجاجة الجلالة ثلاثاً.
القول الأول: قال مالك والليث: لا بأس بأكل الجلالة من
стр. 3620
الدّجاج وغيره، وإنّما جاء النّهي عنها للتّقذّر.
وقد ورد النّهي عن أكل الجلالة من طرق:
أصحّها. ما أخرجه التّرمذيّ وصحَّحه وأبو داود والنّسائيّ من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس , أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن المجثّمة، وعن لبن الجلالة، وعن الشّرب من في السّقاء. وهو على شرط البخاريّ في رجاله، إلَّا أنّ أيّوب رواه عن عكرمة , فقال: عن أبي هريرة.
وأخرجه البيهقيّ والبزّار من وجه آخر عن أبي هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة , وعن شرب ألبانها وأكلها وركوبها. ولابن أبي شيبة بسندٍ حسن عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة أن يؤكل لحمها , أو يشرب لبنها.
ولأبي داود والنّسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وعن الجلالة، عن ركوبها وأكل لحمها. وسنده حسن.
القول الثاني: أطلق الشّافعيّة كراهة أكل الجلالة إذا تغيّر لحمها بأكل النّجاسة، وفي وجه إذا أكثرت من ذلك، ورجّح أكثرهم أنّها كراهة تنزيه، وهو قضيّة صنيع أبي موسى.
ومن حجّتهم: أنّ العلف الطّاهر إذا صار في كرشها تنجّس فلا تتغذّى إلَّا بالنّجاسة، ومع ذلك فلا يحكم على اللحم واللبن بالنّجاسة. فكذلك هذا.
стр. 3621
وتعقّب: بأنّ العلف الطّاهر إذا تنجّس بالمجاورة جاز إطعامه للدّابّة , لأنّها إذا أكلته لا تتغذّى بالنّجاسة وإنّما تتغذّى بالعلف، بخلاف الجلالة.
القول الثالث: ذهب جماعة من الشّافعيّة , وهو قول الحنابلة إلى أنّ النّهي للتّحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صحَّحه أبو إسحاق المروزيّ والقفّال وإمام الحرمين والبغويّ والغزاليّ. وألحقوا بلبنها ولحمها بيضَها.
وفي معنى الجلالة ما يتغذّى بالنّجس كالشّاة ترضع من كلبة، والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النّجاسة بعد أن تعلف بالشّيء الطّاهر على الصّحيح.
وجاء عن السّلف فيه توقيت. فعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر , أنّه كان يحبس الدّجاجة الجلالة ثلاثاً. كما تقدّم.
وأخرج البيهقيّ بسندٍ فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً , أنّها لا تؤكل حتّى تعلف أربعين يوماً.
وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستدناء صاحب الطّعام الدّاخل وعرضه الطّعام عليه ولو كان قليلاً، لأنّ اجتماع الجماعة على الطّعام سبب للبركة فيه.
стр. 3622
الحديث العاشر
٣٨٨ - عن ابن عباسٍ ﵁ , أنّ النبيّ ﷺ قال: إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسحْ يدَه حتى يلعقَها، أو يُلعقَها. (١)
قوله: (إذا أكل أحدكم طعاماً) في رواية ابن جريجٍ سمعت عطاء عند مسلم " إذا أكل أحدكم من الطّعام ".
قوله: (فلا يمسح يده) زاد مسلمٌ من طريق سفيان الثّوريّ عن أبي الزّبير عن جابر بلفظ " فلا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه ".
لكن في صحيح البخاري عن سعيد بن الحارث عن جابر ﵁ , أنّه سأله عن الوضوء ممّا مسّت النّار؟. فقال: لا. قد كنّا زمان النّبيّ ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطّعام إلَّا قليلاً , فإذا نحن وجدناه لَم يكن لنا مناديل إلَّا أكفّنا وسواعدنا وأقدامنا , ثمّ نُصلّي ولا نتوضّأ ".
وهو صريح في أنّهم لَم يكن لهم مناديل، ومفهومه يدلّ على أنّهم لو كانت لهم مناديل لَمسحوا بها.
فيحمل حديث النّهي على من وجد , ولا مفهوم له , بل الحكم كذلك لو مسح بغير المنديل.
وأخرج ابن أبي شيبة من رواية أبي سفيان عن جابر ﵁ بلفظ " إذا
стр. 3623
طعم أحدكم فلا يمسح يده حتّى يمصّها ".
وذكر القفّال في " محاسن الشّريعة ": أنّ المراد بالمنديل هنا المنديل المعدّ لإزالة الزّهومة، لا المنديل المعدّ للمسح بعد الغسل.
وفي حديث كعب بن مالك عند مسلم: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها.
فيحتمل: أن يكون أطلق على الأصابع اليد.
ويحتمل: وهو الأولى أن يكون المراد باليد الكفّ كلّها , فيشمل الحكم من أكل بكفّه كلّها أو بأصابعه فقط أو ببعضها.
وقال ابن العربيّ في " شرح التّرمذيّ ": يدلّ على الأكل بالكفّ كلّها أنّه ﷺ كان يتعرّق العظم وينهش اللحم، ولا يمكن ذلك عادة إلَّا بالكفّ كلّها.
وقال شيخنا: فيه نظرٌ , لأنّه يمكن بالثّلاث، سلّمنا , لكن هو ممسك بكفّه كلّها لا آكل بها، سلّمنا , لكن محلّ الضّرورة لا يدلّ على عموم الأحوال.
ويؤخذ من حديث كعب بن مالك , أنّ السّنّة الأكل بثلاث أصابع , وإن كان الأكل بأكثر منها جائزاً، وقد أخرج سعيد بن منصور عن سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد , أنّه رأى ابن عبّاس إذا أكل لعق أصابعه الثّلاث.
قال عياض: والأكل بأكثر منها من الشّره وسوء الأدب وتكبير اللّقمة، ولأنّه غير مضطرٍّ إلى ذلك لجمعه اللّقمة وإمساكها من
стр. 3624
جهاتها الثّلاث، فإن اضطرّ إلى ذلك لخفّة الطّعام وعدم تلفيفه بالثّلاث فيدعمه بالرّابعة أو الخامسة.
وقد أخرج سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب , أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل , أكل بخمسٍ.
فيجمع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال.
قوله: (حتّى يَلعقها) بفتح أوّله من الثّلاثيّ. أي: يلعقها هو
قوله: (أو يُلعقها) بضمّ أوّله من الرّباعيّ. أي: يلعقها غيره.
قال النّوويّ: المراد إِلْعاق غيره ممّن لا يتقذّر ذلك من زوجة وجارية وخادم وولد، وكذا من كان في معناهم كتلميذٍ يعتقد البركة بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها.
وقال البيهقيّ: إنّ قوله " أو " شكّ من الرّاوي، ثمّ قال: فإن كانا جميعاً محفوظين , فإنّما أراد أن يلعقها صغيراً , أو من يعلم أنّه لا يتقدّر بها.
ويحتمل: أن يكون أراد أن يلعق إصبعه فمه , فيكون بمعنى يلعقها، يعني فتكون " أو " للشّكّ.
قال ابن دقيق العيد: جاءت عِلَّة هذا مبيّنة في بعض الرّوايات فإنّه " لا يدري في أيّ طعامه البركة " وقد يعلّل بأنّ مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لِما يمسح به مع الاستغناء عنه بالرّيق، لكن إذا صحّ الحديث بالتّعليل لَم يُعدل عنه.
قلت: الحديث صحيح أخرجه مسلم في آخر حديث جابر , ولفظه
стр. 3625
من حديث جابر: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما أصابها من أذىً وليأكلها، ولا يمسح يده حتّى يلعقها أو يلعقها، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة. زاد فيه النّسائيّ من هذا الوجه " ولا يرفع الصّحفة حتّى يلعقها أو يلعقها ".
ولأحمد من حديث ابن عمر نحوه بسندٍ صحيح، وللطّبرانيّ من حديث أبي سعيد نحوه بلفظ " فإنّه لا يدري في أيّ طعامه يبارك له " , ولمسلمٍ نحوه من حديث أنس , ومن حديث أبي هريرة أيضاً.
والعلَّة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشّيخ، فقد يكون للحكم علتان فأكثر، والتّنصيص على واحدة لا ينفي غيرها.
وقد أبدى عياض عِلَّة أخرى فقال: إنّما أمر بذلك لئلا يتهاون بقليل الطّعام.
قال النّوويّ: معنى قوله " في أيّ طعامه البركة ": أنّ الطّعام الذي يحضر الإنسان فيه بركة لا يدري أنّ تلك البركة فيما أكل , أو فيما بقي على أصابعه , أو فيما بقي في أسفل القصعة , أو في اللّقمة السّاقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كلّه لتحصيل البركة. انتهى.
وقد وقع لمسلم في رواية أبي سفيان عن جابر أوّل الحديث " إنّ الشّيطان يحضر أحدكم عند كلّ شيء من شأنه، حتّى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللّقمة فليمط ما كان بها من أذىً , ثمّ ليأكلها ولا يدعها للشّيطان " , وله نحوه في حديث أنس , وزاد " وأمر بأن تُسلت القصعة ".
стр. 3626
قال الخطّابيّ: السَّلت تتبُّع ما بقي فيها من الطّعام.
قال النّوويّ: والمراد بالبركة ما تحصل به التّغذية , وتسلم عاقبته من الأذى , ويقوّي على الطّاعة , والعلم عند الله.
وفي الحديث ردّ على من كره لعق الأصابع استقذاراً.
نعم. يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل , لأنّه يعيد أصابعه في الطّعام , وعليها أثر ريقه.
قال الخطّابيّ: عاب قوم أفسد عقلهم التّرفّه , فزعموا أنّ لعق الأصابع مستقبح، كأنّهم لَم يعلموا أنّ الطّعام الذي علق بالأصابع أو الصّحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لَم يكن سائر أجزائه مستقذراً لَم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً، وليس في ذلك أكبر من مصّه أصابعه بباطن شفتيه. ولا يشكّ عاقل في أن لا بأس بذلك، فقد يمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه , ثمّ لَم يقل أحدٌ إنّ ذلك قذارة أو سوء أدب.
وفيه استحباب مسح اليد بعد الطّعام.
قال عياض: محلّه فيما لَم يحتج فيه إلى الغسل ممّا ليس فيه غمرٌ ولزوجةٌ ممّا لا يذهبه إلَّا الغسل، لِمَا جاء في الحديث من التّرغيب في غسله والحذر من تركه.
كذا قال , وحديث الباب يقتضي منع الغسل والمسح بغير لعق , لأنّه صريح في الأمر باللعق دونهما تحصيلاً للبركة.
نعم. قد يتعيّن النّدب إلى الغسل بعد اللعق لإزالة الرّائحة، وعليه
стр. 3627
يحمل الحديث الذي أشار إليه، وقد أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة رفعه: من بات وفي يده غَمْرٌ ولَم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلَّا نفسه. أخرجه التّرمذيّ دون قوله " ولَم يغسله ".
وفيه المحافظة على عدم إهمال شيء من فضل الله كالمأكول أو المشروب , وإن كان تافهاً حقيراً في العرف.
تكملةٌ: وقع في حديث كعب بن عُجْرة عند الطّبرانيّ في " الأوسط " صفة لعق الأصابع , ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث: بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها: الوسطى، ثمّ التي تليها، ثمّ الإبهام.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": كأنّ السّرّ فيه , أنّ الوسطى أكثر تلويثاً , لأنّها أطول فيبقى فيها من الطّعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما تنزل في الطّعام.
ويحتمل: أنّ الذي يلعق يكون بطن كفّه إلى جهة وجهه، فإذا ابتدأ بالوسطى انتقل إلى السّبّابة على جهة يمينه وكذلك الإبهام، والله أعلم.
стр. 3628
باب الصيد
الصّيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيداً، وعومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصاد.
الحديث الحادي عشر
٣٨٩ - عن أبي ثعلبة الخشنيّ ﵁ , قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسولَ الله، إنا بأرض قومٍ أهل كتابٍ، أفنأكل في آنيتهم،؟ وفي أرض صيدٍ، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بِمُعلَّم، وبكلبي المُعلَّم، فما يصلح لي؟ قال: أمَّا ما ذكرت من آنية أهل الكتاب (١) فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لَم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدتَ بقوسك، فذكرتَ اسم الله (٢) فكل، وما صدَّتَ بكلبك المُعلَّم فذكرتَ اسم الله فكل، وما صدّتَ بكلبك غير المُعلَّم فأدركتَ ذكاته فكُل. (٣)
قوله: (عن أبي ثعلبة الخشنيّ) بضمّ الخاء وفتح الشّين المعجمتين
стр. 3629
ثمّ نون، نسبة إلى بني خشين بطن من النّمر بن وبرة بن تغلب. بفتح المثنّاة وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحّدة ابن حلوان بن عمران بن الحافّ بن قضاعة.
واختلف في اسم أبي ثعلبة.
فقيل: جرثوم. وهو قول الأكثر , وقيل: جرهم , وقيل: ناشب , وقيل: جرثم. وهو كالأوّل لكن بغير إشباع , وقيل: جرثومة وهو كالأوّل لكن بزيادة هاء , وقيل: غرنوق , وقيل: ناشر , وقيل: لاشر , وقيل: لاش , وقيل: لاشن , وقيل: لا شومه.
واختلف في اسم أبيه.
فقيل عمرو , وقيل ناشب , وقيل ناسب بمهملةٍ , وقيل بمعجمةٍ , وقيل ناشر , وقيل لا شر , وقيل لاش , وقيل لاشن , وقيل لاشم , وقيل لاسم , وقيل جلهم , وقيل حمير , وقيل جرهم , وقيل جرثوم.
ويجتمع من اسمه واسم أبيه بالتّركيب أقوال كثيرة جدّاً، وكان إسلامه قبل خيبر وشهد بيعة الرّضوان , وتوجّه إلى قومه فأسلموا، وله أخ يقال له عمرو , أسلم أيضاً.
قوله: (قلت: يا رسولَ الله إنّا بأرض قوم أهل كتاب) يعني بالشّام، وكان جماعةٌ من قبائل العرب قد سكنوا الشّام وتنصّروا , منهم آل غسّان وتنوخ وبهز وبطون من قضاعة منهم بنو خشين آل أبي ثعلبة.
قوله: (في آنيتهم) جمع إناء. والأواني جمع آنية، وقد وقع الجواب
стр. 3630
عنه " فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها , وإن لَم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها ".
فتمسّك بهذا الأمر مَن رأى أنّ استعمال آنيّة أهل الكتاب تتوقّف على الغسل لكثرة استعمالهم النّجاسة. ومنهم. من يتديّن بملابستها.
قال ابن دقيق العيد: وقد اختلف الفقهاء في ذلك بناء على تعارض الأصل والغالب. واحتجّ مَن قال بما دلَّ عليه هذا الحديث: بأنّ الظّنّ المستفاد من الغالب راجح على الظّنّ المستفاد من الأصل.
وأجاب مَن قال بأنّ الحكم للأصل حتّى تتحقّق النّجاسة بجوابين:
أحدهما: أنّ الأمر بالغسل محمول على الاستحباب احتياطاً جمعاً بينه وبين ما دلَّ على التّمسّك بالأصل.
الثّاني: أنّ المراد بحديث أبي ثعلبة حال من يتحقّق النّجاسة فيه.
ويؤيّده ذكر المجوس , لأنّ أوانيهم نجسة , لكونهم لا تحلّ ذبائحهم.
وقال النّوويّ: المراد بالآنية في حديث أبي ثعلبة آنية من يطبخ فيها لحم الخنزير ويشرب فيها الخمر كما وقع التّصريح به في رواية أبي داود " إنّا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير , ويشربون في آنيتهم الخمر , فقال: فذكر الجواب ".
وأمّا الفقهاء. فمرادهم مطلق آنيّة الكفّار التي ليست مستعملة في النّجاسة , فإنّه يجوز استعمالها ولو لَم تغسل عندهم، وإن كان الأولى الغسل للخروج من الخلاف لا لثبوت الكراهة في ذلك.
стр. 3631
ويحتمل: أن يكون استعمالها بلا غسل مكروهاً بناء على الجواب الأوّل , وهو الظّاهر من الحديث، وأنّ استعمالها مع الغسل رخصة إذا وجد غيرها , فإن لَم يجد جاز بلا كراهة للنّهي عن الأكل فيها مطلقاً , وتعليق الإذن على عدم غيرها مع غسلها.
وتمسّك بهذا بعض المالكيّة لقولهم: إنّه يتعيّن كسر آنيّة الخمر على كلّ حال بناء على أنّها لا تطهر بالغسل.
واستدل بالتّفصيل المذكور , لأنّ الغسل لو كان مطهّراً لها لَمَا كان للتّفصيل معنى.
وتعقّب: بأنّه لَم ينحصر في كون العين تصير نجسة بحيث لا تطهر أصلاً , بل يحتمل أن يكون التّفصيل للأخذ بالأولى، فإنّ الإناء الذي يطبخ فيه الخنزير يستقذر , ولو غسل كما يكره الشّرب في المحجمة ولو غسلت استقذاراً.
ومشى ابن حزم على ظاهريّته فقال: لا يجوز استعمال آنيّة أهل الكتاب إلَّا بشرطين. أحدهما: أن لا يجد غيرها. الثّاني: غسلها.
وأجيب: بما تقدّم من أنّ أمره بالغسل عند فقْد غيرها دالٌّ على طهارتها بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التّنفير عنها كما في حديث سلمة عند البخاري. في الأمر بكسر القدور التي طبخت فيها الميتة، فقال رجلٌ: أو نغسلها؟ فقال: أو ذاك " , فأمر بالكسر للمبالغة في التّنفير عنها ثمّ أذن في الغسل ترخيصاً، فكذلك يتّجه هذا هنا. والله أعلم.
стр. 3632
تكميل: ورد في بعض طرق الحديث منصوصاً على المجوس.
فعند التّرمذيّ من طريق أخرى عن أبي ثعلبة: سئل رسول الله ﷺ عن قدور المجوس، فقال: أنقوها غسلاً واطبخوا فيها.
وفي لفظ من وجه آخر عن أبى ثعلبة: قلت: إنّا نمرّ بهذا اليهود والنّصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم، الحديث.
والحكم في آنية المجوس لا يختلف مع الحكم في آنية أهل الكتاب , لأنّ العلة إنْ كانت لكونهم تحلّ ذبائحهم كأهل الكتاب فلا إشكال.
أو لا تحلّ فتكون الآنية التي يطبخون فيها ذبائحهم ويغرقون قد تنجّست بملاقاة الميتة، فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنّهم لا يتديّنون باجتناب النّجاسة , وبأنّهم يطبخون فيها الخنزير ويضعون فيها الخمر وغيرها.
ويؤيّد الثّاني ما أخرجه أبو داود والبزّار عن جابر: كنّا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين فنستمتع بها , فلا يعيب ذلك علينا. لفظ أبي داود، وفي رواية البزّار " فنغسلها ونأكل فيها ".
قوله: (وفي أرضِ صيدٍ أصيدُ بقوسي) القوس معروفة، وهي مركّبة وغير مركّبة، ويطلق لفظ القوس أيضاً على الثّمر الذي يبقى في أسفل النّخلة , وليس مراداً هنا.
قوله: (وما صدتَ بقوسك، فذكرتَ اسم الله عليه فكُلْ) جواب قوله " وفي أرض صيد أصيد بقوسي ".
وتمسّك به من أوجب التّسمية على الصّيد وعلى الذّبيحة، وقد
стр. 3633
أجمعوا على مشروعيّتها , إلَّا أنّهم اختلفوا في كونها شرطاً في حلّ الأكل.
القول الأول: ذهب الشّافعيّ وطائفة , وهي رواية عن مالك وأحمد أنّها سنّة، فمن تركها عمداً أو سهواً لَم يقدح في حلّ الأكل.
القول الثاني: ذهب أحمد في الرّاجح عنه وأبو ثور وطائفة إلى أنّها واجبة لجعلها شرطاً في حديث عديٍّ (١) ولإيقاف الإذن في الأكل عليها في حديث أبي ثعلبة، والمُعلّق بالوصف ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، والشّرط أقوى من الوصف.
ويتأكّد القول بالوجوب. بأنّ الأصل تحريم الميتة، وما أذن فيه منها تراعى صفته، فالمسمّى عليها وافق الوصف وغير المسمّى باقٍ على أصل التّحريم.
القول الثالث: ذهب أبو حنيفة ومالك والثّوريّ وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهياً لا عمداً.
لكن اختلف عن المالكيّة: هل تحرم أو تكره؟ وعند الحنفيّة تحرم.
وعند الشّافعيّة في العمد ثلاثة أوجهٍ: أصحّها يكره الأكل، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يأثم بالتّرك ولا يحرم الأكل. لقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا ممّا لَم يذكر اسم الله عليه وإنّه لفسقٌ﴾.
قال البخاري: والنّاسي لا يُسمّى فاسقاً. انتهى.
стр. 3634
فاستنبط منها , أنّ الوصف للعامد , فيختصّ الحكم به.
والتّفرقة بين النّاسي والعامد في الذّبيحة , قول أحمد وطائفة , وقوّاه الغزاليّ في " الإحياء " محتجّاً بأنّ ظاهر الآية الإيجاب مطلقاً وكذلك الأخبار، وأنّ الأخبار الدّالة على الرّخصة تحتمل التّعميم , وتحتمل الاختصاص بالنّاسي , فكان حمله عليه أولى لتجري الأدلة كلّها على ظاهرها , ويعذر النّاسي دون العامد.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق عكرمة عن ابن عبّاس: فيمن ذبح ونسي التّسمية. فقال: المسلم فيه اسم الله , وإن لَم يذكر التّسمية. وسنده صحيح، وهو موقوف. وذكره مالك بلاغاً عن ابن عبّاس، وأخرجه الدّارقطنيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس مرفوعاً.
وأخرج أبو داود وابن ماجه والطّبريّ بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس في قوله ﴿وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ قال: كانوا يقولون ما ذكر عليه اسم الله فلا تأكلوه , وما لَم يذكر عليه اسم الله فكلوه، قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا ممّا لَم يذكر اسم الله عليه﴾.
وأخرج أبو داود والطّبريّ أيضاً من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ , فقالوا: تأكل ممّا قتلنا , ولا تأكل ممّا قتله الله؟ فنزلت: ﴿ولا تأكلوا ممّا لَم يذكر اسم الله عليه ...﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس نحوه. وساق إلى قوله ﴿لمشركون﴾ , إن أطعتموهم فيما نهيتكم عنه.
стр. 3635
ومن طريق معمر عن قتادة في هذه الآية ﴿وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ قال: جادلهم المشركون في الذّبيحة فذكر نحوه.
ومن طريق أسباط عن السّدّيّ نحوه، ومن طريق ابن جريجٍ , قلت لعطاء: ما قوله ﴿فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه﴾؟ قال: يأمركم بذكر اسمه على الطّعام والشّراب والذّبح، قلت: فما قوله ﴿ولا تأكلوا ممّا لَم يذكر اسم الله عليه﴾؟ قال: ينهى عن ذبائح كانت في الجاهليّة على الأوثان.
قال الطّبريّ: مَن قال: إنّ ما ذبحه المسلم فنسي أن يذكر اسم الله عليه لا يحلّ , فهو قول بعيد من الصّواب لشذوذه وخروجه عمّا عليه الجماعة.
قال: وأمّا قوله ﴿وإنّه لفسق﴾ , فإنّه يعني: أنّ أكل ما لَم يذكر اسم الله عليه من الميتة , وما أُهلَّ به لغير الله فسق.
ولَم يحك الطّبريّ عن أحدٍ خلاف ذلك.
وقد استشكل بعض المتأخّرين كون قوله ﴿وإنّه لفسقٌ﴾ منسوقاً على ما قبله، لأنّ الجملة الأولى طلبيّة وهذه خبريّة , وهذا غير سائغ.
ورُدّ هذا القول. بأنّ سيبويه ومن تبعه من المحقّقين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة، وادّعى المانع أنّ الجملة مستأنفة.
ومنهم مَن قال: الجملة حاليّة. أي: لا تأكلوه والحال أنّه فسق. أي: لا تأكلوه في حال كونه فسقاً، والمراد بالفسق قد بيّن في قوله
стр. 3636
تعالى في الآية الأخرى ﴿أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ , فرجع الزّجر إلى النّهي عن أكل ما ذبح لغير الله، فليست الآية صريحة في فسق من أكل ما ذبح بغير تسمية. انتهى.
ولعلَّ هذا القدر هو الذي حذّرت منه الآية، وقد نوزع المذكور فيما حمل عليه الآية , ومنع ما ادّعاه من كون الآية مجملة والأخرى مبيّنة , لأنّ ثَمّ شروطاً ليست هنا.
قوله: (وما صدت بكلبك المُعلَّم فذكرتَ اسم الله فكل) ستأتي مباحثه في حديث عدي بن حاتم الذي بعده.
قوله: (فكل) وقع مفسّراً في رواية أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه , أنّ أعرابيّاً يقال له أبو ثعلبة , قال: يا رسولَ الله إنّ لي كلاباً مُكلَّبة. الحديث. وفيه: وأفتني في قوسي؟ قال: كُلْ ما ردّت عليك قوسك ذكيّاً وغير ذكيّ. قال: وإنْ تغيّب عنّي؟ قال: وإنْ تغيّب عنك. ما لَم يصِلّ , أو تجد فيه أثراً غير سهمك.
وقوله " يصلّ " بصادٍ مهملة مكسورة ولام ثقيلة. أي: ينتن.
وسيأتي مباحث هذا الحديث في الحديث بعده.
وفي الحديث من الفوائد. جمع المسائل وإيرادها دفعة واحدة , وتفصيل الجواب عنها واحدة واحدة بلفظ. أمّا وأمّا.
قوله: (فأدركتَ ذكاتَه فكُلْ) مفهومه أنّ الصّيد إذا مات بالصّدمة من قبل أن يدرك ذكاته لا يؤكل.
قال ابن بطّالٍ: أجمعوا على أنّ السّهم إذا أصاب الصّيد فجرحه ,
стр. 3637
جاز أكله ولو لَم يدر. هل مات بالجرح أو من سقوطه في الهواء أو من وقوعه على الأرض. وأجمعوا على أنّه لو وقع على جبل مثلاً فتردّى منه فمات لا يؤكل، وأنّ السّهم إذا لَم ينفذ مقاتله لا يؤكل إلَّا إذا أدركت ذكاته.
وقال ابن التّين: إذا قطع من الصّيد ما لا يتوهّم حياته بعده , فكأنّه أنفذه بتلك الضّربة فقامت مقام التّذكية، وهذا مشهور مذهب مالك وغيره.
تكميل: روى ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: سئل ابن مسعود عن رجلٍ ضَربَ رجلَ حمارٍ وحشيّ فقطعها؟. فقال: دعوا ما سقط , وذكّوا ما بقي وكلوه.
وأخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن الحسن , قال في رجل ضرَبَ صيداً , فأبانَ منه يداً أو رجلاً وهو حيّ ثمّ مات , قال: لا تأكلْه. ولا تأكل ما بان منه إلَّا أن تضربه فتقطعه فيموت من ساعته، فإذا كان كذلك فليأكله.
وروى ابن أبي شيبة حدّثنا أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: إذا ضرب الرّجل الصّيد فبان منه عضو , ترك ما سقط , وأكل ما بقي.
قال ابن المنذر: اختلفوا في هذه المسألة.
القول الأول: قال ابن عبّاس وعطاء: لا تأكل العضو منه، وذكّ الصّيد وكله.
стр. 3638
القول الثاني: قال عكرمة: إن عدا حيّاً بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو , وذكّ الصّيد وكله، وإن مات حين ضربه فكله كله.
وبه قال الشّافعيّ , وقال: لا فرق أن ينقطع قطعتين أو أقلّ إذا مات من تلك الضّربة
القول الثالث: عن الثّوريّ وأبي حنيفة إن قطعه نصفين أُكلا جميعاً، وإن قطع الثّلثَ ممّا يلي الرّأس فكذلك، وممّا يلي العجُز أَكل الثّلثين ممّا يلي الرّأس. ولا يأكل الثّلث الذي يلي العجُز.
стр. 3639
الحديث الثاني عشر
٣٩٠ - عن همام بن الحارث، عن عديّ بن حاتم ﵁ , قال: قلت: يا رسولَ الله، إني أُرسل الكلاب المُعلَّمة فيمسكن عليّ، وأذكر اسم الله عليه، فقال: إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم، وذكرتَ اسمَ الله عليه، فكُلْ ما أمسك عليك، قلت: وإنْ قتلْنَ، قال: وإنْ قتلْنَ، ما لَم يشركْها كلبٌ ليس منها، قلت له: فإني أرمي بالْمِعراض الصيد، فأصيب، فقال: إذا رميتَ بالْمعراض فخزَقَ فكُلْه، وإن أصابه بعرْضه، فلا تأكله. (١)
الحديث الثالث عشر
٣٩١ - وحديث الشّعبيّ عن عديٍّ نحوه، وفيه: إلَّا أن يأكل الكلب، فإنْ أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإنْ خالطها كلابٌ من غيرها فلا تأكل، فإنما سَمَّيتَ على كلبك، ولَم تسمّ على غيره.
وفيه: إذا أرسلت كلبك المُعلَّم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركتَه حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولَم يأكل منه فكُلْه، فإنّ أَخْذَ الكلب ذكاتُه.
وفيه أيضاً: إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه.
стр. 3640
وفيه: فإن غاب عنك يوماً أو يومين.
وفي روايةٍ: اليومين والثلاثة (١) فلم تجد فيه إلَّا أثر سهمك فكل إنْ شئتَ، فإن وجدته غريقاً في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري: الماء قتله، أو سهمك. (٢)
قوله: (عن همام بن الحارث) من كبار التابعين.
قوله: (عن عديّ بن حاتم ﵁) أي ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج - بمهملة ثم معجمة ثم راء ثم جيم بوزن جعفر - بن امرئ القيس بن عدي الطائي. منسوبٌ إلى طيء - بفتح المهملة وتشديد التحتانية المكسورة بعدها همزة - بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ.
стр. 3641
يقال: كان اسمه جلهمة فسمي طيئاً , لأنه أول من طوى بئراً.
ويقال: أول من طوى المناهل.
وأخرج مسلم: عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إنَّ أول صدقة بيَّضتْ وجهَ رسولِ الله ﷺ ووجوهَ أصحابِه صدقة طيء جئت بها إلى النبي ﷺ .
وأبوه حاتم هو المشهور بالجود، وكان هو أيضاً جواداً، وكان إسلامه سنة الفتح، وثبت هو وقومه على الإسلام، وشهد الفتوح بالعراق، ثمّ كان مع عليٍّ وعاش إلى سنة ثمان وستّين.
قوله: (إذا أرسلتَ كلبَك المعلَّم، وذكرتَ اسمَ الله عليه فكُلْ ما أمسك عليك) في رواية زكرياء عن الشعبي في البحاري " وسألته عن صيد الكلب؟ فقال: ما أمسك عليك فكُلْ، فإنّ أخذ الكلب ذكاةٌ ".
وفي رواية بيان بن عمرو عن الشّعبيّ. في الصحيحين " قلت: إنّا نتصيّد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة ".
والمراد بالمعلَّمة: التي إذا أغراها صاحبها على الصّيد طلبتْه، وإذا زجرها انزجرت , وإذا أخذت الصّيد حبسته على صاحبها.
وهذا الثّالث مختلف في اشتراطه.
واختلف متى يعلم ذلك منها؟.
فقال البغويّ في " التّهذيب ": أقلّه ثلاث مرّات.
وعن أبي حنيفة وأحمد. يكفي مرّتين.
وقال الرّافعيّ: لَم يقدّره المُعظم لاضطراب العرف واختلاف طباع
стр. 3642
الجوارح , فصار المرجع إلى العرف.
ووقع في رواية مجالد عن الشّعبيّ عن عديّ في هذا الحديث عند أبي داود والتّرمذيّ , أمّا التّرمذيّ فلفظه " سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي؟ فقال: ما أمسك عليك فكل " , وأمّا أبو داود فلفظه " ما علَّمت من كلبٍ أو بازٍ , ثمّ أرسلته وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك. قلت: وإنْ قتل؟ قال: إذا قتل ولَم يأكل منه. (١)
قال التّرمذيّ: والعمل على هذا عند أهل العلم. لا يرون بصيد الباز والصّقور بأساً. (٢)
وفي معنى الباز. الصّقر والعقاب والباشق والشّاهين.
стр. 3643
وقد فسّر مجاهد الجوارح في الآية بالكلاب والطّيور، وهو قول الجمهور. إلَّا ما روي عن ابن عمر وابن عبّاس من التّفرقة بين صيد الكلب والطّير.
قوله: (قلت: وإنْ قتلن؟، قال: وإنْ قتلن، ما لَم يشركها كلب ليس منها) في رواية زكريا " وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلباً غيره، فخشيت أن يكون أخذه معه، وقد قتله فلا تأكل، فإنّما ذكرت اسم الله على كلبك ولَم تذكره على غيره ".
وفي رواية بيان " وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل " وزاد في روايته بعد قوله ممّا أمسكن عليك " وإن قتلن، إلَّا أن يأكل الكلب , فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه "
وفيه إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود , وقالا: لا يحلّ الصّيد به , لأنّه شيطان. ونقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكْل ما أمسكه الكلب بالشّروط المتقدّمة , ولو لَم يذبح. لقوله " إنّ أخذَ الكلب ذكاةٌ ".
فلو قتل الصّيدَ بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشّافعيّ وهو الرّاجح عندهم، وكذا لو لَم يقتله الكلب , لكن تركه وبه رمق , ولَم يبق زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه فمات حلَّ، لعموم قوله " فإنّ أخذ الكلب ذكاة " وهذا في المُعلَّم.
فلو وجده حيّاً حياة مستقرّة , وأدرك ذكاته لَم يحلّ إلَّا بالتّذكية، فلو
стр. 3644
لَم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذّبح اختياراً أو إضراراً كعدم حضور آلة الذّبح، فإن كان الكلب غير مُعلَّم اشترط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميّتاً لَم يحلّ.
وفيه أنّه لا يحلّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحلّه ما إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذّكاة، فإنْ تحقّق أنّه أرسله من هو من أهل الذّكاة حلَّ.
ثمّ يُنظر. فإنْ أرسلاهما معاً فهو لهما وإلاَّ فللأوّل، ويؤخذ ذلك من التّعليل في قوله " فإنّما سُمِّيت على كلبك ولَم تسمّ على غيره " , فإنّه يفهم منه أنّ المرسِل لو سمّى على الكلب لحل.
ووقع في رواية بيان عن الشّعبيّ " وإن خالطها كلابٌ من غيرها فلا تأكل " , فيؤخذ منه أنّه لو وجده حيّاً وفيه حياة مستقرّة فذكّاه حلَّ، لأنّ الاعتماد في الإباحة على التّذكية لا على إمساك الكلب.
قوله: (وحديث الشّعبيّ) عامر بن شراحيل. الفقيه المشهور.
قوله: (عن عديٍّ) في رواية سعيد بن مسروق حدثني الشعبي سمعت عدي بن حاتم , وكان لنا جاراً ودخيلاً وربيطاً بالنهرين. أخرجه مسلم
قوله: (إلَّا أن يأكل الكلب، فإنْ أكَلَ فلا تأكُل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) في رواية ابن أبي السّفر عن الشعبي عند البخاري " قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل، فإنّه لَم يمسك عليك ,
стр. 3645
إنّما أمسك على نفسه ".
وفي الحديث.
وهو القول الأول: تحريم أكل الصّيد الذي أكل الكلب منه. ولو كان الكلب مُعلَّماً. وقد علَّل في الحديث بالخوف من أنّه " إنّما أمسك على نفسه ". وهذا قول الجمهور، وهو الرّاجح من قولي الشّافعيّ.
القول الثاني: قال الشافعي في القديم , وهو قول مالك , ونقل عن بعض الصّحابة: يحلّ.
واحتجّوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه , أنّ أعرابيّاً يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسولَ الله، إنّ لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها. قال: كل ممّا أمسكن عليك. قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه. أخرجه أبو داود. ولا بأس بسنده.
وسلك النّاس في الجمع بين الحديثين طُرقاً:
منها: للقائلين بالتّحريم حمل حديث أبي ثعلبة: على ما إذا قتله وخلاَّه , ثمّ عاد فأكل منه.
ومنها: التّرجيح , فرواية عديٍّ في الصّحيحين متّفق على صحّتها، ورواية أبي ثعلبة المذكورة في غير الصّحيحين مختلف في تضعيفها.
وأيضاً فرواية عديٍّ صريحة مقرونة بالتّعليل المناسب للتّحريم , وهو خوف الإمساك على نفسه متأيّدة بأنّ الأصل في الميتة التّحريم، فإذا شككنا في السّبب المبيح رجعنا إلى الأصل.
وظاهر القرآن أيضاً , وهو قوله تعالى ﴿فكلوا ممّا أمسكن عليكم﴾