يقال: كان اسمه جلهمة فسمي طيئاً , لأنه أول من طوى بئراً.
ويقال: أول من طوى المناهل.
وأخرج مسلم: عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إنَّ أول صدقة بيَّضتْ وجهَ رسولِ الله ﷺ ووجوهَ أصحابِه صدقة طيء جئت بها إلى النبي ﷺ .
وأبوه حاتم هو المشهور بالجود، وكان هو أيضاً جواداً، وكان إسلامه سنة الفتح، وثبت هو وقومه على الإسلام، وشهد الفتوح بالعراق، ثمّ كان مع عليٍّ وعاش إلى سنة ثمان وستّين.
قوله: (إذا أرسلتَ كلبَك المعلَّم، وذكرتَ اسمَ الله عليه فكُلْ ما أمسك عليك) في رواية زكرياء عن الشعبي في البحاري " وسألته عن صيد الكلب؟ فقال: ما أمسك عليك فكُلْ، فإنّ أخذ الكلب ذكاةٌ ".
وفي رواية بيان بن عمرو عن الشّعبيّ. في الصحيحين " قلت: إنّا نتصيّد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة ".
والمراد بالمعلَّمة: التي إذا أغراها صاحبها على الصّيد طلبتْه، وإذا زجرها انزجرت , وإذا أخذت الصّيد حبسته على صاحبها.
وهذا الثّالث مختلف في اشتراطه.
واختلف متى يعلم ذلك منها؟.
فقال البغويّ في " التّهذيب ": أقلّه ثلاث مرّات.
وعن أبي حنيفة وأحمد. يكفي مرّتين.
وقال الرّافعيّ: لَم يقدّره المُعظم لاضطراب العرف واختلاف طباع
стр. 3642
الجوارح , فصار المرجع إلى العرف.
ووقع في رواية مجالد عن الشّعبيّ عن عديّ في هذا الحديث عند أبي داود والتّرمذيّ , أمّا التّرمذيّ فلفظه " سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي؟ فقال: ما أمسك عليك فكل " , وأمّا أبو داود فلفظه " ما علَّمت من كلبٍ أو بازٍ , ثمّ أرسلته وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك. قلت: وإنْ قتل؟ قال: إذا قتل ولَم يأكل منه. (١)
قال التّرمذيّ: والعمل على هذا عند أهل العلم. لا يرون بصيد الباز والصّقور بأساً. (٢)
وفي معنى الباز. الصّقر والعقاب والباشق والشّاهين.
стр. 3643
وقد فسّر مجاهد الجوارح في الآية بالكلاب والطّيور، وهو قول الجمهور. إلَّا ما روي عن ابن عمر وابن عبّاس من التّفرقة بين صيد الكلب والطّير.
قوله: (قلت: وإنْ قتلن؟، قال: وإنْ قتلن، ما لَم يشركها كلب ليس منها) في رواية زكريا " وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلباً غيره، فخشيت أن يكون أخذه معه، وقد قتله فلا تأكل، فإنّما ذكرت اسم الله على كلبك ولَم تذكره على غيره ".
وفي رواية بيان " وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل " وزاد في روايته بعد قوله ممّا أمسكن عليك " وإن قتلن، إلَّا أن يأكل الكلب , فإنّي أخاف أن يكون إنّما أمسك على نفسه "
وفيه إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود , وقالا: لا يحلّ الصّيد به , لأنّه شيطان. ونقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكْل ما أمسكه الكلب بالشّروط المتقدّمة , ولو لَم يذبح. لقوله " إنّ أخذَ الكلب ذكاةٌ ".
فلو قتل الصّيدَ بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشّافعيّ وهو الرّاجح عندهم، وكذا لو لَم يقتله الكلب , لكن تركه وبه رمق , ولَم يبق زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه فمات حلَّ، لعموم قوله " فإنّ أخذ الكلب ذكاة " وهذا في المُعلَّم.
فلو وجده حيّاً حياة مستقرّة , وأدرك ذكاته لَم يحلّ إلَّا بالتّذكية، فلو
стр. 3644
لَم يذبحه مع الإمكان حرم، سواء كان عدم الذّبح اختياراً أو إضراراً كعدم حضور آلة الذّبح، فإن كان الكلب غير مُعلَّم اشترط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميّتاً لَم يحلّ.
وفيه أنّه لا يحلّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحلّه ما إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذّكاة، فإنْ تحقّق أنّه أرسله من هو من أهل الذّكاة حلَّ.
ثمّ يُنظر. فإنْ أرسلاهما معاً فهو لهما وإلاَّ فللأوّل، ويؤخذ ذلك من التّعليل في قوله " فإنّما سُمِّيت على كلبك ولَم تسمّ على غيره " , فإنّه يفهم منه أنّ المرسِل لو سمّى على الكلب لحل.
ووقع في رواية بيان عن الشّعبيّ " وإن خالطها كلابٌ من غيرها فلا تأكل " , فيؤخذ منه أنّه لو وجده حيّاً وفيه حياة مستقرّة فذكّاه حلَّ، لأنّ الاعتماد في الإباحة على التّذكية لا على إمساك الكلب.
قوله: (وحديث الشّعبيّ) عامر بن شراحيل. الفقيه المشهور.
قوله: (عن عديٍّ) في رواية سعيد بن مسروق حدثني الشعبي سمعت عدي بن حاتم , وكان لنا جاراً ودخيلاً وربيطاً بالنهرين. أخرجه مسلم
قوله: (إلَّا أن يأكل الكلب، فإنْ أكَلَ فلا تأكُل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) في رواية ابن أبي السّفر عن الشعبي عند البخاري " قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل، فإنّه لَم يمسك عليك ,
стр. 3645
إنّما أمسك على نفسه ".
وفي الحديث.
وهو القول الأول: تحريم أكل الصّيد الذي أكل الكلب منه. ولو كان الكلب مُعلَّماً. وقد علَّل في الحديث بالخوف من أنّه " إنّما أمسك على نفسه ". وهذا قول الجمهور، وهو الرّاجح من قولي الشّافعيّ.
القول الثاني: قال الشافعي في القديم , وهو قول مالك , ونقل عن بعض الصّحابة: يحلّ.
واحتجّوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه , أنّ أعرابيّاً يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسولَ الله، إنّ لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها. قال: كل ممّا أمسكن عليك. قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه. أخرجه أبو داود. ولا بأس بسنده.
وسلك النّاس في الجمع بين الحديثين طُرقاً:
منها: للقائلين بالتّحريم حمل حديث أبي ثعلبة: على ما إذا قتله وخلاَّه , ثمّ عاد فأكل منه.
ومنها: التّرجيح , فرواية عديٍّ في الصّحيحين متّفق على صحّتها، ورواية أبي ثعلبة المذكورة في غير الصّحيحين مختلف في تضعيفها.
وأيضاً فرواية عديٍّ صريحة مقرونة بالتّعليل المناسب للتّحريم , وهو خوف الإمساك على نفسه متأيّدة بأنّ الأصل في الميتة التّحريم، فإذا شككنا في السّبب المبيح رجعنا إلى الأصل.
وظاهر القرآن أيضاً , وهو قوله تعالى ﴿فكلوا ممّا أمسكن عليكم﴾
стр. 3646
, فإنّ مقتضاها أنّ الذي يمسكه من غير إرسال لا يباح.
ويتقوّى أيضاً بالشّاهد من حديث ابن عبّاس عند أحمد " إذا أرسلت الكلب فأكل الصّيد فلا تأكل، فإنّما أمسك على نفسه. وإذا أرسلته فقتل ولَم يأكل فكل، فإنّما أمسك على صاحبه " , وأخرجه البزّار من وجه آخر عن ابن عبّاس , وابن أبي شيبة من حديث أبي رافعٍ بمعناه.
ولو كان مجرّد الإمساك كافياً لَمَا احتيج إلى زيادة ﴿عليكم﴾.
ومنها: للقائلين بالإباحة حمل حديث عديٍّ على كراهة التّنزيه، وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز.
قال بعضهم: ومناسبة ذلك أنّ عديّاً كان موسراً فاختير له الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة فإنّه كان بعكسه.
ولا يخفى ضعف هذا التّمسّك مع التّصريح بالتّعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه.
وقال ابن التّين: قال بعض أصحابنا: هو عامّ فيحمل على الذي أدركه ميّتاً من شدّة العدو , أو من الصّدمة فأكل منه، لأنّه صار على صفة لا يتعلق بها الإرسال ولا الإمساك على صاحبه.
قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله " فإن أكل فلا تأكل " , أي: لا يوجد منه غير مجرّد الأكل دون إرسال الصّائد له، وتكون هذه الجملة مقطوعة عمّا قبلها.
ولا يخفى تعسّف هذا وبُعدُه.
стр. 3647
وقال ابن القصّار: مجرّد إرسالنا الكلب إمساكٌ علينا، لأنّ الكلب لا نيّة له , ولا يصحّ منه ميزها، وإنّما يتصيّد بالتّعليم؛ فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا أو على نفسه واختلف الحكم في ذلك وجب أن يتميّز ذلك بنيّة من له نيّة. وهو مرسِلُه، فإذا أرسله فقد أمسك عليه , وإذا لَم يرسله لَم يمسك عليه.
كذا قال: ولا يخفى بعدُه أيضاً , ومصادمته لسياق الحديث.
وقد قال الجمهور: إنّ معنى قوله ﴿أمسكن عليكم﴾ صِدْن لكم، وقد جعل الشّارع أكله منه علامة على أنّه أمسك لنفسه لا لصاحبه فلا يعدل عن ذلك.
وقد وقع في رواية لابن أبي شيبة " إن شرب من دمه فلا تأكل , فإنّه لَم يعلم ما علمته " , وفي هذا إشارة إلى أنّه إذا شرع في أكله دلَّ على أنّه ليس بمعلمٍ التّعليم المشترط.
ومنها: سلك بعض المالكيّة التّرجيح , فقال: هذه اللفظة ذكرها الشّعبيّ. ولَم يذكرها همّام، وعارضها حديث أبي ثعلبة.
وهذا ترجيحٌ مردودٌ لِما تقدّم.
وتمسّك بعضهم بالإجماع على جواز أكله إذا أخذه الكلب بفيه وهمّ بأكله فأدرك قبل أن يأكل.
قال: فلو كان أكله منه دالاً على أنّه أمسك على نفسه لكان تناوله بفيه وشروعه في أكله كذلك، ولكن يشترط أن يقف الصّائد حتّى ينظر هل يأكل أو لا؟. والله أعلم.
стр. 3648
قوله: (فإني أرمي بالمعراض) بكسر الميم وسكون المهملة وآخره معجمة. قال الخليل وتبعه جماعة: سهم لا ريش له ولا نصل.
وقال ابن دريدٍ وتبعه ابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض.
وقال الخطّابيّ: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة.
وقيل: عود رقيق الطّرفين غليظ الوسط وهو المسمّى بالحذافة.
وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدّد رأسها وقد لا يحدّد.
وقوّى هذا الأخيرَ النّوويُّ تبعاً لعياضٍ، وقال القرطبيّ: إنّه المشهور.
وقال ابن التّين: المعراض عصاً في طرفها حديدة يرمي الصّائد بها الصّيد، فما أصاب بحدّه فهو ذكيّ فيؤكل، وما أصاب بغير حدّه فهو وقيذ.
قوله: (إذا رميت بالمعراض فخزق فكله) وهو بفتح المعجمة والزّاي بعدها قاف. أي: نفذ، يقال: سهم خازق. أي: نافذ.
ويقال: بالسّين المهملة بدل الزّاي، وقيل: الخزق – بالزّاي.
وقيل: تبدل سيناً - الخدش , ولا يثبت فيه، فإن قيل بالرّاء فهو أن يثقبه.
قوله: (وإن أصابه بعرْضِه، فلا تأكله) في رواية زكرياء عن الشعبي " وما أصاب بعرضه فهو وقيذ " , وفي رواية ابن أبي السّفر عن الشّعبيّ " بعرضه فقتل فإنّه وقيذ فلا تأكل ".
стр. 3649
وقيذ: بالقاف وآخره ذال معجمة وزن عظيم، فعيل بمعنى مفعول، وهو ما قتل بعصاً أو حجر أو ما لا حدّ له، والموقوذة: التي تضرب بالخشبة حتّى تموت.
وحاصله أنّ السّهم وما في معناه إذا أصاب الصّيد بحدّه حلَّ وكانت تلك ذكاته، وإذا أصابه بعرضه لَم يحلّ , لأنّه في معنى الخشبة الثّقيلة والحجر ونحو ذلك من المثقّل.
وقوله " بعرضه " بفتح العين. أي: بغير طرفه المحدّد، وهو حجّة للجمهور في التّفصيل المذكور.
وعن الأوزاعيّ وغيره من فقهاء الشّام حِلُّ ذلك.
وأخرج البيهقيّ من طريق أبي عامر العقديّ عن زهير - هو ابن محمّد - عن زيد بن أسلم عن ابن عمر , أنّه كان يقول: المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر , أنّه كان لا يأكل ما أصابت البندقة.
ولمالكٍ في " الموطّأ " عن نافع: رميت طائرين بحجر فأصبتهما، فأمّا أحدهما فمات , فطرحه ابن عمر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عمر عن سالم والقاسم , أنّهما كانا يكرهان البندقة، إلَّا ما أدركت ذكاته. ولابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم نحوه. وعن عطاء عند عبد الرّزّاق نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إذا رمى الرّجل الصّيد
стр. 3650
بالجُلَّاهِقة فلا تأكل، إلَّا أن تدرك ذكاته ".
والجلاهقة - بضمّ الجيم وتشديد اللام وكسر الهاء بعدها قاف - هي البندقة بالفارسيّة , والجمع جلاهق.
قوله: (فإن غاب عنك يوماً أو يومين , وفي روايةٍ: اليومين والثلاثة , فلم تجد فيه إلَّا أثر سهمك فكل إن شئت) مفهومه أنّه إن وجد فيه أثر غير سهمه لا يأكل.
وهو نظير ما تقدّم في الكلب من التّفصيل فيما إذا خالط الكلب الذي أرسله الصّائد كلب آخر.
لكن التّفصيل في مسألة الكلب فيما إذا شارك الكلبَ في قتله كلبٌ آخر، وهنا الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرّامي أعمّ من أن يكون أثر سهم رامٍ آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة , فلا يحلّ أكله مع التّردّد.
وقد جاءت فيه زيادة من رواية سعيد بن جبير عن عديّ بن حاتم عند التّرمذيّ والنّسائيّ والطّحاويّ بلفظ " قلت: يا رسولَ الله، إنّا أهل الصّيد , وإنّ أحدنا يرمي الصّيد فيغيب عنه الليلة والليلتين فيبتغي الأثر فيجده ميّتاً وسهمه فيه؟، قال: إذا وجدتَ سهمك فيه. ولَم تجد به أثر سبع , وعلمت أنّ سهمك قتله , فكل منه "
قال الرّافعيّ: يؤخذ منه أنّه لو جرحه ثمّ غاب ثمّ جاء فوجده ميّتاً أنّه لا يحلّ، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ في " المختصر ".
وقال النّوويّ: الحلّ أصحّ دليلاً.
стр. 3651
وحكى البيهقيّ في " المعرفة " عن الشّافعيّ , أنّه قال في قول ابن عبّاس: كل ما أصميت ودع ما أنميت. (١): معنى " ما أصميت ": ما قتله الكلب وأنت تراه، وما " أنميت ": وما غاب عنك مقتله.
قال: وهذا لا يجوز عندي غيره , إلَّا أن يكون جاء عن النّبيّ ﷺ فيه شيء , فيسقط كلّ شيء خالف أمر النّبيّ ﷺ , ولا يقوم معه رأي , ولا قياس.
قال البيهقيّ: وقد ثبت الخبر يعني حديث الباب , فينبغي أن يكون هو قول الشّافعيّ. انتهى.
ووقع عند مسلم في حديث أبي ثعلبة بسندٍ فيه معاوية بن صالح " إذا رميت سهمك فغاب عنك , فأدركته فكل ما لَم ينتن " , وفي لفظ في الذي يدرك الصّيد بعد ثلاث " كُلْه ما لَم ينتن ".
ونحوه عند أبي داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه كما تقدّم التّنبيه عليه قريباً.
فجعل الغاية أن ينتن الصّيد , فلو وجده مثلاً بعد ثلاث. ولَم ينتن حلَّ، وإن وجده بلونها. وقد أنتن فلا، هذا ظاهر الحديث.
стр. 3652
وأجاب النّوويّ: بأنّ النّهي عن أكله إذا أنتن للتّنزيه.
واستدل به على أنّ الرّامي لو أخّر الصّيد عقب الرّمي إلى أن يجده أن يحلّ بالشّروط المتقدّمة , ولا يحتاج إلى استفصال عن سبب غيبته عنه. أكان مع الطّلب أو عدمه.
لكن يستدلّ للطّلب بما وقع في الرّواية الأخيرة حيث قال " فيقتفي أثره " (١) فدلَّ على أنّ الجواب خرج على حسب السّؤال، فاختصر بعض الرّواة السّؤال، فلا يتمسّك فيه بترك الاستفصال.
واختلف في صفة الطّلب:
فعن أبي حنيفة: إن أخّر ساعة فلم يطلب لَم يحلّ، وإن اتّبعه عقب الرّمي فوجده ميّتاً حل.
وعن الشّافعيّة: لا بدّ أن يتبعه.
وفي اشتراط العَدْو وجهان.
أظهرهما: يكفي المشي على عادته حتّى لو أسرع وجده حيّاً حل.
الثاني: قال إمام الحرمين: لا بدّ من الإسراع قليلاً ليتحقّق صورة الطّلب، وعند الحنفيّة: نحو هذا الاختلاف.
قوله: (فإن وجدته غريقاً في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري: الماء قتله، أو سهمك) يؤخذ سبب منع أكله من الذي قبله، لأنّه حينئذٍ يقع التّردّد هل قتله السّهم أو الغرق في الماء؟.
فلو تحقّق أنّ السّهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلَّا بعد أن قتله
стр. 3653
السّهم فهذا يحلّ أكله.
قال النّوويّ في " شرح مسلم ": إذا وجد الصّيد في الماء غريقاً حرم بالاتّفاق.
وقد صرّح الرّافعيّ: بأنّ محلّه ما لَم ينته الصّيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلاً فقد تمّت زكاته.
ويؤيّده قوله في رواية مسلم " فإنّك لا تدري الماء قتله أو سهمك " فدلَّ على أنّه إذا علم أنّ سهمه هو الذي قتله أنّه يحلّ.
وفي الحديث إباحة الاصطياد للانتفاع بالصّيد للأكل والبيع , وكذا اللهو، بشرط قصد التّذكية والانتفاع، وكرهه مالك، وخالفه الجمهور.
قال الليث: لا أعلم حقّاً أشبه بباطلٍ منه، فلو لَم يقصد الانتفاع به حرم , لأنّه من الفساد في الأرض بإتلاف نفسٍ عبثاً.
وينقدح أن يقال: يباح، فإنْ لازمَه وأكثر منه كُره، لأنّه قد يشغله عن بعض الواجبات وكثير من المندوبات.
وأخرج التّرمذيّ من حديث ابن عبّاس رفعه: من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصّيد غفل.
وله شاهد عن أبي هريرة عند التّرمذيّ أيضاً , وآخر عند الدّارقطنيّ في " الأفراد " من حديث البراء بن عازب , وقال: تفرّد به شريك. (١)
стр. 3654
وفيه جواز اقتناء الكلب المُعلَّم للصّيد.
وسيأتي البحث فيه في حديث " من اقتنى كلباً " (١).
واستدل به على جواز بيع كلب الصّيد للإضافة في قوله " كلبك ".
وأجاب من منع: بأنّها إضافة اختصاص.
واستدل به على طهارة سؤر كلب الصّيد دون غيره من الكلاب للإذن في الأكل من الموضع الذي أكل منه، ولَم يذكر الغسل , ولو كان واجباً لبيّنه , لأنّه وقت الحاجة إلى البيان.
ومن ثَمّ قال مالك: كيف يؤكل صيده. ويكون لعابه نجساً؟!
وأجاب الإسماعيليّ: بأنّ الحديث سيق لتعريف أنّ قتله ذكاته، وليس فيه إثبات نجاسة ولا نفيها.
ويدلّ لذلك: أنّه لَم يقل له اغسل الدّم إذا خرج من جرح نابه؛ لكنّه وكَلَه إلى ما تقرّر عنده من وجوب غسل الدّم، فلعله وكَلَه أيضاً إلى ما تقرّر عنده من غسل ما يماسّه فمه.
وقال ابن المنير: عند الشّافعيّة أنّ السّكّين إذا سُقيتْ بماءٍ نجس وذُبح بها نجّست الذّبيحة، وناب الكلب عندهم نجس العين، وقد وافقونا على أنّ ذكاته شرعيّة لا تنجّس المذكّى.
وتعقّب: بأنّه لا يلزم من الاتّفاق على أنّ الذّبيحة لا تصير نجسة
стр. 3655
بعضّ الكلب ثبوت الإجماع على أنّها لا تصير متنجّسة، فما ألزمهم به من التّناقض ليس بلازمٍ، على أنّ في المسألة عندهم خلافاً، والمشهور وجوب غسل المعضّ.
وقد يتقوّى القول بالعفو , لأنّه بشدّة الجري يجفّ ريقه فيؤمن معه ما يخشى من إصابة لعابه موضع العضّ.
واستدل بقوله " كل ما أمسك عليك " , بأنّه لو أرسل كلبه على صيد فاصطاد غيره حلَّ. للعموم الذي في قوله " ما أمسك " , وهذا قول الجمهور.
وقال مالك: لا يحلّ، وهو رواية البويطيّ عن الشّافعيّ.
стр. 3656
الحديث الرابع عشر
٣٩٢ - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اقتنى كلباً إلَّا كلب صيدٍ، أو ماشيةٍ فإنه ينقص من أجره كل يومٍ قيراطان.
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرثٍ , وكان صاحب حرثٍ. (١)
قوله: (عن سالم بن عبد الله بن عمر) أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة.
قوله: (من اقتنى) يقال: اقتنى الشّيء إذا اتّخذه للادّخار , والاقتناء بالقاف افتعال من القنية بالكسر, وهي الاتّخاذ.
وللشيخين من طريق يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة " من أمسك كلباً فإنّه ينقص كل يومٍ من عمله قيراطٌ ". ورواية الباب مفسّرة للإمساك في هذه الرّواية.
ورواه أحمد ومسلم من طريق الزّهريّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ " من اتّخذ كلباً إلَّا كلب صيد أو زرع أو ماشية ".
وأخرجه مسلم والنّسائيّ من وجه آخر عن الزّهريّ عن سعيد بن
стр. 3657
المسيّب عن أبي هريرة بلفظ " من اقتنى كلباً ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض , فإنّه ينقص من أجره كلّ يوم قيراطان ".
قوله: (كلباً) الكلب معروف , والأنثى كلبة , والجمع أكلب وكلاب وكَليب بالفتح، كأعبدٍ وعباد وعبيد.
وفي الكلب بَهيميّة وسَبعيّة كأنّه مركّب. وفيه منافع للحراسة والصّيد. وفيه من اقتفاء الأثر وشمّ الرّائحة والحراسة وخفّة النّوم والتّودّد وقبول التّعليم ما ليس لغيره.
وقيل: إنّ أوّل من اتّخذه للحراسة نوح ﵇.
قوله: (إلَّا كلب صيدٍ، أو ماشيةٍ) " أو " للتّنويع لا للتّرديد.
ذكر البخاري حديث ابن عمر في ذلك من ثلاثة طرق عنه.
ووقع في الرواية الأولى من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر " ليس بكلب ماشية أو ضارية ".
وفي الثانية من رواية سالم " إلَّا كلباً ضارياً لصيدٍ أو كلب ماشية ".
وفي الثالثة من رواية نافع " إلَّا كلب ماشية أو ضارياً ".
فالرّواية الثّانية: تفسّر الأولى والثّالثة.
فالأولى: إمّا للاستعارة على أنّ ضارياً صفة للجماعة الضّارين أصحاب الكلاب المعتادة الضّارية على الصّيد، يقال ضرا على الصّيد ضراوة. أي: تعوّد ذلك واستمرّ عليه، وضرا الكلب وأضراه صاحبه. أي: عوّده وأغراه بالصّيد، والجمع ضوارٍ.
وإمّا للتّناسب للفظ ماشية مثل لا دريت ولا تليت , والأصل
стр. 3658
تلوت.
والرّواية الثّالثة: فيها حذف تقديره أو كلباً ضارياً.
ووقع في الرّواية الثّانية في غير رواية أبي ذرّ (١) " إلَّا كلب ضاري " بالإضافة. وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، أو لفظ " ضاري " , صفة للرّجل الصّائد. أي: إلَّا كلب رجل معتاد للصّيد.
وثبوت الياء في الاسم المنقوص مع حذف الألف واللام منه لغة.
قوله: (كلب حرثٍ) زيادة الزّرع قد أنكرها ابن عمر (٢)، ففي مسلم من طريق عمرو بن دينار عنه , أنّ النّبيّ ﷺ أمر بقتل الكلاب إلَّا كلب صيد أو كلب غنم , فقيل لابن عمر: إنّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرع , فقال ابن عمر: إنَّ لأبي هريرة زرعاً.
ويقال: إنّ ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة , وأنّ سبب حفظه لهذه الزّيادة دونه أنّه كان صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلاً بشيءٍ احتاج إلى تعرّف أحكامه.
وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزّرع , سفيان بن أبي زهير كما في الصحيحين، وعبد الله بن مغفل. وهو عند مسلم في حديث أوّله " أمر بقتل الكلاب , ورخّص في كلب الغنم والصّيد والزّرع ".
стр. 3659
قال ابن عبد البرّ: في هذا الحديث إباحة اتّخاذ الكلاب للصّيد والماشية، وكذلك الزّرع لأنّها زيادة حافظ، وكراهة اتّخاذها لغير ذلك، إلَّا أنّه يدخل في معنى الصّيد وغيره ممّا ذكر اتّخاذها لجلب المنافع ودفع المضارّ قياساً، فتمحض كراهة اتّخاذها لغير حاجة لِمَا فيه من ترويع النّاس وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه.
وفي قوله: " نقص من عمله " أي: من أجر عمله , ما يشير إلى أنّ اتّخاذها ليس بمحرّمٍ، لأنّ ما كان اتّخاذه محرّماً امتنع اتّخاذه على كلّ حال. سواء نقص الأجر أو لَم ينقص، فدلَّ ذلك على أنّ اتّخاذها مكروه لا حرام.
قال: ووجه الحديث عندي , أنّ المعاني المتعبّد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعاً لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفّظ منها , فربّما دخل عليه باتّخاذها ما ينقص أجره من ذلك , ويُروى أنّ المنصور سأل عمرو بن عبيد. عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه , فقال المنصور: لأنّه ينبح الضّيف، ويروّع السّائل. انتهى.
وما ادّعاه من عدم التّحريم , واستند له بما ذكره ليس بلازمٍ.
بل يحتمل: أن تكون العقوبة تقع بعدم التّوفيق للعمل بمقدار قيراط ممّا كان يعمله من الخير لو لَم يتّخذ الكلب.
ويحتمل: أن يكون الاتّخاذ حراماً.
والمراد بالنّقص: أنّ الإثم الحاصل باتّخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر , فينقص من ثواب عمل المتّخذ قدر ما يترتّب عليه
стр. 3660
من الإثم باتّخاذه , وهو قيراط أو قيراطان.
وقيل: سبب النّقصان امتناع الملائكة من دخول بيته , أو ما يلحق المارّين من الأذى، أو لأنّ بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النّهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها فربّما يتنجّس الطّاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لَم يقع موقع الطّاهر.
وقال ابن التّين: المراد أنّه لو لَم يتّخذه لكان عمله كاملاً، فإذا اقتناه نقصنَ من ذلك العمل، ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى , وإنّما أراد أنّه ليس عمله في الكمال عمل من لَم يتّخذه. انتهى.
وما ادّعاه من عدم الجواز منازَعٌ فيه.
فقد حكى الرّويانيّ في " البحر ": اختلافاً في الأجر. هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل؟.
وفي محصّل نقصان القيراطين.
فقيل: من عمل النّهار قيراط ومن عمل الليل آخر.
وقيل: من الفرض قيراط ومن النّفل آخر.
وفي سبب النّقصان. يعني كما تقدّم.
واختلفوا في اختلاف الرّوايتين في القيراطين والقيراط (١).
فقيل: الحكم الزّائد لكونه حفظ ما لَم يحفظه الآخر , أو أنّه ﷺ
стр. 3661
أخبر أوّلاً بنقص قيراط واحد فسمعه الرّاوي الأوّل , ثمّ أخبر ثانياً بنقص قيراطين في التّأكيد في التّنفير من ذلك فسمعه الرّاوي الثّاني.
وقيل: يُنزّل على حالين: فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتّخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته.
وقيل: يختصّ نقص القيراطين بمن اتّخذها بالمدينة الشّريفة خاصّة , والقيراط بما عداها.
وقيل: يلتحق بالمدينة في ذلك سائر المدن والقرى , ويختصّ القيراط بأهل البوادي، وهو يلتفت إلى معنى كثرة التّأذّي وقلته.
وكذا مَن قال: يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب: ففيما لابسه آدميّ قيراطان وفيما دونه قيراط.
وجوّز ابن عبد البرّ: أن يكون القيراط الذي ينقص أجر إحسانه إليه , لأنّه من جملة ذوات الأكباد الرّطبة أو الحرّى.
ولا يخفى بُعدُه.
واختلف في القيراطين المذكورين هنا. هل هما كالقيراطين المذكورين في الصّلاة على الجنازة واتّباعها؟.
فقيل: بالتّسوية.
وقيل: اللذان في الجنازة من باب الفضل , واللذان هنا من باب العقوبة , وباب الفضل أوسع من غيره.
والأصحّ عن الشّافعيّة إباحة اتّخاذ الكلاب لحفظ الدّرب إلحاقاً للمنصوص بما في معناه. كما أشار إليه ابن عبد البرّ.
стр. 3662
واتّفقوا على أنّ المأذون في اتّخاذه ما لَم يحصل الاتّفاق على قتله , وهو الكلب العقور. (١)
وأمّا غير العقور. فقد اختلف. هل يجوز قتله مطلقاً أم لا؟
واستدل به على جواز تربية الجرو الصّغير لأجل المنفعة التي يئول أمره إليها إذا كبر، ويكون القصد لذلك قائماً مقام وجود المنفعة به , كما يجوز بيع ما لَم ينتفع به في الحال , لكونه ينتفع به في المآل.
واستدل به على طهارة الكلب الجائز اتّخاذه , لأنّ في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقّة شديدة، فالإذن في اتّخاذه إذن في مكمّلات مقصوده، كما أنّ المنع من لوازمه مناسب للمنع منه.
وهو استدلال قويّ لا يعارضه إلَّا عموم الخبر الوارد في الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل (٢)، وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوّغه الدّليل.
وفي الحديث الحثّ على تكثير الأعمال الصّالحة، والتّحذير من العمل بما ينقصها، والتّنبيه على أسباب الزّيادة فيها والنّقص منها لتجتنب أو ترتكب.
وبيان لطف الله تعالى بخلقه في إباحة ما لهم به نفع، وتبليغ نبيّهم ﷺ لهم أمور معاشهم ومعادهم. وفيه ترجيح المصلحة الرّاجحة على المفسدة لوقوع استثناء ما ينتفع به ممّا حرم اتّخاذه.
стр. 3663
الحديث الخامس عشر
٣٩٣ - عن رافع بن خديجٍ ﵁ , قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحُلَيفة من تِهامة، فأصاب الناسَ جوعٌ، فأصابوا إبلاً وغنماً، وكان النبيّ ﷺ في أُخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبيّ ﷺ بالقدور فأكفئت، ثم قسم، فعدل عشرةً من الغنم ببعيرٍ، فندّ منها بعيرٌ فطلبوه، فأعياهم، وكان في القوم خيلٌ يسيرةٌ، فأهوى رجل منهم بسهمٍ، فحَبَسه الله، فقال: إنَّ لهذه البهائم أوابدَ كأوابد الوحش، فما ندّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا , قال: قلت يا رسولَ الله. إنا لاقوا العدو غداً، وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أَنْهر الدّم، وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السّنّ والظفر، وسأحدّثكم عن ذلك، أما السّنّ فعظمٌ، وأما الظفر فمُدَى الحبشة. (١)
قوله: (كنّا مع النّبيّ ﷺ بذي الحليفة من تهامة) ذو الحليفة: هذا مكان غير ميقات المدينة، لأنّ الميقات في طريق الذّاهب من المدينة ومن الشّام إلى مكّة، وهذه بالقرب من ذات عرق بين الطّائف ومكّة، كذا جزم به أبو بكر الحازميّ وياقوت.
ووقع للقابسيّ: أنّها الميقات المشهور , وكذا ذكر النّوويّ. قالوا:
стр. 3664
وكان ذلك عند رجوعهم من الطّائف سنة ثمانٍ.
وتهامة: اسم لكل ما نزل من بلاد الحجاز.
سُمِّيت بذلك: من التّهم - بفتح المثنّاة والهاء - وهو شدّة الحرّ وركود الرّيح , وقيل: تغيّر الهواء.
قوله: (فأصاب النّاسَ جوعٌ) كأنّ الصّحابيّ قال هذا ممهّداً لعذرهم في ذبحهم الإبل والغنم التي أصابوا.
قوله: (فأصبنا إبلاً وغنماً) في رواية أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق. (١)
عن عباية عند البخاري " وتقدّم سرعان النّاس , فأصابوا من المغانم " , ووقع في رواية الثّوريّ عن أبيه. في الصحيحين " فأصبنا نهب إبل وغنم ".
قوله: (وكان النّبيّ ﷺ في أُخريات النّاس) أخريات جمع أخرى. وفي رواية أبي الأحوص " في آخر النّاس ".
وكان ﷺ يفعل ذلك صوناً للعسكر وحفظاً، لأنّه لو تقدّمهم لَخَشِى أن ينقطع الضّعيف منهم دونه، وكان حرصهم على مرافقته شديداً فيلزم من سيره في مقام السّاقة صون الضّعفاء لوجود من يتأخّر معه قصداً من الأقوياء.
قوله: (فعجِلوا وذبحوا ونصبوا القدور) يعني من الجوع الذي كان بهم، فاستعجلوا فذبحوا الذي غنموه ووضعوه في القدور.
стр. 3665
ووقع في رواية داود بن عيسى عن سعيد بن مسروق في البخاري " فانطلق ناسٌ من سرعان النّاس فذبحوا ونصبوا قدورهم , قبل أن يُقسَم " , وفي رواية الثّوريّ " فأغلوا القدور " , أي: أوقدوا النّار تحتها حتّى غلت.
وفي رواية زائدة عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه عند أبي نعيم في " المستخرج على مسلم " وساق مُسلم إسنادها " فعجّل أوّلهم فذبحوا ونصبوا القدور ".
قوله: (فأمر بالقدور) وللبخاري " فدفع النّبيّ ﷺ إليهم فأمر .. " دفع - بضمّ أوّله - على البناء للمجهول، والمعنى أنّه وصل إليهم.
ووقع في رواية زائدة عن سعيد بن مسروق " فانتهى إليهم " أخرجه الطّبرانيّ.
قوله: (فأمر النبيّ ﷺ بالقدور فأكفئت) بضمّ الهمزة وسكون الكاف. أي: قلبت وأفرغ ما فيها.
وقد اختلف في هذا المكان في شيئين:
أحدهما: سبب الإراقة
الثّاني: هل أتلف اللحم أم لا؟
فأمّا الأوّل: فقال عياض: كانوا انتهوا إلى دار الإسلام والمحلّ الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة إلَّا بعد القسمة، وأنّ محلّ جواز ذلك قبل القسمة إنّما هو ما داموا في دار الحرب.
قال: ويحتمل أنّ سبب ذلك كونهم انتهبوها، ولَم يأخذوها
стр. 3666
باعتدالٍ وعلى قدر الحاجة.
قال: وقد وقع في حديث آخر ما يدلّ لذلك.
يشير إلى ما أخرجه أبو داود من طريق عاصم بن كليب عن أبيه - وله صحبة - عن رجلٍ من الأنصار , قال: أصاب النّاسَ مجاعةٌ شديدةٌ وجهدٌ , فأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي بها إذ جاء رسول الله ﷺ على فرسه , فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يرمّل اللحم بالتّراب، ثمّ قال: إنّ النّهبة ليست بأحلّ من الميتة.
وهذا يدلّ على أنّه عاملهم من أجل استعجالهم بنقيض قصدهم كما عومل القاتل بمنع الميراث.
وقال المُهلَّب: إنّما أكفأ القدور ليعلم أنّ الغنيمة إنّما يستحقّونها بعد قسمته لها , وذلك أنّ القصّة وقعت في دار الإسلام , لقوله فيها ﴿بذي الحليفة﴾.
وأجاب ابن المنير: بأنّه قد قيل: إنّ الذّبح إذا كان على طريق التّعدّي كان المذبوح ميتةً , وكأنّ البخاريّ انتصر لهذا المذهب (١)، أو حمل الإكفاء على العقوبة بالمال , وإن كان ذلك المال لا يختصّ بأولئك الذين ذبحوا , لكن لَمَّا تعلق به طمعهم كانت النّكاية حاصلة لهم.
قال: وإذا جوّزنا هذا النّوع من العقوبة فعقوبة صاحب المال في
стр. 3667
ماله أولى، ومن ثَمّ قال مالك: يراق اللبن المغشوش ولا يترك لصاحبه , وإن زعم أنّه ينتفع به بغير البيع أدباً له. انتهى.
وأمّا الثّاني: فقال النّوويّ: المأمور به من إراقة القدور إنّما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأمّا اللحم فلم يتلفوه , بل يحمل على أنّه جمع وردّ إلى المغنم، ولا يظنّ أنّه أمر بإتلافه مع أنّه ﷺ نهى عن إضاعة المال , وهذا من مال الغانمين.
وأيضاً فالجناية بطبخه لَم تقع من جميع مستحقّي الغنيمة , فإنّ منهم من لَم يطبخ , ومنهم المستحقّون للخمس , فإن قيل: لَم ينقل أنّهم حملوا اللحم إلى المغنم , قلنا: ولَم ينقل أنّهم أحرقوه أو أتلفوه، فيجب تأويله على وفق القواعد. انتهى.
ويردّ عليه حديث أبي داود , فإنّه جيّد الإسناد , وترك تسمية الصّحابيّ لا يضرّ، ورجال الإسناد على شرط مسلم.
ولا يقال لا يلزم من تتريب اللحم إتلافه لإمكان تداركه بالغسل، لأنّ السّياق يشعر بأنّه أريد المبالغة في الزّجر عن ذلك الفعل، فلو كان بصدد أن ينتفع به بعد ذلك لَم يكن فيه كبير زجر، لأنّ الذي يخصّ الواحد منهم نزر يسير , فكان إفسادها عليهم مع تعلّق قلوبهم بها وحاجتهم إليها وشهوتهم لها أبلغ في الزّجر.
وأبعدَ المُهلَّب فقال: إنّما عاقبهم لأنّهم استعجلوا وتركوه في آخر القوم متعرّضاً لمن يقصده من عدوّ ونحوه.
وتعقّب: بأنّه ﷺ كان مختاراً لذلك كما تقدّم تقريره، ولا معنى
стр. 3668
للحمل على الظّنّ مع ورود النّصّ بالسّبب.
وقال الإسماعيليّ: أمره ﷺ بإكفاء القدور.
يجوز: أن يكون من أجل أنّ ذبح من لا يملك الشّيء كلّه لا يكون مذكّياً.
ويجوز: أن يكون من أجل أنّهم تعجّلوا إلى الاختصاص بالشّيء دون بقيّة من يستحقّه من قبل أن يقسم ويخرج منه الخمس، فعاقبهم بالمنع من تناول ما سبقوا إليه زجراً لهم عن معاودة مثله.
ثمّ رجّح الثّاني وزيّف الأوّل , بأنّه لو كان كذلك , لَم يحلّ أكل البعير النّادّ الذي رماه أحدهم بسهمٍ، إذ لَم يأذن لهم الكلّ في رميه، مع أنّ رميه ذكاة له كما نصّ عليه في نفس حديث الباب. انتهى ملخّصاً.
وقد جنح البخاريّ إلى المعنى الأوّل.
ويمكن الجواب عمّا ألزمه به الإسماعيليّ من قصّة البعير: بأن يكون الرّامي رمى بحضرة النّبيّ ﷺ والجماعة فأقرّوه، فدلَّ سكوتهم على رضاهم بخلاف ما ذبحه أولئك قبل أن يأتي النّبيّ ﷺ ومن معه، فافترقا. والله أعلم.
قوله: (ثمّ قسم فعدل عشرة من الغنم ببعيرٍ) في رواية [أبي الأحوص " وقسم بينهم وعدل بعيراً بعشر شياهٍ "] (١) وهذا محمولٌ
стр. 3669
على أنّ هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعلَّ الإبل كانت قليلة أو نفيسة , والغنم كانت كثيرة أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه.
ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحيّ من أنّ البعير يجزئ عن سبع شياه، لأنّ ذلك هو الغالب في قيمة الشّاة والبعير المعتدلين.
وأمّا هذه القسمة فكانت واقعة عين , فيحتمل أن يكون التّعديل لِمَا ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم، وحديث جابر عند مسلم. صريح في الحكم حيث قال فيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر , كلّ سبعة منّا في بدنة.
والبدنة تطلق على النّاقة والبقرة.
وأمّا حديث ابن عبّاس: كنّا مع النّبيّ ﷺ في سفر فحضر الأضحى , فاشتركنا في البقرة تسعة وفي البدنة عشرة. فحسّنه التّرمذيّ. وصحَّحه ابن حبّان , وعضده بحديث رافع بن خديج هذا.
والذي يتحرّر في هذا: أنّ الأصل أنّ البعير بسبعةٍ ما لَم يعرض عارض من نفاسة ونحوها , فيتغيّر الحكم بحسب ذلك.
وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك.
ثمّ الذي يظهر من القسمة المذكورة , أنّها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإبل والغنم التي كانوا غنموها.
ويحتمل: - إن كانت الواقعة تعدّدت - أن تكون القصّة التي ذكرها ابن عبّاس أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطّبخ , والقصّة التي في حديث رافع. طبخت الشّياه صحاحاً مثلاً , فلمّا أريق مرقها
стр. 3670
ضمّت إلى المغنم لتقسم ثمّ يطبخها من وقعت في سهمه، ولعل هذا هو النّكتة في انحطاط قيمة الشّياه عن العادة. والله أعلم.
قوله: (فندّ) بفتح النّون وتشديد الدّال. أي: هرب نافراً.
قوله: (منها) أي: من الإبل المقسومة.
قوله: (وكان في القوم خيل يسيرة) فيه تمهيد لعذرهم في كون البعير الذي ندّ أتعبهم ولَم يقدروا على تحصيله، فكأنّه يقول: لو كان فيهم خيول كثيرة لأمكنهم أن يحيطوا به فيأخذوه.
ووقع في رواية أبي الأحوص " ولَم يكن معهم خيل " أي: كثيرة أو شديدة الجري، فيكون النّفي لصفةٍ في الخيل لا لأصل الخيل جمعاً بين الرّوايتين.
قوله: (فأهوى إليه رجل) في رواية أبي عوانة " فطلبوه فأعياهم , فأهوى إليه رجلٌ " أي: أتعبهم ولَم يقدروا على تحصيله. فقصد نحوه ورماه.
ولَم أقف على اسم هذا الرّامي.
قوله: (فحبسه الله) أي: أصابه السّهم فوقف.
قوله: (إنّ لهذه البهائم) في رواية الثّوريّ وشعبة عن سعيد عند البخاري " إنّ لهذه الإبل ".
قال بعض شرّاح المصابيح: هذه " اللام " تفيد معنى " من " لأنّ البعضيّة تستفاد من اسم إنّ , لكونه نكرة.
قوله: (أوابد كأوابد الوحش) جمع آبدة بالمدّ وكسر الموحّدة. أي
стр. 3671
: غريبة، يقال جاء فلان بآبدةٍ. أي: بكلمةٍ أو فعلة منفّرة، يقال: أبدت بفتح الموحّدة تأبد بضمّها. ويجوز الكسر أبوداً.
ويقال: تأبّدت. أي: توحّشت، والمراد: أنّ لها توحّشاً.
والظّاهر. أنّ تقديم ذكر هذا التّشبيه , كالتّمهيد لكونها تشارك المتوحّش في الحكم
وقال ابن المنيّر: بل المراد أنّها تنفر كما ينفر الوحش , لا أنّها تعطى حكمها.
كذا قال، وآخر الحديث يردّ عليه.
قوله: (فما ندّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا) في رواية الثّوريّ " فما غلبكم منها " , وفي رواية أبي الأحوص " فما فعل منها هذا فافعلوا مثل هذا ".
زاد عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه " فاصنعوا به ذلك. وكلوه ". أخرجه الطّبرانيّ.
وفيه جواز أكل ما رُمي بالسّهم فجرح في أيّ موضع كان من جسده، بشرط أن يكون وحشيّاً أو متوحّشاً.
وأخرج البيهقيّ من طريق أبي العميس عن غضبان بن يزيد البجليّ عن أبيه قال: أعرس رجلٌ من الحيّ , فاشترى جزوراً فندّت فعرقبها وذكر اسم الله، فأمرهم عبد الله - يعني ابن مسعود - أن يأكلوا، فما طابت أنفسهم حتّى جعلوا له منها بضعة , ثمّ أتوه بها فأكل.
وروى ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: ما
стр. 3672
أعجزك من البهائم ممّا في يديك فهو بمنزلة الصّيد.
ورأى ذلك عليّ وابن عمر وعائشة. حكاه البخاري , وقد نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور.
وخالفهم مالك والليث، ونُقل أيضاً عن سعيد بن المسيّب وربيعة , فقالوا: لا يحلّ أكل الإنسيّ إذا توحّش إلَّا بتذكيته في حلقه أو لبّته.
وحجّة الجمهور. حديث رافع.
قوله: (يا رسولَ الله: إنا لاقوا العدو غداً) في رواية أبي عوانة عن سعيد " إنّا لنرجو أو نخاف أن نلقى العدو .. " هو شكٌّ من الرّاوي.
وفي التّعبير بالرّجاء إشارة إلى حرصهم على لقاء العدوّ لِمَا يرجونه من فضل الشّهادة أو الغنيمة، وبالخوف إشارة إلى أنّهم لا يحبّون أن يهجم عليهم العدوّ بغتة.
ووقع في رواية أبي الأحوص " إنّا نلقى العدوّ غداً " بالجزم، ولعله عرف ذلك بخبر مَن صدّقه أو بالقرائن.
وفي رواية يزيد بن هارون عن الثّوريّ عند أبي نعيم في المستخرج على مسلم " إنّا نلقى العدوّ غداً , وإنّا نرجو " , كذا بحذف متعلق الرّجاء، ولعل مراده الغنيمة.
قوله: (وليست معنا مُدىً) بضمّ أوّله - مخفّف مقصور - جمع مدية بسكون الدّال بعدها تحتانيّة. وهي السّكّين، سُمّيت بذلك , لأنّها تقطع مدى الحيوان. أي: عمره.
والرّابط بين قوله " نلقى العدوّ " و " وليست معنا مدىً ".
стр. 3673
يحتمل: أن يكون مراده , أنّهم إذا لقوا العدوّ صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه.
ويحتمل: أن يكون مراده , أنّهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه ليتقوّوا به على العدوّ إذا لقوه.
ويؤيّده ما تقدّم من قسمة الغنم والإبل بينهم فكان معهم ما يذبحونه، وكرهوا أن يذبحوا بسيوفهم , لئلا يضرّ ذلك بحدّها والحاجة ماسة له. فسأل عن الذي يجزئ في الذّبح غير السّكّين والسّيف، وهذا وجه الحصر في المدية والقصب ونحوه , مع إمكان ما في معنى المدية وهو السّيف.
وقد وقع في حديث غير هذا " إنّكم لاقو العدوّ غداً , والفطر أقوى لكم " (١) , فندبهم إلى الفطر ليتقوّوا.
قوله: (أفنذبح بالقصب؟) في رواية حبيب بن حبيب عن سعيد بن مسروق عند الطّبرانيّ " أفنذبح بالقصب والمروة؟ " وفي رواية ليث بن أبي سليم عن عباية " أنذبح بالمروة وشقّة العصا؟ ".
ووقع ذكر الذّبح بالمروة في حديث أخرجه أحمد والنّسائيّ والتّرمذيّ وابن ماجه من طريق الشّعبيّ عن محمّد بن صفوان، وفي رواية عن محمّد بن صيفيّ قال: ذبحت أرنبين بمروة، فأمرني النّبيّ ﷺ بأكلهما. وصحَّحه ابن حبّان والحاكم.
والمروة حجر أبيض، وقيل: هو الذي يقدح منه النّار.
стр. 3674
وأخرج الطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث حذيفة رفعه: اذبحوا بكل شيء فَرَى الأوداج (١) ما خلا السّنّ والظّفر.
وفي سنده عبد الله بن خراش مختلف فيه، وله شاهد من حديث أبي أُمامة نحوه.
والأشهر في رواية غير مَن ذكر " أفنذبح بالقصب "؟.
وقوله " وليست معنا مدىً " فيه إشارة إلى أنّ الذّبح بالحديد كان مقرّراً عندهم جوازه، والمراد بالسّؤال عن الذّبح بالمروة جنس الأحجار لا خصوص المروة.
وفي البخاري من حديث كعب بن مالك , أنّ جاريةً ترعى غنماً له بالْجُبيل - الذي بالسّوق , وهو بسلعٍ - فأُصيبت شاةٌ , فكسرتْ حجراً فذبحتْها به , فذكروا للنّبيّ ﷺ , فأمرهم بأكلها. وفيه التّنصيص على الذّبح بالحجر.
قوله: (ما أنهر الدّم) أي: أساله وصبّه بكثرة، شبّه بجري الماء في النّهر.
قال عياض: هذا هو المشهور في الرّوايات بالرّاء، وذكره أبو ذرّ الخشنيّ بالزّاي. وقال: النّهز بمعنى الرّفع , وهو غريب.
و" ما " موصولة في موضع رفع بالابتداء , وخبرها " فكلوا " , والتّقدير ما أنهر الدّم فهو حلال فكلوا.
ويحتمل: أن تكون شرطيّة.
стр. 3675
ووقع في رواية محمد بن إسحاق (١) عن الثّوريّ " كل ما أنهر الدّم ذكاة " و " ما " في هذا موصولة.
قوله: (وذكر اسم الله عليه) فيه اشتراط التّسمية، لأنّه علَّق الإذن بمجموع الأمرين وهما الإِنهار والتّسمية، والمُعلَّق على شيئين لا يُكتفى فيه إلَّا باجتماعهما وينتفي بانتفاء أحدهما.
وقد تقدّم البحث في اشتراط التّسمية (٢)
قوله: (ليس السّنّ والظّفر) بالنّصب على الاستثناء بليس.
ويجوز الرّفع. أي ليس السّنّ والظّفر مباحاً أو مجزئاً.
ووقع في رواية أبي الأحوص " ما لَم يكن سنّ أو ظفر " وفي رواية عمر بن عبيد " غير السّنّ والظّفر "، وفي رواية داود بن عيسى " إلَّا سنّاً أو ظفراً ".
قوله: (وسأحدّثكم عن ذلك) جزم النّوويّ: بأنّه من جملة المرفوع , وهو من كلام النّبيّ ﷺ , وهو الظّاهر من السّياق.
وجزم أبو الحسن بن القطّان في " كتاب بيان الوهم والإيهام ": بأنّه مُدرج من قول رافع بن خديج راوي الخبر.
وذكر ما حاصله , أنّ أكثر الرّواة عن سعيد بن مسروق أوردوه على ظاهر الرّفع، وأنّ أبا الأحوص قال في روايته عنه بعد قوله. أو ظفر ,
стр. 3676
قال رافع: وسأحدّثكم عن ذلك. ونسبَ (١) ذلك لرواية أبي داود.
وهو عجيب , فإنّ أبا داود أخرجه عن مسدّد عن أبي الأحوص , وليس في شيء من نسخ السّنن قوله " قال: رافع " وإنّما فيه كما عند البخاري بدونها، وشيخ أبي داود فيه مسدّد. هو شيخ البخاريّ فيه هنا.
وقد أورده البخاريّ في الباب الذي بعده بلفظ " غير السّنّ والظّفر , فإنّ السّنّ عظم .. إلخ " وهو ظاهر جدّاً في أنّ الجميع مرفوع.
قوله: (أمّا السّنّ فعظم) قال البيضاويّ: هو قياس حذفت منه المقدّمة الثّانية لشهرتها عندهم، والتّقدير أمّا السّنّ فعظم، وكلّ عظم لا يحلّ الذّبح به، وطوى النّتيجة لدلالة الاستثناء عليها.
وقال ابن الصّلاح في " مشكل الوسيط ": هذا يدلّ على أنّه ﷺ كان قد قرّر كون الذّكاة لا تحصل بالعظم , فلذلك اقتصر على قوله " فعظم ".
قال: ولَم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذّبح بالعظم معنىً يعقل، وكذا وقع في كلام ابن عبد السّلام.
وقال النّوويّ: معنى الحديث: لا تذبحوا بالعظام , فإنّها تنجّس بالدّم , وقد نهيتكم عن تنجيسها , لأنّها زاد إخوانكم من الجنّ.
стр. 3677
انتهى.
وهو محتمل , ولا يقال كان يمكن تطهيرها بعد الذّبح بها , لأنّ الاستنجاء بها كذلك، وقد تقرّر أنّه لا يجزئ.
وقال ابن الجوزيّ في " المشكل ": هذا يدلّ على أنّ الذّبح بالعظم كان معهوداً عندهم أنّه لا يجزئ، وقرّرهم الشّارع على ذلك , وأشار إليه هنا.
قلت: وتقدّم من حديث حذيفة ما يصلح أن يكون مستنداً لذلك إن ثبت.
قوله: (وأمّا الظّفر: فمُدى الحبشة) أي: وهم كفّار وقد نُهيتم عن التّشبّه بهم، قاله ابن الصّلاح , وتبعه النّوويّ.
وقيل: نهى عنهما , لأنّ الذّبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالباً إلَّا الخنق الذي ليس هو على صورة الذّبح، وقد قالوا: إنّ الحبشة تدمي مذابح الشّاة بالظّفر حتّى تزهق نفسها خنقاً.
واعترض على التّعليل الأوّل: بأنّه لو كان كذلك لامتنع الذّبح بالسّكّين وسائر ما يذبح به الكفّار.
وأجيب: بأنّ الذّبح بالسّكّين هو الأصل , وأمّا ما يلتحق بها فهو الذي يعتبر فيه التّشبيه لضعفها، ومن ثَمّ كانوا يسألون عن جواز الذّبح بغير السّكّين وشبهها كما تقدّم واضحاً.
ثمّ وجدت في " المعرفة للبيهقيّ " من رواية حرملة عن الشّافعيّ: أنّه حمل الظّفر في هذا الحديث على النّوع الذي يدخل في البخور ,
стр. 3678
فقال: معقول في الحديث أنّ السّنّ إنّما يذكّى بها إذا كانت منتزعة، فأمّا وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة، يعني فدلَّ على أنّ المراد بالسّنّ , السّنّ المنتزعة , وهذا بخلاف ما نقل عن الحنفيّة من جوازه بالسّنّ المنفصلة.
قال: وأمّا الظّفر فلو كان المراد به ظفر الإنسان , لقال فيه ما قال في السّنّ، لكن الظّاهر أنّه أراد به الظّفر الذي هو طِيبٌ من بلاد الحبشة , وهو لا يفري فيكون في معنى الخنق.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
تحريم التّصرّف في الأموال المشتركة من غير إذن ولو قلَّت ولو وقع الاحتياج إليها.
وفيه انقياد الصّحابة لأمر النّبيّ ﷺ حتّى في ترك ما بهم إليه الحاجة الشّديدة.
وفيه أنّ للإمام عقوبة الرّعيّة بما فيه إتلاف منفعة ونحوها إذا غلبت المصلحة الشّرعيّة، وأنّ قسمة الغنيمة يجوز فيها التّعديل والتّقويم، ولا يشترط قسمة كلّ شيء منها على حدة.
وأنّ ما توحّش من المستأنس يعطى حكم المتوحّش وبالعكس، وجواز الذّبح بما يحصّل المقصود. سواء كان حديداً أم لا.
وجواز عقر الحيوان النّادّ لمن عجَزَ عن ذبحه كالصّيد البرّيّ والمتوحّش من الإنسيّ , ويكون جميع أجزائه مذبحاً فإذا أصيب فمات من الإصابة حلَّ.
стр. 3679
أمّا المقدور عليه فلا يباح إلَّا بالذّبح أو النّحر إجماعاً. وفيه التّنبيه على أنّ تحريم الميتة لبقاء دمها فيها.
وفيه منع الذّبح بالسّنّ والظّفر متّصلاً كان أو منفصلاً , طاهراً كان أو متنجّساً.
وفرّق الحنفيّة: بين السّنّ والظّفر المتّصلين. فخصّوا المنع بهما وأجازوه بالمنفصلين، وفرّقوا بأنّ المتّصل يصير في معنى الخنق والمنفصل في معنى الحجر.
وجزم ابن دقيق العيد: بحمل الحديث على المُتّصلَين.
ثمّ قال: واستدل به قوم على منع الذّبح بالعظم مطلقاً لقوله " أمّا السّنّ فعظم " , فعلَّل منع الذّبح به لكونه عظماً، والحكم يعمّ بعموم علته، وقد جاء عن مالك في هذه المسألة أربع روايات.
ثالثها: يجوز بالعظم دون السّنّ مطلقاً.
رابعها: يجوز بهما مطلقاً. حكاها ابن المنذر.
وحكى الطّحاويّ الجواز مطلقاً عن قوم. واحتجّوا بقوله في حديث عديّ بن حاتم: أَمِرَّ الدّم بما شئت. أخرجه أبو داود. لكن عمومه مخصوص بالنّهي الوارد صحيحاً في حديث رافع عملاً بالحديثين.
وسلك الطّحاويّ طريقاً آخر: فاحتجّ لمذهبه بعموم حديث عديّ.
قال: والاستثناء في حديث رافع يقتضي تخصيص هذا العموم،
стр. 3680
لكنّه في المنزوعين (١) غير محقّق وفي غير المنزوعين محقّق من حيث النّظر، وأيضاً فالذّبح بالمتّصلين يشبه الخنق وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة من حجر وخشب. والله أعلم.
تكميل: ذكر البخاري معلَّقاً (٢). ووصله سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس , أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه سفيان الثوري في " جامعه " عن عمر مثله، وجاء مرفوعاً من وجهٍ واهٍ.
واللبَّة - بفتح اللام وتشديد الموحدة - هي موضع القلادة من الصدر , وهي المنحر.
وكأنَّ البخاريَّ لَمَحَ بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي المعشر الدارمي عن أبيه. قال: قلت يا رسول الله. ما تكون الذكاة إلَّا في الحلق واللّبة؟ قال: لو طعنت في فخذها لأجزأك.
لكن من قوَّاه حمله على الوحش والمتوحّش.