قال رافع: وسأحدّثكم عن ذلك. ونسبَ (١) ذلك لرواية أبي داود.
وهو عجيب , فإنّ أبا داود أخرجه عن مسدّد عن أبي الأحوص , وليس في شيء من نسخ السّنن قوله " قال: رافع " وإنّما فيه كما عند البخاري بدونها، وشيخ أبي داود فيه مسدّد. هو شيخ البخاريّ فيه هنا.
وقد أورده البخاريّ في الباب الذي بعده بلفظ " غير السّنّ والظّفر , فإنّ السّنّ عظم .. إلخ " وهو ظاهر جدّاً في أنّ الجميع مرفوع.
قوله: (أمّا السّنّ فعظم) قال البيضاويّ: هو قياس حذفت منه المقدّمة الثّانية لشهرتها عندهم، والتّقدير أمّا السّنّ فعظم، وكلّ عظم لا يحلّ الذّبح به، وطوى النّتيجة لدلالة الاستثناء عليها.
وقال ابن الصّلاح في " مشكل الوسيط ": هذا يدلّ على أنّه ﷺ كان قد قرّر كون الذّكاة لا تحصل بالعظم , فلذلك اقتصر على قوله " فعظم ".
قال: ولَم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذّبح بالعظم معنىً يعقل، وكذا وقع في كلام ابن عبد السّلام.
وقال النّوويّ: معنى الحديث: لا تذبحوا بالعظام , فإنّها تنجّس بالدّم , وقد نهيتكم عن تنجيسها , لأنّها زاد إخوانكم من الجنّ.
стр. 3677
انتهى.
وهو محتمل , ولا يقال كان يمكن تطهيرها بعد الذّبح بها , لأنّ الاستنجاء بها كذلك، وقد تقرّر أنّه لا يجزئ.
وقال ابن الجوزيّ في " المشكل ": هذا يدلّ على أنّ الذّبح بالعظم كان معهوداً عندهم أنّه لا يجزئ، وقرّرهم الشّارع على ذلك , وأشار إليه هنا.
قلت: وتقدّم من حديث حذيفة ما يصلح أن يكون مستنداً لذلك إن ثبت.
قوله: (وأمّا الظّفر: فمُدى الحبشة) أي: وهم كفّار وقد نُهيتم عن التّشبّه بهم، قاله ابن الصّلاح , وتبعه النّوويّ.
وقيل: نهى عنهما , لأنّ الذّبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالباً إلَّا الخنق الذي ليس هو على صورة الذّبح، وقد قالوا: إنّ الحبشة تدمي مذابح الشّاة بالظّفر حتّى تزهق نفسها خنقاً.
واعترض على التّعليل الأوّل: بأنّه لو كان كذلك لامتنع الذّبح بالسّكّين وسائر ما يذبح به الكفّار.
وأجيب: بأنّ الذّبح بالسّكّين هو الأصل , وأمّا ما يلتحق بها فهو الذي يعتبر فيه التّشبيه لضعفها، ومن ثَمّ كانوا يسألون عن جواز الذّبح بغير السّكّين وشبهها كما تقدّم واضحاً.
ثمّ وجدت في " المعرفة للبيهقيّ " من رواية حرملة عن الشّافعيّ: أنّه حمل الظّفر في هذا الحديث على النّوع الذي يدخل في البخور ,
стр. 3678
فقال: معقول في الحديث أنّ السّنّ إنّما يذكّى بها إذا كانت منتزعة، فأمّا وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة، يعني فدلَّ على أنّ المراد بالسّنّ , السّنّ المنتزعة , وهذا بخلاف ما نقل عن الحنفيّة من جوازه بالسّنّ المنفصلة.
قال: وأمّا الظّفر فلو كان المراد به ظفر الإنسان , لقال فيه ما قال في السّنّ، لكن الظّاهر أنّه أراد به الظّفر الذي هو طِيبٌ من بلاد الحبشة , وهو لا يفري فيكون في معنى الخنق.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
تحريم التّصرّف في الأموال المشتركة من غير إذن ولو قلَّت ولو وقع الاحتياج إليها.
وفيه انقياد الصّحابة لأمر النّبيّ ﷺ حتّى في ترك ما بهم إليه الحاجة الشّديدة.
وفيه أنّ للإمام عقوبة الرّعيّة بما فيه إتلاف منفعة ونحوها إذا غلبت المصلحة الشّرعيّة، وأنّ قسمة الغنيمة يجوز فيها التّعديل والتّقويم، ولا يشترط قسمة كلّ شيء منها على حدة.
وأنّ ما توحّش من المستأنس يعطى حكم المتوحّش وبالعكس، وجواز الذّبح بما يحصّل المقصود. سواء كان حديداً أم لا.
وجواز عقر الحيوان النّادّ لمن عجَزَ عن ذبحه كالصّيد البرّيّ والمتوحّش من الإنسيّ , ويكون جميع أجزائه مذبحاً فإذا أصيب فمات من الإصابة حلَّ.
стр. 3679
أمّا المقدور عليه فلا يباح إلَّا بالذّبح أو النّحر إجماعاً. وفيه التّنبيه على أنّ تحريم الميتة لبقاء دمها فيها.
وفيه منع الذّبح بالسّنّ والظّفر متّصلاً كان أو منفصلاً , طاهراً كان أو متنجّساً.
وفرّق الحنفيّة: بين السّنّ والظّفر المتّصلين. فخصّوا المنع بهما وأجازوه بالمنفصلين، وفرّقوا بأنّ المتّصل يصير في معنى الخنق والمنفصل في معنى الحجر.
وجزم ابن دقيق العيد: بحمل الحديث على المُتّصلَين.
ثمّ قال: واستدل به قوم على منع الذّبح بالعظم مطلقاً لقوله " أمّا السّنّ فعظم " , فعلَّل منع الذّبح به لكونه عظماً، والحكم يعمّ بعموم علته، وقد جاء عن مالك في هذه المسألة أربع روايات.
ثالثها: يجوز بالعظم دون السّنّ مطلقاً.
رابعها: يجوز بهما مطلقاً. حكاها ابن المنذر.
وحكى الطّحاويّ الجواز مطلقاً عن قوم. واحتجّوا بقوله في حديث عديّ بن حاتم: أَمِرَّ الدّم بما شئت. أخرجه أبو داود. لكن عمومه مخصوص بالنّهي الوارد صحيحاً في حديث رافع عملاً بالحديثين.
وسلك الطّحاويّ طريقاً آخر: فاحتجّ لمذهبه بعموم حديث عديّ.
قال: والاستثناء في حديث رافع يقتضي تخصيص هذا العموم،
стр. 3680
لكنّه في المنزوعين (١) غير محقّق وفي غير المنزوعين محقّق من حيث النّظر، وأيضاً فالذّبح بالمتّصلين يشبه الخنق وبالمنزوعين يشبه الآلة المستقلة من حجر وخشب. والله أعلم.
تكميل: ذكر البخاري معلَّقاً (٢). ووصله سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس , أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه سفيان الثوري في " جامعه " عن عمر مثله، وجاء مرفوعاً من وجهٍ واهٍ.
واللبَّة - بفتح اللام وتشديد الموحدة - هي موضع القلادة من الصدر , وهي المنحر.
وكأنَّ البخاريَّ لَمَحَ بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي المعشر الدارمي عن أبيه. قال: قلت يا رسول الله. ما تكون الذكاة إلَّا في الحلق واللّبة؟ قال: لو طعنت في فخذها لأجزأك.
لكن من قوَّاه حمله على الوحش والمتوحّش.
стр. 3681
باب الأضاحي
الأضاحيّ، جمع أضحيّة. بضمّ الهمزة ويجوز كسرها ويجوز حذف الهمزة فتفتح الضّاد.
والجمع ضحايا، وهي أضحاة، والجمع أضحىً , وبه سُمِّي يوم الأضحى، وهو يذكّر ويؤنّث.
وكأنّ تسميتها اشتقّت من اسم الوقت الذي تشرع فيه.
وكأنّ البخاري ترجم بالسّنّة (١) إشارة إلى مخالفة مَن قال بوجوبها.
قال ابن حزم: لا يصحّ عن أحدٍ من الصّحابة أنّها واجبة، وصحّ أنّها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدّين، وهي عند الشّافعيّة والجمهور سنّة مؤكّدة على الكفاية، وفي وجه للشّافعيّة: من فروض الكفاية.
وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر.
وعن مالك: مثله في رواية , لكن لَم يقيّد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعيّ والليث مثله.
وخالف أبو يوسف من الحنفيّة وأشهب من المالكيّة. فوافقا الجمهور.
وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه واجبة.
وعن محمّد بن الحسن: هي سنّة غير مرخّص في تركها.
стр. 3682
قال الطّحاويّ: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدلّ على وجوبها. انتهى.
وأقرب ما يتمسّك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه: من وجد سَعَةً فلم يضحّ فلا يقربنّ مصلانا.
أخرجه ابن ماجه وأحمد. ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصّواب. قاله الطّحاويّ وغيره، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب.
وأخرج حمّاد بن سلمة في " مصنّفه " بسندٍ جيّد إلى ابن عمر قال: هي سنّة ومعروف.
وللتّرمذيّ محسّناً من طريق جبلة بن سحيم , أنّ رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحيّة: أهي واجبة؟ فقال: ضحّى رسول الله ﷺ والمسلمون بعده.
قال التّرمذيّ: العمل على هذا عند أهل العلم أنّ الأضحيّة ليست بواجبةٍ.
وكأنّه فهم من كون ابن عمر لَم يقل في الجواب نعم. أنّه لا يقول بالوجوب، فإنّ الفعل المجرّد لا يدلّ على ذلك، وكأنّه أشار بقوله " والمسلمون " إلى أنّها ليست من الخصائص، وكان ابن عمر ﵁ حريصاً على اتّباع أفعال النّبيّ ﷺ , فلذلك لَم يصرّح بعدم الوجوب.
وقد احتجّ مَن قال بالوجوب: بما ورد في حديث مخنف بن سليمٍ
стр. 3683
رفعه: على أهل كلّ بيت أضحيّة (١). أخرجه أحمد والأربعة بسندٍ قويّ.
ولا حجّة فيه , لأنّ الصّيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة، وليست بواجبةٍ عند مَن قال بوجوب الأضحيّة.
واستدل مَن قال بعدم الوجوب: بحديث ابن عبّاس: كُتب عليّ النّحر ولَم يكتب عليكم.
وهو حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه أحمد وأبو يعلى والطّبرانيّ والدّارقطنيّ. وصحَّحه الحاكم فَذَهل.
وقد استوعبت طرقه ورجاله في " الخصائص " من تخريج أحاديث الرّافعيّ (٢).
стр. 3684
الحديث السادس عشر
٣٩٤ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: ضحَّى النّبيّ ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبَحهما بيده , وسَمّى وكبّر , ووضع رجله على صفاحهما. (١)
قال المصنِّف: الأَملح: الأَغبر. وهو الذي فيه سواد وبياض.
قوله: (ضحّى النبي ﷺ ) كذا في رواية شعبة عن قتادة عن أنس. بصيغة الفعل الماضي , وكذا في رواية أبي عوانة عند البخاري عن قتادة.
وفي رواية همّام عن قتادة عند البخاري " كان يضحّي " , وهو أظهر في المداومة على ذلك.
قوله: (بكبشين) الكبش فحل الضّأن في أيّ سنّ كان.
واختلف في ابتدائه , فقيل: إذا أثنى , وقيل: إذا أربع.
وللبخاري عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: كان النّبيّ ﷺ يضحّي بكبشين , وأنا أضحّي بكبشين. هكذا في هذه الطّريق، وقائل ذلك هو أنس بيّنه النّسائيّ في روايته.
وهذه الرّواية مختصرة , ورواية أبي قلابة عن أنس عند البخاري ,
стр. 3685
أنّ رسول الله ﷺ انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين، فذبحهما بيده. مُبيّنةٌ. لكن في هذه زيادة قول أنس أنّه كان يضحّي بكبشين للاتّباع.
وفيها أيضاً إشعار بالمداومة على ذلك، فتمسّك به مَن قال الضّأن في الأضحيّة أفضل.
قوله: (أملحين) الأملح بالمهملة , هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر.
ويقال: هو الأغبر. وهو قول الأصمعيّ , وزاد الخطّابيّ: هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود.
ويقال: الأبيض الخالص. قاله ابن الأعرابيّ. وبه تمسّك الشّافعيّة في تفضيل الأبيض في الأضحيّة.
وقيل: الذي يعلوه حمرة.
وقيل: الذي ينظر في سواد , ويمشي في سواد , ويأكل في سواد , ويبرك في سواد، أي: أنّ مواضع هذه منه سود , وما عدا ذلك أبيض.
وحكى ذلك الماورديّ عن عائشة. وهو غريب.
ولعلَّه أراد الحديث الذي جاء عنها كذا , لكن ليس فيه وصفه بالأملح، فأخرجه مسلم من حديث عروة عن عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ أمر بكبشٍ أقرن , يطأ في سوادٍ , وينظر في سوادٍ , ويبرك في سوادٍ , فأضجعه , ثمّ ذبحه , ثمّ قال: بسم الله. اللهمّ تقبّل من محمّدٍ وآل محمّدٍ ومن أمّة محمّدٍ , ثمّ ضحّى.
стр. 3686
فإن ثبت فلعلّه كان في مرّة أخرى.
واختلف في اختيار هذه الصّفة.
فقيل: لحسن منظره، وقيل: لشحمه وكثرة لحمه.
واستدلّ به على اختيار العدد في الأضحيّة.
ومن ثَمّ قال الشّافعيّة: إنّ الأضحيّة بسبع شياه أفضل من البعير , لأنّ الدّم المراق فيها أكثر , والثّواب يزيد بحسبه، وأنّ من أراد أن يضحّي بأكثر من واحد يعجّله.
وحكى الرّويانيّ من الشّافعيّة استحباب التّفريق على أيّام النّحر.
قال النّوويّ: هذا أرفق بالمساكين , لكنّه خلاف السّنّة.
كذا قال , والحديث دالٌّ على اختيار التّثنية، ولا يلزم منه أنّ من أراد أن يضحّي بعددٍ فضحّى أوّل يوم باثنين , ثمّ فرّق البقيّة على أيّام النّحر أن يكون مخالفاً للسّنّة.
وفيه أنّ الذَّكَر في الأضحيّة أفضل من الأنثى , وهو قول أحمد.
وعنه رواية , أنّ الأنثى أولى.
وحكى الرّافعيّ فيه قولين عن الشّافعيّ.
أحدهما: عن نصّه في البويطيّ الذّكر , لأنّ لحمه أطيب. وهذا هو الأصحّ.
والثّاني: أنّ الأنثى أولى.
قال الرّافعيّ: وإنّما يذكر ذلك في جزاء الصّيد عند التّقويم، والأنثى أكثر قيمة فلا تفدى بالذّكر، أو أراد الأنثى التي لَم تلد.
стр. 3687
وقال ابن العربيّ: الأصحّ أفضليّة الذّكور على الإناث في الضّحايا , وقيل: هما سواء.
وفيه استحباب التّضحية بالأقرن , وأنّه أفضل من الأجمّ , مع الاتّفاق على جواز التّضحية بالأجمّ , وهو الذي لا قرن له، واختلفوا في مكسور القرن.
وفيه استحباب مباشرة المضحّي الذّبح بنفسه.
واستدل على مشروعيّة استحسان الأضحيّة صفة ولوناً.
قال الماورديّ: إن اجتمع حسن المنظر مع طيب المخبر في اللحم فهو أفضل، وإن انفردا فطيب المخبر أولى من حسن المنظر.
وقال أكثر الشّافعيّة: أفضلها البيضاء ثمّ الصّفراء ثمّ الغبراء ثمّ البلقاء ثمّ السّوداء.
قوله: (أقرنين) أي: لكلٍّ منهما قرنان معتدلان.
قوله: (ذبحهما بيده) اتّفقوا على جواز التّوكيل فيها للقادر، لكن عند المالكيّة رواية بعدم الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم: يكره لكن يستحبّ أن يشهدها، ويكره أن يستنيب حائضاً أو صبيّاً أو كتابيّاً، وأوّلهم أولى ثمّ ما يليه.
قوله: (وسَمّى وكبّر) في رواية شعبة عن قتادة " يُسمي ويكبر " , وهي أظهر في وقوع ذلك عند الذّبح.
وفي الحديث غير ما تقدّم مشروعيّة التّسمية عند الذّبح، وتقدَّم بيان من اشترطها في صفة الذّبح.
стр. 3688
وفيه استحباب التّكبير مع التّسمية. (١)
قوله: (ووضع رجله على صِفَاحِهما) أي: على صفاح كلّ منهما عند ذبحه، والصّفاح - بكسر الصّاد المهملة وتخفيف الفاء وآخره حاء مهملة - الجوانب، والمراد الجانب الواحد من وجه الأضحيّة.
وإنّما ثنّى إشارة إلى أنّه فعل في كلّ منهما، فهو من إضافة الجمع إلى المثنّى بإرادة التّوزيع.
وفيه استحباب وضع الرّجل على صفحة عنق الأضحيّة الأيمن، واتّفقوا على أنّ إضجاعها يكون على الجانب الأيسر , فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذّابح في أخذ السّكّين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار.
تكميل: قال البخاري في " صحيحه ": ويُذكر سمينين.
أي: في صفة الكبشين، وهي في بعض طرق حديث أنس من رواية شعبة عن قتادة. أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " من طريق الحجّاج بن محمّد عن شعبة.
وقد ساقه البخاري في الباب من طريق شعبة عنه. وليس فيه " سمينين " وهو المحفوظ عن شعبة.
وله طريق أخرى , أخرجها عبد الرّزّاق في " مصنّفه " عن الثّوريّ
стр. 3689
عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة , أو عن أبي هريرة , أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أراد أن يضحّي , اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين , فذبح أحدهما عن محمّد وآل محمّد , والآخر عن أمّته , من شهد لله بالتّوحيد وله بالبلاغ.
وقد أخرجه ابن ماجه من طريق عبد الرّزّاق , لكن وقع في النّسخة " ثمينين " بمثلثةٍ أوّله بدل السّين. والأوّل أولى.
وابن عقيل المذكور في سنده مختلف فيه، وقد اختلف عليه في إسناده: فقال زهير بن محمّد وشريك وعبيد الله بن عمرو كلّهم عنه عن عليّ بن الحسين عن أبي رافع، وخالفهم الثّوريّ كما ترى.
ويحتمل: أن يكون له في هذا الحديث طريقان، وليس في روايته في حديث أبي رافع لفظ " سمينين ". وأخرج أبو داود من وجه آخر عن جابر: ذبح النّبيّ ﷺ كبشين أقرنين أملحين موجوءين.
قال الخطّابيّ: الموجوء - يعني بضمّ الجيم وبالهمز - منزوع الأنثيين، والوجاء الخصاء , وفيه جواز الخصي في الضّحيّة، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو، لكن ليس هذا عيباً , لأنّ الخصاء يفيد اللحم طيباً , وينفي عنه الزّهومة وسوء الرّائحة.
وقال ابن العربيّ: حديث أبي سعيد , يعني الذي أخرجه التّرمذيّ بلفظ " ضحّى بكبشٍ فحل " , أي: كامل الخلقة لَم تقطع أنثياه , يردّ رواية موجوءين.
وتعقّب: باحتمال أن يكون ذلك وقع في وقتين.
стр. 3690
وأخرج أبو نعيم في " المستخرج " من طريق أحمد بن حنبل عن عبّاد بن العوّام أخبرني يحيى بن سعيد - وهو الأنصاريّ - سمعت أبا أُمامة بن سهل بن حنيف يقول: كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحيّة فيسمّنها ويذبحها في آخر ذي الحجّة.
قال أحمد: هذا الحديث عجيبٌ.
قال ابن التّين: كان بعض المالكيّة يكره تسمين الأضحيّة لئلا يتشبّه باليهود، وقول أبي أُمامة أحقّ، قاله الدّاوديّ.
стр. 3691
كتاب الأشربة
الحديث الأول
٣٩٥ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ عمر قال على منبر رسول الله ﷺ : أمّا بعد , أيّها النّاس , إنّه نزل تحريمُ الْخمرِ وهي من خمسةٍ: من العنب والتّمر والعسل والحنطة والشّعير , والخمر ما خامر العقل.
ثلاثٌ: ودِدْتُ أنّ رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيها عهداً ننتهي إليه. الجد , والكلالة , وأبواب من أبواب الربا. (١)
قوله: (نزل تحريم الخمر) الذي يظهر أنّ تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، لِمَا روى أحمد من طريق عبد الرّحمن بن وعلة قال: سألت ابن عبّاس عن بيع الخمر , فقال: كان لرسول الله ﷺ صديقٌ من ثقيف أو دوس , فلقيه يوم الفتح براويةِ خمرٍ يهديها إليه، فقال: يا فلان. أما علمتَ أنّ الله حرّمها؟ فأقبل الرّجل على غلامه , فقال: بعها. فقال: إنّ الذي حرّم شربها حرّم بيعها.
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي وعلة نحوه، ولكن ليس فيه تعيين الوقت.
وروى أحمد من طريق نافع بن كيسان الثّقفيّ عن أبيه , أنّه كان
стр. 3692
يتّجر في الخمر، وأنّه أقبل من الشّام فقال: يا رسولَ الله: إنّي جئتك بشرابٍ جيّد، فقال: يا كيسان إنّها حُرّمت بعدك، قال: فأبيعها؟ قال: إنّها حرّمت وحرّم ثمنها.
وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الدّاريّ , أنّه كان يهدي لرسول الله ﷺ كلّ عام راوية خمر، فلمّا كان عام حرّمت جاء براويةٍ فقال: أشعرت أنّها قد حرّمت بعدك؟ قال: أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فنهاه.
ويستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عبّاس، ومن حديث تميم تأييد الوقت المذكور , فإنّ إسلام تميم كان بعد الفتح.
تكميل: روى النّسائيّ والبيهقيّ من طريق ابن عبّاس قال: نزل تحريم الخمر في ناسٍ شربوا، فلمّا ثملوا عبثوا، فلمّا صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر فنزلت، فقال ناسٌ من المكلَّفين: هي رجس , وهي في بطن فلان , وقد قتل بأحدٍ، فنزلت ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناحٌ﴾ إلى آخرها
وروى البزّار من حديث جابر , أنّ الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود.
وروى أصحاب السّنن من طريق أبي ميسرة عن عمر , أنّه قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت الآية التي في البقرة ﴿قل فيهما إثمٌ كبيرٌ﴾ فقُرِئت عليه، فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً
стр. 3693
، فنزلت التي في النّساء ﴿لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى﴾ فقُرِئت عليه، فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة ﴿فاجتنبوه - إلى قوله - منتهون﴾ فقال عمر: انتهينا انتهينا. وصحَّحه عليّ بن المدينيّ والتّرمذيّ.
وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة نحوه دون قصّة عمر، لكن قال عند نزول آية البقرة " فقال النّاس: ما حرم علينا، فكانوا يشربون، حتّى أمّ رجلٌ أصحابَه في المغرب فخلط في قراءته , فنزلت الآية التي في النّساء، فكانوا يشربون ولا يقرب الرّجل الصّلاة حتّى يفيق، ثمّ نزلت آية المائدة , فقالوا: يا رسولَ الله ناس قتلوا في سبيل الله , وماتوا على فرشهم , وكانوا يشربونها، فأنزل الله تعالى ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناحٌ﴾ الآية. فقال النّبيّ ﷺ : لو حرّم عليهم لتركوه كما تركتموه.
وفي مسند الطّيالسيّ من حديث ابن عمر نحوه، وقال في الآية الأولى: قيل حرّمت الخمر، فقالوا: دعنا يا رسولَ الله ننتفع بها، وفي الثّانية , فقيل حرّمت الخمر، فقالوا: لا إنّا لا نشربها قرب الصّلاة، وقال في الثّالثة , فقالوا: يا رسولَ الله حرّمت الخمر.
قوله: (أنّ عمر قال على منبر رسول الله ﷺ ) ولهما من رواية أبي حيان التيمي عن الشعبي عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول الله ﷺ . زاد مسلم " فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد. أَلا وإن الخمر .. "
стр. 3694
قوله: (أمّا بعد , أيّها النّاس) وللبخاري عن مسدد عن يحيى عن أبي حيان " أمّا بعد نزل تحريم الخمر .. ".
قال ابن مالك: فيه جواز حذف الفاء في جواب " أمّا بعد ".
قلت: لا حجّة فيه، لأنّ هذه رواية مسدّد هنا، وللبخاري عن أحمد بن أبي رجاء عن يحيى القطّان بلفظ " خطب عمر على المنبر فقال: إنّه قد نزل تحريم الخمر " ليس فيه: أمّا بعد.
وأخرجه الإسماعيليّ هنا من طريق محمّد بن أبي بكر المقدّميّ عن يحيى بن سعيد القطّان - شيخ مسدّد - وفيه بلفظ " أمّا بعد , فإنّ الخمر ".
فظهر أنّ حذف الفاء وإثباتها من تصرّف الرّواة.
قوله: (نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة) الجملة حاليّة , أي: نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خمسة.
ويجوز: أن تكون استئنافيّة أو معطوفة على ما قبلها، والمراد أنّ الخمر تصنع من هذه الأشياء لا أنّ ذلك يختصّ بوقت نزولها.
والأوّل أظهر , لأنّه وقع في رواية مسلم بلفظ " أَلَا وإنّ الخمر نزل تحريمها يوم نزل , وهي من خمسة أشياء ".
نعم. وقع في البخاري من وجه آخر " وإنّ الخمر تصنع من خمسة ".
قوله: (من العنب إلخ) هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة , لأنّ له عندهم حكم الرّفع , لأنّه خبر صحابيّ شهد التّنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر
стр. 3695
على المنبر بحضرة كبار الصّحابة وغيرهم , فلم يُنقل عن أحدٍ منهم إنكاره.
وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة ﴿يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر﴾ إلى آخرها. فأراد عمر التّنبيه على أنّ المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصّاً بالمتّخذ من العنب , بل يتناول المتّخذ من غيرها.
ويوافقه حديث أنس (١) فإنّه يدلّ على أنّ الصّحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كلّ مسكر. سواء كان من العنب أم من غيرها.
وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النّبيّ ﷺ صريحاً.
فأخرج أصحاب السّنن الأربعة. وصحَّحه ابن حبّان من وجهين عن الشّعبيّ , أنّ النّعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 3696
إنّ الخمر من العصير والزّبيب والتّمر والحنطة والشّعير والذّرة، وإنّي أنهاكم عن كلّ مسكر. لفظ أبي داود، وكذا ابن حبّان، وزاد فيه: أنّ النّعمان خطب النّاس بالكوفة.
ولأبي داود من وجه آخر عن الشّعبيّ عن النّعمان بلفظ: إنّ من العنب خمراً، وإنّ من التّمر خمراً، وإنّ من العسل خمراً، وإنّ من البرّ خمراً، وإنّ من الشّعير خمراً، ومن هذا الوجه. أخرجها أصحاب السّنن، والتي قبلها فيها الزّبيب دون العسل.
ولأحمد من حديث أنس بسندٍ صحيح عنه قال: الخمر من العنب والتّمر والعسل والحنطة والشّعير , وأخرجه أبو يعلى من هذا الوجه بلفظ: حرّمت الخمر يوم حرّمت وهي. فذكرها , وزاد. الذّرة.
وأخرج الْخِلَعيّ (١) في " فوائده " من طريق خلاد بن السّائب عن أبيه رفعه , مثل الرّواية الثّانية، ولكن ذكر الزّبيب بدل الشّعير، وسنده لا بأس به.
ويوافق ذلك ما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر: نزل تحريم الخمر , وإنّ بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب.
قوله " الذّرة " بضمّ المعجمة وتخفيف الرّاء من الحبوب معروفة.
قوله: (والخمر ما خامر العقل) أي: غطّاه أو خالطه , فلم يتركه
стр. 3697
على حاله وهو من مجاز التّشبيه.
والعقل هو آلة التّمييز , فلذلك حرّم ما غطّاه أو غيَّره، لأنّ بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه.
قال الكرمانيّ: هذا تعريف بحسب اللّغة، وأمّا بحسب العرف , فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصّة.
كذا قال , وفيه نظرٌ , لأنّ عمر ليس في مقام تعريف اللّغة , بل هو في مقام تعريف الحكم الشّرعيّ، فكأنّه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشّرع هو ما خامر العقل. على أنّ عند أهل اللّغة اختلافاً في ذلك، ولو سلم أنّ الخمر في اللّغة يختصّ بالمتّخذ من العنب فالاعتبار بالحقيقة الشّرعيّة.
وقد تواردت الأحاديث على أنّ المسكر من المتّخذ من غير العنب يسمّى خمراً، والحقيقة الشّرعيّة مقدّمة على اللّغويّة.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ , يقول: الخمر من هاتين الشّجرتين النّخلة والعنبة.
قال البيهقيّ. ليس المراد الحصر فيهما , لأنّه ثبت أنّ الخمر تتّخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنّما فيه الإشارة إلى أنّ الخمر شرعاً لا تختصّ بالمتّخذ من العنب.
قلت: وجعل الطّحاويُّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة في أنّ الخمر من شيئين مع حديث عمر. ومن وافقه أنّ الخمر تتّخذ من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: لقد حرّمت الخمر
стр. 3698
وما بالمدينة منها شيء (١).
وحديث أنس. واختلاف ألفاظه منها: إنّ الخمر حرّمت وشرابهم الفضيخ. وفي لفظ له: إنّا نعدّها يومئذٍ خمراً , وفي لفظ له: إنّ الخمر يوم حرّمت البسر والتّمر. (٢)
قال: فلمّا اختلف الصّحابة في ذلك , ووجدنا اتّفاق الأمّة على أنّ عصير العنب إذا اشتدّ وغلى وقذف بالزّبد فهو خمر , وأنّ مستحلّه كافر , دلَّ على أنّهم لَم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذ لو عملوا به لكفّروا مستحلّ نبيذ التّمر، فثبت أنّه لَم يدخل في الخمر غير المتّخذ من عصير العنب. انتهى
ولا يلزم من كونهم لَم يُكفّروا مُستحلّ نبيذ التّمر أن يمنعوا تسميته خمراً , فقد يشترك الشّيئان في التّسمية ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنّه هو يوافق على أنّ حكم المسكر من نبيذ التّمر حكم قليل العنب في التّحريم، فلم تبق المشاححة إلَّا في التّسمية.
والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره.
بحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يتّخذ الخمر من العنب والتّمر.
ويُحمل حديث عمر ومن وافقه على إرادة استيعاب ذكر ما عهد
стр. 3699
حينئذٍ أنّه يتّخذ منه الخمر.
وأمّا قول ابن عمر. فعلى إرادة تثبيت أنّ الخمر يطلق على ما لا يتّخذ من العنب، لأنّ نزول تحريم الخمر لَم يصادف عند من خوطب بالتّحريم حينئذٍ إلَّا ما يتّخذ من غير العنب , أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة. وإن كانت موجودة فيها بقلةٍ، فإنّ تلك القلة بالنّسبة لكثرة المتّخذ ممّا عداها كالعدم. فأطلق النفي كما يقال فلان ليس بشيء مبالغة.
ويؤيده. قول أنس عند البخاري: حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد - يعني بالمدينة - خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامَّة خمرنا البسر والتمر.
ويحتمل: أن يكون مراد بن عمر وما بالمدينة منها شيء. أي يُعصر.
قال الرّاغب في " مفردات القرآن ": سُمِّي الخمر لكونه خامراً للعقل , أي: ساتراً له، وهو عند بعض النّاس اسم لكل مسكر , وعند بعضهم للمتّخذ من العنب خاصّة، وعند بعضهم للمتّخذ من العنب والتّمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ.
فرجّح أنّ كلّ شيء يستر العقل يسمّى خمراً حقيقة.
وكذا قال أبو نصر بن القشيريّ في " تفسيره ": سُمّيت الخمر خمراً لسترها العقل أو لاختمارها. وكذا قال غير واحد من أهل اللّغة. منهم أبو حنيفة الدّينوريّ وأبو نصر الجوهريّ.
ونقل عن ابن الأعرابيّ قال: سُمّيت الخمر لأنّها تركت حتّى
стр. 3700
اختمرت، واختمارها تغيّر رائحتها.
وقيل: سُمّيت بذلك لمخامرتها العقل.
نعم. جزم ابن سيده في " المحكم " بأنّ الخمر حقيقة إنّما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمّى خمراً مجازاً.
وقال صاحب " الفائق " في حديث " إيّاكم والغبيراء فإنّها خمر العالم " (١): هي نبيذ الحبشة متّخذة من الذّرة سُمِّيت الغبيراء لِمَا فيها من الغبرة. وقوله: " خمر العالم ". أي: هي مثل خمر العالم , لا فرق بينها وبينها.
قلت: وليس تأويله هذا بأولى من تأويل مَن قال: أراد أنّها معظم خمر العالم.
وقال صاحب " الهداية " من الحنفيّة: الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتدّ، وهو المعروف عند أهل اللّغة وأهل العلم.
قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر لقوله ﷺ : كلّ مسكر خمر. (٢) , وقوله: الخمر من هاتين الشّجرتين. ولأنّه من مخامرة العقل وذلك موجود في كلّ مسكر.
стр. 3701
قال: ولنا إطباق أهل اللّغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأنّ تحريم الخمر قطعيّ وتحريم ما عدا المتّخذ من العنب ظنّيّ.
قال: وإنّما سُمِّي الخمر خمراً لتخمّره. لا لمخامرة العقل.
قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصّاً فيه، كما في النّجم فإنّه مشتقّ من الظّهور ثمّ هو خاصّ بالثّريّا. انتهى.
والجواب عن الحجّة الأولى: ثبوت النّقل عن بعض أهل اللّغة: بأنّ غير المتّخذ من العنب يسمّى خمراً.
وقال الخطّابيّ: زعم قوم أنّ العرب لا تعرف الخمر إلَّا من العنب، فيقال لهم: إنّ الصّحابة الذين سمّوا غير المتّخذ من العنب خمراً، عرب فصحاء، فلو لَم يكن هذا الاسم صحيحاً لَما أطلقوه.
وقال ابن عبد البرّ: قال الكوفيّون: إنّ الخمر من العنب لقوله تعالى: ﴿أعصر خمراً﴾ قال: فدلَّ على أنّ الخمر هو ما يعتصر لا ما ينتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر.
وقال أهل المدينة وسائر الحجازيّين وأهل الحديث كلّهم: كلّ مسكر خمر , وحكمه حكم ما اتّخذ من العنب.
ومن الحجّة لهم: أنّ القرآن لَمَّا نزل بتحريم الخمر , فهم الصّحابة وهم أهل اللسان , أنّ كلّ شيء يسمّى خمراً يدخل في النّهي , فأراقوا المتّخذ من التّمر والرّطب , ولَم يخصّوا ذلك بالمتّخذ من العنب.
وعلى تقدير التّسليم فإذا ثبت تسمية كلّ مسكر خمراً من الشّرع كان
стр. 3702
حقيقة شرعيّة , وهي مقدّمة على الحقيقة اللّغويّة.
والجواب عن الثّانية: أنّ اختلاف مشتركَين في الحكم في الغِلَظ لا يلزم منه افتراقهما في التّسمية، كالزّنا مثلاً , فإنّه يصدق على من وطئ أجنبيّة وعلى من وطئ امرأة جاره، والثّاني أغلظ من الأوّل، وعلى من وطئ محرماً له وهو أغلظ، واسم الزّنا مع ذلك شامل للثّلاثة.
وأيضاً فالأحكام الفرعيّة لا يشترط فيها الأدلة القطعيّة، فلا يلزم من القطع بتحريم المتّخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتّخذ من غيره، أن لا يكون حراماً بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريقٍ ظنّيّ تحريمه، وكذا تسميته خمراً. والله أعلم.
الجواب عن الثّالثة: ثبوت النّقل عن أعلم النّاس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف يستجيز أن يقول لا لمخامرة العقل مع قول عمر بمحضر الصّحابة " الخمر ما خامر العقل "؟ كأنّ مستنده ما ادّعاه من اتّفاق أهل اللّغة. فيحمل قول عمر على المجاز.
لكن اختلف قول أهل اللّغة في سبب تسمية الخمر خمراً.
فقال أبو بكر بن الأنباريّ: سُمِّيت الخمر خمراً , لأنّها تخامر العقل. أي: تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الدّاء أي خالطه.
وقيل: لأنّها تخمّر العقل. أي: تستره.
ومنه حديث جابر في الصحيحين " خمّروا آنيتكم " , ومنه خمار المرأة , لأنّه يستر وجهها، وهذا أخصّ من التّفسير الأوّل , لأنّه لا يلزم من المخالطة التّغطية.
стр. 3703
وقيل: سُمِّيت خمراً , لأنّها تُخمَّر حتّى تدرك كما يقال: خمّرت العجين فتخمّر. أي: تركته حتّى أدرك، ومنه خمّرت الرّأي , أي: تركته حتّى ظهر وتحرّر.
وقيل: سُمِّيت خمراً لأنّها تغطّى حتّى تغلي.
ومنه حديث المختار بن فلفل , قلت لأنسٍ: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال: ما خمّرت من ذلك فهو الخمر. أخرجه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح.
ولا مانع من صحّة هذه الأقوال كلّها , لثبوتها عن أهل اللّغة وأهل المعرفة باللسان. (١)
قال ابن عبد البرّ: الأوجه كلّها موجودة في الخمرة , لأنّها تركت حتّى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتّى تغلب عليه وتغطّيه.
وقال القرطبيّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره - على صحّتها وكثرتها - تبطل مذهب الكوفيّين القائلين: بأنّ الخمر لا يكون إلَّا من العنب , وما كان من غيره لا يسمّى خمراً ولا يتناوله اسم الخمر.
وهو قول مخالف للغة العرب وللسّنّة الصّحيحة وللصّحابة، لأنّهم لَمَّا نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كلّ مسكر، ولَم يفرّقوا بين ما يتّخذ من العنب وبين ما يتّخذ من غيره، بل سوّوا
стр. 3704
بينهما وحرّموا كلّ ما يسكر نوعه ولَم يتوقّفوا ولا استفصلوا، ولَم يشكل عليهم شيء من ذلك , بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردّد لتوقّفوا عن الإراقة حتّى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحقّقوا التّحريم لِما كان تقرّر عندهم من النّهي عن إضاعة المال، فلمّا لَم يفعلوا ذلك وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنّهم فهموا التّحريم نصّاً، فصار القائل بالتّفريق سالكاً غير سبيلهم، ثمّ انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك، وهو ممّن جعل الله الحقّ على لسانه وقلبه، وسمعه الصّحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحدٍ منهم إنكار ذلك. وإذا ثبت أنّ كلّ ذلك يسمّى خمراً لزم تحريم قليله وكثيره. وقد ثبتت الأحاديث الصّحيحة في ذلك. ثمّ ذكرها.
قال: وأمّا الأحاديث عن الصّحابة التي تمسّك بها المخالف , فلا يصحّ منها شيء على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمول على نقيع الزّبيب أو التّمر من قبل أن يدخل حدّ الإسكار جمعاً بين الأحاديث.
قلت: ويؤيّده ثبوت مثل ذلك عن النّبيّ ﷺ (١)، ولا فرق في الحلّ
стр. 3705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3706
بينه وبين عصير العنب أوّل ما يُعصر، وإنّما الخلاف فيما اشتدّ منهما. هل يفترق الحكم فيه أو لا؟
وقد ذهب بعض الشّافعيّة إلى موافقة الكوفيّين في دعواهم. أنّ اسم الخمر خاصّ بما يتّخذ من العنب , مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم , وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كلّ شراب.
فقال الرّافعيّ: ذهب أكثر الشّافعيّة , إلى أنّ الخمر حقيقة فيما يتّخذ من العنب مجاز في غيره.
وخالفه ابن الرّفعة فنقل عن المزنيّ وابن أبي هريرة وأكثر الأصحاب , أنّ الجميع يُسمّى خمراً حقيقة.
قال: وممّن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان أبو الطّيّب والرّويانيّ، وأشار ابن الرّفعة إلى أنّ النّقل الذي عزاه الرّافعيّ للأكثر لَم يجد نقله عن الأكثر إلَّا في كلام الرّافعيّ.
ولَم يتعقّبه النّوويّ في " الرّوضة "، لكنّ كلامه في " شرح مسلم " يوافقه وفي " تهذيب الأسماء " يخالفه.
وقد نقل ابن المنذر عن الشّافعيّ ما يوافق ما نقلوا عن المزنيّ , فقال: قال إنّ الخمر من العنب ومن غير العنب. عمر وعليّ وسعيد وابن
стр. 3707
عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عبّاس وعائشة، ومن التّابعين سعيد بن المسيّب وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول مالك والأوزاعيّ والثّوريّ وابن المبارك والشّافعيّ وأحمد وإسحاق وعامّة أهل الحديث.
ويمكن الجمع: بأنّ من أطلق على غير المتّخذ من العنب حقيقة يكون أراد الحقيقة الشّرعيّة، ومن نفى أراد الحقيقة اللّغويّة.
وقد أجاب بهذا ابن عبد البرّ , وقال: إنّ الحكم إنّما يتعلق بالاسم الشّرعيّ دون اللّغويّ. والله أعلم.
ويلزم مَن قال بقول أهل الكوفة: إنّ الخمر حقيقة في ماء العنب مجاز في غيره , أن يجوّزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه، لأنّ الصّحابة لَمَّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كلّ ما كان يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازاً، وإذا لَم يجوّزوا ذلك صحّ أنّ الكلّ خمر حقيقة ولا انفكاك عن ذلك.
وعلى تقدير إرخاء العنان والتّسليم أنّ الخمر حقيقة في ماء العنب خاصّة , فإنّما ذلك من حيث الحقيقة اللّغويّة، فأمّا من حيث الحقيقة الشّرعيّة فالكلّ خمر حقيقة لحديث " كلّ مسكر خمر " فكلّ ما اشتدّ كان خمراً، وكلّ خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. وبالله التّوفيق.
قوله: (وثلاث) هي صفة موصوف. أي: أمور أو أحكام.
قوله: (وددتُ) أي: تمنّيت، وإنّما تمنّى ذلك , لأنّه أبعد من
стр. 3708
محذور الاجتهاد وهو الخطأ فيه، فثبت على تقدير وقوعه، ولو كان مأجوراً عليه فإنّه يفوته بذلك الأجر الثّاني، والعمل بالنّصّ إصابة محضة.
قوله: (أنّ رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيها عهداً ننتهي إليه) وللبخاري " لَم يفارقنا حتّى يعهد إلينا عهداً " , وهذا يدلّ على أنّه لَم يكن عنده عن النّبيّ ﷺ نصٌّ فيها، ويشعر بأنّه كان عنده عن النّبيّ ﷺ فيما أخبر به عن الخمر ما لَم يحتج معه إلى شيء غيره حتّى خطب بذلك جازماً به.
قوله: (الجدّ) الجدّ هنا من يكون من قِبَل الأب , وقد انعقد الإجماع على أنّ الجدّ لا يرث مع وجود الأب. (١)
والمراد هنا قدر ما يرث مع الأخوة الأشقّاء ومن الأب , لأنّ الصّحابة اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً.
وعن عمر أنّه قضى فيه بقضايا مختلفة.
فأخرج الدّارميّ بسندٍ صحيحٍ عن الشّعبيّ قال: أوّل جدٍّ ورث في الإسلام عمر , فأخذ ماله فأتاه عليٌّ وزيدٌ يعني ابن ثابتٍ , فقالا: ليس لك ذلك , إنّما أنت كأحد الأخوين ".
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الرّحمن بن غنمٍ مثله , دون قوله " فأتاه .. إلخ , لكن قال: فأراد عمر أن يحتاز المال , فقلت له: يا أمير المؤمنين إنّهم شجرةٌ دونك يعني بني أبيه.
стр. 3709
وأخرج الدّارقطنيّ بسندٍ قويٍّ عن زيد بن ثابتٍ , أنّ عمر أتاه فذكر قصّةً فيها أنّ مثل الجدّ كمثل شجرةٍ نبتت على ساقٍ واحدٍ , فخرج منها غصنٌ ثمّ خرج من الغصن غصنٌ , فإن قطعت الغصن رجع الماء إلى السّاق , وإن قطعت الثّاني رجع الماء إلى الأوّل , فخطب عمر النّاس , فقال: إنّ زيداً قال في الجدّ قولاً وقد أمضيته.
وأخرج الدّارميّ من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ قال: قال عمر: خذ من الجدّ ما اجتمع عليه النّاس. وهذا منقطعٌ.
وأخرج الدّارميّ من طريق عيسى الخيّاط عن الشّعبيّ قال: كان عمر يقاسم الجدّ مع الأخ والأخوين , فإذا زادوا أعطاه الثّلث , وكان يعطيه مع الولد السّدس ".
وأخرج البيهقيّ بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن المسيّب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقبيصة بن ذؤيبٍ , أنّ عمر قضى أنّ الجدّ يقاسم الإخوة للأب والأمّ والإخوة للأب ما كانت المقاسمة خيراً له من الثّلث , فإن كثر الإخوة أعطي الجدّ الثّلث.
وأخرج يزيد بن هارون في " كتاب الفرائض " عن هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين عن عبيدة بن عمرٍو , قال: إنّي لأحفظ عن عمر في الجدّ مائة قضيّةٍ كلّها ينقض بعضها بعضاً.
وروّينا في الجزء الحادي عشر من " فوائد أبي جعفرٍ الرّازيّ " بسند صحيح إلى ابن عونٍ عن محمّد بن سيرين. سألت عَبيدة عن الجدّ؟
فقال: قد حفظت عن عمر في الجدّ مائة قضيّةٍ مختلفةٍ.
стр. 3710
وقد استبعد بعضهم هذا عن عمر , وتأوّل البزّار صاحب المسند قوله " قضايا مختلفةٍ " على اختلاف حال من يرث مع الجدّ , كأن يكون أخٌ واحدٌ أو أكثر أو أختٌ واحدةٌ أو أكثر.
ويدفع هذا التّأويل , ما تقدّم من قول عبيدة بن عمرٍو: ينقض بعضها بعضاً. وروّينا في " كتاب الفرائض " لسفيان الثّوريّ من طريق النّخعيّ قال: كان عمر وعبد الله يكرهان أن يفضّلا أمّاً على جدٍّ.
وأخرج سعيد بن منصورٍ وأبو بكر بن أبي شيبة بسندٍ واحدٍ صحيحٍ إلى عبيد بن نضلة قال: كان عمر وابن مسعودٍ يقاسمان الجدّ مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون السّدس خيراً له من مقاسمة الإخوة.
وأخرجه محمّد بن نصرٍ مثله سواءً , وزاد " ثمّ إنّ عمر كتب إلى عبد الله: ما أرانا إلَّا قد أجحفنا بالجدّ , فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون الثّلث خيراً له من مقاسمتهم , فأخذ بذلك عبد الله ".
وأخرج محمّد بن نصرٍ بسندٍ صحيحٍ إلى عبيدة بن عمرٍو قال: كان يعطى الجدّ مع الإخوة الثّلث , وكان عمر يعطيه السّدس , ثمّ كتب عمر إلى عبد الله: إنّا نخاف أن نكون قد أجحفنا بالجدّ فأعطه الثّلث , ثمّ قدم عليٌّ ها هنا يعني الكوفة فأعطاه السّدس , قال عَبيدة: فرأيهما في الجماعة أحبّ إليّ من رأي أحدهما في الفرقة ".
ومن طريق عبيد بن نضيلة , أنّ عليّاً كان يعطي الجدّ الثّلث , ثمّ تحوّل إلى السّدس , وأنّ عبد الله كان يعطيه السّدس , ثمّ تحوّل إلى
стр. 3711
الثّلث.
قوله: (والكلالة) الكلالة بفتح الكاف وتخفيف اللام , وهو من لَم يرثه أبٌ ولا ابنٌ , وهو قول أبي بكر الصّديق. أخرجه ابن أبي شيبة عنه. وجمهورِ العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم.
وروى عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل قال: ما رأيتهم إلَّا تواطئوا على ذلك.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ , وعمرو بن شرحبيل - هو أبو ميسرة وهو من كبار التّابعين - مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه.
قال البخاري: وهو مصدرٌ من تكلّله النّسب , أي: تعطّف النّسب عليه , وزاد غيره: كأنّه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد , وليس له منهما أحدٌ , وهو قول البصريّين , قالوا: هو مأخوذٌ من الإكليل , كأنّ الورثة أحاطوا به , وليس له أب ولا ابن.
وقيل: هو من كلَّ يكلّ يقال: كلت الرّحم إذا تباعدت وطال انتسابها.
وقيل: الكلالة مَن سوى الولد , وزاد الدّاوديّ: وولد الولد.
وقيل: مَن سوى الوالد , وقيل: هم الإخوة , وقيل: من الأمّ.
وقال الأزهريّ: سُمِّي الميّت الذي لا والد له ولا ولد كلالةً , وسُمّي الوارث كلالةً , وسُمّي الإرث كلالةً.
وعن عطاءٍ الكلالة: هي المال , وقيل: الفريضة , وقيل: الورثة والمال , وقيل: بنو العمّ ونحوهم , وقيل: العصبات وإن بعدوا ,
стр. 3712
وقيل: غير ذلك.
ولكثرة الاختلاف فيها صحّ عن عمر , أنّه قال: لَم أقل في الكلالة شيئاً.
قوله: (وأبواب من أبواب الرّبا) لعلّه يشير إلى ربا الفضل , لأنّ ربا النّسيئة متّفق عليه بين الصّحابة، وسياق عمر يدلّ على أنّه كان عنده نصٌّ في بعض من أبواب الرّبا دون بعض، فلهذا تمنّى معرفة البقيّة.
زاد البخاري قال أبو حيّان التّيميّ: يا أبا عمرو - هي كنية الشّعبيّ - فشيء يصنع بالسند من الأرز؟ قال: ذاك لَم يكن على عهد النبي ﷺ , أو قال: على عهد عمر. أي: اتّخاذ الخمر من الأرز لَم يكن على العهد النّبويّ. وفي رواية الإسماعيليّ: لَم يكن هذا على عهد النّبيّ ﷺ ، ولو كان لنهى عنه، ألا ترى أنّه قد عمّ الأشربة كلّها فقال: الخمر ما خامر العقل.
قال الإسماعيليّ: هذا الكلام الأخير فيه دلالة على أنّ قوله " الخمر ما خامر العقل " من كلام النّبيّ ﷺ .
وقال الخطّابيّ: إنّما عدّ عمر الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولَم تكن كلّها توجد بالمدينة الوجود العامّ، فإنّ الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل بل كان أعزّ، فعدّ عمر ما عرف فيها، وجعل ما في معناها ممّا يتّخذ من الأرز وغيره خمراً إن كان ممّا يخامر العقل، وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق
стр. 3713
الاشتقاق. كذا قال.
وردّ بذلك ابن العربيّ في جواب من زعم , أنّ قوله ﷺ : كلّ مسكر خمر. معناه مثل الخمر، لأنّ حذف مثل ذلك مسموع شائع.
قال: بل الأصل عدم التّقدير، ولا يصار إلى التّقدير إلَّا إلى الحاجة.
فإن قيل: احتجنا إليه , لأنّ النّبيّ ﷺ لَم يبعث لبيان الأسماء , قلنا: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها. ولا سيّما ليقطع تعلّق القصد بها.
قال: وأيضاً لو لَم يكن الفضيخ خمراً , ونادى المنادي حرّمت الخمر لَم يبادروا إلى إراقتها ولَم يفهموا أنّها داخلة في مسمّى الخمر، وهم الفصّح اللّسن.
فإن قيل: هذا إثبات اسم بقياسٍ، قلنا: إنّما هو إثبات اللّغة عن أهلها، فإنّ الصّحابة عرب فصحاء فهموا من الشّرع ما فهموه من اللّغة ومن اللّغة ما فهموه من الشّرع.
وذكر ابن حزم , أنّ بعض الكوفيّين احتجّ بما أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن عمر بسندٍ جيّد قال: أمّا الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأمّا ما عداها من الأشربة فكلّ مسكر حرام.
قال: وجوابه , أنّه ثبت عن ابن عمر أنّه قال: كلّ مسكر خمر. فلا يلزم من تسمية المتّخذ من العنب خمراً انحصار اسم الخمر فيه.
وكذا احتجّوا بحديث ابن عمر أيضاً: حرّمت الخمر وما بالمدينة منها شيء. مراده المتّخذ من العنب، ولَم يرد أنّ غيرها لا يسمّى خمراً.
стр. 3714
بدليل حديثه الآخر في البخاري: نزل تحريم الخمر وإنَّ بالمدينة خمسة أشربة كلّها تدعى الخمر , ما فيها خمر العنب.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. ذِكر الأحكام على المنبر لتشتهر بين السّامعين، وذكر أمّا بعد فيها، والتّنبيه بالنّداء، والتّنبيه على شرف العقل وفضله، وتمنّي الخير، وتمنّي البيان للأحكام، وعدم الاستثناء.
стр. 3715
الحديث الثاني
٣٩٦ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ سئل عن البِتْع؟ فقال: كلّ شرابٍ أسكر فهو حرامٌ. (١)
قال المصنِّف: البتع: نبيذ العسل.
قوله: (سئل عن البِتْع) بكسر الموحدة وسكون المثناة بعدها عين مهملة. زاد شعيب عن الزّهريّ عند البخاري " وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه " , ومثله لأبي داود من طريق الزّبيديّ عن الزّهريّ.
وظاهره أنّ التّفسير من كلام عائشة.
ويحتمل: أن يكون من كلام مَن دونها، ووقع في رواية معمر عن الزّهريّ عند أحمد مثل رواية مالك (٢)، لكن قال في آخره: " والبتع نبيذ العسل ".
وهو أظهر في احتمال الإدراج , لأنّه أكثر ما يقع في آخر الحديث. وقد أخرجه مسلم من طريق معمر , لكن لَم يسق لفظه.
ولَم أقف على اسم السّائل في حديث عائشة صريحاً.
لكنّني أظنّه أبا موسى الأشعريّ، ففي صحيح البخاري من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي موسى , أنّ النّبيّ ﷺ بعثه إلى اليمن