الثّلث.
قوله: (والكلالة) الكلالة بفتح الكاف وتخفيف اللام , وهو من لَم يرثه أبٌ ولا ابنٌ , وهو قول أبي بكر الصّديق. أخرجه ابن أبي شيبة عنه. وجمهورِ العلماء من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم.
وروى عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل قال: ما رأيتهم إلَّا تواطئوا على ذلك.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ , وعمرو بن شرحبيل - هو أبو ميسرة وهو من كبار التّابعين - مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه.
قال البخاري: وهو مصدرٌ من تكلّله النّسب , أي: تعطّف النّسب عليه , وزاد غيره: كأنّه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد , وليس له منهما أحدٌ , وهو قول البصريّين , قالوا: هو مأخوذٌ من الإكليل , كأنّ الورثة أحاطوا به , وليس له أب ولا ابن.
وقيل: هو من كلَّ يكلّ يقال: كلت الرّحم إذا تباعدت وطال انتسابها.
وقيل: الكلالة مَن سوى الولد , وزاد الدّاوديّ: وولد الولد.
وقيل: مَن سوى الوالد , وقيل: هم الإخوة , وقيل: من الأمّ.
وقال الأزهريّ: سُمِّي الميّت الذي لا والد له ولا ولد كلالةً , وسُمّي الوارث كلالةً , وسُمّي الإرث كلالةً.
وعن عطاءٍ الكلالة: هي المال , وقيل: الفريضة , وقيل: الورثة والمال , وقيل: بنو العمّ ونحوهم , وقيل: العصبات وإن بعدوا ,
стр. 3712
وقيل: غير ذلك.
ولكثرة الاختلاف فيها صحّ عن عمر , أنّه قال: لَم أقل في الكلالة شيئاً.
قوله: (وأبواب من أبواب الرّبا) لعلّه يشير إلى ربا الفضل , لأنّ ربا النّسيئة متّفق عليه بين الصّحابة، وسياق عمر يدلّ على أنّه كان عنده نصٌّ في بعض من أبواب الرّبا دون بعض، فلهذا تمنّى معرفة البقيّة.
زاد البخاري قال أبو حيّان التّيميّ: يا أبا عمرو - هي كنية الشّعبيّ - فشيء يصنع بالسند من الأرز؟ قال: ذاك لَم يكن على عهد النبي ﷺ , أو قال: على عهد عمر. أي: اتّخاذ الخمر من الأرز لَم يكن على العهد النّبويّ. وفي رواية الإسماعيليّ: لَم يكن هذا على عهد النّبيّ ﷺ ، ولو كان لنهى عنه، ألا ترى أنّه قد عمّ الأشربة كلّها فقال: الخمر ما خامر العقل.
قال الإسماعيليّ: هذا الكلام الأخير فيه دلالة على أنّ قوله " الخمر ما خامر العقل " من كلام النّبيّ ﷺ .
وقال الخطّابيّ: إنّما عدّ عمر الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولَم تكن كلّها توجد بالمدينة الوجود العامّ، فإنّ الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل بل كان أعزّ، فعدّ عمر ما عرف فيها، وجعل ما في معناها ممّا يتّخذ من الأرز وغيره خمراً إن كان ممّا يخامر العقل، وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق
стр. 3713
الاشتقاق. كذا قال.
وردّ بذلك ابن العربيّ في جواب من زعم , أنّ قوله ﷺ : كلّ مسكر خمر. معناه مثل الخمر، لأنّ حذف مثل ذلك مسموع شائع.
قال: بل الأصل عدم التّقدير، ولا يصار إلى التّقدير إلَّا إلى الحاجة.
فإن قيل: احتجنا إليه , لأنّ النّبيّ ﷺ لَم يبعث لبيان الأسماء , قلنا: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها. ولا سيّما ليقطع تعلّق القصد بها.
قال: وأيضاً لو لَم يكن الفضيخ خمراً , ونادى المنادي حرّمت الخمر لَم يبادروا إلى إراقتها ولَم يفهموا أنّها داخلة في مسمّى الخمر، وهم الفصّح اللّسن.
فإن قيل: هذا إثبات اسم بقياسٍ، قلنا: إنّما هو إثبات اللّغة عن أهلها، فإنّ الصّحابة عرب فصحاء فهموا من الشّرع ما فهموه من اللّغة ومن اللّغة ما فهموه من الشّرع.
وذكر ابن حزم , أنّ بعض الكوفيّين احتجّ بما أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن عمر بسندٍ جيّد قال: أمّا الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأمّا ما عداها من الأشربة فكلّ مسكر حرام.
قال: وجوابه , أنّه ثبت عن ابن عمر أنّه قال: كلّ مسكر خمر. فلا يلزم من تسمية المتّخذ من العنب خمراً انحصار اسم الخمر فيه.
وكذا احتجّوا بحديث ابن عمر أيضاً: حرّمت الخمر وما بالمدينة منها شيء. مراده المتّخذ من العنب، ولَم يرد أنّ غيرها لا يسمّى خمراً.
стр. 3714
بدليل حديثه الآخر في البخاري: نزل تحريم الخمر وإنَّ بالمدينة خمسة أشربة كلّها تدعى الخمر , ما فيها خمر العنب.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. ذِكر الأحكام على المنبر لتشتهر بين السّامعين، وذكر أمّا بعد فيها، والتّنبيه بالنّداء، والتّنبيه على شرف العقل وفضله، وتمنّي الخير، وتمنّي البيان للأحكام، وعدم الاستثناء.
стр. 3715
الحديث الثاني
٣٩٦ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ سئل عن البِتْع؟ فقال: كلّ شرابٍ أسكر فهو حرامٌ. (١)
قال المصنِّف: البتع: نبيذ العسل.
قوله: (سئل عن البِتْع) بكسر الموحدة وسكون المثناة بعدها عين مهملة. زاد شعيب عن الزّهريّ عند البخاري " وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه " , ومثله لأبي داود من طريق الزّبيديّ عن الزّهريّ.
وظاهره أنّ التّفسير من كلام عائشة.
ويحتمل: أن يكون من كلام مَن دونها، ووقع في رواية معمر عن الزّهريّ عند أحمد مثل رواية مالك (٢)، لكن قال في آخره: " والبتع نبيذ العسل ".
وهو أظهر في احتمال الإدراج , لأنّه أكثر ما يقع في آخر الحديث. وقد أخرجه مسلم من طريق معمر , لكن لَم يسق لفظه.
ولَم أقف على اسم السّائل في حديث عائشة صريحاً.
لكنّني أظنّه أبا موسى الأشعريّ، ففي صحيح البخاري من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي موسى , أنّ النّبيّ ﷺ بعثه إلى اليمن
стр. 3716
فسأله عن أشربة تصنع بها؟ فقال: ما هي؟ قال: البتع والمزر، فقال: كلّ مسكر حرام. قلت لأبي بُرْدة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل.
وهو عند مسلم من وجه آخر عن سعيد بن أبي بُرْدة بلفظ " فقلت: يا رسولَ الله. أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن: البتع من العسل ينبذ حتّى يشتدّ، والمزر من الشّعير والذّرة ينبذ حتّى يشتدّ؟ قال: وكان النّبيّ ﷺ أعطي جوامع الكلم وخواتمه، فقال: أَنْهى عن كلّ مسكر.
وفي رواية أبي داود التّصريح بأنّ تفسير البتع مرفوع , ولفظه: سألت رسول الله ﷺ عن شراب من العسل؟ فقال: ذاك البتع، قلت: ومن الشّعير والذّرة، قال: ذاك المزر. ثمّ قال: أخبر قومك أنّ كلّ مسكر حرام.
وقد سأل أبو وهب الجيشانيّ عن شيءٍ ما سأله أبو موسى. فعند الشّافعيّ وأبي داود من حديثه , أنّه سأل النّبيّ ﷺ عن المزر , فأجاب بقوله " كلّ مسكر حرام ".
وهذه الرّواية تفسير المراد بقوله في حديث الباب " كلّ شراب أسكر " , وأنّه لَم يرد تخصيص التّحريم بحالة الإسكار، بل المراد أنّه إذا كانت فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله , ولو لَم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه.
ويؤخذ من لفظ السّؤال , أنّه وقع عن حكم جنس البتع لا عن القدر المسكر منه، لأنّه لو أراد السّائل ذلك لقال: أخبِرني عمّا يحلّ منه
стр. 3717
وما يحرم؟، وهذا هو المعهود من لسان العرب , إذا سألوا عن الجنس. قالوا: هل هذا نافع أو ضارّ؟ مثلاً. وإذا سألوا عن القدْر. قالوا: كم يؤخذ منه؟
وفي الحديث أنّ المفتي يجيب السّائل بزيادةٍ عمّا سأل عنه إذا كان ذلك ممّا يحتاج إليه السّائل.
وفيه تحريم كلّ مسكر سواء كان متّخذاً من عصير العنب أو من غيره.
قال المازريّ: أجمعوا على أنّ عصير العنب قبل أن يشتدّ حلال، وعلى أنّه إذا اشتدّ وغلى وقذف بالزّبد حرم قليله وكثيره، ثمّ لو حصل له تخلّل بنفسه حلَّ بالإجماع أيضاً، فوقع النّظر في تبدّل هذه الأحكام عند هذه المتّخذات فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعضٍ، ودلَّ على أنّ عِلَّة التّحريم الإسكار , فاقتضى ذلك أنّ كلّ شراب وجد فيه الإسكار حرم تناول قليله وكثيره. انتهى
وما ذكره استنباطاً ثبت التّصريح به في بعض طرق الخبر. فعند أبي داود والنّسائيّ وصحَّحه ابن حبّان من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ما أسكر كثيره فقليله حرام.
وللنّسائيّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مثله، وسنده إلى عمرو صحيح.
ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعاً: كلّ مسكر حرام , وما أسكر منه الفرق , فملء الكفّ منه حرام.
стр. 3718
ولابن حبّان والطّحاويّ من حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه عن النّبيّ ﷺ , قال: أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره.
وقد اعترف الطّحاويّ بصحّة هذه الأحاديث.
لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث.
فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السّكر عنده، ويؤيّده , أنّ القاتل لا يُسمّى قاتلاً حتّى يقتل.
قال: ويدلّ له حديث ابن عبّاس رفعه: حرّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسّكر من كلّ شراب.
قلت: وهو حديث أخرجه النّسائيّ ورجاله ثقات، إلَّا أنّه اختلف في وصله وانقطاعه , وفي رفعه ووقفه.
وعلى تقدير صحّته فقد رجّح الإمام أحمد وغيره أنّ الرّواية فيه بلفظ " والمُسكر " بضمّ الميم وسكون السّين لا " السُّكر " بضمٍّ ثمّ سكون أو بفتحتين.
وعلى تقدير ثبوتها فهو حديث فرد , ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث مع صحّتها وكثرتها؟.
وجاء أيضاً عن عليّ عند الدّارقطنيّ , وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطّبرانيّ , وعن خوّات بن جبير عند الدّارقطنيّ والحاكم والطّبرانيّ , وعن زيد بن ثابت عند الطّبرانيّ.
وفي أسانيدها مقال، لكنّها تزيد الأحاديث التي قبلها قوّة وشهرة.
قال أبو المظفّر ابن السّمعانيّ - وكان حنفيّاً فتحوّل شافعيّاً -:
стр. 3719
ثبتت الأخبار عن النّبيّ ﷺ في تحريم المسكر، ثمّ ساق كثيراً منها.
ثمّ قال: والأخبار في ذلك كثيرة , ولا مساغ لأحدٍ في العدول عنها والقول بخلافها، فإنّها حجج قواطع.
قال: وقد زلَّ الكوفيّون في هذا الباب , ورووا أخباراً معلولةً لا تعارض هذه الأخبار بحالٍ، ومن ظنّ أنّ رسول الله ﷺ شرب مسكراً فقد دخل في أمر عظيم وباءَ بإثمٍ كبير، وإنّما الذي شربه كان حلواً ولَم يكن مسكراً.
وقد روى ثمامة بن حزن القشيريّ , أنّه سأل عائشة عن النّبيذ , فدعت جارية حبشيّة , فقالت: سل هذه، فإنّها كانت تنبذ لرسول الله ﷺ ، فقالت الحبشيّة: كنت أنبذ له في سقاء من الليل وأوكيه وأعلقه , فإذا أصبح شرب منه. أخرجه مسلم.
وروى الحسن البصريّ عن أمّه عن عائشة نحوه.
ثمّ قال: فقياس النّبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجلّ الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النّبيذ، ومن ذلك أنّ عِلَّة الإسكار في الخمر لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النّبيذ، لأنّ السّكر مطلوب على العموم، والنّبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر , لأنّ حصول الفرح والطّرب موجود في كلّ منهما، وإن كان في النّبيذ غلظ وكدرة وفي الخمر رقّة وصفاء , لكن الطّبع يحتمل ذلك في النّبيذ لحصول السّكر كما تحتمل المرارة في الخمر لطلب السّكر.
стр. 3720
قال: وعلى الجملة فالنّصوص المصرّحة بتحريم كلّ مسكر قلَّ أو كَثُر مغنية عن القياس. والله أعلم.
وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصحّ في حلّ النّبيذ الذي يسكر كثيره عن الصّحابة شيء ولا عن التّابعين، إلَّا عن إبراهيم النّخعيّ، قال: وقد ثبت حديث عائشة " كلّ شراب أسكر فهو حرام ".
وأمّا ما أخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي وائل: كنّا ندخل على ابن مسعود فيسقينا نبيذاً شديداً، ومن طريق علقمة: أكلْتُ مع ابن مسعود. فأُتينا بنبيذٍ شديد نبذتْه سيرين فشربوا منه.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: لو حُمل على ظاهره لَم يكن معارِضاً للأحاديث الثّابتة في تحريم كلّ مسكر.
ثانيها: أنّه ثبت عن ابن مسعود تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف القليل عنه كان الموافق لقول إخوانه من الصّحابة مع موافقة الحديث المرفوع أولى.
ثالثها: يحتمل أن يكون المراد بالشّدّة شدّة الحلاوة أو شدّة الحموضة , فلا يكون فيه حجّة أصلاً.
وأسند أبو جعفر النّحّاس عن يحيى بن معين , أنّ حديث عائشة " كلّ شراب أسكر فهو حرام " أصحُّ شيء في الباب.
وفي هذا تعقّب على من نقل عن ابن معين , أنّه قال: لا أصل له.
وقد ذكر الزّيلعيّ في " تخريج أحاديث الهداية " - وهو من أكثرهم
стр. 3721
اطّلاعاً -: أنّه لَم يثبت في شيء من كتب الحديث نقل هذا عن ابن معين. انتهى
وكيف يتأتّى القول بتضعيفه مع وجود مخارجه الصّحيحة؟!. ثمّ مع كثرة طرقه، حتّى قال الإمام أحمد: إنّها جاءت عن عشرين صحابيّاً، فأورد كثيراً منها في " كتاب الأشربة " المفرد.
فمنها ما تقدّم. ومنها حديث ابن عمر المتقدّم.
وحديث عمر بلفظ " كلّ مسكر حرام " عند أبي يعلى. وفيه الإفريقيّ، وحديث عليّ بلفظ " اجتنبوا ما أسكر " عند أحمد. وهو حسن، وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه من طريق ليّن بلفظ عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر ليّن أيضاً بلفظ عليّ، وحديث أنس أخرجه أحمد بسندٍ صحيح بلفظ " ما أسكر فهو حرام ".
وحديث أبي سعيد أخرجه البزّار بسندٍ صحيح بلفظ عمر، وحديث الأشجّ العصريّ. أخرجه أبو يعلى كذلك بسندٍ جيّد وصحَّحه ابن حبّان، وحديث ديلم الحميريّ. أخرجه أبو داود بسندٍ حسن في حديث فيه " قال: هل يسكر؟ قال: نعم، قال: فاجتنبوه ".
وحديث ميمونة. أخرجه أحمد بسندٍ حسن بلفظ " وكلّ شراب أسكر فهو حرام " وحديث ابن عبّاس. أخرجه أبو داود من طريق جيّد بلفظ عمر، والبزّار من طريق ليّن بلفظ " واجتنبوا كلّ مسكر ".
وحديث قيس بن سعد. أخرجه الطّبرانيّ بلفظ حديث ابن عمر،
стр. 3722
وأخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ حديث عمر، وحديث النّعمان بن بشير. أخرجه أبو داود بسندٍ حسن بلفظ " وإنّي أنهاكم عن كلّ مسكر " وحديث معاوية. أخرجه ابن ماجه بسندٍ حسن بلفظ عمر.
وحديث وائل بن حجر. أخرجه ابن أبي عاصم، وحديث قرّة بن إياس المزنيّ. أخرجه البزّار بلفظ عمر بسندٍ ليّن، وحديث عبد الله بن مغفّل. أخرجه أحمد بلفظ " اجتنبوا المسكر " وحديث أمّ سلمة. أخرجه أبو داود بسندٍ حسن بلفظ " نهي عن كلّ مسكر ومفتّر ".
وحديث بريدة. أخرجه مسلم في أثناء حديث , ولفظه مثل لفظ عمر، وحديث أبي هريرة. أخرجه النّسائيّ بسندٍ حسن كذلك.
ذكر أحاديث هؤلاء التّرمذيّ في الباب.
وفيه أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند النّسائيّ بلفظ عمر، وعن زيد بن الخطّاب أخرجه الطّبرانيّ بلفظ عليّ " اجتنبوا كلّ مسكر ".
وعن الرّسيم (١) أخرجه أحمد بلفظ " اشربوا فيما شئتم , ولا تشربوا مسكراً " وعن أبي بُرْدة بن نيار. أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا
стр. 3723
اللفظ.
وعن طلق بن عليّ. رواه ابن أبي شيبة بلفظ " يا أيّها السّائل عن المسكر لا تشربه ولا تسقه أحداً من المسلمين " , وعن صحار العبديّ. أخرجه الطّبرانيّ بنحو هذا، وعن أمّ حبيبة. عند أحمد في " كتاب الأشربة " , وعن الضّحّاك بن النّعمان. عند ابن أبي عاصم في " الأشربة " , وكذا عنده عن خوّات بن جبير.
فإذا انضمّت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر وأبي موسى وعائشة زادت عن ثلاثين صحابيّاً، وأكثر الأحاديث عنهم جياد , ومضمونها أنّ المسكر لا يحلّ تناوله , بل يجب اجتنابه. والله أعلم.
وقد ردّ أنسٌ الاحتمال الذي جنح إليه الطّحاويّ.
فقال أحمد: حدّثنا عبد الله بن إدريس سمعت المختار بن فلفل , يقول: سألت أنساً فقال: نهى رسول الله ﷺ عن المزفّت , وقال: كلّ مسكر حرام. قال: فقلت له: صدقت المسكر حرام، فالشّربة والشّربتان على الطّعام؟ فقال: ما أسكر كثيره فقليله حرام.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم , والصّحابيّ أعرف بالمراد ممّن تأخّر بعده، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ما قال.
واستدل بمطلق قوله " كلّ مسكر حرام " , على تحريم ما يسكر - ولو لَم يكن شراباً - فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها.
وقد جزم النّوويّ وغيره: بأنّها مسكرة.
وجزم آخرون: بأنّها مخدّرة، وهو مكابرة , لأنّها تحدث بالمشاهدة
стр. 3724
ما يحدث الخمر من الطّرب والنّشأة والمداومة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنّها ليست بمسكرةٍ , فقد ثبت في أبي داود " النّهي عن كلّ مسكر ومفتّر " وهو بالفاء، والله أعلم. (١)
стр. 3725
قوله: (كلّ شرابٍ أسكر فهو حرامٌ) أي: كان من شأنه الإسكار سواء حصل بشربه السّكر أم لا.
قال الخطّابيّ: فيه دليل على أنّ قليل المسكر وكثيره حرام من أيّ نوعٍ كان؛ لأنّها صيغة عموم أشير بها إلى جنس الشّراب الذي يكون منه السّكر. فهو كما لو قال: كلّ طعامٍ أشبع فهو حلال , فإنّه يكون دالاًّ على حل كل طعامٍ من شأنه الإشباع وإن لَم يحصل الشّبع به لبعضٍ دون بعض.
ووجه احتجاج البخاريّ (١) بالحديث على عدم جواز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر , أنّ المسكر لا يحلّ شربه , وما لا يحلّ شربه , لا يجوز الوضوء به اتّفاقاً (٢). والله أعلم.
وذهب الأوزاعيّ: إلى جواز الوضوء بالأنبذة كلّها.
وهو قول عكرمة مولى ابن عبّاس , وروي عن عليّ وابن عبّاس. ولَم يصحّ عنهما.
وقيّده أبو حنيفة في المشهور عنه: بنبيذ التّمر , واشترط أن لا يكون بحضرة ماءٍ , وأن يكون خارج المصر أو القرية.
وخالفه صاحباه فقال محمّد: يجمع بينه وبين التّيمّم , قيل: إيجاباً , وقيل: استحباباً. وهو قول إسحاق.
وقال أبو يوسف بقول الجمهور: لا يتوضّأ به بحالٍ، واختاره
стр. 3726
الطّحاويّ.
وذكر قاضي خان , أنّ أبا حنيفة رجع إلى هذا القول , لكن في المقيّد من كتبهم: إذا ألقى في الماء تمراتٍ فحلا ولَم يزل عنه اسم الماء جاز الوضوء به بلا خلاف. يعني عندهم.
واستدلّوا بحديث ابن مسعود. حيث قال له النّبيّ ﷺ ليلة الجنّ: ما في إداوتك؟ قال: نبيذٌ , قال: ثمرةٌ طيّبةٌ وماءٌ طهورٌ. رواه أبو داود والتّرمذيّ , وزاد " فتوضّأ به "
وهذا الحديث أطبق علماء السّلف على تضعيفه.
وقيل: - على تقدير صحّته - إنّه منسوخ؛ لأنّ ذلك كان بمكّة , ونزول قوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّموا﴾ إنّما كان بالمدينة بلا خلاف.
أو هو محمولٌ على ماءٍ أُلقيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لَم تغيّر له وصفاً , وإنّما كانوا يصنعون ذلك؛ لأنّ غالب مياههم لَم تكن حلوة.
стр. 3727
الحديث الثالث
٣٩٧ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: بلغ عمرَ , أنّ فلاناً باع خمراً , فقال: قاتل الله فلاناً , أَلَم يعلم أنّ رسول الله ﷺ , قال: قاتل الله اليهود , حرّمت عليهم الشّحوم , فجملوها فباعوها؟. (١)
قوله: (بلغ عمر بن الخطّاب , أنّ فلاناً باع خمراً) في رواية مسلمٍ وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار " أنّ سمرة باع خمراً فقال: قاتل الله سمرة ".
زاد البيهقيّ من طريق الزّعفرانيّ عن سفيان: عن سمرة بن جندبٍ (٢).
قال ابن الجوزيّ والقرطبيّ وغيرهما: اختلف في كيفيّة بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنّه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية , فباعها منهم معتقداً جواز ذلك.
وهذا حكاه ابن الجوزيّ عن ابن ناصرٍ , ورجّحه.
стр. 3728
وقال: كان ينبغي له أن يوليهم بيعها , فلا يدخل في محظورٍ , وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك , لأنّه لَم يتعاط محرّماً , ويكون شبيهاً بقصّة بريرة حيث قال " هو عليها صدقةٌ , ولنا هديّةٌ ".
الثّاني: يجوز أن يكون باع العصير ممّن يتّخذه خمراً، والعصير يسمّى خمراً كما قد يسمّى العنب به , لأنّه يئول إليه. قاله الخطّابيّ.
قال: ولا يظنّ بسمرة أنّه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها، وإنّما باع العصير.
الثّالث: أن يكون خلَّل الخمر وباعها، وكان عمر يعتقد أنّ ذلك لا يحلّها كما هو قول أكثر العلماء، واعتقد سمرة الجواز كما تأوّله غيره أنّه يحلّ التّخليل، ولا ينحصر الحلّ في تخليلها بنفسها.
قال القرطبيّ تبعاً لابن الجوزيّ: والأشبه الأوّل.
قلت: ولا يتعيّن على الوجه الأوّل أخذها عن الجزية , بل يحتمل أن تكون حصلت له عن غنيمةٍ أو غيرها.
الرابع: قد أبدى الإسماعيليّ في " المدخل " فيه احتمالاً آخر، وهو أنّ سمرة علم تحريم الخمر , ولَم يعلم تحريم بيعها , ولذلك اقتصر عمر على ذمّه دون عقوبته، وهذا هو الظّنّ به.
ولَم أر في شيءٍ من الأخبار , أنّ سمرة كان والياً لعمر على شيءٍ من أعماله، إلَّا أنّ ابن الجوزيّ أطلق أنّه كان والياً على البصرة لعمر بن الخطّاب.
وهو وهْمٌ , فإنّما ولي سمرة على البصرة لزيادٍ , وابنه عبيد الله بن
стр. 3729
زيادٍ بعد عُمر بدهرٍ، وولاة البصرة لعمر قد ضُبطوا , وليس منهم سمرة. ويحتمل: أن يكون بعض أمرائها استعمل سمرة على قبض الجزية.
قوله: (قاتل الله اليهود) قال البخاري: قاتلهم الله لعنهم، ﴿قتل﴾ لعن. ﴿الخراصون﴾. الكذابون. انتهى
استشهد بأنّ قوله تعالى ﴿قتل الخرّاصون﴾ معناه: لعن , وهو تفسير ابن عبّاسٍ في قُتل.
وقوله " الخرّاصون: الكذّابون " هو تفسير مجاهدٍ. رواهما الطّبريّ في " تفسيره " عنهما.
وقال الهرويّ: معنى قاتلهم قتلهم، قال: وفاعل أصلها أن يقع الفعل بين اثنين، وربّما جاء من واحدٍ كسافرت وطارقت النّعل.
وقال غيره: معنى قاتلهم عاداهم.
وقال الدّاوديّ: من صار عدوّ الله , وجب قتله.
وقال البيضاويّ: قاتل: أي عادى أو قتل، وأخرج في صورة المبالغة، أو عبّر عنه بما هو مسبّبٌ عنهم , فإنّهم بما اخترعوا من الحيلة انتصبوا لمحاربة الله , ومن حاربه حرب , ومن قاتله قتل.
قوله: (حرّمت عليهم الشّحوم) أي: أكلها، وإلا فلو حرّم عليهم بيعها لَم يكن لهم حيلةٌ فيما صنعوه من إذابتها.
قوله: (فجملوها) بفتح الجيم والميم. أي: أذابوها، يقال: جمله إذا أذابه، والجميل الشّحم المذاب.
стр. 3730
ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود المذاب من الشّحم الاشتراك في النّهي عن تناول كلٍّ منهما، لكن ليس كلّ ما حرم تناوله حرم بيعه كالحمر الأهليّة وسباع الطّير، فالظّاهر أنّ اشتراكهما في كون كلٍّ منهما صار بالنّهي عن تناوله نجساً , هكذا حكاه ابن بطّالٍ عن الطّبريّ. وأقرّه.
وليس بواضحٍ , بل كلّ ما حرم تناوله حرم بيعه، وتناول الحمر والسّباع وغيرهما ممّا حرّم أكله إنّما يتأتّى بعد ذبحه، وهو بالذّبح يصير ميتةً , لأنّه لا ذكاة له وإذا صار ميتةً صار نجساً ولَم يجز بيعه.
فالإيراد في الأصل غير واردٍ، هذا قول الجمهور , وإن خالف في بعضه بعض النّاس.
وأمّا قول بعضهم: الابن إذا ورث جارية أبيه حرُم عليه وطؤها , وجاز له بيعها وأكل ثمنها.
فأجاب عياضٌ عنه: بأنّه تمويهٌ , لأنّه لَم يحرم عليه الانتفاع بها مطلقاً , وإنّما حرم عليه الاستمتاع بها لأمرٍ خارجيٍّ، والانتفاع بها لغيره في الاستمتاع وغيره حلالٌ إذا ملكها، بخلاف الشّحوم فإنّ المقصود منها وهو الأكل كان محرّماً على اليهود في كل حالٍ , وعلى كل شخصٍ فافترقا.
وفي الحديث لعن العاصي المعين.
ولكن يحتمل: أن يقال إنّ قول عمر " قاتل الله سمرة " لَم يرد به ظاهره , بل هي كلمةٌ تقولها العرب عند إرادة الزّجر فقالها في حقّه
стр. 3731
تغليظاً عليه.
وفيه إقالة ذوي الهيئات زلاتهم , لأنّ عمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبةٍ ونحوها، وفيه إبطال الحيل والوسائل إلى المحرّم.
وفيه تحريم بيع الخمر. وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وشذّ مَن قال يجوز بيعها , ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمراً.
واختلف في عِلَّة ذلك. فقيل: لنجاستها , وقيل: لأنّه ليس فيها منفعةٌ مباحةٌ مقصودةٌ , وقيل: للمبالغة في التّنفير عنها.
وفيه أنّ الشّيء إذا حرم عينه حرم ثمنه، وفيه دليلٌ على أنّ بيع المسلم الخمر من الذّمّيّ لا يجوز، وكذا توكيل المسلم الذّمّيّ في بيع الخمر، وأمّا تحريم بيعها على أهل الذّمّة فمبنيٌّ على الخلاف في خطاب الكافر بالفروع، وفيه استعمال القياس في الأشباه والنّظائر.
واستدل به على تحريم بيع جثّة الكافر إذا قتلناه وأراد الكافر شراءه.
وعلى منع بيع كل محرّمٍ نجسٍ - ولو كان فيه منفعةٌ - كالسّرقين، وأجاز ذلك الكوفيّون.
وذهب بعض المالكيّة: إلى جواز ذلك للمشتري دون البائع لاحتياج المشتري دونه، وتقدّم من حديث جابرٍ (١) بيان الوقت الذي قال فيه النّبيّ ﷺ هذه المقالة.
وفيه البحث عن الانتفاع بشحم الميتة وإن حرم بيعها، وما يستثنى من تحريم بيع الميتة.
стр. 3732
كتاب اللباس
الحديث الأول
٣٩٨ - عن عمر بن الخطّاب ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : لا تلبسوا الحريرَ، فإنّه من لبِسه في الدّنيا لَم يلبسْه في الآخرة. (١)
قوله: (عن عمر بن الخطّاب ﵁) وقع في رواية النّضر بن شميلٍ عن شعبة حدّثنا خليفة بن كعب سمعت عبد الله بن الزّبير , يقول: لا تُلبسوا نساءكم الحرير، فإنّي سمعت عمر. أخرجه النّسائيّ (٢).
وقد أخرجه النّسائيّ أيضاً من طريق جعفر بن ميمون عن خليفة بن كعب , فلم يذكر عمر في إسناده، وشعبة أحفظ من جعفر بن ميمون.
قوله: (من لبس الحرير في الدّنيا) الحرير معروف، وهو عربيّ. سُمِّي بذلك لخلوصه , يقال لكل خالص محرّر، وحرّرت الشّيء خلصته من الاختلاط بغيره.
стр. 3733
وقيل: هو فارسيّ معرّب
قوله: (لَم يلبسْه في الآخرة) في رواية الكشميهنيّ " لن يلبسه " والمحفوظ من هذا الوجه (١) " لَم " , وكذا أخرجه مسلم والنّسائيّ.
ولَم أقف في شيء من الطّرق المتّفقة عن عمر أنّه رواه بلفظ " لن " بل الحديث عنه في جميع الطّرق بلفظ " لَم ".
وزاد النّسائيّ في رواية جعفر بن ميمون في آخره " ومن لَم يلبسه في
стр. 3734
الآخرة لَم يدخل الجنّة , قال الله تعالى ﴿ولباسهم فيها حرير﴾.
وهذه الزّيادة مُدرَجة في الخبر، وهي موقوفة على ابن الزّبير، بيّن ذلك النّسائيّ أيضاً من طريق شعبة عن خليفة به. وفي آخره. قال ابن الزّبير: فذكر الزّيادة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عليّ بن الجعد عن شعبة. ولفظه " فقال ابن الزّبير من رأيه: ومن لَم يلبس الحرير في الآخرة لَم يدخل الجنّة، وذلك لقوله تعالى: ﴿ولباسهم فيها حرير﴾.
وقد جاء مثل ذلك عن ابن عمر أيضاً. أخرجه النّسائيّ من طريق حفصة بنت سيرين عن خليفة بن كعب , قال: خطبنا ابن الزّبير. فذكر الحديث المرفوع. وزاد. فقال: قال ابن عمر: إذاً والله لا يدخل الجنّة، قال الله: ﴿ولباسهم فيها حرير﴾.
وأخرج أحمد والنّسائيّ وصحَّحه الحاكم من طريق داود السّرّاج عن أبي سعيد. فذكر الحديث المرفوع مثل حديث عمر هذا في الباب. وزاد " وإنْ دخل الجنّة لبسه أهل الجنّة , ولَم يلبسه هو ".
وهذا يحتمل: أن يكون أيضاً مدرجاً، وعلى تقدير أن يكون الرّفع محفوظاً فهو من العامّ المخصوص بالمكلفين من الرّجال للأدلة الأخرى بجوازه للنّساء.
وفي هذه الأحاديث بيان واضح لِمَن قال يحرم على الرّجال لبس الحرير للوعيد المذكور.
وفي معناه حديث ابن عمر , أنَّ رسول الله ﷺ قال: من شرب
стр. 3735
الخمر في الدنيا، ثم لَم يتب منها، حُرمها في الآخرة. متفق عليه، فإنّ الحكم فيها واحد , وهو نفي اللّبس ونفي الشّرب في الآخرة وفي الجنّة.
قال الخطّابيّ والبغويّ في " شرح السّنّة ": معنى الحديث لا يدخل الجنّة، لأنّ الخمر شراب أهل الجنّة، فإذا حُرِم شربها دلَّ على أنّه لا يدخل الجنّة.
وقال ابن عبد البرّ: هذا وعيدٌ شديدٌ يدلّ على حرمان دخول الجنّة، لأنّ الله تعالى أخبر أنّ في الجنّة أنهار الخمر لذّة للشّاربين، وأنّهم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون. فلو دخلها - وقد علم أنّ فيها خمراً أو أنّه حرمها عقوبة له - لزم وقوع الهمّ والحزن في الجنّة، ولا همّ فيها ولا حزن، وإن لَم يعلم بوجودها في الجنّة , ولا أنّه حرمها عقوبة له لَم يكن عليه في فقدها أَلَم، فلهذا قال بعض من تقدّم: إنّه لا يدخل الجنّة أصلاً.
قال: وهو مذهب غير مرضيّ.
قال: ويحمل الحديث عند أهل السّنّة على أنّه لا يدخلها ولا يشرب الخمر فيها , إلَّا إن عفا الله عنه كما في بقيّة الكبائر , وهو في المشيئة.
فعلى هذا فمعنى الحديث: جزاؤه في الآخرة أن يحرمها لحرمانه دخول الجنّة , إلَّا إن عفا الله عنه.
قال: وجائز أن يدخل الجنّة بالعفو , ثمّ لا يشرب فيها خمراً ولا تشتهيها نفسه , وإن علم بوجودها فيها.
стр. 3736
ويؤيّده حديث أبي سعيد مرفوعاً " من لبس الحرير في الدّنيا لَم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنّة لبسه أهل الجنّة , ولَم يلبسه هو ".
قلت: أخرجه الطّيالسيّ وصحَّحه ابن حبّان.
وقريبٌ منه حديث عبد الله بن عمرو رفعه: من مات من أمّتي وهو يشرب الخمر , حرّم الله عليه شربها في الجنّة. أخرجه أحمد بسندٍ حسن.
وقد لَخّص عياض كلام ابن عبد البرّ , وزاد احتمالاً آخر , وهو أنّ المراد بحرمانه شربها: أنّه يحبس عن الجنّة مدّةً إذا أراد الله عقوبته، ومثله الحديث الآخر " لَم يرح رائحة الجنّة ".
قال: ومَن قال لا يشربها في الجنّة بأن ينساها أو لا يشتهيها , يقول: ليس عليه في ذلك حسرة , ولا يكون ترك شهوته إيّاها عقوبة في حقّه، بل هو نقص نعيم بالنّسبة إلى من هو أتمّ نعيماً منه كما تختلف درجاتهم، ولا يلحق من هو أنقص درجة حينئذٍ بمن هو أعلى درجة منه استغناء بما أعطي واغتباطاً له.
وقال ابن العربيّ: ظاهر الحديثين , أنّه لا يشرب الخمر في الجنّة ولا يلبس الحرير فيها، وذلك لأنّه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث فإنّه إذا قتل مورّثه فإنّه يحرم ميراثه لاستعجاله. وبهذا قال نفر من الصّحابة ومن العلماء، وهو موضع احتمال وموقف إشكال، والله أعلم كيف يكون الحال.
وفصَّل بعض المتأخّرين بين من يشربها مستحلاً فهو الذي لا
стр. 3737
يشربها أصلاً , لأنّه لا يدخل الجنّة أصلاً، وعدم الدّخول يستلزم حرمانها، وبين من يشربها عالماً بتحريمها فهو محلّ الخلاف، وهو الذي يحرم شربها مدّة ولو في حال تعذيبه إن عذّب، أو المعنى أنّ ذلك جزاؤه إن جوزي. والله أعلم.
وحاصل أعدل الأقوال. أنّ الفعل المذكور مقتضٍ للعقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانعٍ كالتّوبة والحسنات التي توازن والمصائب التي تكفّر، وكدعاء الولد بشرائط، وكذا شفاعة من يؤذن له في الشّفاعة، وأعمّ من ذلك كلّه عفو أرحم الرّاحمين.
قال ابن بطّال: اختلف في الحرير.
فقال قوم: يحرم لبسه في كلّ الأحوال حتّى على النّساء، نقل ذلك عن عليّ وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزّبير، ومن التّابعين عن الحسن وابن سيرين.
وقال قوم: يجوز لبسه مطلقاً , وحملوا الأحاديث الواردة في النّهي عن لبسه على من لَبِسَه خيلاء أو على التّنزيه.
قلت: وهذا الثّاني ساقط لثبوت الوعيد على لُبسه.
وأمّا قول عياض: حَملَ بعضهم النّهي العامّ في ذلك على الكراهة لا على التّحريم، فقد تعقّبه ابن دقيق العيد.
فقال: قد قال القاضي عياض: إنّ الإجماع انعقد بعد ابن الزّبير ومن وافقه , على تحريم الحرير على الرّجال وإباحته للنّساء، ذكر ذلك في الكلام على قول ابن الزّبير في الطّريق التي أخرجها مسلم " أَلا لا
стр. 3738
تُلبسوا نساءكم الحرير، فإنّي سمعت عمر " فذكر حديث الباب.
قال: فإثبات قول بالكراهة دون التّحريم , إمّا أن ينقض ما نقله من الإجماع , وإمّا أن يثبت أنّ الحكم العامّ قبل التّحريم على الرّجال كان هو الكراهة , ثمّ انعقد الإجماع على التّحريم على الرّجال والإباحة للنّساء، ومقتضاه نسخ الكراهة السّابقة، وهو بعيد جدّاً.
وأمّا ما أخرج عبد الرّزّاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال: لقي عمرُ عبدَ الرّحمن بن عوف فنهاه عن لبس الحرير , فقال: لو أطعتنا للبسته معنا، وهو يضحك.
فهو محمول على أنّ عبد الرّحمن فهم من إذن رسول الله ﷺ له في لبس الحرير نسخ التّحريم , ولَم ير تقييد الإباحة بالحاجة.
واختلف في عِلَّة تحريم الحرير على رأيين مشهورين:
أحدهما: الفخر والخيلاء.
الثّاني: لكونه ثوب رفاهية فيليق بزيّ النّساء دون شهامة الرّجال.
ويحتمل عِلَّة ثالثة , وهي التّشبّه بالمشركين.
قال ابن دقيق العيد: وهذا قد يرجع إلى الأوّل لأنّه من سِمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين إلَّا أنّ المعنى الثّاني لا يقتضي التّحريم , لأنّ الشّافعيّ قال في " الأمّ ": ولا أكره لباس اللّؤلؤ إلَّا للأدب فإنّه زيّ النّساء.
واستشكل بثبوت اللعن للمتشبّهين من الرّجال بالنّساء (١) فإنّه
стр. 3739
يقتضي منع ما كان مخصوصاً بالنّساء في جنسه وهيئته.
وذكر بعضهم عِلَّة أخرى , وهي السّرف. والله أعلم.
стр. 3740
الحديث الثاني
٣٩٩ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الْحرير ولا الدّيباج , ولا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة , ولا تأكُلوا في صِحَافها، فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة. (١)
قوله: (لا تلبسوا الحَرير) تقدّم الكلام عليه في الذي قبله
قوله: (ولا الديباج) الدّيباج نوعٌ من الحرير , وهو بكسر المهملة , وحكي فتحها.
وقال أبو عبيدة: الفتح مُولَّدٌ , أي: ليس بعربيٍّ.
قوله: (ولا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة) ولهما من رواية الحكم عن ابن أبي ليلى , إنَّ النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة.
ووقع في رواية ابن عون عن مجاهد عند الشيخين بلفظ " لا تشربوا. ولا تلبسوا. وكذا عند أحمد من وجه آخر عن الحكم.
كذا وقع في معظم الرّوايات عن حذيفة الاقتصار على الشّرب.
ووقع عند أحمد من طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى. بلفظ " نهى أن
стр. 3741
يشرب في آنية الذّهب والفضّة، وأن يؤكل فيها ". ولمسلم نحوه في حديث أمّ سلمة من طريق عثمان بن مرّة عن عبد الله بن عبد الرّحمن عنها " من شرب من إناء ذهب أو فضّة ".
وله من رواية عليّ بن مسهر عن عبيد الله بن عمر العمريّ عن نافع عن زيد بن عبد الله عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عنها " إنّ الذي يأكل ويشرب في آنية الذّهب والفضّة ".
وأشار مسلم إلى تفرّد عليّ بن مسهر بهذه اللفظة، أعني: الأكل.
وقد وقع التّصريح في الحديث بالنّهي والإشارة إلى الوعيد على ذلك.
ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشّرب في آنية الذّهب والفضّة , إلَّا عن معاوية بن قرّة أحد التّابعين فكأنّه لَم يبلغه النّهي.
وعن الشّافعيّ في القديم , ونقل عن نصّه في حرملة: أنّ النّهي فيه للتّنزيه , لأنّ علته ما فيه من التّشبّه بالأعاجم.
ونصّ في الجديد على التّحريم، ومن أصحابه من قطع به عنه، وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنّار كما في الصحيحين عن أم سلمة , أنَّ رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم.
وإذا ثبت ما نُقل عنه. فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور.
ويؤيّد وهْم النّقل أيضاً عن نصّه في حرملة , أنّ صاحب " التّقريب " نقل في كتاب الزّكاة عن نصّه في حرملة تحريم اتّخاذ الإناء
стр. 3742
من الذّهب أو الفضّة، وإذا حرم الاتّخاذ فتحريم الاستعمال أولى.
والعلَّة المشار إليها ليست متّفقاً عليها، بل ذكروا للنّهي عدّة علل: منها ما فيه من كسر قلوب الفقراء، أو من الخيلاء والسّرف، ومن تضييق النّقدين.
تكميل: اختلف في الإناء الذي فيه شيء من ذلك , إمّا بالتّضبيب وإمّا بالخلط وإمّا بالطّلاء.
فورد فيه حديث. أخرجه الدّارقطنيّ والبيهقيّ عن ابن عمر رفعه: من شرب في آنيّة الذّهب والفضّة , أو إناء فيه شيء من ذلك , فإنّما يجرجر في جوفه نار جهنّم. قال البيهقيّ: المشهور عن ابن عمر موقوف عليه، ثمّ أخرجه كذلك.
وهو عند ابن أبي شيبة من طريق أخرى عنه , أنّه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضّة , ولا ضبّة فضّة. ومن طريق أخرى عنه , أنّه كان يكره ذلك.
وفي " الأوسط " للطّبرانيّ من حديث أمّ عطيّة: نهى رسول الله ﷺ عن تفضيض الأقداح، ثمّ رخّص فيه للنّساء.
قال مُغلطاي: لا يطابق الحديثُ التّرجمةَ (١) إلَّا إن كان الإناء الذي سُقي فيه حذيفة كان مضبّباً , فإنّ الضّبّة موضع الشّفة عند الشّرب.
وأجاب الكرمانيّ: بأنّ لفظ مفضّض - وإن كان ظاهراً فيما فيه فضّة - لكنّه يشمل ما إذا كان متّخذاً كلّه من فضّة، والنّهي عن
стр. 3743
الشّرب في آنيّة الفضّة يلحق به الأكل للعلة الجامعة , فيطابق الحديث التّرجمة. والله أعلم.
قوله: (ولا تأكلوا في صحافها) قال صاحب النهاية: الصّحفة إناءٌ كالقصعة المبسوطة. انتهى
والصّحفة: ما تشبع خمسةً ونحوها , وهي أكبر من القصعة.
قوله: (فإنّها لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة) في رواية لهما " هنَّ لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة " , كذا فيه بلفظ " هنّ " بضمّ الهاء وتشديد النّون في الموضعين.
وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر - شيخ البخاريّ فيه - عن شعبة عن الحكم بلفظ " هي " بكسر الهاء ثمّ التّحتانيّة، وكذا في رواية غندر عن شعبة، ووقع عند الإسماعيليّ. وأصله في مسلم " هو " أي: جميع ما ذكر.
قال الإسماعيليّ: ليس المراد بقوله: " في الدّنيا " إباحة استعمالهم إيّاه , وإنّما المعنى بقوله " لهم ". أي: هم الذين يستعملونه مخالفة لزيّ المسلمين. وكذا قوله " ولكم في الآخرة " , أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدّنيا، ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله.
قلت: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أنّ الذي يتعاطى ذلك في الدّنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدّم في شرب الخمر، وفي لباس الحرير، بل وقع في هذا بخصوصه من حديث أبي هريرة رفعه: من
стр. 3744
شرب في آنية الفضّة والذّهب في الدّنيا لَم يشرب فيها في الآخرة، وآنية أهل الجنّة الذّهب والفضّة. أخرجه النّسائيّ بسندٍ قويٍّ.
وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشّرب في آنية الذّهب والفضّة على كلّ مكلَّف رجلاً كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحليّ للنّساء , لأنّه ليس من التّزيّن الذي أبيح لها في شيء.
قال القرطبيّ وغيره: في الحديث تحريم استعمال أواني الذّهب والفضّة في الأكل والشّرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التّطيّب والتّكحّل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور.
وأغربت طائفة شذّت: فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من قصر التّحريم على الأكل والشّرب، ومنهم من قصره على الشّرب , لأنّه لَم يقف على الزّيادة في الأكل.
قال: واختلف في عِلَّة المنع:
فقيل: إنّ ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيّده قوله " هي لهم , وإنّها لهم ".
وقيل: لكونهما الأثمان وقيم المتلفات، فلو أبيح استعمالها لجاز اتّخاذ الآلات منهما فيفضي إلى قلّتهما بأيدي النّاس فيجحف بهم.
ومثّله الغزاليّ بالحكّام الذين وظيفتهم التّصرّف لإظهار العدل بين النّاس، فلو منعوا التّصرّف لأخلَّ ذلك بالعدل، فكذا في اتّخاذ الأواني من النّقدين حبس لهما عن التّصرّف الذي ينتفع به النّاس.
ويردّ على هذا جواز الْحُليِّ للنّساء من النّقدين، ويمكن الانفصال
стр. 3745
عنه.
وهذه العلة هي الرّاجحة عند الشّافعيّة، وبه صرّح أبو عليّ السّنجيّ وأبو محمّد الجوينيّ.
وقيل: عِلَّة التّحريم السّرف والخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء.
ويرِد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النّفيسة وعاليها أنفس وأكثر قيمة من الذّهب والفضّة، ولَم يمنعها إلَّا من شذّ.
وقد نقل ابن الصّبّاغ في " الشّامل " الإجماع على الجواز، وتبعه الرّافعيّ ومن بعده. لكن في " زوائد العمرانيّ " عن صاحب " الفروع " نقل وجهين.
وقيل: العلة في المنع التّشبّه بالأعاجم.
وفي ذلك نظرٌ. لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرّد التّشبّه لا يصل إلى ذلك.
واختلف في اتّخاذ الأواني دون استعمالها.
والأشهر المنع وهو قول الجمهور، ورخّصت فيه طائفة، وهو مبنيّ على العلة في منع الاستعمال، ويتفرّع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها وجواز الاستئجار عليها.
وتمسّك بالحديث من منع استعمال النّساء للحرير والدّيباج، لأنّ حذيفة استدلَّ به (١) على تحريم الشّرب في إناء الفضّة , وهو حرام على النّساء والرّجال جميعاً , فيكون الحرير كذلك.
стр. 3746
والجواب: أنّ الخطاب بلفظ " لكم " للمذكّر، ودخول المؤنّث فيه قد اختلف فيه؛ والرّاجح عند الأصوليّين عدم دخولهنّ.
وأيضاً فقد ثبت إباحة الحرير والذّهب للنّساء , وأيضاً فإنّ هذا اللفظ " الذّهب والفضّة والحرير والدّيباج هي لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة " مختصر (١).
وقد تقدّم بلفظ " لا تلبسوا الحرير ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة " , والخطاب في ذلك للذّكور.
وقوله: " هي لهم في الدّنيا " , تمسّك به مَن قال: إنّ الكافر ليس مخاطباً بالفروع.
وأجيب: بأنّ المزاد هي شعارهم وزيّهم في الدّنيا، ولا يدلّ ذلك على الإذن لهم في ذلك شرعاً.
تكميل: زاد البخاري من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن أبي ليلى فيه " وعن لُبس الحرير والديباج , وأن نجلس عليه ".
وقد أخرج البخاريّ ومسلم حديث حذيفة من عدّة أوجه ليس فيها هذه الزّيادة، وهي قوله " وأن نجلس عليه ".
وهي حجّة قويّة لِمَن قال بمنع الجلوس على الحرير , وهو قول الجمهور، خلافاً لابن الماجشون والكوفيّين وبعض الشّافعيّة.
وأجاب بعض الحنفيّة: بأنّ لفظ " نهى " ليس صريحاً في التّحريم.
وبعضهم باحتمال أن يكون النّهي ورد عن مجموع اللّبس والجلوس
стр. 3747
لا عن الجلوس بمفرده.
وهذا يردّ على ابن بطّال دعواه: أنّ الحديث نصّ في تحريم الجلوس على الحرير، فإنّه ليس بنصٍّ , بل هو ظاهر.
وقد أخرج ابن وهب في " جامعه " من حديث سعد بن أبي وقّاص , قال: لأَنْ أقعد على جمر الغضا , أحبّ إليّ من أن أقعد على مجلس من حرير.
وأدار بعض الحنفيّة الجواز والمنع على اللّبس لصحّة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلبسٍ.
واحتجّ الجمهور بحديث أنس " فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس " (١) , ولأنّ لبس كلّ شيء بحسبه.
واستُدل به على منع النّساء من افتراش الحرير , وهو ضعيف , لأنّ خطاب الذّكور لا يتناول المؤنّث على الرّاجح.
ولعلَّ الذي قال بالمنع تمسّك فيه بالقياس على منع استعمالهنّ آنية الذّهب مع جواز لبسهنّ الحليّ منه، فكذلك يجوز لبسهنّ الحرير , ويمنعن من استعماله، وهذا الوجه صحَّحه الرّافعيّ. وصحّح النّوويّ الجواز.
واستُدلّ به على منع افتراش الرّجل الحرير مع امرأته في فراشها.
ووجَّهه المجيز لذلك من المالكيّة: بأنّ المرأة فراش الرّجل , فكما جاز له أن يفترشها وعليها الحليّ من الذّهب والحرير , كذلك يجوز له
стр. 3748
أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها.
تنْبيهٌ: الذي يمنع من الجلوس عليه هو ما منع من لبسه , وهو ما صنع من حرير صرف , أو كان الحرير فيه أزيد من غيره.
стр. 3749
الحديث الثالث
٤٠٠ - عن البراء بن عازبٍ ﵁ , قال: ما رأيتُ من ذي لِمَّةٍ في حلةٍ حمراء أحسنَ من رسول الله ﷺ ، له شعرٌ يضرب منكبيه , بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطّويل. (١)
قوله: (البراء) كذا قال أكثر أصحاب أبي إسحاق.
وخالفهم أشعث فقال: عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة. أخرجه النّسائيّ , وأعلَّه. والتّرمذيّ وحسّنه، ونقل عن البخاريّ أنّه قال: حديث أبي إسحاق عن البراء وعن جابر بن سمرة صحيحان. وصحَّحه الحاكم
قوله: (لِمَّة) بكسر اللام وتشديد الميم , أي: شعر رأسه , ويقال له إذا جاوز شحمة الأذنين وأَلَمّ بالمنكبين لِمةٌ , وإذا جاوزت المنكبين فهي جُمّةٌ , وإذا قصرت عنهما فهي وفرةٌ.
قوله: (في حلةٍ حمراء) تقدّم حديث أبي جحيفة (٢) وفيه " حلة حمراء " أيضاً. ولأبي داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه: رأيت النّبيّ ﷺ يخطب بمنىً على بعير , وعليه برد أحمر. وإسناده حسن.
وللطّبرانيّ بسندٍ حسن عن طارق المحاربيّ نحوه , لكن قال " بسوق
стр. 3750
ذي المجاز ".
وقد تلخّص لنا من أقوال السّلف في لبس الثّوب الأحمر سبعة أقوال:
القول الأوّل: الجواز مطلقاً.
جاء عن عليّ وطلحة وعبد الله ابن جعفر والبراء وغير واحد من الصّحابة، وعن سعيد بن المسيّب والنّخعيّ والشّعبيّ وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التّابعين.
القول الثّاني: المنع مطلقاً.
لحديث عبد الله بن عمرو قال: رأى عليّ النّبي ﷺ ثوبين معصفرين فقال: إنّ هذه من ثياب الكفّار فلا تلبسهما. أخرجه مسلمٌ , وفي لفظٍ له " فقلت: أغسلهما؟ قال: لا بل احرقهما " , فإن غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر.
قال البيهقيّ: فلو بلغ ذلك الشّافعيّ لقال به اتّباعاً للسّنّة كعادته , وقد كره المعصفر جماعةٌ من السّلف , ورخّص فيه جماعةٌ , وممَن قال بكراهته من أصحابنا الحليميّ , واتّباع السّنّة هو الأولى.
وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ عن المفدّم. وهو بالفاء وتشديد الدّال , وهو المشبع بالعصفر فسّره في الحديث، وعن عمر , أنّه كان إذا رأى على الرّجل ثوباً معصفراً جذبه , وقال: دعوا هذا للنّساء. أخرجه الطّبريّ.
وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن: الحمرة من زينة الشّيطان ,