← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

والجواب: أنّ الخطاب بلفظ " لكم " للمذكّر، ودخول المؤنّث فيه قد اختلف فيه؛ والرّاجح عند الأصوليّين عدم دخولهنّ. وأيضاً فقد ثبت إباحة الحرير والذّهب للنّساء , وأيضاً فإنّ هذا اللفظ " الذّهب والفضّة والحرير والدّيباج هي لهم في الدّنيا ولكم في الآخرة " مختصر (١). وقد تقدّم بلفظ " لا تلبسوا الحرير ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذّهب والفضّة " , والخطاب في ذلك للذّكور. وقوله: " هي لهم في الدّنيا " , تمسّك به مَن قال: إنّ الكافر ليس مخاطباً بالفروع. وأجيب: بأنّ المزاد هي شعارهم وزيّهم في الدّنيا، ولا يدلّ ذلك على الإذن لهم في ذلك شرعاً. تكميل: زاد البخاري من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن أبي ليلى فيه " وعن لُبس الحرير والديباج , وأن نجلس عليه ". وقد أخرج البخاريّ ومسلم حديث حذيفة من عدّة أوجه ليس فيها هذه الزّيادة، وهي قوله " وأن نجلس عليه ". وهي حجّة قويّة لِمَن قال بمنع الجلوس على الحرير , وهو قول الجمهور، خلافاً لابن الماجشون والكوفيّين وبعض الشّافعيّة. وأجاب بعض الحنفيّة: بأنّ لفظ " نهى " ليس صريحاً في التّحريم. وبعضهم باحتمال أن يكون النّهي ورد عن مجموع اللّبس والجلوس

стр. 3747

لا عن الجلوس بمفرده. وهذا يردّ على ابن بطّال دعواه: أنّ الحديث نصّ في تحريم الجلوس على الحرير، فإنّه ليس بنصٍّ , بل هو ظاهر. وقد أخرج ابن وهب في " جامعه " من حديث سعد بن أبي وقّاص , قال: لأَنْ أقعد على جمر الغضا , أحبّ إليّ من أن أقعد على مجلس من حرير. وأدار بعض الحنفيّة الجواز والمنع على اللّبس لصحّة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلبسٍ. واحتجّ الجمهور بحديث أنس " فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس " (١) , ولأنّ لبس كلّ شيء بحسبه. واستُدل به على منع النّساء من افتراش الحرير , وهو ضعيف , لأنّ خطاب الذّكور لا يتناول المؤنّث على الرّاجح. ولعلَّ الذي قال بالمنع تمسّك فيه بالقياس على منع استعمالهنّ آنية الذّهب مع جواز لبسهنّ الحليّ منه، فكذلك يجوز لبسهنّ الحرير , ويمنعن من استعماله، وهذا الوجه صحَّحه الرّافعيّ. وصحّح النّوويّ الجواز. واستُدلّ به على منع افتراش الرّجل الحرير مع امرأته في فراشها. ووجَّهه المجيز لذلك من المالكيّة: بأنّ المرأة فراش الرّجل , فكما جاز له أن يفترشها وعليها الحليّ من الذّهب والحرير , كذلك يجوز له

стр. 3748

أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها. تنْبيهٌ: الذي يمنع من الجلوس عليه هو ما منع من لبسه , وهو ما صنع من حرير صرف , أو كان الحرير فيه أزيد من غيره.

стр. 3749

الحديث الثالث ٤٠٠ - عن البراء بن عازبٍ ﵁ , قال: ما رأيتُ من ذي لِمَّةٍ في حلةٍ حمراء أحسنَ من رسول الله ﷺ ، له شعرٌ يضرب منكبيه , بعيد ما بين المنكبين، ليس بالقصير ولا بالطّويل. (١) قوله: (البراء) كذا قال أكثر أصحاب أبي إسحاق. وخالفهم أشعث فقال: عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة. أخرجه النّسائيّ , وأعلَّه. والتّرمذيّ وحسّنه، ونقل عن البخاريّ أنّه قال: حديث أبي إسحاق عن البراء وعن جابر بن سمرة صحيحان. وصحَّحه الحاكم قوله: (لِمَّة) بكسر اللام وتشديد الميم , أي: شعر رأسه , ويقال له إذا جاوز شحمة الأذنين وأَلَمّ بالمنكبين لِمةٌ , وإذا جاوزت المنكبين فهي جُمّةٌ , وإذا قصرت عنهما فهي وفرةٌ. قوله: (في حلةٍ حمراء) تقدّم حديث أبي جحيفة (٢) وفيه " حلة حمراء " أيضاً. ولأبي داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه: رأيت النّبيّ ﷺ يخطب بمنىً على بعير , وعليه برد أحمر. وإسناده حسن. وللطّبرانيّ بسندٍ حسن عن طارق المحاربيّ نحوه , لكن قال " بسوق

стр. 3750

ذي المجاز ". وقد تلخّص لنا من أقوال السّلف في لبس الثّوب الأحمر سبعة أقوال: القول الأوّل: الجواز مطلقاً. جاء عن عليّ وطلحة وعبد الله ابن جعفر والبراء وغير واحد من الصّحابة، وعن سعيد بن المسيّب والنّخعيّ والشّعبيّ وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التّابعين. القول الثّاني: المنع مطلقاً. لحديث عبد الله بن عمرو قال: رأى عليّ النّبي ﷺ ثوبين معصفرين فقال: إنّ هذه من ثياب الكفّار فلا تلبسهما. أخرجه مسلمٌ , وفي لفظٍ له " فقلت: أغسلهما؟ قال: لا بل احرقهما " , فإن غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر. قال البيهقيّ: فلو بلغ ذلك الشّافعيّ لقال به اتّباعاً للسّنّة كعادته , وقد كره المعصفر جماعةٌ من السّلف , ورخّص فيه جماعةٌ , وممَن قال بكراهته من أصحابنا الحليميّ , واتّباع السّنّة هو الأولى. وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ عن المفدّم. وهو بالفاء وتشديد الدّال , وهو المشبع بالعصفر فسّره في الحديث، وعن عمر , أنّه كان إذا رأى على الرّجل ثوباً معصفراً جذبه , وقال: دعوا هذا للنّساء. أخرجه الطّبريّ. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن: الحمرة من زينة الشّيطان ,

стр. 3751

والشّيطان يحبّ الحمرة , وصله أبو عليّ بن السّكن وأبو محمّد بن عديّ، ومن طريق البيهقيّ في " الشّعب " من رواية أبي بكر الهذليّ - وهو ضعيف - عن الحسن عن رافع بن يزيد الثّقفيّ رفعه: إنّ الشّيطان يحبّ الحمرة، وإيّاكم والحمرة، وكلّ ثوب ذي شهرة. وأخرجه ابن منده. وأدخل في روايةٍ له بين الحسن ورافع رجلاً، فالحديث ضعيف. وبالغ الجوزقانيّ , فقال: إنّه باطل، وقد وقفت على كتاب الجوزقانيّ المذكور. وترجمه " بالأباطيل " وهو بخطّ ابن الجوزيّ، وقد تبعه على ما ذكر في أكثر كتابه في " الموضوعات " , لكنّه لَم يوافقه على هذا الحديث. فإنّه ما ذكره في الموضوعات. فأصاب. وعن عبد الله بن عمرو قال: مرّ على النّبيّ ﷺ رجلٌ. وعليه ثوبان أحمران , فسلَّم عليه , فلم يردّ عليه النّبيّ ﷺ .. أخرجه أبو داود والتّرمذيّ وحسّنه والبزّار , وقال: لا نعلمه إلَّا بهذا الإسناد، وفيه أبو يحيى القتّات مختلف فيه. وعن رافع بن خديج قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فرأى على رواحلنا أكسية فيها خطوط عهن حمر , فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكم، قال: فقمنا سراعاً فنزعناها حتّى نفر بعض إبلنا. أخرجه أبو داود، وفي سنده راوٍ لَم يسمّ. وعن امرأة من بني أسد قالت: كنت عند زينب أمّ المؤمنين ونحن نصبغ ثياباً لها بمغرةٍ، إذ طلع النّبيّ ﷺ فلمّا رأى المغرة رجع، فلمّا

стр. 3752

رأت ذلك زينب غسلت ثيابها ووارت كلّ حمرة، فجاء فدخل. أخرجه أبو داود. وفي سنده ضعف. القول الثّالث: يُكره لبس الثّوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفاً، جاء ذلك عن عطاء وطاوسٍ ومجاهد. وكأنّ الحجّة فيه حديث ابن عمر المذكور قريباً في المفدّم. القول الرّابع: يُكره لبس الأحمر مطلقاً لقصد الزّينة والشّهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عبّاس. ورخّص مالكٌ في المعصفر والمزعفر في البيوت , وكرهه في المحافل. القول الخامس: يجوز لبس ما كان صُبغ غزله ثمّ نسج، ويمنع ما صُبغ بعد النّسج. جنح إلى ذلك الخطّابيّ. واحتجّ: بأنّ الحلة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه ﷺ الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ غزلها ثمّ ينسج. القول السّادس: اختصاص النّهي بما يصبغ بالمعصفر لورود النّهي عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ. ويعكّر عليه حديث المغرة المتقدّم. القول السّابع: تخصيص المنع بالثّوب الذي يصبغ كلّه؛ وأمّا ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا. وعلى ذلك تُحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء , فإنّ الْحُلل

стр. 3753

اليمانيّة غالباً تكون ذات خطوط حمر وغيرها. قال ابن القيّم: كان بعض العلماء يلبس ثوباً مشبعاً بالحمرة يزعم أنّه يتبع السّنّة، وهو غلط، فإنّ الحلة الحمراء من برود اليمن , والبرد لا يصبغ أحمر صرفاً. كذا قال. وقال الطّبريّ بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال: الذي أراه جواز لبس الثّياب المصبغة بكل لون، إلَّا أنّي لا أحبّ لبس ما كان مشبعاً بالحمرة ولا لبس الأحمر مطلقاً ظاهراً فوق الثّياب , لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا , فإنّ مراعاة زيّ الزّمان من المروءة ما لَم يكن إثماً، وفي مخالفة الزّيّ ضرب من الشّهرة. وهذا يمكن أن يلخّص منه قول ثامن. والتّحقيق في هذا المقام: أنّ النّهي عن لبس الأحمر. أولاً: إن كان من أجل أنّه لبس الكفّار. فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء كما سيأتي. ثانياً: إن كان من أجل أنّه زيّ النّساء , فهو راجع إلى الزّجر عن التّشبّه بالنّساء. فيكون النّهي عنه لا لذاته. ثالثاً: إن كان من أجل الشّهرة أو خرم المروءة , فيمنع حيث يقع ذلك، وإلَّا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التّفرقة بين المحافل والبيوت. قوله: (أحسن من رسول الله ﷺ ) ولهما من رواية إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كان

стр. 3754

رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجهاً وأحسنهم خلقاً .. " بفتح المعجمة للأكثر، وضبطه ابن التّين بضمّ أوّله , واستشهد بقوله تعالى: ﴿وإنّك لعلى خلق عظيم﴾. ووقع في رواية الإسماعيليّ بالشّكّ " وأحسنه خَلقاً أو خُلقاً " , ويؤيّده قوله قبله " أحسن النّاس وجهاً " , فإنّ فيه إشارة إلى الْحُسن الحسّيّ، فيكون في الثّاني إشارة إلى الْحُسن المعنويّ. وقد وقع في حديث أنس في الصحيحين: كان أحسن النّاس , وأشجع النّاس , وأجود النّاس. فجمع صفات القوى الثّلاث العقليّة والغضبيّة والشّهوانيّة، فالشّجاعة تدلّ على الغضبيّة، والجود يدلّ على الشّهوانيّة، والحسن تابع لاعتدال المزاج المستتبع لصفاء النّفس الذي به جودة القريحة الدّالّ على العقل، فوصف بالأحسنيّة في الجميع. وللبخاري من حديث جبير بن مطعم , أنّه ﷺ قال: ثمّ لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً. فأشار بعدم الجبن إلى كمال القوّة الغضبيّة وهي الشّجاعة، وبعدم الكذب إلى كمال القوّة العقليّة. وهي الحكمة , وبعدم البخل إلى كمال القوّة الشّهوانيّة. وهو الجود. قوله: (له شعرٌ يضرب منكبيه) ولهما من رواية شعبة عن أبي إسحاق " شعره يبلغ شحمة أذنيه " , وللبخاري عن يوسف بن إبي إسحاق عن جده " له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه ".

стр. 3755

وله أيضاً عن إسرائيل عن أبي إسحاق " إنَّ جمّته لتضرب قريباً من منكبيه " والجمّة - بضمّ الجيم وتشديد الميم - أي: شعر رأسه إذا نزل إلى قرب المنكبين. قال الجوهريّ في حرف الواو: والوفرة العشر إلى شحمة الأذن، ثمّ الجمّة , ثمّ اللمّة إذا ألمّت بالمنكبين. وقد خالف هذا في حرف الجيم. فقال: إذا بلغت المنكبين فهي جمّة، واللّمّة إذا جاوزت شحم الأذن. قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": كلام الجوهريّ الثّاني. هو الموافق لكلام أهل اللّغة. وجمع ابن بطّال بين اللفظين المختلفين في الحديث: بأنّ ذلك إخبار عن وقتين، فكان إذا غفل عن تقصيره بلغ قريب المنكبين , وإذا قصّه لَم يجاوز الأذنين. وجمع غيره: بأنّ الثّاني كان إذا اعتمر يقصّر , والأوّل في غير تلك الحالة. وفيه بُعد. ثمّ هذا الجمع إنّما يصلح لو اختلفت الأحاديث، وأمّا هنا فاللفظان وردا في حديث واحد متّحدا المخرج، وهما من رواية أبي إسحاق عن البراء؟ فالأولى في الجمع بينهما الحمل على المقاربة. قال ابن التّين تبعاً للدّاوديّ: قوله " يبلغ شحمة أذنيه " مغاير لقوله " إلى منكبيه ". وأجيب: بأنّ المراد أنّ معظم شعره كان عند

стр. 3756

شحمة أذنه، وما استرسل منه متّصل إلى المنكب. أو يحمل على حالتين. وقد وقع نظير ذلك في حديث أنس عند مسلم من رواية قتادة عنه , أنّ شعره كان بين أذنيه وعاتقه. وفي حديث حميدٍ عنه " إلى أنصاف أذنيه " , ومثله عند التّرمذيّ من رواية ثابت عنه. وعند ابن سعد من رواية حمّاد عن ثابت عنه " لا يجاوز شعره أذنيه " , وهو محمول على ما قدّمته، أو على أحوال متغايرة. وروى أبو داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة ودون الجمّة. وفي حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله ﷺ عند التّرمذيّ وغيره " فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه , إذا هو وفرة " أي: جعله وفرة، فهذا القيد يؤيّد الجمع المتقدّم. وروى أبو داود والتّرمذيّ من حديث أمّ هانئ قالت: رأيت رسول الله ﷺ وله أربع غدائر. ورجاله ثقات. قوله: (بعيد ما بين المنكبين) أي: عريض أعلى الظّهر، ووقع في حديث أبي هريرة عند ابن سعد " رحب الصّدر ". قوله: (ليس بالقصير ولا بالطّويل) ولهما من رواية شعبة عن أبي إسحاق " كان مربوعاً " , وللبخاري عن أنس " كان ربعة " بفتح الرّاء وسكون الموحّدة. أي: مربوعاً، والتّأنيث باعتبار النّفس، يقال رجل ربعة وامرأة ربعة.

стр. 3757

وقد فسّره في رواية إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق بقوله عندهما " ليس بالطّويل البائن ولا بالقصير ". والبائن بالموحّدة اسم فاعل من بان , أي: ظهر على غيره أو فارق من سواه. والمراد المفرط في الطّول مع اضطراب القامة. ووقع في حديث أبي هريرة عند الذّهليّ في " الزّهريّات " بإسنادٍ حسن " كان ربعة وهو إلى الطّول أقرب ". ووقع في حديث عائشة عند ابن أبي خيثمة: لَم يكن أحدٌ يُماشيه من النّاس ينسب إلى الطّول إلَّا طاله رسول الله ﷺ ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسبا إلى الطّول، ونسب رسول الله ﷺ إلى الرّبعة.

стр. 3758

الحديث الرابع ٤٠١ - عن البراء بن عازبٍ ﵁ , قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ: أمرنا بعيادة المريض , واتّباع الجنازة , وتشميت العاطس , وإبرار القسم أو المقسم , ونصر المظلوم , وإجابة الدّاعي , وإفشاء السّلام. ونهانا عن خواتيم أو عن تختّمٍ بالذّهب , وعن الشّرب بالفضّة، وعن المياثر، وعن القسّيّ , وعن لبس الحرير , والإستبرق , والدّيباج. (١) قوله: (أمرنا بعيادة المريض) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة " حقّ المسلم على المسلم خمس " , فذكر منها عيادة المريض. ووقع في رواية مسلم " خمس تجب للمسلم على المسلم " فذكرها منها. وجزم البخاري بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة. (٢) قال ابن بطّال: يحتمل: أن يكون الأمر على الوجوب , بمعنى الكفاية كإطعام الجائع وفكّ الأسير، ويحتمل: أن يكون للنّدب للحثّ على التّواصل والألفة. وجزم الدّاوديّ بالأوّل فقال: هي فرض يحمله بعض النّاس عن

стр. 3759

بعض، وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ بعض دون بعض. وعن الطّبريّ: تتأكّد في حقّ من ترجى بركته، وتسنّ فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك. ونقل النّوويّ الإجماع على عدم الوجوب، يعني على الأعيان. وفي البخاري من حديث أبي موسى مرفوعاً: فكوا العاني، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض. واستدل بعموم قوله " عودوا المريض " على مشروعيّة العيادة في كلّ مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد. لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجيّ قد يأتي مثله في بقيّة الأمراض كالمغمى عليه. وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعينيّ. أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم , وهو عند البخاريّ في " الأدب المفرد " وسياقه أتمّ. وأمّا ما أخرجه البيهقيّ والطّبرانيّ مرفوعاً: ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدّمّل والضّرس. فصحّح البيهقيُّ أنّه موقوف على يحيى بن أبي كثير. ويؤخذ من إطلاقه أيضاً عدم التّقييد بزمانٍ يمضي من ابتداء مرضه. وهو قول الجمهور. وجزم الغزاليّ في " الإحياء " بأنّه لا يُعاد إلَّا بعد ثلاث. واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان النّبيّ ﷺ لا

стр. 3760

يعود مريضاً إلَّا بعد ثلاث. وهذا حديث ضعيف جدّاً. تفرّد به مسلمة بن عليّ وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم , فقال: هو حديث باطل. ووجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة عند الطّبرانيّ في " الأوسط " وفيه راوٍ متروك أيضاً. ويلتحق بعيادة المريض تعهّده وتفقّد أحواله والتّلطّف به، وربّما كان ذلك في العادة سبباً لوجود نشاطه وانتعاش قوّته. وفي إطلاق الحديث. أنّ العيادة لا تتقيّد بوقتٍ دون وقت، لكن جرت العادة بها في طرفي النّهار، وترجمة البخاريّ في الأدب المفرد " العيادة في الليل "، وساق عن خالد بن الرّبيع , قال: لمَّا ثقل حذيفة أتوه في جوف الليل , أو عند الصّبح , فقال: أيّ ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النّار الحديث. ونقل الأثرم عن أحمد , أنّه قيل له بعد ارتفاع النّهار في الصّيف: تعود فلاناً؟ قال: ليس هذا وقت عيادة. ونقل ابن الصّلاح عن الفراويّ: أنّ العيادة تستحبّ في الشّتاء ليلاً وفي الصّيف نهاراً، وهو غريب. ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتّى يضجر المريض أو يشقّ على أهله. فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس كما في حديث جابر الذي بعده (١).

стр. 3761

وقد ورد في فضل العيادة أحاديث كثيرةٌ جياد. منها عند مسلم والتّرمذيّ من حديث ثوبان: إنّ المسلم إذا عاد أخاه المسلم لَم يزل في خرفة الجنّة. وخرفة: بضمّ المعجمة وسكون الرّاء بعدها فاء ثمّ هاء , هي الثّمرة إذا نضجت، شبّه ما يحوزه عائد المريض من الثّواب بما يحوزه الذي يجتني الثّمر. وقيل: المراد بها هنا الطّريق، والمعنى: أنّ العائد يمشي في طريق تؤدّيه إلى الجنّة. والتّفسير الأوّل أولى، فقد أخرجه البخاريّ في " الأدب المفرد " من هذا الوجه. وفيه " قلت لأبي قلابة: ما خرفة الجنّة؟ قال: جناها " , وهو عند مسلم من جملة المرفوع. وأخرج البخاريّ أيضاً من طريق عمر بن الحكم عن جابر رفعه: من عاد مريضاً خاض في الرّحمة حتّى إذا قعد استقرّ فيها. وأخرجه أحمد والبزّار وصحَّحه ابن حبّان والحاكم من هذا الوجه. وألفاظهم فيه مختلفة، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسندٍ حسن. تكميل: في الكافر خلاف , قال ابن بطّال: إنّما تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلى الدّخول في الإسلام، فأمّا إذا لَم يطمع في ذلك فلا.

стр. 3762

انتهى. والذي يظهر: أنّ ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى. قال الماورديّ: عيادة الذمّيِّ جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة. قوله: (واتّباع الجنائز) (١) الجنائز بفتح الجيم لا غير , جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان. قال ابن قتيبة وجماعة: الكسر أفصح، وقيل: بالكسر للنّعش وبالفتح للميّت، وقالوا: لا يقال نعش إلَّا إذا كان عليه الميّت. وفي الصحيحين " حقّ المسلم على المسلم خمس .. واتباع الجنائز " , وفي رواية لمسلم " خمس تجب للمسلم على المسلم " (٢). وقد تبيّن أنّ معنى " الحقّ " هنا الوجوب. خلافاً لقول ابن بطّال: المراد حقّ الحرمة والصّحبة، والظّاهر أنّ المراد به هنا وجوب الكفاية. قوله: (وتشميت) بالمعجمة وللسّرخسيّ بالمهملة، قال الخليل وأبو عبيد وغيرهما: يقال بالمعجمة وبالمهملة. وقال ابن الأنباريّ: كلّ داعٍ بالخير مشمّت بالمعجمة وبالمهملة،

стр. 3763

والعرب تجعل الشّين والسّين في اللفظ الواحد بمعنىً. انتهى. وهذا ليس مطّرداً , بل هو في مواضع معدودة , وقد جمعها شيخنا شمس الدّين الشّيرازيّ صاحب القاموس في جزء لطيف. قال أبو عبيد: التّشميت بالمعجمة أعلى وأكثر. وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل العربيّة وفي الرّواية. وقال ثعلب: الاختيار بالمهملة , لأنّه مأخوذ من السّمت وهو القصد والطّريق القويم. وأشار ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام " إلى ترجيحه. وقال القزّاز: التّشميت التّبريك , والعرب تقول: شمّته إذا دعا له بالبركة، وشمّت عليه إذا برّك عليه. وفي الحديث في قصّة تزويج عليّ بفاطمة " شمّت عليهما " إذا دعا لهما بالبركة. ونقل ابن التّين عن أبي عبد الملك , قال: التّسميت بالمهملة أفصح , وهو من سمت الإبل في المرعى إذا جمعت، فمعناه على هذا جمع الله شملك. وتعقّبه: بأنّ سمت الإبل إنّما هو بالمعجمة , وكذا نقله غير واحد أنّه بالمعجمة , فيكون معنى سمّته دعا له بأن يجمع شمله. وقيل: هو بالمعجمة من الشّماتة , وهو فرح الشّخص بما يسوء عدوّه , فكأنّه دعا له أن يكون في حال من يشمت به، أو أنّه إذا حمد الله أدخل على الشّيطان ما يسوءه فشمت هو بالشّيطان. وقيل: هو من الشّوامت جمع شامتة وهي القائمة، يقال: لا ترك

стр. 3764

الله له شامتة. أي: قائمة. وقال ابن العربيّ في " شرح التّرمذيّ ": تكلم أهل اللّغة على اشتقاق اللفظين. ولَم يبيّنوا المعنى فيه وهو بديع، وذلك أنّ العاطس ينحلّ كلّ عضو في رأسه وما يتّصل به من العنق ونحوه، فكأنّه إذا قيل رحمك الله كان معناه. أعطاه الله رحمة يرجع بها بذلك إلى حاله قبل العطاس ويقيم على حاله من غير تغيير. فإن كان التّسميت بالمهملة. فمعناه رجع كلّ عضو إلى سمته الذي كان عليه. وإن كان بالمعجمة. فمعناه صان الله شوامته. أي: قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال. قال: وشوامت كلّ شيء قوامه؛ فقوام الدّابّة بسلامة قوائمها التي ينتفع بها إذا سلمت، وقوام الآدميّ بسلامة قوائمه التي بها قوامه وهي رأسه وما يتّصل به من عنق وصدر. انتهى ملخّصاً. قوله: (العاطس) قال ابن دقيق العيد: ظاهر الأمر الوجوب، ويؤيّده قوله في حديث أبي هريرة في البخاري مرفوعاً " إنّ الله يحبّ العطاس، ويكره التّثاؤب، فإذا عطس فحمد الله، فحقٌّ على كل مسلمٍ سمعه أن يشمّته ". وفي حديث أبي هريرة عند مسلم " حقّ المسلم على المسلم ستّ. فذكر فيها. وإذا عطس فحمد الله فشمّته ".

стр. 3765

وللبخاريّ (١) من وجه آخر عن أبي هريرة " خمس تجب للمسلم على المسلم .. فذكر منها التّشميت " وهو عند مسلم أيضاً. وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي يعلى " إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد الله، وليقل من عنده: يرحمك الله " , ونحوه عند الطّبرانيّ من حديث أبي مالك. القول الأول: قد أخذ بظاهرها ابن مزينٍ من المالكيّة، وقال به جمهور أهل الظّاهر. وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنّه فرض عين. وقوّاه ابن القيّم في حواشي السّنن , فقال: جاء بلفظ الوجوب الصّريح، وبلفظ " الحقّ " الدّالّ عليه، وبلفظ " على " الظّاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصّحابيّ: أمرنا رسول الله ﷺ . قال: ولا ريب أنّ الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء. القول الثاني: ذهب آخرون: إلى أنّه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجّحه أبو الوليد بن رشيد وأبو بكر بن العربيّ , وقال به الحنفيّة وجمهور الحنابلة. القول الثالث: ذهب عبد الوهّاب وجماعة من المالكيّة إلى أنّه

стр. 3766

مستحبّ، ويجزئ الواحد عن الجماعة. وهو قول الشّافعيّة. والرّاجح من حيث الدّليل القول الثّاني، والأحاديث الصّحيحة الدّالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإنّ الأمر بتشميت العاطس - وإن ورد في عموم المكلفين - ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصحّ ويسقط بفعل البعض، وأمّا مَن قال إنّه فرض على مبهم , فإنّه ينافي كونه فرض عين. وقد خُصّ من عموم الأمر بتشميت العاطس جماعة: الأوّل: من لَم يحمد. فأخرج الشيخان عن أنس قال: عطس عند النبي ﷺ رجلان، فشمت أحدهما ولَم يشمت الآخر، فقال الذي لَم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست أنا فلم تشمتني، قال: إنَّ هذا حمد الله، وإنك لَم تحمد الله. ولمسلم من حديث أبي موسى بلفظ: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه , وإن لَم يحمد الله فلا تشمتوه. قال النووي: مقتضى هذا الحديث. أنَّ من لَم يحمد الله لَم يشمت. قلت: هو منطوقه، لكن هل النهي فيه للتحريم أو للتنزيه؟. الجمهور على الثاني. قال: وأقل الحمد والتشميت أن يسمع صاحبه، ويؤخذ منه أنه إذا أتى بلفظ آخر غير الحمد لا يشمت. وقد أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث سالم بن عبيد الأشجعي قال: عطس رجلٌ فقال: السلام عليكم، فقال النبي ﷺ :

стр. 3767

عليك وعلى أمك، وقال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله. واستدل به على أنه يشرع التشميت لمن حمد إذا عرف السامع أنه حمد الله وإن لَم يسمعه، كما لو سمع العطسة ولَم يسمع الحمد , بل سمع من شمت ذلك العاطس , فإنه يشرع له التشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد. وقال النووي: المختار أنه يشمته من سمعه دون غيره. وحكى ابن العربي اختلافا فيه , ورجح أنه يشمته. قلت: وكذا نقله ابن بطال وغيره عن مالك، واستثنى ابن دقيق العيد من علم أنَّ الذين عند العاطس جَهَلَة لا يفرقون بين تشميت من حمد وبين من لَم يحمد، والتشميت متوقف على من علم أنه حمد , فيمتنع تشميت هذا ولو شمته من عنده , لأنه لا يعلم هل حمد أو لا؟ فإن عطس وحمد ولَم يشمته أحدٌ فسمعه من بعد عنه استحب له أن يشمته حين يسمعه. وقد أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن , أنه كان في سفينة فسمع عاطساً على الشط حَمِد , فاكترى قارباً بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته , ثم رجع، فسئل عن ذلك؟ فقال: لعلَّه يكون مجاب الدعوة، فلما رقدوا سمعوا قائلا يقول: يا أهل السفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم. الثّاني: الكافر. فقد أخرج أبو داود وصحَّحه الحاكم من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: كانت اليهود يتعاطسون عند النّبيّ ﷺ .

стр. 3768

رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم ". قال ابن دقيق العيد: إذا نظرنا إلى قول مَن قال من أهل اللّغة: إنّ التّشميت الدّعاء بالخير. دخل الكفّار في عموم الأمر بالتّشميت، وإذا نظرنا إلى من خصّ التّشميت بالرّحمة لَم يدخلوا. قال: ولعلَّ من خصّ التّشميت بالدّعاء بالرّحمة بناه على الغالب , لأنّه تقييد لوضع اللفظ في اللّغة. قلت: وهذا البحث أنشأه من حيث اللّغة، وأمّا من حيث الشّرع. فحديث أبي موسى دالٌّ على أنّهم يدخلون في مطلق الأمر بالتّشميت، لكن لهم تشميت مخصوص وهو الدّعاء لهم بالهداية وإصلاح البال وهو الشّأن. ولا مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين , فإنّهم أهل الدّعاء بالرّحمة بخلاف الكفّار. الثّالث: المزكوم إذا تكرّر منه العطاس فزاد على الثّلاث. فإنّ ظاهر الأمر بالتّشميت يشمل من عطس واحدة أو أكثر. لكن أخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " من طريق محمّد بن عجلان عن سعيد المقبريّ عن أبي هريرة قال: يشمّته واحدة وثنتين وثلاثاً، وما كان بعد ذلك فهو زكام ". هكذا أخرجه موقوفاً من رواية سفيان بن عيينة عنه. وأخرجه أبو داود من طريق يحيى القطّان عن ابن عجلان كذلك ولفظه " شمّت أخاك " , وأخرجه من رواية الليث عن ابن عجلان , وقال فيه: لا أعلمه إلَّا رفعه إلى النّبيّ ﷺ .

стр. 3769

قال أبو داود: ورفعه موسى بن قيس عن ابن عجلان أيضاً. وفي " الموطّأ " عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه رفعه: إن عطس فشمّته، ثمّ إن عطس فشمّته، ثمّ إن عطس فقل: إنّك مضنوك. قال ابن أبي بكر: لا أدري بعد الثّالثة أو الرّابعة. وهذا مرسل جيّد، وأخرجه عبد الرّزّاق عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال: فشمّته ثلاثاً، فما كان بعد ذلك فهو زكام. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص: شمّتوه ثلاثاً، فإن زاد فهو داء يخرج من رأسه. موقوف أيضاً، ومن طريق عبد الله بن الزّبير: أنّ رجلاً عطس عنده فشمّته , ثمّ عطس , فقال له في الرّابعة: أنت مضنوك. موقوف أيضاً. ومن طريق عبد الله بن عمر مثله , لكن قال " في الثّالثة ". ومن طريق عليّ بن أبي طالب: شمّته ما بينك وبينه ثلاث، فإن زاد فهو ريح " , وأخرج عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة: يشمّت العاطس إذا تتابع عليه العطاس ثلاثاً. قال النّوويّ في " الأذكار ": إذا تكرّر العطاس متتابعاً فالسّنّة أن يشمّته لكل مرّة إلى أن يبلغ ثلاث مرّات، رويناه في صحيح مسلم وأبي داود والتّرمذيّ عن سلمة بن الأكوع , أنّه سمع النّبيّ ﷺ , وعطس عنده رجل فقال له: يرحمك الله، ثمّ عطس أخرى , فقال له رسول الله ﷺ : الرّجل مزكوم. هذا لفظ رواية مسلم، وأمّا أبو داود والتّرمذيّ فقالا: قال سلمة: عطس رجلٌ عند النّبيّ ﷺ . وأنا شاهد

стр. 3770

, فقال له رسول الله ﷺ : يرحمك الله، ثمّ عطس الثّانية أو الثّالثة , فقال رسول الله: يرحمك الله، هذا رجلٌ مزكومٌ ". انتهى كلامه , ونقلت من نسخة عليها خطّه بالسّماع عليه. والذي نسبه إلى أبي داود والتّرمذيّ من إعادة قوله ﷺ للعاطس يرحمك الله , ليس في شيء من نسخها كما سأبيّنه، فقد أخرجه أيضاً أبو عوانة وأبو نعيم في " مستخرجيهما " والنّسائيّ وابن ماجه والدّارميّ وأحمد وابن أبي شيبة وابن السّنّيّ وأبو نعيم أيضاً في " عمل اليوم والليلة " وابن حبّان في " صحيحه " والبيهقيّ في " الشّعب " كلّهم من رواية عكرمة بن عمّار عن إياس بن سلمة عن أبيه , وهو الوجه الذي أخرجه منه مسلم. وألفاظهم متفاوتة، وليس عند أحدٍ منهم إعادة يرحمك الله في الحديث. وكذلك ما نسبه إلى أبي داود والتّرمذيّ , أنّ عندهما " ثمّ عطس الثّانية أو الثّالثة " فيه نظرٌ، فإنّ لفظ أبي داود " أنّ رجلاً عطس " , والباقي مثل سياق مسلم سواء إلَّا أنّه لَم يقل أخرى. ولفظ التّرمذيّ مثل ما ذكره النّوويّ إلى قوله " ثمّ عطس " , فإنّه ذكره بعده مثل أبي داود سواء، وهذه رواية ابن المبارك عنده , وأخرجه من رواية يحيى القطّان , فأحال به على رواية ابن المبارك , فقال: نحوه إلَّا أنّه قال له في الثّانية. أنت مزكوم. وفي رواية شعبة: قال يحيى القطّان. وفي رواية عبد الرّحمن بن مهديّ " قال له في الثّالثة

стр. 3771

: أنت مزكوم ". وهؤلاء الأربعة رووه عن عكرمة بن عمّار. وأكثر الرّوايات المذكورة ليس فيها تعرّض للثّالثة. ورجّح التّرمذيّ مَن قال " في الثّالثة " على رواية مَن قال " في الثّانية ". وقد وجدت الحديث من رواية يحيى القطّان. يوافق ما ذكره النّوويّ. وهو ما أخرجه قاسم بن أصبغ في " مصنّفه " وابن عبد البرّ من طريقه قال: حدّثنا محمّد بن عبد السّلام حدّثنا محمّد بن بشّار حدّثنا يحيى القطّان حدّثنا عكرمة فذكره بلفظ " عطس رجلٌ عند النّبيّ ﷺ فشمّته، ثمّ عطس فشمّته، ثمّ عطس فقال له في الثّالثة: أنت مزكوم. هكذا رأيت فيه. ثمّ عطس فشمّته. وقد أخرجه الإمام أحمد عن يحيى القطّان. ولفظه " ثمّ عطس الثّانية والثّالثة , فقال النّبيّ ﷺ : الرّجل مزكوم. وهذا اختلاف شديد في لفظ هذا الحديث , لكن الأكثر على ترك ذكر التّشميت بعد الأولى. وأخرجه ابن ماجه من طريق وكيع عن عكرمة بلفظٍ آخر قال: يشمّت العاطس ثلاثاً؛ فما زاد فهو مزكوم. وجعل الحديث كلّه من لفظ النّبيّ ﷺ . وأفاد تكرير التّشميت. وهي رواية شاذّة لمخالفة جميع أصحاب عكرمة في سياقه، ولعلَّ ذلك من عكرمة المذكور لمَّا حدّث به وكيعاً. فإنّ في حفظه مقالاً، فإن

стр. 3772

كانت محفوظة فهو شاهد قويّ لحديث أبو هريرة. ويستفاد منه مشروعيّة تشميت العاطس ما لَم يزد على ثلاث إذا حمد الله. سواء تتابع عطاسه أم لا، فلو تتابع ولَم يحمد لغلبة العطاس عليه , ثمّ كرّر الحمد بعدد العطاس. فهل يشمّت بعدد الحمد؟. فيه نظرٌ. وظاهر الخبر نعم. وقد أخرج أبو يعلى وابن السّنّيّ من وجه آخر عن أبي هريرة النّهي عن التّشميت بعد ثلاث، ولفظه: إذا عطس أحدكم فليشمّته جليسه، فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا يشمّته بعد ثلاث. قال النّوويّ: فيه رجل لَم أتحقّق حاله، وباقي إسناده صحيح. قلت: الرّجل المذكور هو سليمان بن أبي داود الحرّانيّ، والحديث عندهما من رواية محمّد بن سليمان عن أبيه، ومحمّد موثّق. وأبوه يقال له الحرّانيّ ضعيف، قال فيه النّسائيّ: ليس بثقةٍ ولا مأمون. قال النّوويّ: وأمّا الذي رويناه في سنن أبي داود والتّرمذيّ عن عبيد بن رفاعة الصّحابيّ قال: قال رسول الله ﷺ : يشمّت العاطس ثلاثاً فإن زاد فإن شئت فشمّته , وإن شئت فلا. فهو حديث ضعيف. قال فيه التّرمذيّ: هذا الحديث غريب، وإسناده مجهول. قلت: إطلاقه عليه الضّعف ليس بجيّدٍ، إذا لا يلزم من الغرابة الضّعف، وأمّا وصف التّرمذيّ إسناده بكونه مجهولاً فلم يرد جميع رجال الإسناد فإنّ معظمهم موثّقون، وإنّما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنين منهم.

стр. 3773

وذلك أنّ أبا داود والتّرمذيّ أخرجاه معاً من طريق عبد السّلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرّحمن، ثمّ اختلفا: فأمّا رواية أبي داود. ففيها عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن أمّه حميدة أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة عن أبيها، وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مرسل كما سأبيّن , وعبد السّلام بن حرب من رجال الصّحيح. ويزيد هو أبو خالد الدّالانيّ , وهو صدوق في حفظه شيء، ويحيى بن إسحاق وثّقه يحيى بن معين. وأمّه حميدة روى عنها أيضاً زوجها إسحاق بن أبي طلحة، وذكرها ابن حبّان في ثقات التّابعين. وأبوها عبيد بن رفاعة ذكروه في الصّحابة لكونه ولد في عهد النّبيّ ﷺ , وله رؤية، قاله ابن السّكن، قال: ولَم يصحّ سماعه. وقال البغويّ: روايته مرسلة , وحديثه عن أبيه عند التّرمذيّ والنّسائيّ وغيرهما. وأمّا رواية التّرمذيّ. ففيها عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة عن أمّه عن أبيها. كذا سمّاه عمر. ولَم يسمّ أمّه ولا أباها، وكأنّه لَم يمعن النّظر فيه. ثمّ قال: إنّه إسناد مجهول. وقد تبيّن أنّه ليس بمجهولٍ، وأنّ الصّواب يحيى بن إسحاق لا عمر، فقد أخرجه الحسن بن سفيان وابن السّنّيّ وأبو نعيم وغيرهم من طريق عبد السّلام بن حرب , فقالوا: يحيى بن إسحاق، وقالوا: حميدة بغير شكٍّ. وهو المعتمد.

стр. 3774

وقال ابن العربيّ: هذا الحديث - وإن كان فيه مجهول - لكن يستحبّ العمل به , لأنّه دعاء بخيرٍ وصلة وتودّد للجليس، فالأولى العمل به. والله أعلم. وقال ابن عبد البرّ: دلَّ حديث عبيد بن رفاعة على أنّه يشمّت ثلاثاً , ويقال أنت مزكوم بعد ذلك، وهي زيادة يجب قبولها. فالعمل بها أولى. ثمّ حكى النّوويّ عن ابن العربيّ: أنّ العلماء اختلفوا. هل يقول لمن تتابع عطاسه أنت مزكوم في الثّانية أو الثّالثة أو الرّابعة؟ على أقوال. والصّحيح في الثّالثة. قال: ومعناه إنّك لست ممّن يشمّت بعدها , لأنّ الذي بك مرض , وليس من العطاس المحمود النّاشئ عن خفّة البدن. قال: فإن قيل: فإذا كان مرضاً فينبغي أن يشمّت بطريق الأولى , لأنّه أحوج إلى الدّعاء من غيره، قلنا: نعم. لكن يدعى له بدعاءٍ يلائمه لا بالدّعاء المشروع للعاطس , بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية. وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشّافعيّة , أنّه قال: يكرّر التّشميت إذا تكرّر العطاس إلَّا أن يعرف أنّه مزكوم فيدعو له بالشّفاء. قال: وتقريره أنّ العموم يقتضي التّكرار إلَّا في موضع العلة وهو الزّكام. قال: وعند هذا يسقط الأمر بالتّشميت عند العلم بالزّكام , لأنّ

стр. 3775

التّعليل به يقتضي أن لا يشمّت من علم أنّ به زكاماً أصلاً. وتعقّبه: بأنّ المذكور هو العلة دون التّعليل , وليس المعلل هو مطلق التّرك ليعمّ الحكم عليه بعموم علته، بل المعلل هو التّرك بعد التّكرير، فكأنّه قيل: لا يلزم تكرّر التّشميت لأنّه مزكوم. قال: ويتأيّد بمناسبة المشقّة النّاشئة عن التّكرار. الرّابع: ممّن يخصّ من عموم العاطسين من يكره التّشميت. قال ابن دقيق العيد: ذهب بعض أهل العلم إلى أنّ من عرف من حاله أنّه يكره التّشميت أنّه لا يشمّت إجلالاً للتّشميت أن يؤهّل له من يكرهه , فإن قيل: كيف يترك السّنّة لذلك؟ قلنا: هي سنّة لمن أحبّها، فأمّا من كرهها ورغب عنها فلا. قال: ويطّرد ذلك في السّلام والعيادة. قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنّه لا يمتنع من ذلك إلَّا من خاف منه ضرراً، فأمّا غيره فيشمّت امتثالاً للأمر ومناقضة للمتكبّر في مراده وكسراً لسورته في ذلك، وهو أولى من إجلال التّشميت. قلت: ويؤيّده أنّ لفظ التّشميت دعاء بالرّحمة. فهو يناسب المسلم كائناً من كان. والله أعلم. الخامس: قال ابن دقيق العيد: يستثنى أيضاً من عطس والإمام يخطب، فإنّه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والرّاجح الإنصات لإمكان تدارك التّشميت بعد فراغ الخطيب , ولا سيّما إن قيل بتحريم الكلام والإمام

стр. 3776

يخطب، وعلى هذا. فهل يتعيّن تأخير التّشميت حتّى يفرغ الخطيب , أو يشرع له التّشميت بالإشارة.؟. فلو كان العاطس الخطيب فحمد واستمرّ في خطبته فالحكم كذلك , وإن حمد فوقف قليلاً ليشمّت فلا يمتنع أن يشرع تشميته. السّادس: ممّن يمكن أن يستثنى , مَن كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله، كما إذا كان على الخلاء أو في الجماعة. فيؤخّر ثمّ يحمد الله فيشمّت. فلو خالف فحمد في تلك الحالة , هل يستحقّ التّشميت.؟ فيه نظرٌ. قوله: (وإبرار القسم أو المُقسِم) أي: بفعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارّاً. واختلف في ضبط السّين. فالمشهور: أنّها بالكسر وضمّ أوّله على أنّه اسم فاعل. وقيل: بفتحها. أي: الإقسام، والمصدر قد يأتي للمفعول مثل أدخلته مدخلاً بمعنى الإدخال. وكذا أخرجته. قال الرّاغب وغيره: القسم بفتحتين الحلف، وأصله من القسامة , وهي الأيمان التي على أولياء المقتول، ثمّ استعمل في كلّ حلف. قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال أقسمت بالله أو أقسمت مجردة. (١)

стр. 3777

فقال قوم: هي يمين وإن لم يقصد، وممن روي ذلك عنه ابن عمر وابن عباس، وبه قال النخعي والثوري والكوفيون. وقال الأكثرون: لا تكون يميناً إلا أن ينوي. وقال مالك: أقسمت بالله يميناً وأقسمت مجردة لا تكون يميناً إلَّا إن نوى. وقال الإمام الشافعي: المجردة لا تكون يميناً أصلاً ولو نوى، وأقسمت بالله إن نوى تكون يمينا. وقال إسحاق: لا تكون يمينا أصلا. وعن أحمد: كالأول , وعنه: كالثاني. وعنه: إن قال قسماً بالله فيمين جزماً لأنَّ التقدير أقسمت بالله قسماً، وكذا لو قال ألية بالله قوله: (ونصر المظلوم) هو فرض كفاية، وهو عامٌّ في المظلومين وكذلك في الناصرين بناء على أنَّ فرض الكفاية مخاطب به الجميع. وهو الراجح.

стр. 3778

ويتعين أحياناً على من له القدرة عليه وحده إذا لَم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علِم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير. وشرْطُ الناصرِ أن يكون عالماً بكون الفعل ظلما. ويقع النصْر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كمن أنقذ إنسانا من يد إنسان طالبه بمال ظلما وهدده إن لَم يبذله , وقد يقع بعد وهو كثير. تكميل: أخرج الشيخان عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً , فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه، أو تمنعه، من الظلم. فإنَّ ذلك نصره ". ولمسلم في حديث جابر نحو الحديث. وفيه " إن كان ظالماً فلينهه فإنه له نصرة ". قال ابن بطال: النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يئول إليه، وهو من وجيز البلاغة. قال البيهقي: معناه أنَّ الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسا ومعنى، فلو رأى إنساناً يريد أن يجب نفسه لظنه أن ذلك يزيل مفسدة طلبه الزنا مثلاً منعه من ذلك , وكان ذلك

стр. 3779

نصراً له، واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم. قوله: (وإجابة الدّاعي) نقل ابن عبد البرّ ثمّ عياض ثمّ النّوويّ الاتّفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس , وفيه نظرٌ. نعم المشهور من أقوال العلماء. القول الأول: الوجوب، وصرّح جمهور الشّافعيّة والحنابلة بأنّها فرض عين. ونصّ عليه مالك. القول الثاني: عن بعض الشّافعيّة والحنابلة أنّها مستحبّة، وذكر اللخميّ من المالكيّة أنّه المذهب، وكلام صاحب الهداية يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنّها سنّة، فكأنّه أراد أنّها وجبت بالسّنّة , وليست فرضاً كما عرف من قاعدتهم. القول الثالث: عن بعض الشّافعيّة والحنابلة. هي فرض كفاية. وحكى ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام ": أنّ محلّ ذلك إذا عمّت الدّعوة. أمّا لو خصّ كلّ واحد بالدّعوة فإنّ الإجابة تتعيّن. وشرط وجوبها أن يكون الدّاعي مكلفاً حرّاً رشيداً، وأن لا يخصّ الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يظهر قصد التّودّد لشخصٍ بعينه لرغبةٍ فيه أو رهبة منه، وأن يكون الدّاعي مسلماً على الأصحّ. وأن يختصّ باليوم الأوّل على المشهور، وأن لا يسبق فمن سبق تعيّنت الإجابة له دون الثّاني، وإن جاءا معاً قدّم الأقرب رحماً على الأقرب جواراً على الأصحّ، فإن استويا أقرع، وأن لا يكون هناك من يتأذّى بحضوره من منكر وغيره , وأن لا يكون له عذر.

стр. 3780

وضبطه الماورديّ بما يرخّص به في ترك الجماعة، هذا كلّه في وليمة العرس. وقال الكرمانيّ: قوله " الدّاعي " عامّ، وقد قال الجمهور: تجب في وليمة النّكاح وتستحبّ في غيرها , فيلزم استعمال اللفظ في الإيجاب والنّدب وهو ممتنع. قال: والجواب: أنّ الشّافعيّ أجازه، وحمله غيره على عموم المجاز. انتهى. ويحتمل: أن يكون هذا اللفظ - وإن كان عامّاً - فالمراد به خاصّ، وأمّا استحباب إجابة طعام غير العرس فمن دليل آخر. فأخرج الشيخان من رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: أجيبوا الدعوة إذا دعيتم. قال: كان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم. واللام في قوله " الدعوة ". يحتمل: أن تكون للعهد، والمراد وليمة العرس. ويؤيّده رواية ابن عمر الأخرى في الصحيحين " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها " , وقد تقرّر أنّ الحديث الواحد إذا تعدّدت ألفاظه , وأمكن حمل بعضها على بعض تعيّن ذلك. ويحتمل: أن تكون اللام للعموم , وهو الذي فهمه راوي الحديث , فكان يأتي الدّعوة للعرس ولغيره. وأخرجه مسلم وأبو داود من طريق أيّوب عن نافع بلفظ " إذا دعا

стр. 3781

أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه ". ولمسلمٍ من طريق الزّبيديّ عن نافع بلفظ " من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب " , وهذا يؤيّد ما فهمه ابن عمر , وأنّ الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشّافعيّة , فقال بوجوب الإجابة إلى الدّعوة مطلقاً عرساً كان أو غيره بشرطه؛ ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد الله بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة. وزعم ابن حزم: أنّه قول جمهور الصّحابة والتّابعين. ويعكّر عليه ما أخرجه أحمد في " مسنده " عن عثمان بن أبي العاص - وهو من مشاهير الصّحابة - أنّه قال في وليمة الختان: لَم يكن يُدعى لها. لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دُعوا. وعند عبد الرّزّاق بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر , أنّه دعا بالطّعام , فقال رجلٌ من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنّه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشّافعيّ وعبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس , أنّ ابن صفوان دعاه فقال: إنّي مشغول، وإن لَم تعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النّكاح. المالكيّة والحنفيّة والحنابلة وجمهور الشّافعيّة؛ وبالغ السّرخسيّ منهم فنقل فيه الإجماع.

стр. 3782

ولفظ الشّافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دعي إليها رجلٌ وليمةٌ. فلا أرخّص لأحدٍ في تركها، ولو تركها لَم يتبيّن أنّه عاصٍ في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. قوله: (وإفشاء السّلام) الإفشاء الإظهار، والمراد نشر السّلام بين النّاس ليحيوا سنّته. وفي رواية لهما " وردّ السلام " بدل إفشاء السلام. ولا مغايرة في المعنى , لأنّ ابتداء السّلام وردّه متلازمان، وإفشاء السّلام ابتداء يستلزم إفشاءه جواباً. وأخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " بسندٍ صحيح عن ابن عمر: إذا سلّمت فأسمِع , فإنّها تحيّة من عند الله. قال النّوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه، فإن لَم يسمعه لَم يكن آتياً بالسّنّة. ويستحبّ أن يرفع صوته بقدر ما يتحقّق أنّه سمعه، فإن شكّ استظهر. ويستثنى من رفع الصّوت بالسّلام ما إذا دخل على مكان فيه أيقاظ ونيام , فالسّنّة فيه ما ثبت في صحيح مسلم عن المقداد , قال: كان النّبيّ ﷺ يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً , ويسمع اليقظان. ونقل النّوويّ عن المتولي أنّه قال: يُكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسّلام؛ لأنّ القصد بمشروعيّة السّلام تحصيل الألفة، وفي التّخصيص إيحاش لغير من خصّ بالسّلام. وقد جاء إفشاء السّلام من حديث البراء بلفظٍ آخر. وهو عند

стр. 3783

البخاري في " الأدب المفرد " وصحَّحه ابن حبّان من طريق عبد الرّحمن بن عوسجة عنه رفعه: أفشوا السّلام تسلموا. وله شاهد من حديث أبي الدّرداء مثله عند الطّبرانيّ. ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ألا أدلّكم على ما تحابّون به؟ أفشوا السّلام بينكم. قال ابن العربيّ: فيه أنّ من فوائد إفشاء السّلام حصول المحبّة بين المتسالمين، وكان ذلك لِما فيه من ائتلاف الكلمة لتعمّ المصلحة بوقوع المعاونة على إقامة شرائع الدّين وإخزاء الكافرين، وهي كلمة إذا سمعت أخلصت القلب الواعي لها عن النّفور إلى الإقبال على قائلها. وعن عبد الله بن سلامٍ رفعه: أطعموا الطّعام وأفشوا السّلام. الحديث. وفيه: تدخلوا الجنّة بسلامٍ. أخرجه البخاريّ في " الأدب المفرد " وصحَّحه التّرمذيّ والحاكم، وللأوّلين وصحَّحه ابن حبّان من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: اعبدوا الرّحمن، وأفشوا السّلام. الحديث. وفيه: تدخلوا الجنان. ومن الأحاديث في إفشاء السّلام. ما أخرجه النّسائيّ عن أبي هريرة رفعه: إذا قعد أحدكم فليسلم , وإذا قام فليسلم , فليست الأولى أحقّ من الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق مجاهد عن ابن عمر. قال: إن كنتُ لأخرج إلى السّوق , وما لي حاجة إلَّا أن أسلِّم ويُسلّم عليّ.

стр. 3784

وأخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " من طريق الطّفيل بن أبيّ بن كعب عن ابن عمر نحوه , لكن ليس فيها شيء على شرط البخاريّ. واستدل بالأمر بإفشاء السّلام. على أنّه لا يكفي السّلام سرّاً بل يشترط الجهر , وأقلّه أن يسمع في الابتداء وفي الجواب. ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه. وقد أخرج النّسائيّ بسندٍ جيّد عن جابر رفعه: لا تسلِّموا تسليم اليهود , فإنّ تسليمهم بالرّءوس والأكفّ. ويُستثنى من ذلك حالة الصّلاة , فقد وردت أحاديث جيّدة , أنّه ﷺ ردّ السّلام وهو يُصلِّي إشارة، منها حديث أبي سعيد , أنّ رجلاً سلَّم على النّبيّ ﷺ وهو يُصلِّي. فردّ عليه إشارة. (١) ومن حديث ابن مسعود نحوه. (٢) وكذا من كان بعيداً بحيث لا يسمع التّسليم , يجوز السّلام عليه إشارة ويتلفّظ مع ذلك بالسّلام , وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال:

стр. 3785

يكره السّلام باليد , ولا يكره بالرّأس. وقال ابن دقيق العيد: استدل بالأمر بإفشاء السّلام مَن قال بوجوب الابتداء بالسّلام، وفيه نظرٌ. إذ لا سبيل إلى القول بأنّه فرض عين على التّعميم من الجانبين , وهو أن يجب على كلّ أحد أن يسلم على كلّ من لقيه لِما في ذلك من الحرج والمشقّة، فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين إذ لا قائل يجب على واحد دون الباقين، ولا يجب السّلام على واحد دون الباقين. قال: وإذا سقط على هذه الصّورة لَم يسقط الاستحباب , لأنّ العموم بالنّسبة إلى كلا الفريقين ممكن. انتهى. وهذا البحث ظاهر في حقّ مَن قال: إنّ ابتداء السّلام فرض عين، وأمّا مَن قال: فرض كفاية فلا يرد عليه , إذا قلنا إنّ فرض الكفاية ليس واجباً على واحد بعينه. قال: ويستثنى من الاستحباب من ورد الأمر بترك ابتدائه بالسّلام كالكافر. قلت: ويدلّ عليه قوله في الحديث المذكور قبل " إذا فعلتموه تحاببتم " والمسلم مأمور بمعاداة الكافر فلا يشرع له فعل ما يستدعي محبّته ومواددته. وقد اختلف أيضاً في مشروعيّة السّلام على الفاسق وعلى الصّبيّ، وفي سلام الرّجل على المرأة وعكسه، وإذا جمع المجلس كافراً ومسلماً هل يشرع السّلام مراعاة لحقّ المسلمين؟ أو يسقط من أجل الكافر؟.
следующие страницы →