← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه ". ولمسلمٍ من طريق الزّبيديّ عن نافع بلفظ " من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب " , وهذا يؤيّد ما فهمه ابن عمر , وأنّ الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشّافعيّة , فقال بوجوب الإجابة إلى الدّعوة مطلقاً عرساً كان أو غيره بشرطه؛ ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد الله بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة. وزعم ابن حزم: أنّه قول جمهور الصّحابة والتّابعين. ويعكّر عليه ما أخرجه أحمد في " مسنده " عن عثمان بن أبي العاص - وهو من مشاهير الصّحابة - أنّه قال في وليمة الختان: لَم يكن يُدعى لها. لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دُعوا. وعند عبد الرّزّاق بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر , أنّه دعا بالطّعام , فقال رجلٌ من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنّه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشّافعيّ وعبد الرّزّاق بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس , أنّ ابن صفوان دعاه فقال: إنّي مشغول، وإن لَم تعفني جئته. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النّكاح. المالكيّة والحنفيّة والحنابلة وجمهور الشّافعيّة؛ وبالغ السّرخسيّ منهم فنقل فيه الإجماع.

стр. 3782

ولفظ الشّافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دعي إليها رجلٌ وليمةٌ. فلا أرخّص لأحدٍ في تركها، ولو تركها لَم يتبيّن أنّه عاصٍ في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. قوله: (وإفشاء السّلام) الإفشاء الإظهار، والمراد نشر السّلام بين النّاس ليحيوا سنّته. وفي رواية لهما " وردّ السلام " بدل إفشاء السلام. ولا مغايرة في المعنى , لأنّ ابتداء السّلام وردّه متلازمان، وإفشاء السّلام ابتداء يستلزم إفشاءه جواباً. وأخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " بسندٍ صحيح عن ابن عمر: إذا سلّمت فأسمِع , فإنّها تحيّة من عند الله. قال النّوويّ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه، فإن لَم يسمعه لَم يكن آتياً بالسّنّة. ويستحبّ أن يرفع صوته بقدر ما يتحقّق أنّه سمعه، فإن شكّ استظهر. ويستثنى من رفع الصّوت بالسّلام ما إذا دخل على مكان فيه أيقاظ ونيام , فالسّنّة فيه ما ثبت في صحيح مسلم عن المقداد , قال: كان النّبيّ ﷺ يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً , ويسمع اليقظان. ونقل النّوويّ عن المتولي أنّه قال: يُكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسّلام؛ لأنّ القصد بمشروعيّة السّلام تحصيل الألفة، وفي التّخصيص إيحاش لغير من خصّ بالسّلام. وقد جاء إفشاء السّلام من حديث البراء بلفظٍ آخر. وهو عند

стр. 3783

البخاري في " الأدب المفرد " وصحَّحه ابن حبّان من طريق عبد الرّحمن بن عوسجة عنه رفعه: أفشوا السّلام تسلموا. وله شاهد من حديث أبي الدّرداء مثله عند الطّبرانيّ. ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ألا أدلّكم على ما تحابّون به؟ أفشوا السّلام بينكم. قال ابن العربيّ: فيه أنّ من فوائد إفشاء السّلام حصول المحبّة بين المتسالمين، وكان ذلك لِما فيه من ائتلاف الكلمة لتعمّ المصلحة بوقوع المعاونة على إقامة شرائع الدّين وإخزاء الكافرين، وهي كلمة إذا سمعت أخلصت القلب الواعي لها عن النّفور إلى الإقبال على قائلها. وعن عبد الله بن سلامٍ رفعه: أطعموا الطّعام وأفشوا السّلام. الحديث. وفيه: تدخلوا الجنّة بسلامٍ. أخرجه البخاريّ في " الأدب المفرد " وصحَّحه التّرمذيّ والحاكم، وللأوّلين وصحَّحه ابن حبّان من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: اعبدوا الرّحمن، وأفشوا السّلام. الحديث. وفيه: تدخلوا الجنان. ومن الأحاديث في إفشاء السّلام. ما أخرجه النّسائيّ عن أبي هريرة رفعه: إذا قعد أحدكم فليسلم , وإذا قام فليسلم , فليست الأولى أحقّ من الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق مجاهد عن ابن عمر. قال: إن كنتُ لأخرج إلى السّوق , وما لي حاجة إلَّا أن أسلِّم ويُسلّم عليّ.

стр. 3784

وأخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " من طريق الطّفيل بن أبيّ بن كعب عن ابن عمر نحوه , لكن ليس فيها شيء على شرط البخاريّ. واستدل بالأمر بإفشاء السّلام. على أنّه لا يكفي السّلام سرّاً بل يشترط الجهر , وأقلّه أن يسمع في الابتداء وفي الجواب. ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه. وقد أخرج النّسائيّ بسندٍ جيّد عن جابر رفعه: لا تسلِّموا تسليم اليهود , فإنّ تسليمهم بالرّءوس والأكفّ. ويُستثنى من ذلك حالة الصّلاة , فقد وردت أحاديث جيّدة , أنّه ﷺ ردّ السّلام وهو يُصلِّي إشارة، منها حديث أبي سعيد , أنّ رجلاً سلَّم على النّبيّ ﷺ وهو يُصلِّي. فردّ عليه إشارة. (١) ومن حديث ابن مسعود نحوه. (٢) وكذا من كان بعيداً بحيث لا يسمع التّسليم , يجوز السّلام عليه إشارة ويتلفّظ مع ذلك بالسّلام , وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال:

стр. 3785

يكره السّلام باليد , ولا يكره بالرّأس. وقال ابن دقيق العيد: استدل بالأمر بإفشاء السّلام مَن قال بوجوب الابتداء بالسّلام، وفيه نظرٌ. إذ لا سبيل إلى القول بأنّه فرض عين على التّعميم من الجانبين , وهو أن يجب على كلّ أحد أن يسلم على كلّ من لقيه لِما في ذلك من الحرج والمشقّة، فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين إذ لا قائل يجب على واحد دون الباقين، ولا يجب السّلام على واحد دون الباقين. قال: وإذا سقط على هذه الصّورة لَم يسقط الاستحباب , لأنّ العموم بالنّسبة إلى كلا الفريقين ممكن. انتهى. وهذا البحث ظاهر في حقّ مَن قال: إنّ ابتداء السّلام فرض عين، وأمّا مَن قال: فرض كفاية فلا يرد عليه , إذا قلنا إنّ فرض الكفاية ليس واجباً على واحد بعينه. قال: ويستثنى من الاستحباب من ورد الأمر بترك ابتدائه بالسّلام كالكافر. قلت: ويدلّ عليه قوله في الحديث المذكور قبل " إذا فعلتموه تحاببتم " والمسلم مأمور بمعاداة الكافر فلا يشرع له فعل ما يستدعي محبّته ومواددته. وقد اختلف أيضاً في مشروعيّة السّلام على الفاسق وعلى الصّبيّ، وفي سلام الرّجل على المرأة وعكسه، وإذا جمع المجلس كافراً ومسلماً هل يشرع السّلام مراعاة لحقّ المسلمين؟ أو يسقط من أجل الكافر؟.

стр. 3786

وقد ترجم البخاري لذلك كلّه. وقال النّوويّ: يستثنى من العموم بابتداء السّلام , من كان مشتغلاً بأكلٍ أو شرب أو جماع، أو كان في الخلاء أو الحمّام , أو نائماً أو ناعساً , أو مصلياً أو مؤذّناً ما دام متلبّساً بشيءٍ ممّا ذكر، فلو لَم تكن اللّقمة في فم الآكل مثلاً شرع السّلام عليه، ويشرع في حقّ المتبايعين وسائر المعاملات. واحتجّ له ابن دقيق العيد: بأنّ النّاس غالباً يكونون في أشغالهم , فلو روعي ذلك لَم يحصل امتثال الإفشاء. وقال ابن دقيق العيد: احتجّ من منع السّلام على من في الحمّام: بأنّه بيت الشّيطان وليس موضع التّحيّة لاشتغال من فيه بالتّنظيف. قال: وليس هذا المعنى بالقويّ في الكراهة، بل يدلّ على عدم الاستحباب. قلت: وقد أخرج الثوري في " جامعه " عن حمّاد عن إبراهيم قال: إن كان عليهم إزار فيسلم وإلَّا فلا. والنّهي عن السّلام عليهم , إمّا إهانةٌ لهم لكونهم على بدعةٍ , وإمّا لكونه يستدعي منهم الرّدّ , والتّلفّظ بالسّلام فيه ذكر الله , لأنّ السّلام من أسمائه , وأنّ لفظ سلامٌ عليكم من القرآن , والمتعرّي عن الإزار مشابهٌ لمن هو في الخلاء. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أمّ هانئ: أتيت النّبيّ ﷺ وهو يغتسل وفاطمة تستره. فسلمت عليه. الحديث. قال النّوويّ: وأمّا السّلام حال الخطبة في الجمعة فيكره للأمر

стр. 3787

بالإنصات، فلو سلَّم لَم يجب الرّدّ عند مَن قال الإنصات واجب، ويجب عند مَن قال إنّه سنّة، وعلى الوجهين لا ينبغي أن يردّ أكثر من واحد. وأمّا المشتغل بقراءة القرآن. فقال الواحديّ: الأولى ترك السّلام عليه , فإن سلَّم عليه كفاه الرّدّ بالإشارة، وإن ردّ لفظاً استأنف الاستعاذة وقرأ. قال النّوويّ: وفيه نظرٌ، والظّاهر أنّه يشرع السّلام عليه , ويجب عليه الرّدّ. ثمّ قال: وأمّا من كان مشتغلاً بالدّعاء مستغرقاً فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال هو كالقارئ، والأظهر عندي أنّه يكره السّلام عليه , لأنّه يتنكّد به ويشقّ عليه أكثر من مشقّة الأكل. وأمّا الملبّي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه , لأنّ قطعه التّلبية مكروه، ويجب عليه الرّدّ مع ذلك لفظاً أن لو سلم عليه. قال: ولو تبرّع واحدٌ من هؤلاء بردّ السّلام إن كان مشتغلاً بالبول ونحوه فيكره , وإن كان آكلاً ونحوه فيستحبّ في الموضع الذي لا يجب، وإن كان مصلياً لَم يجز أن يقول بلفظ المخاطبة كعليك السّلام أو عليك فقط، فلو فعل بطلت إن علم التّحريم لا إن جهل في الأصحّ، فلو أتى بضمير الغيبة لَم تبطل، ويستحبّ أن يردّ بالإشارة، وإن ردّ بعد فراغ الصّلاة لفظاً فهو أحبّ، وإن كان مؤذّناً أو ملبّياً لَم يكره له الرّدّ لفظاً لأنّه قدر يسير لا يبطل الموالاة.

стр. 3788

وقد تعقَّب والدي (١) ﵀ في نكته على الأذكار. ما قاله الشّيخ في القارئ: لكونه يأتي في حقّه نظير ما أبداه هو في الدّاعي؛ لأنّ القارئ قد يستغرق فكره في تدبّر معاني ما يقرؤه. ثمّ اعتذر عنه: بأنّ الدّاعي يكون مهتمّاً بطلب حاجته فيغلب عليه التّوجّه طبعاً، والقارئ إنّما يطلب منه التّوجّه شرعاً , فالوساوس مسلطة عليه ولو فرض أنّه يوفّق للحاجة العليّة فهو على ندور. انتهى. ولا يخفى أنّ التّعليل الذي ذكره الشّيخ من تنكّد الدّاعي يأتي نظيره في القارئ، وما ذكره الشّيخ في بطلان الصّلاة إذا ردّ السّلام بالخطاب ليس متّفقاً عليه، فعن الشّافعيّ نصٌّ في أنّه لا تبطل , لأنّه لا يريد حقيقة الخطاب بل الدّعاء، وإذا عذرنا الدّاعي والقارئ بعدم الرّدّ فردّ بعد الفراغ كان مستحبّاً. وذكر بعض الحنفيّة: أنّ من جلس في المسجد للقراءة أو التّسبيح أو لانتظاره الصّلاة لا يشرع السّلام عليهم، وإن سلم عليهم لَم يجب

стр. 3789

الجواب. قال: وكذا الخصم إذا سلم على القاضي لا يجب عليه الرّدّ. وكذلك الأستاذ إذا سلَّم عليه تلميذه لا يجب الرّدّ عليه. كذا قال , وهذا الأخير لا يوافق عليه. ويدخل في عموم إفشاء السّلام، السّلام على النّفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد، لقوله تعالى ﴿فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفسكم﴾ الآية. وأخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " وابن أبي شيبة بسندٍ حسن عن ابن عمر: يستحبّ إذا لَم يكن أحدٌ في البيت أن يقول: السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين. وأخرج الطّبريّ عن ابن عبّاس , ومن طريق كلٍّ من علقمة وعطاء ومجاهد نحوه. ويدخل فيه من مرّ على من ظنّ أنّه إذا سلَّم عليه لا يردّ عليه , فإنّه يشرع له السّلام , ولا يتركه لهذا الظّنّ , لأنّه قد يخطئ. قال النّوويّ: وأمّا قول من لا تحقيق عنده أنّ ذلك يكون سبباً لتأثيم الآخر فهو غباوة؛ لأنّ المأمورات الشّرعيّة لا تترك بمثل هذا، ولو أعملنا هذا لبطل إنكار كثير من المنكرات. قال: وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقول له بعبارةٍ لطيفة ردّ السّلام واجبٌ، فينبغي أن تردّ ليسقط عنك الفرض، وينبغي إذا تمادى على التّرك أن يحلله من ذلك لأنّه حقّ آدميّ. ورجّح ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام " المقالة التي زيّفها النّوويّ

стр. 3790

بأنّ مفسدة توريط المسلم في المعصية أشدّ من ترك مصلحة السّلام عليه، ولا سيّما وامتثال الإفشاء قد حصل مع غيره. قوله: (ونهانا عن خواتيم , أو عن تختّمٍ بالذّهب) (١) جمع خاتم، ويجمع أيضاً على خواتم بلا ياء، وعلى خياتيم بياءٍ بدل الواو، وبلا ياء أيضاً. وفي الخاتم ثمان لغات: فتح التّاء وكسرها وهما واضحتان، وبتقديمها على الألف مع كسر الخاء ختام، وبفتحها وسكون التّحتانيّة وضمّ المثنّاة بعدها واو خيتوم، وبحذف الياء والواو مع سكون المثنّاة ختم، وبألفٍ بعد الخاء وأخرى بعد التّاء خاتام، وبزيادة تحتانيّة بعد المثنّاة المكسورة خاتيام، وبحذف الأولى وتقديم التّحتانيّة خيتام، وقد جمعتها في بيت وهو: خاتام خاتم ختم خاتم وختا ... م خاتيام وخيتوم وخيتام وقبله: خذ نظم عدّ لغات الخاتم انتظمت ... ثمانياً ما حواها قبل نظام ثمّ زدت ثالثاً: وهمز مفتوح تاء تاسع وإذا ... ساغ القياس أتمّ العشر خاتام أمّا الأوّل: فذكر أبو البقاء في إعراب الشّواذّ في الكلام على من قرأ

стр. 3791

العالمين بالهمز , قال: ومثله الخأتم بالهمز. وأمّا الثّاني: فهو على الاحتمال، واقتصر كثيرون منهم النّوويّ على أربعة. والحقّ أنّ الختم والختام مختصّ بما يختم به فتكمل الثّمان فيه، وأمّا ما يتزيّن به فليس فيه إلَّا ستّة، وأنشدوا في الخاتيام. وهو أغربها: أخذت من سعداك خاتياماً ... لموعدٍ تكتسب الآثاما قوله: (وعن شرب بالفضّة) زاد مسلم من طريق أخرى عن البراء " فإنّه من شرب فيها في الدّنيا لَم يشرب فيها في الآخرة " , ومثله في حديث أبي هريرة رفعه: من شرب في آنية الفضّة والذّهب في الدّنيا لَم يشرب فيها في الآخرة، وآنية أهل الجنّة الذّهب والفضّة. أخرجه النّسائيّ بسندٍ قويّ. (١) قوله: (وعن المياثر) جمع ميثرة. وهي بكسر الميم وسكون التّحتانيّة وفتح المثلثة بعدها راء ثمّ هاء ولا همز فيها، وأصلها من الوثارة أو الوثرة بكسر الواو وسكون المثلثة، والوثير هو الفراش الوطيء , وامرأة وثيرة كثيرة اللحم. وقد أخرج أحمد والنّسائيّ وأصله عند أبي داود بسندٍ صحيح عن عليّ , قال: نُهي عن المياثر الأرجوان. هكذا عندهم بلفظ " نُهي " على البناء للمجهول، وهو محمول على الرّفع. وقد أخرج أحمد وأصحاب السّنن وصحَّحه ابن حبّان من طريق

стр. 3792

هبيرة بن يريم - بتحتانيّةٍ أوّله وزن عظيم - عن عليّ , قال: نهاني رسول الله ﷺ عن خاتم الذّهب، وعن لبس القسّيّ، والميثرة الحمراء. ولمسلم عن أبي بُرْدة، عن عليٍّ، قال: نَهاني النّبيّ ﷺ عن لبس القسّيّ، وعن جلوسٍ على المياثر، قال: والمياثر: شيءٌ كانت تجعله النّساء لبعولتهنّ على الرّحل كالقطائف الأرجوان. قال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النّهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباج وحرير. وقال الطّبريّ: هي وعاء يوضع على سرج الفرس أو رحل البعير من الأرجوان. وحكى في " المشارق " قولاً أنّها سروج من ديباج، وقولاً أنّها أغشية للسّروج من حرير، وقولاً أنّها تشبه المخدّة تحشى بقطنٍ , أو ريش يجعلها الرّاكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطّبريّ. والأقوال الثّلاثة. يحتمل: أن لا تكون متخالفة بل الميثرة تطلق على كلّ منها، وتفسير أبي عبيد. يحتمل: الثّاني والثّالث. وقيل: المياثر جلود السباع. قال النّوويّ: هو تفسير باطل مخالف لِمَا أطبق عليه أهل الحديث. قلت: وليس هو بباطلٍ، بل يمكن توجيهه، وهو ما إذا كانت

стр. 3793

الميثرة وطاء صنعت من جلد ثمّ حشيت، والنّهي حينئذٍ عنها. إمّا لأنّها من زيّ الكفّار، وإمّا لأنّها لا تعمل فيها الذّكاة، أو لأنّها لا تذكّى غالباً فيكون فيه حجّة لمن منع لبس ذلك ولو دبغ، لكن الجمهور على خلافه، وأنّ الجلد يطهر بالدّباغ. وقد اختلف أيضاً في الشّعر. هل يطهر بالدّباغ؟. لكن الغالب على المياثر أن لا يكون فيها شعر. وقد ثبت النّهي عن الرّكوب على جلود النّمور. أخرجه النّسائيّ من حديث المقدام بن معد يكرب، وهو ممّا يؤيّد التّفسير المذكور. ولأبي داود: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر. وعلى كلّ تقدير فالميثرة , وإن كانت من حرير فالنّهي فيها كالنّهي عن الجلوس على الحرير، وقد تقدّم القول فيه (١). ولكن تقييدها بالأحمر أخصّ من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريراً، ويتأكّد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير فالنّهي فيها للزّجر عن التّشبّه بالأعاجم. قال ابن بطّال: كلام الطّبريّ يقتضي التّسوية في المنع من الرّكوب عليه. سواء كانت من حرير أم من غيره، فكان النّهي عنها إذا لَم يكن من حرير للتّشبّه أو للسّرف أو التّزيّن، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التّحريم والتّنزيه، وأمّا تقييدها بالحمرة. فمن يحمل المطلق على المقيّد وهم الأكثر , يخصّ المنع بما كان أحمر.

стр. 3794

والأرجوان المذكور في الرّواية التي أشرت إليها , بضمّ الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثمّ واو خفيفة. وحكى عياض ثمّ القرطبيّ: فتح الهمزة , وأنكره النّوويّ , وصوّب أنّ الضّمّ هو المعروف في كتب الحديث واللّغة والغريب. واختلفوا في المراد به. فقيل: هو صبغ أحمر شديد الحمرة. وهو نور شجر من أحسن الألوان. وقيل: الصّوف الأحمر. وقيل: كلّ شيء أحمر فهو أرجوان. ويقال: ثوب أرجوان وقطيفة أرجوان. وحكى السّيرافيّ: أحمر أرجوان , فكأنّه وصف للمبالغة في الحمرة كما يقال: أبيض يقق , وأصفر فاقع. واختلفوا. هل الكلمة عربيّة أو معرّبة؟. فإن قلنا: باختصاص النّهي بالأحمر من المياثر , فالمعنى في النّهي عنها ما في غيرها كما تقدّم في حديث البراء قبله. وإن قلنا: لا يختصّ بالأحمر فالمعنيّ بالنّهي عنها ما فيه من التّرفّه، وقد يعتادها الشّخص فتعوزه فيشقّ عليه تركها , فيكون النّهي نهي إرشاد لمصلحةٍ دنيويّة. وإن قلنا: النّهي عنها من أجل التّشبّه بالأعاجم فهو لمصلحةٍ دينيّة، لكن كان ذلك شعارهم حينئذٍ وهم كفّار , ثمّ لمَّا لَم يصر الآن يختص

стр. 3795

بشعارهم زال ذلك المعنى , فتزول الكراهة، والله أعلم. قوله: (وعن القسّيّ) بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء نسبة. وذكر أبو عبيد في " غريب الحديث ": أنّ أهل الحديث يقولونه بكسر القاف وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد يقال: لها القسّ. رأيتها , ولَم يعرفها الأصمعيّ. وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقسّ بمصر. منهم الطّبريّ وابن سيده. وقال الحازميّ: هي من بلاد السّاحل. وقال المُهلَّب: هي على ساحل مصر , وهي حصن بالقرب من الفرما من جهة الشّام، وكذا وقع في حديث ابن وهب: أنّها تلي الفرما. والفرما بالفاء وراء مفتوحة. وقال النّوويّ: هي بقرب تنيس وهو متقارب، وحكى أبو عبيد الهرويّ عن شمر اللّغويّ: أنّها بالزّاي لا بالسّين نسبة إلى القزّ وهو الحرير , فأبدلت الزّاي سيناً. وحكى ابن الأثير في " النّهاية ": أنّ القسّ الذي نسب إليه , هو الصّقيع , سُمِّي بذلك لبياضه، وهو والذي قبله كلام من لَم يعرف القسّ القرية. وذكر البخاري معلَّقا. ووقع لنا موصولاً في " أمالي المحامليّ " , قال عاصمٌ: عن أبي بُرْدة، قال: قلت: لعليٍّ: ما القسّيّة؟ قال: ثيابٌ أتتنا من الشّأم، أو من مصر، مضلعةٌ فيها حريرٌ , وفيها أمثال

стр. 3796

الأترنج. ولمسلم من طريق عبد الله بن إدريس سمعت عاصم بن كليب عن أبي بُرْدة - وهو ابن أبي موسى الأشعريّ - عن عليّ قال: نهاني رسول الله ﷺ عن لبس القسّيّ. وعن المياثر، قال: فأمّا القسّيّ فثياب مضلعة يُؤتى بها من مصر والشّام فيها شبه كذا. الحديث. وأخرج مسلم من وجهين آخرين. عن عليّ النّهي عن لباس القسّيّ , لكن ليس فيه تفسيره. وقوله " مضلعة فيها حرير ".أي: فيها خطوط عريضة كالأضلاع، وحكى المنذريّ: أنّ المراد بالمضلع ما نسج بعضه وترك بعضه. وقوله: " فيها حرير " يشعر بأنّها ليست حريراً صرفاً. وحكى النّوويّ عن العلماء: أنّها ثياب مخلوطة بالحرير. وقيل: من الخزّ وهو رديء الحرير. وقوله " وفيها أمثال الأترنج ". أي: أنّ الأضلاع التي فيها غليظة معوجّة واستدل بالنّهي عن لبس القسّيّ على منع لبس ما خالطه الحرير من الثّياب لتفسير القسّيّ. بأنّه ما خالط غير الحرير فيه الحرير. ويؤيّده عطف الحرير على القسّيّ في حديث الباب. ووقع كذلك في حديث عليّ عند أبي داود والنّسائيّ وأحمد بسندٍ صحيح على شرط الشّيخين من طريق عبيدة بن عمرو عن عليّ قال: نهاني النّبيّ ﷺ عن القسّيّ والحرير.

стр. 3797

ويحتمل: أن تكون المغايرة باعتبار النّوع , فيكون الكلّ من الحرير كما وقع عطف الدّيباج على الحرير في حديث حذيفة الماضي قريباً. ولكنّ الذي يظهر من سياق طرق الحديث في تفسير القسّيّ , أنّه الذي يخالط الحرير لا أنّه الحرير الصِّرف. فعلى هذا. القول الأول. يحرم لبس الثّوب الذي خالطه الحرير. وهو قول بعض الصّحابة كابن عمر والتّابعين كابن سيرين. القول الثاني: ذهب الجمهور: إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب. وعمدتهم في ذلك تفسير الحلة السّيراء (١) وما انضاف إلى ذلك من

стр. 3798

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3799

الرّخصة في العلم في الثّوب إذا كان من حرير. كما سيأتي تقريره في حديث عمر (١). قال ابن دقيق العيد: وهو قياس في معنى الأصل، لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز كلّ مختلط، وإنّما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قدر أربع أصابع لو كانت منفردة بالنّسبة لجميع الثّوب , فيكون المنع من لبس الحرير شاملاً للخالص والمختلط، وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى وهو أربع أصابع إذا كانت منفردة، ويلتحق بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة. قال: وقد توسّع الشّافعيّة في ذلك، ولهم طريقان: أحدهما: وهو الرّاجح اعتبار الوزن، فإن كان الحرير أقلّ وزناً لَم يحرم أو أكثر حرم، وإن استويا فوجهان. اختلف التّرجيح فيهما عندهم. والطّريق الثّاني: الاعتبار بالقلة والكثرة بالظّهور، وهذا اختيار القفّال ومن تبعه. وعند المالكيّة في المختلط أقوال ثالثها الكراهة، ومنهم من فرّق بين الخزّ وبين المختلط بقطنٍ ونحوه. فأجاز الخزّ ومنع الآخر. وهذا مبنيّ على تفسير الخزّ، وقد تقدّم في بعض تفاسير القسّيّ أنّه

стр. 3800

الخزّ. فمَن قال: إنّه رديء الحرير فهو الذي يتنزّل عليه القول المذكور. ومَن قال: إنّه ما كان من وبر فخلط بحريرٍ لَم يتّجه التّفصيل المذكور. واحتجّ أيضاً من أجاز لبس المختلط: بحديث ابن عبّاس: إنّما نهى رسول الله ﷺ عن الثّوب المصمت من الحرير , فأمّا العلم من الحرير وسدى الثّوب فلا بأس به. أخرجه الطّبرانيّ بسندٍ حسن هكذا، وأصله عند أبي داود، وأخرجه الحاكم بسندٍ صحيح بلفظ " إنّما نهى عن المصمت إذا كان حريراً ". وللطّبرانيّ من طريق ثالث: نهى عن مُصمت الحرير , فأمّا ما كان سداه من قطن أو كتّان فلا بأس به. واستدل ابن العربيّ للجواز أيضاً: بأنّ النّهي عن الحرير حقيقة في الخالص، والإذن في القطن ونحوه صريح، فإذا خُلطا بحيث لا يسمّى حريراً بحيث لا يتناوله الاسم ولا تشمله عِلَّة التّحريم خرج عن الممنوع فجاز. وقد ثبت لبس الخزّ عن جماعة من الصّحابة وغيرهم. قال أبو داود: لَبِسَه عشرون نفساً من الصّحابة وأكثر. وأورده ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التّابعين بأسانيد جياد. وأعلى ما ورد في ذلك. ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ من طريق

стр. 3801

عبد الله بن سعد الدّشتكيّ عن أبيه قال: رأيت رجلاً على بغلة وعليه عمامة خزّ سوداء. وهو يقول: كسانيها رسول الله ﷺ . وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمّار بن أبي عمّار قال: أتت مروانَ بنَ الحكم مطارف خزّ، فكساها أصحاب رسول الله ﷺ . والأصحّ في تفسير الخزّ أنّه ثياب سداها من حرير ولحمتها من غيره. وقيل: تنسج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه. وقيل: أصله اسم دابّة يقال لها الخرّ , سُمِّي الثّوب المتّخذ من وبره خزّاً لنعومته , ثمّ أطلق على ما يخلط بالحرير لنعومة الحرير. وعلى هذا فلا يصحّ الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير ما لَم يتحقّق أنّ الخزّ الذي لِبَسَه السّلف كان من المخلوط بالحرير. والله أعلم. وأجاز الحنفيّة والحنابلة: لبس الخزّ ما لَم يكن فيه شهرة، وعن مالك الكراهة، وهذا كلّه في الخزّ. وأمّا القزّ بالقاف بدل الخاء المعجمة. فقال الرّافعيّ: عدّ الأئمّة القزّ من الحرير وحرّموه على الرّجال ولو كان كمد اللون، ونقل الإمام الاتّفاق عليه , لكن حكى المتولي في " التّتمّة " وجهاً أنّه لا يحرم , لأنّه ليس من ثياب الزّينة. قال ابن دقيق العيد: إن كان مراده بالقزّ ما نطلقه نحن الآن عليه فليس يخرج عن اسم الحرير فيحرم، ولا اعتبار بكمودة اللون , ولا

стр. 3802

بكونه ليس من ثياب الزّينة , فإنّ كلاً منهما تعليل ضعيف لا أثر له بعد انطلاق الاسم عليه. انتهى كلامه. ولَم يتعرّض لمقابل التّقسيم؛ وهو وإن كان المراد به شيئاً آخر فيتّجه كلامه، والذي يظهر أنّ مراده به رديء الحرير، وهو نحو ما تقدّم في الخزّ، ولأجل ذلك وصفه بكمودة اللون. والله أعلم. قوله: (وعن لبس الحرير , والإستبرق , والدّيباج) الحرير قد سبق القول فيه , والدّيباج والإستبرق: صنفان نفيسان منه. والإستبرق: ما غلظ من الدّيباج , وهو معرّب. والدّيباج هو بكسر المهملة. وحكي فتحها. وقال أبو عبيدة: الفتح مولدٌ. أي: ليس بعربيٍّ.

стр. 3803

الحديث الخامس ٤٠٢ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ اصْطَنع خاتماً من ذهبٍ، فكان يجعل فصّه في باطن كفّه إذا لبسه، فصنع النّاس كذلك، ثمّ إنّه جلس على المنبر فنزعه فقال: إنّي كنت أَلبس هذا الخاتم , وأجعل فصّه من داخلٍ , فرمى به , ثمّ قال: والله لا ألبسه أبداً فنبذ النّاس خواتيمهم. (١) وفي لفظٍ: جعله في يده اليمنى. (٢) قوله: (اصطنع خاتماً من ذهبٍ) في رواية لهما " اتّخذ النّبيّ ﷺ خاتماً من ذهبٍ " , ومعنى اتّخذه: أمر بصياغته فصيغ فلبسه، أو وجده مصوغاً فاتّخذه. قال الخطّابيّ: لَم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلمّا أراد النّبيّ ﷺ أن يكتب إلى الملوك اتّخذ الخاتم واتّخذه من ذهب، ثمّ رجع عنه لِما فيه من الزّينة ولِما يخشى من الفتنة، وجعل فصّه ممّا يلي باطن كفّه

стр. 3804

ليكون أبعد من التّزيّن. قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": دعواه أنّ العرب لا تعرف الخاتم عجيبة فإنّه عربيّ , وكانت العرب تستعمله. انتهى. ويحتاج إلى ثبوت لبسه عن العرب , وإلاَّ فكونه عربيّاً واستعمالهم له في ختم الكتب لا يردّ على عبارة الخطّابيّ. وقد قال الطّحاويّ بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود والنّسائيّ عن أبي ريحانة قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الخاتم إلَّا لذي سلطان. : ذهب قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلَّا لذي سلطان. وخالفهم آخرون فأباحوه، ومن حجّتهم حديث أنس في الصحيحين , أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا ألقى خاتمه ألقى النّاس خواتيمهم. فإنّه يدلّ على أنّه كان يلبس الخاتم في العهد النّبويّ من ليس ذا سلطان، فإن قيل: هو منسوخ , قلنا: الذي نسخ منه لبس خاتم الذّهب. قلت: أو لُبس خاتم المنقوش عليه نقش خاتم النّبيّ ﷺ (١). ثمّ أورد عن جماعة من الصّحابة والتّابعين أنّهم كانوا يلبسون الخواتم ممّن ليس له سلطان. انتهى.

стр. 3805

ولَم يُجب عن حديث أبي ريحانة. والذي يظهر أنّ لبسه لغير ذي سلطان خلاف الأولى، لأنّه ضربٌ من التّزيّن، واللائق بالرّجال خلافه، وتكون الأدلة الدّالة على الجواز هي الصّارفة للنّهي عن التّحريم. ويؤيّده: أنّ في بعض طرقه " نهى عن الزّينة والخاتم .. الحديث "، ويمكن أن يكون المراد بالسّلطان من له سلطان على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا السّلطان الأكبر خاصّة , والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه عبثاً. وأمّا من لبس الخاتم الذي لا يختم به , وكان من الفضّة للزّينة فلا يدخل في النّهي، وعلى ذلك يحمل حال من لبسه. ويؤيّده ما ورد من صفة نقش خواتم بعض من كان يلبس الخواتم ممّا يدلّ على أنّها لَم تكن بصفة ما يختم به. وقد سئل مالك عن حديث أبي ريحانة فضعّفه , وقال: سأل صدقةُ بن يسار سعيدَ بنَ المسيّب فقال: البَسِ الخاتم، وأخبر النّاس أنّي قد أفتيتك. والله أعلم. تكملة: جزم أبو الفتح اليعمريّ , أنّ اتّخاذ الخاتم كان في السّنة السّابعة، وجزم غيره بأنّه كان في السّادسة. ويُجمع بأنّه كان في أواخر السّادسة وأوائل السّابعة , لأنّه إنّما اتّخذه عند إرادته مكاتبة الملوك (١)، وكان إرساله إلى الملوك في مدّة الهدنة،

стр. 3806

وكان في ذي القعدة سنة ستّ، ورجع إلى المدينة في ذي الحجّة، ووجّه الرّسل في المحرم من السّابعة. وكان اتّخاذه الخاتم قبل إرساله الرّسل إلى الملوك. والله أعلم قوله: (فكان يجعل فصّه) قال الجوهريّ: الفصّ بفتح الفاء والعامّة تكسرها وأثبتها غيره لغة , وزاد بعضهم الضّمّ. وعليه جرى ابن مالك في المثلث. وللبخاري من طريق معتمر، قال: سمعت حميداً يحدّث عن أنسٍ ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ كان خاتمه من فضّةٍ , وكان فصّه منه. وفي رواية أبي داود من طريق زهير بن معاوية عن حميدٍ " من فضّة كلّه " فهذا نصٌّ في أنّه كلّه من فضّة. وأمّا ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ من طريق إياس بن الحارث بن معيقيب عن جدّه قال: كان خاتم النّبيّ ﷺ من حديد ملويّاً عليه فضّة، فربّما كان في يدي، قال: وكان معيقيب على خاتم النّبيّ ﷺ . يعني كان أميناً عليه. فيُحمل على التّعدّد. وقد أخرج له ابن سعد شاهداً مرسلاً عن مكحول , أنّ خاتم رسول الله ﷺ كان من حديد ملويّاً عليه فضّة، غير أنّ فصّه بادٍ.

стр. 3807

وآخر مرسلاً عن إبراهيم النّخعيّ مثله دون ما في آخره. وثالثاً من رواية سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص , أنّ خالد بن سعيد - يعني ابن العاص - أتى وفي يده خاتم، فقال له رسول الله ﷺ ما هذا؟ اطرحه، فطرحه فإذا خاتم من حديد ملويّ عليه فضّة. قال: فما نقشه؟ قال: محمّد رسول الله، قال: فأخذه فلبسه. وقوله " وكان فصّه منه ". لا يعارضه ما أخرجه مسلم عن أنس: كان خاتم النّبيّ ﷺ من ورق , وكان فصّه حبشيّاً. لأنّه إمّا أن يُحمل على التّعدّد , وحينئذٍ فمعنى قوله " حبشيّ ". أي: كان حجراً من بلاد الحبشة، أو على لون الحبشة، أو كان جزعاً أو عقيقاً , لأنّ ذلك قد يؤتى به من بلاد الحبشة. ويحتمل: أن يكون هو الذي فصّه منه , ونسب إلى الحبشة لصفةٍ فيه. إمّا الصّياغة وإمّا النّقش قوله: (في باطن كفّه إذا لبسه) قال ابن بطّال: قيل لمالك يجعل الفصّ في باطن الكفّ؟ قال: لا. قال ابن بطّال: ليس في كون فصّ الخاتم في بطن الكفّ ولا ظهرها أمر ولا نهي. وقال غيره: السّرّ في ذلك أنّ جعله في بطن الكفّ أبعد من أن يظنّ أنّه فعله للتّزيّن به، وقد أخرج أبو داود من حديث ابن عبّاس جعله في ظاهر الكفّ. كما سأذكره قريباً. قوله: (فصنع النّاس كذلك) وللبخاري " فاتّخذ النّاس مثله ".

стр. 3808

يحتمل: أن يكون المراد بالمثليّة كونه من فضّة (١) وكونه على صورة النّقش المذكورة. ويحتمل: أن يكون لمطلق الاتّخاذ. وقوله: (فرمى به , ثم قال: والله لا ألبسه أبداً) وقع عند البخاري في رواية جويريّة عن نافع " فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه , فقال: إنّي كنت اصطنعته، وإنّي لا ألبسه " , وفي رواية المغيرة بن زياد عن نافع عند النسائي " فرمى به، فلا ندري ما فعل ". وهذا يحتمل: أن يكون كرهه من أجل المشاركة، أو لَمَّا رأى زهوهم بلبسه. ويحتمل: أن يكون لكونه من ذهب وصادف وقت تحريم لبس الذّهب على الرّجال. ويؤيّد هذا رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر المختصرة في البخاري بلفظ " كان رسول الله ﷺ يلبس خاتماً من ذهب، فنبذه فقال: لا ألبسه أبداً. وفي رواية لهما " ثمّ ألقاه، ثمّ اتّخذ خاتماً من ورقٍ. ونقش فيه محمّدٌ رسول الله .. " قوله: (والله لا ألبسه أبداً) ولهما من رواية بشير بن نهيكٍ عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ , أنّه نهى عن خاتم الذّهب. قال ابن دقيق العيد: إخبار الصحابي عن الأمر والنهي على ثلاث

стр. 3809

مراتب: الأولى: أن يأتي بالصيغة كقوله: افعلوا أو لا تفعلوا. الثانية: قوله (أمرنا رسول الله ﷺ بكذا ونهانا عن كذا) وهو كالمرتبة الأولى في العمل به أمراً ونهيا، وإنما نزل عنها لاحتمال أن يكون ظن ما ليس بأمر أمراً، إلَّا أن هذا الاحتمال مرجوح للعلم بعدالته ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة. المرتبة الثالثة: أُمرنا ونُهينا على البناء للمجهول وهي كالثانية، وإنما نزلت عنها لاحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ . وإذا تقرر هذا فالنهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختصٌ بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء. قلت: وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة , أنّ النّجاشيَّ أهدى للنّبيّ ﷺ حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذه وإنّه لمعرض عنه، ثمّ دعا أُمامة بنت ابنته , فقال: تحلّي به. قال ابن دقيق العيد: وظاهر النّهي التّحريم، وهو قول الأئمّة واستقرّ الأمر عليه. وقال عياض: وما نقل عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم من تختّمه بالذّهب فشذوذ، والأشبه أنّه لَم تبلغه السّنّة فيه. فالنّاس بعده مجمعون على خلافه، وكذا ما روي فيه عن خبّاب , وقد قال له ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن يُلقى؟ فقال: إنّك لن تراه عليَّ بعد اليوم. فكأنّه ما كان بلغه النّهي فلمّا بلغه رجع.

стр. 3810

قال: وقد ذهب بعضهم: إلى أنّ لبسه للرّجال مكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما قال ذلك في الحرير. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إثبات الخلاف في التّحريم، وهو يناقض القول بالإجماع على التّحريم، ولا بدّ من اعتبار وصف كونه خاتماً. قلت: التّوفيق بين الكلامين ممكن. بأن يكون القائل بكراهة التّنزيه انقرض , واستقرّ الإجماع بعده على التّحريم. وقد جاء عن جماعة من الصّحابة لبس خاتم الذّهب. من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمّد بن أبي إسماعيل , أنّه رأى ذلك على سعد بن أبي وقاصّ وطلحة بن عبيد الله وصهيب وذكر ستّة أو سبعة. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن حذيفة , وعن جابر بن سمرة , وعن عبيد الله بن يزيد الخطميّ نحوه، ومن طريق حمزة بن أبي أسيد: نزعنا من يَدَيْ أسيد خاتماً من ذهب. وأغرب ما ورد من ذلك. ما جاء عن البراء الذي روى النّهي. فأخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن أبي السّفر قال: رأيت على البراء خاتماً من ذهب. وعن شعبة عن أبي إسحاق نحوه. أخرجه البغويّ في " الجعديّات ". وأخرج أحمد من طريق محمّد بن مالك قال: رأيت على البراء خاتماً من ذهب , فقال: قسم رسول الله ﷺ قسماً فألبسنيه , فقال: البس ما

стр. 3811

كساك الله ورسوله. قال الحازميّ: إسناده ليس بذاك، ولو صحّ فهو منسوخ. قلت: لو ثبت النّسخ عند البراء ما لبسه بعد النّبيّ ﷺ ، وقد روي حديث النّهي المتّفق على صحّته عنه (١). فالجمع بين روايته وفعله. إمّا بأن يكون حَمَله على التّنزيه. أو فهِم الخصوصيّة له من قوله: البس ما كساك الله ورسوله. وهذا أولى من قول الحازميّ: لعل البراء لَم يبلغه النّهي. ويؤيّد الاحتمال الثّاني. أنّه وقع في رواية أحمد " كان النّاس يقولون للبراء لِمَ تتختّم بالذّهب. وقد نهى عنه رسول الله ﷺ ؟ فيذكر لهم الحديث. ثمّ يقول: كيف تأمرونني أن أضع ما قال رسول الله ﷺ : البس ما كساك الله ورسوله؟. ومن أدلة النّهي أيضاً. ما رواه يونس عن الزّهريّ عن أبي إدريس عن رجلٍ له صحبة قال: جلس رجلٌ إلى رسول الله ﷺ . وفي يده خاتم من ذهب , فقرع رسول الله ﷺ يده بقضيبٍ فقال: ألق هذا. وعموم الأحاديث حيث قال في الذّهب والحرير: هذان حرامان على رجال أمّتي حلّ لإناثها. أخرجه أحمد وأصحاب السّنن. وصحَّحه ابن حبّان والحاكم من حديث عليّ ﵁. وحديث عبد الله بن عمرو رفعه: من مات من أمّتي وهو يلبس

стр. 3812

الذّهب حرّم الله عليه ذهب الجنّة. الحديث. أخرجه أحمد والطّبرانيّ. وفي حديث ابن عمر حديث الباب ما يستدلّ به على نسخ جواز لبس الخاتم إذا كان من ذهب. واستدل به على تحريم الذّهب على الرّجال قليله وكثيره للنّهي عن التّختّم وهو قليل. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ التّحريم يتناول ما هو في قدر الخاتم وما فوقه كالدّملج والمعضد وغيرهما، فأمّا ما هو دونه فلا دلالة من الحديث عليه، وتناول النّهي جميع الأحوال فلا يجوز لبس خاتم الذّهب لمن فاجأه الحرب لأنّه لا تعلّق له بالحرب، بخلاف ما تقدّم في الحرير من الرّخصة في لبسه بسبب الحرب، وبخلاف ما على السّيف أو التّرس أو المنطقة من حلية الذّهب فإنّه لو فجأه الحرب جاز له الضّرب بذلك السّيف , فإذا انقضت الحرب فليُنتقض , لأنّه كلّه من متعلقات الحرب بخلاف الخاتم. تكميل: أطلق بعض الشّافعيّة: أنّ اليمين بغير استحلافٍ تكره فيما لَم يكن طاعة، والأولى أن يعبّر بما فيه مصلحة. قال ابن المنير: مقصود التّرجمة (١) أن يخرج مثل هذا من قوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم﴾ يعني على أحد التّأويلات فيها , لئلا يتخيّل أنّ الحالف قبل أن يستحلف يرتكب النّهي، فأشار إلى أنّ

стр. 3813

النّهي يختصّ بما ليس فيه قصد صحيح كتأكيد الحكم، كالذي ورد في حديث الباب من منع لبس خاتم الذّهب. قوله: (فنبذ النّاسُ خواتيمَهم) فيه الاقتداء بأفعال النّبيّ ﷺ , والأصل فيه قوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ﴾. وقد ذهب جمع إلى وجوبه لدخوله في عموم الأمر بقوله تعالى ﴿وما آتاكم الرّسول فخذوه﴾ وبقوله ﴿فاتّبعوني يحببكم الله﴾ وبقوله تعالى ﴿فاتّبعوه﴾ , فيجب اتّباعه في فعله كما يجب في قوله , حتّى يقوم دليل على النّدب أو الخصوصيّة. وقال آخرون: يحتمل الوجوب والنّدب والإباحة فيحتاج إلى القرينة. والجمهور: للنّدب إذا ظهر وجه القربة، وقيل: ولو لَم يظهر. ومنهم من فصّل بين التّكرار وعدمه. وقال آخرون: ما يفعله ﷺ إن كان بياناً لمجملٍ فحكمه حكم ذلك المجمل وجوباً أو ندباً أو إباحة، فإن ظهر وجه القربة فللنّدب وما لَم يظهر فيه وجه التّقرّب فللإباحة، وأمّا تقريره على ما يفعل بحضرته فيدلّ على الجواز. والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، ويتعلق بها تعارض قوله وفعله، ويتفرّع من ذلك حكم الخصائص. وقد أفردت بالتّصنيف. قال ابن بطّال بعد أن حكى الاختلاف في أفعاله ﷺ محتجّاً لِمَن قال بالوجوب بحديث الباب: لأنّه خلع خاتمه فخلعوا خواتمهم، ونزع

стр. 3814

نعله في الصّلاة فنزعوا (١)، ولمَّا أمرهم عام الحديبية بالتّحلّل وتأخّروا عن المبادرة رجاء أن يأذن لهم في القتال وأن ينصروا فيكملوا عمرتهم، قالت له أمّ سلمة: اخرج إليهم واحلق واذبح (٢) , ففعل فتابعوه مسرعين، فدلَّ ذلك على أنّ الفعل أبلغ من القول، ولمَّا نهاهم عن الوصال. قالوا: إنّك تواصل، فقال: إنّي أطعم وأسقى (٣) , فلولا أنّ لهم الاقتداء به لقال: وما في مواصلتي ما يبيح لكم الوصال، لكنّه عدل عن ذلك , وبيّن لهم وجه اختصاصه بالمواصلة. انتهى. وليس في جميع ما ذكره ما يدلّ على المدّعى من الوجوب، بل على مطلق التّأسّي به. والعلم عند الله تعالى. قوله: (جعله في يده اليمنى) وللبخاري عن موسى بن إسماعيل حدّثنا جويرية عن نافعٍ , وفيه قال جويرية: ولا أحسبه إلَّا قال: في يده اليمنى. قال أبو ذرّ في روايته: لَم يقع في البخاريّ موضع الخاتم من أيّ اليدين إلَّا في هذا. وقال الدّاوديّ: لَم يجزم به جويريّة، وتواطؤ الرّوايات على خلافه يدلّ على أنّه لَم يحفظه، وعمل النّاس على لبس الخاتم في اليسار يدلّ

стр. 3815

على أنّه المحفوظ. قلت: وكلامه متعقّب , فإنّ الظّنّ فيه من موسى شيخ البخاريّ، وقد أخرجه ابن سعد عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن محمّد بن أسماء كلاهما عن جويريّة. وجزما بأنّه لبسه في يده اليمنى. وهكذا أخرج مسلم من طريق عقبة بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. في قصّة اتّخاذ الخاتم من ذهب. وفيه: وجعله في يده اليمنى. وأخرجه التّرمذيّ وابن سعد من طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ " صنع النّبيّ ﷺ خاتماً من ذهب فتختّم به في يمينه، ثمّ جلس على المنبر , فقال: إنّي كنت اتّخذت هذا الخاتم في يميني. ثمّ نبذه .. الحديث " وهذا صريحٌ من لفظه ﷺ رافع لِلَّبس. وموسى بن عقبة أحد الثّقات الأثبات. وأمّا ما أخرجه ابن عديّ من طريق محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى , وأبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّادٍ كلاهما عن نافع عن ابن عمر: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يساره. فقد قال أبو داود بعده: ورواه ابن إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع " في يمينه " انتهى. ورواية ابن إسحاق. قد أخرجها أبو الشّيخ في " كتاب أخلاق النّبيّ ﷺ " من طريقه، وكذا رواية أسامة. وأخرجها محمّد بن سعد أيضاً.

стр. 3816

فظهر أنّ رواية اليسار في حديث نافع شاذّة، ومن رواها أيضاً أقلّ عدداً وألين ممّن روى اليمين. وقد أخرج الطّبرانيّ في " الأوسط " بسندٍ حسن عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يمينه. وأخرج أبو الشّيخ في كتاب " أخلاق النّبيّ ﷺ " من رواية خالد بن أبي بكر عن سالم عن ابن عمر نحوه، فرجَحَتْ رواية اليمين في حديث ابن عمر أيضاً. وقد ورد التّختّم في اليمين أيضاً في أحاديث أخرى: منها: عند مسلم من حديث أنس: أنّ النّبيّ ﷺ لبس خاتماً من فضّة في يمينه فصّه حبشيّ. وأخرج أبو داود أيضاً من طريق ابن إسحاق قال: رأيتُ على الصّلت بن عبد الله خاتماً في خنصره اليمين، فسألته؟ فقال: رأيت ابن عبّاس يلبس خاتمه هكذا. وجعل فصّه على ظهرها، ولا إخال ابن عبّاس إلَّا ذكره عن النّبيّ ﷺ . وأورده التّرمذيّ من هذا الوجه مختصراً: رأيت ابن عبّاس يتختّم في يمينه. ولا إخاله إلَّا قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختّم في يمينه. وللطّبرانيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يمينه. وفي سنده لين. وأخرج التّرمذيّ أيضاً من طريق حمّاد بن سلمة: رأيت ابن أبي رافعٍ يتختّم في يمينه، فسألته عن ذلك؟ فقال: رأيت عبد الله بن

стр. 3817

جعفرٍ (١) يتختّم في يمينه، وقال: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يمينه. ثمّ نقل عن البخاريّ: أنّه أصحّ شيء روي في هذا الباب. وأخرج أبو داود والنّسائيّ والتّرمذيّ في " الشّمائل " وصحَّحه ابن حبّان من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حنينٍ عن أبيه عن عليّ , أنّ النّبيّ ﷺ كان يتختّم في يمينه. وفي الباب عن جابر في " الشّمائل " بسندٍ ليّن، وعائشة عند البزّار بسندٍ ليّن، وعند أبي الشّيخ بسندٍ حسن، وعن أبي أُمامة عند الطّبرانيّ بسندٍ ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " بسندٍ ساقط. وورد التّختّم في اليسار من حديث ابن عمر كما تقدّم. ومن حديث أنس أيضاً. أخرجه مسلم من طريق حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان خاتم النّبيّ ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر اليسرى. وأخرجه أبو الشّيخ والبيهقيّ في " الشّعب " من طريق قتادة عن أنس. ولأبي الشّيخ من حديث أبي سعيد بلفظ " كان يلبس خاتمه في يساره " وفي سنده لين، وأخرجه ابن سعد أيضاً. وأخرج البيهقيّ في الأدب من طريق أبي جعفر الباقر قال: كان النّبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر وعليّ والحسن والحسين يتختّمون في

стр. 3818

اليسار. وأخرجه التّرمذيّ موقوفاً على الحسن والحسين فحسب. وأمّا دعوى الدّاوديّ: أنّ العمل على التّختّم في اليسار , فكأنّه توهّمه من استحباب مالك للتّختّم , وهو يرجّح عمل أهل المدينة , فظنّ أنّه عمل أهل المدينة. وفيه نظرٌ، فإنّه جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جمّ من الصّحابة والتّابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم التّختّم في اليمنى. وقال البيهقيّ في الأدب: يُجمع بين هذه الأحاديث بأنّ الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذّهب كما صرّح به في حديث ابن عمر. والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضّة، وأمّا رواية الزّهريّ عن أنس (١) التي فيها التّصريح بأنّه كان فضّةً ولبسه في يمينه فكأنّها خطأ، فالزّهريّ وقع له وهْمٌ في الخاتم الذي طرحه النّبيّ ﷺ ، وأنّه وقع في روايته أنّه الذي كان من فضّة، وأنّ الذي في رواية غيره أنّه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذّهب. انتهى ملخّصاً

стр. 3819

وجمع غيره: بأنّه لبس الخاتم أوّلاً في يمينه , ثمّ حوّله إلى يساره. واستدل له بما أخرجه أبو الشّيخ وابن عديّ من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر , أنّ النّبيّ ﷺ تختّم في يمينه، ثمّ أنّه حوّله في يساره. فلو صحّ هذا لكان قاطعاً للنّزاع، ولكن سنده ضعيف. وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمّد عن أبيه قال: طرح رسول الله ﷺ خاتمه الذّهب , ثمّ تختّم خاتماً من ورق فجعله في يساره. وهذا مرسلٌ أو معضلٌ. وقد جمع البغويّ في " شرح السّنّة " بذلك , وأنّه تختّم أوّلاً في يمينه ثمّ تختّم في يساره , وكان ذلك آخر الأمرين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك؟ فقال: لا يثبت هذا ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر. وقد تقدّم قول البخاريّ , أنّ حديث عبد الله بن جعفر أصحّ شيء ورد فيه. وصرّح فيه بالتّختّم في اليمين. وفي المسألة عند الشّافعيّة اختلاف. والأصحّ. اليمين. قلت. ويظهر لي أنّ ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللّبس للتّزيّن به فاليمين أفضل، وإن كان للتّختّم به فاليسار أولى لأنّه كالمودع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها. ويترجّح التّختّم في اليمين مطلقاً , لأنّ اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النّجاسة.

стр. 3820

ويترجّح التّختّم في اليسار بما أشرت إليه من التّناول. وجنحت طائفة: إلى استواء الأمرين , وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم " باب التّختّم في اليمين واليسار " ثمّ أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح. ونقل النّوويّ وغيره الإجماع على الجواز ثمّ قال: ولا كراهة فيه - يعني عند الشّافعيّة - وإنّما الاختلاف في الأفضل. وقال البغويّ: كان آخر الأمرين التّختّم في اليسار. وتعقّبه الطّبريّ: بأنّ ظاهره النّسخ، وليس ذلك مراده بل الإخبار بالواقع اتّفاقاً. والذي يظهر أنّ الحكمة فيه ما تقدّم، والله أعلم.
следующие страницы →