← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

فظهر أنّ رواية اليسار في حديث نافع شاذّة، ومن رواها أيضاً أقلّ عدداً وألين ممّن روى اليمين. وقد أخرج الطّبرانيّ في " الأوسط " بسندٍ حسن عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يمينه. وأخرج أبو الشّيخ في كتاب " أخلاق النّبيّ ﷺ " من رواية خالد بن أبي بكر عن سالم عن ابن عمر نحوه، فرجَحَتْ رواية اليمين في حديث ابن عمر أيضاً. وقد ورد التّختّم في اليمين أيضاً في أحاديث أخرى: منها: عند مسلم من حديث أنس: أنّ النّبيّ ﷺ لبس خاتماً من فضّة في يمينه فصّه حبشيّ. وأخرج أبو داود أيضاً من طريق ابن إسحاق قال: رأيتُ على الصّلت بن عبد الله خاتماً في خنصره اليمين، فسألته؟ فقال: رأيت ابن عبّاس يلبس خاتمه هكذا. وجعل فصّه على ظهرها، ولا إخال ابن عبّاس إلَّا ذكره عن النّبيّ ﷺ . وأورده التّرمذيّ من هذا الوجه مختصراً: رأيت ابن عبّاس يتختّم في يمينه. ولا إخاله إلَّا قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختّم في يمينه. وللطّبرانيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يمينه. وفي سنده لين. وأخرج التّرمذيّ أيضاً من طريق حمّاد بن سلمة: رأيت ابن أبي رافعٍ يتختّم في يمينه، فسألته عن ذلك؟ فقال: رأيت عبد الله بن

стр. 3817

جعفرٍ (١) يتختّم في يمينه، وقال: كان النّبيّ ﷺ يتختّم في يمينه. ثمّ نقل عن البخاريّ: أنّه أصحّ شيء روي في هذا الباب. وأخرج أبو داود والنّسائيّ والتّرمذيّ في " الشّمائل " وصحَّحه ابن حبّان من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حنينٍ عن أبيه عن عليّ , أنّ النّبيّ ﷺ كان يتختّم في يمينه. وفي الباب عن جابر في " الشّمائل " بسندٍ ليّن، وعائشة عند البزّار بسندٍ ليّن، وعند أبي الشّيخ بسندٍ حسن، وعن أبي أُمامة عند الطّبرانيّ بسندٍ ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " بسندٍ ساقط. وورد التّختّم في اليسار من حديث ابن عمر كما تقدّم. ومن حديث أنس أيضاً. أخرجه مسلم من طريق حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان خاتم النّبيّ ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر اليسرى. وأخرجه أبو الشّيخ والبيهقيّ في " الشّعب " من طريق قتادة عن أنس. ولأبي الشّيخ من حديث أبي سعيد بلفظ " كان يلبس خاتمه في يساره " وفي سنده لين، وأخرجه ابن سعد أيضاً. وأخرج البيهقيّ في الأدب من طريق أبي جعفر الباقر قال: كان النّبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر وعليّ والحسن والحسين يتختّمون في

стр. 3818

اليسار. وأخرجه التّرمذيّ موقوفاً على الحسن والحسين فحسب. وأمّا دعوى الدّاوديّ: أنّ العمل على التّختّم في اليسار , فكأنّه توهّمه من استحباب مالك للتّختّم , وهو يرجّح عمل أهل المدينة , فظنّ أنّه عمل أهل المدينة. وفيه نظرٌ، فإنّه جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جمّ من الصّحابة والتّابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم التّختّم في اليمنى. وقال البيهقيّ في الأدب: يُجمع بين هذه الأحاديث بأنّ الذي لبسه في يمينه هو خاتم الذّهب كما صرّح به في حديث ابن عمر. والذي لبسه في يساره هو خاتم الفضّة، وأمّا رواية الزّهريّ عن أنس (١) التي فيها التّصريح بأنّه كان فضّةً ولبسه في يمينه فكأنّها خطأ، فالزّهريّ وقع له وهْمٌ في الخاتم الذي طرحه النّبيّ ﷺ ، وأنّه وقع في روايته أنّه الذي كان من فضّة، وأنّ الذي في رواية غيره أنّه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذّهب. انتهى ملخّصاً

стр. 3819

وجمع غيره: بأنّه لبس الخاتم أوّلاً في يمينه , ثمّ حوّله إلى يساره. واستدل له بما أخرجه أبو الشّيخ وابن عديّ من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر , أنّ النّبيّ ﷺ تختّم في يمينه، ثمّ أنّه حوّله في يساره. فلو صحّ هذا لكان قاطعاً للنّزاع، ولكن سنده ضعيف. وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمّد عن أبيه قال: طرح رسول الله ﷺ خاتمه الذّهب , ثمّ تختّم خاتماً من ورق فجعله في يساره. وهذا مرسلٌ أو معضلٌ. وقد جمع البغويّ في " شرح السّنّة " بذلك , وأنّه تختّم أوّلاً في يمينه ثمّ تختّم في يساره , وكان ذلك آخر الأمرين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك؟ فقال: لا يثبت هذا ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر. وقد تقدّم قول البخاريّ , أنّ حديث عبد الله بن جعفر أصحّ شيء ورد فيه. وصرّح فيه بالتّختّم في اليمين. وفي المسألة عند الشّافعيّة اختلاف. والأصحّ. اليمين. قلت. ويظهر لي أنّ ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللّبس للتّزيّن به فاليمين أفضل، وإن كان للتّختّم به فاليسار أولى لأنّه كالمودع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين وكذا وضعه فيها. ويترجّح التّختّم في اليمين مطلقاً , لأنّ اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النّجاسة.

стр. 3820

ويترجّح التّختّم في اليسار بما أشرت إليه من التّناول. وجنحت طائفة: إلى استواء الأمرين , وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم " باب التّختّم في اليمين واليسار " ثمّ أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح. ونقل النّوويّ وغيره الإجماع على الجواز ثمّ قال: ولا كراهة فيه - يعني عند الشّافعيّة - وإنّما الاختلاف في الأفضل. وقال البغويّ: كان آخر الأمرين التّختّم في اليسار. وتعقّبه الطّبريّ: بأنّ ظاهره النّسخ، وليس ذلك مراده بل الإخبار بالواقع اتّفاقاً. والذي يظهر أنّ الحكمة فيه ما تقدّم، والله أعلم.

стр. 3821

الحديث السادس ٤٠٣ - عن عمر بن الخطّاب ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ نهى عن لُبوس الحرير إلَّا هكذا , ورفع لنا رسول الله ﷺ أصبعيه: السّبّابة , والوسطى. (١) ولمسلمٍ: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلَّا موضع أصبعين , أو ثلاثٍ , أو أربعٍ. (٢) قوله: (نهى عن لبوس الحرير) تقدَّم الكلام عليه مستوفى. قوله: (إلَّا هكذا) زاد الإسماعيلي: وهكذا. قوله: (ورفع لنا رسولُ الله ﷺ أُصبعيه: السّبّابة , والوسطى) وللبخاري " وأشار أبو عثمان بإصبعيه المسبحة والوسطى " وهو لا

стр. 3822

يخالف ما في رواية عاصم عن أبي عثمان عند البخاري " وصفَّ النبي ﷺ إصبعيه. ورفع زهيرٌ الوسطى والسبابة ". فيُجمع بأن النبي ﷺ أشار أوَّلاً ثم نقله عنه عمر. فبيَّن بعد ذلك بعضُ رواته صفة الإشارة. وللبخاري " قال أبو عثمان: فيما علمنا أنه يعني الأعلام " بفتح الهمزة جمع علَم بالتحريك. أي: الذي حصل في عِلمنا أنَّ المراد بالمستثنى الأعلام , وهو ما يكون في الثياب من تطريف وتطريز ونحوهما. ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي " فما بفتح الفاء بعدها حرف نفي عتمنا بمثناة بدل اللام " أي: ما أبطأنا في معرفة ذلك لَمَّا سمعناه. قال أبو عبيد: العاتم البطيء. يقال عتم الرجل القرى إذا أخَّره. ولمسلم والإسماعيليّ من طريق جرير عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عمر ﵁. وقال فيه (١) بإصبعيه اللتين تليان الإبهام , فرأيناها أزرار الطّيالسة حين رأينا الطّيالسة. قال القرطبيّ: الأزرار جمع زرّ بتقديم الزّاي: ما يزرّر به الثّوب بعضه على بعض، والمراد به هنا أطراف الطّيالسة، والطّيالسة. جمع طيلسان وهو الثّوب الذي له علم وقد يكون كساء، وكان للطّيالسة التي رآها أعلام حرير في أطرافها. قلت: وقد أغفل صاحب " المشارق " و " النّهاية " في مادّة ط ل س

стр. 3823

ذكرَ الطّيالسة. وكأنّهما تركا ذلك لشهرته، لكن المعهود الآن ليس على الصّفة المذكورة هنا، وقد قال عياض في " شرح مسلم " المراد بأزرار الطّيالسة أطرافها. ووقع في حديث أسماء بنت أبي بكر عند مسلم , أنّها أخرجت جبّة طيالسة كسروانيّة , فقالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ . وهذا يدلّ على أنّ المراد بالطّيالسة في هذا الحديث ما يُلبس فيشمل الجسد، لا المعهود الآن. ولَم يقع في رواية أبي عثمان في الصّحيحين في استثناء ما يجوز من لبس الحرير إلَّا ذكر الإصبعين، لكن وقع عند أبي داود من طريق حمّاد بن سلمة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان في هذا الحديث. أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن الحرير إلَّا ما كان هكذا وهكذا. إصبعين وثلاثة وأربعة. ولمسلمٍ من طريق سويد بن غفلة - بفتح المعجمة والفاء واللام الخفيفتين - أنّ عمر خطب فقال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. و" أو " هنا للتّنويع والتّخيير، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ " إنّ الحرير لا يصلح منه إلَّا هكذا وهكذا وهكذا. يعني أصبعين وثلاثاً وأربعاً " وجنح الْحليميّ: إلى أنّ المراد بما وقع في رواية مسلم أن يكون في كلّ قدر إصبعين، وهو تأويلٌ بعيدٌ من سياق الحديث، وقد وقع عند

стр. 3824

النّسائيّ في رواية سويد " لَم يرخّص في الدّيباج إلَّا في موضع أربعة أصابع ". وفيه حجّة لمن أجاز لبس العلم من الحرير إذا كان في الثّوب، وخصّه بالقدر المذكور وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصحّ عند الشّافعيّة. وفيه حجّة على من أجاز العلم في الثّوب مطلقاً. ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكيّة. وفيه حجّة على من منع العلم في الثّوب مطلقاً، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، لكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعاً , وإلاّ فالحديث حجّة عليهم فلعلهم لَم يبلغهم. قال النّوويّ: وقد نُقل مثل ذلك عن مالك وهو مذهب مردود، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير. والله أعلم. واستدل به على جواز لبس الثّوب المطرّز بالحرير، وهو ما جعل عليه طراز حرير مركّب، وكذلك المطرّف وهو ما سجفت أطرافه بسجفٍ من حرير بالتّقدير المذكور، وقد يكون التّطريز في نفس الثّوب بعد النّسج، وفيه احتمال. واستدل به أيضاً على جواز لبس الثّوب الذي يخالطه من الحرير مقدار العلم سواء كان ذلك القدر مجموعاً أو مفرّقاً. وهو قويّ. وسبق البحث في ذلك في مسألة القسّيّ.

стр. 3825

كتاب الجهاد الجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقّة، يقال: جهدت جهاداً بلغت المشقّة. وشرعاً بذل الجهد في قتال الكفّار. ويطلق أيضاً على مجاهدة النّفس والشّيطان والفسّاق. فأمّا مجاهدة النّفس: فعلى تعلّم أمور الدّين ثمّ على العمل بها ثمّ على تعليمها. وأمّا مجاهدة الشّيطان: فعلى دفع ما يأتي به من الشّبهات وما يزيّنه من الشّهوات وأمّا مجاهدة الكفّار: فتقع باليد والمال واللسان والقلب. وأمّا مجاهدة الفسّاق: فباليد ثمّ اللسان ثمّ القلب. وقد روى النّسائيّ من حديث سبرة - بفتح المهملة وسكون الموحّدة - ابن الفاكه - بالفاء وكسر الكاف بعدها هاء - في أثناء حديث طويل قال: فيقول - أي الشّيطان - يخاطب الإنسان: تجاهد فهو جهد النّفس والمال. واختلف في جهاد الكفّار. هل كان أوّلاً فرض عين أو كفاية؟ (١)

стр. 3826

الحديث الأول ٤٠٤ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو , انتظر، حتى إذا مالتِ الشمس قام فيهم، فقال: يا أيها الناس، لا تتمنَّوا لقاء العدوّ، واسألوا اللهَ العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف. ثم قال النبيّ ﷺ : اللهمَّ مُنزل الكتاب، ومُجري السّحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم. (١) قوله: (في بعض أيامه) رواه عمر بن شبة عن الأويسي عن ابن أبي الزناد عن موسى بن عفبة. فبيّن أنَّ ذلك كان يوم الخندق. قوله: (حتى إذا مالت الشمس قام فيهم) لأنّ الرّياح تهبّ غالباً بعد الزّوال فيحصل بها تبريد حدّة السّلاح والحرب وزيادة في النّشاط. وعند أحمد من وجه آخر عن موسى بن عقبة , أنّه كان ﷺ يحبّ أن ينهض إلى عدوّه عند زوال الشّمس.

стр. 3827

ولسعيد بن منصور من وجه آخر عن ابن أبي أوفى: كان رسول الله ﷺ يمهل إذا زالت الشّمس , ثمّ ينهض إلى عدوّه. وللبخاري من حديث النّعمان بن مقرن: كان إذا لَم يقاتل أوّل النّهار انتظر حتّى تهبّ الأرواح وتحضر الصّلوات. وأخرجه أحمد وأبو داود والتّرمذيّ وابن حبّان من وجه آخر. وصحّحاه، وفي روايتهم " حتّى تزول الشّمس وتهبّ الأرواح وينزل النّصر ". فيظهر أنّ فائدة التّأخير لكون أوقات الصّلاة مظنّة إجابة الدّعاء، وهبوب الرّيح قد وقع النّصر به في الأحزاب فصار مظنّة لذلك. والله أعلم. وقد أخرج التّرمذيّ حديث النّعمان بن مقرن من وجه آخر عنه. لكن فيه انقطاع، ولفظه يوافق ما قلته قال: غزوت مع النّبيّ ﷺ , فكان إذا طلع الفجر أمسك حتّى تطلع الشّمس فإذا طلعتْ قاتل، فإذا انتصف النّهار أمسك حتّى تزول الشّمس فإذا زالت الشّمس قاتل، فإذا دخل وقت العصر أمسك حتّى يصليها ثمّ يقاتل، وكان يقال: عند ذلك تهيج رياح النّصر , ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم. قوله: (لا تتمنّوا لقاء العدوّ , واسلوا الله العافية , فإذا لقيتموهم فاصبروا) وطريق الجمع بينه وبين جواز تمنّي الشّهادة، فإنّ ظاهرهما التّعارض، لأنّ تمنّي الشّهادة محبوب، فكيف ينهى عن تمنّي لقاء

стр. 3828

العدوّ , وهو يفضي إلى المحبوب؟ وحاصل الجواب: أنّ حصول الشّهادة أخصّ من اللقاء , لإمكان تحصيل الشّهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزّه بكسرة الكفّار، واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك فنهى عن تمنّيه , ولا ينافي ذلك تمنّي الشّهادة. أو لعلَّ الكراهيةَ مختصّة بمن يثق بقوّته ويعجب بنفسه ونحو ذلك. قال ابن بطّال: حكمة النّهي. أنّ المرء لا يعلم ما يئول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصّدّيق: لأَنْ أُعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أُبتلى فأصبر. (١) وقال غيره: إنّما نهى عن تمّني لقاء العدوّ لِمَا فيه من صورة الإعجاب والإتكال على النّفوس والوثوق بالقوّة وقلة الاهتمام بالعدوّ، وكلّ ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل: يُحمل النّهي على ما إذا وقع الشّكّ في المصلحة أو حصول

стр. 3829

الضّرر، وإلاَّ فالقتال فضيلة وطاعة. ويؤيّد الأوّل: تعقيب النّهي بقوله " وسلوا الله العافية ". وأخرج سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلاً " لا تمنّوا لقاء العدوّ , فإنّكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم " وقال ابن دقيق العيد: لَمَّا كان لقاء الموت من أشقّ الأشياء على النّفس , وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحقّقة لَم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التّمنّي لذلك , ولِما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه، ثمّ أمر بالصّبر عند وقوع الحقيقة. انتهى. واستدل بهذا الحديث على منع طلب المبارزة، وهو رأي الحسن البصريّ. وشرَطَ الأوزاعيُّ والثوريُّ وأحمد وإسحاق للجواز إذنَ الأمير على الجيش , وكان عليّ يقول: لا تدع إلى المبارزة، فإذا دعيت فأجب تنصر، لأنّ الدّاعي باغٍ. قوله: (واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف) أخرج الطّبرانيّ بإسنادٍ صحيح عن عمّار بن ياسر , أنّه قال يوم صفّين: الجنّة تحت الأبارقة. كذا وقع فيه , والصّواب " البارقة " وهي السّيوف اللامعة، وكذا وقع على الصّواب في ترجمة عمّار من " طبقات " ابن سعد. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ رجاله ثقات من مرسل أبي عبد الرّحمن الحبليّ مرفوعاً: الجنّة تحت الأبارقة.

стр. 3830

ويمكن تخريجه على ما قاله الخطّابيّ: الأبارقة جمع إبريق , وسمّي السّيف إبريقاً فهو إفعيل من البريق، ويقال: أبرق الرّجل بسيفه. إذا لمع به والبارقة اللمعان. قال ابن المنير: كأنّ البخاريّ (١) أراد أنّ السّيوف لمَّا كانت لها بارقة , كان لها أيضاً ظلّ. قال القرطبيّ: وهو من الكلام النّفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الرّجازة وعذوبة اللفظ، فإنّه أفاد الحضّ على الجهاد والإخبار بالثّواب عليه والحضّ على مقاربة العدوّ واستعمال السّيوف والاجتماع حين الزّحف حتّى تصير السّيوف تظلّ المتقاتلين. وقال ابن الجوزيّ: المراد أنّ الجنّة تحصل بالجهاد. والظّلال جمع ظلّ. وإذا تدانى الخصمان صار كلّ منهما تحت ظلّ سيف صاحبه لحرصه على رفعه عليه , ولا يكون ذلك إلَّا عند التحام القتال. قوله: (ثمّ قال: اللهمّ منزل الكتاب .. الأحزاب) أشار بهذا الدّعاء إلى وجوه النّصر عليهم، فبالكتاب إلى قوله تعالى ﴿قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم﴾. وبمجري السّحاب إلى القدرة الظّاهرة في تسخير السّحاب حيث يحرّك الرّيح بمشيئة الله تعالى، وحيث يستمرّ في مكانه مع هبوب

стр. 3831

الرّيح، وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفّار عنهم. وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتّفق قتلهم، وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظّفر بشيئ منهم، وكلّها أحوال صالحة للمسلمين. وأشار بهازم الأحزاب إلى التّوسّل بالنّعمة السّابقة، وإلى تجريد التّوكّل، واعتقاد أنّ الله هو المنفرد بالفعل. وفيه التّنبيه على عظم هذه النّعم الثّلاث، فإنّ بإنزال الكتاب حصلت النّعمة الأخرويّة وهي الإسلام، وبإجراء السّحاب حصلت النّعمة الدّنيويّة وهي الرّزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النّعمتين، وكأنّه قال: اللهمّ كما أنعمت بعظيم النّعمتين الأخرويّة والدّنيويّة وحفظتهما فأبقهما. وروى الإسماعيليّ في هذا الحديث من وجه آخر , أنّه ﷺ دعا أيضاً فقال: اللهمّ أنت ربّنا وربّهم، ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك، فاهزمهم وانصرنا عليهم. ولسعيد بن منصور من طريق أبي عبد الرّحمن الحبليّ عن النّبيّ ﷺ مرسلاً نحوه. لكن بصيغة الأمر عطفاً على قوله " وسلوا الله العافية: فإن بليتم بهم. فقولوا: اللهمّ. فذكره , وزاد: وغضّوا أبصاركم , واحملوا عليهم على بركة الله.

стр. 3832

قال ابن بطّال: المراد بالإنزال إفهام العباد معاني الفروض التي في القرآن وليس إنزاله له كإنزال الأجسام المخلوقة؛ لأنّ القرآن ليس بجسمٍ ولا مخلوق. انتهى. والكلام الثّاني. متّفق عليه بين أهل السّنّة سلفاً وخلفاً. وأمّا الأوّل فهو على طريقة أهل التّأويل، والمنقول عن السّلف اتّفاقهم على أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، تلقّاه جبريل عن الله , وبلغه جبريل إلى محمّد ﷺ , وبلغه ﷺ إلى أمّته. والآيات المصرّحة بلفظ الإنزال والتّنزيل في القرآن كثيرة. قال الرّاغب: الفرق بين الإنزال والتّنزيل في وصف القرآن والملائكة. أنّ التّنزيل يختصّ بالموضع الذي يشير إلى إنزاله متفرّقاً ومرّة بعد أخرى، والإنزال أعمّ من ذلك، ومنه قوله تعالى ﴿إنّا أنزلناه في ليلة القدر﴾. قال الرّاغب: عبّر بالإنزال دون التّنزيل؛ لأنّ القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدّنيا ثمّ نزل بعد ذلك شيئاً فشيئاً، ومنه قوله تعالى ﴿حم والكتاب المبين إنّا أنزلناه في ليلة مباركة﴾. ومن الثّاني قوله تعالى ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على النّاس على مكثٍ، ونزّلناه تنزيلاً﴾ , ويؤيّد التّفصيل قوله تعالى ﴿يا أيّها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ , فإنّ المراد بالكتاب الأوّل القرآن وبالثّاني ما عداه، والقرآن نزل نجوماً إلى الأرض بحسب الوقائع بخلاف غيره من

стр. 3833

الكتب. ويرِدُ على التّفصيل المذكور قوله تعالى ﴿وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة﴾. وأجيب: بأنّه أطلق نزّل موضع أنزل، قال: ولولا هذا التّأويل لكان متدافعاً لقوله ﴿جملة واحدة﴾، وهذا بناه هذا القائل على أنّ نزّل بالتّشديد يقتضي التّفريق فاحتاج إلى ادّعاء ما ذكر، وإلا فقد قال غيره: إنّ الضّعيف لا يستلزم حقيقة التّكثير بل يرد للتّعظيم، وهو في حكم التّكثير معنىً. فبهذا يدفع الإشكال. قوله: (اهزمهم وانصرنا عليهم) ولهما من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن ابن أبي أوفى " سريع الحساب , اهزم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم " والمراد الدّعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقرّ لهم قرارٌ. وسريع الحساب. أي: سريع فيه , أو المعنى أنَّ مجيء الحساب سريع وقال الدّاوديّ: أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يثبتوا. وفي الحديث استحباب الدّعاء عند اللقاء والاستنصار، ووصيّة المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم بما يحتاجون إليه، وسؤال الله تعالى بصفاته الحسنى وبنعمه السّالفة، ومراعاة نشاط النّفوس لفعل الطّاعة، والحثّ على سلوك الأدب وغير ذلك.

стр. 3834

الحديث الثاني ٤٠٥ - عن سهل بن سعدٍ الساعديّ ﵁، أنّ رسول الله ﷺ , قال: رِباط يومٍ في سبيل الله، خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة، خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرّوحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة، خيرٌ من الدنيا وما عليها. (١) قوله: (رباط يومٍ في سبيل الله) الرّباط بكسر الرّاء وبالموحّدة الخفيفة. ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفّار لحراسة المسلمين منهم. قال ابن التّين: بشرط أن يكون غير الوطن. قاله ابن حبيب عن مالك. قلت: وفيه نظرٌ في إطلاقة , فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدوّ , ومن ثَمّ اختار كثيرٌ من السّلف سكنى الثّغور , فبين المرابطة والحراسة عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ. قال الله تعالى ﴿يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا .. الآية﴾. وأشهر التّفاسير، عن الحسن البصريّ وقتادة ﴿اصبروا﴾ على طاعة الله ﴿وصابروا﴾ أعداء الله في الجهاد ﴿ورابطوا﴾ في سبيل الله. وعن محمّد بن كعبٍ القرظيّ: اصبروا على الطّاعة , وصابروا

стр. 3835

لانتظار الوعد , ورابطوا العدوّ , واتّقوا الله فيما بينكم , وعن زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد , وصابروا العدوّ , ورابطوا الخيل. قال ابن قتيبة: أصل الرّباط أن يربط هؤلاء خيلهم وهؤلاء خيلهم استعداداً للقتال. قال الله تعالى ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل﴾ , وأخرج ذلك ابن أبي حاتمٍ وابن جرير وغيرهما , وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الأوّل. وفي الموطّأ (١) عن أبي هريرة مرفوعاً " وانتظار الصّلاة فذلكم الرّباط ". وهو في السّنن (٢) عن أبي سعيدٍ. وفي " المستدرك " عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوفٍ , أنّ الآية نزلت في ذلك , واحتجّ بأنّه لَم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزوٌ فيه رباط. انتهى. وحمل الآية على الأوّل أظهر. وما احتجّ به أبو سلمة لا حجّة فيه , ولا سيّما مع ثبوت حديث الباب , فعلى تقدير تسليم أنّه لَم يكن في عهد رسول الله ﷺ رباطٌ، فلا يمنع ذلك من الأمربه والتّرغيب فيه. ويحتمل: أن يكون المراد كلاً من الأمرين , أو ما هو أعمّ من ذلك.

стр. 3836

وأمّا التّقييد باليوم وإطلاقه في الآية. فإنّ مطلقها يقيّد بالحديث فإنّه يشعر بأنّ أقل الرّباط يومٌ لسياقه في مقام المبالغة , وذكره مع موضع سوطٍ يشير إلى ذلك أيضاً. ووقع في حديث سلمان عند أحمد والنّسائيّ وابن حبّان: رباط يومٍ أو ليلة خير من صيام شهر وقيامه. ولأحمد والتّرمذيّ وابن ماجه عن عثمان: رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من ألف يومٍ فيما سواه من المنازل. قال ابن بزيزة: ولا تعارض بينهما , لأنّه يُحمل على الإعلام بالزّيادة في الثّواب عن الأوّل , أو باختلاف العاملين. قلت: أو باختلاف العمل بالنّسبة إلى الكثرة والقلة , ولا يعارضان حديث الباب أيضاً , لأنّ صيام شهر وقيامه خيرٌ من الدّنيا وما عليها. قوله: (خيرٌ من الدنيا وما عليها) في رواية لهما " خير من الدنيا وما فيها " وللبخاري " خيرٌ مما تطلع عليه الشمس وتغرب " وهو المراد بقوله " خير من الدنيا وما فيها ". قال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النّفس لكون الدّنيا محسوسة في النّفس مستعظمة في الطّباع فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلَّا فمن المعلوم أنّ جميع ما في الدّنيا لا يساوي ذرّة ممّا في الجنّة.

стр. 3837

والثّاني: أنّ المراد أنّ هذا القدر من الثّواب خير من الثّواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدّنيا كلّها لأنفقها في طاعة الله تعالى. قلت: ويؤيّد هذا الثّاني. ما رواه ابن المبارك في " كتاب الجهاد " من مرسل الحسن قال: بعث رسول الله ﷺ جيشاً فيهم عبد الله بن رواحة، فتأخّر ليشهد الصّلاة مع النّبيّ ﷺ فقال له النّبيّ ﷺ : والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم. (١) والحاصل: أنّ المراد تسهيل أمر الدّنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأنّ من حصل له من الجنّة قدر سوط يصير كأنّه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدّنيا. فكيف بمن حصل منها أعلى الدّرجات؟. والنّكتة في ذلك أنّ سبب التّأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدّنيا , فنبّه هذا المتأخّر أنّ هذا القدر اليسير من الجنّة أفضل من جميع ما في الدّنيا. قوله: (وموضع سوط أحدكم من الجنة) وللبخاري عن أنس " ولقاب قوس أحدكم من الجنة، أو موضع قيد - يعني سوطه - خير

стр. 3838

من الدنيا وما فيها " , شكّ من الرّاوي. هل قال قاب أو قيد؟، وهما بمعنىً , وهو المقدار. والقاب بتخفيف القاف وآخره موحّدة معناه القدر. وقيل: القاب ما بين مقبض القوس وسيته. وقيل: ما بين الوتر والقوس. وقيل: المراد بالقوس هنا الذّراع الذي يقاس به، وكأنّ المعنى بيان فضل قدر الذّراع من الجنّة. وكذلك القِيد. بكسر القاف بعدها تحتانيّة ساكنة ثمّ دالٌّ وبالموحّدة بدل الدّال. وقوله " يعني سوطه " تفسير للقيد غير معروف، ولهذا جزم بعضهم بأنّه تصحيف , وأنّ الصّواب " قدّ " بكسر القاف وتشديد الدّال. وهو السّوط المتّخذ من الجلد. قلت: ودعوى الوهم في التّفسير أسهل من دعوى التّصحيف في الأصل , ولا سيّما , والقيد بمعنى القاب كما بيّنته. قوله: (والرّوحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة) الغدوة: بالفتح المرّة الواحدة من الغدوّ. وهو الخروج في أيّ وقت كان من أوّل النّهار إلى انتصافه. والرّوحة: المرّة الواحدة من الرّواح. وهو الخروج في أيّ وقت كان من زوال الشّمس إلى غروبها. قوله: (في سبيل الله) أي: الجهاد.

стр. 3839

الحديث الثالث ٤٠٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ , قال: انتدب الله , ولمسلمٍ: (تضمّن الله) لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلَّا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسولي، فهو عليّ ضامنٌ، أن أُدخله الجنة، أو أُرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلاً ما نال من أجرٍ، أو غنيمةٍ. (١) الحديث الرابع ٤٠٧ - ولمسلمٍ (٢): مثل المجاهد في سبيل الله ـ والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ـ كمثل الصائم القائم، وتوكّل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفّاه (٣)، أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالماً مع أجرٍ أو غنيمةٍ. (٤)

стр. 3840

قوله: (انتدب الله) هو بالنّون , أي: سارع بثوابه وحسن جزائه. وقيل: بمعنى أجاب إلى المراد، ففي الصّحاح: ندبت فلاناً لكذا فانتدب. أي: أجاب إليه. وقيل: معناه تكفّل بالمطلوب، ويدلّ عليه رواية الشيخين من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ " تكفّل الله ". وللبخاري من طريق سعيد بن المسيّب عنه بلفظ " توكّل الله " وسيأتي الكلام عليها. وعلى رواية مسلم إن شاء الله تعالى. ووقع في رواية الأصيليّ (١) هنا " ائتدب " بياءٍ تحتانيّة مهموزة بدل النّون من المأدبة، وهو تصحيف، وقد وجّهوه بتكلّفٍ، لكن إطباق الرّواة على خلافه مع اتّحاد المخرج كافٍ في تخطئته. قوله: (لا يخرجه إلَّا جهادٌ في سبيلي وإيمانٌ بي) كذا هو بالرّفع على أنّه فاعل يخرج والاستثناء مفرّغ، وفي رواية مسلم والإسماعيليّ " إلَّا إيماناً " بالنّصب. قال النّوويّ: هو مفعول له، وتقديره لا يخرجه المخرج إلَّا الإيمان والتّصديق. وهو نصٌّ على اشتراط خلوص النّيّة في الجهاد. وسيأتي بسط القول فيه (٢). قوله: (وتصديق برسلي) ذكره الكرمانيّ بلفظ " أو تصديق " ثمّ استشكله , وتكلَّف الجواب عنه، والصّواب أسهل من ذلك؛ لأنّه لَم

стр. 3841

يثبت في شيء من الرّوايات بلفظ " أو ". وقوله " بي " فيه عدول عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم، فهو التفات. وقال ابن مالك: كان اللائق في الظّاهر هنا إيمان به، ولكن على تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال، أي: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلاً لا يخرجه إلَّا إيمان بي، و " لا يخرجه " مقول القول , لأنّ صاحب الحال على هذا التّقدير هو الله. وتعقّبه شهاب الدّين بن المرحّل: بأنّ حذف الحال لا يجوز، وأنّ التّعبير باللائق هنا غير لائق، فالأولى أنّه من باب الالتفات. وهو متّجه، وفي رواية لهما من طريق الأعرج بلفظ " لا يخرجه إلَّا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته ". قال ابن التّين: يحتمل: أن يكون المراد بكلماته الأوامر الواردة بالجهاد وما وعد عليه من الثّواب. ويحتمل: أن يراد بها ألفاظ الشّهادتين وأنّ تصديقه بها يثبت في نفسه عداوة من كذّبهما والحرص على قتله قوله: (فهو عليّ ضامن) أي: مضمون، أو معناه أنّه ذو ضمان. قوله: (أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه. الخ ..) انظر ما بعده.

стр. 3842

قوله: (مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله) فيه إشارة إلى اعتبار الإخلاص. وسيأتي بيانه في حديث أبي موسى. (١) قوله: (كمثل الصّائم القائم) ولمسلمٍ من طريق أبي صالح عن أبي هريرة " كمثل الصّائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام " , زاد النّسائيّ من هذا الوجه " الخاشع الرّاكع السّاجد ". وفي الموطّأ وابن حبّان: كمثل الصّائم القائم الدّائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتّى يرجع. ولأحمد والبزّار من حديث النّعمان بن بشير مرفوعاً: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصّائم نهاره القائم ليله. وشبّه حال الصّائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثّواب في كلّ حركة وسكون , لأنّ المراد من الصّائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمرّ. وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب لِمَا روى البخاري: أنّ المجاهد لتستنّ فرسه فيكتب له حسنات. وأصرح منه قوله تعالى ﴿ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب﴾ الآيتين. قوله: (وتوكّل الله إلخ) تقدّم (٢) معناه مفرداً من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة. وسياقه أتمّ، ولفظه " انتدب الله ".

стр. 3843

ولمسلمٍ من هذا الوجه بلفظ " تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلَّا إيمان بي " وفيه التفات وإنّ فيه انتقالاً من ضمير الحضور إلى ضمير الغيبة. وقال ابن مالك: فيه حذف القول والاكتفاء بالمقول، وهو سائغ شائع. سواء كان حالاً أو غير حال، فمن الحال قوله تعالى ﴿ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت﴾ أي: قائلين ربّنا، وهذا مثله أي: قائلاً لا يخرجه. إلخ. وقد اختلفت الطّرق عن أبي هريرة في سياقه. فرواه مسلم من طريق الأعرج عنه بلفظ " تكفّل الله لمن جاهد في سبيله. لا يخرجه من بيته إلَّا جهاد في سبيله وتصديق كلمته ". وللبخاري كذلك من طريق أبي الزّناد. وكذلك أخرجه مالك في " الموطّأ " عن أبي الزّناد في كتاب الخمس. وأخرجه الدّارميّ من وجه آخر عن أبي الزّناد بلفظ: لا يخرجه إلَّا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته. نعم. أخرجه أحمد والنّسائيّ من حديث ابن عمر، فوقع في روايته التّصريح بأنّه من الأحاديث الإلهيّة، ولفظه: عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربّه , قال: أيّما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن رجعته أنْ أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة. الحديث رجاله ثقات. وأخرجه التّرمذيّ من حديث عبادة بلفظ: يقول الله :

стр. 3844

المجاهد في سبيلي هو عليّ ضامن إن رجَعتُه , رجَعتُه بأجرٍ أو غنيمة. الحديث. وصحَّحه التّرمذيّ. وقوله " تضمّن الله وتكفّل الله وانتدب الله " بمعنىً واحد، ومحصّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة﴾ , وذلك التّحقيق على وجه الفضل منه ، وقد عبّر ﷺ عن الله بتفضيله بالثّواب , بلفظ الضّمان ونحوه ممّا جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئنّ به نفوسهم. قوله: (بأن يتوفّاه أن يدخله الجنّة) أي: بأن يدخله الجنّة إن توفّاه، في رواية أبي زرعة الدّمشقيّ عن أبي اليمان - شيخ البخاري - عن شعيب عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة " أن توفّاه " بالشّرطيّة والفعل الماضي , أخرجه الطّبرانيّ. وهو أوضح. قوله: (أن يدخله الجنّة) أي: بغير حساب ولا عذاب، أو المراد أن يدخله الجنّة ساعة موته، كما ورد " أنّ أرواح الشّهداء تسرح في الجنّة " (١).

стр. 3845

وبهذا التّقرير يندفع إيراد مَن قال: ظاهر الحديث التّسوية بين الشّهيد والرّاجع سالماً , لأنّ حصول الأجر يستلزم دخول الجنّة. ومحصّل الجواب: أنّ المراد بدخول الجنّة دخول خاصّ. قوله: (أو يرجعه) بفتح أوّله، وهو منصوب بالعطف على يتوفّاه. قوله: (مع أجر أو غنيمة) أي: مع أجر خالص إن لَم يغنم شيئاً أو مع غنيمة خالصة معها أجر، وكأنّه سكت عن الأجر الثّاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنّسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة. والحامل على هذا التّأويل , أنّ ظاهر الحديث أنّه إذا غنم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مراداً بل المراد أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لَم يغنم، لأنّ القواعد تقتضي أنّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتمّ أجراً عند وجودها، فالحديث صريحٌ في نفي الحرمان , وليس صريحاً في نفي الجمع. وقال الكرمانيّ: معنى الحديث أنّ المجاهد إمّا يستشهد أو لا، والثّاني لا ينفكّ من أجر أو غنيمة. ثمّ إمكان اجتماعهما، فهي قضيّة مانعة الخلوّ لا الجمع. وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إنّ " أو " بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البرّ والقرطبيّ ورجّحها التّوربشتيّ، والتّقدير بأجرٍ وغنيمة. وقد وقع كذلك في رواية لمسلمٍ من طريق الأعرج عن أبي هريرة. رواه كذلك عن يحيى بن يحيى عن

стр. 3846

مغيرة بن عبد الرّحمن عن أبي الزّناد، وقد رواه جعفر الفريابيّ وجماعة عن يحيى بن يحيى , فقالوا " أجر أو غنيمة " بصيغة أو. وقد رواه مالك في " الموطّأ " بلفظ " أو غنيمة " , ولَم يختلف عليه إلَّا في رواية يحيى بن بكيرٍ عنه. فوقع فيه بلفظ " وغنيمة " ورواية يحيى بن بكيرٍ عن مالك فيها مقال. ووقع عند النّسائيّ من طريق الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة بالواو أيضاً , وكذا من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة , وكذلك أخرجه أبو داود بإسنادٍ صحيح عن أبي أُمامة بلفظ: بما نال من أجر وغنيمة. فإن كانت هذه الرّوايات محفوظة. تعيّن القول بأنّ " أو " في هذا الحديث بمعنى الواو. كما هو مذهب نحاة الكوفيّين. لكن فيه إشكال صعْب , لأنّه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضّمان وقع بمجموع الأمرين لكلِّ مَن رجع، وقد لا يتّفق ذلك. فإنّ كثيراً من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فرّ منه الذي ادّعى أنّ " أو " بمعنى الواو وقع في نظيره , لأنّه يلزم على ظاهرها أنّ من رجع بغنيمةٍ بغير أجر، كما يلزم على أنّها بمعنى الواو أنّ كلّ غازٍ يجمع له بين الأجر والغنيمة معاً. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلَّا تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثّلث، فإن لَم يصيبوا غنيمة تمّ لهم

стр. 3847

أجرهم. وهذا يؤيّد التّأويل الأوّل , وأنّ الذي يغنم يرجع بأجرٍ لكنّه أنقص من أجر من لَم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدّنيا وتمتّعه بأجر من لَم يغنم مع اشتراكهما في التّعب والمشقّة كان أجر من غنم دون أجر من لَم يغنم. وهذا موافق لقول خبّاب في البخاري " فمنّا من مات ولَم يأكل من أجره شيئاً " الحديث. (١) واستشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لِما يدلّ عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتهر تمدّح النّبيّ ﷺ بحل الغنيمة وجعلها من فضائل أمّته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التّمدّح بها. وأيضاً فإنّ ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً. مع أنّ أهل بدر أفضل بالاتّفاق. وسبق إلى هذا الإشكال ابن عبد البرّ , وحكاه عياض , وذكر: أنّ بعضهم أجاب عنه بأنّه ضعّف حديث عبد الله بن عمرو , لأنّه من رواية حميدٍ بن هانئ , وليس بمشهورٍ.

стр. 3848

وهذا مردودٌ , لأنّه ثقة يحتجّ به عند مسلم، وقد وثّقه النّسائيّ وابن يونس وغيرهما. ولا يُعرف فيه تجريح لأحدٍ. ومنهم: من حمل نقص الأجر على غنيمة أُخذت على غير وجهها. وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في ردّه، إذ لو كان الأمر كذلك لَم يبق لهم ثلث الأجر , ولا أقلّ منه. ومنهم: من حَمَل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده , وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً. وفيه نظرٌ , لأنّ صدر الحديث مصرّح بأنّ المُقسِم راجع إلى من أخلص لقوله في أوّله " لا يخرجه إلَّا إيمان بي وتصديق برسلي ". وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما واستعمالهما على وجههما. ولَم يُجب عن الإشكال المتعلق بأهل بدر. وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس لأنّ الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقّة فيما كان أجره بحسب مشقّته، إذ للمشقّة دخول في الأجر، وإنّما المشكل العمل المتّصل بأخذ الغنائم، يعني: فلو كانت تنقص الأجر لَمَا كان السّلف الصّالح يثابرون عليها. فيمكن أن يجاب: بأنّ أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئيّة على بعض , لأنّ أخذ الغنائم أوّل ما شرع كان عوناً على الدّين وقوّة لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى يغتفر لها بعض النّقص

стр. 3849

في الأجر من حيث هو. وأمّا الجواب عمّن استشكل ذلك بحال أهل بدر: فالذي ينبغي أن يكون التّقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لَم يغنم أو يغزو فيغنم، فغايته أنّ حال أهل بدر مثلاً عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها , ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولَم يرد فيهم نصّ أنّهم لو لَم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفوراً لهم وأنّهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى. وأمّا الاعتراض بحلِّ الغنائم فغير وارد، إذ لا يلزم من الحلّ ثبوت وفاء الأجر لكل غازٍ، والمباح في الأصل لا يستلزم الثّواب بنفسه، لكن ثبت أنّ أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفّار يحصل الثّواب، ومع ذلك فمع صحّة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة وصحّة التّمدّح بأخذها لا يلزم من ذلك أنّ كلّ غازٍ يحصل له من أجر غزاته نظير من لَم يغنم شيئاً البتّة. قلت: والذي مثّل بأهل بدر أراد التّهويل، وإلَّا فالأمر على ما تقرّر آخراً بأنّه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً ممّا لو لَم يحصل لهم أجر الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنّسبة إلى من بعدهم كمن شهد أُحداً لكونهم لَم يغنموا شيئاً , بل أجر البدريّ في الأصل أضعاف أجر من بعده. مثال ذلك , أن يكون لو فرض أنّ أجر البدريّ بغير غنيمة ستّمائةٍ

стр. 3850

وأَجر الأُحديّ مثلاً بغير غنيمة مائة , فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدريّ لكونه أخذ الغنيمة مائتان - وهي ثلث السّتّمائة - فيكون أكثر أجراً من الأُحديّ، وإنّما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أوّل غزوة شهدها النّبيّ ﷺ في قتال الكفّار , وكان مبدأ اشتهار الإسلام وقوّة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعاً، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. والله أعلم. واختار ابن عبد البرّ: أنّ المراد بنقص أجر من غنم أنّ الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بما له فكان الأجر لِما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنّقص من أصل الأجر. ولا يخفى مباينة هذا التّأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدّم ذكره. وذكر بعض المتأخّرين للتّعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمةً لطيفةً بالغةً: وذلك أنّ الله أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويّتان وأخرويّة. فالدّنيويّتان السّلامة والغنيمة , والأخرويّة دخول الجنّة، فإذا رجع سالماً غانماً فقد حصل له ثلثا ما أعدّ الله له وبقي له عند الله الثّلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته. وكأنّ معنى الحديث أنّه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من

стр. 3851

أمر الدّنيا عوّضتك عنه ثواباً. وأمّا الثّواب المختصّ بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً. قال: وغاية ما فيه عدّ ما يتعلق بالنّعمتين الدّنيويّتين أجراً بطريق المجاز. والله أعلم. وفي الحديث أنّ الفضائل لا تدرك دائماً بالقياس، بل هي بفضل الله. وفيه استعمال التّمثيل في الأحكام. وأنّ الأعمال الصّالحة لا تستلزم الثّواب لأعيانها، وإنّما تحصل بالنّيّة الخالصة إجمالاً وتفصيلاً، والله أعلم.

стр. 3852

الحديث الخامس ٤٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مكلومٍ يُكْلَم في سبيل الله، إلَّا جاء يوم القيامة، وكَلْمه يَدْمى: اللون لون الدّم، والريح ريح المسك. (١) قوله: (ما من مكلومٍ) أي: مجروح , ولهما من رواية الأعرج عن أبي هريرة " والذي نفسي بيده لا يُكلم أحدٌ في سبيل الله. ولهما من رواية همام عن أبي هريرة " كل كَلْم يُكلمه المسلم في سبيل الله، ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجر دماً. وقوله: " أحدٌ " قيّده في هذه الرواية بالمُسلم. قوله: (يُكْلَم) بضمّ أوّله وسكون الكاف وفتح اللام , أي: يجرح. قوله: (في سبيل الله) زاد البخاري " والله أعلم بمن يكلم في سبيله " وهي جملة معترضة قصد بها التّنبيه على شرطيّة الإخلاص في نيل هذا الثّواب. قال النّوويّ: ظاهر قوله " في سبيل الله " اختصاصه بمن وقع له

стр. 3853

ذلك في قتال الكفّار، لكن يلتحق به من قتل في حرب البغاة وقطّاع الطّريق وإقامة المعروف لاشتراك الجميع في كونهم شهداء. وقال ابن عبد البرّ: أصل الحديث في الكفّار. ويلتحق هؤلاء بهم بالمعنى، لقوله ﷺ " من قتل دون ماله فهو شهيد " , وتوقّف بعض المتأخّرين في دخول من قاتل دون ماله لأنّه يقصد صون ماله بداعية الطّبع، وقد أشار في الحديث إلى اختصاص ذلك بالمخلص. حيث قال " والله أعلم بمن يكلم في سبيله ". والجواب: أنّه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال، كأن يقصد بقتال من أراد أخذه منه صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية وامتثال أمر الشّارع بالدّفع، ولا يمحّض القصد لصون المال، فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا مع تشوّفه إلى الغنيمة. قوله: (إلَّا جاء يوم القيامة) الحكمة في كون الدّم يأتي يوم القيامة على هيئته أنّه يشهد لصاحبه بفضله وعلى ظالمه بفعله. وفائدة رائحته الطّيّبة أن تنتشر في أهل الموقف إظهاراً لفضيلته أيضاً , ومن ثَمّ لَم يشرع غسل الشّهيد في المعركة. قوله: (وكَلْمه) بفتح الكاف وسكون اللام. قوله: (يَدْمى) بفتح أوله وثالثه. قوله: (اللون لون الدم) في رواية همّام " تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجّر دماً ". قوله: (والريح ريح المسك) في رواية همّام " والعَرْف " بفتح

стр. 3854

المهملة وسكون الرّاء بعدها فاء وهو الرّائحة. ولأصحاب السّنن وصحَّحه التّرمذيّ وابن حبّان والحاكم من حديث معاذ بن جبل: من جُرح جرحاً في سبيل الله , أو نُكِبَ نكبةً فإنّها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزّعفران وريحها المسك. وعرف بهذه الزّيادة. أنّ الصّفة المذكورة لا تختصّ بالشّهيد , بل هي حاصلة لكل من جرح. ويحتمل: أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندمل في الدّنيا. فإنّ أثر الجراحة وسيلان الدّم يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل في الجملة، لكنّ الظّاهر أنّ الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من فارق الدّنيا وجرحه كذلك. ويؤيّده ما وقع عند ابن حبّان في حديث معاذ المذكور " عليه طابع الشّهداء " وقوله " كأغزر ما كانت " لا ينافي قوله " كهيئتها " لأنّ المراد لا ينقص شيئاً بطول العهد. قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى. واستدل بهذا الحديث على أنّ الشّهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال عنه الدّم بغسلٍ ولا غيره، ليجيء يوم القيامة كما وصف النّبيّ ﷺ . وفيه نظرٌ , لأنّه لا يلزم من غسل الدّم في الدّنيا أن لا يبعث كذلك

стр. 3855

، ويغني عن الاستدلال لترك غسل الشّهيد في هذا الحديث قوله ﷺ في شُهداء أُحدٍ: زمّلوهم بدمائهم. (١) قوله: (الْمِسك) بكسر الميم الطّيب المعروف. قال الجاحظ: هو من دويبة تكون في الصّين تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدّت بعصائب وهي مدلية يجتمع فيها دمها، فإذا ذبحت قوّرت السّرّة التي عصبت , ودفنت في الشّعر حتّى يستحيل ذلك الدّم المختنق الجامد مسكاً ذكيّاً بعد أن كان لا يرام من النّتن. ومن ثَمّ قال القفّال: إنّها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات، والمشهور أنّ غزال المسك كالظّبي , لكن لونه أسود وله نابان لطيفان أبيضان في فكّه الأسفل، وأنّ المسك دم يجتمع في سرّته في وقت معلوم من السّنة , فإذا اجتمع ورِمَ الموضعُ فمرض الغزال إلى أن يسقط منه. ويقال: إنّ أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتاداً في البرّيّة تحتكّ بها ليسقط.
следующие страницы →