← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

أمر الدّنيا عوّضتك عنه ثواباً. وأمّا الثّواب المختصّ بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً. قال: وغاية ما فيه عدّ ما يتعلق بالنّعمتين الدّنيويّتين أجراً بطريق المجاز. والله أعلم. وفي الحديث أنّ الفضائل لا تدرك دائماً بالقياس، بل هي بفضل الله. وفيه استعمال التّمثيل في الأحكام. وأنّ الأعمال الصّالحة لا تستلزم الثّواب لأعيانها، وإنّما تحصل بالنّيّة الخالصة إجمالاً وتفصيلاً، والله أعلم.

стр. 3852

الحديث الخامس ٤٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مكلومٍ يُكْلَم في سبيل الله، إلَّا جاء يوم القيامة، وكَلْمه يَدْمى: اللون لون الدّم، والريح ريح المسك. (١) قوله: (ما من مكلومٍ) أي: مجروح , ولهما من رواية الأعرج عن أبي هريرة " والذي نفسي بيده لا يُكلم أحدٌ في سبيل الله. ولهما من رواية همام عن أبي هريرة " كل كَلْم يُكلمه المسلم في سبيل الله، ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجر دماً. وقوله: " أحدٌ " قيّده في هذه الرواية بالمُسلم. قوله: (يُكْلَم) بضمّ أوّله وسكون الكاف وفتح اللام , أي: يجرح. قوله: (في سبيل الله) زاد البخاري " والله أعلم بمن يكلم في سبيله " وهي جملة معترضة قصد بها التّنبيه على شرطيّة الإخلاص في نيل هذا الثّواب. قال النّوويّ: ظاهر قوله " في سبيل الله " اختصاصه بمن وقع له

стр. 3853

ذلك في قتال الكفّار، لكن يلتحق به من قتل في حرب البغاة وقطّاع الطّريق وإقامة المعروف لاشتراك الجميع في كونهم شهداء. وقال ابن عبد البرّ: أصل الحديث في الكفّار. ويلتحق هؤلاء بهم بالمعنى، لقوله ﷺ " من قتل دون ماله فهو شهيد " , وتوقّف بعض المتأخّرين في دخول من قاتل دون ماله لأنّه يقصد صون ماله بداعية الطّبع، وقد أشار في الحديث إلى اختصاص ذلك بالمخلص. حيث قال " والله أعلم بمن يكلم في سبيله ". والجواب: أنّه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال، كأن يقصد بقتال من أراد أخذه منه صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية وامتثال أمر الشّارع بالدّفع، ولا يمحّض القصد لصون المال، فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا مع تشوّفه إلى الغنيمة. قوله: (إلَّا جاء يوم القيامة) الحكمة في كون الدّم يأتي يوم القيامة على هيئته أنّه يشهد لصاحبه بفضله وعلى ظالمه بفعله. وفائدة رائحته الطّيّبة أن تنتشر في أهل الموقف إظهاراً لفضيلته أيضاً , ومن ثَمّ لَم يشرع غسل الشّهيد في المعركة. قوله: (وكَلْمه) بفتح الكاف وسكون اللام. قوله: (يَدْمى) بفتح أوله وثالثه. قوله: (اللون لون الدم) في رواية همّام " تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجّر دماً ". قوله: (والريح ريح المسك) في رواية همّام " والعَرْف " بفتح

стр. 3854

المهملة وسكون الرّاء بعدها فاء وهو الرّائحة. ولأصحاب السّنن وصحَّحه التّرمذيّ وابن حبّان والحاكم من حديث معاذ بن جبل: من جُرح جرحاً في سبيل الله , أو نُكِبَ نكبةً فإنّها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزّعفران وريحها المسك. وعرف بهذه الزّيادة. أنّ الصّفة المذكورة لا تختصّ بالشّهيد , بل هي حاصلة لكل من جرح. ويحتمل: أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه بسببه قبل اندماله لا ما يندمل في الدّنيا. فإنّ أثر الجراحة وسيلان الدّم يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل في الجملة، لكنّ الظّاهر أنّ الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من فارق الدّنيا وجرحه كذلك. ويؤيّده ما وقع عند ابن حبّان في حديث معاذ المذكور " عليه طابع الشّهداء " وقوله " كأغزر ما كانت " لا ينافي قوله " كهيئتها " لأنّ المراد لا ينقص شيئاً بطول العهد. قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى. واستدل بهذا الحديث على أنّ الشّهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال عنه الدّم بغسلٍ ولا غيره، ليجيء يوم القيامة كما وصف النّبيّ ﷺ . وفيه نظرٌ , لأنّه لا يلزم من غسل الدّم في الدّنيا أن لا يبعث كذلك

стр. 3855

، ويغني عن الاستدلال لترك غسل الشّهيد في هذا الحديث قوله ﷺ في شُهداء أُحدٍ: زمّلوهم بدمائهم. (١) قوله: (الْمِسك) بكسر الميم الطّيب المعروف. قال الجاحظ: هو من دويبة تكون في الصّين تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت شدّت بعصائب وهي مدلية يجتمع فيها دمها، فإذا ذبحت قوّرت السّرّة التي عصبت , ودفنت في الشّعر حتّى يستحيل ذلك الدّم المختنق الجامد مسكاً ذكيّاً بعد أن كان لا يرام من النّتن. ومن ثَمّ قال القفّال: إنّها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات، والمشهور أنّ غزال المسك كالظّبي , لكن لونه أسود وله نابان لطيفان أبيضان في فكّه الأسفل، وأنّ المسك دم يجتمع في سرّته في وقت معلوم من السّنة , فإذا اجتمع ورِمَ الموضعُ فمرض الغزال إلى أن يسقط منه. ويقال: إنّ أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتاداً في البرّيّة تحتكّ بها ليسقط.

стр. 3856

ونقل ابن الصّلاح في " مشكل الوسيط ": أنّ النّافجة في جوف الظّبية كالإنفحة في جوف الجدي، وعن عليّ بن مهديّ الطّبريّ الشّافعيّ أنّها تلقيها من جوفها كما تلقي الدّجاجة البيضة. ويمكن الجمع بأنّها تلقيها من سرّتها فتتعلق بها إلى أن تحتكّ. قال النّوويّ: أجمعوا على أنّ المسك طاهر يجوز استعماله في البدن والثّوب، ويجوز بيعه. ونقل أصحابنا عن الشّيعة فيه مذهباً باطلاً وهو مستثنىً من القاعدة: ما أبين من حيّ فهو ميّت. انتهى. وحكى ابن التّين عن ابن شعبان من المالكيّة: أنّ فأرة المسك إنّما تؤخذ في حال الحياة أو بذكاة من لا تصحّ ذكاته من الكفرة، وهي مع ذلك محكوم بطهارتها لأنّها تستحيل عن كونها دماً حتّى تصير مسكاً. كما يستحيل الدّم إلى اللحم فيطهر ويحلّ أكله، وليست بحيوانٍ حتّى يقال نجست بالموت، وإنّما هي شيء يحدث بالحيوان كالبيض. وقد أجمع المسلمون على طهارة المسك إلَّا ما حكي عن عمر من كراهته، وكذا حكى ابن المنذر عن جماعة , ثمّ قال: ولا يصحّ المنع فيه إلَّا عن عطاء. بناء على أنّه جزء منفصل. وقد أخرج مسلم في أثناء حديث عن أبي سعيد , أنّ النّبيّ ﷺ قال: المسك أطيب الطّيب. وأخرجه أبو داود مقتصراً منه على هذا القدر. قال ابن المنيّر: استدل البخاريّ بهذا الحديث على طهارة المسك لوقوع تشبيه دم الشّهيد به، لأنّه في سياق التّكريم والتّعظيم، فلو كان نجساً لكان من الخبائث. ولَم يحسن التّمثيل به في هذا المقام.

стр. 3857

تكميل: قد استُشكِل إيراد البخاري لهذا الحديث في (باب ما يقع من النّجاسات في السّمن والماء) فقال الإسماعيليّ: هذا الحديث لا يدخل في طهارة الدّم ولا نجاسته , وإنّما ورد في فضل المطعون في سبيل الله. وأجيب: بأنّ مقصود البخاري بإيراده تأكيد مذهبه في أنّ الماء لا يتنجّس بمجرّد الملاقاة ما لَم يتغيّر , فاستدل بهذا الحديث على أنّ تبدّل الصّفة يؤثّر في الموصوف , فكما أنّ تغيّر صفة الدّم بالرّائحة الطّيّبة أخرجه من الذّمّ إلى المدح , فكذلك تغيّر صفة الماء إذا تغيّر بالنّجاسة يخرجه عن صفة الطّهارة إلى النّجاسة. وتعقّب: بأنّ الغرض إثبات انحصار التّنجيس بالتّغيّر , وما ذكر يدلّ على أنّ التّنجيس يحصل بالتّغيّر وهو وفاق. لا أنّه لا يحصل إلَّا به وهو موضع النّزاع. وقال بعضهم: مقصود البخاريّ أنَّ يبيّن طهارة المسك ردّاً على من يقول بنجاسته؛ لكونه دماً انعقد فلمّا تغيّر عن الحالة المكروهة من الدّم - وهي الزّهم وقبح الرّائحة - إلى الحالة الممدوحة - وهي طيب رائحة المسك - دخلَ عليه الحلُّ , وانتقل من حالة النّجاسة إلى حالة الطّهارة كالخمرة إذا تخلّلت. وقال ابن رشيد: مراده أنّ انتقال الدّم إلى الرّائحة الطّيّبة هو الذي نقله من حالة الذّمّ إلى حالة المدح فحصل من هذا تغليب وصف واحد. وهو الرّائحة على وصفين وهما الطّعم واللون , فيستنبط منه

стр. 3858

أنّه متى تغيّر أحد الأوصاف الثّلاثة بصلاحٍ أو فسادٍ تبعه الوصفان الباقيان , وكأنّه أشار بذلك إلى ردّ ما نقل عن ربيعة وغيره: أنّ تغيّر الوصف الواحد لا يؤثّر حتّى يجتمع وصفان. قال: ويمكن أن يستدل به على أنّ الماء إذا تغيّر ريحه بشيءٍ طيّبٍ لا يسلبه اسم الماء كما أنّ الدّم لَم ينتقل عن اسم الدّم مع تغيّر رائحته إلى رائحة المسك؛ لأنّه قد سمّاه دماً مع تغيّر الرّيح فما دام الاسم واقعاً على المسمّى فالحكم تابع له. انتهى كلامه. ويَرِد على الأوّل: أنّه يلزم منه أنّ الماء إذا كانت أوصافه الثّلاثة فاسدة , ثمّ تغيّرت صفةٌ واحدةٌ منها إلى صلاحٍ أنّه يحكم بصلاحه كلّه. وهو ظاهر الفساد. وعلى الثّاني: أنّه لا يلزم من كونه لَم يسلب اسم الماء أن لا يكون موصوفاً بصفةٍ تمنع من استعماله مع بقاء اسم الماء عليه. والله أعلم. وقال ابن دقيق العيد لَمَّا نقل قول مَن قال. إنّ الدّم لَمَّا انتقل بطيب رائحته من حكم النّجاسة إلى الطّهارة , ومن حُكْمِ القذارة إلى الطّيب لتغيّر رائحته حتّى حُكم له بحكم المسك وبالطّيب للشّهيد: فكذلك الماء ينتقل بتغيّر رائحته من الطّهارة إلى النّجاسة. قال: هذا ضعيف مع تكلّفه.

стр. 3859

الحديث السادس ٤٠٩ - عن أبي أيوبٍ الأنصاريّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : غدوةٌ في سبيل الله، أو روحةٌ، خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت. أخرجه مسلم. (١) الحديث السابع ٤١٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : غدوةٌ في سبيل الله، أو روحةٌ، خيرٌ من الدنيا وما فيها. أخرجه البخاري. (٢) قوله: (خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت) هو المراد بقوله في الذي بعده " خير من الدّنيا وما فيها ". وتقدّم الكلام عليه قبل حديثين.

стр. 3860

الحديث الثامن ٤١١ - عن أبي قتادة الأنصاريّ ﵁ , قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنينٍ. وذكر قصةً. فقال رسول الله ﷺ : من قتل قتيلاً، له عليه بيّنةٌ، فله سلبه , قالها ثلاثا. (١) قوله: (حنين) حنين بمهملةٍ ونونٍ مصغّر. وادٍ إلى جنب ذي المجاز قريب من الطّائف، بينه وبين مكّة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات. قال أبو عبيد البكريّ: سمي باسم حنين بن قابثة بن مهلائيل. قال أهل المغازي: خرج النّبيّ ﷺ إلى حنينٍ لستٍّ خلت من شوّالٍ، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان. وجمع بعضهم: بأنّه بدأ بالخروج في

стр. 3861

أواخر رمضان وسار سادس شوّال؛ وكان وصوله إليها في عاشره. وكان السّبب في ذلك أنّ مالك بن عوف النّضريّ جمع القبائل من هوازن ووافقه على ذلك الثّقفيّون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فخرج إليهم. قال عمر بن شبّة في " كتاب مكّة ": حدّثنا الحزاميّ - يعني إبراهيم بن المنذر - حدّثنا ابن وهب عن ابن أبي الزّناد عن أبيه عن عروة , أنّه كتب إلى الوليد: أمّا بعد فإنّك كتبت إليّ تسألني عن قصّة الفتح، فذكر له وقتها، فأقام عامئذ بمكّة نصف شهر، ولَم يزد على ذلك حتّى أتاه أنّ هوازن وثقيفاً قد نزلوا حنيناً يريدون قتال رسول الله ﷺ , وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك. ولأبي داود بإسنادٍ حسن من حديث سهل ابن الحنظليّة , أنّهم ساروا مع النّبيّ ﷺ إلى حنينٍ فأطنبوا السّير، فجاء رجلٌ , فقال: إنّي انطلقت من بين أيديكم حتّى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بَكْرة أبيهم (١) بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنينٍ، فتبسّم رسول الله ﷺ , وقال: تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله تعالى. وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدلّ على أنّ هذا الرّجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ. قوله: (من قتل قتيلاً له عليه بيّنةٌ). اتّفقوا على أنّه لا يقبل قول من

стр. 3862

ادّعى السّلب إلَّا ببيّنةٍ تشهد له بأنّه قتله. والحجّة فيه قوله في هذا الحديث " له عليه بيّنةٌ " , فمفهومه أنّه إذا لَم تكن له بيّنةٌ لا يُقبل، وسياق أبي قتادة يشهد لذلك. وعن الأوزاعيّ: يقبل قوله بغير بيّنةٍ , لأنّ النّبيّ ﷺ أعطاه لأبي قتادة بغير بيّنةٍ. وفيه نظرٌ , لأنّه وقع في " مغازي الواقديّ " أنّ أوس بن خوليٍّ (١) شهد لأبي قتادة، وعلى تقدير أن لا يصحّ , فيُحمل على أنّ النّبيّ ﷺ علم أنّه القاتل بطريقٍ من الطّرق. وأبعد مَن قال من المالكيّة: إنّ المراد بالبيّنة هنا الذي أقرّ له أنّ السّلب عنده فهو شاهدٌ. والشّاهد الثّاني وجود السّلب. فإنّه بمنزلة الشّاهد على أنّه قتله , ولذلك جعل لوثاً في " باب القسامة ". وقيل: إنّما استحقّه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده، وهو ضعيفٌ , لأنّ الإقرار إنّما يفيد إذا كان المال منسوباً لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره، والمال هنا منسوبٌ لجميع الجيش. ونقل ابن عطيّة: عن أكثر الفقهاء أنّ البيّنة هنا شاهدٌ واحدٌ يكتفى

стр. 3863

به. قوله: (فله سلبُه) السّلب بفتح المهملة واللام بعدها موحّدةٌ. هو ما يوجد مع المحارب من ملبوسٍ وغيره عند الجمهور. وعن أحمد: لا تدخل الدّابّة. وعن الشّافعيّ: يختصّ بأداة الحرب. وإلى ما تضمّنه الحديث ذهب الجمهور، وهو أنّ القاتل يستحقّ السّلب. سواءٌ قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أو لَم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة. وقال: إنّه فتوى من النّبيّ ﷺ , وإخبارٌ عن الحكم الشّرعيّ. وعن المالكيّة والحنفيّة: لا يستحقّه القاتل إلَّا إن شرط له الإمام ذلك. وعن مالكٍ: يخيّر الإمام بين أن يعطي القاتل السّلب أو يخمّسه. واختاره إسماعيل القاضي. وعن إسحاق: إذا كثرت الأسلاب خمّست. ومكحولٍ والثّوريِّ: يخمّس مطلقاً، وقد حُكي عن الشّافعيّ أيضاً. وتمسّكوا بعموم قوله: ﴿واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ لله خمسه﴾ ولَم يستثن شيئاً. واحتجّ الجمهور بقوله ﷺ : من قتل قتيلاً فله سلبه. فإنّه خصّص ذلك العموم. وتعقّب: بأنّه ﷺ لَم يقل من قتل قتيلاً فله سلبه إلَّا يوم حنينٍ، قال

стр. 3864

مالكٌ: لَم يبلغني ذلك في غير حنينٍ. وأجاب الشّافعيّ وغيره: بأنّ ذلك حُفظ عن النّبيّ ﷺ في عدّة مواطن. منها يوم بدرٍ كما في حديث عبد الرحمن بن عوف في الصحيحين (١). ومنها حديث حاطب بن أبي بلتعة , أنّه قتل رجلاً يوم أحدٍ فسلَّم له رسول الله ﷺ سلَبَه. أخرجه البيهقيّ. ومنها حديث جابرٍ , أنّ عقيل بن أبي طالبٍ قتل يوم مؤتة رجلاً فنفله النّبيّ ﷺ درعه. (٢) ثمّ كان ذلك مقرّراً عند الصّحابة كما روى مسلمٌ من حديث عوف بن مالكٍ في قصّته مع خالد بن الوليد , وإنكاره عليه أخذه السّلب من القاتل. الحديث بطوله.

стр. 3865

وكما روى الحاكم والبيهقيّ بإسنادٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وقّاصٍ , أنّ عبد الله بن جحشٍ قال يوم أحدٍ: تعال بنا ندعو، فدعا سعدٌ , فقال: اللهمّ ارزقني رجلاً شديداً بأسه فأقاتله ويقاتلني , ثمّ ارزقني عليه الظّفر حتّى أقتله وآخذ سلبه. الحديث. وكما روى أحمد بإسنادٍ قويٍّ عن عبد الله بن الزّبير قال: كانت صفيّة في حصن حسّان بن ثابتٍ يوم الخندق. فذكر الحديث في قصّة قتلها اليهوديّ، وقولها لحسّان: انزل فاسلبه؛ فقال: ما لي بسلبه حاجةٌ. وكما روى ابن إسحاق في " المغازي ". في قصّة قتل عليّ بن أبي طالبٍ عمرو بن عبد ودٍّ يوم الخندق أيضاً , فقال له عمرٌو: هلاّ استلَبْتَ درعه , فإنّه ليس للعرب خيرٌ منها، فقال: إنّه اتّقاني بسوأته. وأيضاً فالنّبيّ ﷺ إنّما قال ذلك يوم حنينٍ بعد أن فرغ القتال، كما هو صريحٌ في حديث عبد الرحمن بن عوف. حتّى قال مالكٌ: يكره للإمام أن يقول من قتل قتيلاً فله سلبه , لئلا تضعف نيّات المجاهدين، ولَم يقل النّبيّ ﷺ ذلك إلَّا بعد انقضاء الحرب. وعن الحنفيّة: لا كراهة في ذلك، وإذا ناله قبل الحرب أو في أثنائها استحقّ القاتل. واستدل به على دخول من لا يسهم له في عموم قوله " من قتل

стр. 3866

قتيلاً ". وعن الشّافعيّ في قولٍ، وبه قال مالكٌ. لا يستحقّ السّلب إلَّا من استحقّ السّهم , لأنّه قال: إذا لَم يستحقّ السّهم فلا يستحقّ السّلب بطريق الأولى. وعورض: بأنّ السّهم علق على المظنّة، والسّلب يستحقّ بالفعل فهو أولى، وهذا هو الأصل. واستدل به على أنّ السّلب للقاتل في كل حالٍ حتّى قال أبو ثورٍ وابن المنذر: يستحقّه ولو كان المقتول منهزماً. وقال أحمد: لا يستحقّه إلَّا بالمبارزة. وعن الأوزاعيّ: إذا التقى الزّحفان فلا سلب. واستدل به على أنّه مستحقٌّ للقاتل الذي أثخنه بالقتل دون من ذفَّف (١) عليه. كما في قصّة ابن مسعودٍ مع أبي جهلٍ في غزوة بدرٍ. (٢)

стр. 3867

واستدل به على أنّ السّلب يستحقّه القاتل من كل مقتولٍ حتّى لو كان المقتول امرأةً، وبه قال أبو ثورٍ وابن المنذر. وقال الجمهور: شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة.

стр. 3868

الحديث التاسع ٤١٢ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أتى النبيّ ﷺ عينٌ من المشركين، وهو في سفرٍ، فجلس عند أصحابه يتحدَّث، ثم انفتل: فقال النبيّ ﷺ : اطلبوه، واقتلوه، فقتلتُه فنفّله (١) سلبه. (٢) وفي رواية: فقال: من قَتَل الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع، فقال: له سلبه أجمع. (٣) قوله: (أتى النّبيّ ﷺ عينٌ من المشركين) لَم أقف على اسمه. ووقع في رواية عكرمة بن عمّار عن إياس بن سلمة عن أبيه عند مسلم " أنّ ذلك كان في غزوة هوازن ". وسُمّي الجاسوس عيناً , لأنّ جلّ عمله بعينه، أو لشدّة اهتمامه بالرّؤية واستغراقه فيها , كأنّ جميع بدنه صار عيناً. قوله: (فجلس عند أصحابه يتحدّث ثمّ انفتل) في رواية النّسائيّ من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس عن إياس " فلمّا طعم انسلَّ " , وفي رواية عكرمة عن إياس عند مسلم " فقيّد الجملَ ثمّ

стр. 3869

تقدّم يتغدّى مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقّة في الظّهر، إذ خرج يشتدّ ". قوله: (اطلبوه واقتلوه) زاد أبو نعيم في " المستخرج " من طريق يحيى الحمّانيّ عن أبي العميس " أدركوه , فإنّه عين ". زاد أبو داود عن الحسن بن عليّ عن أبي نعيم - شيخ البخاري - عن أبي العميس فيه " فسبقتهم إليه فقتلته ". قوله: (فقتَلتُه فنفَّلَه سلبَه) كذا فيه، وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، وكان السّياق يقتضي أن يقول: فنفلني. وهي رواية أبي داود. وزاد هو ومسلم من طريق عكرمة بن عمّار المذكور " فاتّبعه رجلٌ من أسلم على ناقة ورقاء، فخرجتُ أعدو حتّى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلمّا وضع ركبته بالأرض اخترطّت سيفي فأضرب رأسه فبدر، فجئت براحلته وما عليها أقودها، فاستقبلني رسول الله ﷺ , فقال: مَن قتلَ الرّجلَ؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع ". وترجم عليه النّسائيّ " قتل عيون المشركين ". وقد ظهر من رواية عكرمة الباعث على قتله , وأنّه اطّلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنمون غرّتهم، وكان في قتله مصلحة للمسلمين. قال النّوويّ: فيه قتل الجاسوس الحربيّ الكافر وهو باتّفاق، وأمّا المعاهد والذّمّيّ , فقال مالك والأوزاعيّ: ينتقض عهده بذلك. وعند

стр. 3870

الشّافعيّة خلاف. أمّا لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتّفاقاً. وفيه حجّة لِمَن قال: إنّ السّلب كلّه للقاتل. وأجاب مَن قال لا يستحقّ ذلك إلَّا بقول الإمام: أنّه ليس في الحديث ما يدلّ على أحد الأمرين بل هو محتمل لهما، لكن أخرجه الإسماعيليّ من طريق محمّد بن ربيعة عن أبي العميس بلفظ " قام رجلٌ فأخبر النّبيّ ﷺ , أنّه عين للمشركين , فقال: من قتَلَه فله سلبه، قال: فأدركته فقتلته، فنفلني سلبه ". فهذا يؤيّد الاحتمال الثّاني. بل قال القرطبيّ: لو قال القاتل يستحقّ السّلب بمجرّد القتل , لَم يكن لقول النّبيّ ﷺ له سلبه أجمع , مزيدُ فائدة. وتعقّب: باحتمال أن يكون هذا الحكم إنّما ثبت من حينئذٍ. وقد استدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب , لأنّ قوله تعالى ﴿واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ﴾ عامٌّ في كلّ غنيمة، فبيّن ﷺ بعد ذلك بزمنٍ طويلٍ أنّ السّلب للقاتل. سواء قيّدنا ذلك بقول الإمام أم لا. وأمّا قول مالك: لَم يبلغني أنّ النّبيّ ﷺ قال ذلك إلَّا يوم حنينٍ. فإن أراد أنّ ابتداء هذا الحكم كان يوم حنينٍ فهو مردود , لكن على غير مالك ممّن منعه، فإنّ مالكاً إنّما نفى البلاغ. وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنّه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة: إنّ النّبيّ ﷺ قضى بالسّلب للقاتل , وكانت

стр. 3871

مؤتة قبل حنينٍ بالاتّفاق. وقال القرطبيّ: فيه أنّ للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السّريّة من الغنيمة لمن يراه منهم، وهذا يتوقّف على أنّه لَم يكن غنيمة إلَّا ذلك السّلب. قلت: وما أبداه احتمالاً هو الواقع، فقد وقع في رواية عكرمة بن عمّار " أنّ ذلك كان في غزوة هوازن " , وقد اشتهر ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم. قال ابن المنير: ترجم البخاري (بالحربيّ إذا دخل بغير أمان) وأورد الحديث المتعلق بعين المشركين وهو جاسوسهم، وحكْمُ الجاسوس مخالف لحكْم الحربيّ المطلق الدّاخل بغير أمانٍ، فالدّعوى أعمّ من الدّليل. وأجيب: بأنّ الجاسوس المذكور أوهم أنّه ممّن له أمان، فلمّا قضى حاجته من التّجسيس انطلق مسرعاً ففطن له فظهر أنّه حربيّ دخل بغير أمانٍ.

стр. 3872

الحديث العاشر ٤١٣ - عن عبد الله بن عمر ﵁، قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً إلى نجدٍ، فخرجت فيها، فأصَبْنا إبلاً وغنماً، فبلغتْ سُهمانُنا اثني عشر بعيراً، ونفّلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً. (١) قوله: (بعث سريّةً إلى نجدٍ) في رواية لهما " قِبل نجد " قبل بكسر القاف وفتح الموحّدة. أي: في جهة نجد، هكذا ذكرها البخاري بعد غزوة الطّائف. والذي ذكره أهل المغازي: أنّها كانت قبل التّوجّه لفتح مكّة. فقال ابن سعد: كانت في شعبان سنة ثمان. وذكر غيره , أنّها كانت قبل مؤتة، ومؤتة كانت في جمادى من السّنة. وقيل: كانت في رمضان. قالوا: وكان أبو قتادة أميرها، وكانوا خمسة وعشرين، وغنموا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير وألفي شاة. والسّريّة: بفتح المهملة وكسر الرّاء وتشديد التّحتانيّة هي التي تخرج بالليل، والسّارية التي تخرج بالنّهار. وقيل: سُمِّيت بذلك لأنّها تخفي ذهابها. وهذا يقتضي أنّها أخذت من السّرّ , ولا يصحّ لاختلاف المادّة.

стр. 3873

وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة فما زاد على خمسمائة يقال له: منسر بالنّون والمهملة، فإن زاد على الثّمانمائة سُمِّي: جيشاً، وما بينهما يسمّى: هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمّى: جحفلاً، فإن زاد فجيش جرّار، والخميس الجيش العظيم. وما افترق من السّريّة يسمّى بعثاً، فالعشرة فما بعدها تسمّى حفيرة، والأربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون ثمّ موحّدة، فإن زاد سُمِّي جمرة بالجيم، والكتيبة: ما اجتمع ولَم ينتشر. قوله: (فأصبنا إبلاً وغنماً) ولهما من رواية مالك عن نافع " فغنموا إبلاً كثيرةً ". قوله: (فبلغت سهماننا) في رواية مالك " فكانت سهمانهم " أي: أنصباؤهم، والمراد أنّه بلغ نصيب كل واحدٍ منهم هذا القدر. وتوهّم بعضهم أنّ ذلك جميع الأنصباء. قال النّوويّ: وهو غلطٌ. قوله: (اثني عشر بعيراً , ونفّلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً) في رواية مالك " فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونُفّلوا بعيراً بعيراً " هكذا رواه مالكٌ بالشّكّ والاختصار وإيهام الذي نفلهم. وقد وقع بيان ذلك في رواية ابن إسحاق من نافعٍ عند أبي داود ولفظه " فخرجتُ فيها فأصبنا نعماً كثيراً. وأعطانا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسانٍ، ثمّ قدِمنا على النّبيّ ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا. فأصاب كلَّ

стр. 3874

رجلٍ منّا اثنا عشر بعيراً بعد الخمس ". وأخرجه أبو داود أيضاً من طريق شعيب بن أبي حمزة عن نافعٍ. ولفظه " بعثنا رسول الله ﷺ في جيشٍ قِبَل نجدٍ وأتبعت سريّةً من الجيش، وكان سهمان الجيش اثني عشر بعيراً اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السّريّة بعيراً بعيراً، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيراً ثلاثة عشر بعيراً ". وأخرجه ابن عبد البرّ من هذا الوجه , وقال في روايته " إنّ ذلك الجيش كان أربعة آلافٍ ". قال ابن عبد البرّ: اتّفق جماعة رواة الموطّأ على روايته بالشّكّ، إلَّا الوليد بن مسلمٍ فإنّه رواه عن شعيبٍ ومالكٍ جميعاً فلم يشكّ، وكأنّه حمل رواية مالكٍ على رواية شعيبٍ. قلت: وكذا أخرجه أبو داود عن القعنبيّ عن مالكٍ والليث (١) بغير شكٍّ، فكأنّه أيضاً حمل رواية مالكٍ على رواية الليث. قال ابن عبد البرّ: وقال سائر أصحاب نافعٍ " اثني عشر بعيراً " بغير شكٍّ لَم يقع الشّكّ فيه إلَّا من مالكٍ قوله: (ونفّلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً) في رواية مالك " ونفّلوا بعيراً بعيراً " بلفظ الفعل الماضي من غير مسمّىً.

стр. 3875

والنّفل زيادةٌ يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصّلاة. وهو ما عدا الفرض. واختلف الرّواة في القسْم والتّنفيل , هل كانا جميعاً من أمير ذلك الجيش , أو من النّبيّ ﷺ , أو أحدهما من أحدهما؟. فرواية ابن إسحاق صريحةٌ أنّ التّنفيل كان من الأمير , والقسْم من النّبيّ ﷺ . وظاهر رواية الليث عن نافعٍ عند مسلمٍ , أنّ ذلك صدر من أمير الجيش، وأنّ النّبيّ ﷺ كان مقرّراً لذلك. مجيزاً له لأنّه قال فيه: ولَم يغيّره النّبيّ ﷺ . وفي رواية عبد الله بن عمر عنده أيضاً " ونفَّلنا رسول الله ﷺ بعيراً بعيراً " وهذا يمكن أن يُحمل على التّقرير. فتجتمع الرّوايتان. قال النّوويّ: معناه أنّ أمير السّريّة نفلهم فأجازه النّبيّ ﷺ , فجازت نسبته لكلٍّ منهما. وفي الحديث أنّ الجيش إذا انفرد منه قطعةٌ فغنموا شيئاً كانت الغنيمة للجميع. قال ابن عبد البرّ: لا يختلف الفقهاء في ذلك، أي: إذا خرج الجيش جميعه ثمّ انفردت منه قطعةٌ. انتهى وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام. فإنّه لا يشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدوّ. بل قال ابن دقيق العيد: إنّ الحديث يستدلّ به على أنّ المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الإمام ينفرد بما يغنمه.

стр. 3876

قال: وإنّما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريباً منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا. انتهى. وهذا القيد في مذهب مالكٍ. وقال إبراهيم النّخعيّ: للإمام أن ينفّل السّريّة جميع ما غنمته دون بقيّة الجيش مطلقاً، وقيل: إنّه انفرد بذلك. وفيه مشروعيّة التّنفيل، ومعناه تخصيص من له أثرٌ في الحرب بشيءٍ من المال، لكنّه خصّه عمرو بن شعيبٍ بالنّبيّ ﷺ دون من بعده. نعم. وكره مالكٌ أن يكون بشرطٍ من أمير الجيش , كأن يحرّض على القتال , ويعِد بأن ينفّل الرّبع إلى الثّلث قبل القسم، واعتلَّ بأنّ القتال حينئذٍ يكون للدّنيا، قال: فلا يجوز مثل هذا. انتهى. وفي هذا ردٌّ على من حكى الإجماع على مشروعيّته. وقد اختلف العلماء , هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو ممّا عدا الخمس؟. على أقوالٍ. والثّلاثة الأُوَل مذهب الشّافعيّ , والأصحّ عندهم أنّها من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيدٍ عن مالكٍ. وهو شاذٌّ عندهم. قال ابن بطّالٍ: وحديث الباب يردّ على هذا , لأنّهم نفّلوا نصف السّدس وهو أكثر من خمس الخمس. وهذا واضحٌ. وقد زاده ابن المنير إيضاحاً فقال: لو فرضنا أنّهم كانوا مائةً لكان قد حصل لهم ألفٌ ومائتا بعيرٍ. ويكون الخمس من الأصل ثلاثمائة بعيرٍ وخمسها ستّون، وقد نطق الحديث " بأنّهم نفّلوا بعيراً بعيراً "

стр. 3877

فتكون جملة ما نفّلوا مائة بعيرٍ، وإذا كان خمس الخمس ستّين لَم يف كلّه ببعيرٍ بعيرٍ لكلٍّ من المائة، وهكذا كيفما فرضت العدد. قال: وقد ألْجَأَ هذا الإلزام بعضهم فادّعى أنّ جميع ما حصل للغانمين كان اثني عشر بعيراً , فقيل له: فيكون خمسها ثلاثة أبعرةٍ فيلزم أن تكون السّريّة كلّها ثلاثة رجالٍ كذا قيل. قال ابن المنير: وهو سهوٌ على التّفريغ المذكور، بل يلزم أن يكون أقل من رجلٍ بناءً على أنّ النّفل من خمس الخمس. وقال ابن التّين: قد انفصل مَن قال من الشّافعيّة بأنّ النّفل من خمس الخمس بأوجهٍ: الأول: أنّ الغنيمة لَم تكن كلّها أبعرةً , بل كان فيها أصنافٌ أخرى، فيكون التّنفيل وقع من بعض الأصناف دون بعضٍ. ثانيها: أن يكون نفلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها , فضمّ هذا إلى هذا , فلذلك زادت العدّة. ثالثها: أن يكون نَفَّل بعض الجيش دون بعضٍ. قال: وظاهر السّياق يردّ هذه الاحتمالات. قال: وقد جاء أنّهم كانوا عشرةً، وأنّهم غنموا مائةً وخمسين بعيراً فخرج منها الخمس وهو ثلاثون وقسّم عليهم البقيّة. فحصل لكل واحدٍ اثنا عشر بعيراً ثمّ نفّلوا بعيراً بعيراً , فعلى هذا فقد نفّلوا ثلث الخمس. قلت: إن ثبت هذا. لَم يكن فيه ردٌّ للاحتمال الأخير , لأنّه يحتمل

стр. 3878

أن يكون الذين نفّلوا ستّةً من العشرة. والله أعلم. قال الأوزاعيّ وأحمد وأبو ثورٍ وغيرهم: النّفل من أصل الغنيمة. وقال مالكٌ وطائفةٌ: لا نفل إلَّا من الخمس. وقال الخطّابيّ: أكثر ما روي من الأخبار يدلّ على أنّ النّفل من أصل الغنيمة , والذي يقرب من حديث الباب أنّه كان من الخمس لأنّه أضاف الاثني عشر إلى سهمانهم، فكأنّه أشار إلى أنّ ذلك قد تقرّر لهم استحقاقه من الأخماس الأربعة الموزّعة عليهم فيبقى للنّفل من الخمس. قلت: ويؤيّده ما رواه مسلمٌ في حديث الباب من طريق الزّهريّ , قال: بلغني عن ابن عمر قال: نفل رسول الله ﷺ سريّةً بعثها قِبَل نجدٍ من إبلٍ جاءوا بها نفلاً سوى نصيبهم من المغنم. لَم يسق مسلمٌ لفظه , وساقه الطّحاويّ. ويؤيّده أيضاً ما رواه مالكٌ عن عبد ربّه بن سعيدٍ عن عمرو بن شعيبٍ , أنّ النّبيّ ﷺ قال: ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلَّا الخمس، وهو مردودٌ عليكم. وصله النّسائيّ من وجهٍ آخر حسنٍ عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه. وأخرجه أيضاً بإسنادٍ حسنٍ من حديث عبادة بن الصّامت , فإنّه يدلّ على أنّ ما سوى الخمس للمقاتلة. وروى مالكٌ أيضاً عن أبي الزّناد , أنّه سمع سعيد بن المسيّب قال: كان النّاس يعطون النّفل من الخمس.

стр. 3879

قلت: وظاهره اتّفاق الصّحابة على ذلك. وقال ابن عبد البرّ: إن أراد الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنىً فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعةٌ فأراد أن ينفّلها ممّا غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثّلث. انتهى. وهذا الشّرط. قال به الجمهور. وقال الشّافعيّ: لا يتحدّد، بل هو راجعٌ إلى ما يراه الإمام من المصلحة، ويدلّ له قوله تعالى ﴿قل الأنفال لله والرّسول﴾ ففوّض إليه أمرها، والله أعلم. وقال الأوزاعيّ: لا ينفّل من أوّل الغنيمة، ولا ينفّل ذهباً ولا فضّةً. وخالفه الجمهور. وحديث الباب من رواية ابن إسحاق يدلّ لِمَا قالوا. واستدل به على تعيّن قسمة أعيان الغنيمة لا أثمانها، وفيه نظرٌ. لاحتمال أن يكون وقع ذلك اتّفاقاً أو بياناً للجواز. وعند المالكيّة فيه أقوالٌ ثالثها التّخيير. وفيه أنّ أمير الجيش إذا فعل مصلحةً لَم ينقضها الإمام.

стр. 3880

الحديث الحادي عشر ٤١٤ - عن ابن عمر ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين، يُرفع لكل غادرٍ لواءٌ، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان. (١) قوله: (يرفع لكل غادرٍ) في رواية للبخاري " لكل غادرٍ لواءٌ يُنصب بغدرته يوم القيامة " , وله أيضاً " يعرف به " , ولمسلم من حديث أبي سعيد " يرفع له بقدر غدرته " , وله من حديثه من وجه آخر " عند استه ". والغدر حرام باتّفاقٍ، سواء كان في حقّ المسلم أو الذّمّيّ. وسواء كان من بر لفاجر أو بر , أو من فاجر لبر أو فاجر. قال ابن المنير: كأنّه عومل بنقيض قصده , لأنّ عادة اللواء أن يكون على الرّأس فنصب عند السّفل زيادة في فضيحته، لأنّ الأعين غالباً تمتدّ إلى الألوية فيكون ذلك سبباً لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم فيزداد بها فضيحته. انتهى وقال الكرمانيّ: الرّفع والنّصب هنا بمعنىً واحد، يعني لأنّ الغرض إظهار ذلك.

стр. 3881

قال القرطبيّ: هذا خطاب منه للعرب بنحر ما كانت تفعل، لأنّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليلوموا الغادر ويذمّوه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمّه أهل الموقف، وأمّا الوفاء فلم يرد فيه شيء ولا يبعد أن يقع كذلك، وقد ثبت لواء الحمد لنبيّنا ﷺ . وفي الحديث غلظ تحريم الغدر , لا سيّما من صاحب الولاية العامّة , لأنّ غدره يتعدّى ضرره إلى خلق كثير (١)، ولأنّه غير مضطرّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء. وقال عياض: المشهور أنّ هذا الحديث ورد في ذمّ الإمام إذا غدر في عهوده لرعيّته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها، فمتى خان فيها أو ترك الرّفق فقد غدر بعهده. وقيل: المراد نهي الرّعيّة عن الغدر بالإمام. فلا تخرج عليه , ولا تتعرّض لمعصيته لِما يترتّب على ذلك من الفتنة. قال: والصّحيح الأوّل. قلت: ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعمّ من ذلك، وأنّ الذي فهمه ابن عمر راوي الحديث هو هذا (٢). والله أعلم.

стр. 3882

قوله: (لواء) اللواء بكسر اللام والمدّ هي الرّاية، ويسمّى أيضاً العلم. قوله: (هذه غدرة فلان ابن فلان) فيه أنّ النّاس يُدعون يوم القيامة بآبائهم لقوله فيه " هذه غدرة فلان ابن فلان ". قال ابن دقيق العيد: وإن ثبت أنّهم يدعون بأمّهاتهم , فقد يخصّ هذا من العموم. وقال ابن بطّال: في هذا الحديث ردٌّ لقول من زعم أنّهم لا يدعون يوم القيامة إلَّا بأمّهاتهم ستراً على آبائهم. قلت: هو حديث أخرجه الطّبرانيّ من حديث ابن عبّاس. وسنده ضعيف جدّاً، وأخرج ابن عديّ من حديث أنس مثله , وقال: منكر. أورده في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطّبريّ. قال ابن بطّال: والدّعاء بالآباء أشدّ في التّعريف وأبلغ في التّمييز. وفي الحديث جواز الحكم بظواهر الأمور. قلت: وهذا يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدّنيا لا على ما هو في نفس الأمر وهو المعتمد، وينظر كلامه من شرحه. وقال ابن أبي جمرة: والغدر على عمومه في الجليل والحقير. وفيه أنّ لصاحب كلّ ذنب من الذّنوب التي يريد الله إظهارها علامة يعرف بها صاحبها، ويؤيّده قوله تعالى ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾.

стр. 3883

قال: وظاهر الحديث أنّ لكل غدرة لواء، فعلى هذا يكون للشّخص الواحد عدّة ألوية بعدد غدراته. قال: والحكمة في نصب اللواء أنّ العقوبة تقع غالباً بضدّ الذّنب، فلمّا كان الغدر من الأمور الخفيّة ناسب أن تكون عقوبته بالشّهرة، ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب. وتمسّك بالحديث قوم في ترك الجهاد مع ولاة الجور الذين يغدرون. كما حكاه الباجيّ. (١)

стр. 3884

الحديث الثاني عشر ٤١٥ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ امرأةً وُجدت في بعض مغازي النبيّ ﷺ مقتولةً، فأنكر النبيُّ ﷺ قتلَ النساءِ والصبيانِ. (١) قوله: (فأنكر النبيُّ ﷺ قتلَ النساءِ والصبيانِ) روى الطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل النّساء والصّبيان , وقال: هما لمن غلب. وأخرج الشيخان من رواية سفيان عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة، قال: سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يُبيَّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم , وفي رواية " هم من آبائهم ". زاد الإسماعيليّ في طريق جعفر الفريابيّ عن علي بن المديني عن سفيان: وكان الزّهريّ إذا حدّث بهذا الحديث قال: وأخبرني ابن كعب بن مالك عن عمّه , أنّ رسول الله ﷺ لَمَّا بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النّساء والصّبيّان. وهذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه من وجه آخر عن الزّهريّ، وكأنّ الزّهريّ أشار بذلك إلى نسخ حديث الصّعب. وقال مالك والأوزاعيّ: لا يجوز قتل النّساء والصّبيان بحال حتّى

стр. 3885

لو تترّس أهل الحرب بالنّساء والصّبيان , أو تحصّنوا بحصن , أو سفينة وجعلوا معهم النّساء والصّبيان , لَم يجز رميهم ولا تحريقهم. وقد أخرج ابن حبّان في حديث الصّعب زيادة في آخره " ثمّ نهى عنهم يوم حنينٍ " وهي مدرجة في حديث الصّعب، وذلك بيّن في سنن أبي داود فإنّه قال في آخره " قال سفيان: قال الزّهريّ: ثمّ نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النّساء والصّبيان ". ويؤيّد كون النّهي في غزوة حنينٍ ما سيأتي في حديث رياح بن الرّبيع الآتي " فقال لأحدهم: الحَقْ خالداً , فقل له: لا تقتل ذرّيّة ولا عسيفاً ". والعسيف بمهملتين وفاء الأجير وزناً ومعنىً، وخالد أوّل مشاهده مع النّبيّ ﷺ غزوة الفتح، وفي ذلك العام كانت غزوة حنينٍ. وأخرج الطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث ابن عمر قال: لَمَّا دخل النّبيّ ﷺ مكّة أتي بامرأةٍ مقتولة , فقال: ما كانت هذه تقاتل. ونهى. فذكر الحديث. وأخرج أبو داود في " المراسيل " عن عكرمة , أنّ النّبيّ ﷺ رأى امرأةً مقتولة بالطّائف , فقال: أَلَم أَنْه عن قتل النّساء، مَن صاحبها؟ فقال رجلٌ: أنا يا رسولَ الله. أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها، فأمر بها أن توارى. ويحتمل: في هذه التّعدّد. والذي جنح إليه غيرهم الجمع بين الحديثين. فإذا لَم يمكن الوصول

стр. 3886

إلى الآباء إلَّا بوطء الذّرّيّة فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم، وهو قول الشّافعيّ والكوفيّين، وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها. وقال ابن حبيب من المالكيّة: لا يجوز القصد إلى قتلها إلَّا إن باشرت القتل وقصدت إليه. قال: وكذلك الصّبيّ المراهق. ويؤيّد قول الجمهور. ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ وابن حبّان من حديث رياح بن الرّبيع - وهو بكسر الرّاء والتّحتانيّة - التّميميّ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى النّاس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل. فإنّ مفهومه أنّها لو قاتلت لقتلت. واتّفق الجميع كما نقل ابن بطّال وغيره. على منع القصد إلى قتل النّساء والولدان، أمّا النّساء فلضعفهنّ، وأمّا الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولِمَا في استبقائهم جميعاً من الانتفاع بهم إمّا بالرّقّ أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به. وحكى الحازميّ: قولاً بجواز قتل النّساء والصّبيان على ظاهر حديث الصّعب، وزعم: أنّه ناسخ لأحاديث النّهي، وهو غريبٌ. ويستنبط من الحديث الرّدّ على من يتخلى عن النّساء وغيرهنّ من أصناف الأموال زهداً , لأنّهم وإن كان قد يحصل منهم الضّرر في الدّين , لكن يتوقّف تجنّبهم على حصول ذلك الضّرر، فمتى حصل اجتنبت وإلَّا فليتناول من ذلك بقدر الحاجة.

стр. 3887

الحديث الثالث عشر ٤١٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ عبد الرحمن بن عوفٍ، والزبير بن العوام، شكيا القمْلَ إلى رسول الله ﷺ في غزوةٍ لهما، فرخَّص لهما في قميصِ الحرير، ورأيته عليهما. (١) قوله: (عبد الرحمن بن عوف) الزُّهري أحد العشرة. قوله: (والزبير بن العوام) ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، حواريُّ رسولِ الله ﷺ , يجتمع مع النبي ﷺ في قصي، وعدد ما بينهما من الآباء سواء، وأمُّه صفية بنت عبد المطلب عمةُ النبي ﷺ . وكان يكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين. قوله: (شكيا القمل) القمل: الحُمنان بضم المهملة وسكون الميم شبة صغار الحلم - بفتح المهملة واللام. قال أبو عبيدة: القمل عند العرب هو الحمنان , والحمنان ضرب من القردان واحدتها حمنانة. انتهى وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عند البخاري " من حكّةٍ كانت بهما " , وكذا قال شعبة في أحد الطّريقين.

стр. 3888

وفي رواية همّام عن قتادة عند البخاري في أحد الطّريقين " يعني القمل ". ورجّح ابن التّين الرّواية التي فيها الحكّة , وقال: لعلَّ أحدَ الرّواة تأوّلها فأخطأ. وجمع الدّاوديّ: باحتمال أن يكون إحدى العلّتين بأحد الرّجلين. وقال ابن العربيّ: قد ورد أنّه أرخص لكلٍّ منهما , فالإفراد يقتضي أنّ لكلٍّ حكمة. قلت: ويمكن الجمع بأنّ الحكّة حصلت من القمل فنسبت العلة تارةً إلى السّبب وتارةً إلى سبب السّبب. ووقع عند البخاري في رواية محمّد بن بشّار عن غندر عن شعبة " رخّص أو أرخص " كذا بالشّكّ , وقد أخرجه أحمد عن غندر بلفظ " رخصّ رسول الله ﷺ " , وكذا قال وكيعٌ عن شعبة. كما في البخاري في كتاب اللباس. وأمّا تقييده (١) بالحرب. فكأنّه أخذه من قوله في رواية همّامٍ " فرأيته عليهما في غزاة " , ووقع في رواية أبي داود " في السّفر من حِكّةٍ " وقد ترجم له في اللباس (ما يرخّص للرّجال من الحرير للحكّة) , ولَم يقيّده بالحرب. فزعم بعضهم أنّ الحرب في التّرجمة بالجيم وفتح الرّاء. وليس كما زعم , لأنّها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبةٌ , ويلزم

стр. 3889

منه إعادة التّرجمة في اللباس , إذ الحكّة والجرب متقاربان. وجعل الطّبريُّ جوازَه في الغزو مستنبطاً من جوازه للحكّة. فقال: دلَّتِ الرّخصة في لبسه بسبب الحكّة أنّ من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكّة كدفع سلاح العدوّ ونحو ذلك فإنّه يجوز. وقد تبع التّرمذيُّ البخاريَّ فترجم له " باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب ". ثمّ المشهور عن القائلين بالجواز أنّه لا يختصّ بالسّفر , وعن بعض الشّافعيّة يختصّ. واختاره ابن الصّلاح. وخصّه النّوويّ في " الرّوضة " مع ذلك بالحكّة , ونقله الرّافعيّ في القمل أيضاً. وقال القرطبيّ: الحديث حجّةٌ على من منع , إلَّا أن يدّعي الخصوصيّة بالزّبير وعبد الرّحمن , ولا تصحّ تلك الدّعوى. قلت: قد جنح إلى ذلك عمر ﵁ , فروى ابن عساكر (١) من طريق ابن عوف عن ابن سيرين , أنّ عمر رأى على خالد بن الوليد قميصَ حريرٍ , فقال: ما هذا؟ فذكر له خالد قصّة عبد الرّحمن بن عوف , فقال: وأنت مثل عبد الرّحمن؟ أو لك مثل ما لعبد الرّحمن؟ ثمّ أمر من حضره فمزّقوه. رجاله ثقاتٌ إلَّا أنّ فيه انقطاعاً. وقد اختلف السّلف في لباسه. القول الأول: منع مالكٌ وأبو حنيفة مطلقاً.

стр. 3890

القول الثاني: وقال الشّافعيّ وأبو يوسف بالجواز للضّرورة. القول الثالث: حكى ابن حبيب عن ابن الماجشون , أنّه يستحبّ في الحرب. وقال المُهلَّب: لباسه في الحرب لإرهاب العدوّ , وهو مثل الرّخصة في الاختيال في الحرب. انتهى ووقع في كلام النّوويّ تبعاً لغيره , أنّ الحكمة في لبس الحرير للحكّة لِمَا فيه من البرودة. وتعقّب: بأنّ الحرير حارٌّ , فالصّواب أنّ الحكّة فيه لخاصّةٍ فيه لدفعٍ ما تنشأ عنه الحكّة كالقمل. والله أعلم. تنْبيهٌ: وقع في " الوسيط للغزاليّ ": أنّ الذي رخّص له في لبس الحرير حمزة بن عبد المطلب، وغلَّطوه.
следующие страницы →