إلى الآباء إلَّا بوطء الذّرّيّة فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم، وهو قول الشّافعيّ والكوفيّين، وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها.
وقال ابن حبيب من المالكيّة: لا يجوز القصد إلى قتلها إلَّا إن باشرت القتل وقصدت إليه. قال: وكذلك الصّبيّ المراهق.
ويؤيّد قول الجمهور. ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ وابن حبّان من حديث رياح بن الرّبيع - وهو بكسر الرّاء والتّحتانيّة - التّميميّ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى النّاس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل. فإنّ مفهومه أنّها لو قاتلت لقتلت.
واتّفق الجميع كما نقل ابن بطّال وغيره. على منع القصد إلى قتل النّساء والولدان، أمّا النّساء فلضعفهنّ، وأمّا الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولِمَا في استبقائهم جميعاً من الانتفاع بهم إمّا بالرّقّ أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به.
وحكى الحازميّ: قولاً بجواز قتل النّساء والصّبيان على ظاهر حديث الصّعب، وزعم: أنّه ناسخ لأحاديث النّهي، وهو غريبٌ.
ويستنبط من الحديث الرّدّ على من يتخلى عن النّساء وغيرهنّ من أصناف الأموال زهداً , لأنّهم وإن كان قد يحصل منهم الضّرر في الدّين , لكن يتوقّف تجنّبهم على حصول ذلك الضّرر، فمتى حصل اجتنبت وإلَّا فليتناول من ذلك بقدر الحاجة.
стр. 3887
الحديث الثالث عشر
٤١٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ عبد الرحمن بن عوفٍ، والزبير بن العوام، شكيا القمْلَ إلى رسول الله ﷺ في غزوةٍ لهما، فرخَّص لهما في قميصِ الحرير، ورأيته عليهما. (١)
قوله: (عبد الرحمن بن عوف) الزُّهري أحد العشرة.
قوله: (والزبير بن العوام) ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، حواريُّ رسولِ الله ﷺ , يجتمع مع النبي ﷺ في قصي، وعدد ما بينهما من الآباء سواء، وأمُّه صفية بنت عبد المطلب عمةُ النبي ﷺ .
وكان يكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين.
قوله: (شكيا القمل) القمل: الحُمنان بضم المهملة وسكون الميم شبة صغار الحلم - بفتح المهملة واللام.
قال أبو عبيدة: القمل عند العرب هو الحمنان , والحمنان ضرب من القردان واحدتها حمنانة. انتهى
وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عند البخاري " من حكّةٍ كانت بهما " , وكذا قال شعبة في أحد الطّريقين.
стр. 3888
وفي رواية همّام عن قتادة عند البخاري في أحد الطّريقين " يعني القمل ".
ورجّح ابن التّين الرّواية التي فيها الحكّة , وقال: لعلَّ أحدَ الرّواة تأوّلها فأخطأ.
وجمع الدّاوديّ: باحتمال أن يكون إحدى العلّتين بأحد الرّجلين.
وقال ابن العربيّ: قد ورد أنّه أرخص لكلٍّ منهما , فالإفراد يقتضي أنّ لكلٍّ حكمة.
قلت: ويمكن الجمع بأنّ الحكّة حصلت من القمل فنسبت العلة تارةً إلى السّبب وتارةً إلى سبب السّبب.
ووقع عند البخاري في رواية محمّد بن بشّار عن غندر عن شعبة " رخّص أو أرخص " كذا بالشّكّ , وقد أخرجه أحمد عن غندر بلفظ " رخصّ رسول الله ﷺ " , وكذا قال وكيعٌ عن شعبة. كما في البخاري في كتاب اللباس.
وأمّا تقييده (١) بالحرب. فكأنّه أخذه من قوله في رواية همّامٍ " فرأيته عليهما في غزاة " , ووقع في رواية أبي داود " في السّفر من حِكّةٍ " وقد ترجم له في اللباس (ما يرخّص للرّجال من الحرير للحكّة) , ولَم يقيّده بالحرب.
فزعم بعضهم أنّ الحرب في التّرجمة بالجيم وفتح الرّاء.
وليس كما زعم , لأنّها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبةٌ , ويلزم
стр. 3889
منه إعادة التّرجمة في اللباس , إذ الحكّة والجرب متقاربان.
وجعل الطّبريُّ جوازَه في الغزو مستنبطاً من جوازه للحكّة.
فقال: دلَّتِ الرّخصة في لبسه بسبب الحكّة أنّ من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكّة كدفع سلاح العدوّ ونحو ذلك فإنّه يجوز.
وقد تبع التّرمذيُّ البخاريَّ فترجم له " باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب ".
ثمّ المشهور عن القائلين بالجواز أنّه لا يختصّ بالسّفر , وعن بعض الشّافعيّة يختصّ. واختاره ابن الصّلاح.
وخصّه النّوويّ في " الرّوضة " مع ذلك بالحكّة , ونقله الرّافعيّ في القمل أيضاً.
وقال القرطبيّ: الحديث حجّةٌ على من منع , إلَّا أن يدّعي الخصوصيّة بالزّبير وعبد الرّحمن , ولا تصحّ تلك الدّعوى.
قلت: قد جنح إلى ذلك عمر ﵁ , فروى ابن عساكر (١) من طريق ابن عوف عن ابن سيرين , أنّ عمر رأى على خالد بن الوليد قميصَ حريرٍ , فقال: ما هذا؟ فذكر له خالد قصّة عبد الرّحمن بن عوف , فقال: وأنت مثل عبد الرّحمن؟ أو لك مثل ما لعبد الرّحمن؟ ثمّ أمر من حضره فمزّقوه. رجاله ثقاتٌ إلَّا أنّ فيه انقطاعاً.
وقد اختلف السّلف في لباسه.
القول الأول: منع مالكٌ وأبو حنيفة مطلقاً.
стр. 3890
القول الثاني: وقال الشّافعيّ وأبو يوسف بالجواز للضّرورة.
القول الثالث: حكى ابن حبيب عن ابن الماجشون , أنّه يستحبّ في الحرب.
وقال المُهلَّب: لباسه في الحرب لإرهاب العدوّ , وهو مثل الرّخصة في الاختيال في الحرب. انتهى
ووقع في كلام النّوويّ تبعاً لغيره , أنّ الحكمة في لبس الحرير للحكّة لِمَا فيه من البرودة.
وتعقّب: بأنّ الحرير حارٌّ , فالصّواب أنّ الحكّة فيه لخاصّةٍ فيه لدفعٍ ما تنشأ عنه الحكّة كالقمل. والله أعلم.
تنْبيهٌ: وقع في " الوسيط للغزاليّ ": أنّ الذي رخّص له في لبس الحرير حمزة بن عبد المطلب، وغلَّطوه.
стр. 3891
الحديث الرابع عشر
٤١٧ - عن عمر بن الخطاب ﵁ , قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لَم يوجف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، وكانت لرسول الله ﷺ خالصاً، فكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسّلاح، عدّةً في سبيل الله عز رجل. (١)
قوله: (كانت أموال بني النضير) بفتح النّون وكسر الضّاد المعجمة، هم قبيلة كبيرة من اليهود.
قوله: (مما أفاء الله على رسوله ﷺ ) أصل الفيء الرّدّ والرّجوع، ومنه سُمِّي الظّلّ بعد الزّوال فيئاً لأنّه رجع من جانب إلى جانب، فكأنّ أموال الكفّار سُمِّيت فيئاً , لأنّها كانت في الأصل للمؤمنين.
إذ الإيمان هو الأصل والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفّار على شيء من المال فهو بطريق التّعدّي , فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنّه رجع إليهم ما كان لهم.
واختلف العلماء في مصرف الفيء.
القول الأول: قال مالك: الفيء والخمس سواءٌ يجعلان في بيت
стр. 3892
المال , ويعطي الإمام أقارب النّبيّ ﷺ بحسب اجتهاده.
القول الثاني: فرّق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء.
فقال: الخمس موضوع فيما عيّنه الله فيه من الأصناف المسمَّين في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدّى به إلى غيرهم.
وأمّا الفيء: فهو الذي يرجع النّظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة.
وانفرد الشّافعيّ كما قال ابن المنذر وغيره. بأنّ الفيء يخمّس، وأنّ أربعة أخماسه للنّبيّ ﷺ ، وله خمس الخمس كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستحقّ نظيرها من الغنيمة.
وقال الجمهور: مصرف الفيء كلّه إلى رسول الله ﷺ .
واحتجّوا بقول عمر: فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصّة.
وتأوّل الشّافعيّ قولَ عمر المذكور بأنّه يريد الأخماس الأربعة.
قوله: (مما لَم يوجف المسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ) أي: لَم يؤخذ بغلبة الجيش , وأصل الايجاف الإسراع في السير.
وكان الكفّار بعد الهجرة مع النّبيّ ﷺ على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وادَعَهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوّه، وهم طوائف اليهود الثّلاثة قريظة والنّضير وقينقاع.
القسم الثاني: حاربوه ونصبوا له العداوة كقريشٍ.
القسم الثالث: تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب.
стр. 3893
فمنهم من كان يحبّ ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر.
ومنهم من كان معه ظاهراً , ومع عدوّه باطناً وهم المنافقون.
فكان أوّل من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحاربهم في شوّال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ - وكانوا حلفاءه - فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات (١). ثمّ نقض العهد بنو النّضير، وكان رئيسهم حييّ بن أخطب. ثمّ نقضت قريظة بعد غزوة الخندق.
وأخرج عبد الرّزّاق في " مصنّفه " عن معمر عن الزّهريّ عن عروة: كانت غزوة بني النّضير - وهم طائفة من اليهود - على رأس ستّة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتّى نزلوا على الجلاء , وعلى أنّ لهم ما أقلَّت الإبل من الأمتعة والأموال لا الحلقة. يعني السّلاح , فأنزل الله فيهم ﴿سبّح لله - إلى قوله - لأوّل الحشر﴾ , وقاتلهم حتّى صالحهم
стр. 3894
على الجلاء فأجلاهم إلى الشّام، وكانوا من سبْط لَم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء , ولولا ذلك لعذّبهم في الدّنيا بالقتل والسّباء. وقوله (لأوّل الحشر) فكان جلاؤهم أوّل حشرٍ. حشراً في الدّنيا إلى الشّام.
واتّفق أهل العلم على أنّها نزلت في هذه القصّة، قاله السّهيليّ.
قال: ولَم يختلفوا في أنّ أموال بني النّضير كانت خاصّة برسول الله ﷺ , وأنّ المسلمين لَم يوجفوا بخيلٍ ولا ركاب , وأنّه لَم يقع بينهم قتال أصلاً.
قال البخاري: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحدٍ.
وقد ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره من أهل العلم , أنّ عامر بن الطّفيل أعتق عمرو بن أُميَّة لَمَّا قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمّه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من رسول الله ﷺ لَم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: ممّن أنتما؟ فذكرا أنّهما من بني عامر فتركهما حتّى ناما فقتلهما عمرو وظنّ أنّه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك , فقال: لقد قتلت قتيلين لأودينّهما. انتهى
وخبرُ غزوة بئر معونة بعد غزوة أحد، وفيها عن عروة , أنّ عمرو بن أُميَّة الضّمريّ كان مع المسلمين، فأسره المشركون.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النّضير يستعينهم في ديتهما فيما حدّثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النّضير وبني
стр. 3895
عامر عقد وحلف، فلمّا أتاهم يستعينهم , قالوا: نعم. ثمّ خلا بعضهم ببعضٍ , فقالوا: إنّكم لن تجدوه على مثل هذه الحال. قال: وكان جالساً إلى جانب جدار لهم، فقالوا: مَن رجلٌ يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصّخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأتاه الخبر من السّماء , فقام مظهراً أنّه يقضي حاجة , وقال لأصحابه: لا تبرحوا، ورجع مسرعاً إلى المدينة، واستبطأه أصحابه فأخبروا أنّه توجّه إلى المدينة، فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصّنوا، فأمر بقطع النّخل والتّحريق ".
وذكر ابن إسحاق: أنّه حاصرهم ستّ ليالٍ، وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنّعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم، فتربّصوا، فقذف الله في قلوبهم الرّعب فلم ينصروهم، فسألوا أن يخلّوا عن أرضهم على أنّ لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك.
وروى البيهقيّ في " الدّلائل " من حديث محمّد بن مسلمة , أنّ رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النّضير وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاثة أيّام.
قال ابن إسحاق: فاحتملوا إلى خيبر وإلى الشّام، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر , أنّهم جلوا عن الأموال من الخيل والمزارع , فكانت لرسول الله ﷺ خاصّة. قال ابن إسحاق: ولَم يسلم منهم إلَّا يامين بن عمير وأبو سعيد بن وهب فأحرزا أموالهما.
وروى ابن مردويه قصّة بني النّضير بإسنادٍ صحيحٍ إلى معمر عن
стр. 3896
الزّهريّ أخبرني عبد الله بن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: كتب كفّار قريش إلى عبد الله بن أبيّ وغيره ممّن يعبد الأوثان قبل بدر يهدّدونهم بإيوائهم النّبيّ ﷺ وأصحابه، ويتوعّدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهمّ ابنُ أبيٍّ ومَن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النّبيّ ﷺ فقال: ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم، فلمّا سمعوا ذلك عرفوا الحقّ فتفرّقوا. فلمّا كانت وقعة بدر كتبت كفّار قريش بعدها إلى اليهود: أنّكم أهل الحلقة والحصون،، يتهدّمونهم، فأجمع بنو النّضير على الغدر.
فأرسلوا إلى النّبيّ ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتّبعناك. ففعل. فاشتمل اليهود الثّلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النّضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النّضير، فأخبر أخوها النّبيّ ﷺ قبل أن يصل إليهم، فرجع، وصبّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثمّ غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النّضير، فقاتلهم حتّى نزلوا على الجلاء وعلى أنّ لهم ما أقلت الإبل إلَّا السّلاح، فاحتملوا حتّى أبواب بيوتهم، فكانوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أوّل حشر النّاس إلى الشّام " وكذا أخرجه عبد بن حميدٍ في " تفسيره " عن عبد الرّزّاق.
стр. 3897
وفي ذلك ردّ على ابن التّين في زعمه أنّه ليس في هذه القصّة حديث بإسنادٍ.
قلت: فهذا أقوى ممّا ذكر ابن إسحاق , من أنّ سبب غزوة بني النّضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرّجلين، لكن وافق ابنَ إسحاق جلُّ أهل المغازي، فالله أعلم.
وإذا ثبت أنّ سبب إجلاء بني النّضير ما ذكر من همّهم بالغدر به ﷺ , وهو إنّما وقع عند ما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلَي عمرو بن أُميَّة، تعيّن ما قال ابن إسحاق، لأنّ بئر معونة كانت بعد أحد بالاتّفاق.
وأغرب السّهيليّ فرجّح ما قال الزّهريّ، ولولا ما ذكر في قصّة عمرو بن أُميَّة لأمكن أن يكون ذلك في غزوة الرّجيع، والله أعلم.
قوله: (وكانت لرسول الله ﷺ خالصاً) وللبخاري " إنّ الله قد خصّ رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيءٍ " , وفي رواية مسلم " بخاصّةٍ لَم يخصص بها غيره ".
وفي رواية سفيان عن معمرٍ عن الزّهريّ. في البخاري " كان النّبيّ ﷺ يبيع نخل بني النّضير , ويحبس لأهله قوت سنتهم " أي: ثمر النّخل.
في رواية أبي داود من طريق أسامة بن زيد عن ابن شهاب: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النّضير، وخيبر، وفدك. فأمّا بنو النّضير فكانت حبساً لنوائبه، وأمّا فدك فكانت حبساً لأبناء السّبيل،
стр. 3898
وأمّا خيبر فجزّأها بين المسلمين ثمّ قسّم جزءاً لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين.
ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يقسم في فقراء المهاجرين وفي مشتري السّلاح والكراع، وذلك مفسّرٌ لرواية معمر عند مسلم " ويجعل ما بقي منه مجعل مال الله " , وزاد أبو داود في رواية أبي البختريّ المذكورة " وكان ينفق على أهله ويتصدّق بفضله ".
وهذا لا يعارض حديث عائشة , أنّه ﷺ توفّي ودرعه مرهونة على شعير (١). لأنّه يُجمع بينهما بأنّه كان يدّخر لأهله قوت سنتهم ثمّ في طول السّنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيءٍ منه فيخرجه، فيحتاج إلى أن يعوّض من يأخذ منها عوضه، فلذلك استدان.
قوله: (فكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنةً) قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادّخار للأهل قوت سنة , وفي السّياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث " كان لا يدّخر شيئاً لغدٍ " (٢) فيحمل على الادّخار لنفسه , وحديث الباب على الادّخار لغيره، ولو كان له في ذلك مشاركة، لكنّ المعنى أنّهم المقصد بالادّخار دونه حتّى
стр. 3899
لو لَم يوجدوا لَم يدّخر.
قال: والمتكلمون على لسان الطّريقة جعلوا أو بعضهم ما زاد على السّنة خارجاً عن طريقة التّوكّل. انتهى.
وفيه إشارة إلى الرّدّ على الطّبريّ حيث استدل بالحديث على جواز الادّخار مطلقاً خلافاً لمن منع ذلك، وفي الذي نقله الشّيخ تقييد بالسّنة اتّباعاً للخبر الوارد.
لكن استدلال الطّبريّ قويّ، بل التّقييد بالسّنة إنّما جاء من ضرورة الواقع , لأنّ الذي كان يدّخر لَم يكن يحصل إلَّا من السّنة إلى السّنة، لأنّه كان إمّا تمراً وإمّا شعيراً، فلو قدّر أنّ شيئاً ممّا يدّخر كان لا يحصل إلَّا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادّخار لأجل ذلك، والله أعلم.
ومع كونه ﷺ كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السّنة ربّما استجرّه منهم لمن يرد عليه ويعوّضهم عنه، ولذلك مات ﷺ ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتاً لأهله. (١)
واختلف في جواز ادّخار القوت لمن يشتريه من السّوق.
قال عياض: أجازه قوم واحتجّوا بهذا الحديث، ولا حجّة فيه لأنّه إنّما كان من مغلٍّ الأرض، ومنعه قوم إلَّا إن كان لا يضرّ بالسّعر، وهو متّجه إرفاقاً بالنّاس.
ثمّ محلّ هذا الاختلاف إذا لَم يكن في حال الضّيق، وإلَّا فلا يجوز
стр. 3900
الادّخار في تلك الحالة أصلاً.
قوله: (ثم يجعل ما بقي في الكراع والسّلاح، عدّةً في سبيل الله الكراع بضم الكاف وتخفيف الراء اسم لجميع الخيل.
والمجنّ: بكسر الميم وفتح الجيم وتثقيل النون. أي: الدرقة. من جملة آلات السّلاح. كما روى سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر , أنّه كانت عنده درقةٌ , فقال: لولا أنّ عمر قال لي: احبس سلاحك , لأعطيت هذه الدّرقة لبعص أولادي.
قال ابن المنير: وجه هذه التراجم (١) دفع من يتخيّل أنّ اتّخاذه هذه الآلات ينافي التّوكّل , والحقّ أنّ الحذر لا يردّ القدر , ولكن يضيّق مسالك الوسوسة لِما طُبع عليه البشر.
стр. 3901
الحديث الخامس عشر
٤١٨ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: أجرى النبيّ ﷺ ما ضمّر من الخيل، من الْحفياء إلى ثنيّة الوداع، وأجرى ما لَم يضمّر من الثّنيّة إلى مسجد بني زريقٍ. قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى.
قال سفيان: من الْحفياء إلى ثنيّة الوداع: خمسة أميالٍ أو ستةٌ، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريقٍ: ميلٌ. (١)
قوله: (أجرى النبيّ ﷺ ما ضمّر من الخيل) ولهما من رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر , أنَّ رسول الله ﷺ سابق بالخيل التي قد أضمرت. بضمّ أوّله وسكون الضّاد المعجمة.
والمراد به أن تُعلف الخيل حتّى تسمن وتقوى , ثمّ يُقلل علفها بقدر القوت , وتدخل بيتاً وتغشّى بالجلال حتّى تحمى فتعرق , فإذا جفّ عرقها خفّ لحمها وقويت على الجري.
وقوله فيها " أجرى " وفي الرواية الأخرى " سابق " وهو بمعناه.
تكميل: السَّبْق بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر , وبالتحريك الرهن الذي يوضع لذلك.
قوله: (من الْحفياء) بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانيّة ومدّ
стр. 3902
مكانٌ خارج المدينة من جهةٍ (١). ويجوز القصر.
وحكى الحازميّ تقديم الياء التّحتانيّة على الفاء , وحكى عياض ضمّ أوّله. وخطّأه.
قوله: (إلى ثنيّة الوداع) الثّنيّة ما ارتفع في الأرض.
وقيل: الطّريق في الجبل.
وأخرج البخاري عن السّائب بن يزيد , قال: أذكر أنّي خرجت مع الصّبيان نتلقّى النّبيّ ﷺ إلى ثنيّة الوداع مقدمه من غزوة تبوك.
وأنكر الدّاوديّ هذا وتبعه ابن القيّم , وقال: ثنيّة الوداع من جهة مكّة لا من جهة تبوك , بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب.
قال: إلَّا أن يكون هناك ثنيّةٌ أخرى في تلك الجهة.
قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر إلى الشّام من جهتها , وهذا واضحٌ كما في دخول مكّة من ثنيّةٍ والخروج منها من أخرى , وينتهي كلاهما إلى طريقٍ واحدةٍ.
وأخرج أبو سعيدٍ في " شرف المصطفى " , وروّيناه في " فوائد الْخِلَعيّ " من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعاً: لَمَّا دخل النّبيّ ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيّة الوداع ... وجب الشّكر علينا ما دعا لله داع.
قوله: (إلى مسجد بني زريقٍ) زريق - بتقديم الزّاي - مصغّراً.
ويستفاد منه جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو المُصلِّي فيها،
стр. 3903
ويلتحق به جواز إضافة أعمال البرّ إلى أربابها. وإنّما أورد البخاري التّرجمة بلفظ الاستفهام (١) لينبّه على أنّ فيه احتمالاً.
إذ يحتمل: أن يكون ذلك قد علِمَه النّبيّ ﷺ . بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه.
ويحتمل: أن يكون ذلك ممّا حدث بعده.
والأوّل أظهر. والجمهور على الجواز.
والمخالف في ذلك إبراهيم النّخعيّ. فيما رواه ابن أبي شيبة عنه , أنّه كان يكره أن يقول مسجد بني فلان , ويقول: مصلَّى بني فلان لقوله تعالى ﴿وأنّ المساجد لله﴾.
وجوابه: أنّ الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا ملك.
قوله: (قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى) في رواية لهما " وأنّ عبد الله بن عمر كان ممّن سابق بها " , وزاد الإسماعيليّ من طريق إسحاق - وهو الأزرق - عن الثّوريّ عن عبيد الله عن نافع في آخره: قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى , فوثب بي فرسي جداراً.
وأخرجه مسلم من طريق أيّوب عن نافعٍ. وقال فيه: فسبقت النّاس فطفَّفَ بي الفرس مسجد بني زريق. أي: جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية , وأصل التّطفيف مجاوزة الحدّ.
قوله: (قال سفيان: من الْحفياء إلى ثنيّة الوداع: خمسة أميالٍ أو ستةٌ، ومن ثنيِّة الوداع إلى مسجد بني زريقٍ: ميلٌ) سفيان هو الثّوريّ
стр. 3904
, وهو موصول بالإسناد المذكور.
وللبخاري عن أبي إسحاق الفزاري , فقلت لموسى: فكم كان بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة - وسابق بين الخيل التي لَم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع , وكان أمدها مسجد بني زريق , قلت: فكم بين ذلك؟ قال: ميل أو نحوه. إلَّا أنّ سفيان قال في المسافة التي بين الحفياء والثّنيّة: خمسةٌ أو ستّةٌ , وقال موسى: ستّةٌ أو سبعةٌ , وهو اختلافٌ قريبٌ , وقال سفيان في المسافة الثّانية: ميل أو نحوه.
وقد وقع في رواية التّرمذيّ من طريق عبيد الله بن عمر. إدراج ذلك في نفس الخبر والخبر " بالسّتّة وبالميل "
والأمد الغاية , قال البخاري: وقوله أمداً: غاية. ﴿فطال عليهم الأمد﴾ وهو تفسيرُ أبي عبيدة في " المجاز " وهو متّفقٌ عليه عند أهل اللّغة.
قال النّابغة: سَبْق الجواد إذا استولى على الأَمَد. (١)
وفي الحديث مشروعيّة المسابقة , وأنّه ليس من العبث بل من الرّياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة , وهي دائرةٌ بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك.
قال القرطبيّ: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدّوابّ وعلى الأقدام , وكذا التّرامي بالسّهام واستعمال الأسلحة لِمَا
стр. 3905
في ذلك من التّدريب على الحرب.
وفيه جواز إضمار الخيل ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدّة للغزو.
وفيه مشروعيّة الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة , وفيه نسبة الفعل إلى الآمر به لأنّ قوله " سابق " أي: أمر أو أباح.
تنْبيهٌ: لَم يتعرّض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك , لكن ترجم التّرمذيّ له " باب المراهنة على الخيل ".
ولعلَّه أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر - المكبّر - عن نافعٍ عن ابن عمر , أنّ رسول الله ﷺ سابق بين الخيل وراهن.
وقد أجمع العلماء كما تقدّم على جواز المسابقة بغير عوضٍ.
لكن قصرها مالك والشّافعيّ على الخفّ والحافر والنّصل.
وخصّه بعض العلماء بالخيل.
وأجازه عطاء في كل شيء.
واتّفقوا على جوازها بعوضٍ بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس.
وجوّز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين , وكذا إذا كان معهما ثالثٌ مُحلِّل , بشرط أن لا يخرج من عنده شيئاً ليخرج العقد عن صورة القمار , وهو أن يُخرج كلٌّ منهما سبقاً فمَن غلب أخذَ السّبقين فاتّفقوا على منعه.
ومنهم: من شرط في المُحلِّل أن يكون لا يتحقّق السّبق في مجلس
وفيه أنّ المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبةً لا مجرّد إرسال الفرسين بغيرٍ راكبٍ لقوله في الحديث " وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها ".
كذا استدل به بعضهم. وفيه نظرٌ , لأنّ الذي لا يشترط الرّكوب لا يمنع صورة الرّكوب.
وإنّما احتجّ الجمهور بأنّ الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغيرٍ راكبٍ , وربّما نفرت.
وفيه نظرٌ , لأنّ الاهتداء لا يختصّ بالرّكوب فلو أنّ الفرس كان ماهراً في الجري بحيث لو كان مع كل فرسٍ ساعٍ يهديها إلى الغاية لأمكن.
وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيباً لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء.
وفيه تنزيل الخلق منازلهم , لأنّه ﷺ غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر , ولو خلطهما لأتعب غير المضمر.
стр. 3908
الحديث السادس عشر
٤١٩ - عن ابن عمر ﵁ , قال: عُرضتُ على رسول الله ﷺ يوم أحدٍ، وأنا ابن أربع عشرة سنةً، فلم يجزني في المقاتلة، وعُرضتُ عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. (١)
قوله: (عُرضت على رسول الله ﷺ يوم أحدٍ، وأنا ابن أربع عشرة سنةً، فلم يُجزْني) بضم أوله من الإجازة , وعرض الجيش اختبار أحوالهم قبل مباشرة القتال للنّظر في هيئتهم وترتيب منازلهم وغير ذلك.
وفي رواية مسلم " عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة " , وفي رواية ابن إدريس وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عند مسلم " فاستصغرني ".
وللبخاري من رواية أبي أسامة عن عبيد الله , أنّ رسول الله ﷺ عرضه يوم أحدٍ، وهو ابن أربع عشرة سنةً فلم يجزني , ثمّ عرضني يوم الخندق. فيه التفات أو تجريد إذ كان السّياق يقتضي أن يقول فلم يجزه , لكنّه التفت، أو جرّد من نفسه أوّلاً شخصاً فعبّر عنه بالماضي ثمّ التفت فقال: " عرضني ".
ووقع في رواية يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر في البخاري "
стр. 3909
فلم يجزه ".
قوله: (وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني). أي: أمضاه وأذن له في القتال.
وقال الكرمانيّ: أجازه من الإجازة , وهي الأنفال , أي: أسهم له.
قلت: والأوّل أولى.
ويردّ الثّاني هنا , أنّه لَم يكن في غزوة الخندق غنيمةٌ يحصل منها نفلٌ.
وفي حديث أبي واقدٍ الليثيّ: رأيت رسول الله ﷺ يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز وردّ من ردّ إلى الذّراريّ.
فهذا يوضّح أنّ المراد بالإجازة الإمضاء للقتال، لأنّ ذلك كان في مبدأ الأمر قبل حصول الغنيمة أن لو حصلت غنيمةٌ، والله أعلم.
ولَم تختلف الرّواة عن عبيد الله بن عمر في ذلك وهو الاقتصار على ذكر أُحدٍ والخندق، وكذا أخرجه ابن حبّان من طريق مالك عن نافع.
وأخرجه ابن سعد في " الطّبقات " عن يزيد بن هارون عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر. فزاد فيه ذكر بدر. ولفظه " عُرضت على رسول الله ﷺ يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة فردّني، وعرضت عليه يوم أحد ". الحديث.
قال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: ينبغي أن يكون في الخندق ابن ستّ عشرة سنة. انتهى
وهو أقدم من نعرفه استشكل قول ابن عمر هذا، وإنّما بناه على قول ابن إسحاق، وأكثر أهل السّير: أنّ الخندق كانت في سنة خمس
стр. 3910
من الهجرة وإن اختلفوا في تعيين شهرها.
واتّفقوا على أنّ أُحداً كانت في شوّال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد أنّه يكون حينئذٍ ابن ستّ عشرة سنة.
لكنّ البخاريّ جنح إلى قول موسى بن عقبة في " المغازي " , أنّ الخندق كانت في شوّال سنة أربع.
وقد روى يعقوب بن سفيان في " تاريخه " , ومن طريقه البيهقيّ عن عروة نحو قول موسى بن عقبة، وعن مالك الجزم بذلك، وعلى هذا لا إشكال.
لكن اتّفق أهل المغازي على أنّ المشركين لَمَّا توجّهوا في أحد نادوا المسلمين: موعدكم العام المقبل بدر، وأنّه ﷺ خرج إليها من السّنة المقبلة في شوّال فلم يجد بها أحداً، وهذه هي التي تسمّى " بدر الموعد " ولَم يقع بها قتال.
فتعيّن ما قال ابن إسحاق: إنّ الخندق كانت في سنة خمس , فيحتاج حينئذٍ إلى الجواب عن الإشكال.
وقد أجاب عنه البيهقيّ وغيره: بأنّ قول ابن عمر " عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة " أي: دخلت فيها، وأنّ قوله: " عرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة ". أي: تجاوزتها. فألغى الكسر في الأولى وجبره في الثّانية، وهو شائع مسموع في كلامهم، وبه يرتفع الإشكال المذكور. وهو أولى من التّرجيح. والله أعلم.
تنبيهان:
стр. 3911
الأوّل: زعم ابن التّين: أنّه ورد في بعض الرّوايات أنّ عرض ابن عمر كان ببدرٍ فلم يجزه ثمّ بأحدٍ فأجازه.
قال: وفي رواية عرض يوم أحد وهو ابن ثلاث عشرة فلم يجزه وعرض يوم الخندق وهو ابن أربع عشرة سنة فأجازه. انتهى
ولا وجود لذلك، وإنّما وجد ما أشرت إليه عن ابن سعد. أخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن أبي معشر، وأبو معشر مع ضعفه لا يخالف ما زاده من ذكر بدر ما رواه الثّقات , بل يوافقهم.
الثّاني: زعم ابن ناصر. أنّه وقع في الجمع للحميديّ هنا " يوم الفتح " بدل يوم الخندق.
قال ابن ناصر: والسّابق إلى ذلك ابن مسعود أو خَلَفٌ فتبعه شيخنا , ولَم يتدبّره، والصّواب " يوم الخندق " في جميع الرّوايات.
وتلقّى ذلك ابن الجوزيّ عن ابن ناصر , وبالغ في التّشنيع على من وهم في ذلك، وكان الأولى ترك ذلك , فإنّ الغلط لا يسلم منه كثيراً أحدٌ.
تكميل: زاد الشيخان. قال نافعٌ: فقدِمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفةٌ، فحدّثته هذا الحديث , فقال: إنّ هذا لحدٌّ بين الصّغير والكبير، وكتب إلى عمّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة ".
زاد مسلم " ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال.
وقوله: " أن يفرضوا " أي: يقدّروا لهم رزقاً في ديوان الجند. وكانوا يفرّقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء، وهو الرّزق الذي
стр. 3912
يجمع في بيت المال ويفرّق على مستحقّيه.
واختلف العلماء في أقلّ سنّ تحيض فيه المرأة ويحتلم فيه الرّجل، وهل تنحصر العلامات في ذلك أم لا؟.
وفي السّنّ الذي إذا جاوزه الغلام ولَم يحتلم , والمرأة ولَم تحض يحكم حينئذٍ بالبلوغ؟.
فاعتبر مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور الإنبات، إلَّا أنّ مالكاً لا يقيم به الحدّ للشّبهة، واعتبره الشّافعيّ في الكافر، واختلف قوله في المسلم.
وقال أبو حنيفة: سنّ البلوغ تسع عشرة أو ثمان عشرة للغلام , وسبع عشرة للجارية.
وقال أكثر المالكيّة: حدّه فيهما سبع عشرة أو ثمان عشرة.
وقال الشّافعيّ وأحمد وابن وهب والجمهور: حدّه فيهما استكمال خمس عشرة سنة على ما في حديث ابن عمر في هذا الباب , فتجرى عليه أحكام البالغين. وإن لَم يحتلم، فيُكَلَّف بالعبادات وإقامة الحدود، ويستحقّ سهم الغنيمة، ويقتل إن كان حربيّاً، ويفكّ عنه الحجر إن أونس رشده وغير ذلك من الأحكام. وقد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز , وأقرّه عليه راوية نافع.
وأجاب الطّحاويّ وابن القصّار وغيرهما ممّن لَم يأخذ به: بأنّ الإجازة المذكورة جاء التّصريح بأنّها كانت في القتال، وذلك يتعلق بالقوّة والجلد.
стр. 3913
وأجاب بعض المالكيّة: بأنّها واقعة عين فلا عموم لها، ويحتمل: أن يكون صادف أنّه كان عند تلك السّنّ قد احتلم فلذلك أجازه.
وتجاسر بعضهم فقال: إنّما ردّه لضعفه لا لسنّه، وإنّما أجازه لقوّته لا لبلوغه.
ويردّ على ذلك. ما أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ، ورواه أبو عوانة وابن حبّان في " صحيحَيهما " من وجه آخر عن ابن جريجٍ أخبرني نافع. فذكر هذا الحديث بلفظ " عُرضت على النّبيّ ﷺ يوم الخندق فلم يجزني , ولَم يَرَنِي بلغت "
وهي زيادة صحيحة لا مطعن فيها، لجلالة ابن جريجٍ وتقدّمه على غيره في حديث نافع، وقد صرّح فيها بالتّحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه، وقد نصَّ فيها لفظ ابن عمر بقوله: " ولَم يرني بلغت " , وابن عمر أعلم بما روى من غيره , ولا سيّما في قصّة تتعلق به.
وفي الحديث: أنّ الإمام يستعرض من يخرج معه للقتال قبل أن تقع الحرب , فمن وجده أهلاً استصحبه وإلَّا ردّه، وقد وقع ذلك للنّبيّ ﷺ في بدر وأحد وغيرهما.
وعند المالكيّة والحنفيّة: لا تتوقّف الإجازة للقتال على البلوغ، بل للإمام أن يجيز من الصّبيان من فيه قوّة ونجدة، فربّ مراهق أقوى من بالغ.
وحديث ابن عمر حجّة عليهم , ولا سيّما الزّيادة التي ذكرتها عن ابن جريجٍ، والله أعلم.
стр. 3914
تكملة: قال الله : ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ في هذه الآية تعليق الحكم ببلوعه الحلم، وقد أجمع العلماء على أنّ الاحتلام في الرّجال والنّساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام , وهو إنزال الماء الدّافق سواء كان بجماعٍ أو غيره سواءٌ كان في اليقظة أو المنام.
وأجمعوا على أن لا أثر للجماع في المنام إلَّا مع الإنزال.
стр. 3915
الحديث السابع عشر
٤٢٠ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قسم في النّفل: للفرس سهمين، وللرجل سهماً. (١)
قوله: (أنّ رسول الله ﷺ قسم في النّفل) وللبخاري " قسم يوم خيبر للفرس سهمين ".
قوله: (للفرس سهمين، وللرجل سهماً) وللبخاري من رواية أبي أسامة عن عبيد الله " جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً ". أي: غير سهمي الفرس فيصير للفارس ثلاثة أسهمٍ.
وله أيضاً , أنّ نافعاً فسّره كذلك , ولفظه " إذا كان مع الرّجل فرسٌ فله ثلاثة أسهمٍ , فإن لَم يكن معه فرسٌ فله سهمٌ ".
ولأبي داود عن أحمد عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر بلفظ " أسهم لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم سهماً له وسهمين لفرسه ".
وبهذا التّفسير يتبيّن أنْ لا وهم فيما رواه أحمد بن منصور الرّماديّ عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نميرٍ كلاهما عن عبيد الله بن عمر , فيما أخرجه الدّارقطني بلفظ " أسهم للفارس سهمين ".
قال الدّارقطني عن شيخه أبي بكر النّيسابوريّ: وهِمَ فيه الرّماديّ وشيخه.
стр. 3916
قلت: لا. لأنّ المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختصّ به , وقد رواه ابن أبي شيبة في " مصنّفه " و " مسنده " بهذا الإسناد , فقال " للفرس ".
وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في " كتاب الجهاد " له عن ابن أبي شيبة , وكأنّ الرّماديّ رواه بالمعنى. وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نميرٍ معاً بلفظ " أسهم للفرس ".
وعلى هذا التّأويل أيضاً يحمل ما رواه نعيم بن حمّاد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرّماديّ. أخرجه الدّارقطني , وقد رواه عليّ بن الحسن بن شقيق - وهو أثبت من نعيمٍ - عن ابن المبارك بلفظ " أسهم للفرس ".
وتمسّك بظاهر هذه الرّواية بعض من احتجّ لأبي حنيفة في قوله: إن للفرس سهماً واحداً ولراكبه سهمٌ آخر , فيكون للفارس سهمان فقط.
ولا حجّة فيه لِما ذكرنا.
واحتجّ له أيضاً بما أخرجه أبو داود من حديث مجمّع بن جارية - بالجيم والتّحتانيّة - في حديثٍ طويلٍ في قصّة خيبر قال: فأعطى للفارس سهمين وللرّاجل سهماً.
وفي إسناده ضعفٌ , ولو ثبت يُحمل على ما تقدّم , لأنّه يحتمل الأمرين , والجمع بين الرّوايتين أولى , ولا سيّما والأسانيد الأولى أثبت , ومع رواتها زيادة علمٍ.
وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة , أنّ
стр. 3917
النّبيّ ﷺ أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهماً , فكان للفارس ثلاثة أسهمٍ.
وللنّسائيّ من حديث الزّبير , أنّ النّبيّ ﷺ ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهماً له وسهماً لقرابته.
قال محمّد بن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار , ونُقل عنه أنّه قال: أكره أنّ أفضّل بهيمة على مسلم. وهي شبهةٌ ضعيفةٌ , لأنّ السّهام في الحقيقة كلها للرّجل.
قلت: لو لَم يثبت الخبر لكانت الشّبهة قويّة , لأنّ المراد المفاضلة بين الرّاجل والفارس فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الرّاجل , فمن جعل للفارس سهمين , فقد سوّى بين الفرس وبين الرّجل.
وقد تعقّب هذا أيضاً: لأنّ الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان. فلمّا خرج هذا عن الأصل بالمساواة , فلتكن المفاضلة كذلك.
وقد فضّل الحنفيّة الدّابّة على الإنسان في بعض الأحكام , فقالوا: لو قتل كلبَ صيدٍ قيمته أكثر من عشرة آلافٍ أدّاها , فإن قتل عبداً مسلماً لَم يؤدّ فيه إلَّا دون عشرةٍ آلاف درهم.
والحقّ. أنّ الاعتماد في ذلك على الخبر , ولَم ينفرد أبو حنيفة بما قال , فقد جاء عن عمر وعليّ وأبي موسى , لكنّ الثّابت عن عمر وعليّ كالجمهور من حيث المعنى بأنّ الفرس يحتاج إلى مؤنةٍ لخدمتها وعلفها , وبأنّه يحصل بها من الغنى في الحرب ما لا يخفى.
стр. 3918
واستدل به على أنّ المشرك إذا حضر الوقعة وقاتل مع المسلمين يسهم له , وبه قال بعض التّابعين كالشّعبيّ , ولا حجّة فيه إذ لَم يرد هنا صيغة عمومٍ.
واستدل للجمهور بحديث " لَم تحل الغنائم لأحدٍ قبلنا " متفق عليه.
وفي الحديث حضٌّ على اكتساب الخيل واتّخاذها للغزو لِمَا فيها من البركة وإعلاء الكلمة وإعظام الشّوكة. كما قال تعالى ﴿ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوَّ الله وعدوّكم﴾.
واختلف فيمن خرج إلى الغزو , ومعه فرسٌ فمات قبل حضور القتال.
فقال مالك: يستحقّ سهم الفرس.
وقال الشّافعيّ والباقون: لا يسهم له إلَّا إذا حضر القتال , فلو مات الفرس في الحرب استحقّ صاحبه , وإن مات صاحبه استمرّ استحقاقه وهو للورثة.
وعن الأوزاعيّ. فيمن وصل إلى موضع القتال فباع فرسه: يسهم له , لكن يستحقّ البائع ممّا غنموا قبل العقد والمشتري ممّا بعده. وما اشتبه قسّم.
وقال غيره: يوقف حتّى يصطلحا.
وعن أبي حنيفة: من دخل أرض العدوّ راجلاً لا يقسم له إلَّا سهم راجلٍ , ولو اشترى فرساً وقاتل عليه.
стр. 3919
واختلف في غزاة البحر إذا كان معهم خيلٌ.
فقال الأوزاعيّ والشّافعيّ: يُسهم له
تكميل: هذا الحديث يذكره الأصوليّون في مسائل القياس في مسألة الإيماء. أي: إذا اقترن الحكم بوصفٍ لولا أنّ ذلك الوصف للتّعليل لَم يقع الاقتران , فلمّا جاء سياق واحد أنّه ﷺ أعطى للفرس سهمين وللرّاجل سهماً دلَّ على افتراق الحكم.
مسألتان:
المسألة الأولى: قال مالك: يسهم للخيل والبراذين لقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾.
قال ابن بطّال: وجه الاحتجاج بالآية. أنّ الله تعالى امتنّ بركوب الخيل , وقد أسهم لها رسول الله ﷺ , واسم الخيل يقع على البرذون والهجين بخلاف البغال والحمير , وكأنّ الآية استوعبت ما يركب من هذا الجنس لِمَا يقتضيه الامتنان , فلمّا لَم ينصّ على البرذون والهجين فيها , دلَّ على دخولها في الخيل.
قلت: وإنّما ذكر الهجين , لأنّ مالكاً ذكر هذا الكلام في الموطّأ , وفيه " والهجين " والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيّاً والآخر غير عربيّ.
وقيل: الهجين الذي أبوه فقط عربيّ , وأمّا الذي أمّه فقط عربيّة فيسمّى المقرف.
والبراذين. جمع برذون - بكسر الموحّدة وسكون الرّاء وفتح
стр. 3920
المعجمة - والمراد الْجُفاة الْخِلقة من الخيل , وأكثر ما تجلب من بلاد الرّوم , ولها جلدٌ على السّير في الشّعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربيّة.
وعن أحمد: الهجين البرذون. ويحتمل: أن يكون أراد في الحكم.
وقد وقع لسعيد بن منصور , وفي " المراسيل " لأبي داود عن مكحول , أنّ النّبيّ ﷺ هجّن الهجين يوم خيبر وعرّب العراب , فجعل للعربيّ سهمين وللهجين سهماً. وهذا منقطع.
ويؤيّده ما روى الشّافعيّ في " الأمّ " وسعيد بن منصور من طريق عليّ بن الأقمر , قال: أغارت الخيل فأدركتِ العراب وتأخّرت البراذن , فقام المنذر الوادعيّ فقال: لا أجعل ما أدرك كمن لَم يدرك , فبلغ ذلك عمر. فقال: هَبِلَت الوادعيَّ أمُّه , لقد أَذْكرتْ به (١) , أمضوها على ما قال. فكان أوّل من أسهم للبراذين دون سهام العراب. وفي ذلك يقول شاعرهم:
ومنّا الذي قد سنّ في الخيل سنّة ... وكانت سواء قبل ذاك سهامها.
وهذا منقطع أيضاً
وقد أخذ أحمد بمقتضى حديث مكحول في المشهور عنه كالجماعة.
وعنه: إن بلغت البراذين مبالغ العربيّة سوّى بينهما وإلَّا فضّلت
стр. 3921
العربيّة. واختارها الجوزجانيّ وغيره.
وعن الليث: يسهم للبرذون والهجين دون سهم الفرس.
المسألة الثانية:
قال مالك: لا يُسهم لأكثر من فرس , وهو قول الجمهور.
وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين لا لأكثر، وفي ذلك حديث أخرجه الدّارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي عمرة قال: أسهم لي رسول الله ﷺ لفرسي أربعة أسهمٍ ولي سهماً. فأخذت خمسة أسهم.
قال القرطبيّ: ولَم يقل أحدٌ إنّه يسهم لأكثر من فرسين , إلَّا ما روي عن سليمان بن موسى , أنّه يسهم لكل فرس سهمان بالغاً ما بلغت , ولصاحبه سهماً. أي: غير سهمي الفرس.
стр. 3922
الحديث الثامن عشر
٤٢١ - عن ابن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ كان ينفّل بعض من يبعث من السّرايا لأنفسهم خاصّةً، سوى قسم عامّة الجيش. (١)
قوله: (كان ينفّل بعض ..) زاد مسلمٌ في آخره: " والخمس واجبٌ في ذلك كله " , وليس فيه حجّةٌ أنّ النّفل من الخمس لا من غيره، بل هو محتملٌ لكلٍّ من الأقوال (٢).
نعم. فيه دليلٌ على أنّه يجوز تخصيص بعض السّريّة بالتّنفيل دون بعضٍ.
قال ابن دقيق العيد: للحديث تعلّقٌ بمسائل الإخلاص في الأعمال، وهو موضعٌ دقيق المأخذ، ووجه تعلّقه به أنّ التّنفيل يقع للتّرغيب في زيادة العمل والمخاطرة في الجهاد، ولكن لَم يضرّهم ذلك قطعاً , لكونه صدر لهم من النّبيّ ﷺ فيدلّ على أنّ بعض المقاصد الخارجة عن محض التّعبّد لا تقدح في الإخلاص، لكنّ ضبط قانونها وتمييزها ممّا تضرّ مداخلته مشكلٌ جدّاً.
قوله: (السّرايا) قال ابن السكيت: السرية ما بين الخمسة إلى الثلاثمائة , وقال الخليل: هي نحو أربعمائة. (٣)
ويدلُّ له قوله ﷺ : خيرُ السرايا أربعمائة. أخرجه أبو داود.
стр. 3923
الحديث التاسع عشر
٤٢٢ - عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريّ ﵁ عن النبيّ ﷺ , قال: من حَمَلَ علينا السلاحَ، فليس منّا. (١)
قوله: (من حَمَلَ علينا السّلاحَ) في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم " من سَلَّ علينا السّيف " , ومعنى الحديث. حمل السّلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقّ , لِما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرّعب عليهم، وكأنّه كنّى بالحمل عن المقاتلة , أو القتل للملازمة الغالبة.
قال ابن دقيق العيد:
يحتمل: أن يراد بالحمل ما يضادّ الوضع , ويكون كناية عن القتال به.
ويحتمل: أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتال به لقرينة قوله " علينا ".
ويحتمل: أن يكون المراد حمله للضّرب به، وعلى كلّ حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتّشديد فيه. انتهى
قلت: جاء الحديث بلفظ " من شهر علينا السّلاح " أخرجه البزّار من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمرة، ومن حديث عمرو بن
стр. 3924
عوف. وفي سند كلٍّ منها لِيْن , لكنّها يعضّد بعضها بعضاً.
وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ " من رمانا بالنّبل فليس منّا " وهو عند الطّبرانيّ في " الأوسط " بلفظ " الليل " بدل النّبل , وعند البزّار من حديث بريدة مثله.
قوله: (فليس منّا) أي: ليس على طريقتنا، أو ليس متّبعاً لطريقتنا، لأنّ من حقّ المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السّلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله.
ونظيره " من غشّنا فليس منّا " (١) و " ليس منّا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب " (٢) وهذا في حقّ من لا يستحلّ ذلك، فأمّا من يستحلّه فإنّه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه لا مجرّد حمل السّلاح.
والأولى عند كثير من السّلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرّض لتأويله. ليكون أبلغ في الزّجر.
وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره , فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أنّ الإمساك عن تأويله أولى لِما ذكرناه، والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحقّ , فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالماً.
стр. 3925
الحديث العشرون
٤٢٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ ، عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميّةً، ويقاتل رياءً، أيّ ذلك في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله. (١)
قوله: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل) وللبخاري من رواية سليمان بن حرب عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل " جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: الرجل ". ولهما من رواية غندر عن شعبة " قال أعرابي ".
وهذا يدلّ على وهْم ما وقع عند الطّبرانيّ من وجه آخر عن أبي موسى , أنّه قال: يا رسولَ الله. فذكره، فإنّ أبا موسى - وإن جاز أن يُبهم نفسه - لكن لا يصفها بكونه أعرابيّاً.
وهذا الأعرابيّ يصلح أن يُفسَّر بلاحق بن ضميرة، وحديثه عند أبي موسى المدينيّ في " الصّحابة " من طريق عفير بن معدان. سمعت لاحق بن ضميرة الباهليّ , قال: وفدت على النّبيّ ﷺ فسألته عن الرّجل يلتمس الأجر والذّكر؟. فقال: لا شيء له. الحديث، وفي إسناده ضعف.