كان جائزاً، فلمّا كثر إطلاقهم له نهوا عنه , لئلا تغلب السّنّة الجاهليّة على السّنّة الإسلاميّة، ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أنّ الصّحابة الذين رووا النّهي استعملوا التّسمية المذكورة , وأمّا استعمالها في مثل حديث أبي هريرة فلرفع الالتباس بالمغرب، والله أعلم.
وقال الطِّيبي (١): لعل تقييده الظّهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظّهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها.
قوله: (وكان يكره النّوم قبلها) قال التّرمذيّ: كره أكثر أهل العلم النّوم قبل صلاة العشاء، ورخّص بعضهم فيه في رمضان خاصّةً. انتهى.
ومن نُقلت عنه الرّخصة قُيّدت عنه في أكثر الرّوايات بما إذا كان له من يوقظه , أو عرف من عادته أنّه لا يستغرق وقت الاختيار بالنّوم، وهذا جيّدٌ حيث قلنا إنّ عِلَّة النّهي خشية خروج الوقت.
وحمل الطّحاويّ الرّخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله.
قوله: (والحديث بعدها) أي: المحادثة والسّمر بعدها قد يؤدّي إلى النّوم عن الصّبح أو عن وقتها المختار أو عن قيام الليل، وكان عمر بن الخطّاب يضرب النّاس على ذلك , ويقول: أسمراً أوّل الليل
стр. 422
ونوماً آخره؟ (١).
وإذا تقرّر أنّ عِلَّة النّهي ذلك. فقد يُفرّق فارقٌ بين الليالي الطّوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسماً للمادّة، لأنّ الشّيء إذا شرع لكونه مظنّةً قد يستمرّ فيصير مئنّةً، والله أعلم.
وهذه الكراهة مخصوصة بما إذا لَم يكن في أمر مطلوب , كالسمر في الفقه والخير , وقد روى التّرمذيّ من حديث عمر محسّناً , أنّ النّبيّ ﷺ كان يسمر هو وأبو بكرٍ في الأمر من أمور المسلمين , وأنا معهما.
أو في أمر مباح , كالسمر مع الضيف والأهل.
قوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف من الصّلاة، أو يلتفت إلى المأمومين.
قوله: (من صلاة الغداة) أي: الصّبح، وفيه أنّه لا كراهة في تسمية الصّبح بذلك.
قوله: (حين يعرف الرّجل جليسه) أي: الذي بجنبه، ففي رواية الجوزقيّ من طريق وهب بن جريرٍ عن شعبة " فينظر الرّجل إلى جليسه إلى جنبه فيعرف وجهه " ولأحمد " فينصرف الرّجل فيعرف وجه جليسه ".
وفي روايةٍ لمسلمٍ " فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه ".
стр. 423
وله في أخرى " وننصرف حين يعرف بعضنا وجه بعضٍ "
واستدل بذلك على التّعجيل بصلاة الصّبح , لأنّ ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صحّ بأنّ ذلك كان عند فراغ الصّلاة. ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنّه كان يدخل فيها مغلساً.
وادّعى الزين بن المنير. أنّه مخالفٌ لحديث عائشة المتقدم حيث قالت فيه: لا يُعرفن من الغلس.
وتعقّب: بأنّ الفرق بينهما ظاهرٌ، وهو أنّ حديث أبي برزة متعلقٌ بمعرفة من هو مسفرٌ جالسٌ إلى جنب المُصلِّي فهو ممكنٌ، وحديث عائشة متعلقٌ بمن هو متلفّفٌ مع أنّه على بعدٍ فهو بعيدٌ.
قوله: (ويقرأ) أي: في الصّبح
قوله: (بالسّتّين إلى المائة) يعني من الآي. وقدّرها في رواية الطّبرانيّ " بسورة الحاقّة ونحوها " , وفي رواية لهما بلفظ " ما بين السّتّين إلى المائة ".
وأشار الكرمانيّ: أنّ القياس أن يقول ما بين السّتّين والمائة , لأنّ لفظ " بين " يقتضي الدّخول على متعدّدٍ.
قال: ويحتمل أن يكون التّقدير: ويقرأ ما بين السّتّين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه.
وللبخاري " وكان يقرأ في الرّكعتين أو إحداهما ما بين السّتّين إلى المائة " أي: من الآيات، وهذه الزّيادة تفرّد بها شعبة عن أبي المنهال.
стр. 424
والشّكّ فيه منه، وقد تقدّم عن رواية الطّبرانيّ تقديرها " بالحاقّة ونحوها ".
فعلى تقدير أن يكون ذلك في كل الرّكعتين , فهو منطبقٌ على حديث ابن عبّاسٍ. في قراءته في صبح الجمعة تنزيل السّجدة , وهل أتى (١).
وعلى تقدير أن يكون في كل ركعةٍ فهو منطبقٌ على حديث جابر بن سمرة في قراءاته في الصّبح بـ " ق " أخرجه مسلمٌ، وفي روايةٍ له بـ " الصّافّات " وفي أخرى عند الحاكم بـ " الواقعة ".
وفي السّياق تأدّب الصّغير مع الكبير، ومسارعة المسئول بالجواب إذا كان عارفاً به.
стр. 425
الحديث الخامس
٥٤ - عن عليٍّ ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً , كما شغلونا عن الصّلاة الوسطى حتّى غابت الشّمس (٢)
وفي لفظٍ لمسلمٍ " شغلونا عن الصّلاة الوسطى - صلاة العصر - ثمّ صلاها بين المغرب والعشاء. (٣)
الحديث السادس
٥٥ - ولمسلم عن عبد الله بن مسعودٍ , قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن العصر , حتّى احمرَّت الشّمس أو اصفرَّت , فقال رسول الله ﷺ : شغلونا عن الصّلاة الوسطى - صلاة العصر - ملأ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم ناراً , أو حشا اللهُ أجوافَهم وقبورَهم ناراً.
قوله: (يوم الخندق) في رواية لهما " يوم الأحزاب " يعني أنّ لها اسمين، والأحزاب جمع حزب. أي: طائفة.
فأمّا تسميتها الخندق فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النّبيّ ﷺ ، وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي.
منهم أبو معشر قال: قال سلمان للنّبيّ ﷺ : إنّا كنّا بفارسٍ إذا حوصرنا خندقناً علينا، فأمر النّبيّ ﷺ بحفر الخندق حول المدينة،
стр. 426
وعمل فيه بنفسه ترغيباً للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتّى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم ".
وأمّا تسميتها الأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريشٌ وغطفان واليهود ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصّة صدر سورة الأحزاب.
وذكر موسى بن عقبة في " المغازي " قال: خرج حُييّ بن أخطب بعد قتل بني النّضير إلى مكّة يحرّض قريشاً على حرب رسول الله ﷺ ، وخرج كنانة بن الرّبيع بن أبي الحقيق يسعى في بني غطفان , ويحضّهم على قتال رسول الله ﷺ على أنّ لهم نصف ثمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه.
وخرج أبو سفيان بن حربٍ بقريشٍ فنزلوا بمرّ الظّهران، فجاءهم من أجابهم من بني سليمٍ مدداً لهم فصاروا في جمعٍ عظيمٍ، فهم الذين سمّاهم الله تعالى الأحزاب.
وذكر ابن إسحاق بأسانيده. أنّ عدّتهم عشرة آلافٍ، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلافٍ، وقيل: كان المشركون أربعة آلافٍ والمسلمون نحو الألف.
وذكر موسى بن عقبة. أنّ مدّة الحصار كانت عشرين يوماً، ولَم يكن بينهم قتالٌ إلاَّ مراماةٌ بالنّبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذٍ بسهمٍ فكان سبب موته.
стр. 427
وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأنّ نعيم بن مسعودٍ الأشجعيّ ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا، وذلك بأمر النّبيّ ﷺ له بذلك. ثمّ أرسل الله عليهم الرّيح فتفرّقوا، وكفى الله المؤمنين القتال.
واختلفوا في أي سنة.
القول الأول: قال موسى بن عقبة: كانت في شوّال سنة أربع هكذا رويناه في مغازيه.
قلت: وتابع موسى على ذلك مالك، وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه.
القول الثاني: قال ابن إسحاق. كانت في شوّال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي.
ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة.
وقوّاه بما أخرجه من قول ابن عمر , أنّه عُرض يوم أحدٍ وهو ابن أربع عشرة ويوم الخندق وهو ابن خمس عشرة: فيكون بينهما سنةٌ واحدةٌ. وأُحدٌ كانت سنة ثلاثٍ، فيكون الخندق سنة أربعٍ.
ولا حجّة فيه. إذا ثبت أنّها كانت سنة خمسٍ لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحدٍ كان في أوّل ما عرض في الرّابعة عشر , وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقيّ.
ويؤيّد قول ابن إسحاق , أنّ أبا سفيان قال للمسلمين لَمّا رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدرٍ فخرج النّبيّ ﷺ من السّنة المقبلة إلى بدرٍ، فتأخّر مجيء أبي سفيان تلك السّنة للجدب الذي كان حينئذٍ،
стр. 428
وقال لقومه: إنّما يصلح الغزو في سنة الخصب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
وقد بيّن البيهقيّ سبب هذا الاختلاف، وهو أنّ جماعةً من السّلف كانوا يعدّون التّاريخ من المحرّم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيعٍ الأوّل، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في " تاريخه " , فذكر أنّ غزوة بدرٍ الكبرى كانت في السّنة الأولى، وأنّ غزوة أحدٍ كانت في الثّانية، وأنّ الخندق كانت في الرّابعة.
وهذا عملٌ صحيحٌ على ذلك البناء، لكنّه بناءٌ واهٍ مخالفٌ لِمَا عليه الجمهور من جعل التّاريخ من المحرّم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدرٌ في الثّانية وأحدٌ في الثّالثة والخندق في الخامسة وهو المعتمد.
قوله: (شغلونا) ولهما في رواية " حبسونا " أي: منعونا عن الصّلاة الوسطى , أي: عن إيقاعها.
قوله: (عن الصلاة الوسطى) هي تأنيث الأوسط. والأوسط الأعدل من كلّ شيء، وليس المراد به التّوسّط بين الشّيئين لأنّ فُعلى معناها التّفضيل، ولا ينبني للتّفضيل إلاَّ ما يقبل الزّيادة والنّقص، والوسط بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما، بخلاف المتوسّط فلا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل تفضيل.
زاد مسلم من طريق شتير بن شكلٍ عن عليّ: شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر. وزاد في آخره " ثمّ صلاها بين المغرب
стр. 429
والعشاء " ولمسلمٍ عن ابن مسعود نحو حديث عليّ، وللتّرمذيّ والنّسائيّ من طريق زرّ بن حبيشٍ عن عليٍّ مثله.
ولمسلمٍ أيضاً من طريق أبي حسّان الأعرج عن عبيدة السّلمانيّ عن عليّ فذكر الحديث بلفظ " كما حبسونا عن الصّلاة الوسطى حتّى غربت الشّمس " يعني العصر، وروى أحمد والتّرمذيّ من حديث سمرة رفعه , قال: صلاة الوسطى صلاة العصر.
وروى ابن جرير من حديث أبي هريرة رفعه: الصّلاة الوسطى صلاة العصر. ومن طريق كهيل بن حرملة: سئل أبو هريرة عن الصّلاة الوسطى , فقال: اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ وفينا أبو هاشم بن عتبة , فقال: أنا أعلم لكم، فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ ثمّ خرج إلينا فقال: أخبرنا أنّها صلاة العصر.
ومن طريق عبد العزيز بن مروان , أنّه أرسل إلى رجلٍ فقال: أيّ شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصّلاة الوسطى؟ فقال: أرسلني أبو بكر وعمر أسأله , وأنا غلام صغير فقال: هي العصر.
ومن حديث أبي مالك الأشعريّ رفعه: الصّلاة الوسطى صلاة العصر. وروى التّرمذيّ وابن حبّان من حديث ابن مسعود مثله.
وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة , حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى. وهي صلاة العصر.
وروى ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عبّاس , قال: شغلَ
стр. 430
الأحزابُ النّبيَّ ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتّى غربت الشّمس فقال: شغلونا عن الصّلاة الوسطى. وأخرج أحمد من حديث أمّ سلمة وأبي أيّوب وأبي سعيد وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عبّاس من قولهم: إنّها صلاة العصر.
وقد اختلف السّلف في المراد بالصّلاة الوسطى.
وجمع الدّمياطيّ (١) في ذلك جزءاً مشهوراً سمّاه " كشف الغطا عن الصّلاة الوسطى " فبلغ تسعة عشر قولاً.
القول الأول: أنها الصّبح , وهو قول أبي أُمامة وأنس وجابر وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء وعكرمة ومجاهد وغيرهم نقله ابن أبي حاتم عنهم , وهو أحد قولي ابن عمر وابن عبّاس , ونقله مالك والتّرمذيّ عنهما , ونقله مالك بلاغاً عن عليّ والمعروف عنه خلافه.
وروى ابن جرير من طريق عوف الأعرابيّ عن أبي رجاء العطارديّ قال: صليت خلف ابن عبّاس الصّبح فقنت فيها ورفع يديه , ثمّ قال: هذه الصّلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين.
وأخرجه أيضاً من وجه آخر عنه وعن ابن عمرو من طريق أبي العالية: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة
стр. 431
الغداة , فقلت لهم: ما الصّلاة الوسطى؟ قال: هي هذه الصّلاة.
وهو قول مالك والشّافعيّ فيما نصّ عليه في " الأمّ ".
واحتجّوا له بأنّ فيها القنوت، وقد قال الله تعالى (وقوموا لله قانتين) , وبأنّها لا تقصر في السّفر، وبأنّها بين صلاتَي جهر وصلاتَي سرّ.
القول الثّاني: أنها الظهر , وهو قول زيد بن ثابت أخرجه أبو داود من حديثه قال: كان النّبيّ ﷺ يُصلِّي الظّهر بالهاجرة، ولَم تكن صلاة أشدّ على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت: حافظوا على الصّلوات الآية ".
وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول. بأنّها الظّهر , أخرجه ابن المنذر وغيره، وروى مالك في " الموطّأ " عن زيد بن ثابت الجزم بأنّها الظّهر , وبه قال أبو حنيفة في رواية.
وروى الطّيالسيّ من طريق زهرة بن معبد قال: كنّا عند زيد بن ثابت , فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصّلاة الوسطى , فقال: هي الظّهر. ورواه أحمد من وجه آخر وزاد: كان النّبيّ ﷺ يُصلِّي الظّهر بالهجير فلا يكون وراءه إلاَّ الصّفّ أو الصّفّان , والنّاس في قائلتهم وفي تجارتهم، فنزلت.
القول الثّالث: أنها العصر , وهو قول عليّ بن أبي طالب , فقد روى التّرمذيّ والنّسائيّ من طريق زرّ بن حبيشٍ قال: قلنا لعبيدة: سل عليّاً عن الصّلاة الوسطى، فسأله , فقال: كنّا نرى أنّها الصّبح،
стр. 432
حتّى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر.
وهذه الرّواية تدفع دعوى من زعم أنّ قوله " صلاة العصر " مُدرج من تفسير بعض الرّواة , وهي نصّ في أنّ كونها العصر من كلام النّبيّ ﷺ وأنّ شبهة مَن قال إنّها الصّبح قويّة، لكن كونها العصر هو المعتمد.
وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصّحيح من مذهب أبي حنيفة , وقول أحمد , والذي صار إليه معظم الشّافعيّة لصحّة الحديث فيه. قال التّرمذيّ: هو قول أكثر علماء الصّحابة.
وقال الماورديّ: هو قول جمهور التّابعين.
قال ابن عبد البرّ: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكيّة ابن حبيب وابن العربيّ وابن عطيّة.
ويؤيّده أيضاً ما روى مسلم عن البراء بن عازب: نزل حافظوا على الصّلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله، ثمّ نسخت فنزلت حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت.
القول الرّابع: أنها المغرب. نقله ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس قال: صلاة الوسطى هي المغرب. وبه قال قبيصة بن ذؤيب أخرجه أبو جرير.
وحجّتهم أنّها معتدلة في عدد الرّكعات , وأنّها لا تقصر في الأسفار ,
стр. 433
وأنّ العمل مضى على المبادرة إليها والتّعجيل لها في أوّل ما تغرب الشّمس , وأنّ قبلها صلاتا سرّ وبعدها صلاتا جهر.
القول الخامس: جميع الصلوات وهو آخر ما صحَّحه ابن أبي حاتم أخرجه أيضاً بإسنادٍ حسن عن نافع قال: سئل ابن عمر فقال: هي كلّهنّ، فحافظوا عليهنّ. وبه قال معاذ بن جبل.
واحتجّ له بأنّ قوله: (حافظوا على الصّلوات) يتناول الفرائض والنّوافل، فعطف عليه الوسطى وأريد بها كلّ الفرائص تأكيداً لها، واختار هذا القول ابن عبد البرّ.
وأمّا بقيّة الأقوال. فالسّادس: أنّها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكيّة , واحتجّ بما اختصّت به من الاجتماع والخطبة، وصحَّحه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، ورجّحه أبو شامة.
السّابع: الظّهر في الأيّام والجمعة يوم الجمعة. الثّامن: العشاء نقله ابن التّين والقرطبيّ , واحتجّ له بأنّها بين صلاتين لا تقصران , ولأنّها تقع عند النّوم فلذلك أمر بالمحافظة عليها واختاره الواحديّ. التّاسع: الصّبح والعشاء للحديث الصّحيح في أنّهما أثقل الصّلاة على المنافقين، وبه قال الأبهريّ من المالكيّة.
العاشر: الصّبح والعصر لقوّة الأدلة في أنّ كلاً منهما قيل إنّه الوسطى، فظاهر القرآن الصّبح ونصّ السّنّة العصر.
الحادي عشر: صلاة الجماعة.
الثّاني عشر: الوتر وصنّف فيه علم الدّين السّخاويّ جزءاً ,
стр. 434
ورجّحه القاضي تقيّ الدّين الأخنائيّ , واحتجّ له في جزء رأيته بخطّه. الثّالث عشر: صلاة الخوف. الرّابع عشر: صلاة عيد الأضحى. الخامس عشر: صلاة عيد الفطر. السّادس عشر: صلاة الضّحى.
السّابع عشر: واحدة من الخمس غير معيّنة , قاله الرّبيع بن خثيم وسعيد بن جبير وشريحٌ القاضي وهو اختيار إمام الحرمين (١) من الشّافعيّة ذكره في النّهاية قال: كما أخفيت ليلة القدر.
الثّامن عشر: أنّها الصّبح أو العصر على التّرديد وهو غير القول المتقدّم الجازم بأنّ كلاً منهما يقال له الصّلاة الوسطى.
التّاسع عشر: التّوقّف فقد روى ابن جرير بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن المسيّب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصّلاة الوسطى هكذا. وشبّك بين أصابعه.
العشرون: صلاة الليل وجدته عندي. وذهلت الآن عن معرفة قائله.
وأقوى شبهة لمن زعم أنّها غير العصر مع صحّة الحديث. حديثُ البراء الذي ذكرته عند مسلم , فإنّه يشعر بأنّها أبهمت بعدما عيّنت كذا قاله القرطبيّ، قال: وصار إلى أنّها أبهمت جماعةٌ من العلماء المتأخّرين، قال: وهو الصّحيح لتعارض الأدلة وعسر التّرجيح.
وفي دعوى أنّها أبهمت , ثمّ عيّنت من حديث البراء نظر، بل فيه
стр. 435
أنّها عيّنت ثمّ وصفت، ولهذا قال الرّجل: فهي إذن العصر , ولَم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يشعر بالتّوقّف لِمَا نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التّصريح بها في حديث عليّ.
ومن حجّتهم أيضاً ما روى مسلم وأحمد من طريق أبي يونس عن عائشة , أنّها أمَرَتْه أن يكتب لها مصحفاً، فلمّا بلغت (حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى) قال: فأمْلَتْ عليّ " وصلاة العصر " قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ .
وروى مالك عن عمرو بن رافع , قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي، فأملَتْ عليَّ: حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر. وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع، وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله بن رافع , أمرتني أمّ سلمة أن أكتب لها مصحفاً. فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواء، ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر , أنّ حفصة أمرت إنساناً أن يكتب لها مصحفاً نحوه.
ومن طريق نافع , أنّ حفصة أمرت مولىً لها أن يكتب لها مصحفاً فذكر مثله , وزاد: كما سمعت رسول الله ﷺ يقولها , قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو , فتمسّك قوم بأنّ العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى.
وأجيب: بأنّ حديث عليّ ومن وافقه أصحّ إسناداً وأصرح , وبأنّ حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنّه كان في مصحفها " وهي
стр. 436
العصر ".
فيحتمل: أن تكون الواو زائدة.
ويؤيّده ما رواه أبو عبيدة بإسنادٍ صحيح عن أبيّ بن كعب أنّه كان يقرؤها " حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى صلاة العصر " بغير واو.
أو هي عاطفة , لكن عطف صفة لا عطف ذات.
وبأنّ قوله " والصّلاة الوسطى والعصر " لَم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء , أنّها نزلت أوّلاً والعصر ثمّ نزلت ثانياً بدلها والصّلاة الوسطى، فجمع الرّاوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدّماً على النّصّ الصّريح بأنّها صلاة العصر؟.
قال شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدّين العلائيّ: حاصل أدلة مَن قال إنّها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: تنصيص بعض الصّحابة. وهو معارض بمثله ممَن قال منهم إنّها العصر، ويترجّح قول العصر بالنّصّ الصّريح المرفوع، وإذا اختلف الصّحابة لَم يكن قول بعضهم حجّة على غيره فتبقى حجّة المرفوع قائمة.
ثانيها: معارضة المرفوع بورود التّأكيد على فعل غيرها كالحثّ على
стр. 437
المواظبة على الصّبح والعشاء (١)، وهو معارض بما هو أقوى منه , وهو الوعيد الشّديد الوارد في ترك صلاة العصر، كما في البخاري.
ثالثها: ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة " حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر " فإنّ العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، سلمنا لكن لا يصلح معارضاً للمنصوص صريحاً.
وأيضاً فليس العطف صريحاً في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصّفات كقوله تعالى (الأوّل والآخر والظّاهر والباطن) انتهى ملخّصاً.
قوله: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً) لَم يشكّ يزيد بن هارون، وهو لفظ روح بن عبادة وعيسى بن يونس كما في البخاري، ولمسلمٍ مثله عن أبي أسامة عن هشام، وكذا له في رواية أبي حسّان الأعرج عن عبيدة بن عمرو، ومن طريق شتير بن شكلٍ عن على مثله.
وله من رواية يحيى بن الجزّار عن عليٍّ " قبورهم وبيوتهم أو قال: قبورهم وبطونهم " , ومن حديث ابن مسعود " ملأ الله أجوافهم أو قبورهم ناراً، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً ".
ولابن حبّان من حديث حذيفة " ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً , أو
стр. 438
قلوبهم " , وللبخاري عن يحيى القطان عن هشام عن محمد عن عبيدة عن علي " ملأ الله قبورهم وبيوتهم , أو أجوافهم نارا " شك يحيى.
وهذه الرّوايات التي وقع فيها الشّكّ مرجوحة بالنّسبة إلى التي لا شكّ فيها.
وفي هذا الحديث جواز الدّعاء على المشركين بمثل ذلك.
قال ابن دقيق العيد: تردُّد الرّاوي في قوله " ملأ الله " أو " حشا " يشعر بأنّ شرط الرّواية بالمعنى أن يتّفق المعنى في اللفظين، وملأ ليس مرادفاً لحشا، فإنّ حشا يقتضي التّراكم وكثرة أجزاء المحشوّ بخلاف ملأ، فلا يكون في ذلك متمسّك لمن منع الرّواية بالمعنى.
وقد استشكل هذا الحديث. بأنّه تضمّن دعاء صدر من النّبيّ ﷺ على من يستحقّه وهو من مات منهم مشركاً، ولَم يقع أحد الشّقّين وهو البيوت , أمّا القبور فوقع في حقّ من مات منهم مشركاً لا محالة.
ويجاب: بأن يحمل على سكّانها , وبه يتبيّن رجحان الرّواية بلفظ " قلوبهم , أو أجوافهم "
قوله: (ثمّ صلاها بين المغرب والعشاء) سيأتي إن شاء الله الحديث عن الفوائت وما يتعلق بها في شرح حديث جابر (١)
قوله: (ولمسلمٍ عن عبد الله بن مسعودٍ , قال: حبس المشركون) تقدم الحديث عنه ضمن حديث عليٍ قبله.
стр. 439
الحديث السابع
٥٦ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: أعتمَ النّبيّ ﷺ بالعشاء , فخرج عمر , فقال: الصّلاة , يا رسولَ الله. رقد النّساء والصّبيان. فخرج ورأسه يقطر يقول: لولا أن أشقّ على أمّتي , أو على النّاس لأمرتهم بهذه الصّلاة هذه السّاعة. (١)
قوله: (أعتم) (٢) أي: دخل في وقت العتمة، ويطلق أعتم بمعنى أخّر , لكنّ الأوّل هنا أظهر , وللبخاري عن أنس قال: أخّر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل.
واستدل بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا يعارض ذلك فضيلة أوّل الوقت لِمَا في الانتظار من الفضل.
لكن قال ابن بطّالٍ: ولا يصلح ذلك الآن للأئمّة , لأنّه ﷺ أمر بالتّخفيف , وقال " إنّ فيهم الضّعيف وذا الحاجة " فترك التّطويل عليهم في الانتظار أولى.
قلت: وقد روى أحمد وأبو داود والنّسائيّ وابن خزيمة وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدريّ: صلَّينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة، فلم يخرج حتّى مضى نحوٌ من شطر الليل , فقال: إنّ النّاس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنّكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم
стр. 440
الصّلاة، ولولا ضعف الضّعيف وسقم السّقيم وحاجة ذي الحاجة لأخّرت هذه الصّلاة إلى شطر الليل.
وللتّرمذيّ وصحَّحه من حديث أبي هريرة: لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم أن يؤخّروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه.
فعلى هذا , من وجد به قوّةً على تأخيرها , ولَم يغلبه النّوم , ولَم يشقّ على أحدٍ من المأمومين فالتّأخير في حقّه أفضل.
وقد قرّر النّوويّ ذلك في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشّافعيّة وغيرهم، والله أعلم.
ونقل ابن المنذر عن الليث وإسحاق, أنّ المستحبّ تأخير العشاء إلى قبل الثّلث.
وقال الطّحاويّ: يستحبّ إلى الثّلث، وبه قال مالكٌ وأحمد وأكثر الصّحابة والتّابعين، وهو قول الشّافعيّ في الجديد.
وقال في القديم: التّعجيل أفضل، وكذا قال في الإملاء , وصحَّحه النّوويّ وجماعةٌ. وقالوا: إنّه ممّا يفتى به على القديم.
وتعقّب: بأنّه ذكره في الإملاء وهو من كتبه الجديدة، والمختار من حيث الدّليل أفضليّة التّأخير، ومن حيث النّظر التّفصيل، والله أعلم
قوله: (الصلاة) وهي بالنّصب بفعلٍ مضمرٍ تقديره مثلاً صلِّ الصّلاة، وساغ هذا الحذف لدلالة السّياق عليه.
قوله: (رقد النساء والصبيان) أي: الحاضرون في المسجد، وإنّما خصّهم بذلك لأنّهم مظنّة قلة الصّبر عن النّوم، ومحلّ الشّفقة والرّحمة
стр. 441
، بخلاف الرّجال. وللبخاري " حتى رقد الناس واستيقظوا , ورقدوا واستيقظوا ". وللبخاري نحوه عن ابن عمر , وهو محمول على أنّ الذي رقد بعضهم لا كلّهم، ونسب الرّقاد إلى الجميع مجازاً.
واستدل به من ذهب إلى أنّ النّوم لا ينقض الوضوء.
ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون الرّاقد منهم كان قاعداً متمكّناً، أو لاحتمال أن يكون مضطجعاً لكنّه توضّأ وإن لَم ينقل، اكتفاءً بما عرف من أنّهم لا يصلّون على غير وضوءٍ.
قال المُهلَّب (١): وقد أجمعوا على أنَّ النوم القليل لا ينقض الوضوء، وخالف الْمُزني فقال: ينقض قليله وكثيره. فخرق الإجماع.
كذا قال المُهلَّب، وتبعه ابن بطال وابن التين وغيرهما.
وقد تحاملوا على المزني في هذه الدعوى، فقد نقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتابعين المصير إلى أنَّ النوم حَدَثٌ ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد وإسحاق بن راهويه.
قال ابن المنذر: وبه أقول لعموم حديث صفوان بن عسال. يعني الذي صحَّحه ابن خزيمة وغيره، ففيه " إلاَّ من غائط أو بول أو نوم " (٢) فيسوي بينهما في الحكم، والمراد بقليله وكثيره طول زمانه
стр. 442
وقصره لا مباديه.
والذين ذهبوا إلى أنَّ النوم مظنة الحدث. اختلفوا على أقوال:
التفرقة بين قليله وكثيره. وهو قول الزهري ومالك.
وبين المضطجع وغيره. وهو قول الثوري.
وبين المضطجع والمستند وغيرهما. وهو قول أصحاب الرأي.
وبينهما والساجد بشرط قصده النوم وبين غيرهم. وهو قول أبي يوسف.
وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقاً , وهو قول الشافعي في القديم. وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا.
وفصَّل في الجديد بين القاعد المتمكن. فلا ينقض وبين غيره فينقض.
وفي المهذب: وإن وجد منه النوم وهو قاعد ومحل الحدث منه متمكنٌ بالأرض. فالمنصوص أنه لا ينقض وضوءه.
وقال في البويطي: ينتقض، وهو اختيار المزني. انتهى.
وتعقُّب: بأن لفظ البويطي ليس صريحاً في ذلك. فإنه قال: ومن نام جالساً أو قائماً فرأى رؤيا وجب عليه الوضوء.
قال النووي: هذا قابل للتأويل. انتهى
وقد صحَّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وسعيد بن المسيب ,
стр. 443
أنَّ النوم لا ينقض مطلقاً. وفي صحيح مسلم وأبي داود: وكان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون الصلاة مع النبي ﷺ , فينامون ثم يصلون ولا يتوضئون. فحُمل على أنَّ ذلك كان وهم قعود. لكن في مسند البزار بإسناد صحيح في هذا الحديث " فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة ". (١)
стр. 444
قوله: (لأمرتهم بهذه الصّلاة هذه السّاعة) أخرج مسلمٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أوّل الأوقات وآخرها. وفيه " فإذا صلَّيتم العشاء , فإنّه وقّت إلى نصف الليل ".
قال النّوويّ: معناه وقّت لأدائها اختياراً، وأمّا وقت الجواز فيمتدّ إلى طلوع الفجر، لحديث أبي قتادة عند مسلم " إنّما التّفريط على من لَم يصلِّ الصّلاة حتّى يجيء وقت الصّلاة الأخرى ".
وقال الإصطخريّ: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاءً.
قال: ودليل الجمهور حديث أبي قتادة المذكور.
قلت: وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصّبح، وعلى قول الشّافعيّ الجديد في المغرب , فللإصطخريّ أن يقول إنّه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء. والله أعلم.
وأحاديث التّأخير والتّوقيت لَمّا جاءت مرّةً مقيّدةً بالثّلث وأخرى بالنّصف كان النّصف غاية التّأخير، ولَم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثاً صريحاً يثبت.
стр. 445
الحديث الثامن
٥٧ - عن عائشة ﵂ , أنّ النّبيّ ﷺ قال: إذا أقيمت الصّلاة , وحضر العشاء , فابدءوا بالعشاء. (١)
الحديث التاسع
٥٨ - ولمسلمٍ عن عائشة ﵂ , قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة طعامٍ , ولا وهو يدافعه الأخبثان. (٢)
وعن ابن عمر نحوه. (٣)
قوله: (إذا أقيمت الصّلاة) قال ابن دقيق العيد: الألف واللام في " الصّلاة " لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهيّة، بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله " فابدءوا بالعشاء ".
ويترجّح حمله على المغرب , لقوله في الرّواية الأخرى " فابدءوا به قبل أن تصلّوا المغرب " (٤) والحديث يفسّر بعضه بعضاً، وفي رواية
стр. 446
صحيحة " إذا وضع العشاء وأحدكم صائم " انتهى.
وقال الفاكهانيّ: ينبغي حمله على العموم نظراً إلى العلة وهي التّشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذِكر المغرب لا يقتضي حصراً فيها لأنّ الجائع غير الصّائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصّائم. انتهى.
وحملُه على العموم إنّما هو بالنّطر إلى المعنى إلحاقاً للجائع بالصّائم وللغداء بالعشاء , لا بالنّظر إلى اللفظ الوارد.
قوله: (وحضر العشاء) كذا رواه سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة. أخرجه البخاري , وقال بعده: قال يحيى بن سعيد ووهيبٌ عن هشيمٍ: إذا وضع.
وقد أخرجه السّرّاج من طريق يحيى بن سعيد الأمويّ عن هشام بن عروة أيضاً , لكنّ لفظه " إذا حضر ". ورواية وهيب وصلها الإسماعيليّ، ورواية يحيى بن سعيد. وصلها البخاري , وأخرجه مسلم من رواية ابن نمير وحفص ووكيع بلفظ " إذا حضر " ووافق كلاً جماعةٌ من الرّواة عن هشام، لكنّ الذين رووه بلفظ " إذا وضع " كما قال الإسماعيليّ أكثر.
والفرق بين اللفظين. أنّ الحضور أعمّ من الوضع، فيحمل قوله " حضر " أي: بين يديه لتأتلف الرّوايات لاتّحاد المخرج، ويؤيّده
стр. 447
حديث أنس في البخاري بلفظ " إذا قدّم العشاء " ولمسلمٍ " إذا قرّب العشاء " وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء , لكنّه لَم يقرّب للأكل كما لو لَم يقرّب.
قوله: (فابدءوا بالعشاء) حمل الجمهور هذا الأمر على النّدب.
ثمّ اختلفوا:
فمنهم: من قيّده بمن كان محتاجاً إلى الأكل , وهو المشهور عند الشّافعيّة، وزاد الغزاليّ: ما إذا خشي فساد المأكول.
ومنهم: من لَم يقيّده , وهو قول الثّوريّ وأحمد وإسحاق، وعليه يدلّ فعل ابن عمر الآتي.
وأفرط ابن حزمٍ. فقال: تبطل الصّلاة.
ومنهم: من اختار البداءة بالصّلاة إلاَّ إن كان الطّعام خفيفاً , نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل. قالوا: يبدأ بالصّلاة إن لَم يكن متعلق النّفس بالأكل، أو كان متعلقاً به , لكن لا يعجله عن صلاته، فإن كان يعجله عن صلاته بدأ بالطّعام واستحبّت له الإعادة.
قوله: (وعن ابن عمر نحوه.) ولفظه عندهما مرفوعاً " إذا وضع عشاء أحدكم , وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء , ولا يعجل حتى يفرغ منه " , زاد البخاري: وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام.
وقوله: " إذا وضع عشاء أحدكم " هذا أخصّ من الرّواية الماضية
стр. 448
حيث قال " إذا وضع العشاء " فيُحمل العَشاء في تلك الرّواية على عشاء من يريد الصّلاة، فلو وضع عشاء غيره لَم يدخل في ذلك.
ويحتمل: أن يقال بالنّظر إلى المعنى: لو كان جائعاً واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولاً يزيل شغل باله ليدخل في الصّلاة وقلبه فارغٌ.
ويؤيّد هذا الاحتمال. عموم قوله في رواية مسلم من طريق أخرى عن عائشة: لا صلاة بحضرة طعامٍ. الحديث، وقول أبي الدّرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ. (١)
قوله: (ولا يعجل) أي: أحدكم المذكور أوّلاً.
وقال الطّيبيّ: أفرد قوله " يعجل " نظراً إلى لفظ أحدٍ، وجمع قوله " فابدءوا " نظراً إلى لفظ كم، وقال: والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدءوا أنتم بالعشاء , ولا يعجل هو حتّى يفرغ معكم منه. انتهى.
قوله: (وكان ابن عمر) هو موصول عطفاً على المرفوع، وقد رواه السّرّاج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع , فذكر المرفوع , ثمّ قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه وسمع الإقامة وقراءة الإمام لَم يقم حتّى يفرغ.
ورواه ابن حبّان من طريق ابن جريجٍ عن نافع , أنّ ابن عمر كان
стр. 449
يُصلِّي المغرب إذا غابت الشّمس , وكان أحياناً يلقاه وهو صائم , فيقدّم له عشاؤه , وقد نودي للصّلاة , ثمّ تقام وهو يسمع فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتّى يقضي عشاءه، ثمّ يخرج فيصلي " انتهى.
وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك.
قوله: (وإنّه يسمع) في رواية الكشميهنيّ " وإنّه ليسمع " بزيادة لام التّأكيد في أوّله.
قال النّوويّ: في هذه الأحاديث كراهة الصّلاة بحضرة الطّعام الذي يريد أكله، لِمَا فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه ممّا يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعةٌ، فإن ضاق صلَّى على حاله محافظةً على حرمة الوقت ولا يجوز التّأخير، وحكى المتولي وجهاً أنّه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت، لأنّ مقصود الصّلاة الخشوع فلا يفوته. انتهى.
وهذا إنّما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثمّ فيه نظرٌ , لأنّ المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفّهما، وخروج الوقت أشدّ من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلَّى لمحافظة الوقت صحّت مع الكراهة , وتستحبّ الإعادة عند الجمهور.
وادّعى ابن حزمٍ: أنّ في الحديث دلالةً على امتداد الوقت في حقّ من وضع له الطّعام ولو خرج الوقت المحدود، وقال مثل ذلك في حقّ النّائم والنّاسي.
стр. 450
واستدل النّوويّ وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب.
واعترضه ابن دقيق العيد: بأنّه إن أريد بذلك التّوسعة إلى غروب الشّفق ففيه نظرٌ، وإن أريد به مطلق التّوسعة فمسلمٌ , ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإنّ بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدّراً بزمنٍ يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيماتٍ يكسر بها سَورة الجوع.
واستدل به القرطبيّ , على أنّ شهود صلاة الجماعة ليس بواجبٍ، لأنّ ظاهره أنّه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصّلاة في الجماعة.
وفيه نظرٌ , لأنّ بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبّان جعل حضور الطّعام عذراً في ترك الجماعة , فلا دليل فيه حينئذٍ على إسقاط الوجوب مطلقاً.
وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصّلاة على فضيلة أوّل الوقت.
واستدل بعض الشّافعيّة والحنابلة بقوله " فابدءوا " على تخصيص ذلك بمن لَم يشرع في الأكل، وأمّا من شرع ثمّ أقيمت الصّلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصّلاة.
قال النّوويّ: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك، وهو الصّواب.
وتعقّب: بأنّ صنيع ابن عمر اختيار له , وإلا فالنّظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه، لأنّه يكون قد أخذ من الطّعام ما دفع شغل البال به.
ويؤيّد ذلك حديث عمرو بن أُميَّة قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل
стр. 451
ذراعاً يحتز منها، فدعي إلى الصلاة، فقام، فطرح السكين، فصلَّى ولَم يتوضأ. (١)
وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة وابن عبّاس , أنّهما كانا يأكلان طعاماً - وفي التّنّور شواءٌ - فأراد المؤذّن أن يقيم , فقال له ابن عبّاس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيءٌ. وفي رواية ابن أبي شيبة " لئلا يعرض لنا في صلاتنا ".
وله عن الحسن بن عليّ قال: العشاء قبل الصّلاة يذهب النّفس اللوّامة.
وفي هذا كلّه إشارة إلى أنّ العلة في ذلك تشوّف النّفس إلى الطّعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجوداً وعدماً ولا يتقيّد بكلٍّ ولا بعضٍ.
ويستثنى من ذلك الصّائم فلا تكره صلاته بحضرة الطّعام، إذ الممتنع بالشّرع لا يشغل العاقل نفسه به، لكن إذا غلب استحبّ له التّحوّل من ذلك المكان.
فائدتان:
الأولى: قال ابن الجوزيّ: ظنّ قومٌ أنّ هذا من باب تقديم حقّ العبد على حقّ الله، وليس كذلك، وإنّما هو صيانةً لحقّ الحقّ ليدخل الخلق في عبادته بقلوبٍ مقبلةٍ. ثمّ إنّ طعام القوم كان شيئاً يسيراً لا
стр. 452
يقطع عن لحاق الجماعة غالباً.
الثّانية: ما يقع في بعض كتب الفقه " إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء " لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كذا في شرح التّرمذيّ لشيخنا أبي الفضل.
لكن رأيت بخطّ الحافظ قطب الدّين , أنّ ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل - وهو ابن عليّة - عن ابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن رافع عن أمّ سلمة مرفوعاً " إذا حضر العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء ".
فإن كان ضبطه فذاك، وإلاَّ فقد رواه أحمد في " مسنده " عن إسماعيل بلفظ " وحضرت الصّلاة " ثمّ راجعت مصنّف ابن أبي شيبة فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد، والله أعلم.
تكميلٌ: روى البيهقيّ بإسنادٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ قال: كان ابن الزّبير إذا قام في الصّلاة كأنّه عودٌ , وحدّث أنّ أبا بكر الصّدّيق كان كذلك. قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصّلاة.
والخشوع تارةً يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسّكون , وقيل: لا بدّ من اعتبارهما. حكاه الفخر الرّازيّ في " تفسيره ".
وقال غيره: هو معنىً يقوم بالنّفس يظهر عنه سكونٌ في الأطراف
стр. 453
يلائم مقصود العبادة. ويدلّ على أنّه من عمل القلب حديث (١) عليّ: الخشوع في القلب. أخرجه الحاكم. وأمّا حديث " لو خشع هذا خشعت جوارحه " (٢) ففيه إشارةٌ إلى أنّ الظّاهر عنوان الباطن.
واستدلّ بحديث أنس عند البخاري , أنَّ النّبىّ ﷺ قال: أقيموا الرّكوع والسّجود، فوالله إنّى لأراكم من بعدى , وربّما قال: من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم. على أنّ الخشوع لا يجب إذ لَم يأمرهم بالإعادة.
وفيه نظرٌ. نعم. في حديث أبي هريرة عند مسلم: صلَّى رسول الله ﷺ يومًا ثمّ انصرف , فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك. وله في روايةٍ أخرى " أتمّوا الرّكوع والسّجود " وفي أخرى " أقيموا الصّفوف " وفي أخرى " لا تسبقوني بالرّكوع ولا بالسّجود ".
وعند أحمد " صلَّى بنا الظّهر وفي مؤخّر الصّفوف رجلٌ فأساء
стр. 454
الصّلاة. وعنده من حديث أبي سعيد الخدريّ , أنّ بعض الصّحابة تعمّد المسابقة لينظر هل يعلم به رسول الله ﷺ أو لا؟ , فلمّا قضى الصّلاة نهاه عن ذلك.
واختلاف هذه الأسباب يدلّ على أنّ جميع ذلك صدر من جماعةٍ في صلاةٍ واحدةٍ أو في صلوات.
وقد حكى النّوويّ الإجماع على أنّ الخشوع ليس بواجب.
ولا يرِدُ عليه قول القاضي حسين: إنّ مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حدٍّ يذهب معه الخشوع أبطلت الصّلاة، وقاله أيضًا أبو زيد المروزيّ، لجواز أن يكون بعد الإجماع السّابق , أو المراد بالإجماع أنّه لَم يصرّح أحدٌ بوجوبه، وكلاهما في أمرٍ يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع.
وفيه تعقّبٌ على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنّهما قالا: إنّ الخشوع شرط في صحّة الصّلاة، وقد حكاه المحبّ الطّبريّ , وقال: هو محمولٌ على أن يحصل في الصّلاة في الجملة لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضًا.
وأمّا قول ابن بطّالٍ: فإن قال قائل فإنّ الخشوع فرضٌ في الصّلاة، قيل له بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيّته يريد بذلك وجه الله ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر.
فحاصل كلامه: أنّ القدر المذكور هو الّذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا.
стр. 455
وأنكر ابن المنير إطلاق الفرضيّة. وقال: الصّواب أنّ عدم الخشوع تابعٌ لِمَا يظهر عنه من الآثار وهو أمرٌ متفاوتٌ، فإن أثّر نقصًا في الواجبات كان حرامًا , وكان الخشوع واجبًا , وإلِّا فلا.
قوله: (ولمسلم عن عائشة .... لا صلاة بحضرة طعام) تقدمت مباحثه في الحديث قبله
وقوله: (ولا وهو يدافعه الأخبثان) (١)
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 458
الحديث العاشر
٥٩ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ قال: شهد عندي رجالٌ مرضيّون وأرضاهم عندي عمر , أنّ النّبيّ ﷺ : نهى عن الصّلاة بعد الصّبح حتّى تطلع الشّمس , وبعد العصر حتّى تغرب. (١)
الحديث الحادي عشر
٦٠ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: لا صلاة بعد الصّبح حتّى ترتفع الشّمس , ولا صلاة بعد العصر حتّى تغيب الشّمس (٢)
قال المصنف: وفي الباب عن عليّ بن أبي طالبٍ، وعبد الله بن مسعودٍ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابتٍ ومعاذ بن جبلٍ، ومعاذ بن عفراء، وكعب بن مرّة، وأبي أُمامة الباهليّ، وعمرو بن عبسة السلميّ، وعائشة ﵃، والصّنابحيّ، ولَم يسمع من النبيّ ﷺ .
стр. 459
قوله: (عن عبد الله بن عبّاسٍ) تقدمت ترجمته. (١)
قوله: (شهد عندي) أي: أعلمني أو أخبرني، ولَم يرد شهادة الحكم.
قوله: (مرضيّون) أي: لا شكّ في صدقهم ودينهم، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زريعٍ عن هشامٍ عن قتادة " شهد عندي رجال مرضيّون فيهم عمر " , وله من رواية شعبة عن قتادة " حدّثني رجال أحبّهم إليّ عمر ".
وللبخاري عن مسدد عن يحيى عن شعبة " حدثني ناس بهذا " أي: بهذا الحديث بمعناه، فإنّ مسدّداً رواه في " مسنده ". ومن طريقه البيهقيّ. ولفظه " حدّثني ناس أعجبهم إليّ عمر. وقال فيه " حتّى تطلع الشّمس ".
ووقع في التّرمذيّ عنه: سمعت غير واحد من أصحاب النّبيّ ﷺ منهم عمر، وكان من أحبّهم إليّ. (٢)
قوله: (بعد الصّبح) أي: بعد صلاة الصّبح لأنّه لا جائز أن يكون الحكم فيه مُعلَّقاً بالوقت، إذ لا بدّ من أداء الصّبح، فتعيّن التّقدير المذكور.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدّمين وبعض الظّاهريّة من بعض الوجوه.
стр. 460
قوله: (حتّى تشرق) بضمّ أوّله من أشرق، يقال أشرقت الشّمس ارتفعت وأضاءت، ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي بعده بلفظ " حتّى ترتفع الشّمس ".
ويروى بفتح أوّله وضمّ ثالثه بوزن تَغْرُب. يقال: شرقت الشّمس. أي: طلعت، ويؤيّده رواية البيهقيّ من طريقٍ أخرى عن ابن عمر (١) - شيخ البخاريّ فيه - بلفظ " حتّى تشرق الشّمس أو تطلع " على الشّكّ.
وقد ذكرنا أنّ في رواية مسدّدٍ " حتّى تطلع الشّمس " بغير شكٍّ، وكذا هو في حديث أبي هريرة عند البخاري بلفظ " حتّى تطلع الشّمس " بالجزم.
ويُجمع بين الحديثين بأنّ المراد بالطّلوع طلوع مخصوص، أي: حتّى تطلع مرتفعة.
قال النّوويّ: أجمعت الأمّة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهيّ عنها، واتّفقوا على جواز الفرائض المؤدّاة فيها.
واختلفوا في النّوافل التي لها سبب كصلاة تحيّة المسجد وسجود التّلاوة والشّكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة.
القول الأول: ذهب الشّافعيّ وطائفة إلى جواز ذلك كلّه بلا