← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 458

الحديث العاشر ٥٩ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ قال: شهد عندي رجالٌ مرضيّون وأرضاهم عندي عمر , أنّ النّبيّ ﷺ : نهى عن الصّلاة بعد الصّبح حتّى تطلع الشّمس , وبعد العصر حتّى تغرب. (١) الحديث الحادي عشر ٦٠ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: لا صلاة بعد الصّبح حتّى ترتفع الشّمس , ولا صلاة بعد العصر حتّى تغيب الشّمس (٢) قال المصنف: وفي الباب عن عليّ بن أبي طالبٍ، وعبد الله بن مسعودٍ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابتٍ ومعاذ بن جبلٍ، ومعاذ بن عفراء، وكعب بن مرّة، وأبي أُمامة الباهليّ، وعمرو بن عبسة السلميّ، وعائشة ﵃، والصّنابحيّ، ولَم يسمع من النبيّ ﷺ .

стр. 459

قوله: (عن عبد الله بن عبّاسٍ) تقدمت ترجمته. (١) قوله: (شهد عندي) أي: أعلمني أو أخبرني، ولَم يرد شهادة الحكم. قوله: (مرضيّون) أي: لا شكّ في صدقهم ودينهم، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زريعٍ عن هشامٍ عن قتادة " شهد عندي رجال مرضيّون فيهم عمر " , وله من رواية شعبة عن قتادة " حدّثني رجال أحبّهم إليّ عمر ". وللبخاري عن مسدد عن يحيى عن شعبة " حدثني ناس بهذا " أي: بهذا الحديث بمعناه، فإنّ مسدّداً رواه في " مسنده ". ومن طريقه البيهقيّ. ولفظه " حدّثني ناس أعجبهم إليّ عمر. وقال فيه " حتّى تطلع الشّمس ". ووقع في التّرمذيّ عنه: سمعت غير واحد من أصحاب النّبيّ ﷺ منهم عمر، وكان من أحبّهم إليّ. (٢) قوله: (بعد الصّبح) أي: بعد صلاة الصّبح لأنّه لا جائز أن يكون الحكم فيه مُعلَّقاً بالوقت، إذ لا بدّ من أداء الصّبح، فتعيّن التّقدير المذكور. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدّمين وبعض الظّاهريّة من بعض الوجوه.

стр. 460

قوله: (حتّى تشرق) بضمّ أوّله من أشرق، يقال أشرقت الشّمس ارتفعت وأضاءت، ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي بعده بلفظ " حتّى ترتفع الشّمس ". ويروى بفتح أوّله وضمّ ثالثه بوزن تَغْرُب. يقال: شرقت الشّمس. أي: طلعت، ويؤيّده رواية البيهقيّ من طريقٍ أخرى عن ابن عمر (١) - شيخ البخاريّ فيه - بلفظ " حتّى تشرق الشّمس أو تطلع " على الشّكّ. وقد ذكرنا أنّ في رواية مسدّدٍ " حتّى تطلع الشّمس " بغير شكٍّ، وكذا هو في حديث أبي هريرة عند البخاري بلفظ " حتّى تطلع الشّمس " بالجزم. ويُجمع بين الحديثين بأنّ المراد بالطّلوع طلوع مخصوص، أي: حتّى تطلع مرتفعة. قال النّوويّ: أجمعت الأمّة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهيّ عنها، واتّفقوا على جواز الفرائض المؤدّاة فيها. واختلفوا في النّوافل التي لها سبب كصلاة تحيّة المسجد وسجود التّلاوة والشّكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة. القول الأول: ذهب الشّافعيّ وطائفة إلى جواز ذلك كلّه بلا

стр. 461

كراهة. القول الثاني: ذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أنّ ذلك داخل في عموم النّهي. واحتجّ الشّافعيّ بأنّه ﷺ قضى سنّة الظّهر بعد العصر. (١) وهو صريح في قضاء السّنّة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضيّة أولى، ويلتحق ما له سبب. انتهى قلت: وما نقله من الإجماع والاتّفاق متعقّبٌ. فقد حكى غيره عن طائفة من السّلف الإباحة مطلقاً , وأنّ أحاديث النّهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظّاهر، وبذلك جزم ابن حزمٍ. وعن طائفة أخرى المنع مطلقاً في جميع الصّلوات، وصحّ عن أبي بكرة وكعب بن عُجْرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات. وما ادّعاه ابن حزمٍ وغيره من النّسخ مستنداً إلى حديث " من أدرك من الصّبح ركعة قبل أن تطلع الشّمس فليصل إليها أخرى " فدلَّ على إباحة الصّلاة في الأوقات المنهيّة. انتهى. وقال غيرهم: ادّعاء التّخصيص أولى من ادّعاء النّسخ. فيُحمل النّهي على ما لا سبب له، ويخصّ منه ما له سبب جمعاً بين الأدلة (٢)،

стр. 462

والله أعلم. وقال البيضاويّ (١): اختلفوا في جواز الصّلاة بعد الصّبح والعصر وعند الطّلوع والغروب وعند الاستواء، فذهب داود إلى الجواز مطلقاً , وكأنّه حمل النّهي على التّنزيه. قلت: بل المحكيّ عنه أنّه ادّعى النّسخ كما تقدّم. قال (٢): وقال الشّافعيّ: تجوز الفرائض وما له سبب من النّوافل. وقال أبو حنيفة: يحرم الجميع سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضاً. وقال مالك: تحرم النّوافل دون الفرائض، ووافقه أحمد، لكنّه استثنى ركعتي الطّواف. وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في الأوقات المكروهة. وهو مُتعقّب. فروى سعيد بن منصور من طريق أيّوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عن الجنازة بعد صلاة الصّبح وبعد صلاة العصر يقول: ما صلّيتا لوقتهما " وما في قوله " ما صلّيتا " ظرفيّة. يدلّ عليه رواية مالك عن نافع قال: كان ابن عمر يُصلِّي على الجنازة بعد الصّبح والعصر إذا صلّيتا لوقتهما. ومقتضاه أنّهما إذا أخّرتا إلى وقت الكراهة عنده لا يُصلَّى عليها حينئذٍ.

стр. 463

ويبيّن ذلك ما رواه مالك أيضاً عن محمّد بن أبي حرملة , أنّ ابن عمر قال وقد أتي بجنازةٍ بعد صلاة الصّبح بغلسٍ: إمّا أن تصلّوا عليها , وإمّا أن تتركوها حتّى ترتفع الشّمس. فكأنّ ابن عمر يرى اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشّمس وعند غروبها لا مطلق ما بين الصّلاة وطلوع الشّمس أو غروبها. وروى ابن أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال: كان ابن عمر يكره الصّلاة على الجنازة إذا طلعت الشّمس وحين تغرب. وإلى قول ابن عمر في ذلك , ذهب مالك والأوزاعيّ والكوفيّون وأحمد وإسحاق. تنبيهٌ: لَم يقع لنا تسمية الرّجال المرضيّين الذين حدّثوا ابن عبّاس بهذا الحديث، وبلغني أنّ بعض من تكلم على العمدة تجاسر , وزعم أنّهم المذكورون فيها عند قول مصنّفها: وفي الباب عن فلان وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأً بيّناً. فلا حول ولا قوّة إلاَّ بالله. قوله في الحديث الثاني: (عن أبي سعيد الْخُدري) هو سعد بن مالك بن سنان. (١)

стр. 464

قوله: (لا صلاة) قال ابن دقيق العيد: صيغة النّفي في ألفاظ الشّارع. إذا دخلتْ على فعلٍ كان الأولى حملها على نفي الفعل الشّرعيّ لا الحسّيّ، لأنّا لو حملناه على نفي الفعل الحسّيّ لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدمه. وإذا حملناه على الشّرعيّ لَم نحتج إلى إضمار، فهذا وجه الأولويّة. وعلى هذا فهو نفيٌ بمعنى النّهي، والتّقدير لا تصلّوا. وحكى أبو الفتح اليعمريّ عن جماعة من السّلف أنّهم قالوا: إنّ النّهي عن الصّلاة بعد الصّبح وبعد العصر إنّما هو إعلام بأنّهما لا يتطوّع بعدهما، ولَم يقصد الوقت بالنّهي كما قصد به وقت الطّلوع ووقت الغروب. ويؤيّد ذلك ما رواه أبو داود والنّسائيّ بإسنادٍ حسن عن النّبيّ ﷺ قال: لا تصلّوا بعد الصّبح ولا بعد العصر، إلاَّ أن تكون الشّمس نقيّةً. وفي رواية: مرتفعة. فدلَّ على أنّ المراد بالبعديّة ليس على عمومه، وإنّما المراد وقت الطّلوع ووقت الغروب ما قاربهما. والله أعلم

стр. 465

قوله: (لا صلاة بعد الصّبح) أي: بعد صلاة الصّبح، وصرّح به مسلمٌ من هذا الوجه في الموضعين تكميلٌ: أخرج الشيخان عن ابن عمر , أنَّ النبي ﷺ قال: لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها. اختلف أهل العلم في المراد بذلك. القول الأول: منهم من جعله تفسيراً للحديث السّابق ومبيّناً للمراد به. فقال: لا تُكره الصّلاة بعد الصّبح ولا بعد العصر إلاَّ لمن قصد بصلاته طلوع الشّمس وغروبها، وإلى ذلك جنح بعض أهل الظّاهر , وقوّاه ابن المنذر , واحتجّ له. وقد روى مسلم من طريق طاوسٍ عن عائشة قالت: وهِمَ عمر، إنّما نهى رسول الله ﷺ أنّ يتحرّى طلوع الشّمس وغروبها. وأخرج البخاري من قول ابن عمر أيضاً ما يدلّ على ذلك. قال: أصلّى كما رأيت أصحابى يصلّون، لا أنهى أحدًا يُصلِّي بليلٍ ولا نهارٍ ما شاء، غير أن لا تحرّوا طلوع الشّمس ولا غروبها. وربّما قوّى ذلك بعضهم بحديث " من أدرك ركعة من الصّبح قبل أن تطلع الشّمس فليضف إليها الأخرى " (١) فأمر بالصّلاة حينئذٍ،

стр. 466

فدلَّ على أنّ الكراهة مختصّة بمن قصد الصّلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتّفاقاً. القول الثاني: منهم من جعله نهياً مستقلاً، وكره الصّلاة في تلك الأوقات سواء قصد لها أم لَم يقصد، وهو قول الأكثر. قال البيهقيّ: إنّما قالت ذلك عائشة لأنّها رأت النّبيّ ﷺ يُصلِّي بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك لا على الإطلاق. وقد أجيب عن هذا: بأنّه ﷺ إنّما صلَّى حينئذٍ قضاء، وأمّا النّهي فهو ثابت من طريق جماعة من الصّحابة غير عمر ﵁ فلا اختصاص له بالوهم. والله أعلم فوائد: الفائدة الأولى: مُحصّل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تُكره فيها الصّلاة , أنّها خمسة: الأول: عند طلوع الشّمس. الثاني: عند غروبها، الثالث: بعد صلاة الصّبح، الرابع: بعد صلاة العصر، الخامس: عند الاستواء. وترجع بالتّحقيق إلى ثلاثة: من بعد صلاة الصّبح إلى أن ترتفع الشّمس، فيدخل فيه الصّلاة عند طلوع الشّمس، وكذا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشّمس. ولا يعكّر على ذلك أنّ من لَم يصلِّ الصّبح مثلاً حتّى بزغت الشّمس يكره له التّنفّل حينئذٍ , لأنّ الكلام إنّما هو جارٍ على الغالب المعتاد، وأمّا هذه الصّورة النّادرة فليست مقصودة.

стр. 467

وفي الجملة عدّها أربعةً أجودُ. وبقي خامس. وهو الصّلاة وقت استواء الشّمس , وكأنّه لَم يصحّ عند البخاري على شرطه فترجم على نفيه (١)، وفيه أربعة أحاديث: حديث عقبة بن عامر. وهو عند مسلم , ولفظه " وحين يقوم قائم الظّهيرة حتّى ترتفع "، وحديث عمرو بن عبسة. وهو عند مسلم أيضاً. ولفظه " حتّى يستقل الظّلّ بالرّمح، فإذا أقبل الفيء فصلِّ ". وفي لفظ لأبي داود " حتّى يعدل الرّمح ظلّه "، وحديث أبي هريرة. وهو عند ابن ماجه والبيهقيّ. ولفظه " حتّى تستوي الشّمس على رأسك كالرّمح، فإذا زالت فصلِّ ". وحديث الصّنابحيّ. وهو في الموطّأ. ولفظه " ثمّ إذا استوت قارَنَها، فإذا زالت فارَقَها " وفي آخره " ونهى رسول الله ﷺ عن الصّلاة في تلك السّاعات " وهو حديث مرسلٌ مع قوّة رجاله. وفي الباب أحاديث أخر ضعيفةٌ. وبقضيّة هذه الزّيادة قال عمر بن الخطّاب. فنهى عن الصّلاة نصف النّهار. وعن ابن مسعود قال: كنّا ننهى عن ذلك " وعن أبي سعيد المقبريّ , قال: أدركت النّاس وهم يتّقون ذلك " وهو مذهب الأئمّة الثّلاثة والجمهور. وخالف مالك. فقال: ما أدركت أهل الفضل إلاَّ وهم يجتهدون

стр. 468

ويصلّون نصف النّهار. وقال ابن عبد البرّ: وقد روى مالك حديث الصّنابحيّ، فإمّا أنّه لَم يصحّ عنده , وإمّا أنّه ردّه بالعمل الذي ذكره. انتهى. وقد استثنى الشّافعيّ ومن وافقه مِن ذلك يوم الجمعة. وحجّتهم: أنّه ﷺ ندب النّاس إلى التّبكير يوم الجمعة ورغّب في الصّلاة إلى خروج الإمام، وجعل الغايةَ خروج الإمام، وهو لا يخرج إلاَّ بعد الزّوال، فدلَّ على عدم الكراهة. وجاء فيه حديثٌ عن أبي قتادة مرفوعاً " أنّه ﷺ كره الصّلاة نصف النّهار إلاَّ يوم الجمعة " (١) في إسناده انقطاع. وقد ذكر له البيهقيّ شواهد ضعيفة إذا ضُمّت قوي الخبر. والله أعلم. الفائدة الثانية. فرّق بعضهم بين حكمة النّهي عن الصّلاة بعد صلاة الصّبح والعصر، وعن الصّلاة عند طلوع الشّمس وعند غروبها. فقال: يُكره في الحالتين الأوليين، ويحرم في الحالتين الأخريين. وممّن قال بذلك محمّد بن سيرين ومحمّد بن جرير الطّبريّ.

стр. 469

واحتجّ بما يثبت عنه ﷺ أنّه صلَّى بعد العصر، (١) فدلَّ على أنّه لا يحرم، وكأنّه يَحمل فعله على بيان الجواز. وأجاب عنه من أطلق الكراهة: بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأما مواظبته ﷺ على ذلك فهو من خصائصه. والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أنه ﷺ , كان يُصلِّي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال " رواه أبو داود. ورواية أبي سلمة , أنّه سأل عائشة عن السّجدتين اللّتين كان رسول الله ﷺ يصلّيهما بعد العصر , فقالت: كان يصلّيهما قبل العصر , ثمّ إنّه شُغل عنهما أو نسيهما فصلاّهما بعد العصر ثمّ أثبتهما , وكان إذا صلَّى صلاةً أثبتها " رواه مسلم قال البيهقي: الذي اختصّ به ﷺ المداومة على ذلك لا أصل القضاء، وأما ما روى عن ذكوان عن أم سلمة قالت: صلَّى رسول الله ﷺ العصر ثم دخل بيتي فصلَّى ركعتين , فقلت: يا رسولَ الله. صليت صلاة لَم يكن تصليها , قال: قدم على مال فشغلنى عن ركعتين كنت أصليهما بعد الظهر فصليتهما الآن , قلت: يا رسولَ الله. أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: لا. (٢) فهي رواية ضعيفة لا تقوم بها

стр. 470

حجة. قلت: أخرجها الطحاوي , واحتج بها على أنَّ ذلك كان من خصائصه ﷺ . وفيه ما فيه. وروي عن ابن عمر تحريم الصّلاة بعد الصّبح حتّى تطلع الشّمس، وإباحتها بعد العصر حتّى تصفرّ، وبه قال ابن حزمٍ. واحتجّ بحديث عليٍّ , أنّه ﷺ نهى عن الصّلاة بعد العصر إلاَّ والشّمس مرتفعة. ورواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ قويٍّ. والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع , فقيل: هي كراهة تحريم , وقيل: كراهة تنزيه، والله أعلم. الفائدة الثالثة: روى الترمذي من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما صلَّى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لَم يعد. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قلت: وهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صحَّ فهو شاهد لحديث أم سلمة. لكن ظاهر قوله " ثم لَم يعد " معارِضٌ لحديث عائشة في البخاري:

стр. 471

ما ترك النبى ﷺ السجدتين بعد العصر عندى قط. فيُحمل النفي على علم الراوي فإنه لَم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي. وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة عن أم سلمة , أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة. الحديث، وفي رواية له عنها " لَم أره يصلّيهما قبل ولا بعد ". فيجمع بين الحديثين بأنه ﷺ لَم يكن يصلّيهما إلاَّ في بيته، فلذلك لَم يره ابن عباس ولا أم سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في البخاري " وكان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته ". تنبيه: قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة إنّما هو بالنّسبة إلى الأوقات الأصليّة , وإلاّ فقد ذكروا أنّه يكره التّنفّل وقت إقامة الصّلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، وفي حالة الصّلاة المكتوبة جماعةً لمن لَم يصلها. وعند المالكيّة. كراهة التّنفّل بعد الجمعة حتّى ينصرف النّاس. وعند الحنفيّة. كراهة التّنفّل قبل صلاة المغرب، وأخرج البخاري ثبوت الأمر به (١).

стр. 472

الحديث الثاني عشر ٦١ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ جاء يوم الْخندق بعد ما غربتِ الشّمس فجعل يسُبُّ كفّار قريشٍ , وقال: يا رسولَ الله , ما كدتُ أُصلي العصر حتّى كادتِ الشّمسُ تغرب. فقال النّبيّ ﷺ : واللهِ ما صلَّيتها. قال: فقمنا إلى بُطحان , فتوضّأ للصّلاة , وتوضّأنا لها , فصلَّى العصر بعد ما غربتِ الشّمس. ثمّ صلَّى بعدها المغرب. (١) قوله: (أنّ عمر بن الخطّاب) اتّفق الرّواة على أنّ هذا الحديث من رواية جابر عن النّبيّ ﷺ إلاَّ حجّاج بن نصيرٍ , فإنّه رواه عن عليّ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة. فقال فيه: عن جابر عن عمر. فجعله من مسند عمر، تفرّد بذلك حجّاجٌ. وهو ضعيفٌ. قوله: (يوم الخندق) تقدم الكلام عليه (٢) قوله: (بعدما غربت الشّمس) في رواية شيبان عن يحيى عند البخاري " وذلك بعدما أفطر الصّائم " والمعنى واحدٌ. قوله: (يسبّ كفّار قريشٍ) لأنّهم كانوا السّبب في تأخيرهم الصّلاة عن وقتها، إمّا المختار كما وقع لعمر، وإمّا مطلقاً كما وقع لغيره.

стр. 473

قوله: (ما كدت) قال اليعمريّ (١): لفظة " كاد " من أفعال المقاربة، فإذا قلت كاد زيدٌ يقوم. فُهم منها أنّه قارب القيام ولَم يقم. قال: والرّاجح فيها أن لا تقرن بأن، بخلاف عسى. فإنّ الرّاجح فيها أن تقرن. قال: وقد وقع في مسلم في هذا الحديث " حتّى كادت الشّمس أن تغرب. قلت: وفي البخاريّ أيضاً وهو من تصرّف الرّواة، وهل تسوغ الرّواية بالمعنى في مثل هذا أو لا.؟ الظّاهر الجواز، لأنّ المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر. هل تكلم بالرّاجحة أو المرجوحة. قال: وإذا تقرّر أنّ معنى " كاد " المقاربة فقول عمر " ما كدت أصلي العصر حتّى كادت الشّمس تغرب " معناه: أنّه صلَّى العصر قرب غروب الشّمس، لأنّ نفي الصّلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصّلاة ولَم يثبت الغروب. انتهى. وقال الكرمانيّ: لا يلزم من هذا السّياق وقوع الصّلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصّلاة لأنّه يقتضي أنّ كيدودته كانت كيدودتها، قال: وحاصله عرفاً ما صليت حتّى غربت الشّمس. انتهى.

стр. 474

ولا يخفى ما بين التّقريرين من الفرق، وما ادّعاه من العرف ممنوع وكذا العنديّة، للفرق الذي أوضحه اليعمريّ من الإثبات والنّفي , لأنّ كاد إذا أثبتت نفتْ , وإذا نفت أثبتتْ. كما قال فيها المعرِّي ملغزاً: إذا نفيت والله أعلم أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كيدودةٍ من الثّقل , والله الهادي إلى الصّواب. فإن قيل: الظّاهر أنّ عمر كان مع النّبيّ ﷺ . فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشّمس بخلاف بقيّة الصّحابة، والنّبيّ ﷺ معهم؟. فالجواب: أنّه يحتمل أن يكون الشّغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشّمس، وكان عمر حينئذٍ متوضّئاً فبادر فأوقع الصّلاة، ثمّ جاء إلى النّبيّ ﷺ فأعلمه بذلك في الحال التي كان النّبيّ ﷺ فيها قد شرع يتهيّأ للصّلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء. وقد اختلف في سبب تأخير النّبيّ ﷺ الصّلاة ذلك اليوم. فقيل: كان ذلك نسياناً، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع. ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة , أنّ رسول الله ﷺ صلَّى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلم , قال: هل علِمَ رجلٌ منكم أنّي صليت العصر؟ قالوا: لا يا رسولَ الله، فصلَّى العصر ثمّ صلَّى المغرب. وفي صحّة هذا الحديث نظرٌ، لأنّه مخالف لِمَا في الصّحيحين من

стр. 475

قوله ﷺ لعمر " والله ما صليتها " ويمكن الجمع بينهما بتكلّفٍ. وقيل: كان عمداً لكونهم شغلوه فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لا سيّما وقد وقع عند أحمد والنّسائيّ من حديث أبي سعيد , أنّ ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف (فرجالاً أو ركباناً). وادعى بعضهم أنّ تأخيره ﷺ للصّلاة يوم الخندق دالٌّ على نسخ صلاة الخوف. قال ابن القصّار: وهو قول من لا يعرف السّنن، لأنّ صلاة الخوف أنزلت بعد الخندق , فكيف ينسخ الأوّل الآخر؟. فالله المستعان. قوله: (بطحان) بضمّ أوّله وسكون ثانيه: وادٍ بالمدينة. وقيل هو بفتح أوّله وكسر ثانيه. حكاه أبو عبيدٍ البكريّ. قوله: (فصلَّى العصر) وقع في الموطّأ من طريق أخرى. أنّ الذي فاتهم الظّهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد الذي أشرنا إليه. الظّهر والعصر والمغرب، وأنّهم صلَّوا بعد هوِيٍّ من الليل. وفي حديث ابن مسعود عند التّرمذيّ والنّسائيّ , أنّ المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتّى ذهب من الليل ما شاء الله. وفي قوله " أربع " تجوّزٌ. لأنّ العشاء لَم تكن فاتت. قال اليعمريّ: من النّاس من رجّح ما في الصّحيحين، وصرّح بذلك ابن العربيّ فقال: إنّ الصّحيح أنّ الصّلاة التي شغل عنها

стр. 476

واحدة وهي العصر. قلت: ويؤيّده حديث عليّ في مسلم " شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر ". قال: ومنهم من جمع بأنّ الخندق كانت وقعتُه أيّاماً فكان ذلك في أوقاتٍ مختلفة في تلك الأيّام، قال: وهذا أولى. قلت: ويقرّبه أنّ روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرّضٌ لقصّة عمر، بل فيهما أنّ قضاءه للصّلاة وقع بعد خروج وقت المغرب وأمّا رواية حديث الباب ففيها أنّ ذلك كان عقب غروب الشّمس. قال الكرمانيّ: فإن قلت. كيف دلَّ الحديث على الجماعة؟ (١). قلت: إمّا أنّه يحتمل أنّ في السّياق اختصاراً، وإمّا من إجراء الرّاوي الفائتة التي هي العصر , والحاضرة التي هي المغرب مجرىً واحداً. ولا شكّ أنّ المغرب كانت بالجماعة لِمَا هو معلوم من عادته. انتهى. وبالاحتمال الأوّل جزم ابن المنير زين الدّين , فقال: فإن قيل ليس فيه تصريحٌ بأنّه صلَّى في جماعة، أجيب: بأنّ مقصود التّرجمة مستفاد من قوله " فقام وقمنا وتوضّأ وتوضّأنا ". قلت: الاحتمال الأوّل هو الواقع في نفس الأمر، فقد وقع في رواية الإسماعيليّ ما يقتضي أنّه ﷺ صلَّى بهم , أخرجه من طريق يزيد

стр. 477

بن زريعٍ عن هشامٍ بلفظ " فصلَّى بنا العصر ". وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت. القول الأول: الأكثر على وجوبه مع الذّكر لا مع النّسيان. ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بوجوب ترتيب الفوائت إلاَّ إذا قلنا إنّ أفعال النّبيّ ﷺ المجرّدة للوجوب، اللهمّ إلاَّ أن يستدل له بعموم قوله " صلّوا كما رأيتموني أصلي " فيقوى، وقد اعتبر ذلك الشّافعيّة في أشياء غير هذه. القول الثاني: قال الشّافعيّ: لا يجب التّرتيب فيها. واختلفوا فيمن تذكّر فائتة في وقت حاضرة ضيّقٍ , هل يبدأ بالفائتة , وإن خرج وقت الحاضرة , أو يبدأ بالحاضرة، أو يتخيّر؟. فقال بالأوّل. مالكٌ، وقال بالثّاني. الشّافعيّ وأصحاب الرّأي وأكثر أصحاب الحديث، وقال بالثّالث. أشهب. وقال عياض: محلّ الخلاف إذا لَم تكثر الصّلوات الفوائت، فأمّا إذا كثرت فلا خلاف أنّه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حدّ القليل. فقيل: صلاة يوم، وقيل: أربع صلوات. وفيه جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتضت مصلحةٌ من زيادة طمأنينة أو نفي توهّمٍ. وفيه ما كان النّبيّ ﷺ عليه من مكارم الأخلاق وحسن التّأنّي مع أصحابه وتألّفهم , وما ينبغي الاقتداء به في ذلك.

стр. 478

وفيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة , وبه قال أكثر أهل العلم إلاَّ الليث مع أنّه أجاز صلاة الجمعة جماعةً إذا فاتت والإقامة للصّلاة الفائتة. واستدل به على عدم مشروعيّة الأذان للفائتة. وأجاب من اعتبره: بأنّ المغرب كانت حاضرة , ولَم يذكر الرّاوي الأذان لها، وقد عرف من عادته ﷺ الأذان للحاضرة، فدلَّ على أنّ الرّاوي ترك ذكر ذلك لا أنّه لَم يقع في نفس الأمر. وتعقّب: باحتمال أن تكون المغرب لَم يتهيّأ إيقاعها إلاَّ بعد خروج وقتها. على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه. وعكَسَ ذلك بعضهم , فاستدل بالحديث على أنّ وقت المغرب متّسعٌ، لأنّه قدّم العصر عليها , فلو كان ضيّقاً لبدأ بالمغرب , ولا سيّما على قول الشّافعيّ في قوله بتقدّم الحاضرة , وهو الذي قال بأنّ وقت المغرب ضيّقٌ فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر، وأمّا حديث أبي سعيد فلا يتأتّى فيه هذا لِمَا تقدّم أنّ فيه , أنّه ﷺ صلَّى بعد مضيّ هوىً من الليل. قال ابن بطّالٍ: فيه ردٌّ لقول إبراهيم النّخعيّ: يكره أن يقول الرّجل لَم نصل ويقول نُصلِّي. قلت: وكراهة النّخعيّ إنّما هي في حقّ منتظر الصّلاة، وقد صرّح ابن بطّالٍ بذلك، ومنتظر الصّلاة في صلاة كما ثبت بالنّصّ، فإطلاق المنتظر " ما صلينا " يقتضي نفي ما أثبته الشّارع فلذلك كرهه،

стр. 479

والإطلاق الذي في حديث الباب إنّما كان من ناسٍ لها أو مشتغلٍ عنها بالحرب كما تقدم تقريره , فافترق حكمهما وتغايرا. والذي يظهر لي أنّ البخاريّ (١) أراد أن ينبّه على أنّ الكراهة المحكيّة عن النّخعيّ ليست على إطلاقها لِمَا دلَّ عليه حديث الباب، ولو أراد الرّدّ على النّخعيّ مطلقاً لأفصح به كما أفصح بالرّدّ على ابن سيرين في ترجمة " قول الرجل فاتتنا الصّلاة ". ثمّ إنّ اللفظ الذي أورده البخاري وقع النّفي فيه من قول النّبيّ ﷺ لا من قول الرّجل، لكن في بعض طرقه وقوع ذلك من الرّجل أيضاً، وهو عمر كما أورده في " المغازي ". وهذه عادة معروفةٌ للبخاري يترجم ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يسوقه , ولو لَم يقع في الطّريق التي يوردها في تلك التّرجمة. ويدخل في هذا ما في الطّبرانيّ من حديث جندبٍ - في قصّة النّوم عن الصّلاة - " فقالوا: يا رسولَ الله سهونا فلم نصل حتّى طلعت الشّمس ".

стр. 480

باب فضل الجماعة ووجوبها الحديث الثالث عشر ٦٢ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: صلاة الْجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبعٍ وعشرين درجةً. (١) قوله: (صلاة الفذّ) بالمعجمة. أي: المنفرد، يقال: فذّ الرّجل من أصحابه إذا بقي منفرداً وحده. وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع , وسياقه أوضح. ولفظه " صلاة الرّجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده " قوله: (بسبعٍ وعشرين درجةً) قال التّرمذيّ: عامّة من رواه قالوا " خمساً وعشرين " إلاَّ ابن عمر فإنّه قال " سبعاً وعشرين ". قلت: لَم يُختلف عليه في ذلك إلاَّ ما وقع عند عبد الرّزّاق عن عبد الله العمريّ عن نافع. فقال فيه " خمس وعشرون " لكنّ العمريّ ضعيفٌ. ووقع عند أبي عوانة في " مستخرجه " من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنّه قال فيه " بخمسٍ وعشرين " وهي شاذّة مخالفة لرواية الحفّاظ من أصحاب عبيد الله , وأصحاب نافع.

стр. 481

وإن كان راويها ثقةً. وأمّا ما وقع عند مسلم من رواية الضّحّاك بن عثمان عن نافع بلفظ " بضعٍ وعشرين " فليست مغايرة لرواية الحفّاظ لصدق البضع على السّبع. وأمّا غير ابن عمر , فصحّ عن أبي سعيد عند البخاري , وأبي هريرة كما سيأتي (١)، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة، وعن أبيّ بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السّرّاج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذٍ وصهيبٍ وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت. وكلّها عند الطّبرانيّ. واتّفق الجميع على " سبع وعشرين ". سوى رواية أُبَيّ فقال " أربع أو خمس " على الشّكّ، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها " سبع وعشرون " وفي إسنادها شريكٌ القاضي وفي حفظه ضعفٌ. وفي رواية لأبي عوانة " بضعاً وعشرين " وليست مغايرة أيضاً لصدق البضع على الخمس، فرجعت الرّوايات كلّها إلى الخمس والسّبع إذ لا أثر للشّكّ. واختلف في أيّهما أرجح. فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السّبع لأنّ فيها زيادة من عدلٍ حافظٍ.

стр. 482

ووقع الاختلاف في موضعٍ آخر من الحديث , وهو مميّز العدد المذكور. ففي الرّوايات كلها التّعبير بقوله " درجةً " أو حذف المميّز، إلاَّ طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها " ضعفاً " وفي بعضها " جزءاً " وفي بعضها " درجةً " وفي بعضها " صلاةً " ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس. والظّاهر أنّ ذلك من تصرّف الرّواة، ويحتمل: أن يكون ذلك من التّفنّن في العبارة وأمّا قول ابن الأثير: إنّما قال درجةً ولَم يقل جزءاً ولا نصيباً ولا حظّاً ولا نحو ذلك , لأنّه أراد الثّواب من جهة العلوّ والارتفاع , فإنّ ذلك فوق هذه بكذا وكذا درجةً لأنّ الدّرجات إلى جهة فوق. فكأنّه بناه على أنّ الأصل لفظ درجةٍ وما عدا ذلك من تصرّف الرّواة، لكنّ نفيه ورود " الجزء " مردودٌ، فإنّه ثابت، وكذلك الضّعف. وقد جُمع بين روايتي الخمس والسّبع بوجوهٍ: الوجه الأول: أنّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشّافعيّ وحكي عن نصّه، وعلى هذا فقيل وهو. الوجه الثّاني: لعله ﷺ أخبر بالخمس، ثمّ أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بالسّبع.

стр. 483

وتعقّب: بأنّه يحتاج إلى التّاريخ، وبأنّ دخول النّسخ في الفضائل مختلفٌ فيه، لكن إذا فرّعنا على المنع تعيّن تقدّم الخمس على السّبع من جهة أنّ الفضل من الله يقبل الزّيادة لا النّقص. الوجه الثالث: أنّ اختلاف العددين باختلاف مميّزهما، وعلى هذا فقيل: الدّرجة أصغر من الجزء. وتعقّب: بأنّ الذي روي عنه الجزء روي عنه الدّرجة. وقال بعضهم: الجزء في الدّنيا والدّرجة في الآخرة، وهو مبنيٌّ على التّغاير. الوجه الرابع: الفرق بقرب المسجد وبعده. الوجه الخامس: الفرق بحال المُصلِّي كأن يكون أعلم أو أخشع. السادس: الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره. سابعها: الفرق بالمنتظر للصّلاة وغيره. ثامنها: الفرق بإدراك كلّها أو بعضها. تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم. عاشرها: السّبع مختصّةٌ بالفجر والعشاء , وقيل بالفجر والعصر والخمس بما عدا ذلك. حادي عشرها: السّبع مختصّةٌ بالجهريّة والخمس بالسّرّيّة. وهذا الوجه عندي أوجهها لِمَا سأبيّنه. ثمّ إنّ الحكمة في هذا العدد الخاصّ غير محقّقة المعنى. ونقل الطّيبيّ عن التوربشتي ما حاصله: إنّ ذلك لا يدرك بالرّأي، بل مرجعه إلى علم النّبوّة التي قصرت علوم الألبّاء عن إدراك

стр. 484

حقيقتها كلها. ثمّ قال: ولعلَّ الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفّين كصفوف الملائكة، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك. وكأنّه يشير إلى ما قدّمته عن غيره , وغفل عن مراد من زعم أنّ هذا الذي ذكره لا يفيد المطلوب. لكن أشار الكرمانيّ إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمساً فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها فصارت خمساً وعشرين. ثمّ ذكر للسّبع مناسبةً أيضاً من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها. وقال غيره: الحسنة بعشرٍ للمصلي منفرداً , فإذا انضمّ إليه آخر بلغت عشرين ثمّ زيد بقدر عدد الصّلوات الخمس، أو يزاد عدد أيّام الأسبوع، ولا يخفى فساد هذا. وقيل: الأعداد عشرات ومئون وألوفٌ وخير الأمور الوسط فاعتبرت المائة والعدد المذكور ربعها، وهذا أشدّ فساداً من الذي قبله. وقرأت بخطّ شيخنا البلقينيّ (١) فيما كتب على العمدة: ظهر لي في هذين العددين شيء لَم أُسبق إليه، لأنّ لفظ ابن عمر " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ " ومعناه الصّلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة " صلاة الرّجل في الجماعة " وعلى هذا فكلّ واحد من

стр. 485

المحكوم له بذلك صلَّى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقّق فيها ذلك ثلاثة حتّى يكون كلّ واحد صلَّى في جماعة , وكلّ واحد منهم أتى بحسنةٍ وهي بعشرةٍ , فيحصل من مجموعه ثلاثون , فاقتصر في الحديث على الفضل الزّائد - وهو سبعةٌ وعشرون - دون الثّلاثة التي هي أصل ذلك. انتهى. وظهر لي في الجمع بين العددين أنّ أقل الجماعة إمامٌ ومأمومٌ، فلولا الإمام ما سُمِّي المأموم وكذا عكسه، فإذا تفضّل الله على من صلَّى جماعةً بزيادة خمسٍ وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزّائد، والخبر الوارد بلفظ سبع وعشرين على الأصل والفضل. وقد خاض قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدّرجات المذكورة. قال ابن الجوزيّ: وما جاءوا بطائلٍ. وقال المحبّ الطّبريّ: ذكر بعضهم أنّ في حديث أبي هريرة (١) إشارة إلى بعض ذلك، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك. وقد فصّلها ابن بطّالٍ وتبعه جماعةٌ من الشّارحين، وتعقّبَ الزينُ بن المنير بعض ما ذكره , واختار تفصيلاً آخر أورده. وقد نقّحت ما وقفت عليه من ذلك , وحذفت ما لا يختصّ بصلاة الجماعة:

стр. 486

فأوّلها: إجابة المؤذّن بنيّة الصّلاة في الجماعة. ثانيها: التّبكير إليها في أوّل الوقت. ثالثها: المشي إلى المسجد بالسّكينة. رابعها: دخول المسجد داعياً. خامسها: صلاة التّحيّة عند دخوله كلّ ذلك بنيّة الصّلاة في الجماعة. سادسها: انتظار الجماعة. سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له. ثامنها: شهادتهم له. تاسعها: إجابة الإقامة. عاشرها: السّلامة من الشّيطان حين يفرّ عند الإقامة. حادي عاشرها: الوقوف منتظراً إحرام الإمام أو الدّخول معه في أيّ هيئة وحده عليها. ثاني عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام كذلك. ثالث عشرها: تسوية الصّفوف وسدّ فرجها. رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده. خامس عشرها: الأمن من السّهو غالباً وتنبيه الإمام إذا سها بالتّسبيح أو الفتح عليه. سادس عشرها: حصول الخشوع والسّلامة عمّا يلهي غالباً. سابع عشرها: تحسين الهيئة غالباً.

стр. 487

ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به. تاسع عشرها: التّدرّب على تجويد القراءة وتعلّم الأركان والأبعاض. العشرون: إظهار شعائر الإسلام. الحادي والعشرون: إرغام الشّيطان بالاجتماع على العبادة والتّعاون على الطّاعة ونشاط المتكاسل. الثّاني والعشرون: السّلامة من صفة النّفاق ومن إساءة غيره الظّنّ بأنّه ترك الصّلاة رأساً. الثّالث والعشرون: ردّ السّلام على الإمام. الرّابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدّعاء والذّكر وعود بركة الكامل على النّاقص. الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصّلوات. فهذه خمس وعشرون خصلةً ورد في كلّ منها أمرٌ أو ترغيب يخصّه. وبقي منها أمران يختصّان بالجهريّة , وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها , والتّأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجّح أنّ السّبع تختصّ بالجهريّة. والله أعلم. تنبيهات: الأوّل: مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التّضعيف بالتّجمّع في المسجد وهو الرّاجح في نظري كما سيأتي البحث فيه.

стр. 488

وعلى تقدير أن لا يختصّ بالمسجد فإنّما ذكرته ثلاثة أشياء وهي المشي والدّخول والتّحيّة، فيمكن أن تعوّض من بعض ما ذكر ممّا يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة كالأخيرتين , لأنّ منفعة الاجتماع على الدّعاء والذّكر غير منفعة عود بركة الكامل على النّاقص. وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التّعاهد، وكذا فائدة أمن المأمومين من السّهو غالباً غير تنبيه الإمام إذا سها. فهذه ثلاثة يمكن أن يعوّض بها الثّلاثة المذكورة فيحصل المطلوب. الثّاني: لا يرِدُ على الخصال التي ذكرتها كون بعض الخصال يختصّ ببعض من صلَّى جماعةً دون بعضٍ , كالتّبكير في أوّل الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك، لأنّ أجر ذلك يحصل لقاصده بمجرّد النّيّة. ولو لَم يقع. كما سبق، والله أعلم. الثّالث: معنى الدّرجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمع. وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أنّ بعضهم زعم خلاف ذلك. قال: والأوّل أظهر، لأنّه قد ورد مبيّناً في بعض الرّوايات. انتهى. وكأنّه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ " صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذّ " وفي أخرى " صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يُصلِّيها وحده ". ولأحمد من حديث ابن مسعود بإسنادٍ رجاله ثقات نحوه , وقال في

стр. 489

آخره " كلّها مثل صلاته " وهو مقتضى لفظ رواية أبي هريرة الآتية. حيث قال " تضعّف " , لأنّ الضّعف كما قال الأزهريّ: المثل إلى ما زاد ليس بمقصورٍ على المثلين. تقول: هذا ضعف الشّيء. أي: مثله أو مثلاه فصاعداً , لكن لا يزاد على العشرة. وظاهر قوله " تضعّف " وكذا قوله في روايتي ابن عمر وأبي سعيد " تفضل " أي: تزيد، وقوله في رواية أبي هريرة الآتية , يريد أنّ صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد , وتزيد عليها العدد المذكور , فيكون لمصلي الجماعة ثواب ستٍّ أو ثمانٍ وعشرين من صلاة المنفرد.

стр. 490

الحديث الرابع عشر ٦٣ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرّجل في جماعةٍ تُضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضِعْفاً , وذلك: أنّه إذا توضّأ , فأحسن الوضوء. ثمّ خرج إلى المسجد لا يُخرجه إلاَّ الصّلاة , لَم يخط خطوةً إلاَّ رُفعت له بها درجةٌ , وحُطّ عنه خطيئةٌ. فإذا صلَّى لَم تزل الملائكة تُصلِّي عليه , ما دام في مصلاه: اللهمّ صلِّ عليه , اللهمّ اغفر له , اللهمّ ارحمه , ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصّلاة. (١) قوله: (صلاة الرّجل في جماعة) في رواية البخاري " في الجماعة " بالتعريف. قوله: (خمسةً وعشرين ضعفاً) كذا في الرّوايات التي وقفنا عليها. وحكى الكرمانيّ وغيره , أنّ فيه خمساً وعشرين درجة، بتأويل الضّعف بالدّرجة أو الصّلاة. قوله: (في بيته وفي سوقه) مقتضاه. أنّ الصّلاة في المسجد جماعة تزيد على الصّلاة في البيت وفي السّوق جماعة وفرادى. قاله ابن دقيق

стр. 491

العيد. قال: والذي يظهر أنّ المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصّلاة في غيره منفرداً، لكنّه خرج مخرج الغالب في أنّ من لَم يحضر الجماعة في المسجد صلَّى منفرداً. قال: وبهذا يرتفع الإشكال عمّن استشكل تسوية الصّلاة في البيت والسّوق. انتهى. ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التّسوية المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضوليّة عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر. وكذا لا يلزم منه أنّ كون الصّلاة جماعةً في البيت أو السّوق لا فضل فيها على الصّلاة منفرداً، بل الظّاهر أنّ التّضعيف المذكور مختصٌّ بالجماعة في المسجد، والصّلاة في البيت مطلقاً أولى منها في السّوق لِمَا ورد من كون الأسواق موضع الشّياطين، والصّلاة جماعةً في البيت وفي السّوق أولى من الانفراد. وقد جاء عن بعض الصّحابة قصر التّضعيف إلى خمس وعشرين على التّجميع، وفي المسجد العامّ مع تقرير الفضل في غيره. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن عن أوس المعافريّ , أنّه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلَّى في بيته؟ قال: حسنٌ جميلٌ. قال: فإنْ صلَّى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاةً. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلَّى فيه

стр. 492

؟ قال: خمس وعشرون. وأخرج حميد بن زنجويه في " كتاب التّرغيب " نحوه من حديث واثلة، وخصّ الخمس والعشرون بمسجد القبائل. قال: وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه - أي الجمعة - بخمسمائةٍ. وسنده ضعيفٌ. قوله: (وذلك أنّه إذا توضّأ) ظاهر في أنّ الأمور المذكورة عِلَّة للتّضعيف المذكور، إذ التّقدير: وذلك لأنّه، فكأنّه يقول: التّضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رتّب على موضوعات متعدّدةٍ لا يوجد بوجود بعضها إلاَّ إذا دلَّ الدّليل على إلغاء ما ليس معتبراً , أو ليس مقصوداً لذاته. وهذه الزّيادة التي في حديث أبي هريرة معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجّهٌ، والرّوايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على هذه المقيّدة. والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية , ذهب كثيرٌ منهم إلى أنّ الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا روي عن أحمد في فرض العين. ووجّهوه: بأنّ أصل المشروعيّة إنّما كان في جماعة المساجد، وهو وصفٌ معتبرٌ لا ينبغي إلغاؤه فيختصّ به المسجد، ويلحق به ما في معناه ممّا يحصل به إظهار الشّعار. قوله: (لا يخرجه إلاَّ الصّلاة) أي: قصد الصّلاة في جماعة، واللام فيها للعهد لِمَا بيّنّاه.

стр. 493

قوله: (لَم يخط) بفتح أوّله وضمّ الطّاء. وقوله: (خطوةً) ضبطناه بضمّ أوّله , ويجوز الفتح. قال الجوهريّ: الخطوة بالضّمّ ما بين القدمين، وبالفتح المرّة الواحدة. وجزم اليعمريّ أنّها هنا بالفتح. وقال القرطبيّ: إنّها في روايات مسلم بالضّمّ، والله أعلم. قوله: (فإذا صلَّى) قال ابن أبي جمرة: أي صلَّى صلاة تامّةً، لأنّه ﷺ قال للمسيء صلاته " ارجع فصل فإنّك لَم تصل ". قوله: (في مصلاَّه) أي: في المكان الذي أوقع فيه الصّلاة من المسجد، وكأنّه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرّاً على نيّة انتظار الصّلاة كان كذلك. قوله: (اللهمّ ارحمه) أي: قائلين ذلك، زاد ابن ماجه " اللهمّ تب عليه " واستدل به على أفضليّة الصّلاة على غيرها من الأعمال لِمَا ذكر من صلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرّحمة والمغفرة والتّوبة. وعلى تفضيل صالحي النّاس على الملائكة لأنّهم يكونون في تحصيل الدّرجات بعبادتهم والملائكة مشغولون بالاستغفار والدّعاء لهم. واستدل بأحاديث الباب على أنّ الجماعة ليست شرطاً لصحّة الصّلاة , لأنّ قوله " على صلاته وحده " يقتضي صحّة صلاته منفرداً لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التّفاضل، فإنّ ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصحّ لا فضيلة فيه.

стр. 494

قال القرطبيّ وغيره: ولا يقال إنّ لفظة أفعل قد ترد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين كقوله تعالى (أحسن مقيلاً) لأنّا نقول: إنّما يقع ذلك على قلةٍ حيث ترد صيغة أفعل مطلقةً غير مقيّدة بعددٍ معيّنٍ، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلا بدّ من وجود أصل العدد. ولا يقال يُحمل المنفرد على المعذور لأنّ قوله " صلاة الفذّ " صيغة عموم فيشمل من صلَّى منفرداً بعذرٍ وبغير عذر، فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل. وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور لِمَا روى البخاري من حديث أبي موسى مرفوعاً: إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً. وأشار ابن عبد البرّ إلى أنّ بعضهم حملَه على صلاة النّافلة، ثمّ ردّه بحديث " أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة " (١). واستدل بها على تساوي الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أم قلَّت، لأنّ الحديث دلَّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة فيدخل فيه كلّ جماعة، كذا قال بعض المالكيّة. وقوّاه بما روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن إبراهيم النّخعيّ قال: إذا صلَّى الرّجل مع الرّجل فهما جماعة لهم التّضعيف خمساً وعشرين. انتهى.

стр. 495

وهو مُسلّمٌ في أصل الحصول، لكنّه لا ينفي مزيد الفضل لِمَا كان أكثر، لا سيّما مع وجود النّصّ المصرّح به , وهو ما رواه أحمد وأصحاب السّنن وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من حديث أُبيّ بن كعب مرفوعاً: صلاة الرّجل مع الرّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرّجلين أزكى من صلاته مع الرّجل، وما كثر فهو أحبّ إلى الله. وله شاهد قويٌّ في الطّبرانيّ من حديث قباث بن أشيم - وهو بفتح القاف والموحّدة وبعد الألف مثلثةٌ - وأبوه بالمعجمة بعدها تحتانيّة بوزن أحمر. ويترتّب على الخلاف المذكور أنّ مَن قال بالتّفاوت , استحبّ إعادة الجماعة مطلقاً لتحصيل الأكثريّة، ولَم يستحبّ ذلك الآخرون. ومنهم من فصّل , فقال: تعاد مع الأعلم أو الأورع أو في البقعة الفاضلة. ووافق مالك على الأخير لكن قصره على المساجد الثّلاثة، والمشهور عنه بالمسجدَين المكّيّ والمدنيّ. وكما أنّ الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلة والكثرة وغير ذلك ممّا ذكر كذلك يفوق بعضها بعضاً. واستدل بها على أنّ أقل الجماعة إمامٌ ومأمومٌ.
следующие страницы →