← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

العيد. قال: والذي يظهر أنّ المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصّلاة في غيره منفرداً، لكنّه خرج مخرج الغالب في أنّ من لَم يحضر الجماعة في المسجد صلَّى منفرداً. قال: وبهذا يرتفع الإشكال عمّن استشكل تسوية الصّلاة في البيت والسّوق. انتهى. ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التّسوية المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضوليّة عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر. وكذا لا يلزم منه أنّ كون الصّلاة جماعةً في البيت أو السّوق لا فضل فيها على الصّلاة منفرداً، بل الظّاهر أنّ التّضعيف المذكور مختصٌّ بالجماعة في المسجد، والصّلاة في البيت مطلقاً أولى منها في السّوق لِمَا ورد من كون الأسواق موضع الشّياطين، والصّلاة جماعةً في البيت وفي السّوق أولى من الانفراد. وقد جاء عن بعض الصّحابة قصر التّضعيف إلى خمس وعشرين على التّجميع، وفي المسجد العامّ مع تقرير الفضل في غيره. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن عن أوس المعافريّ , أنّه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلَّى في بيته؟ قال: حسنٌ جميلٌ. قال: فإنْ صلَّى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاةً. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلَّى فيه

стр. 492

؟ قال: خمس وعشرون. وأخرج حميد بن زنجويه في " كتاب التّرغيب " نحوه من حديث واثلة، وخصّ الخمس والعشرون بمسجد القبائل. قال: وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه - أي الجمعة - بخمسمائةٍ. وسنده ضعيفٌ. قوله: (وذلك أنّه إذا توضّأ) ظاهر في أنّ الأمور المذكورة عِلَّة للتّضعيف المذكور، إذ التّقدير: وذلك لأنّه، فكأنّه يقول: التّضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رتّب على موضوعات متعدّدةٍ لا يوجد بوجود بعضها إلاَّ إذا دلَّ الدّليل على إلغاء ما ليس معتبراً , أو ليس مقصوداً لذاته. وهذه الزّيادة التي في حديث أبي هريرة معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجّهٌ، والرّوايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على هذه المقيّدة. والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية , ذهب كثيرٌ منهم إلى أنّ الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا روي عن أحمد في فرض العين. ووجّهوه: بأنّ أصل المشروعيّة إنّما كان في جماعة المساجد، وهو وصفٌ معتبرٌ لا ينبغي إلغاؤه فيختصّ به المسجد، ويلحق به ما في معناه ممّا يحصل به إظهار الشّعار. قوله: (لا يخرجه إلاَّ الصّلاة) أي: قصد الصّلاة في جماعة، واللام فيها للعهد لِمَا بيّنّاه.

стр. 493

قوله: (لَم يخط) بفتح أوّله وضمّ الطّاء. وقوله: (خطوةً) ضبطناه بضمّ أوّله , ويجوز الفتح. قال الجوهريّ: الخطوة بالضّمّ ما بين القدمين، وبالفتح المرّة الواحدة. وجزم اليعمريّ أنّها هنا بالفتح. وقال القرطبيّ: إنّها في روايات مسلم بالضّمّ، والله أعلم. قوله: (فإذا صلَّى) قال ابن أبي جمرة: أي صلَّى صلاة تامّةً، لأنّه ﷺ قال للمسيء صلاته " ارجع فصل فإنّك لَم تصل ". قوله: (في مصلاَّه) أي: في المكان الذي أوقع فيه الصّلاة من المسجد، وكأنّه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرّاً على نيّة انتظار الصّلاة كان كذلك. قوله: (اللهمّ ارحمه) أي: قائلين ذلك، زاد ابن ماجه " اللهمّ تب عليه " واستدل به على أفضليّة الصّلاة على غيرها من الأعمال لِمَا ذكر من صلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرّحمة والمغفرة والتّوبة. وعلى تفضيل صالحي النّاس على الملائكة لأنّهم يكونون في تحصيل الدّرجات بعبادتهم والملائكة مشغولون بالاستغفار والدّعاء لهم. واستدل بأحاديث الباب على أنّ الجماعة ليست شرطاً لصحّة الصّلاة , لأنّ قوله " على صلاته وحده " يقتضي صحّة صلاته منفرداً لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التّفاضل، فإنّ ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصحّ لا فضيلة فيه.

стр. 494

قال القرطبيّ وغيره: ولا يقال إنّ لفظة أفعل قد ترد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين كقوله تعالى (أحسن مقيلاً) لأنّا نقول: إنّما يقع ذلك على قلةٍ حيث ترد صيغة أفعل مطلقةً غير مقيّدة بعددٍ معيّنٍ، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلا بدّ من وجود أصل العدد. ولا يقال يُحمل المنفرد على المعذور لأنّ قوله " صلاة الفذّ " صيغة عموم فيشمل من صلَّى منفرداً بعذرٍ وبغير عذر، فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل. وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور لِمَا روى البخاري من حديث أبي موسى مرفوعاً: إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً. وأشار ابن عبد البرّ إلى أنّ بعضهم حملَه على صلاة النّافلة، ثمّ ردّه بحديث " أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة " (١). واستدل بها على تساوي الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أم قلَّت، لأنّ الحديث دلَّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة فيدخل فيه كلّ جماعة، كذا قال بعض المالكيّة. وقوّاه بما روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن إبراهيم النّخعيّ قال: إذا صلَّى الرّجل مع الرّجل فهما جماعة لهم التّضعيف خمساً وعشرين. انتهى.

стр. 495

وهو مُسلّمٌ في أصل الحصول، لكنّه لا ينفي مزيد الفضل لِمَا كان أكثر، لا سيّما مع وجود النّصّ المصرّح به , وهو ما رواه أحمد وأصحاب السّنن وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من حديث أُبيّ بن كعب مرفوعاً: صلاة الرّجل مع الرّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرّجلين أزكى من صلاته مع الرّجل، وما كثر فهو أحبّ إلى الله. وله شاهد قويٌّ في الطّبرانيّ من حديث قباث بن أشيم - وهو بفتح القاف والموحّدة وبعد الألف مثلثةٌ - وأبوه بالمعجمة بعدها تحتانيّة بوزن أحمر. ويترتّب على الخلاف المذكور أنّ مَن قال بالتّفاوت , استحبّ إعادة الجماعة مطلقاً لتحصيل الأكثريّة، ولَم يستحبّ ذلك الآخرون. ومنهم من فصّل , فقال: تعاد مع الأعلم أو الأورع أو في البقعة الفاضلة. ووافق مالك على الأخير لكن قصره على المساجد الثّلاثة، والمشهور عنه بالمسجدَين المكّيّ والمدنيّ. وكما أنّ الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلة والكثرة وغير ذلك ممّا ذكر كذلك يفوق بعضها بعضاً. واستدل بها على أنّ أقل الجماعة إمامٌ ومأمومٌ.

стр. 496

الحديث الخامس عشر ٦٤ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : أثقلُ الصّلاة على المنافقين , صلاة العشاء وصلاة الفجر. ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حَبْواً , ولقد هممتُ أن آمر بالصّلاة فتقام , ثمّ آمر رجلاً فيُصلِّي بالنّاس , ثمّ أنطلق معي برجالٍ معهم حِزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصّلاة , فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنّار. (١) قوله: (أثقل الصّلاة على المنافقين) دلَّ هذا على أنّ الصّلاة كلها ثقيلة على المنافقين، ومنه قوله تعالى (ولا يأتون الصّلاة إلاَّ وهم كسالى). وإنّما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوّة الدّاعي إلى تركهما، لأنّ العشاء وقت السّكون والرّاحة والصّبح وقت لذّة النّوم. وقيل: وجهه كون المؤمنين يفوزون بما ترتّب عليهما من الفضل لقيامهم بحقّهما دون المنافقين. قوله: (صلاة العشاء , وصلاة الفجر) الحديث دالٌّ على فضل العشاء والفجر، ووجهه: أنّ صلاة الفجر ثبتت أفضليّتها، وسوّى

стр. 497

في هذا بينها وبين العشاء، ومساوي الأفضل يكون أفضل جزماً. قوله: (ولو يعلمون ما فيهما) أي: من مزيد الفضل قوله: (لأتوهما) أي: الصّلاتين، والمراد لأتوا إلى المحل الذي يُصلَّيان فيه جماعةً , وهو المسجد. قوله: (ولو حبواً) أي: يزحفون إذا منعهم مانعٌ من المشي كما يزحف الصّغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدّرداء " ولو حبواً على المرافق والرّكب " (١) قوله: (لقد هممت) اللام جواب القسم، والهمّ العزم. وقيل:

стр. 498

دونه. وزاد مسلم في أوّله , أنّه ﷺ فَقَدَ ناساً في بعض الصّلوات , فقال: لقد هممت. فأفاد ذكر سبب الحديث. وفي رواية لهما " والذي نفسي بيده لقد هممت " هو قسمٌ كان النّبيّ ﷺ كثيراً ما يقسم به، والمعنى أنّ أمر نفوس العباد بيد الله، أي بتقديره وتدبيره. (١) وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شكّ فيه تنبيهاً على عظم شأنه، وفيه الرّدّ على من كره أن يحلف بالله مطلقاً. قوله: (آمر بالصلاة فتقام , ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس) وللبخاري " ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس " قوله: (قوم لا يشهدون الصلاةَ) وللبخاري " فأحرِّق على من لا يخرج إلى الصلاة بعدُ " كذا للأكثر بلفظ " بعد " ضدّ قبل، وهي مبنيّة على الضّمّ، ومعناه بعد أن يسمع النّداء إليها أو بعد أن يبلغه التّهديد المذكور. وللكشميهنيّ بدلها " يقدر " أي لا يخرج وهو يقدر على المجيء. ويؤيّده ما سيأتي من رواية لأبي داود " وليست بهم عِلَّة ". ووقع عند الدّاوديّ للشّارح هنا " لا لعذرٍ " وهي أوضح من غيرها , لكن لَم نقف عليها في شيء من الرّوايات عند غيره.

стр. 499

قوله: (فأحرّق) بالتّشديد، والمراد به التّكثير، يقال: حرّقه إذا بالغ في تحريقه. قوله: (عليهم) يشعر بأنّ العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعاً للقاطنين بها , وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح " فأحرّق بيوتاً على من فيها ". وحديث الباب ظاهر في كون صلاة الجماعة فرض عين، لأنّها لو كانت سنّة لَم يهدّد تاركها بالتّحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرّسول ومن معه. ويحتمل أن يقال: التّهديد بالتّحريق المذكور يمكن أن يقع في حقّ تاركي فرض الكفاية كمشروعيّة قتال تاركي فرض الكفاية. وفيه نظرٌ , لأنّ التّحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخصّ من المقاتلة، ولأنّ المقاتلة إنّما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على التّرك. القول الأول: بأنّها فرض عين. وإليه ذهب عطاء والأوزاعيّ وأحمد وجماعة من محدّثي الشّافعيّة كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان. القول الثاني: بالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطاً في صحّة الصّلاة. وأشار ابن دقيق العيد: إلى أنّه مبنيّ على أنّ ما وجب في العبادة كان شرطاً فيها، فلمَّا كان لهم المذكور دالاً على لازمه وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً على لازمه وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة. إلاَّ أنّه لا يتمّ إلاَّ بتسليم أنّ ما وجب في العبادة كان

стр. 500

شرطاً فيها، وقد قيل إنّه الغالب. ولَمّا كان الوجوب قد ينفكّ عن الشّرطيّة , قال أحمد: إنّها واجبة غير شرط. انتهى القول الثالث: ظاهر نصّ الشّافعيّ أنّها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدّمين من أصحابه , وقال به كثير من الحنفيّة والمالكيّة. القول الرابع: المشهور عند الباقين أنّها سنّة مؤكّدة. وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبةٍ: الأول: ما تقدّم. الثاني: ونقله إمام الحرمين عن ابن خزيمة، والذي نقله عنه النّوويّ الوجوب حسبما قال ابن بزيزة , إنّ بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه ﷺ همّ بالتّوجّه إلى المتخلفين , فلو كانت الجماعة فرض عين ما همّ بتركها إذا توجّه. وتعقّب: بأنّ الواجب يجوز تركه لِمَا هو أوجب منه. قلت: وليس فيه أيضاً دليل على أنّه لو فعل ذلك لَم يتداركها في جماعة آخرين. الثالث: ما قال ابن بطّالٍ وغيره: لو كانت فرضاً لقال حين توعّد بالإحراق من تخلف عن الجماعة لَم تجزئه صلاته، لأنّه وقت البيان. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ البيان قد يكون بالتّنصيص , وقد يكون بالدّلالة، فلمَّا قال ﷺ : لقد هممت إلخ. دلَّ على وجوب الحضور وهو كافٍ في البيان. الرابع: ما قال الباجيّ وغيره: إنّ الخبر ورد مورد الزّجر وحقيقته

стр. 501

غير مرادة. وإنّما المراد المبالغة. ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفّار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب: بأنّ المنع وقع بعد نسخ التّعذيب بالنّار، وكان قيل ذلك جائزاً بدليل حديث أبي هريرة في البخاري (١) الدّال على جواز التّحريق بالنّار ثمّ على نسخه، فحمل التّهديد على حقيقته غير ممتنع. الخامس: كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التّهديد، فلو كان واجباً ما عفا عنهم قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجّة , لأنّه ﷺ همّ ولَم يفعل، زاد النّوويّ: ولو كانت فرض عين لَمَا تركهم. وتعقّبه ابن دقيق العيد فقال: هذا ضعيف , لأنّه ﷺ لا يهمّ إلاَّ بما يجوز له فعله لو فعله، وأمّا التّرك فلا يدلّ على عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التّخلّف الذي ذمّهم بسببه. على أنّه قد جاء في بعض الطّرق بيان سبب التّرك , وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبريّ عن أبي هريرة بلفظ: لولا ما في البيوت من النّساء والذّرّيّة لأقمت صلاة العشاء , وأمرت فتياني يحرّقون .. الحديث السادس: أنّ المراد بالتّهديد قومٌ تركوا الصّلاة رأساً لا مجرّد الجماعة.

стр. 502

وهو متعقّبٌ: بأنّ في رواية مسلم " لا يشهدون الصّلاة " أي: لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد " لا يشهدون العشاء في الجميع " أي: في الجماعة، وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه مرفوعاً: لينتهينّ رجالٌ عن تركهم الجماعات , أو لأحرّقنّ بيوتهم. السابع: أنّ الحديث ورد في الحثّ على مخالفة فعل أهل النّفاق والتّحذير من التّشبّه بهم , لا لخصوص ترك الجماعة فلا يتمّ الدّليل، أشار إليه الزين بن المنير. وهو قريبٌ من الوجه الرّابع. الثامن: أنّ الحديث ورد في حقّ المنافقين، فليس التّهديد لترك الجماعة بخصوصه , فلا يتمّ الدّليل. وتعقّب: باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنّه لا صلاة لهم، وبأنّه كان معرضاً عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويّتهم. وقد قال " لا يتحدّث النّاس أنّ محمّداً يقتل أصحابه " (١). وتعقّب ابن دقيق العيد هذا التّعقيب: بأنّه لا يتمّ إلاَّ إذا ادّعى أنّ ترك معاقبة المنافقين كان واجباً عليه ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنّه كان مخيّراً فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب ترك عقوبتهم.

стр. 503

انتهى. والذي يظهر لي أنّ الحديث ورد في المنافقين لقوله في البخاري " ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر " الحديث، ولقوله " لو يعلم أحدهم إلخ " لأنّ هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل. لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر. بدليل قوله في رواية عجلان " لا يشهدون العشاء في الجميع " وقوله في حديث أسامة " لا يشهدون الجماعة ". وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصمّ عن أبي هريرة عند أبي داود " ثمّ آتي قوماً يصلّون في بيوتهم , ليست بهم عِلَّة " (١).فهذا يدلّ على أنّ نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأنّ الكافر لا يُصلِّي في بيته إنّما يُصلِّي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبّه عليه القرطبيّ. وأيضاً فقوله في رواية المقبريّ " لولا ما في البيوت من النّساء والذّرّيّة " يدلّ على أنّهم لَم يكونوا كفّاراً , لأنّ تحريق بيت الكافر إذا

стр. 504

تعيّن طريقاً إلى الغلبة عليه لَم يمنع ذلك وجود النّساء والذّرّيّة في بيته. وعلى تقدير أن يكون المراد بالنّفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدلّ على الوجوب من جهة المبالغة في ذمّ من تخلف عنها. قال الطّيبيّ: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنّهم إذا سمعوا النّداء جاز لهم التّخلّف عن الجماعة، بل من جهة أنّ التّخلّف ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين، ويدلّ عليه قول ابن مسعود " لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلاَّ منافق " رواه مسلم، انتهى كلامه. وروى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن أبي عمير بن أنس حدّثني عمومتي من الأنصار , قالوا: قال رسول الله ﷺ : ما يشهدهما منافق. يعني العشاء والفجر. ولا يقال فهذا يدلّ على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه. لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنّما ورد الوعيد في حقّ من تخلف , لأنّي أقول: بل هذا يقوّي ما ظهر لي أوّلاً أنّ المراد بالنّفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر. فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النّفاق عليه مجازاً لِمَا دلَّ عليه مجموع الأحاديث. التاسع: ما ادّعاه بعضهم: أنّ فرضيّة الجماعة كانت في أوّل الإسلام لأجل سدّ باب التّخلّف عن الصّلاة على المنافقين , ثمّ نسخ. حكاه عياض.

стр. 505

ويمكن أن يتقوّى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقّهم , وهو التّحريق بالنّار كما أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث وقال لنا: إن لقيتم فلانا وفلانا - لرجلين من قريش سماهما - فحرقوهما بالنار , قال: ثم أتيناه نودّعه حين أردنا الخروج، فقال: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلاَّ الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما. وكذا ثبوت نسخ ما يتضمّنه التّحريق من جواز العقوبة بالمال. ويدلّ على النّسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبل هذا، لأنّ الأفضليّة تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. العاشر: أنّ المراد بالصّلاة. الجمعة لا باقي الصّلوات، ونصره القرطبيّ. وتعقّب: بالأحاديث المصرّحة بالعشاء، وفيه بحثٌ , لأنّ الأحاديث اختلفت في تعيين الصّلاة التي وقع التّهديد بسببها. هل هي الجمعة أو العشاء، أو العشاء والفجر معاً؟. فإن لَم تكن أحاديث مختلفة ولَم يكن بعضها أرجح من بعض وإلاَّ وقف الاستدلال، لأنّه لا يتمّ إلاَّ إن تعيّن كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثمّ قال: فليتأمّل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى. وقد تأمّلتها فرأيت التّعيين ورد في حديث أبي هريرة وابن أمّ مكتوم

стр. 506

وابن مسعود. أمّا حديث أبي هريرة. ففي البخاري من رواية الأعرج عنه. يومئ إلى أنّها العشاء. لقوله في آخره " لشهد العشاء " وفي رواية مسلم " يعني العشاء " ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضاً الإيماء إلى أنّها العشاء والفجر. وعيّنها السّرّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء. حيث قال في صدر الحديث: أخّر العشاء ليلة فخرج فوجد النّاس قليلاً فغضب. فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبّان من هذا الوجه " يعني الصّلاتين العشاء والغداة " وفي رواية عجلان والمقبريّ عند أحمد التّصريح بتعيين العشاء. ثمّ سائر الرّوايات عن أبي هريرة على الإبهام. وقد أورده مسلم من طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصمّ عنه. فلم يسق لفظه , وساقه التّرمذيّ وغيره من هذا الوجه بإبهام الصّلاة، وكذلك رواه السّرّاج وغيره عن طرق عن جعفر، وخالفهم معمر عن جعفر فقال " الجمعة " أخرجه عبد الرّزّاق عنه، والبيهقيّ من طريقه. وأشار إلى ضعفها لشذوذها. ويدلّ على وهْمِه فيها رواية أبي داود والطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصمّ. فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصمّ: يا أبا عوف الجمعة عَنَى أو غيرها؟ قال: صُمّت أذناي إن لَم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ,

стр. 507

ما ذكر جُمعةً ولا غيرها. فظهر أنّ الرّاجح في حديث أبي هريرة أنّها لا تختصّ بالجمعة. وأمّا حديث ابن أمّ مكتوم فسأذكره قريباً , وأنّه موافق لأبي هريرة. وأمّا حديث ابن مسعود. فأخرجه مسلم , وفيه الجزم بالجمعة (١) , وهو حديث مستقلّ , لأنّ مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر , فيحمل على أنّهما واقعتان. كما أشار إليه النّوويّ والمحبّ الطّبريّ. وقد وافق ابنُ أمّ مكتوم أبا هريرة على ذكر العشاء. وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة وأحمد والحاكم من طريق حصين بن عبد الرّحمن عن عبد الله بن شدّاد عن ابن أمّ مكتوم , أنّ رسول الله ﷺ استقبل النّاس في صلاة العشاء , فقال: لقد هممت أنّي آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصّلاة فأحرّق عليهم بيوتهم. فقام ابن أمّ مكتوم فقال: يا رسولَ الله قد علمتَ ما بي؟ وليس لي قائد - زاد أحمد - وأنّ بيني وبين المسجد شجراً ونخلاً ولا أقدر على قائد كلّ ساعة. قال: أتسمع الإقامة؟ قال: نعم. قال: فاحضرها. ولَم يرخّص له , ولابن حبّان من حديث جابر قال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم. قال: فأتِها ولو حبواً. وقد حمله العلماء على أنّه كان لا يشقّ عليه التّصرّف

стр. 508

بالمشي وحده ككثيرٍ من العميان. واعتمد ابن خزيمة وغيره حديثَ ابن أمّ مكتوم هذا على فرضيّة الجماعة في الصّلوات كلّها , ورجّحوه بحديث الباب وبالأحاديث الدّالة على الرّخصة في التّخلّف عن الجماعة، قالوا: لأنّ الرّخصة لا تكون إلاَّ عن واجب. وفيه نظرٌ. ووراء ذلك أمر آخر ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسّك بالظّاهر ولا يتقيّد بالمعنى، وهو أنّ الحديث ورد في صلاة معيّنةٍ فيدلّ على وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتّمسّك بدلالة العموم. لكن نوزع في كون القول بما ذكر أوّلاً ظاهريّة محضة (١) فإنّ قاعدة حمل المطلق على المقيّد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتّباع المعنى، لأنّ غير العشاء والفجر مظنّة الشّغل بالتّكسّب وغيره، أمّا العصران فظاهر، وأمّا المغرب فلأنّها في الغالب وقت الرّجوع إلى البيت والأكل ولا سيّما للصّائم مع مضيّ وقتها، بخلاف العشاء والفجر فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم.

стр. 509

وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضاً انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النّهار، وليختموا النّهار بالاجتماع على الطّاعة ويفتتحوه كذلك. وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد , تخصيص التّهديد بمن حول المسجد. (١) وتقدم توجيه كون العشاء والفجر أثقل على المنافقين من غيرهما. وقد أطلتُ في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعضٍ. واجتمع من الأجوبة لمن لَم يقل بالوجوب عشرة أجوبة لا توجد مجموعة في غير هذا الشّرح. وفي الحديث الإشارة إلى ذمّ المتخلفين عن الصّلاة بوصفهم بالحرص على الشّيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به، مع التّفريط فيما يحصل رفيع الدّرجات ومنازل الكرامة. وفي الحديث من الفوائد أيضاً تقديم الوعيد والتّهديد على العقوبة، وسرّه أنّ المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزّجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة، نبّه عليه ابن دقيق العيد. وفيه جواز العقوبة بالمال. كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكيّة وغيرهم.

стр. 510

وفيه نظرٌ لِمَا أسلفناه، ولاحتمال أنّ التّحريق من باب ما لا يتمّ الواجب إلاَّ به، إذ الظّاهر أنّ الباعث على ذلك أنّهم كانوا يختفون في بيوتهم فلا يتوصّل إلى عقوبتهم إلاَّ بتحريقها عليهم. وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرّةٍ , لأنّه ﷺ همّ بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصّلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحقّقون أنّه لا يطرقهم فيه أحدٌ. وفي السّياق إشعار بأنّه تقدّم منه زجرهم عن التّخلّف بالقول حتّى استحقّوا التّهديد بالفعل. وترجم عليه البخاريّ في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام (باب إخراج أهل المعاصي والرّيب من البيوت بعد المعرفة) يريد أنّ من طلب منهم بحقّ فاختفى أو امتنع في بيته لدداً ومطلاً أُخرج منه بكل طريق يتوصّل إليه بها، كما أراد ﷺ إخراج المتخلفين عن الصّلاة بإلقاء النّار عليهم في بيوتهم. واستدل به ابن العربيّ وغيره: على مشروعيّة قتل تارك الصّلاة متهاوناً بها. ونوزع في ذلك. ورواية أبي داود التي فيها أنّهم كانوا يصلّون في بيوتهم كما قدّمناه. تعكّر عليه. نعم. يمكن الاستدلال منه بوجهٍ آخر , وهو أنّهم إذا استحقّوا التّحريق بترك صفةٍ من صفات الصّلاة خارجةٍ عنها. سواء قلنا واجبة أو مندوبة كان من تركها أصلاً رأساً أحقّ بذلك، لكن لا يلزم

стр. 511

من التّهديد بالتّحريق حصول القتل لا دائماً ولا غالباً، لأنّه يمكن الفرار منه أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزّجر والإرهاب. وفي قوله في رواية أبي داود " ليست بهم عِلَّة " دلالة على أنّ الأعذار تبيح التّخلّف عن الجماعة - ولو قلنا إنّها فرضٌ - وكذا الجمعة. وفيه الرّخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى في بيته ويتركها، ولا بُعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التّخلّف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حقّ الإمام كالغرماء. واستدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة. قال ابن بزيزة: وفيه نظرٌ. لأنّ الفاضل في هذه الصّورة يكون غائباً، وهذا لا يختلف في جوازه. واستدل به ابن العربيّ على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك. وتعقّب: بأنّه منسوخٌ (١) كما قيل في العقوبة بالمال، والله أعلم.

стр. 512

الحديث السادس عشر ٦٥ - عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: إذا استأذنتْ أحدَكم امرأتُه إلى المسجد فلا يَمنعْها. قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعَهنّ , قال: فأقبل عليه عبد الله , فسبَّه سبَّاً سيّئاً , ما سمعته سبَّه مثله قطّ , وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهنّ؟. (١). وفي لفظٍ: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. قوله: (إذا استأذنت أحدَكم امرأتُه إلى المسجد) وللبخاري من رواية حنظلة عن سالم " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد " , ولَم يذكر أكثر الرّواة عن حنظلة قوله " بالليل " كذلك أخرجه مسلم وغيره. وقد اختلف فيه على الزّهريّ عن سالم عن أبيه أيضاً. فأورده البخاري من رواية معمر , ومسلم من رواية يونس بن يزيد , وأحمد من رواية عقيل والسّرّاج من رواية الأوزاعيّ كلّهم من الزّهريّ بغير تقييد، وكذا أخرجه البخاري في النّكاح عن عليّ بن المدينيّ عن سفيان بن عيينة عن الزّهريّ بغير قيد.

стр. 513

ووقع عند أبي عوانة في " صحيحه " عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن عيينة. مثله , لكن قال في آخره: " يعني بالليل ". وبيّن ابن خزيمة عن عبد الجبّار بن العلاء , أنّ سفيان بن عيينة هو القائل " يعني " وله عن سعيد بن عبد الرّحمن عن ابن عيينة , قال: قال نافع: بالليل، وله عن يحيى بن حكيم عن ابن عيينة قال: جاءنا رجل فحدّثنا عن نافع , قال: إنّما هو بالليل. وسمّى عبد الرّزّاق عن ابن عيينة الرّجل الْمُبهم , فقال بعد روايته عن الزّهريّ: قال ابن عيينة: وحدّثنا عبد الغفّار - يعني ابن القاسم - أنّه سمع أبا جعفر - يعني الباقر - يخبر بمثل هذا عن ابن عمر، قال: فقال له نافع مولى ابن عمر: إنّما ذلك بالليل. وكأنّ اختصاص الليل بذلك لكونه أستر، ولا يخفى أنّ محلّ ذلك إذا أمنت المفسدة منهنّ وعليهنّ. قال النّوويّ: استدل به على أنّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلاَّ بإذنه لتوجّه الأمر إلى الأزواج بالإذن. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّه إن أخذ من المفهوم فهو مفهوم لقب وهو ضعيف، لكن يتقوّى بأن يقال: إنّ منع الرّجال نساءهم أمر مقرّر، وإنّما علَّق الحكم بالمساجد لبيان محلّ الجواز فيبقى ما عداه على المنع، وفيه إشارة إلى أنّ الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنّه لو كان واجباً لانتفى معنى الاستئذان، لأنّ ذلك إنّما يتحقّق إذا كان المستأذن مخيّراً في الإجابة أو الرّدّ.

стр. 514

قوله: (فقال بلال بن عبد الله) وللبخاريّ من رواية ورقاء عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عمر بلفظ: ائذنوا للنّساء بالليل إلى المساجد. ووافقه مسلم على إخراجه من هذا الوجه أيضاً , وزاد فيه: فقال له ابنٌ له يقال له واقد: إذاً يتّخذنه دَغَلاً، قال: فضرب في صدره , وقال: أحدّثك عن رسول الله ﷺ , وتقول: لا. ولَم أر لِهذه القصّة ذكراً في شيء من الطّرق التي أخرجها البخاريّ لهذا الحديث، وقد أوهم صنيع صاحب العمدة خلاف ذلك، ولَم يتعرّض لبيان ذلك أحدٌ من شرّاحه. وأظنّ البخاريّ اختصرها للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر. فقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر , وسمّى الابن بلالاً , فأخرجه من طريق كعب بن علقمة عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: لا تمنعوا النّساء حظوظهنّ المساجد إذا استأذنّكم، فقال بلال: والله لنمنعهنّ. الحديث. وللطّبرانيّ من طريق عبد الله بن هبيرة عن بلال بن عبد الله نحوه. وفيه. فقلت: أمّا أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرّح أهله ". وفي رواية يونس عن ابن شهاب الزّهريّ عن سالم في هذا الحديث " قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنّ , ومثله في رواية عقيل عند أحمد، وعنده في رواية شعبة عن الأعمش عن مجاهد. فقال سالم

стр. 515

أو بعض بنيه: والله لا ندعهنّ يتّخذنه دَغَلاً. الحديث. والرّاجح من هذا. أنّ صاحب القصّة بلال , لورود ذلك من روايته نفسه ومن رواية أخيه سالم، ولَم يختلف عليهما في ذلك. وأمّا هذه الرّواية الأخيرة فمرجوحة لوقوع الشّكّ فيها، ولَم أره مع ذلك في شيء من الرّوايات عن الأعمش مسمّىً , ولا عن شيخه مجاهد، فقد أخرجه أحمد من رواية إبراهيم بن مهاجر وابن أبي نجيح وليث بن أبي سليمٍ كلّهم عن مجاهد , ولَم يسمّه أحدٌ منهم. فإن كانت رواية عمرو بن دينار عن مجاهد محفوظةً في تسميته واقداً. فيحتمل: أن يكون كلّ من بلال وواقد وقع منه ذلك. إمّا في مجلس أو في مجلسين، وأجاب ابن عمر كلاً منهما بجوابٍ يليق به. ويقوّيه اختلاف النّقلة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم " فأقبل عليه عبد الله فسبّه سبّاً سيّئاً ما سمعته يسبّه مثله قطّ ". وفسّر عبد الله بن هبيرة في رواية الطّبرانيّ السّبَّ المذكور باللعن ثلاث مرّات، وفي رواية زائدة عن الأعمش " فانتهره. وقال: أفٍّ لك " , وله عن ابن نمير عن الأعمش " فعل الله بك وفعل " ومثله للتّرمذيّ من رواية عيسى بن يونس. ولمسلمٍ من رواية أبي معاوية " فزبره " , ولأبي داود من رواية جرير " فسبّه وغضب ". فيحتمل: أن يكون بلال البادئ , فلذلك أجابه بالسّبّ المفسّر

стр. 516

باللعن، وأن يكون واقد بدأه فلذلك أجابه بالسّبّ المفسّر بالتّأفيف مع الدّفع في صدره، وكأنّ السّرّ في ذلك أنّ بلالاً عارض الخبر برأيه , ولَم يذكر عِلَّة المخالفة، ووافقه واقد , لكن ذكرها بقوله " يتّخذنه دَغَلاً " , وهو بفتح المهملة ثمّ المعجمة , وأصله الشّجر الملتفّ ثمّ استعمل في المخادعة لكون المخادع يلفّ في ضميره أمراً , ويظهر غيره. وكأنّه قال ذلك لِمَا رأى من فساد بعض النّساء في ذلك الوقت وحمَلَتْه على ذلك الغيرة، وإنّما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال مثلاً: إنّ الزّمان قد تغيّر , وإنّ بعضهنّ ربّما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره لكان يظهر أن لا ينكر عليه. وإلى ذلك أشارت عائشة: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهنَّ كما مُنعت نساء بنى إسرائيل. قلت لعمرة: أَوَ مُنِعْن؟ قالت: نعم. متفق عليه وأُخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السّنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرّجل ولده وإن كان كبيراً إذا تكلم بما لا ينبغي له. وجواز التّأديب بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد " فما كلَّمه عبد الله حتّى مات " , وهذا - إن كان محفوظاً - يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصّة بيسيرٍ. تكميلٌ: قوله " بالليل ": فيه إشارة إلى أنهم ما كانوا يمنعونهن

стр. 517

بالنّهار , لأن الليل مظنّة الربية , ولأجل ذلك قال بن عبد الله بن عمر: لا نأذن لهنّ يتخذنه دَغَلاً. كما تقدم ذكره من عند مسلم. وقال الكرماني: هذا من مفهوم الموافقة لأنّه إذا أذن لهنّ بالليل مع أنَّ الليل مظنّة الرّيبة فالاذن بالنّهار بطريق الأولى , وقد عكس هذا بعض الحنفيّة , فجرى على ظاهر الخبر , فقال: التّقييد بالليل لكون الفسّاق فيه في شغل بفسقهم بخلاف النّهار فإنّهم ينتشرون فيه , وهذا - وإن كان ممكناً - لكن مظنّة الرّيبة في الليل أشد , وليس لكلهم في الليل ما يجد ما يشتغل به , وأما النّهار فالغالب أنه يفضحهم غالباً ويصدهم عن التّعرّض لهنّ ظاهراً لكثرة انتشار النّاس ورؤية من يتعرّض فيه لِمَا لا يحل له , فينكر عليه. والله أعلم. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عامٌ في النساء، إلاَّ أنَّ الفقهاء خصوه بشروط: منها: أن لا تتطيب، وهو في بعض الروايات " وليخرجن تفلات ". قلت: هو بفتح المثناة وكسر الفاء. أي: غير متطيبات، ويقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح، وهو عند أبي داود وابن خزيمة من حديث أبي هريرة , وعند ابن حبان من حديث زيد بن خالد. وأوله: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. ولمسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود: إذا شَهِدتْ إحداكن المسجد فلا تمسن طيباً. قال: ويلحق بالطيب ما في معناه , لأن سبب المنع منه ما فيه من

стр. 518

تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة , وكذا الاختلاط بالرجال. وفرَّق كثيرٌ من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها. وفيه نظرٌ، إلاَّ إن أخذ الخوف عليها من جهتها , لأنها إذا عَرِيتْ مما ذُكر , وكانت مستترة حصل الأمن عليها , ولا سيما إذا كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر بلفظ: لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ. أخرجه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة. ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية , أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ , فقالت: يا رسولَ الله، إني أحبُّ الصلاة معك. قال: قد علمتُ، وصلاتك في بيتك خيرٌ لكِ من صلاتك في حجرتكِ، وصلاتكِ في حجرتكِ خيرٌ من صلاتكِ في داركِ، وصلاتكِ في داركِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد الجماعة. وإسناد أحمد حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود. ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثَمَّ قالت عائشة: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما

стр. 519

منعت نساء بني إسرائيل , قلت لعمرة: أومنعن؟ قالت: نعم. وفي جواب سؤال يحيى بن سعيد لها يظهر أنها تلقته عن عائشة. ويحتمل: أن يكون عن غيرها. وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة موقوفاً أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه. قالت: كُنَّّ نساء بني إسرائيل يتخذن أرجُلاً من خشب يتشرفن للرجال في المساجد، فحرَّم الله عليهن المساجد، وسُلّطت عليهن الحيضة. وهذا - وإن كان موقوفاً - فحكمه حكم الرفع , لأنه لا يقال بالرأي (١). وروى عبد الرزاق أيضا نحوه بإسناد صحيح عن ابن مسعود. وقد أشرت إلى ذلك في أول كتابه الحيض (٢). وتمسَّك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقاً. وفيه نظرٌ، إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم , لأنها علَّقته على شرط لَم يوجد. بناءً على ظنٍّ ظنَّته , فقالت " لو رأى لمنع " فيقال عليه: لَم ير ولَم يمنع، فاستمر الحكم حتى إنَّ عائشة لَم تصرِّح بالمنع. وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع.

стр. 520

وأيضاً فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى. وأيضاً فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت. والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع التطيب والزينة، وكذلك التقيد بالليل كما سبق.

стр. 521

الحديث السابع عشر ٦٦ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظّهر , وركعتين بعدها , وركعتين بعد الجمعة , وركعتين بعد المغرب , وركعتين بعد العشاء. وفي لفظ: فأمّا المغرب والعشاء والجمعة , ففي بيته. وفي لفظٍ: أنّ ابن عمر قال: حدّثتني حفصة , أنّ النّبيّ ﷺ : كان يُصلِّي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر , وكانت ساعةً لا أدخل على النّبيّ ﷺ فيها. (١) قوله: (صليت مع رسول الله ﷺ ) المراد بقوله مع , التّبعيّة. أي: أنّهما اشتركا في كون كلٍّ منهما صلاةً إلاَّ التّجميع , فلا حجّة فيه لِمَن قال يجمع في رواتب الفرائض , ولهما من رواية أيّوب عن نافع عن ابن عمر قال: حفظت من النّبيّ ﷺ عشر ركعاتٍ. فذكرها. قوله: (ركعتين قبل الظّهر) قال الدّاوديّ: وقع في حديث ابن عمر أنّ قبل الظّهر ركعتين , وفي حديث عائشة عند البخاري: كان لا يدع أربعاً قبل الظهر. وهو محمولٌ على أنّ كلّ واحد منهما وصف ما رأى.

стр. 522

قال: ويحتمل: أن يكون نسي ابن عمر ركعتين من الأربع. قلت: هذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين: فكان تارةً يُصلِّي ثنتين وتارةً يُصلِّي أربعاً. وقيل: هو محمولٌ على أنّه كان في المسجد يقتصر على ركعتين , وفي بيته يُصلِّي أربعاً. ويحتمل: أن يكون يُصلِّي إذا كان في بيته ركعتين , ثمّ يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين , فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته , واطّلعت عائشة على الأمرين. ويقوّي الأوّل. ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة: كان يُصلِّي في بيته قبل الظّهر أربعاً ثمّ يخرج. قال أبو جعفر الطّبريّ: الأربع كانت في كثيرٍ من أحواله، والرّكعتان في قليلها. قوله: (وركعتين بعد الجمعة) وللبخاري " وكان لا يُصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين " ولَم يذكر شيئاً في الصّلاة قبلها. قال ابن المنير في الحاشية: كأنّه يقول (١) الأصل استواء الظّهر والجمعة حتّى يدل دليل على خلافه، لأنّ الجمعة بدل الظّهر. قال: وكانت عنايته بحكم الصّلاة بعدها أكثر، ولذلك قدّمه في التّرجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد. اه

стр. 523

ووجه العناية المذكورة ورود الخبر في البعد صريحاً دون القبل. وقال ابن بطّال: إنّما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد الظّهر من أجل أنّه ﷺ كان يُصلِّي سنّة الجمعة في بيته بخلاف الظّهر، قال: والحكمة فيه أنّ الجمعة لَمّا كانت بدل الظّهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التّنفّل بعدها في المسجد خشية أن يظنّ أنّها التي حذفت. انتهى. وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفّل قبلها ركعتين متّصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. وقال ابن التّين: لَم يقع ذكر الصّلاة قبل الجمعة في هذا الحديث، فلعل البخاريّ أراد إثباتها قياساً على الظّهر. انتهى. وقوّاه الزين بن المنير: بأنّه قصد التّسوية بين الجمعة والظّهر في حكم التّنفّل كما قصد التّسوية بين الإمام والمأموم في الحكم، وذلك يقتضي أنّ النّافلة لهما سواء. انتهى والذي يظهر أنّ البخاريّ أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب، وهو ما رواه أبو داود وابن حبّان من طريق أيّوب عن نافعٍ قال: كان ابن عمر يطيل الصّلاة قبل الجمعة , ويُصلِّي بعدها ركعتين في بيته , ويحدّث أنّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. احتجّ به النّوويّ في الخلاصة على إثبات سنّة الجمعة التي قبلها. وتعقّب: بأنّ قوله " وكان يفعل ذلك " عائد على قوله " ويُصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته " ويدلّ عليه رواية الليث عن نافعٍ عن عبد الله , أنّه كان إذا صلَّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته , ثمّ قال

стр. 524

: كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك. أخرجه مسلم. وأمّا قوله " كان يطيل الصّلاة قبل الجمعة " فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصحّ أن يكون مرفوعاً , لأنّه ﷺ كان يخرج إذا زالت الشّمس فيشتغل بالخطبة ثمّ بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة فلا حجّة فيه لسنّة الجمعة التي قبلها بل هو تنفّلٌ مطلق، وقد ورد التّرغيب فيه كما في حديث سلمان وغيره عند البخاري قال فيه: ثمّ صلَّى ما كُتب له. وورد في سنّة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفةٌ. منها عن أبي هريرة رواه البزّار بلفظ: كان يُصلِّي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً. وفي إسناده ضعفٌ، وعن عليٍّ مثله. رواه الأثرم والطّبرانيّ في " الأوسط " بلفظ: كان يُصلِّي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. وفيه محمّد بن عبد الرّحمن السّهميّ وهو ضعيفٌ عند البخاريّ وغيره، وقال الأثرم: إنّه حديث واهٍ. ومنها عن ابن عبّاس مثله. وزاد " لا يفصل في شيءٍ منهنّ " أخرجه ابن ماجه بسندٍ واهٍ. قال النّوويّ في الخلاصة: إنّه حديث باطل. وعن ابن مسعود عند الطّبرانيّ أيضاً مثله. وفي إسناده ضعف وانقطاع. ورواه عبد الرّزّاق عن ابن مسعود موقوفاً وهو الصّواب. وروى ابن سعد عن صفيّة زوج النّبيّ ﷺ موقوفاً , نحو حديث أبي

стр. 525

هريرة. وقد تقدّم نقل المذاهب في كراهة التّطوّع نصف النّهار , ومن استثنى يوم الجمعة دون بقيّة الأيّام في المواقيت (١). وأقوى ما يتمسّك به في مشروعيّة ركعتين قبل الجمعة عموم ما صحَّحه ابن حبّان من حديث عبد الله بن الزّبير مرفوعاً: ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلاَّ وبين يديها ركعتان. ومثله حديث عبد الله بن مغفّل ﵁ " بين كل أذانين صلاة " (٢) قوله: (فأمّا المغرب والعشاء ففي بيته) استُدل به على أنّ فعل النّوافل الليليّة في البيوت أفضل من المسجد , بخلاف رواتب النّهار , وحُكي ذلك عن مالكٍ والثّوريّ. وفي الاستدلال به لذلك نظرٌ , والظّاهر أنّ ذلك لَم يقع عن عمدٍ , وإنّما كان ﷺ يتشاغل بالنّاس في النّهار غالباً , وبالليل يكون في بيته غالباً , وتقدّم من طريق مالكٍ عن نافعٍ بلفظ: وكان لا يُصلِّي بعد الجمعة حتّى ينصرف. والحكمة في ذلك أنّه كان يبادر إلى الجمعة ثمّ ينصرف إلى القائلة بخلاف الظّهر فإنّه كان يبرد بها , وكان يقيل قبلها. وأغرب ابن أبي ليلى , فقال: لا تجزئ سنّة المغرب في المسجد. حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن لبيد رفعه:

стр. 526

إنّ الرّكعتين بعد المغرب من صلاة البيوت. (١) وقال: إنّه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى. فاستحسنه. قوله: (وحدّثتني حفصة) أي: أخته بنت عمر، وقائل ذلك. هو عبد الله بن عمر. وكانت حفصةُ أسنَّ من أخيها عبد الله. فإنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين , وعبد الله وُلد بعد البعثة بثلاث أو أربع. وأخرج ابن سعد والدارمي والحاكم , أنَّ النبي ﷺ طلَّق حفصة ثم راجعها. ولابن سعد مثله من حديث ابن عباس عن عمر. وإسناده حسن، ومن طريق قيس بن زيد مثله. وزاد " فقال النبي ﷺ : إنَّ جبريل أتاني فقال لي: راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنة. وقيس مختلف في صحبته، ونحوه عنده من مرسل محمد بن سيرين. قوله: (سجدتين خفيفتين). اختلف في حكمة تخفيفهما. فقيل: ليبادر إلى صلاة الصّبح في أوّل الوقت وبه جزم القرطبيّ.

стр. 527

وقيل: ليستفتح صلاة النّهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل ليدخل في الفرض أو ما شابهه في الفضل بنشاطٍ واستعداد تامّ. والله أعلم ولهما عن عائشة، أنّها كانت تقول: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتي الفجر فيخفّف، حتّى إنّي أقول: هل قرأ فيهما بأمّ القرآن؟. وقد تمسّك به من زعم أنّه لا قراءة في ركعتي الفجر أصلاً. وهو قول محكي عن أبي بكر الأصم وإبراهيم بن علية وتعقّب: بما ثبت في الأحاديث الآتية. قال القرطبيّ: ليس معنى هذا أنّها شكّت في قراءته ﷺ الفاتحة , وإنّما معناه أنّه كان يطيل في النّوافل، فلمّا خفّف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنّه لَم يقرأ بالنّسبة إلى غيرها من الصّلوات. قلت: وفي تخصيصها أمّ القرآن بالذّكر إشارة إلى مواظبته لقراءتها في غيرها من صلاته. وقد روى ابن ماجه بإسنادٍ قويّ عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتين قبل الفجر , وكان يقول: نِعْمَ السّورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر: قل يا أيّها الكافرون , وقل هو الله أحد. ولابن أبي شيبة من طريق محمّد بن سيرين عن عائشة , كان يقرأ فيهما بهما , ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة , أنّه ﷺ قرأ فيهما بهما. وللتّرمذيّ والنّسائيّ من حديث ابن عمر: رمقتُ النّبيّ ﷺ شهراً

стр. 528

فكان يقرأ فيهما بهما. وللتّرمذيّ من حديث ابن مسعود مثله بغير تقييد، وكذا للبزّار عن أنس، ولابن حبّان عن جابر ما يدلّ على التّرغيب في قراءتهما فيهما. واستدل بحديث عائشة. القول الأول: على أنّه لا يزيد فيهما على أمّ القرآن. وهو قول مالك. القول الثاني: في البويطيّ عن الشّافعيّ: استحباب قراءة السّورتين المذكورتين فيهما مع الفاتحة عملاً بالحديث المذكور، وبذلك قال الجمهور. وقالوا: معنى قول عائشة " هل قرأ فيهما بأمّ القرآن " أي: مقتصراً عليها أو ضمّ إليها غيرها، وذلك لإسراعه بقراءتها، وكان من عادته أن يرتّل السّورة حتّى تكون أطول من أطول منها. القول الثالث: ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما , وهو قول أكثر الحنفيّة، ونقل عن النّخعيّ، وأورد البيهقيّ فيه حديثاً مرفوعاً من مرسل سعيد بن جبير. وفي سنده راوٍ لَم يُسمّ. القول الرابع: خصّ بعضهم ذلك. بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل فيستدركها في ركعتي الفجر، ونقل ذلك عن أبي حنيفة. وأخرجه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن الحسن البصريّ. واستُدل بالأحاديث المذكورة على أنّه لا يتعيّن قراءة الفاتحة في الصّلاة , لأنّه لَم يذكرها مع سورتي الإخلاص.

стр. 529

وروى مسلم من حديث ابن عبّاس , أنّه ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر (قولوا آمنّا بالله) التي في البقرة، وفي الأخرى التي في آل عمران. (١) وأجيب: بأنّه ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر فيها. ويؤيّده أنّ قول عائشة " لا أدري أقرأ الفاتحة أم لا؟. فدلَّ على أنّ الفاتحة كان مقرّراً عندهم أنّه لا بدّ من قراءتها. والله أعلم. قوله: (وكانت ساعة) قائل ذلك هو ابن عمر. وفي رواية لهما: وحدّثتني حفصة أنّه كان إذا أذّن المؤذّن , وطلع الفجر صلَّى ركعتين ". وهذا يدلّ على أنّه إنّما أخذ عن حفصة وقت إيقاع الرّكعتين قبل الصّبح. لا أصل مشروعيّتهما. وفي الحديث حجّةٌ لمن ذهب إلى أنّ للفرائض رواتب تستحبّ المواظبة عليها وهو قول الجمهور. وذهب مالك في المشهور عنه. إلى أنّه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض، لكن لا يمنع من تطوّعٍ بما شاء إذا أمن ذلك. وذهب العراقيّون من أصحابه إلى موافقة الجمهور.

стр. 530

الحديث الثامن عشر ٦٧ - عن عائشة ﵂ , قالت: لَم يكن النّبيّ ﷺ على شيءٍ من النّوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: ركعتا الفجر خيرٌ من الدّنيا وما فيها. (٢) قوله: (النوافل) في رواية أبي عاصم عن ابن جريجٍ عند البيهقيّ. قلت لعطاءٍ: أواجبة ركعتا الفجر , أو هي من التّطوّع؟ فقال: حدّثني عبيد بن عمير عن عائشة. فذكر الحديث. وجاء عن عائشة أيضاً تسميتها تطوّعاً من وجه آخر، فعند مسلم من طريق عبد الله بن شقيق , سألت عائشة عن تطوّع النّبيّ ﷺ . فذكر الحديث. وفيه " وكان إذا طلع الفجر صلَّى ركعتين ". قوله: (أشدّ تعاهداً) في رواية ابن خزيمة " أشدّ معاهدة " (٣) , ولمسلمٍ من طريق حفص عن ابن جريجٍ: ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الرّكعتين قبل الفجر , زاد ابن خزيمة من هذا الوجه " ولا إلى غنيمة ". تكميلٌ: أخرج البخاري عن عائشة ﵂، قالت: صلَّى
следующие страницы →