← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إنّ الرّكعتين بعد المغرب من صلاة البيوت. (١) وقال: إنّه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى. فاستحسنه. قوله: (وحدّثتني حفصة) أي: أخته بنت عمر، وقائل ذلك. هو عبد الله بن عمر. وكانت حفصةُ أسنَّ من أخيها عبد الله. فإنها ولدت قبل البعثة بخمس سنين , وعبد الله وُلد بعد البعثة بثلاث أو أربع. وأخرج ابن سعد والدارمي والحاكم , أنَّ النبي ﷺ طلَّق حفصة ثم راجعها. ولابن سعد مثله من حديث ابن عباس عن عمر. وإسناده حسن، ومن طريق قيس بن زيد مثله. وزاد " فقال النبي ﷺ : إنَّ جبريل أتاني فقال لي: راجع حفصة فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنة. وقيس مختلف في صحبته، ونحوه عنده من مرسل محمد بن سيرين. قوله: (سجدتين خفيفتين). اختلف في حكمة تخفيفهما. فقيل: ليبادر إلى صلاة الصّبح في أوّل الوقت وبه جزم القرطبيّ.

стр. 527

وقيل: ليستفتح صلاة النّهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل ليدخل في الفرض أو ما شابهه في الفضل بنشاطٍ واستعداد تامّ. والله أعلم ولهما عن عائشة، أنّها كانت تقول: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتي الفجر فيخفّف، حتّى إنّي أقول: هل قرأ فيهما بأمّ القرآن؟. وقد تمسّك به من زعم أنّه لا قراءة في ركعتي الفجر أصلاً. وهو قول محكي عن أبي بكر الأصم وإبراهيم بن علية وتعقّب: بما ثبت في الأحاديث الآتية. قال القرطبيّ: ليس معنى هذا أنّها شكّت في قراءته ﷺ الفاتحة , وإنّما معناه أنّه كان يطيل في النّوافل، فلمّا خفّف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنّه لَم يقرأ بالنّسبة إلى غيرها من الصّلوات. قلت: وفي تخصيصها أمّ القرآن بالذّكر إشارة إلى مواظبته لقراءتها في غيرها من صلاته. وقد روى ابن ماجه بإسنادٍ قويّ عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتين قبل الفجر , وكان يقول: نِعْمَ السّورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر: قل يا أيّها الكافرون , وقل هو الله أحد. ولابن أبي شيبة من طريق محمّد بن سيرين عن عائشة , كان يقرأ فيهما بهما , ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة , أنّه ﷺ قرأ فيهما بهما. وللتّرمذيّ والنّسائيّ من حديث ابن عمر: رمقتُ النّبيّ ﷺ شهراً

стр. 528

فكان يقرأ فيهما بهما. وللتّرمذيّ من حديث ابن مسعود مثله بغير تقييد، وكذا للبزّار عن أنس، ولابن حبّان عن جابر ما يدلّ على التّرغيب في قراءتهما فيهما. واستدل بحديث عائشة. القول الأول: على أنّه لا يزيد فيهما على أمّ القرآن. وهو قول مالك. القول الثاني: في البويطيّ عن الشّافعيّ: استحباب قراءة السّورتين المذكورتين فيهما مع الفاتحة عملاً بالحديث المذكور، وبذلك قال الجمهور. وقالوا: معنى قول عائشة " هل قرأ فيهما بأمّ القرآن " أي: مقتصراً عليها أو ضمّ إليها غيرها، وذلك لإسراعه بقراءتها، وكان من عادته أن يرتّل السّورة حتّى تكون أطول من أطول منها. القول الثالث: ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما , وهو قول أكثر الحنفيّة، ونقل عن النّخعيّ، وأورد البيهقيّ فيه حديثاً مرفوعاً من مرسل سعيد بن جبير. وفي سنده راوٍ لَم يُسمّ. القول الرابع: خصّ بعضهم ذلك. بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل فيستدركها في ركعتي الفجر، ونقل ذلك عن أبي حنيفة. وأخرجه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن الحسن البصريّ. واستُدل بالأحاديث المذكورة على أنّه لا يتعيّن قراءة الفاتحة في الصّلاة , لأنّه لَم يذكرها مع سورتي الإخلاص.

стр. 529

وروى مسلم من حديث ابن عبّاس , أنّه ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر (قولوا آمنّا بالله) التي في البقرة، وفي الأخرى التي في آل عمران. (١) وأجيب: بأنّه ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر فيها. ويؤيّده أنّ قول عائشة " لا أدري أقرأ الفاتحة أم لا؟. فدلَّ على أنّ الفاتحة كان مقرّراً عندهم أنّه لا بدّ من قراءتها. والله أعلم. قوله: (وكانت ساعة) قائل ذلك هو ابن عمر. وفي رواية لهما: وحدّثتني حفصة أنّه كان إذا أذّن المؤذّن , وطلع الفجر صلَّى ركعتين ". وهذا يدلّ على أنّه إنّما أخذ عن حفصة وقت إيقاع الرّكعتين قبل الصّبح. لا أصل مشروعيّتهما. وفي الحديث حجّةٌ لمن ذهب إلى أنّ للفرائض رواتب تستحبّ المواظبة عليها وهو قول الجمهور. وذهب مالك في المشهور عنه. إلى أنّه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض، لكن لا يمنع من تطوّعٍ بما شاء إذا أمن ذلك. وذهب العراقيّون من أصحابه إلى موافقة الجمهور.

стр. 530

الحديث الثامن عشر ٦٧ - عن عائشة ﵂ , قالت: لَم يكن النّبيّ ﷺ على شيءٍ من النّوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: ركعتا الفجر خيرٌ من الدّنيا وما فيها. (٢) قوله: (النوافل) في رواية أبي عاصم عن ابن جريجٍ عند البيهقيّ. قلت لعطاءٍ: أواجبة ركعتا الفجر , أو هي من التّطوّع؟ فقال: حدّثني عبيد بن عمير عن عائشة. فذكر الحديث. وجاء عن عائشة أيضاً تسميتها تطوّعاً من وجه آخر، فعند مسلم من طريق عبد الله بن شقيق , سألت عائشة عن تطوّع النّبيّ ﷺ . فذكر الحديث. وفيه " وكان إذا طلع الفجر صلَّى ركعتين ". قوله: (أشدّ تعاهداً) في رواية ابن خزيمة " أشدّ معاهدة " (٣) , ولمسلمٍ من طريق حفص عن ابن جريجٍ: ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الرّكعتين قبل الفجر , زاد ابن خزيمة من هذا الوجه " ولا إلى غنيمة ". تكميلٌ: أخرج البخاري عن عائشة ﵂، قالت: صلَّى

стр. 531

النبي ﷺ العشاء، ثم صلَّى ثماني ركعات، وركعتين جالساً، وركعتين بين النداءين , ولَم يكن يدعهما أبدا. قوله " ولَم يكن يدعهما أبداً " استدل به لِمَن قال بالوجوب، وهو منقول عن الحسن البصريّ أخرجه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: كان الحسن يرى الرّكعتين قبل الفجر واجبتين. والمراد بالفجر هنا صلاة الصّبح. ونقل المرغينانيّ مثله عن أبي حنيفة. وفي " جامع المحبوبيّ " عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: لو صلاّهما قاعداً من غير عذر لَم يجز. واستدل به بعض الشّافعيّة للقديم في أنّ ركعتي الفجر أفضل التّطوّعات. وقال الشّافعيّ في الجديد: أفضلها الوتر. وقال بعض أصحابه: أفضلها صلاة الليل لِمَا روى مسلم من حديث أبي هريرة , أنَّ النبي ﷺ قال: أفضل الصّلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل. فائدة: ورد في حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح ففيه " ثم صلى ركعتين قبل الصبح ثم صلى الصبح كما كان يصلي " , وله من حديث أبي هريرة في هذه القصة أيضاً " ثم دعا بماء فتوضأ ثم صلى سجدتين - أي ركعتين - ثم أقيمت الصلاة فصلى صلاة الغداة " الحديث

стр. 532

قال صاحب الهدي (١): لم يُحفظ عن النبي ﷺ أنه صلَّى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها في السفر، إلاَّ ما كان من سنة الفجر. قلت: ويرِد على إطلاقه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفراً فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر. وكأنه لم يثبت عنده، لكن الترمذي استغربه , ونقل عن البخاري أنه رآه حسناً، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر، والله أعلم قوله: (وفي لفظٍ لمسلمٍ: ركعتا الفجر خيرٌ من الدّنيا وما فيها) (٢)

стр. 533

باب الأذان والإقامة الأذان لغةً الإعلام، قال الله تعالى (وأذانٌ من الله ورسوله). واشتقاقه من الأَذَن بفتحتين وهو الاستماع. وشرعاً الإعلام بوقت الصّلاة بألفاظٍ مخصوصة. قال القرطبيّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنّه بدأ بالأكبريّة. وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمّ ثنّى بالتّوحيد ونفي الشّريك، ثمّ بإثبات الرّسالة لمحمّدٍ ﷺ ، ثمّ دعا إلى الطّاعة المخصوصة عَقِب الشّهادة بالرّسالة لأنّها لا تعرف إلاَّ من جهة الرّسول، ثمّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدّائم وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمّ أعاد ما أعاد توكيداً. ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسّره لكل أحدٍ في كل زمان ومكان. واختلف أيّهما أفضل الأذان أو الإمامة؟. ثالثها , إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، وفي كلام الشّافعيّ ما يومئ إليه. واختلف أيضاً في الجمع بينهما. فقيل: يكره، وفي البيهقيّ من حديث جابر مرفوعاً النّهي عن ذلك. لكنّ سنده ضعيف، وصحّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت. رواه سعيد بن منصور وغيره.

стр. 534

وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحبّ. وصحَّحه النّوويّ. فوائد: الفائدة الأولى: أخرج البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلَّموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فناد بالصلاة. وهو ظاهر في أنّ الأذان إنّما شرع بعد الهجرة، فإنّه نفى النّداء بالصّلاة قبل ذلك مطلقاً. وقوله في آخره " يا بلال: قم فناد بالصّلاة " كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلّ على ذلك. كما أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان من طريق محمّد بن إسحاق قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن محمّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه قال: حدّثني عبد الله بن زيد، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره " فبينما هم على ذلك , أُري عبد الله النّداء. فذكر الرّؤيا. وفيها صفة الأذان لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التّكبير وإفراد الإقامة وتثنية قد قامت الصّلاة , وفي آخره قوله ﷺ : إنّها لرؤيا حقّ إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألقها عليه فإنّه أندى صوتاً منك , وفيه مجيء عمر , وقوله: إنّه رأى مثل ذلك. الفائدة الثانية: وردتْ أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شرع بمكّة قبل

стр. 535

الهجرة , منها للطّبرانيّ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لَمّا أسري بالنّبيّ ﷺ , أوحى الله إليه الأذان , فنزل به فعلَّمه بلالاً. وفي إسناده طلحة بن زيد. وهو متروك. وللدّارقطنيّ في " الأطراف " من حديث أنس , أنّ جبريل أمر النّبيّ ﷺ بالأذان حين فرضت الصّلاة. وإسناده ضعيف أيضاً. ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعاً: لَمّا أُسري بي أذّن جبريل فظنّت الملائكة أنّه يُصلِّي بهم فقدّمني فصليت. وفيه من لا يُعرف. وللبزّار وغيره من حديث عليّ , قال: لَمّا أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابّةٍ يقال لها البراق فركبها. فذكر الحديث. وفيه: إذ خرج ملكٌ من وراء الحجاب فقال: الله أكبر، الله أكبر، وفي آخره: ثمّ أخذ الملك بيده فأمّ بأهل السّماء. وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود. وهو متروكٌ أيضاً. ويمكن على تقدير الصّحّة. أن يحمل على تعدّد الإسراء فيكون ذلك وقع بالمدينة. وأمّا قول القرطبيّ: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعاً في حقّه، ففيه نظرٌ , لقوله في أوّله: لَمّا أراد الله أن يعلم رسوله الأذان. وكذا قول المحبّ الطّبريّ: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللّغويّ وهو الإعلام. ففيه نظرٌ أيضاً لتصريحه بكيفيّته المشروعة فيه. والحقّ أنّه لا يصحُّ شيءٌ من هذه الأحاديث.

стр. 536

وقد جزم ابن المنذر بأنّه ﷺ كان يُصلِّي بغير أذان منذ فرضت الصّلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة , وإلى أن وقع التّشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثمّ حديث عبد الله بن زيد. انتهى. وقد حاول السّهيليّ الجمع بينهما فتكلف وتعسّف، والأخذ بما صحّ أولى، فقال بانياً على صحّة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصّحابيّ: إنّ النّبيّ ﷺ سمعه فوق سبع سموات وهو أقوى من الوحي، فلمّا تأخّر الأمر بالأذان عن فرض الصّلاة وأراد إعلامهم بالوقت , فرأى الصّحابيّ المنام فقصّها , فوافقت ما كان النّبيّ ﷺ سمعه فقال: إنّها لرؤيا حقّ " , وعلم حينئذٍ أنّ مراد الله بما أراه في السّماء أن يكون سنّةً في الأرض، وتقوّى ذلك بموافقة عمر , لأنّ السّكينة تنطق على لسانه. الفائدة الثانية: ممّا كثر السّؤال عنه. هل باشر النّبيّ ﷺ الأذان بنفسه؟. وقد وقع عند السّهيليّ , أنّ النّبيّ ﷺ أذّن في سفر , وصلَّى بأصحابه وهم على رواحلهم السّماء من فوقهم والبلة من أسفلهم. أخرجه التّرمذيّ من طريق تدور على عمر بن الرّمّاح يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى وليس هو من حديث أبي هريرة , وإنّما هو من حديث يعلى بن مرّة، وكذا جزم النّوويّ. بأنّ النّبيّ ﷺ أذّن مرّةً في السّفر , وعزاه للتّرمذيّ وقوّاه.

стр. 537

ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه التّرمذيّ , ولفظه " فأمر بلالاً فأذّن " فعُرف أنّ في رواية التّرمذيّ اختصاراً , وأنّ معنى قوله " أذّن " أمر بلالاً به , كما يقال أعطى الخليفة العالم الفلانيّ ألفاً، وإنّما باشر العطاءَ غيرُه , ونسب للخليفة لكونه آمراً به. ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان , ما رواه أبو الشّيخ بسندٍ فيه مجهول عن عبد الله بن الزّبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم (وأذّن في النّاس بالحجّ) الآية. قال: فأذّن رسول الله ﷺ . وما رواه أبو نعيمٍ في " الحلية " بسندٍ فيه مجاهيل , أنّ جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنّة.

стр. 538

الحديث التاسع عشر ٦٨ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: أُمِر بلالٌ أن يشفع الأذان , ويوتر الإقامة. (١) قوله: (أُمر بلالٌ) هكذا في معظم الرّوايات على البناء للمفعول. وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصّيغة للرّفع. والمختار عند محقّقي الطّائفتين أنّها تقتضيه، لأنّ الظّاهر أنّ المراد بالأمر من له الأمر الشّرعيّ الذي يلزم اتّباعه. وهو الرّسول ﷺ ، ويؤيّد ذلك هنا من حيث المعنى , أنّ التّقرير في العبادة إنّما يؤخذ عن توقيف فيقوى جانب الرّفع جدّاً. وقد وقع في رواية روح بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس عند أبي الشيخ " فأَمَرَ بلالاً " بالنّصب , وفاعل أمر هو النّبيّ ﷺ ، وهو بيّنٌ في سياقه. وأصرح من ذلك رواية النّسائيّ وغيره عن قتيبة عن عبد الوهّاب عن خالد بلفظ: أنّ النّبيّ ﷺ أمر بلالاً.

стр. 539

قال الحاكم: صرّح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قتيبة. قلت: ولَم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عوانة من طريق مروان المروزيّ عن قتيبة ويحيى بن معينٍ كلاهما عن عبد الوهّاب، وطريق يحيى عند الدّارقطنيّ أيضاً، ولَم ينفرد به عبد الوهّاب. وقد رواه البلاذريّ من طريق أبي شهاب الحنّاط (١) عن أبي قلابة. وقضيّة وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النّداء إلى الصّلاة ظاهر في أنّ الآمر بذلك هو النّبيّ ﷺ لا غيره. كما استدل به ابن المنذر وابن حبّان. واستدل بورود الأمر به مَن قال بوجوب الأذان. وتعقّب: بأنّ الأمر إذا ورد بصفة الأذان لا بنفسه. وأجيب: بأنّه إذا ثبت الأمر بالصّفة لزم أن يكون الأصل مأموراً به، قاله ابن دقيق العيد. وممَن قال بوجوبه مطلقاً الأوزاعيّ وداود وابن المنذر , وهو ظاهر قول مالك في الموطّأ. وحُكي عن محمّد بن الحسن. وقيل: واجب في الجمعة فقط. وقيل: فرض كفاية. والجمهور. على أنّه من السّنن المؤكّدة. وأخطأ من استدل على عدم وجوبه بالإجماع لِمَا ذكرناه. والله أعلم.

стр. 540

قوله: (أن يشفع الأذان) بفتح أوّله وفتح الفاء. أي: يأتي بألفاظه شفعاً. وقد ثبت في حديث لابن عمر مرفوع. أخرجه أبو داود الطّيالسيّ في " مسنده " فقال فيه " مثنى مثنى " , وهو عند أبي داود والنّسائيّ، وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من هذا الوجه , لكن بلفظ " مرّتين مرّتين " قال الزين بن المنير: وصف الأذان بأنّه شفعٌ يفسّره قوله " مثنى مثنى " أي: مرّتين مرّتين , وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لَم يختلف في أنّ كلمة التّوحيد التي في آخره مفردةٌ فيحمل قوله " مثنى " على ما سواها قوله: (وأن يوتر الإقامة) وعند ابن حبّان في حديث ابن عمر ولفظه " الأذان مثنى والإقامة واحدة " وروى الدّارقطنيّ وحسّنه في حديث لأبي محذورة " وأمره أن يقيم واحدة واحدة ". وهذا الحديث حجّة على من زعم: أنّ الإقامة مثنى مثل الأذان. وأجاب بعض الحنفيّة: بدعوى النّسخ، وأنّ إفراد الإقامة كان أوّلاً , ثمّ نسخ بحديث أبي محذورة، يعني: الذي رواه أصحاب السّنن. وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخّر عن حديث أنس فيكون ناسخاً. وعورض: بأنّ في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسّّنة التّربيع والتّرجيع فكان يلزمهم القول به. وقد أنكر أحمد على من ادّعى النّسخ بحديث أبي محذورة.

стр. 541

واحتجّ: بأنّ النّبيّ ﷺ رجَّع بعد الفتح إلى المدينة. وأقرّ بلالاً على إفراد الإقامة , وعلَّمه سعداً القرظ فأذّن به بعده. كما رواه الدّارقطنيّ والحاكم. وقال ابن عبد البرّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أنّ ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربّع التّكبير الأوّل في الأذان، أو ثنّاه، أو رجّع في التّشهّد , أو لَم يرجّع، أو ثنّى الإقامة , أو أفردها كلّها أو إلاَّ " قد قامت الصّلاة " فالجميع جائز. وعن ابن خزيمة: إن ربّع الأذان ورجّع فيه ثنّى الإقامة , وإلَّا أفردها، وقيل: لَم يقل بهذا التّفصيل أحدٌ قبله. والله أعلم. وقد احتجّ به مَن قال بإفراد قوله " قد قامت الصّلاة " والحديث حجّة عليه. فإنّ احتجّ بعمل أهل المدينة , عورض بعمل أهل مكّة , ومعهم الحديث الصّحيح. فائدةٌ: قيل: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أنّ الأذان لإعلام الغائبين فيكرّر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنّها للحاضرين، ومن ثَمَّ استحبّ أن يكون الأذان في مكان عالٍ بخلاف الإقامة، وأن يكون الصّوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتّلاً والإقامة مسرّعةً. وكرّر " قد قامت الصّلاة " لأنّها المقصودة من الإقامة بالذّات. قلت: توجيهه ظاهر.

стр. 542

وأمّا قول الخطّابيّ: لو سوّى بينهما لاشتبه الأمر عند ذلك وصار لأن يفوتَ كثيراً من النّاس صلاة الجماعة، ففيه نظرٌ، لأنّ الأذان يستحبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع. وقد تقدّم الكلام على تثنية التّكبير، وتؤخذ حكمة التّرجيع ممّا تقدّم، وإنّما اختصّ بالتّشهّد لأنّه أعظم ألفاظ الأذان، والله أعلم. تكميلٌ: زاد الشيخان بعد قوله. يوتر الإقامة " إلاَّ الإقامة ". والمراد بالمنفيّ غير المراد بالمثبت، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصّلاة. والمراد بالمنفيّ خصوص قوله " قد قامت الصّلاة " كما سيأتي ذلك صريحاً. وحصل من ذلك جناسٌ تامٌّ. وأخرجه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أيّوب بسنده متّصلاً بالخبر مفسّراً. ولفظه: كان بلال يثنّي الأذان ويوتر الإقامة، إلاَّ قوله قد قامت الصّلاة. وأخرجه أبو عوانة في " صحيحه " والسّرّاج في " مسنده " , وكذا هو في مصنّف عبد الرّزّاق، وللإسماعيليّ من هذا الوجه. ويقول: قد قامت الصّلاة مرّتين. وقد استشكل عدم استثناء التّكبير في الإقامة. وأجاب بعض الشّافعيّة: بأنّ التّثنية في تكبيرة الإقامة بالنّسبة إلى الأذان إفراد. قال النّوويّ: ولهذا يستحبّ أن يقول المؤذّن كلّ تكبيرتين بنفسٍ واحدٍ.

стр. 543

قلت: وهذا إنّما يتأتّى في أوّل الأذان لا في التّكبير الذي في آخره. وعلى ما قال النّوويّ: ينبغي للمؤذّن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنَفَسٍ. ويظهر بهذا التّقرير ترجيح قول مَن قال بتربيع التّكبير في أوّله على مَن قال بتثنيته، مع أنّ لفظ " الشّفع " يتناول التّثنية والتّربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطّالٍ. وأمّا الترجيع في التّشهّدين , فالأصحّ في صورته أن يشهد بالوحدانيّة ثنتين , ثمّ بالرّسالة ثنتين , ثمّ يرجع فيشهد كذلك، فهو - وإن كان في العدد مربّعاً - فهو في الصّورة مثنى. والله أعلم.

стр. 544

الحديث العشرون ٦٩ - عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائيّ ﵁ , قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو في قبّةٍ له حمراء من أدمٍ , قال: فخرج بلالٌ بوضوءٍ , فمن ناضحٍ ونائلٍ , قال: فخرج النّبيّ ﷺ عليه حُلةٌ حمراء , كأنّي أنظر إلى بياض ساقيه , قال: فتوضّأ وأذّن بلالٌ , قال: فجعلتُ أتتبَّع فاه ههنا وههنا , يقول يميناً وشمالاً: حيَّ على الصّلاة ; حيَّ على الفلاح , ثمّ رُكِزتْ له عنزةٌ , فتقدّم وصلَّى الظّهر ركعتين , ثمّ لَم يزل يُصلِّي ركعتين حتّى رجع إلى المدينة. (١) قوله: (عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله) وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وكان يقال له أيضا: وهب الله ووهب الخير. وسواءة بضم المهملة وتخفيف الواو والمد والهمز , وآخره هاء تأنيث ابن عامر بن صعصعة. (٢) قوله: (قبةٍ حمراءَ من أَدَمٍ) بفتح الهمزة والمهملة. هو الجلد المدبوغ

стр. 545

، وكأنّه صبغ بحمرةٍ قبل أن يجعل قبّة. قوله: (فخرج بلال بوضوء) بفتح الواو , أي: الماء الذي توضأ به. قوله: (فمن ناضح ونائل) في رواية لهما " رأيت الناس يبتدرون ذاك الوضوء، فمَن أصاب منه شيئاً تمسح به، ومَن لَم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه ". وللبخاري " فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به " كأنّهم اقتسموا الماء الذي فضل عنه. ويحتمل: أن يكونوا تناولوا ما سال من أعضاء وضوئه ﷺ . وفيه دلالة بيّنة على طهارة الماء المستعمل. وأخرج ابن أبي شيبة والدّارقطنيّ والبخاري معلَّقاً من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير , أنه كان يستاك , ويغمس رأس سواكه في الماء , ثمّ يقول لأهله: توضّئوا بفضله، لا يرى به بأساً. وإنّما أراد البخاريّ (١) أنّ صنيعه ذلك لا يغيّر الماء، وكذا مجرّد الاستعمال لا يغيّر الماء فلا يمتنع التّطهّر به. وقد صحَّحه الدّارقطنيّ بلفظ " كان يقول لأهله: توضّئوا من هذا الذي أدخل فيه سواكي ". وقد روي مرفوعاً، أخرجه الدّارقطنيّ من حديث أنس , أنّ النّبيّ ﷺ كان يتوضّأ بفضل سواكه. وسنده ضعيف.

стр. 546

وذكر أبو طالب في " مسائله " عن أحمد , أنّه سأله عن معنى هذا الحديث , فقال: كان يدخل السّواك في الإناء ويستاك، فإذا فرغ توضّأ من ذلك الماء. وقد استشكل إيراد البخاريّ له في هذا الباب المعقود لطهارة الماء المستعمل. وأجيب: بأنّه ثبت أنّ السّواك مطهّر للفم، فإذا خالط الماء , ثمّ حصل الوضوء بذلك الماء , كان فيه استعمال للمستعمل في الطّهارة. قوله: (فخرج النبي ﷺ وعليه حُلَّة) قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن. والحلة إزار ورداء. ونقله ابن الأثير , وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده في المحكم: الْحُلة برد أو غيره. وحكى عياض , أنَّ أصل تسمية الثوبين حلة أنهما يكونان جديدين كما حَلَّ طيهما. وقيل: لا يكون الثوبان حلة حتى يلبس أحدهما فوق الآخر فإذا كان فوقه فقد حلَّ عليه. والأول أشهر قوله: (حمراء) بوَّب عليه البخاري بقوله " باب الصلاة في الثوب الأحمر " يشير إلى الجواز، والخلاف في ذلك مع الحنفيّة. فإنّهم قالوا: يكره. وتأوّلوا حديث الباب بأنّها كانت حلة من برود فيها خطوطٌ حمرٌ. ومن أدلتهم. ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال

стр. 547

: مرّ بالنّبيّ ﷺ رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلَّم عليه فلم يردّ عليه. وهو حديثٌ ضعيف الإسناد، وإن وقع في بعض نسخ التّرمذيّ أنّه قال: حديث حسن؛ لأنّ في سنده كذا. (١) وعلى تقدير أن يكون ممّا يحتجّ به. فقد عارضه ما هو أقوى منه. وهو واقعة عين، فيحتمل أن يكون ترك الرّدّ عليه بسببٍ آخر. وحمله البيهقيّ على ما صبغ بعد النّسج. وأمّا ما صُبغ غزله ثمّ نسج , فلا كراهية فيه. وقال ابن التّين: زعم بعضهم. أنّ لُبس النّبيّ ﷺ لتلك الحلة كان من أجل الغزو، وفيه نظرٌ؛ لأنّه كان عقب حجّة الوداع , ولَم يكن له إذ ذاك غزوٌ. (٢) قوله: (كأني أنظر إلى بياض ساقيه) وللبخاري " خرج في حلة مشمراً " والتشمر: هو بالشّين المعجمة وتشديد الميم: رفع أسفل الثّوب. قال الإسماعيليّ: وهذا هو التّشمير , ويؤخذ منه أنّ النّهي عن كفّ الثّياب في الصّلاة محلّه في غير ذيل الإزار، ويحتمل: أن تكون هذه الصّورة وقعت اتّفاقاً، فإنّها كانت في حالة السّفر , وهو محلّ التّشمير.

стр. 548

قوله: (فجعلت أتتبّع فاه ههنا وههنا) في رواية عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن سفيان عن عون عند أبي عوانة في صحيحه " فجعل يتتبّع بفيه يميناً وشمالاً ". وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيليّ " رأيت بلالاً يؤذّن يتتبّع بفيه " ووصف سفيان " يميل برأسه يميناً وشمالاً ". والحاصل أنّ بلالاً كان يتتبّع بفيه النّاحيتين، وكان أبو جحيفة ينظر إليه , فكلٌّ منهما متتبّع باعتبارٍ. قوله: (يقول يميناً وشمالاً: حيَّ على الصّلاة; حيَّ على الفلاح) وللبخاري " ههنا وهها بالأذان " أورده مختصراً. ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمّ حيث قال " فجعلت أتتبّع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً , يقول: حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح " وهذا فيه تقييدٌ للالتفات في الأذان وأنّ محله عند الحيعلتين. وبوّب عليه ابن خزيمة " انحراف المؤذّن عند قوله حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح بفمه لا ببدنه كله " قال: وإنّما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثمّ ساقه من طريق وكيع أيضاً بلفظ " فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يميناً وشمالاً ". وفي رواية عبد الرّزّاق عن الثّوريّ في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة. والأخرى: وضع الإصبع في الأذن، ولفظه عند التّرمذيّ " رأيت بلالاً يؤذّن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أذنيه ".

стр. 549

فأمّا قوله " ويدور ". فهو مدرجٌ في رواية سفيان عن عونٍ، بيّن ذلك يحيى بن آدم عن سفيان عن عونٍ عن أبيه قال: رأيت بلالاً أذّن , فأتبع فاه هاهنا وهاهنا والتفت يميناً وشمالاً. قال سفيان: كان حجّاجٌ - يعني ابن أرطأة - يذكر لنا عن عونٍ أنّه قال: فاستدار في أذانه. فلمّا لقينا عوناً لَم يذكر فيه الاستدارة، أخرجه الطّبرانيّ وأبو الشّيخ من طريق يحيى بن آدم. وكذا أخرجه البيهقيّ من طريق عبد الله بن الوليد العدنيّ عن سفيان، لكن لَم يسمّ حجّاجاً، وهو مشهور عن حجّاجٍ. أخرجه ابن ماجه وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم من طريقه. ولَم ينفرد به. بل وافقه إدريس الأوديّ ومحمّد العرزميّ عن عونٍ، لكنّ الثّلاثة ضعفاء، وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل - وهو قيس بن الرّبيع -. فرواه عن عون. فقال في حديثه " ولَم يستدر " أخرجه أبو داود. ويمكن الجمع: بأنّ من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرّأس، ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله. ومشى ابن بطّالٍ ومن تبعه على ظاهره , فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذّنين للإسماع عند التّلفّظ بالحيعلتين، واختلف هل يستدير ببدنه كله أو بوجهه فقط , وقدماه قارّتان مستقبل القبلة؟ واختلف أيضاً. هل يستدير في

стр. 550

الحيعلتين الأوليين مرّةً , وفي الثّانيتين مرّةً؟ أو يقول حيّ على الصّلاة عن يمينه , ثمّ حيّ على الصّلاة عن شماله. وكذا في الأخرى؟. قال: ورجح الثّاني , لأنّه يكون لكل جهةٍ نصيبٌ منهما، قال: والأوّل أقرب إلى لفظ الحديث. وفي المغني عن أحمد: لا يدور إلاَّ إن كان على منارةٍ يقصد إسماع أهل الجهتين. وأمّا وضع الإصبعين في الأذنين: فقد رواه مؤمّلٌ أيضاً عن سفيان. أخرجه أبو عوانة، وله شواهد ذكرتها في " تعليق التّعليق ". من أصحّها. ما رواه أبو داود وابن حبّان من طريق أبي سلامٍ الدّمشقيّ , أنّ عبد الله الهوزنيّ حدّثه , قال: قلت لبلالٍ: كيف كانت نفقة النّبيّ ﷺ ؟ فذكر الحديث. وفيه. قال بلال: فجعلت إصبعي في أذني فأذّنت. ولابن ماجه والحاكم من حديث سعد القرظ , أنّ النّبيّ ﷺ أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه. وفي إسناده ضعفٌ. قال العلماء في ذلك فائدتان: إحداهما: أنّه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه أبو الشّيخ من طريق سعد القرظ عن بلالٍ. ثانيهما: أنّه علامة للمؤذّن ليعرف من رآه على بُعدٍ , أو كان به صممٌ أنّه يؤذّن، ومن ثَمَّ قال بعضهم: يجعل يده فوق أذنه حسب. قال التّرمذيّ: استحبّ أهل العلم أن يدخل المؤذّن إصبعيه في

стр. 551

أذنيه في الأذان، قال: واستحبّه الأوزاعيّ في الإقامة أيضاً. تنبيهٌ: لَم يرد تعيين الإصبع التي يستحبّ وضعها، وجزم النّوويّ أنّها المسبّحة، وإطلاق الإصبع مجازٌ عن الأنملة. تنبيهٌ آخر: وقع في " المُغني " للموفّق نسبة حديث أبي جحيفة بلفظ " أنّ بلالاً أذّن ووضع إصبعيه في أذنيه " إلى تخريج البخاريّ ومسلم، وهو وهمٌ. وساق أبو نعيم في " المستخرج " حديث الباب من طريق عبد الرّحمن بن مهديٍّ , وعبد الرّزّاق عن سفيان بلفظ عبد الرّزّاق من غير بيان فما أجاد، لإيهامه أنّهما متوافقتان. وقد عرفتَ ما في رواية عبد الرّزّاق من الإدراج، وسلامة رواية عبد الرّحمن من ذلك، والله المستعان. قوله: (ثم رُكِزَتْ له عنَزَة) تقدّم ضبطها وتفسيرها في الطّهارة في حديث أنس (١). وفي رواية أبي العميس عن عون عند البخاري " جاء بلال فآذنه بالصّلاة، ثمّ خرج بالعنزة حتّى ركزها بين يديه وأقام الصّلاة ". وأوّل رواية عمر بن أبي زائدة عن عونٍ عن أبيه في الصحيحين: رأيت رسول الله ﷺ في قبّةٍ حمراء من أدمٍ، ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت النّاس يبتدرون ذلك الوضوء فمَن أصاب

стр. 552

منه شيئاً تمسّح به، ومن لَم يصب منه شيئاً أخذ من بلَل يد صاحبه. وفيها أيضاً. وخرج في حلةٍ حمراء مشمّراً. وفي رواية مالك بن مِغْوَل عن عون عند البخاري " كأنّي أنظر إلى وبيص ساقيه " , وبيّن فيها أيضاً أنّ الوضوء الذي ابتدره النّاس كان فضل الماء الذي توضّأ به النّبيّ ﷺ ، وكذا هو في رواية شعبة عن الحكم. وفي رواية مسلمٍ من طريق الثّوريّ عن عونٍ ما يُشعر بأنّ ذلك كان بعد خروجه من مكّة بقوله " ثمّ لَم يزل يُصلِّي ركعتين حتّى رجع إلى المدينة ". قوله: (فتقدّم , وصلَّى الظّهر والعصر ركعتين) زادا في رواية لهما " يمر بين يديه المرأة والحمار " أي: بين العنزة والقبلة لا بينه وبين العنزة، ففي رواية عمر بن أبي زائدة عن عون " ورأيت النّاس والدّوابّ يمرّون بين يدي العنزة ". وفي الحديث من الفوائد. التماس البركة ممّا لامسه الصّالحون (١)، ووضع السّترة للمصلي حيث يخشى المرور بين يديه , والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة.

стр. 553

وأنّ قصر الصّلاة في السّفر أفضل من الإتمام لِمَا يشعر به الخبر من مواظبة النّبيّ ﷺ عليه , وأنّ ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه. وفيه تعظيم الصّحابة للنّبيّ ﷺ ، وفيه استحباب تشمير الثّياب لا سيّما في السّفر , وكذا استصحاب العنزة ونحوها، ومشروعيّة الأذان في السّفر. وجواز النّظر إلى السّاق. وهو إجماعٌ في الرّجل حيث لا فتنة. وجواز لبس الثّوب الأحمر، وفيه خلافٌ تقدم ذكره. تكميلٌ: استدل البخاري بالحديث على مشروعية السترة في مكة وغيرها. قال ابن المنير: إنّما خصّ مكّة بالذّكر دفعاً لتوهّم من يتوهّم أنّ السّترة قبلةٌ، ولا ينبغي أن يكون لمكّة قبلةٌ إلاَّ الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة. انتهى. والذي أظنّه أنّه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرّزّاق. حيث قال في " باب لا يقطع الصّلاة بمكّة شيء " ثمّ أخرج عن ابن جريجٍ عن كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جدّه قال: رأيت النّبيّ ﷺ يُصلِّي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم - أي النّاس - سترة. وأخرجه من هذا الوجه أيضاً أصحاب السّنن. ورجاله موثّقون إلاَّ أنّه معلول، فقد رواه أبو داود عن أحمد عن ابن عيينة قال: كان ابن جريجٍ أخبرنا به هكذا , فلقيتُ كثيراً , فقال:

стр. 554

ليس مِن أَبِي سمعتُه , ولكن عن بعض أهلي عن جدّي. فأراد البخاريّ التّنبيه على ضعْف هذا الحديث , وأن لا فرق بين مكّة وغيرها في مشروعيّة السّترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة , وقد قدّمنا وجه الدّلالة منه. وهذا هو المعروف عند الشّافعيّة , وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المُصلِّي بين مكّة وغيرها. واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطّائفين دون غيرهم للضّرورة. وعن بعض الحنابلة. جواز ذلك في جميع مكّة. تكميلٌ آخر: زاد البخاري " وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي. فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك " وقع مثله في حديث جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه. عند الطّبرانيّ بإسنادٍ قويّ. وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم في أثناء حديث قال: فمسح صدري فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنّما أخرجها من جونة عطّار. وفي حديث وائل بن حجرٍ عند الطّبرانيّ والبيهقيّ: لقد كنت أصافح رسول الله ﷺ أو يمسّ جلدي جلده , فأتعرّفه بعدُ في يدي , وإنّه لأطيب رائحة من المسك. وفي حديثه عند أحمد " أتى رسول الله ﷺ بدلوٍ من ماء، فشرب منه ثمّ مجّ في الدّلو ثمّ في البئر , ففاح منه مثل ريح المسك ". وروى مسلم حديث أنس. في جمع أمّ سليم عرَقَه ﷺ , وجعلها إيّاه في الطّيب، وفي بعض طرقه " وهو أطيب الطّيب ".

стр. 555

وأخرج أبو يعلى والطّبرانيّ من حديث أبي هريرة. في قصّة الذي استعان به ﷺ على تجهيز ابنته , فلم يكن عنده شيء، فاستدعى بقارورةٍ فسلَتَ له فيها من عرقه , وقال له: مرها فلتطّيّب به، فكانت إذا تطيّبت به شمّ أهل المدينة رائحة ذلك الطّيب فسمّوا بيت الْمُطيّبين. (١) وروى أبو يعلى والبزّار بإسنادٍ صحيح عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ في طريق من طرق المدينة وجد منه رائحة المسك، فيقال: مرّ رسول الله ﷺ .

стр. 556

الحديث الواحد والعشرون ٧٠ - عن عبد الله بن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ , أنّه قال: إنّ بلالاً يؤذّن بليلٍ , فكلوا واشربوا حتّى تسمعوا أذانَ ابنِ أمّ مكتومٍ. (١) قوله: (إنّ بلالاً) ابن رباح. بفتح الراء والموحدة وآخره مهملة , وذكر بن سعد , أنه كان من مولّدي السراة. واسم أمه حَمَامة , وكانت لبعض بني جُمَح. وجاء عن أنس عند الطبراني وغيره , أنه حبشي. وهو المشهور. وقيل: نوبي. وروى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن قيس بن أبي حازم قال: اشترى أبو بكر بلالاً بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة. قوله: (يؤذّن بليلٍ) فيه إشعارٌ بأنّ ذلك كان من عادته المستمرّة، وزعم بعضهم أنّ ابتداء ذلك باجتهادٍ منه، وعلى تقدير صحّته فقد أقرّه النّبيّ ﷺ على ذلك فصار في حكم المأمور به. وسيأتي الكلام على تعيين الوقت الذي كان يؤذّن فيه من الليل آخر الكلام على الحديث. قوله: (فكلوا) فيه إشعارٌ بأنّ الأذان كان علامة عندهم على

стр. 557

دخول الوقت , فبيّن لهم أنّ أذان بلال بخلاف ذلك. قوله: (حتى يؤذّن) وللبخاري " وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت " أي: دخلت في الصّباح، هذا ظاهره، واستشكل لأنّه جعل أذانه غايةً للأكل، فلو لَم يؤذّن حتّى يدخل في الصّباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلاَّ من شذّ كالأعمش. (١) وأجاب ابن حبيب وابن عبد البرّ والأصيليّ وجماعة من الشّرّاح: بأنّ المراد قاربتَ الصّباح. ويعكّر على هذا الجواب. أنّ في رواية البيهقي " ولَم يكن يؤذّن حتّى يقول له النّاس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذِّن ". وأبلغ من ذلك أنّ لفظ رواية البخاري التي في الصّيام " حتّى يؤذّن ابن أمّ مكتوم، فإنّه لا يؤذّن حتّى يطلع الفجر ". وإنّما قلت إنّه أبلغ لكون جميعه من كلام النّبيّ ﷺ . وأيضاً فقوله: إنّ بلالاً يؤذّن بليلٍ. يشعر أنّ ابن أمّ مكتوم بخلافه، ولأنّه لو كان قبل الصّبح لَم يكن بينه وبين بلال فرقٌ لصدق أنّ كلاً منهما أذّن قبل الوقت. وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال. وأقرب ما يقال فيه , إنّ أذانه جعل علامةً لتحريم الأكل والشّرب،

стр. 558

وكأنّه كان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارناً لابتداء طلوع الفجر. وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق. ثمّ ظهر لي أنّه لا يلزم من كون المراد بقولهم " أصبحت " أي: قاربتَ الصّباح , وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزءٍ من الليل وأذانه يقع في أوّل جزء من طلوع الفجر، وهذا - وإن كان مستبعداً في العادة - فليس بمستبعدٍ من مؤذّن النّبيّ ﷺ المؤيّد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لَم يكن بتلك الصّفة. وقد روى أبو قرّة من وجه آخر عن ابن عمر حديثاً فيه " وكان ابن أمّ مكتوم يتوخّى الفجر فلا يخطئه ". وفي حديث سمرة عند مسلم " لا يغرنَّكم من سَحوركم أذانُ بلال ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا " يعني: معترضاً. وفي رواية " ولا هذا البياض حتى يستطير ". ولفظ الترمذي: لا يمنعنّكم من سحوركم أذان بلالٍ ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق ". وقال الترمذي: هو حديثٌ حسنٌ، وله من حديث طلق بن علي " كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر ". وقوله " يهِيدنكم " بكسر الهاء. أي: يزعجنكم فتمتنعوا به عن السحور فإنه الفجر الكاذب، يقال هدته أهيده إذا أزعجته، وأصل

стр. 559

الهيد بالكسر الحركة. ولابن أبي شيبة عن ثوبان مرفوعاً " الفجر فجران: فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحلُّ شيئا ولا يحرمه، ولكن المستطير " أي: هو الذي يحرم الطعام ويحلُّ الصلاة، وهذا موافق للآية (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر). وذهب جماعةٌ من الصحابة. وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبو بكر بن عياش: إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر. فروى سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن عاصم عن زر عن حذيفة قال: تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ هو والله النهار غير أنَّ الشمس لم تطلع. وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن عاصم نحوه، وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر , أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي , أنه صلَّى الصبح , ثم قال: الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أنَّ المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي - وله صحبة - أنَّ أبا بكر قال له: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت ثم

стр. 560

أتيته فقلت: قد ابيضَّ وسطَعَ، ثم قال: اخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت: قد اعترض. قال: الآن أبلغني شرابي. وروى (١) من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة لصليت الغداة ثم تسحَّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل. قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني , ولا أرى له قضاء ولا كفارة. قلت: وفي هذا تعقُّب على الموفق وغيره حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش، والله أعلم. وفي هذا الحديث جواز الأذان قبل طلوع الفجر. وإلى مشروعيّته مطلقاً ذهب الجمهور. وخالف الثّوريّ وأبو حنيفة ومحمّد. وإلى الاكتفاء مطلقاً. ذهب مالكٌ والشّافعيّ وأحمد وأصحابهم. وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث , وقال به الغزاليّ في الإحياء. وادّعى بعضهم: أنّه لَم يرد في شيء من الحديث ما يدلّ على الاكتفاء. وتعقّب: بحديث الباب.

стр. 561

وأجيب: بأنّه مسكوت عنه فلا يدلّ على التّنزّل فمحلّه فيما إذا لَم يرد نطقٌ بخلافه، وهنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة (١) بما يشعر بعدم الاكتفاء. نعم. حديث زياد بن الحارث عند أبي داود , يدلّ على الاكتفاء، فإنّ فيه أنّه أذّن قبل الفجر بأمر النّبيّ ﷺ ، وأنّه استأذنه في الإقامة فمنعه، إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعفٌ. وأيضاً فهي واقعة عينٍ , وكانت في سفرٍ، ومن ثَمَّ قال القرطبيّ: إنّه مذهبٌ واضحٌ، غير أنّ العمل المنقول بالمدينة على خلافه. انتهى فلم يردّه إلاَّ بالعمل على قاعدة المالكيّة. وادّعى بعض الحنفيّة - كما حكاه السّروجيّ منهم - أنّ النّداء قبل الفجر لَم يكن بألفاظ الأذان، وإنّما كان تذكيراً أو تسحيراً كما يقع للنّاس اليوم. وهذا مردودٌ، لكنّ الذي يصنعه النّاس اليوم محدثٌ قطعاً، وقد تضافرت الطّرق على التّعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشّرعيّ مقدّمٌ، ولأنّ الأذان الأوّل لو كان بألفاظٍ مخصوصةٍ لَمَا التبس على السّامعين. وسياق الخبر يقتضي أنّه خشي عليهم الالتباس. وادّعى ابن القطّان: أنّ ذلك كان في رمضان خاصّةً , وفيه نظرٌ. وفي الحديث أيضاً استحباب أذان واحد بعد واحد. وأمّا أذان اثنين

стр. 562

معاً فمنع منه قومٌ، ويقال: إنّ أوّل من أحدثه بنو أُميَّة. وقال الشّافعيّة: لا يكره إلاَّ إن حصل من ذلك تهويشٌ (١). واستدل به على جواز اتّخاذ مؤذّنين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأمّا الزّيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرّضٌ له. انتهى. ونصّ الشّافعيّ على جوازه. ولفظه: ولا يتضيّق ﷺ إن أذّن أكثر من اثنين، وعلى جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت وفيه أوجهٌ، واختلف فيه التّرجيح، وصحّح النّوويّ في كتبه أنّ للأعمى والبصير اعتمادَ المؤذّن الثّقة. وفي الحديث وهو القول الأول: جواز شهادة الأعمى، وهو قول مالكٍ والليث , سواءٌ علم ذلك قبل العمى أو بعده. القول الثاني: فصّل الجمهور. فأجازوا ما تحمّله قبل العمى لا بعده , وكذا ما يتنزّل فيه منزلة المبصر , كأن يشهد شخصٌ بشيءٍ , ويتعلق هو به إلى أن يشهد به عليه. القول الثالث: عن الحَكَمِ يجوز في الشّيء اليسير دون الكثير.

стр. 563

القول الرابع: قال أبو حنيفة ومحمّد: لا تجوز شهادته بحالٍ إلاَّ فيما طريقه الاستفاضة. واستدل به على جواز العمل بخبر الواحد، وعلى أنّ ما بعد الفجر من حكم النّهار. وعلى جواز الأكل مع الشّكّ في طلوع الفجر , لأنّ الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالك. فقال: يجب القضاء. وعلى جواز الاعتماد على الصّوت في الرّواية إذا كان عارفاً به وإن لَم يشاهد الرّاوي، وخالف في ذلك شُعبة لاحتمال الاشتباه. وعلى جواز ذكر الرّجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التّعريف ونحوه، وجواز نسبة الرّجل إلى أمّه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه. قوله: (ابن أمّ مكتوم) اسمه عمرو، وقيل: كان اسمه الحصين فسمّاه النّبيّ ﷺ عبدَ الله، ولا يمتنع أنّه كان له اسمان، وهو قرشيٌّ عامريٌّ، أسلم قديماً، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة. وكان النّبيّ ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسيّة في خلافة عمر فاستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات. وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، واسم أمّه عاتكة بنت عبد الله المخزوميّة. وزعم بعضهم. أنّه ولد أعمى فكنّيت أمّه أمّ مكتومٍ لانكتام نور بصره، والمعروف أنّه عمي بعد بدر بسنتين (١).

стр. 564

وفيه جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت , لأنّ الوقت في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة، وعلى هذا القيد يُحمل ما روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزّبير وغيرهما , أنّهم كرهوا أن يكون المؤذّن أعمى. وأمّا ما نقله النّوويّ عن أبي حنيفة وداود: أنّ أذان الأعمى لا يصحّ , فقد تعقّبه السّروجيّ: بأنّه غلط على أبي حنيفة. نعم. في المحيط للحنفيّة: أنّه يكره. تنبيه: قال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر مجمعٌ على صحّته، رواه جماعة من أصحابه عنه، ورواه عنه شعبة فاختلف عليه فيه: رواه يزيد بن هارون عنه على الشّكّ , أنّ بلالاً كما هو المشهور، أو أنّ ابن أمّ مكتوم ينادي بليلٍ فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن بلالٌ. قال: ولشعبة فيه إسنادٌ آخر، فإنّه رواه أيضاً عن خبيب بن عبد الرّحمن عن عمّته أنيسة فذكره على الشّكّ أيضاً، أخرجه أحمد عن غندرٍ عنه، ورواه أبو داود الطّيالسيّ عنه جازماً بالأوّل، ورواه أبو الوليد عنه جازماً بالثّاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطّحاويّ والطّبرانيّ من طريق منصور بن زاذان عن خبيب بن عبد الرّحمن. وادّعى ابن عبد البرّ وجماعة من الأئمّة: بأنّه مقلوب , وأنّ الصّواب حديث الباب.

стр. 565

وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه. وهو قوله " إذا أذّن عمرو - فإنّه ضرير البصر - فلا يغرّنّكم، وإذا أذّن بلالٌ فلا يطعمنّ أحدٌ " وأخرجه أحمد. وجاء عن عائشة أيضاً , أنّها كانت تنكر حديث ابن عمر , وتقول: إنّه غلطٌ، أخرج ذلك البيهقيّ من طريق الدّراورديّ عن هشامٍ عن أبيه عنها. فذكر الحديث. وزاد " قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابن عمر. انتهى. وقد جمع ابن خزيمة والضّبعيّ بين الحديثين بما حاصله: أنّه يحتمل: أن يكون الأذان كان نوباً بين بلال وابن أمّ مكتوم، فكان النّبيّ ﷺ يعلم النّاس أنّ أذان الأوّل منهما لا يحرّم على الصّائم شيئاً , ولا يدلّ على دخول وقت الصّلاة بخلاف الثّاني. وجزم ابن حبّان بذلك , ولَم يبده احتمالاً، وأنكر ذلك عليه الضّياء وغيره. وقيل: لَم يكن نوباً، وإنّما كانت لهما حالتان مختلفتان: فإنّ بلالاً كان في أوّل ما شرع الأذان يؤذّن وحده , ولا يؤذّن للصّبح حتّى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النّجّار. قالت: كان بلال يجلس على بيتي - وهو أعلى بيتٍ في المدينة - فإذا رأى الفجر تمطّأ ثمّ أذّن. أخرجه أبو داود وإسناده حسن. ورواية حميدٍ عن أنس , أنّ سائلاً سأل عن وقت الصّلاة، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فأذّن حين طلع الفجر. الحديث. أخرجه النّسائيّ
следующие страницы →