وأجيب: بأنّه مسكوت عنه فلا يدلّ على التّنزّل فمحلّه فيما إذا لَم يرد نطقٌ بخلافه، وهنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة (١) بما يشعر بعدم الاكتفاء.
نعم. حديث زياد بن الحارث عند أبي داود , يدلّ على الاكتفاء، فإنّ فيه أنّه أذّن قبل الفجر بأمر النّبيّ ﷺ ، وأنّه استأذنه في الإقامة فمنعه، إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعفٌ.
وأيضاً فهي واقعة عينٍ , وكانت في سفرٍ، ومن ثَمَّ قال القرطبيّ: إنّه مذهبٌ واضحٌ، غير أنّ العمل المنقول بالمدينة على خلافه. انتهى
فلم يردّه إلاَّ بالعمل على قاعدة المالكيّة.
وادّعى بعض الحنفيّة - كما حكاه السّروجيّ منهم - أنّ النّداء قبل الفجر لَم يكن بألفاظ الأذان، وإنّما كان تذكيراً أو تسحيراً كما يقع للنّاس اليوم.
وهذا مردودٌ، لكنّ الذي يصنعه النّاس اليوم محدثٌ قطعاً، وقد تضافرت الطّرق على التّعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشّرعيّ مقدّمٌ، ولأنّ الأذان الأوّل لو كان بألفاظٍ مخصوصةٍ لَمَا التبس على السّامعين. وسياق الخبر يقتضي أنّه خشي عليهم الالتباس.
وادّعى ابن القطّان: أنّ ذلك كان في رمضان خاصّةً , وفيه نظرٌ.
وفي الحديث أيضاً استحباب أذان واحد بعد واحد. وأمّا أذان اثنين
стр. 562
معاً فمنع منه قومٌ، ويقال: إنّ أوّل من أحدثه بنو أُميَّة.
وقال الشّافعيّة: لا يكره إلاَّ إن حصل من ذلك تهويشٌ (١).
واستدل به على جواز اتّخاذ مؤذّنين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأمّا الزّيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرّضٌ له. انتهى.
ونصّ الشّافعيّ على جوازه. ولفظه: ولا يتضيّق ﷺ إن أذّن أكثر من اثنين، وعلى جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت وفيه أوجهٌ، واختلف فيه التّرجيح، وصحّح النّوويّ في كتبه أنّ للأعمى والبصير اعتمادَ المؤذّن الثّقة.
وفي الحديث
وهو القول الأول: جواز شهادة الأعمى، وهو قول مالكٍ والليث , سواءٌ علم ذلك قبل العمى أو بعده.
القول الثاني: فصّل الجمهور. فأجازوا ما تحمّله قبل العمى لا بعده , وكذا ما يتنزّل فيه منزلة المبصر , كأن يشهد شخصٌ بشيءٍ , ويتعلق هو به إلى أن يشهد به عليه.
القول الثالث: عن الحَكَمِ يجوز في الشّيء اليسير دون الكثير.
стр. 563
القول الرابع: قال أبو حنيفة ومحمّد: لا تجوز شهادته بحالٍ إلاَّ فيما طريقه الاستفاضة.
واستدل به على جواز العمل بخبر الواحد، وعلى أنّ ما بعد الفجر من حكم النّهار. وعلى جواز الأكل مع الشّكّ في طلوع الفجر , لأنّ الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالك. فقال: يجب القضاء.
وعلى جواز الاعتماد على الصّوت في الرّواية إذا كان عارفاً به وإن لَم يشاهد الرّاوي، وخالف في ذلك شُعبة لاحتمال الاشتباه.
وعلى جواز ذكر الرّجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التّعريف ونحوه، وجواز نسبة الرّجل إلى أمّه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
قوله: (ابن أمّ مكتوم) اسمه عمرو، وقيل: كان اسمه الحصين فسمّاه النّبيّ ﷺ عبدَ الله، ولا يمتنع أنّه كان له اسمان، وهو قرشيٌّ عامريٌّ، أسلم قديماً، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة.
وكان النّبيّ ﷺ يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسيّة في خلافة عمر فاستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات.
وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، واسم أمّه عاتكة بنت عبد الله المخزوميّة. وزعم بعضهم. أنّه ولد أعمى فكنّيت أمّه أمّ مكتومٍ لانكتام نور بصره، والمعروف أنّه عمي بعد بدر بسنتين (١).
стр. 564
وفيه جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت , لأنّ الوقت في الأصل مبنيٌّ على المشاهدة، وعلى هذا القيد يُحمل ما روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزّبير وغيرهما , أنّهم كرهوا أن يكون المؤذّن أعمى.
وأمّا ما نقله النّوويّ عن أبي حنيفة وداود: أنّ أذان الأعمى لا يصحّ , فقد تعقّبه السّروجيّ: بأنّه غلط على أبي حنيفة.
نعم. في المحيط للحنفيّة: أنّه يكره.
تنبيه: قال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر مجمعٌ على صحّته، رواه جماعة من أصحابه عنه، ورواه عنه شعبة فاختلف عليه فيه: رواه يزيد بن هارون عنه على الشّكّ , أنّ بلالاً كما هو المشهور، أو أنّ ابن أمّ مكتوم ينادي بليلٍ فكلوا واشربوا حتّى يؤذّن بلالٌ.
قال: ولشعبة فيه إسنادٌ آخر، فإنّه رواه أيضاً عن خبيب بن عبد الرّحمن عن عمّته أنيسة فذكره على الشّكّ أيضاً، أخرجه أحمد عن غندرٍ عنه، ورواه أبو داود الطّيالسيّ عنه جازماً بالأوّل، ورواه أبو الوليد عنه جازماً بالثّاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطّحاويّ والطّبرانيّ من طريق منصور بن زاذان عن خبيب بن عبد الرّحمن.
وادّعى ابن عبد البرّ وجماعة من الأئمّة: بأنّه مقلوب , وأنّ الصّواب حديث الباب.
стр. 565
وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه. وهو قوله " إذا أذّن عمرو - فإنّه ضرير البصر - فلا يغرّنّكم، وإذا أذّن بلالٌ فلا يطعمنّ أحدٌ " وأخرجه أحمد.
وجاء عن عائشة أيضاً , أنّها كانت تنكر حديث ابن عمر , وتقول: إنّه غلطٌ، أخرج ذلك البيهقيّ من طريق الدّراورديّ عن هشامٍ عن أبيه عنها. فذكر الحديث. وزاد " قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابن عمر. انتهى.
وقد جمع ابن خزيمة والضّبعيّ بين الحديثين بما حاصله:
أنّه يحتمل: أن يكون الأذان كان نوباً بين بلال وابن أمّ مكتوم، فكان النّبيّ ﷺ يعلم النّاس أنّ أذان الأوّل منهما لا يحرّم على الصّائم شيئاً , ولا يدلّ على دخول وقت الصّلاة بخلاف الثّاني. وجزم ابن حبّان بذلك , ولَم يبده احتمالاً، وأنكر ذلك عليه الضّياء وغيره.
وقيل: لَم يكن نوباً، وإنّما كانت لهما حالتان مختلفتان: فإنّ بلالاً كان في أوّل ما شرع الأذان يؤذّن وحده , ولا يؤذّن للصّبح حتّى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النّجّار. قالت: كان بلال يجلس على بيتي - وهو أعلى بيتٍ في المدينة - فإذا رأى الفجر تمطّأ ثمّ أذّن. أخرجه أبو داود وإسناده حسن.
ورواية حميدٍ عن أنس , أنّ سائلاً سأل عن وقت الصّلاة، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فأذّن حين طلع الفجر. الحديث. أخرجه النّسائيّ
стр. 566
وإسناده صحيح.
ثمّ أردف بابن أمّ مكتوم , وكان يؤذّن بليلٍ واستمرّ بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها، ثمّ في آخر الأمر أخّر ابن أمّ مكتوم لضعفه. ووكّل به من يراعي له الفجر، واستقرّ أذان بلال بليلٍ.
وكان سبب ذلك. ما روي أنّه ربّما كان أخطأ الفجر فأذّن قبل طلوعه، وأنّه أخطأ مرّةً فأمره النّبيّ ﷺ أن يرجع فيقول: ألا إنّ العبد نام. يعني: أنّ غلبة النّوم على عينيه منعته من تبيّن الفجر، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حمّاد بن سلمة عن أيّوب عن نافع عن ابن عمر موصولاً مرفوعاً.
ورجاله ثقات حفّاظ، لكن اتّفق أئمّة الحديث. عليُّ بن المدينيّ وأحمد بن حنبل والبخاريّ والذّهليّ وأبو حاتم وأبو داود والتّرمذيّ والأثرم والدّارقطنيّ على أنّ حمّاداً أخطأ في رفعه، وأنّ الصّواب وقفه على عمر بن الخطّاب، وأنّه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذّنه , وأنّ حمّاداً انفرد برفعه.
ومع ذلك فقد وجد له متابعٌ، أخرجه البيهقيّ من طريق سعيد بن زربيٍّ - وهو بفتح الزّاي وسكون الرّاء بعدها موحّدةٌ ثمّ ياءٌ كياء النّسب - فرواه عن أيّوب موصولاً , لكنْ سعيدٌ ضعيفٌ. ورواه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أيّوب أيضاً، لكنّه أعضله فلم يذكر نافعاً ولا ابن عمر.
стр. 567
وله طريق أخرى عن نافع عند الدّارقطنيّ وغيره اختلف في رفعها ووقفها أيضاً، وأخرى مرسلة من طريق يونس بن عبيدٍ وغيره عن حميد بن هلالٍ , وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة. ووصلها يونس عن سعيد بذكر أنسٍ.
وهذه طرق يقوّي بعضها بعضاً قوّةً ظاهرةً، فلهذا - والله أعلم - استقرّ أنّ بلالاً يؤذّن الأذان الأوّل.
تكميلٌ: زاد البخاري من حديث عائشة عن القاسم (١) قال: لَم يكن بين أذانيهما إلاَّ أن يرقى ذا وينزل ذا.
وفي هذا تقييدٌ لِمَا أطلق في الرّوايات الأخرى من قوله " إنّ بلالاً يؤذّن بليلٍ "، ولا يقال إنّه مرسلٌ لأنّ القاسم تابعيٌّ فلم يدرك القصّة المذكورة، لأنّه ثبت عند النّسائيّ من رواية حفص بن غياثٍ.
وعند الطّحاويّ من رواية يحيى القطّان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة. فذكر الحديث , قالت: ولَم يكن بينهما إلاَّ أن ينزل هذا , ويصعد هذا.
وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاريّ " قال القاسم " أي: في روايته عن عائشة. وقد وقع عند مسلمٍ في رواية ابن نميرٍ عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثل هذه الزّيادة، وفيها نظرٌ أوضحته في كتاب " المدرج ". وثبتت الزّيادة أيضاً في حديث أُنيسة الذي
стр. 568
تقدّمت الإشارة إليه (١).
وفيه حجّةٌ لمن ذهب إلى أنّ الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السّحور، وهو أحد الأوجه في المذهب , واختاره السّبكيّ في " شرح المنهاج " , وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي. وقطع به البغويّ.
وكلام ابن دقيق العيد يشعر به، فإنّه قال بعد أن حكاه: يرجّح هذا بأنّ قوله " إنّ بلالاً ينادي بليلٍ " خبر يتعلق به فائدة للسّامعين قطعاً، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهاً محتملاً لأن يكون عند طلوع الفجر , فبيّن ﷺ أنّ ذلك لا يمنع الأكل والشّرب بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصّادق، قال: وهذا يدلّ على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. انتهى.
ويقوّيه أيضاً ما تقدّم من أنّ الحكمة في مشروعيّته التّأهّب لإدراك الصّبح في أوّل وقتها، وصحّح النّوويّ في أكثر كتبه أنّ مبدأه من نصف الليل الثّاني.
وأجاب عن الحديث في " شرح مسلمٍ " فقال: قال العلماء: معناه أنّ بلالاً كان يؤذّن ويتربّص بعد أذانه للدّعاء ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل فأخبر ابن أمّ مكتوم فيتأهّب بالطّهارة وغيرها , ثمّ يرقى ويشرع في الأذان مع أوّل طلوع الفجر.
стр. 569
وهذا - مع وضوح مخالفته لسياق الحديث - يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ لِمَا صحَّحه حتّى يسوغ له التّأويل. ووراء ذلك أقوالٌ أخرى معروفةٌ في الفقهيّات.
واحتجّ الطّحاويُّ لعدم مشروعيّة الأذان قبل الفجر بقوله: لَمّا كان بين أذانيهما من القرب ما ذكر في حديث عائشة , ثبت أنّهما كانا يقصدان وقتاً واحداً , وهو طلوع الفجر فيخطئه بلال ويصيبه ابن أمّ مكتوم.
وتعقّب: بأنّه لو كان كذلك لَمَا أقرّه النّبيّ ﷺ مؤذّناً واعتمد عليه، ولو كان كما ادّعى لكان وقوع ذلك منه نادراً. وظاهر حديث ابن عمر يدلّ على أنّ ذلك كان شأنه وعادته.
وفي الحديث دليل على أنَّ غاية الأكل والشرب طلوع الفجر. وسيأتي الكلام عليه مستوفي في الصيام إن شاء الله.
стр. 570
الحديث الثاني والعشرون
٧١ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول. (١)
قوله: (إذا سمعتم) ظاهره اختصاص الإجابة بمن يسمع حتّى لو رأى المؤذّن على المنارة مثلاً في الوقت , وعَلِم أنّه يؤذّن لكن لَم يسمع أذانه لبُعدٍ أو صمَمٍ. لا تشرع له المتابعة، قاله النّوويّ في شرح المهذّب.
قوله: (فقولوا مثل ما يقول) وللشيخين " ما يقول المؤذن ".
ادّعى ابن وضّاحٍ أنّ قول " المؤذّن " مدرجٌ، وأنّ الحديث انتهى عند قوله " مثل ما يقول ".
وتعقّب: بأنّ الإدراج لا يثبت بمجرّد الدّعوى، وقد اتّفقت الرّوايات في الصّحيحين والموطّأ على إثباتها، ولَم يصب صاحب العمدة في حذفها.
قوله: (ما يقول) قال الكرمانيّ: قال " ما يقول " ولَم يقل مثل ما قال. ليشعر بأنّه يجيبه بعد كل كلمةٍ مثل كلمتها.
стр. 571
قلت: والصّريح في ذلك ما رواه النّسائيّ من حديث أمّ حبيبة , أنّه ﷺ كان يقول كما يقول المؤذّن حتّى يسكت.
وأمّا أبو الفتح اليعمريّ فقال: ظاهر الحديث أنّه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذّن، لكنّ الأحاديث التي تضمّنت إجابة كل كلمةٍ عقبها دلَّتْ على أنّ المراد المساوقة، يشير إلى حديث عمر بن الخطّاب الذي عند مسلم (١) وغيره، فلو لَم يجاوبه حتّى فرغ استحبّ له التّدارك إن لَم يطل الفصل. قاله النّوويّ في شرح المهذّب بحثاً.
وقد قالوه فيما إذا كان له عذرٌ كالصّلاة، وظاهر قوله " مثل " أنّه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكنّ حديث عمر أيضاً , وحديث معاوية (٢) يدلان على أنّه يستثنى من ذلك " حيّ على الصّلاة وحيّ
стр. 572
على الفلاح " فيقول بدلهما " لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله " كذلك استدل به ابن خزيمة. وهو المشهور عند الجمهور
وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح , فيقول تارةً كذا وتارةً كذا.
وحكى بعض المتأخّرين عن بعض أهل الأصول: أنّ الخاصّ والعامّ إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلِمَ لا يقال يستحبّ للسّامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجهٌ عند الحنابلة.
أجيب عن المشهور من حيث المعنى: بأنّ الأذكار الزّائدة على الحيعلة يشترك السّامع والمؤذّن في ثوابها، وأمّا الحيعلة فمقصودها الدّعاء إلى الصّلاة، وذلك يحصل من المؤذّن، فعوّض السّامع عمّا يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة.
ولقائلٍ أن يقول: يحصل للمجيب الثّواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظاً وإسراعاً إلى القيام إلى الصّلاة إذا تكرّر على سمعه الدّعاء إليها من المؤذّن ومن نفسه , ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم " سمع الله لمن حمده " كما سيأتي في موضعه (١).
وقال الطّيبيّ: معنى الحيعلتين. هلمّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً والفوز بالنّعيم آجلاً، فناسب أن يقول: هذا أمرٌ عظيمٌ لا
стр. 573
أستطيع مع ضعفي القيام به إلاَّ إذا وفّقني الله بحوله وقوّته.
وممّا لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: حُدّثت أنّ النّاس كانوا ينصتون للمؤذّن إنصاتهم للقراءة , فلا يقول شيئاً إلاَّ قالوا مثله حتّى إذا قال: حيّ على الصّلاة , قالوا: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله , وإذا قال: حيّ على الفلاح , قالوا: ما شاء الله. انتهى.
وإلى هذا صار بعض الحنفيّة , وروى ابن أبي شيبة مثله عن عثمان. وروى عن سعيد بن جبيرٍ قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا.
ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى.
قيل: لا يجيبه إلاَّ في التّشهّدين فقط، وقيل: هما والتّكبير.
وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره.
وقيل: مهما أتى به ممّا يدلّ على التّوحيد والإخلاص كفاه. وهو اختيار الطّحاويّ.
وحكوا أيضاً خلافاً: هل يجيب في التّرجيع أو لا؟، وفيما إذا أذّن مؤذّن آخر , هل يجيبه بعد إجابته للأوّل أو لا؟.
قال النّوويّ: لَم أرَ فيه شيئاً لأصحابنا.
وقال ابن عبد السّلام: يجيب كل واحدٍ بإجابةٍ لتعدّد السّبب، وإجابة الأوّل أفضل، إلاَّ في الصّبح والجمعة فإنّهما سواء لأنّهما مشروعان.
стр. 574
وفي الحديث دليل على أنّ لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كلّ جهة، لأنّ قوله مثل ما يقول لا يقصد به رفع الصّوت المطلوب من المؤذّن.
كذا قيل. وفيه بحثٌ، لأنّ المماثلة وقعت في القول لا في صفته، والفرق بين المؤذّن والمجيب في ذلك أنّ المؤذّن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصّوت، والسّامع مقصوده ذكر الله فيكتفي بالسّرّ أو الجهر لا مع الرّفع. نعم: لا يكفيه أن يجريه على خاطره من غير تلفّظٍ لظاهر الأمر بالقول.
وأغرب ابن المنير فقال: حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذّن من قول وفعلٍ وهيئة.
وتعقّب: بأنّ الأذان معناه الإعلام لغةً، وخصّه الشّرع بألفاظٍ مخصوصةٍ في أوقاتٍ مخصوصة فإذا وجدت الأذان، وما زاد على ذلك من قول أو فعلٍ أو هيئة يكون من مكمّلاته ﷺ , ويوجد الأذان من دونها. ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التّسبيح قبل الصّبح وقبل الجمعة ومن الصّلاة على النّبيّ ﷺ من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغةً ولا شرعاً.
واستدل به على جواز إجابة المؤذّن في الصّلاة عملاً بظاهر الأمر، ولأنّ المجيب لا يقصد المخاطبة.
وقيل: يؤخّر الإجابة حتّى يفرغ لأنّ في الصّلاة شغلاً.
وقيل: يجيب إلاَّ في الحيعلتين , لأنّهما كالخطاب للآدميّين والباقي من ذكر الله فلا يمنع. لكن قد يقال: من يبدّل الحيعلة بالحوقلة لا
стр. 575
يمنع، لأنّها من ذكر الله، قاله ابن دقيق العيد.
وفرّق ابن عبد السّلام في فتاويه: بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناءً على وجوب موالاتها وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف.
وهذا قاله بحثاً، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصّلاة بل يؤخّرها حتّى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت كذا أطلقه كثيرٌ منهم، ونصّ الشّافعيّ في " الأمّ " على عدم فساد الصّلاة بذلك.
واستدل به على مشروعيّة إجابة المؤذّن في الإقامة، قالوا: إلاَّ في كلمَتَي الإقامة فيقول " أقامها الله وأدامها " (١). وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرّق بأنّ الأذان إعلام عامٌّ فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصّلاة، والإقامة إعلام خاصٌّ وعدد من يسمعها محصور فلا يعسر أن يدعو بعضهم بعضاً.
واستدل به على وجوب إجابة المؤذّن، حكاه الطّحاويّ عن قوم من السّلف , وبه قال الحنفيّة وأهل الظّاهر وابن وهبٍ.
стр. 576
واستدل للجمهور: بحديثٍ أخرجه مسلم وغيره , أنّه ﷺ سمع مؤذّناً فلمّا كبّر , قال: على الفطرة، فلمّا تشهّد , قال: خرج من النّار.
قال: فلمّا قال ﷺ غير ما قال المؤذّن , علِمْنا أنّ الأمر بذلك للاستحباب.
وتعقّب: بأنّه ليس في الحديث أنّه لَم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله , ولَم ينقله الرّاوي اكتفاءً بالعادة , ونقل القول الزّائد.
ويحتمل: أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر.
ويحتمل: أن يكون الرّجل لَمّا أُمر , لَم يرد أن يدخل نفسه في عموم من خوطب بذلك.
ويحتمل: أن يكون الرّجل لَم يقصد الأذان.
لكن يردّ هذا الأخير أنّ في بعض طرقه " أنّه حضرته الصّلاة ".
ويحتمل: أن يكون الرّجل لَمّا أُمر , لَم يرد أن يدخل نفسه في عموم من خوطب بذلك.
ويحتمل: أن يكون الرّجل لَم يقصد الأذان.
لكن يردّ هذا الأخير أنّ في بعض طرقه " أنّه حضرته الصّلاة ".
стр. 577
باب استقبال القبلة
الحديث الثالث والعشرون
٧٢ - عن ابن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ كان يُسبّح على ظهر راحلته , حيث كان وجهه , يُومئ برأسه , وكان ابن عمر يفعله. (١)
وفي روايةٍ: كان يوتر على بعيره. (٢)
ولمسلمٍ: غير أنّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة. (٣)
وللبخاريّ: إلاَّ الفرائض. (٤)
قوله: (كان يسبح) وللبخاري " كان يُصلِّي في السفر على راحلته " أي: يُصلِّي النّافلة، وقد تكرّر في الحديث كثيراً، وفي حديث عائشة " سبحة الضّحى " (٥).
والتّسبيح حقيقة في قول سبحان الله، فإذا أطلق على الصّلاة فهو
стр. 578
من باب إطلاق اسم البعض على الكلّ، أو لأنّ المُصلِّي مُنزِّه لله بإخلاص العبادة، والتّسبيح التّنزيه فيكون من باب الملازمة.
وأمّا اختصاص ذلك بالنّافلة فهو عُرف شرعيّ. والله أعلم. (١)
قوله: (على ظهر راحلته) ترجم البخاري باب " الوتر على الدابة ".
قال الزين بن المنير: ترجم بالدّابّة تنبيهاً على أن لا فرق بينها وبين البعير (٢) في الحكم، والجامع بينهما. أنّ الفرض لا يجزئ على واحدة منهما. انتهى
ولعلَّ البخاريّ أشار إلى ما ورد في بعض طرقه.
فأخرج البخاري من طريق سالم عن أبيه , أنّه كان يُصلِّي من الليل على دابّته وهو مسافر , وروى محمّد بن نصر من طريق ابن جريجٍ , قال: حدّثنا نافع , أنّ ابن عمر كان يوتر على دابّته.
قال ابن جريجٍ: وأخبرني موسى بن عقبة عن نافع , أنّ ابن عمر كان يخبر , أنّ النّبيّ ﷺ كان يفعل ذلك.
وفي الحديث الرّدّ على مَن قال: إنّه لا يسنّ في السّفر، وهو منقول عن الضّحّاك.
стр. 579
وأمّا قول ابن عمر: لو كنت مسبّحاً في السّفر لأتممت. كما أخرجه مسلم وأبو داود من طريق حفص بن عاصم عنه , فإنّما أراد به راتبة المكتوبة لا النّافلة المقصودة كالوتر.
وذلك بيّنٌ من سياق الحديث المذكور، فقد رواه التّرمذيّ من وجه آخر بلفظ: سافرت مع النّبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان , فكانوا يصلّون الظّهر والعصر ركعتين ركعتين , لا يصلّون قبلها ولا بعدها، فلو كنت مصلياً قبلها أو بعدها لأتممت.
ويحتمل: أن تكون التّفرقة بين نوافل النّهار ونوافل الليل، فإنّ ابن عمر كان يتنفّل على راحلته , وعلى دابّته في الليل وهو مسافر، وقد قال مع ذلك ما قال.
فائدةٌ:
قال الطّحاويّ: ذُكر عن الكوفيّين أنّ الوتر لا يُصلَّى على الرّاحلة، وهو خلاف السّنّة الثّابتة، واستدل بعضهم برواية مجاهد , أنّه رأى ابن عمر نزل فأوتر. وليس ذلك بمعارضٍ لكونه أوتر على الرّاحلة , لأنّه لا نزاع أنّ صلاته على الأرض أفضل.
وروى عبد الرّزّاق من وجه آخر عن ابن عمر , أنّه كان يوتر على راحلته، وربّما نزل فأوتر بالأرض.
قوله: (حيث كان وجهه) في رواية لهما " حيث توجهت به " , وهو أعمّ من قول جابر في البخاري " في غير القبلة ".
قال ابن التّين: قوله " حيث توجّهت به " مفهومه أنّه يجلس عليها
стр. 580
على هيئته التي يركبها عليها , ويستقبل بوجهه ما استقبلته الرّاحلة، فتقديره يُصلِّي على راحلته التي له حيث توجّهت به، فعلى هذا يتعلق قوله " توجّهت به " بقوله " يُصلِّي ".
ويحتمل: أن يتعلق بقوله " على راحلته "، لكن يؤيّد الأوّل رواية عقيل عن ابن شهاب عند البخاري بلفظ " وهو على الرّاحلة يسبّح قِبَل أيِّ وجهٍ توجّهت ".
قوله: (يومئ برأسه) أي: للرّكوع والسّجود لمن لَم يتمكّن من ذلك، وبهذا قال الجمهور.
وروى أشهب عن مالك , أنّ الذي يُصلِّي على الدّابّة لا يسجد بل يومئ. وزاد البخاري من رواية جويرية عن نافع عن ابن عمر " يومئ إيماء إلاَّ الفرائض ".
قال ابن دقيق العيد: الحديث يدلّ على الإيماء مطلقاً في الرّكوع والسّجود معاً، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السّجود أخفض من الرّكوع ليكون البدل على وفق الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه.
قلت: إلاَّ أنه وقع عند التّرمذيّ من طريق أبي الزّبير عن جابر بلفظ " فجئت وهو يُصلِّي على راحلته نحو المشرق , السّجود أخفض من الرّكوع ".
قوله: (وكان ابن عمر يفعله) لا يعارض ما رواه أحمد بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جبير , أنّ ابن عمر كان يُصلِّي على الرّاحلة
стр. 581
تطوّعاً، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض. لأنّه محمول على أنّه فعل كُلاً من الأمرين.
ويؤيّد رواية الباب ما رواه البخاري , أنّه أنكر على سعيد بن يسار نزوله الأرض ليوتر , وإنّما أنكر عليه - مع كونه كان يفعله - لأنّه أراد أن يبيّن له أنّ النّزول ليس بحتمٍ.
ويحتمل: أن يتنزّل فعل ابن عمر على حالين:
الأولى: حيث أوتر على الرّاحلة كان مجدّاً في السّير.
الثانية: حيث نزل فأوتر على الأرض كان بخلاف ذلك.
قوله: (إلاَّ الفرائض) أي: لكن الفرائض بخلاف ذلك، فكان لا يُصلِّيها على الرّاحلة.
قال ابن بطّال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وأنّه لا يجوز لأحدٍ أن يُصلِّي الفريضة على الدّابّة من غير عذر , واستدل به على أنّ الوتر ليس بفرضٍ، وعلى أنّه ليس من خصائص النّبيّ ﷺ , وجوب الوتر عليه لكونه أوقعه على الرّاحلة.
وأمّا قول بعضهم: إنّه كان من خصائصه أيضاً أن يوقعه على الرّاحلة مع كونه واجباً عليه , فهي دعوى لا دليل عليها , لأنّه لَم يثبت دليل وجوبه عليه حتّى يحتاج إلى تكلّف هذا الجمع.
واستدل به على أنّ الفريضة لا تُصلّى على الرّاحلة.
قال ابن دقيق العيد: وليس ذلك بقويٍّ، لأنّ التّرك لا يدلّ على المنع , إلاَّ أن يقال إنّ دخول وقت الفريضة ممّا يكثر على المسافر فترك
стр. 582
الصّلاة لها على الرّاحلة دائماً يشعر بالفرق بينها وبين النّافلة في الجواز وعدمه.
وأجاب من ادّعى وجوب الوتر من الحنفيّة:
بأنّ الفرض عندهم غير الواجب، فلا يلزم من نفي الفرض نفي الواجب.
وهذا يتوقّف على أنّ ابن عمر كان يفرّق بين الفرض والواجب.
وقد بالغ الشّيخ أبو حامد. فادّعى أنّ أباحنيفة انفرد بوجوب الوتر. ولَم يوافقه صاحباه، مع أنّ ابن أبي شيبة أخرج عن سعيد بن المسيّب وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضّحّاك ما يدلّ على وجوبه عندهم، وعنده عن مجاهد: الوتر واجب. ولَم يثبت.
ونقله ابن العربيّ عن أصبغ من المالكيّة ووافقه سحنون، وكأنّه أخذه من قول مالك: من تركه أُدّب، وكان جرحة في شهادته.
قال المُهلَّب: هذه الأحاديث (١) تخصّ قوله تعالى (وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره) وتبيّن أنّ قوله تعالى (فأينما تولّوا فثمّ وجه الله) في النّافلة، وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلاَّ أنّ أحمد وأبا ثور كانا يستحبّان أن يستقبل القبلة بالتّكبير حال ابتداء الصّلاة.
والحجّة لذلك حديث الجارود بن أبي سبرة عن أنس , أنّ النّبيّ ﷺ
стр. 583
كان إذا أراد أن يتطوّع في السّير , استقبل بناقته القبلة , ثمّ صلَّى حيث وجّهت ركابه. أخرجه أبو داود وأحمد والدّراقطنيّ.
واختلفوا في الصّلاة على الدّوابّ في السّفر الذي لا تقصر فيه الصّلاة.
فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك في كلّ سفر، غير مالك فخصّه بالسّفر الذي تقصر فيه الصّلاة.
قال الطّبريّ: لا أعلم أحداً وافقه على ذلك.
قلت: ولَم يتّفق على ذلك عنه، وحجّته أنّ هذه الأحاديث إنّما وردت في أسفاره ﷺ ، ولَم ينقل عنه أنّه سافر سفراً قصيراً فصنع ذلك.
وحجّة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك.
واحتجّ الطّبريّ للجمهور من طريق النّظر: أنّ الله تعالى جعل التّيمّم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أنّ من كان خارج المصر على ميل أو أقلّ ونيّته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر , ولَم يجد ماء أنّه يجوز له التّيمّم.
وقال: فكما جاز له التّيمّم في هذا القدر , جاز له النّفل على الدّابّة لاشتراكهما في الرّخصة. انتهى.
وكأنّ السّرّ فيما ذكر , تيسير تحصيل النّوافل على العباد , وتكثيرها تعظيماً لأجورهم رحمة من الله بهم.
وقد طرد أبو يوسف ومن وافقه التّوسعة في ذلك. فجوّزه في
стр. 584
الحضر أيضاً، وقال به من الشّافعيّة أبو سعيد الإصطخريّ.
واستدل بقوله " حيث كان وجهه " على أنّ جهة الطّريق تكون بدلاً عن القبلة حتّى لا يجوز الانحراف عنها عامداً قاصداً لغير حاجة المسير , إلاَّ إن كان سائراً في غير جهة القبلة فانحرف إلى جهة القبلة , فإنّ ذلك لا يضرّه على الصّحيح.
واستدل به على أنّ الوتر غير واجب عليه ﷺ لإيقاعه إيّاه على الرّاحلة.
واستُنبط من دليل التّنفّل للرّاكب جواز التّنفّل للماشي، ومنعه مالك مع أنّه أجازه لراكب السّفينة.
стр. 585
الحديث الرابع والعشرون (١)
٧٣ - عن أنس بن سيرين , قال: استقبَلْنا أنساً حين قدم من الشّام , فلقيناه بعين التّمر , فرأيته يُصلِّي على حمارٍ , ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أنّي رأيت رسول الله ﷺ يفعله لم أفعله (٢).
قوله: (استقبلْنا أنسَ بنَ مالك) بسكون اللام.
قوله: (حين قدم من الشّام) كان أنس قد توجّه إلى الشّام في إمارة الحجّاج على العراق، قدمها شاكياً من الحجّاج للخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك (٣).
ووقع في رواية مسلم " حين قدم الشّام " , وغلَّطوه , لأنّ أنس بن سيرين إنّما تلقّاه لَمّا رجع من الشّام فخرج ابن سيرين من البصرة ليتلقّاه.
ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله " حين قدم الشّام " , مجرّد ذكر الوقت الذي وقع له فيه ذلك , كما تقول: فعلت كذا لَمّا حججت.
стр. 586
قال النّوويّ: رواية مسلم صحيحة , ومعناه تلقّيناه في رجوعه حين قدم الشّام
قوله: (فلقيناه بعين التّمر) هو موضع بطريق العراق ممّا يلي الشّام , وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر , بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووجد بها غلماناً من العرب كانوا رهناً تحت يد كسرى. منهم جدّ الكلبيّ المفسّر , وحمران مولى عثمان , وسيرين مولى أنس. (١)
قوله: (رأيتك تصلي لغير القبلة) فيه إشعار بأنّه لَم ينكر الصّلاة على الحمار ولا غير ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنّما أنكر عدم استقبال القبلة فقط.
وفي قول أنس: لولا أنّي رأيت النّبيّ ﷺ يفعله. يعني ترك استقبال القبلة للمتنفّل على الدّابّة.
وهل يؤخذ منه أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى على حمار؟ فيه احتمال.
стр. 587
وقد نازع في ذلك الإسماعيليّ. فقال: خبر أنس إنّما هو في صلاة النّبيّ ﷺ راكباً تطوّعاً لغير القبلة، فإفراد البخاري التّرجمة (١) في الحمار من جهة السّنّة لا وجه له عندي. انتهى.
وقد روى السّرّاج من طريق يحيى بن سعيد عن أنس , أنّه رأى النّبيّ ﷺ يُصلِّي على حمار , وهو ذاهب إلى خيبر. إسناده حسن.
وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازنيّ عن سعيد بن يسار عن ابن عمر: رأيت النّبيّ ﷺ يُصلِّي على حمار , وهو متوجّه إلى خيبر.
فهذا يرجّح الاحتمال الذي أشار إليه البخاريّ.
فائدةٌ: لَم يبيّن في هذه الرّواية كيفيّة صلاة أنس، وذكره في الموطّأ عن يحيى بن سعيد قال: رأيت أنساً وهو يُصلِّي على حمار , وهو متوجّه إلى غير القبلة , يركع ويسجد إيماء من غير أن يضع جبهته على شيء ".
تكميلٌ: وقع عند السّرّاج من طريق عمرو بن عامر عن الحجّاج بن الحجّاج عن أنس بن سيرين بلفظ: أنّ رسول الله ﷺ كان يُصلِّي على ناقته حيث توجّهت به.
فعلى هذا كأنّ أنساً قاس الصّلاة على الرّاحلة بالصّلاة على الحمار.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى.
стр. 588
أنّ من صلَّى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيءٍ منه أنّ صلاته صحيحة، لأنّ الدّابّة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها.
وفيه الرّجوع إلى أفعاله كالرّجوع إلى أقواله من غير عرضة للاعتراض عليه. وفيه تلقّي المسافر، وسؤال التّلميذ شيخه عن مستند فعله والجواب بالدّليل.
وفيه التّلطّف في السّؤال، والعمل بالإشارة لقوله " من ذا الجانب ".
قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار، لأنّ ملابسته مع التّحرّز منه متعذّر لا سيّما إذا طال الزّمان في ركوبه واحتمل العرق.
وقال ابن رشيد: مقصود البخاري بالترجمة أنّه لا يشترط في التّطوّع على الدّابّة أن تكون الدّابّة طاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماسّ النّجاسة.
стр. 589
الحديث الخامس والعشرون
٧٤ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: بينا النّاس بقباء في صلاة الصّبح إذ جاءهم آتٍ , فقال: إنّ النّبيّ ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآنٌ , وقد أُمر أن يستقبل القبلة , فاستقْبِلوها. وكانت وجوههم إلى الشّام , فاستداروا إلى الكعبة. (١)
قوله: (بينا) أصله " بين " وأشبعت الفتحة، وقد تبقى بلا إشباع ويزاد فيها " ما " فتصير " بينما " (٢)، وهي ظرف زمان فيه معنى المفاجأة.
قوله: (النّاس بقباءٍ) بالمدّ والصّرف وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر وعدم الصّرف. وهو يذكّر ويؤنّث: موضعٌ معروفٌ ظاهر المدينة.
والمراد هنا مسجد أهل قباء ففيه مجاز الحذف، واللام في النّاس للعهد الذّهنيّ. والمراد أهل قباء ومن حضر معهم.
قوله: (في صلاة الصّبح) ولمسلمٍ " في صلاة الغداة " وهو أحد أسمائها، وقد نقل بعضهم كراهية تسميتها بذلك.
وهذا فيه مغايرةٌ لحديث البراء في الصحيحين , فإنّ فيه أنّهم كانوا
стр. 590
في صلاة العصر. (١)
والجواب: أن لا منافاة بين الخبرين؛ لأنّ الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة , وذلك في حديث البراء.
والآتي إليهم بذلك عبّاد بن بشر بن قيظيّ. كما رواه ابن منده من حديث طويلة بنت أسلم. وقيل: هو عبّاد بن نهيك بفتح النّون وكسر الهاء.
وأهل المسجد الذين مرّ بهم.
قيل: هم من بني سلمة، ووصل الخبر وقت الصّبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء. وذلك في حديث ابن عمر، ولَم يسمّ الآتي بذلك إليهم.
وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنّه عبّاد بن بشر. ففيه نظرٌ؛ لأنّ ذلك إنّما ورد في حقّ بني حارثة في صلاة العصر.
стр. 591
فإن كان ما نقلوا محفوظاً. فيحتمل أن يكون عبّاد أتى بني حارثة أوّلاً في وقت العصر , ثمّ توجّه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصّبح.
وممّا يدلّ على تعدّدهما , أنّ مسلماً روى من حديث أنس , أنّ رجلاً من بني سلمة مرّ وهم ركوع في صلاة الفجر. فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصّلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة.
قوله: (قد أُنزل عليه الليلة قرآنٌ) فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه مجازاً.
والتّنكير في قوله " قرآن " لإرادة البعضيّة، والمراد قوله: (قد نرى تقلّب وجهك في السّماء فلنولينَّك قبلةً ترضاها , فول وجهك شطر المسجد الحرام.) الآيات.
قوله: (وقد أُمر) فيه أنّ من يؤمر به النّبيّ ﷺ يلزم أمّته، وأنّ أفعاله يتأسّى بها كأقواله حتّى يقوم دليل الخصوص.
فائدة: كان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح. وبه جزم الجمهور , ورواه الحاكم بسند صحيح عن بن عباس
قوله: (فاستقبَلوها) بفتح الموحّدة للأكثر. أي: فتحوّلوا إلى جهة الكعبة، وفاعل " استقبَلوها " المخاطبون بذلك , وهم أهل قباء.
وقوله: (وكانت وجوههم إلى الشّام , فاستداروا إلى الكعبة.) تفسير من الرّاوي للتّحوّل المذكور.
стр. 592
ويحتمل: أن يكون فاعل استقبلوها النّبيّ ﷺ ومن معه، وضمير " وجوههم , لهم أو لأهل قباء على الاحتمالين.
وفي رواية الأصيليّ " فاستقبِلوها " بكسر الموحّدة بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير وجوههم الاحتمالان المذكوران.
وعودُه إلى أهل قباء أظهر.
ويرجّح رواية الكسر أنّه عند البخاري في " التّفسير " من رواية سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في هذا الحديث بلفظ " وقد أمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلِوها " فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأنّ الذي بعده أمرٌ لا أنّه بقيّة الخبر الذي قبله، والله أعلم.
ووقع بيان كيفيّة التّحوّل في حديث ثويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم , وقالت فيه: فتحوّل النّساء مكان الرّجال والرّجال مكان النّساء، فصلينا السّجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام.
قلت: وتصويره أنّ الإمام تحوّل من مكانه في مقدّم المسجد إلى مؤخّر المسجد؛ لأنّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لَم يكن خلفه مكان يسع الصّفوف، ولَمّا تحوّل الإمام تحوّلت الرّجال حتّى صاروا خلفه , وتحوّلت النّساء حتّى صرن خلف الرّجال، وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصّلاة.
فيحتمل: أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام.
стр. 593
ويحتمل: أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لَم تتوال الخطا عند التّحويل بل وقعت مفرّقة. والله أعلم.
وفي هذا الحديث. أنّ حكم النّاسخ لا يثبت في حقّ المكلف حتّى يبلغه؛ لأنّ أهل قباء لَم يؤمروا بالإعادة مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك بصلواتٍ.
واستنبط منه الطّحاويّ , أنّ من لَم تبلغه الدّعوة ولَم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له.
وفيه جواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ ؛ لأنّهم لَمّا تمادوا في الصّلاة ولَم يقطعوها دلَّ على أنّه رجح عندهم التّمادي والتّحوّل على القطع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلاَّ عن اجتهاد.
كذا قيل، وفيه نظرٌ لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نصٌّ سابق؛ لأنّه ﷺ كان مترقّباً التّحوّل المذكور. فلا مانع أن يعلمهم ما صنعوا من التّمادي والتّحوّل.
وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به , ونسخ ما تقرّر بطريق العلم به؛ لأنّ صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاة النّبيّ ﷺ إلى جهته، ووقع تحوّلهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد.
وأجيب: بأنّ الخبر المذكور احتفّت به قرائن ومقدّمات أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلاَّ
стр. 594
بما يفيد العلم.
وقيل: كان النّسخ بخبر الواحد جائزاً في زمنه ﷺ مطلقاً وإنّما منع بعده، ويحتاج إلى دليل.
وفيه جواز تعليم مَن ليس في الصّلاة مَن هو فيها، وأنّ استماع المُصلِّي لكلام من ليس في الصّلاة لا يفسد صلاته.
ووجه تعلّق حديث ابن عمر بترجمة الباب (١) أنّ دلالته على الجزء الأوّل منها من قوله " أمر أن يستقبل الكعبة " , وعلى الجزء الثّاني من حيث إنّهم صلوا في أوّل تلك الصّلاة إلى القبلة المنسوخة جاهلين بوجوب التّحوّل عنها , وأجزأت عنهم مع ذلك ولَم يؤمروا بالإعادة , فيكون حكم السّاهي كذلك.
لكن يمكن أن يفرّق بينهما بأنّ الجاهل مستصحبٌ للحكم الأوّل مغتفرٌ في حقّه ما لا يغتفر في حقّ السّاهي؛ لأنّه إنّما يكون عن حكم استقرّ عنده وعرفه.
стр. 595
فائدة: اختلفت الرّواية في الصّلاة التي تحوّلت القبلة عندها.
فظاهر حديث البراء في الصحيحين أنّها الظّهر.
وذكر محمّد بن سعد في " الطّبقات " قال: يقال إنّه صلَّى ركعتين من الظّهر في مسجده بالمسلمين، ثمّ أمر أن يتوجّه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون.
ويقال زار النّبيّ ﷺ أمَّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة , فصنعت له طعاماً وحانتِ الظُهر فصلَّى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثمّ أمر فاستدار إلى الكعبة , واستقبل الميزاب فسمّي مسجد القبلتين.
قال ابن سعد: قال الواقديّ: هذا أثبت عندنا.
وأخرج ابن أبي داود بسندٍ ضعيفٍ عن عمارة بن رويبة قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في إحدى صلاتي العشيّ حين صرفت القبلة، فدار ودرنا معه في ركعتين.
وأخرج البزّار من حديث أنس: انصرف رسول الله ﷺ عن بيت المقدس وهو يُصلِّي الظّهر بوجهه إلى الكعبة، وللطّبرانيّ نحوه من وجه آخر عن أنس.
وفي كلٍّ منهما ضعفٌ.
والتحقيق أنَّ أول صلاة صلَّاها في بني سلمة لَمَّا مات بشر بن البراء بن معرور الظهر، وأول صلاة صلاَّها بالمسجد النبوي العصر.
وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء، وهل كان ذلك في
стр. 596
جمادى الآخرة أو رجب أو شعبان؟ أقوال.
فائدة: اختلفوا في الجهة التي كان النبي ﷺ يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة.
القول الأول: قال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس؛ لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس.
القول الثاني: أطلق آخرون أنه كان يُصلي إلى بيت المقدس.
القول الثالث: قال آخرون: كان يُصلي إلى الكعبة، فلمَّا تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف. ويلزم منه دعوى النسخ مرتين.
والأول أصحُّ لأنه يجمع بين القولين، وقد صحَّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس.
стр. 597
باب الصّفوف
الحديث السادس والعشرون
٧٥ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : سوّوا صفوفكم , فإنّ تسويةَ الصُّفوفِ من تمام الصّلاة. (١)
قوله: (سوّوا صفوفكم) وللبخاري عن حميد عن أنس: أقيمت الصلاة , فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه. فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا , فإني أراكم من وراء ظهري.
وقوله " تراصُّوا " بتشديد الصّاد المهملة. أي: تلاصقوا بغير خللٍ.
ويحتمل: أن يكون تأكيداً لقوله " أقيموا " والمراد " بأقيموا " سوّوا كما وقع في رواية معمرٍ عن حميدٍ عند الإسماعيليّ. بدل أقيموا واعتدلوا.
وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدّخول في الصّلاة، وفيه مراعاة الإمام لرعيّته والشّفقة عليهم وتحذيرهم من المخالفة.
قوله: (فإنّ تسوية الصّفوف) في رواية الأصيليّ " الصّفّ " بالإفراد، والمراد به الجنس.
قوله: (من تمام الصلاة) وللبخاري " من إقامة الصلاة " هكذا
стр. 598
ذكره البخاريّ عن أبي الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس.
وذكره غيره عنه بلفظ " من تمام الصّلاة " كذلك أخرجه الإسماعيليّ عن ابن حذيفة , والبيهقيّ من طريق عثمان الدّارميّ كلاهما عنه , وكذلك أخرجه أبو داود عن أبي الوليد وغيره، وكذا مسلم وغيره من طريق جماعةٍ عن شعبة.
وزاد الإسماعيليّ من طريق أبي داود الطّيالسيّ قال: سمعت شعبة يقول: داهنتُ في هذا الحديث , لَم أسأل قتادة. أسمعته من أنس أم لا؟ انتهى.
ولَم أره عن قتادة إلاَّ معنعناً، ولعل هذا هو السّرّ في إيراد البخاريّ لحديث أبي هريرة (١) معه في الباب تقويةً له.
واستدل ابن حزمٍ بقوله " إقامة الصّلاة " على وجوب تسوية الصّفوف قال: لأنّ إقامة الصّلاة واجبة. وكلّ شيءٍ من الواجب واجب.
ولا يخفى ما فيه، ولا سيّما وقد بيّنّا أنّ الرّواة لَم يتّفقوا على هذه العبارة (٢).
وتمسّك ابن بطّال بظاهر لفظ حديث أبي هريرة: أقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من حسن الصلاة. فاستدل به على أنّ
стр. 599
التّسوية سنّةٌ، قال: لأنّ حسن الشّيء زيادة على تمامه، وأُورد عليه رواية " من تمام الصّلاة "
وأجاب ابن دقيق العيد , فقال: قد يؤخذ من قوله " تمام الصّلاة " الاستحباب؛ لأنّ تمام الشّيء في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقّق إلاَّ بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلاَّ به.
كذا قال، وهذا الأخذ بعيد؛ لأنّ لفظ الشّارع لا يُحمل إلاَّ على ما دلَّ عليه الوضع في اللسان العربيّ، وإنّما يُحمل على العرف إذا ثبت أنّه عرف الشّارع لا العرف الحادث.
تكميلٌ: زاد الشيخان من وجه آخر عن أنس: فإني أراكم من وراء ظهري. فيه إشارة إلى سبب الأمر بذلك. أي: إنّما أمرت بذلك؛ لأنّي تحقّقت منكم خلافه. والمختار حملها على الحقيقة خلافاً لمن زعم أنّ المراد بها خلق علمٍ ضروريّ له بذلك ونحو ذلك.
قال الزين بن المنير: لا حاجة إلى تأويلها؛ لأنّه في معنى تعطيل لفظ الشّارع من غير ضرورة.
وقال القرطبيّ: بل حملها على ظاهرها أولى؛ لأنّ فيه زيادةً في كرامة النّبيّ ﷺ .
стр. 600
الحديث السابع والعشرون
٧٦ - عن النّعمان بن بشيرٍ ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لَتُسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم. (١)
ولمسلمٍ: كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا , حتّى كأنّما يسوّي بها القداح , حتّى إذا رأى أنْ قد عقلنا عنه , ثمّ خرج يوماً فقام , حتّى إذا كاد أنْ يكبّر , فرأى رجلاً بادياً صدُره , فقال: عباد الله , لتسوُّن صفوفكم , أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم. (٢)
قوله: (عن النّعمان بن بشيرٍ) بن سعد الأنصاري الصحابي بن الصحابي (٣).