جمادى الآخرة أو رجب أو شعبان؟ أقوال.
فائدة: اختلفوا في الجهة التي كان النبي ﷺ يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة.
القول الأول: قال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس؛ لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس.
القول الثاني: أطلق آخرون أنه كان يُصلي إلى بيت المقدس.
القول الثالث: قال آخرون: كان يُصلي إلى الكعبة، فلمَّا تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف. ويلزم منه دعوى النسخ مرتين.
والأول أصحُّ لأنه يجمع بين القولين، وقد صحَّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس.
стр. 597
باب الصّفوف
الحديث السادس والعشرون
٧٥ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : سوّوا صفوفكم , فإنّ تسويةَ الصُّفوفِ من تمام الصّلاة. (١)
قوله: (سوّوا صفوفكم) وللبخاري عن حميد عن أنس: أقيمت الصلاة , فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه. فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا , فإني أراكم من وراء ظهري.
وقوله " تراصُّوا " بتشديد الصّاد المهملة. أي: تلاصقوا بغير خللٍ.
ويحتمل: أن يكون تأكيداً لقوله " أقيموا " والمراد " بأقيموا " سوّوا كما وقع في رواية معمرٍ عن حميدٍ عند الإسماعيليّ. بدل أقيموا واعتدلوا.
وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدّخول في الصّلاة، وفيه مراعاة الإمام لرعيّته والشّفقة عليهم وتحذيرهم من المخالفة.
قوله: (فإنّ تسوية الصّفوف) في رواية الأصيليّ " الصّفّ " بالإفراد، والمراد به الجنس.
قوله: (من تمام الصلاة) وللبخاري " من إقامة الصلاة " هكذا
стр. 598
ذكره البخاريّ عن أبي الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس.
وذكره غيره عنه بلفظ " من تمام الصّلاة " كذلك أخرجه الإسماعيليّ عن ابن حذيفة , والبيهقيّ من طريق عثمان الدّارميّ كلاهما عنه , وكذلك أخرجه أبو داود عن أبي الوليد وغيره، وكذا مسلم وغيره من طريق جماعةٍ عن شعبة.
وزاد الإسماعيليّ من طريق أبي داود الطّيالسيّ قال: سمعت شعبة يقول: داهنتُ في هذا الحديث , لَم أسأل قتادة. أسمعته من أنس أم لا؟ انتهى.
ولَم أره عن قتادة إلاَّ معنعناً، ولعل هذا هو السّرّ في إيراد البخاريّ لحديث أبي هريرة (١) معه في الباب تقويةً له.
واستدل ابن حزمٍ بقوله " إقامة الصّلاة " على وجوب تسوية الصّفوف قال: لأنّ إقامة الصّلاة واجبة. وكلّ شيءٍ من الواجب واجب.
ولا يخفى ما فيه، ولا سيّما وقد بيّنّا أنّ الرّواة لَم يتّفقوا على هذه العبارة (٢).
وتمسّك ابن بطّال بظاهر لفظ حديث أبي هريرة: أقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من حسن الصلاة. فاستدل به على أنّ
стр. 599
التّسوية سنّةٌ، قال: لأنّ حسن الشّيء زيادة على تمامه، وأُورد عليه رواية " من تمام الصّلاة "
وأجاب ابن دقيق العيد , فقال: قد يؤخذ من قوله " تمام الصّلاة " الاستحباب؛ لأنّ تمام الشّيء في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقّق إلاَّ بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلاَّ به.
كذا قال، وهذا الأخذ بعيد؛ لأنّ لفظ الشّارع لا يُحمل إلاَّ على ما دلَّ عليه الوضع في اللسان العربيّ، وإنّما يُحمل على العرف إذا ثبت أنّه عرف الشّارع لا العرف الحادث.
تكميلٌ: زاد الشيخان من وجه آخر عن أنس: فإني أراكم من وراء ظهري. فيه إشارة إلى سبب الأمر بذلك. أي: إنّما أمرت بذلك؛ لأنّي تحقّقت منكم خلافه. والمختار حملها على الحقيقة خلافاً لمن زعم أنّ المراد بها خلق علمٍ ضروريّ له بذلك ونحو ذلك.
قال الزين بن المنير: لا حاجة إلى تأويلها؛ لأنّه في معنى تعطيل لفظ الشّارع من غير ضرورة.
وقال القرطبيّ: بل حملها على ظاهرها أولى؛ لأنّ فيه زيادةً في كرامة النّبيّ ﷺ .
стр. 600
الحديث السابع والعشرون
٧٦ - عن النّعمان بن بشيرٍ ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لَتُسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم. (١)
ولمسلمٍ: كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا , حتّى كأنّما يسوّي بها القداح , حتّى إذا رأى أنْ قد عقلنا عنه , ثمّ خرج يوماً فقام , حتّى إذا كاد أنْ يكبّر , فرأى رجلاً بادياً صدُره , فقال: عباد الله , لتسوُّن صفوفكم , أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم. (٢)
قوله: (عن النّعمان بن بشيرٍ) بن سعد الأنصاري الصحابي بن الصحابي (٣).
стр. 601
قوله: (لتسوُّنَّ) بضمّ التّاء المثنّاة وفتح السّين وضمّ الواو المشدّدة وتشديد النّون، وللمستملي " لتسوّون " بواوين.
قال البيضاويّ: هذه اللام هي التي يتلقّى بها القسم، والقسم هنا مقدّر ولهذا أكّده بالنّون المشدّدة. انتهى.
وسيأتي من رواية أبي داود قريباً إبراز القسم في هذا الحديث.
قوله: (أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم) أي: إن لَم تسوّوا، والمراد بتسوية الصّفوف اعتدال القائمين بها على سمتٍ واحدٍ، أو يراد بها سدّ الخلل الذي في الصّفّ.
واختلف في الوعيد المذكور.
فقيل: هو على حقيقته , والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا أو نحو ذلك، فهو نظير ما سيأتي من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار (١).
وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية وهي المخالفة، وعلى هذا فهو واجب، والتّفريط فيه حرامٌ.
ويؤيّد حمله على ظاهره حديث أبي أُمامة: لتسوّنّ الصّفوف أو لتطمسنّ الوجوه. أخرجه أحمد. وفي إسناده ضعفٌ.
ولهذا قال ابن الجوزيّ: الظّاهر أنّه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى (من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها) وحديث أبي
стр. 602
أُمامة. أخرجه أحمد , وفي إسناده ضعفٌ.
ومنهم: من حمله على المجاز.
قال النّوويّ: معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما تقول: تغيّر وجه فلانٍ عليّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأنّ مخالفتهم في الصّفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظّواهر سبب لاختلاف البواطن.
ويؤيّده رواية أبي داود وصحَّحه ابن خزيمة من رواية أبي القاسم الجدليّ - واسمه حسين بن الحارث - قال: سمعت النّعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله ﷺ على النّاس بوجهه. فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثاً، والله لتقيمنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم. قال: فلقد رأيتُ الرّجل منّا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه ".
وقال القرطبيّ: معناه تفترقون فيأخذ كلّ واحدٍ وجهاً غير الذي أخذ صاحبه؛ لأنّ تقدّم الشّخص على غيره مظنّة الكبر المفسد للقلب الدّاعي إلى القطيعة.
والحاصل أنّ المراد بالوجه. إن حُمل على العضو المخصوص فالمخالفة إمّا بحسب الصّورة الإنسانيّة أو الصّفة أو جعل القدّام وراء.
وإن حُمل على ذات الشّخص فالمخالفة بحسب المقاصد. أشار إلى ذلك الكرمانيّ. ويحتمل: أن يراد بالمخالفة في الجزاء , فيجازي
стр. 603
المسوّي بخيرٍ , ومن لا يسوّي بشرٍّ.
وروى البخاري عن بشير بن يسار الأنصارى عن أنس بن مالك , أنه قدم المدينة , فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ , قال: ما أنكرتُ شيئاً إلاَّ أنكم لا تقيمون الصفوف (١).
قال ابن رشيد: أورد فيه حديث أنس " ما أنكرتُ شيئاً إلاَّ أنكم لا تقيمون الصفوف ". وتعقّب: بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم.
وأجيب: بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) على أنَّ المراد بالأمر الشأن والحال لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أنَّ من خالف شيئاً من الحال التي كان عليها ﷺ أن يأثم لِمَا يدلُّ عليه الوعيد المذكور في الآية، وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم. انتهى كلام ابن رشيد ملخصاً.
وهو ضعيف؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب.
وأما قول ابن بطال: إنَّ تسوية الصفوف لَمَّا كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها دلَّ على أنَّ تاركها يستحق الذم.
стр. 604
فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثماً. سلَّمنا، لكن يرد عليه التعقّب الذي قبله.
ويحتمل: أن يكون البخاري أخَذَ الوجوب من صيغة الأمر في قوله " سوّوا صفوفكم ". ومن عموم قوله " صلَّوا كما رأيتموني أصلي " ومن ورود الوعيد على تركه.
فرَجَحَ عنده بهذه القرائن أنَّ إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب. وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن.
ومع القول بأن التسوية واجبة. فصلاة من خالف ولَم يسوِّ صحيحة لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك. أنَّ أنساً مع إنكاره عليهم لَم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وأفرط ابن حزمٍ فجزم بالبطلان، ونازع من ادّعى الإجماعَ على عدم الوجوب بما صحّ عن عمر , أنّه ضرب قدم أبي عثمان النّهديّ لإقامة الصّفّ، وبما صحّ عن سويد بن غفلة , قال: كان بلال يسوّي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصّلاة ".
فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحداً على ترك غير الواجب.
وفيه نظرٌ، لجواز أنّهما كانا يريان التّعزير على ترك السّنّة.
قوله: (ولمسلمٍ: كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا , حتّى كأنّما
الحديث الثامن والعشرون
٧٧ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ جدَّته مُلَيْكة دعتْ رسولَ الله ﷺ لطعامٍ صنعته , فأكل منه , ثمّ قال: قوموا فلأُصلي لكم. قال أنسٌ: فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبس , فنضحته بماءٍ , فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه , والعجوز من ورائنا. فصلَّى لنا ركعتين , ثمّ انصرف. (١)
ولمسلمٍ: أنّ رسول الله ﷺ صلَّى به وبأمّه فأقامني عن يمينه , وأقام المرأة خلفنا. (٢)
قال المصنف: اليتيم. هو ضُميرة جدّ حسين بن عبد الله بن ضميرة.
قوله: (عن أنس بن مالك , أنّ جدّته مُلَيْكة) أي: بضمّ الميم تصغير ملكة، والضّمير في جدّته يعود على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الراوي عن أنس، جزم به ابن عبد البرّ وعبد الحقّ وعياض، وصحَّحه النّوويّ.
وجزم ابن سعد وابن منده وابن الحصّار , بأنّها جدّة أنس والدة أمّه أمّ سليمٍ، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في النّهاية ومن تبعه. وكلام عبد الغنيّ في العمدة. وهو ظاهر السّياق.
стр. 607
ويؤيّده ما رويناه في " فوائد العراقيّين " لأبي الشّيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدّميّ عن عبيد الله بن عمر عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: أرسلتني جدّتي إلى النّبيّ ﷺ , واسمها مُلَيْكة , فجاءنا فحضرت الصّلاة. الحديث.
وقال ابن سعد في " الطّبقات ": أمّ سليمٍ بنت ملحان، فساق نسبها إلى عديّ بن النّجّار. وقال: وهي الغميصاء. ويقال: الرّميساء، ويقال: اسمها سهلة , ويقال: أنيفة. أي: بالنّون والفاء المصغّرة , ويقال: رميثة.
وأمّها مُلَيْكة بنت مالك بن عديٍّ، فساق نسبها إلى مالك بن النّجّار. ثمّ قال: تزوّجها. أي: أمّ سليمٍ مالك بن النّضر فولدت له أنس بن مالك، ثمّ خلف عليها أبو طلحة. فولدت له عبد الله وأبا عمير.
قلت: وعبد الله هو والد إسحاق، روى هذا الحديث عن عمّه أخي أبيه لأمّه أنس بن مالك، ومقتضى كلام من أعاد الضّمير في جدّته إلى إسحاق أن يكون اسم أمّ سليمٍ مُلَيْكة.
ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النّبيّ ﷺ ، وأمّي أمّ سليمٍ خلفنا. هكذا أخرجه البخاري في أبواب الصّفوف، والقصّة واحدة طوّلها مالك , واختصرها سفيان.
ويحتمل: تعدّدها فلا تخالف ما تقدّم، وكون مُلَيْكة جدّة أنس لا
стр. 608
ينفي كونها جدّة إسحاق لِمَا بيّنّاه، لكنّ الرّواية التي سأذكرها عن " غرائب مالك " ظاهرة في أنّ مُلَيْكة اسم أمّ سليمٍ نفسها. والله أعلم.
قوله: (لطعامٍ) أي: لأجل طعام، وهو مشعر بأنّ مجيئه كان لذلك , لا ليصلي بهم ليتّخذوا مكان صلاته مصلّىً لهم كما في قصّة عتبان بن مالك (١)، وهذا هو السّرّ في كونه بدأ في قصّة عتبان بالصّلاة قبل الطّعام، وهنا بالطّعام قبل الصّلاة، فبدأ في كلّ منهما بأصل ما دُعي لأجله.
قوله: (ثمّ قال: قوموا) استدل به على ترك الوضوء ممّا مسّت النّار لكونه صلَّى بعد الطّعام.
وفيه نظرٌ (٢) لِمَا رواه الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " عن البغويّ
стр. 609
عن عبد الله بن عون عن مالك. ولفظه " صنعتْ مُلَيْكة لرسول الله ﷺ طعاماً فأكل منه وأنا معه، ثمّ دعا بوضوءٍ فتوضّأ " الحديث.
قوله: (فلأصلي لكم) كذا في روايتنا بكسر اللام وفتح الياء، وفي رواية الأصيليّ بحذف الياء.
قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة، ووجهه أنّ اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي , والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة , واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف , والتّقدير قوموا فقيامكم لأصلي لكم.
ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة واللام متعلقة بقوموا، وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضاً لام كي , وسكّنت الياء تخفيفاً أو لام الأمر , وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصّحيح كقراءة قنبل " إنّه من يتّقي ويصبر "، وعند حذف الياء اللام لام الأمر، وأمر المتكلم نفسه بفعلٍ مقرونٍ باللام فصيح قليل في الاستعمال. ومنه قوله تعالى (ولنحمل خطاياكم).
قال: ويجوز فتح اللام. ثمّ ذكر توجيهه.
وفيه لغيره بحثٌ اختصرته؛ لأنّ الرّواية لَم ترد به.
وقيل: إنّ في رواية الكشميهنيّ " فأصل " بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النّسخ الصّحيحة.
وحكى ابن قرقولٍ عن بعض الرّوايات " فلنصل " بالنّون وكسر اللام والجزم، واللام على هذا لام الأمر , وكسرها لغة معروفة.
стр. 610
قوله: (لكم) أي: لأجلكم , قال السّهيليّ: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى (فليمدد له الرّحمن مدّاً).
ويحتمل: أن يكون أمراً لهم بالائتمام , لكنّه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله.
قوله: (حصير) الحصير معروف يتخذ من السعف وما أشبهه.
قال ابن بطال: إن كان ما يُصلّى عليه كبيراً قدر طول الرجل فأكثر فإنه يقال له حصير , ولا يقال له خُمرة , وكلُّ ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه.
قوله: (من طول ما لُبس) فيه أنّ الافتراش يُسمّى لُبساً.
وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النّهي عن لبس الحرير، ولا يرِد على ذلك أنّ من حلف لا يلبس حريراً فإنّه لا يحنث بالافتراش؛ لأنّ الأيمان مبناها على العرف.
قوله: (فنضحتُه) يحتمل: أن يكون النّضح لتليين الحصير. أو لتنظيفه. أو لتطهيره، ولا يصحّ الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأنّ الأصل الطّهارة.
قوله: (وصففت أنا واليتيم) كذا للأكثر، وللمستملي والحمويّ " فصففت واليتيم " بغير تأكيد والأوّل أفصح.
ويجوز في " اليتيم " الرّفع والنّصب.
قال صاحب العمدة: اليتيم هو ضميرة جدّ حسين بن عبد الله بن ضميرة.
стр. 611
قال ابن الحذّاء: كذا سَمّاه عبد الملك بن حبيب ولَم يذكره غيره، وأظنّه سمعه من حسين بن عبد الله أو من غيره من أهل المدينة. قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله ﷺ .
واختلف في اسم أبي ضميرة. فقيل روح، وقيل غير ذلك. انتهى.
ووهم بعض الشّرّاح. فقال: اسم اليتيم ضميرة , وقيل: روح، فكأنّه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه.
ووقع عند ابن فتحونٍ فيما رواه عن ابن السّكن بسنده في الخبر المذكور " صليت أنا وسليم " بسينٍ مهملةٍ ولام مصغّراً فتصحّفت على الرّاوي من لفظ " يتيم " ومشى على ذلك ابن فتحونٍ , فقال في ذيله على الاستيعاب: سليمٌ غير منسوبٍ , وساق هذا الحديث.
وجزم البخاريّ: بأنّ اسم أبي ضميرة سعد الحميريّ , ويقال سعيد، ونسبه ابن حبّان ليثيّاً.
واستدل بقوله " فصففت أنا واليتيم وراءه " على أنّ السّنّة في موقف الاثنين أن يصفّا خلف الإمام، خلافاً لِمَن قال من الكوفيّين: إنّ أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره.
وحجّتهم في ذلك حديث ابن مسعود. الذي أخرجه أبو داود وغيره. عنه أنّه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله. (١)
стр. 612
وأجاب عنه ابن سيرين: بأنّ ذلك كان لضيق المكان، رواه الطّحاويّ.
مسألة: هل يخرج من وقف معه الصبي في الصف عن أن يكون فرداً حتى يَسلم من بطلان صلاته عند من يمنعه أو كراهته؟.
وظاهر حديث أنس يقتضي الإجزاء، فهو حجة على من منع ذلك من الحنابلة مطلقاً، وقد نصَّ أحمد على أنه يجزئ في النفل دون الفرض. وفيه ما فيه (١).
قوله: (والعجوز) هي مُلَيْكة المذكورة أوّلاً.
فيه أنّ المرأة لا تصفّ مع الرّجال، وأصله ما يخشى من الافتتان بها فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور.
وعن الحنفيّة. تفسد صلاة الرّجل دون المرأة.
وهو عجيبٌ , وفي توجيهه تعسّف حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود: أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله " (٢) والأمر للوجوب،
стр. 613
وحيث ظرف مكان. ولا مكان يجب تأخّرهنّ فيه إلاَّ مكان الصّلاة , فإذا حاذت الرّجل فسدت صلاة الرّجل؛ لأنّه ترك ما أمر به من تأخيرها.
وحكاية هذا تغني عن تكلّف جوابه - والله المستعان - فقد ثبت النّهي عن الصّلاة في الثّوب المغصوب وأمر لابسه أن ينزعه (١) فلو خالف فصلَّى فيه , ولَم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلِمَ لا يقال في الرّجل الذي حاذته المرأة ذلك؟
وأوضح منه. لو كان لباب المسجد صفّةٌ مملوكةٌ فصلَّى فيها شخصٌ بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوةٍ واحدةٍ صحّت صلاته وأثم، وكذلك الرّجل مع المرأة التي حاذته , ولا سيّما إن جاءت بعد أن دخل في الصّلاة فصلت بجنبه.
وقال ابن رشيد: الأقرب أنّ البخاريّ (٢) قصد أن يبيّن أنّ هذا
стр. 614
مستثنىً من عموم الحديث الذي فيه " لا صلاة لمنفردٍ خلف الصّفّ " يعني أنّه مختصٌّ بالرّجال.
والحديث المذكور. أخرجه ابن حبّان من حديث عليّ بن شيبان، وفي صحّته نظرٌ.
واستدل به ابن بطّال على صحّة صلاة المنفرد خلف الصّفّ خلافاً لأحمد، قال: لأنّه لَمّا ثبت ذلك للمرأة كان للرّجل أولى، لكن لمخالفه أن يقول: إنّما ساغ ذلك لامتناع أن تصفّ مع الرّجال، بخلاف الرّجل فإنّ له أن يصفّ معهم وأن يزاحمهم. وأن يجذب رجلاً من حاشية الصّفّ فيقوم معه فافترقا (١).
قوله: (ثمّ انصرف) أي: إلى بيته أو من الصّلاة.
وفي هذا الحديث من الفوائد. إجابة الدّعوة ولو لَم تكن عرساً , ولو كان الدّاعي امرأة , لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدّعوة، وصلاة النّافلة جماعة في البيوت، وكأنّه ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصّلاة بالمشاهدة لأجل المرأة , فإنّها قد يخفى عليها بعض التّفاصيل لبعد موقفها.
стр. 615
وفيه تنظيف مكان المصلَّى، وقيام الصّبيّ مع الرّجل صفّاً، وتأخير النّساء عن صفوف الرّجال، وقيام المرأة صفّاً وحدها إذا لَم يكن معها امرأة غيرها.
واستدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصّفّ وحده، ولا حجّة فيه لذلك.
وفيه الاقتصار في نافلة النّهار على ركعتين خلافاً لمن زعم أنّ التّطوّع في النّهار يكون أربعاً موصولة، واختار الجمهور التّسليم من كل ركعتين في صلاة الليل والنّهار. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يخيّر في صلاة النّهار بين الثّنتين والأربع , وكرهوا الزّيادة على ذلك.
واستدلوا بقوله ﷺ " صلاة الليل مثنى " على أنّ صلاة النّهار بخلاف ذلك.
وقال ابن المنير في الحاشية: إنّما خصّ الليل بذلك , لأنّ فيه الوتر فلا يقاس على الوتر غيره فيتنفّل المُصلِّي بالليل أوتاراً، فبيّن أنّ الوتر لا يعاد وأنّ بقيّة صلاة الليل مثنى، وإذا ظهرت فائدة تخصيص الليل صار حاصل الكلام صلاة النّافلة سوى الوتر مثنى فيعمّ الليل والنّهار.
وفيه صحّة صلاة الصّبيّ المميّز ووضوئه، وأنّ محلّ الفضل الوارد في صلاة النّافلة منفرداً حيث لا يكون هناك مصلحة كالتّعليم، بل يمكن أن يقال هو إذ ذاك أفضل ولا سيّما في حقّه ﷺ .
تنبيهان:
стр. 616
الأوّل: أورد مالك هذا الحديث في ترجمة صلاة الضّحى.
وتعقّب: بما رواه أنس بن سيرين عن أنس بن مالك , أنّه لَم ير النّبيّ ﷺ يُصلِّي الضّحى إلاَّ مرّة واحدة في دار الأنصاريّ الضّخم الذي دعاه ليصلي في بيته. أخرجه البخاري.
وأجاب صاحب القبس: بأنّ مالكاً نَظَرَ إلى كون الوقت الذي وقعت فيه تلك الصّلاة هو وقت صلاة الضّحى فحمله عليه، وأنّ أنساً لَم يطّلع على أنّه ﷺ نوى بتلك الصّلاة صلاة الضّحى.
الثّاني: النّكتة في ترجمة الباب (١) الإشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق شُريح بن هانئ , أنّه سأل عائشة , أكان النّبيّ ﷺ يُصلِّي على الحصير والله يقول (وجعلنا جهنّم للكافرين حصيراً) (٢)؟
стр. 617
فقالت: لَم يكن يُصلِّي على الحصير.
فكأنّه لَم يثبت عند البخاري , أو رآه شاذّاً مردوداً لمعارضته ما هو أقوى منه كحديث الباب، بل عند البخاري من طريق أبي سلمة عن عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ كان له حصيرٌ يبسطه ويُصلِّي عليه.
وفي مسلم من حديث أبي سعيد , أنّه رأى النّبيّ ﷺ يُصلِّي على حصير. ويمكن الجمع: بحمل النفي على المداومة , لكن يخدش فيه ما ذكره شريح من الآية.
стр. 618
الحديث التاسع والعشرون
٧٨ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة. فقام النّبيّ ﷺ يُصلِّي من الليل , فقمتُ عن يساره. فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. (١)
قوله: (بِتُّ عند خالتي ميمونة) زاد شريك بن أبي نمر عن كريب عن ابن عباس عند مسلم " فرقبت رسول الله ﷺ كيف يُصلِّي " , زاد أبو عوانة في " صحيحه " من هذا الوجه " بالليل ".
ولمسلمٍ من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال: بعثني العبّاس إلى النّبيّ ﷺ . زاد النّسائيّ من طريق حبيب بن أبي ثابت عن كريب " في إبل أعطاه إيّاها من الصّدقة ".
ولأبي عوانة من طريق عليّ بن عبد الله بن عبّاس عن أبيه , أنّ العبّاس بعثه إلى النّبيّ ﷺ في حاجة، قال: فوجدته جالساً في المسجد فلم أستطع أن أُكلّمه، فلمّا صلَّى المغرب قام فركع حتّى أذن بصلاة العشاء.
ولابن خزيمة من طريق طلحة بن نافع عنه: كان رسول الله ﷺ وعد العبّاس ذوداً من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء. وكان في بيت
стр. 619
ميمونة.
وهذا يخالف ما قبله، ويُجمع. بأنّه لَمّا لَم يكلمه في المسجد أعاده إليه بعد العشاء إلى بيت ميمونة، ولمحمّد بن نصر في كتاب قيام الليل من طريق محمّد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن الزّيادة " فقال لي: يا بنيّ بِت الليلة عندنا " وفي رواية حبيب المذكورة " فقلت: لا أنام حتّى أنظر ما يصنع في صلاة الليل ".
وفي رواية مسلم من طريق الضّحّاك بن عثمان عن مخرمة , فقلت لميمونة: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني. وكان عزم في نفسه على السّهر ليطّلع على الكيفيّة التي أرادها، ثمّ خشي أن يغلبه النّوم فوصّى ميمونة أن توقظه.
قوله: (فقام النّبيّ ﷺ يُصلِّي من الليل) وللبخاري " فنام حتى انتصف الليل أو قريبا منه " وجزم شريك بن أبي نمر في روايته المذكورة " بثلث الليل الأخير ".
ويجمع بينهما: بأنّ الاستيقاظ وقع مرّتين:
ففي الأولى: نظر إلى السّماء ثمّ تلا الآيات ثمّ عاد لمضجعه فنام.
وفي الثّانية: أعاد ذلك ثمّ توضّأ وصلَّى، وقد بيّن ذلك محمّد بن الوليد عن كريب عند محمد بن نصر. وفي رواية الثّوريّ عن سلمة بن كهيلٍ عن كريب في الصّحيحين , فقام رسول الله ﷺ من الليل فأتى حاجته ثمّ غسل وجهه ويديه ثمّ نام، ثمّ قام فأتى القرية. الحديث.
وفي رواية سعيد بن مسروق عن سلمة عند مسلم " ثمّ قام قومة
стр. 620
أخرى " وعنده من رواية شعبة عن سلمة " فبال " بدل فأتى حاجته. وفي رواية محمّد بن الوليد " ثمّ أخذ بُرداً له حضرميّاً فتوشّحه , ثمّ دخل البيت فقام يُصلِّي "
قوله: (فقمتُ عن يساره) فيه عدم فساد صلاة المأموم إذا قام عن يسار الإمام فحوّله عن يمينه , ووجه الدّلالة من حديث ابن عبّاسٍ المذكور , أنّه ﷺ لَم يبطل صلاة ابن عبّاسٍ مع كونه قام عن يساره أوّلاً.
وعن أحمد: تبطل؛ لأنّه ﷺ لَم يقرّه على ذلك.
والأوّل هو قول الجمهور، بل قال سعيد بن المسيّب: إنّ موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام، ولَم يُتابع على ذلك.
قوله: (فأخذ برأسي) وفي رواية لهما " فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها " زاد محمّد بن الوليد عن ابن نصر في روايته " فعرفت أنّه إنّما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل ". وفي رواية الضّحّاك بن عثمان عند مسلم " فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني ".
وفي هذا ردّ على من زعم أنّ أخذ الأذن إنّما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين , متمسِّكاً برواية سلمة بن كهيلٍ في البخاري حيث قال: فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه.
لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصّفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لِمَا ذكره من تأنيسه وإيقاظه , لأنّ حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنّه.
стр. 621
قوله: (فجعلني عن يمينه) وللبخاري من رواية مخرمة عن كريبٍ عن ابن عبّاسٍ بلفظ " فقمت إلى جنبه " وظاهره المساواة.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاءٍ: الرّجل يُصلِّي مع الرّجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقّه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتّى يصفّ معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحبّ أن يساويه حتّى لا تكون بينهما فرجةٌ؟ قال: نعم.
وفي الموطّأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ قال: دخلت على عمر بن الخطّاب بالهاجرة فوجدته يسبّح فقمت وراءه فقرّبني حتّى جعلني حذاءه عن يمينه.
وقد نقل بعضهم الاتّفاق على أنّ المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام إلاَّ النّخعيّ فقال: إذا كان الإمام ورجلٌ قام الرّجل خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحدٌ قام عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصورٍ.
ووجّهه بعضهم: بأنّ الإمام مظنّة الاجتماع فاعتبرت في موقف المأموم حتّى يظهر خلاف ذلك، وهو حسنٌ لكنّه مخالفٌ للنّصّ، وهو قياسٌ فاسدٌ.
ثمّ ظهر لي: أنّ إبراهيم إنّما كان يقول بذلك حيث يظنّ ظنّاً قويّاً مجيء ثانٍ، وقد روى سعيد بن منصورٍ أيضاً عنه قال: ربّما قمت خلف الأسود وحدي حتّى يجيء المؤذّن.
وفي الحديث مشروعية الجماعة في النافلة.
стр. 622
وفيه الائتمام بمن لَم ينو الإمامة , وليس في حديث ابن عبّاسٍ التّصريح بأنّ النّبيّ ﷺ لَم ينو الإمامة، كما أنّه ليس فيه أنّه نوى لا في ابتداء صلاته ولا بعد أن قام ابن عبّاسٍ فصلَّى معه، لكن في إيقافه إيّاه منه موقف المأموم ما يشعر بالثّاني، وأمّا الأوّل فالأصل عدمه.
وهذه المسألة مختلفٌ فيها.
والأصحّ عند الشّافعيّة: لا يشترط لصحّة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة.
واستدل ابن المنذر أيضاً بحديث أنسٍ , أنّ رسول الله ﷺ صلَّى في شهر رمضان. قال: فجئت فقمتُ إلى جنبه، وجاء آخر فقام إلى جنبي حتّى كنّا رهطاً، فلمّا أحسّ النّبيّ ﷺ بنا تجوّز في صلاته " الحديث.
وهو ظاهرٌ في أنّه لَم ينو الإمامة ابتداءً، وائتمّوا هم به وأقرّهم. وهو حديثٌ صحيحٌ. أخرجه مسلم , وعلَّقه البخاريّ.
وذهب أحمد. إلى التّفرقة بين النّافلة والفريضة , فشرط أن ينوي في الفريضة دون النّافلة.
وفيه نظرٌ؛ لحديث أبي سعيدٍ , أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلاً يُصلِّي وحده. فقال: ألا رجلٌ يتصدّق على هذا فيصلي معه. أخرجه أبو داود وحسّنه التّرمذيّ. وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم.
стр. 623
باب الإمامة
الحديث الثلاثون
٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: أما يَخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوّل الله رأسه رأس حمارٍ , أو يجعل صورته صورة حمارٍ. (١)
قوله: (أما يخشى أحدكم) في رواية الكشميهنيّ " أولا يخشى ".
ولأبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة عن محمد بن زياد " أما يخشى أو ألا يخشى " بالشّكّ.
و" أَمَا " بتخفيف الميم حرف استفتاح مثل ألا، وأصلها النّافية دخلت عليها همزة الاستفهام , وهو هنا استفهام توبيخٍ.
قوله: (يرفع رأسه قبل الإمام) زاد ابن خزيمة من رواية حمّاد بن زيد عن محمّد بن زياد " في صلاته " (٢)، وفي رواية حفص بن عمر المذكورة " الذي يرفع رأسه والإمام ساجد " , فتبيّن أنّ المراد الرّفع من السّجود.
ففيه تعقّبٌ على مَن قال: إنّ الحديث نصٌّ في المنع من تقدّم المأموم على الإمام في الرّفع من الرّكوع والسّجود معاً، وإنّما هو نصٌّ في
стр. 624
السّجود، ويلتحق به الرّكوع لكونه في معناه.
ويمكن أن يفرّق بينهما بأنّ السّجود له مزيد مزيّة , لأنّ العبد أقرب ما يكون فيه من ربّه , لأنّه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خصّ بالتّنصيص عليه.
ويحتمل: أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشّيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزيّة.
وأمّا التّقدّم على الإمام في الخفض في الرّكوع والسّجود. فقيل: يلتحق به من باب الأولى، لأنّ الاعتدال والجلوس بين السّجدتين من الوسائل، والرّكوع والسّجود من المقاصد، وإذا دلَّ الدّليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد.
ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضحٍ , لأنّ الرّفع من الرّكوع والسّجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النّقص في المقاصد أشدّ من دخوله في الوسائل.
وقد ورد الزّجر عن الخفض والرّفع قبل الإمام في حديث آخر , أخرجه البزّار من رواية مليح بن عبد الله السّعديّ عن أبي هريرة مرفوعاً: الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنّما ناصيته بيد شيطان. وأخرجه عبد الرّزّاق من هذا الوجه موقوفاً. وهو المحفوظ. (١)
قوله: (أو يجعل الله صورته صورة حمار) الشّكّ من شعبة، فقد رواه الطّيالسيّ عن حمّاد بن سلمة , وابن خزيمة من رواية حمّاد بن زيد
стр. 625
, ومسلم من رواية يونس بن عبيدٍ والرّبيع بن مسلم كلّهم عن محمّد بن زياد بغير تردّد.
فأمّا الحمّادان فقالا " رأس " , وأمّا يونس فقال " صورة " , وأمّا الرّبيع فقال " وجه "، والظّاهر أنّه من تصرّف الرّواة.
قال عياض: هذه الرّوايات متّفقة , لأنّ الوجه في الرّأس ومعظم الصّورة فيه.
قلت: لفظ الصّورة يطلق على الوجه أيضاً، وأمّا الرّأس فرواتها أكثر , وهي أشمل فهي المعتمدة، وخصّ وقوع الوعيد عليها لأنّ بها وقعت الجناية. وهي أشمل.
وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرّفع قبل الإمام لكونه توعّد عليه بالمسخ وهو أشدّ العقوبات، وبذلك جزم النّوويّ في " شرح المهذّب ".
ومع القول بالتّحريم.
القول الأول: الجمهور على أنّ فاعله يأثم. وتجزئ صلاته.
القول الثاني: عن ابن عمر تبطل , وبه قال أحمد في رواية , وأهل الظّاهر بناءً على أنّ النّهي يقتضي الفساد.
وفي المغني عن أحمد أنّه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثّواب ولَم يخش عليه العقاب.
واختلف في معنى الوعيد المذكور.
стр. 626
فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنويّ، فإنّ الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصّلاة ومتابعة الإمام.
ويرجّح هذا المجازيّ , أنّ التّحويل لَم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدلّ أنّ ذلك يقع ولا بدّ، وإنّما يدلّ على كون فاعله متعرّضاً لذلك وكون فعله ممكناً لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التّعرّض للشّيء وقوع ذلك الشّيء، قاله ابن دقيق العيد.
وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتّحويل المسخ , أو تحويل الهيئة الحسّيّة , أو المعنويّة , أو هما معاً.
وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك.
وفي حديث أبي مالك الأشعريّ الدّليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمّة، وهو في البخاري , فإنّ فيه ذكر الخسف. وفي آخره " ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة ". (١)
ويقوّي حمله على ظاهره أنّ في رواية ابن حبّان من وجهٍ آخر عن محمّد بن زياد " أنّ يحوّل الله رأسه رأس كلبٍ ".
стр. 627
فهذا يبعد المجاز لانتقاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.
وممّا يبعده أيضاً. إيراد الوعيد بالأمر المستقبل , وباللفظ الدّالّ على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً فرأسُه رأس حمار، وإنّما قلت ذلك لأنّ الصّفة المذكورة - وهي البلادة - حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور , فلا يحسن أن يقال له يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليداً، مع أنّ فعله المذكور إنّما نشأ عن البلادة.
وقال ابن الجوزيّ في الرّواية التي عبّر فيها بالصّورة: هذه اللفظة تمنع تأويل مَن قال المراد رأس حمار في البلادة، ولَم يبيّن وجه المنع.
وفي الحديث كمال شفقته ﷺ بأمّته , وبيانه لهم الأحكام وما يترتّب عليها من الثّواب والعقاب، واستدل به على جواز المقارنة، ولا دلالة فيه , لأنّه دلَّ بمنطوقه على منع المسابقة، وبمفهومه على طلب المتابعة، وأمّا المقارنة فمسكوت عنها.
وقال ابن بزيزة: استدل بظاهره قومٌ لا يعقلون على جواز التّناسخ.
قلت: وهو مذهبٌ رديءٌ مبنيّ على دعاوى بغير برهانٍ، والذي استدل بذلك منهم إنّما استدل بأصل النّسخ لا بخصوص هذا الحديث.
لطيفةٌ: قال صاحب " القبس ": ليس للتّقدّم قبل الإمام سبب إلاَّ طلب الاستعجال، ودواؤه أن يستحضر أنّه لا يسلم قبل الإمام فلا يستعجل في هذه الأفعال، والله أعلم.
стр. 628
الحديث الواحد والثلاثون
٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ , قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به. فلا تختلفوا عليه. فإذا كبّر فكبّروا , وإذا ركع فاركعوا. وإذا قال: سَمِع الله لمن حَمِده , فقولوا: اللهم ربّنا ولك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا. وإذا صلَّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون. (١)
قوله: (إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به) الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصّلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلاَّ ما دلَّ الدّليل الشّرعيّ عليه , لأن النّبيّ ﷺ صلَّى في مرضه الذي توفّي فيه. وهو جالس، أي: والنّاس خلفه قياماً. ولَم يأمرهم بالجلوس كما سيأتي، فدلَّ على دخول التّخصيص في عموم قوله " إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به "
قال البيضاويّ وغيره: الائتمام الاقتداء والاتّباع. أي جعل الإمام إماماً ليقتدى به ويتّبع، ومن شأن التّابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدّم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال.
стр. 629
وقال النّوويّ وغيره: متابعة الإمام واجبه في الأفعال الظّاهرة، وقد نبّه عليها في الحديث , فذكر الرّكوع وغيره , بخلاف النّيّة فإنّها لَم تذكر وقد خرجت بدليلٍ آخر. انتهى.
وكأنّه يعني قصّة معاذٍ الآتية (١).
ويمكن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها , لأنّه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله كما لو كان محدثاً أو حامل نجاسة , فإنّ الصّلاة خلفه تصحّ لمن لَم يعلم حاله على الصّحيح عند العلماء، ثمّ مع وجوب المتابعة ليس بشيءٍ منها شرطاً في صحّة القدوة إلاَّ تكبيرة الإحرام.
واختلف في الائتمام.
القول الأول: المشهور عند المالكيّة اشتراطه مع الإحرام والقيام من التّشهّد الأوّل.
القول الثاني: خالف الحنفيّة , فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأنّ معنى الائتمام الامتثال , ومن فعل مثل فعل إمامه عدّ ممتثلاً.
قوله: (فلا تختلفوا عليه) أفادت هذه الرواية , أنّ الأمر بالاتّباع يعمّ جميع المأمومين , ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتّباع بعضٍ دون بعضٍ.
ولمسلمٍ من رواية الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة: لا تبادروا الإمام، إذا كبّر فكبّروا. الحديث. زاد أبو داود من رواية
стр. 630
مصعب بن محمّد عن أبي صالح " ولا تركعوا حتّى يركع ولا تسجدوا حتّى يسجد ".
وهي زيادة حسنة تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله " إذا كبّر فكبّروا ".
قوله: (فإذا كبّر فكبّروا) ولمسلم من حديث عائشة: كان النّبيّ ﷺ يفتتح بالتّكبير. وللبخاري عن ابن عمر: رأيت النّبيّ ﷺ افتتح التّكبير في الصّلاة.
واستدل به وبحديث عائشة.
القول الأول. على تعيّن لفظ التّكبير دون غيره من ألفاظ التّعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف.
القول الثاني: عن الحنفيّة. تنعقد بكل لفظٍ يُقصد به التّعظيم.
ومن حجّة الجمهور. حديث رفاعة في قصّة المسيء صلاته , أخرجه أبو داود بلفظ: لا تتمّ صلاة أحد من النّاس حتّى يتوضّأ فيضع الوضوء مواضعه , ثمّ يكبّر. ورواه الطّبرانيّ بلفظ " ثمّ يقول: الله أكبر ".
وحديث أبي حميد: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصّلاة اعتدل قائماً ورفع يديه , ثمّ قال: الله أكبر. أخرجه ابن ماجه وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبّان، وهذا فيه بيان المراد بالتّكبير. وهو قول " الله أكبر ".
وروى البزّار بإسنادٍ صحيحٍ على شرط مسلم عن عليٍّ , أنّ النّبيّ
стр. 631
- ﷺ كان إذا قام إلى الصّلاة قال: الله أكبر.
ولأحمد والنّسائيّ من طريق واسع بن حبّان , أنّه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ , فقال: الله أكبر كلّما وضع ورفع.
واعترض الإسماعيليّ (١) فقال: ليس في الحديث بيان إيجاب التّكبير , وإنّما فيه الأمر بتأخير المأموم عن الإمام , قال: ولو كان ذلك إيجاباً للتّكبير لكان قوله " فقولوا ربّنا ولك الحمد " إيجاباً لذلك على المأموم.
وأجيب: بأنّه ﷺ فعل ذلك، وفعله بيان لمجمل الصّلاة، وبيان الواجب واجب، كذا وجّهه ابن رشيد.
وتعقّب: بالاعتراض الثّالث وليس بواردٍ على البخاريّ لاحتمال أن يكون قائلاً بوجوبه كما قال به شيخه إسحاق بن راهويه.
وقيل في الجواب أيضاً: إذا ثبت إيجاب التّكبير في حالةٍ من الأحوال طابق التّرجمة، ووجوبه على المأموم ظاهر من الحديث، وأمّا الإمام فمسكوت عنه.
ويمكن أن يقال: في السّياق إشارة إلى الإيجاب لتعبيره بإذا التي تختصّ بما يجزم بوقوعه.
وقال الكرمانيّ في قوله " فقولوا: ربّنا ولك الحمد " لولا الدّليل الخارجيّ وهو الإجماع على عدم وجوبه لكان هو أيضاً واجباً. انتهى.
стр. 632
وقد قال بوجوبه جماعة من السّلف , منهم الحميديّ شيخ البخاريّ، وكأنّه لَم يطّلع على ذلك.
فائدتان:
الفائدة الأولى: جزم ابن بطّال ومن تبعه حتّى ابن دقيق العيد , أنّ الفاء في قوله " فكبّروا " للتّعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأنّ أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام.
لكن تعقّب: بأنّ الفاء التي للتّعقيب هي العاطفة، وأمّا التي هنا فهي للرّبط فقط لأنّها وقعت جواباً للشّرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخّر أفعال المأموم عن الإمام إلاَّ على القول بتقدّم الشّرط على الجزاء، وقد قال قوم: إنّ الجزاء يكون مع الشّرط، فعلى هذا لا تنفي المقارنة، لكنّ رواية أبي داود هذه صريحة في انتقاء التّقدّم والمقارنة (١). والله أعلم.
الفائدة الثانية:
تكبيرة الإحرام ركنٌ عند الجمهور.
وقيل: شرطٌ وهو عند الحنفيّة، ووجهٌ عند الشّافعيّة.
وقيل سُنّة. قال ابن المنذر: لَم يقل به أحدٌ غير الزّهريّ، ونقله غيره عن سعيد بن المسيّب والأوزاعيّ ومالك , ولَم يثبت عن أحدٍ منهم تصريحاً، وإنّما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعاً: تجزئه تكبيرة الرّكوع.
стр. 633
نعم. نقله الكرخيّ من الحنفيّة عن إبراهيم بن عليّة وأبي بكر الأصمّ، ومخالفتهما للجمهور كثيرة.
تنبيهٌ: لَم يختلف في إيجاب النّيّة في الصّلاة، وقد أشار إليه البخاري في أواخر الإيمان حيث قال: " باب ما جاء في قول النّبيّ ﷺ الأعمال بالنّيّة " فدخل فيه الإيمان والوضوء والصّلاة والزّكاة إلى آخر كلامه.
وبقية مباحث الحديث ستأتي في حديث عائشة الذي بعده.
стр. 634
الحديث الثاني والثلاثون
٨١ - وما في معناه من حديث عائشة ﵂ , قالت: صلَّى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ , صلَّى جالساً , وصلَّى وراءه قومٌ قياماً , فأشار إليهم: أنِ اجلسوا , فلَمّا انصرف , قال: إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به , فإذا ركع فاركعوا , وإذا رفع فارفعوا , وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربّنا لك الحمد , وإذا صلَّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون. (١)
قوله: (في بيته) أي: في المشربة التي في حجرة عائشة. كما بيّنه أبو سفيان عن جابر (٢)، وهو دالٌّ على أنّ تلك الصّلاة لَم تكن في المسجد، وكأنّه ﷺ عجَزَ عن الصّلاة بالنّاس في المسجد , فكان يُصلِّي في بيته بمن حضر، لكنّه لَم ينقل أنّه استخلف.
ومن ثَمَّ قال عياض: إنّ الظّاهر أنّه صلَّى في حجرة عائشة , وائتمّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد، وهذا الذي قاله محتمل.
ويحتمل أيضاً: أن يكون استخلف وإن لَم ينقل.
ويلزم على الأوّل صلاة الإمام أعلى من المأمومين , ومذهب عياض
стр. 635
خلافه، لكن له أن يقول محلّ المنع ما إذا لَم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد , وهنا كان معه بعض أصحابه.
قوله: (وهو شاكٍ) بتخفيف الكاف بوزن قاضٍ من الشّكاية وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس أنه سقط عن فرس (١).
قوله: (فصلَّى جالساً) قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السّقطة رضٌّ في الأعضاء منعه من القيام. قال: وليس كذلك، وإنّما كانت قدمه ﷺ انفكّت. كما في رواية بشر بن المفضّل عن حميدٍ عن أنس. عند الإسماعيليّ، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر كما قدّمناه.
وأمّا قوله في رواية الزّهريّ عن أنس بن مالك " جحش شقّه الأيمن " , وفي رواية يزيد عن حميدٍ عن أنس عند البخاري " جحش ساقه " أو " كتفه " , فلا ينافي ذلك كون قدمه انفكّت لاحتمال وقوع الأمرين.
والجحش: الخدش. والخدش قشر الجلد.
ووقع من رواية سفيان عن الزّهريّ عن أنس , قال سفيان: