- ﷺ كان إذا قام إلى الصّلاة قال: الله أكبر.
ولأحمد والنّسائيّ من طريق واسع بن حبّان , أنّه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ , فقال: الله أكبر كلّما وضع ورفع.
واعترض الإسماعيليّ (١) فقال: ليس في الحديث بيان إيجاب التّكبير , وإنّما فيه الأمر بتأخير المأموم عن الإمام , قال: ولو كان ذلك إيجاباً للتّكبير لكان قوله " فقولوا ربّنا ولك الحمد " إيجاباً لذلك على المأموم.
وأجيب: بأنّه ﷺ فعل ذلك، وفعله بيان لمجمل الصّلاة، وبيان الواجب واجب، كذا وجّهه ابن رشيد.
وتعقّب: بالاعتراض الثّالث وليس بواردٍ على البخاريّ لاحتمال أن يكون قائلاً بوجوبه كما قال به شيخه إسحاق بن راهويه.
وقيل في الجواب أيضاً: إذا ثبت إيجاب التّكبير في حالةٍ من الأحوال طابق التّرجمة، ووجوبه على المأموم ظاهر من الحديث، وأمّا الإمام فمسكوت عنه.
ويمكن أن يقال: في السّياق إشارة إلى الإيجاب لتعبيره بإذا التي تختصّ بما يجزم بوقوعه.
وقال الكرمانيّ في قوله " فقولوا: ربّنا ولك الحمد " لولا الدّليل الخارجيّ وهو الإجماع على عدم وجوبه لكان هو أيضاً واجباً. انتهى.
стр. 632
وقد قال بوجوبه جماعة من السّلف , منهم الحميديّ شيخ البخاريّ، وكأنّه لَم يطّلع على ذلك.
فائدتان:
الفائدة الأولى: جزم ابن بطّال ومن تبعه حتّى ابن دقيق العيد , أنّ الفاء في قوله " فكبّروا " للتّعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأنّ أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام.
لكن تعقّب: بأنّ الفاء التي للتّعقيب هي العاطفة، وأمّا التي هنا فهي للرّبط فقط لأنّها وقعت جواباً للشّرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخّر أفعال المأموم عن الإمام إلاَّ على القول بتقدّم الشّرط على الجزاء، وقد قال قوم: إنّ الجزاء يكون مع الشّرط، فعلى هذا لا تنفي المقارنة، لكنّ رواية أبي داود هذه صريحة في انتقاء التّقدّم والمقارنة (١). والله أعلم.
الفائدة الثانية:
تكبيرة الإحرام ركنٌ عند الجمهور.
وقيل: شرطٌ وهو عند الحنفيّة، ووجهٌ عند الشّافعيّة.
وقيل سُنّة. قال ابن المنذر: لَم يقل به أحدٌ غير الزّهريّ، ونقله غيره عن سعيد بن المسيّب والأوزاعيّ ومالك , ولَم يثبت عن أحدٍ منهم تصريحاً، وإنّما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعاً: تجزئه تكبيرة الرّكوع.
стр. 633
نعم. نقله الكرخيّ من الحنفيّة عن إبراهيم بن عليّة وأبي بكر الأصمّ، ومخالفتهما للجمهور كثيرة.
تنبيهٌ: لَم يختلف في إيجاب النّيّة في الصّلاة، وقد أشار إليه البخاري في أواخر الإيمان حيث قال: " باب ما جاء في قول النّبيّ ﷺ الأعمال بالنّيّة " فدخل فيه الإيمان والوضوء والصّلاة والزّكاة إلى آخر كلامه.
وبقية مباحث الحديث ستأتي في حديث عائشة الذي بعده.
стр. 634
الحديث الثاني والثلاثون
٨١ - وما في معناه من حديث عائشة ﵂ , قالت: صلَّى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ , صلَّى جالساً , وصلَّى وراءه قومٌ قياماً , فأشار إليهم: أنِ اجلسوا , فلَمّا انصرف , قال: إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به , فإذا ركع فاركعوا , وإذا رفع فارفعوا , وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربّنا لك الحمد , وإذا صلَّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون. (١)
قوله: (في بيته) أي: في المشربة التي في حجرة عائشة. كما بيّنه أبو سفيان عن جابر (٢)، وهو دالٌّ على أنّ تلك الصّلاة لَم تكن في المسجد، وكأنّه ﷺ عجَزَ عن الصّلاة بالنّاس في المسجد , فكان يُصلِّي في بيته بمن حضر، لكنّه لَم ينقل أنّه استخلف.
ومن ثَمَّ قال عياض: إنّ الظّاهر أنّه صلَّى في حجرة عائشة , وائتمّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد، وهذا الذي قاله محتمل.
ويحتمل أيضاً: أن يكون استخلف وإن لَم ينقل.
ويلزم على الأوّل صلاة الإمام أعلى من المأمومين , ومذهب عياض
стр. 635
خلافه، لكن له أن يقول محلّ المنع ما إذا لَم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد , وهنا كان معه بعض أصحابه.
قوله: (وهو شاكٍ) بتخفيف الكاف بوزن قاضٍ من الشّكاية وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس أنه سقط عن فرس (١).
قوله: (فصلَّى جالساً) قال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السّقطة رضٌّ في الأعضاء منعه من القيام. قال: وليس كذلك، وإنّما كانت قدمه ﷺ انفكّت. كما في رواية بشر بن المفضّل عن حميدٍ عن أنس. عند الإسماعيليّ، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر كما قدّمناه.
وأمّا قوله في رواية الزّهريّ عن أنس بن مالك " جحش شقّه الأيمن " , وفي رواية يزيد عن حميدٍ عن أنس عند البخاري " جحش ساقه " أو " كتفه " , فلا ينافي ذلك كون قدمه انفكّت لاحتمال وقوع الأمرين.
والجحش: الخدش. والخدش قشر الجلد.
ووقع من رواية سفيان عن الزّهريّ عن أنس , قال سفيان:
стр. 636
حفظت من الزّهريّ شقّه الأيمن، فلمّا خرجنا , قال ابن جريجٍ: ساقه الأيمن.
قلت: ورواية ابن جريجٍ. أخرجها عبد الرّزّاق عنه، وليست مصحّفةً كما زعم بعضهم لموافقة رواية حميدٍ المذكورة لها، وإنّما هي مفسّرةٌ لمحل الخدش من الشّقّ الأيمن , لأنّ الخدش لَم يستوعبه.
وحاصل ما في القصّة. أنّ عائشة أبهمت الشّكوى، وبيّن جابر وأنس السّبب وهو السّقوط عن الفرس، وعيّن جابر العلة في الصّلاة قاعداً. وهي انفكاك القدم.
وأفاد ابن حبّان: أنّ هذه القصّة كانت في ذي الحجّة سنة خمسٍ من الهجرة
قوله: (وصلَّى وراءَه قومٌ قياماً) ولمسلمٍ من رواية عبدة عن هشام " فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه .. الحديث.
وقد سُمِّي منهم في الأحاديث أنس كما في البخاري، وجابر كما تقدّم، وأبو بكر كما في حديث جابر، وعمر كما في رواية الحسن مرسلاً عند عبد الرّزّاق.
قوله: (فأشار إليهم) كذا للأكثر هنا من الإشارة، وكذا لجميعهم (١) في الطّبّ من رواية يحيى القطّان عن هشام، ووقع هنا للحمويّ " فأشار عليهم " من المشورة.
стр. 637
والأوّل أصحّ. فقد رواه أيّوب عن هشام بلفظ " فأومأ إليهم ". ورواه عبد الرّزّاق عن معمر عن هشام بلفظ " فأخلف بيده يومئ بها إليهم " , وفي مرسل الحسن " ولَم يبلغ بها الغاية ".
قوله: (إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به) تقدّم في الحديث قبله
قوله: (فإذا ركع فاركعوا) قال ابن المنير: مقتضاه أنّ ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام إمّا بعد تمام انحنائه , وإمّا أن يسبقه الإمام بأوّله. فيشرع فيه بعد أن يشرع، قال: وحديث أنس (١) أتمّ من حديث عائشة , لأنّه زاد فيه المتابعة في القول أيضاً.
قلت: قد وقعت الزّيادة المذكورة وهي قوله: " وإذا قال سمع الله لمن حمده " في حديث عائشة أيضاً.
ووقع في رواية الليث عن الزّهريّ عن أنس زيادة أخرى في الأقوال. وهي قوله في أوّله " فإذا كبّر فكبّروا " كما في البخاري , وكذا فيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة.
وزاد في رواية عبدة عن هشام في البخاري " وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا " , وهو يتناول الرّفع من الرّكوع والرّفع من السّجود وجميع السّجدات، وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس.
قوله: (فقولوا: ربّنا ولك الحمد) كذا لجميع الرّواة في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس إلَّا في رواية الليث عن الزّهريّ في البخاري , فللكشميهنيّ بحذف الواو.
стр. 638
ورجَحَ إثبات الواو. بأنّ فيها معنىً زائداً لكونها عاطفة على محذوف تقديره , ربّنا استجب أو ربّنا أطعناك ولك الحمد , فيشتمل على الدّعاء والثّناء معاً.
ورجّح قوم حذفها , لأنّ الأصل عدم التّقدير فتكون عاطفة على كلام غير تامّ، والأوّل أوجه. كما قال ابن دقيق العيد.
وقال النّوويّ: ثبتت الرّواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح.
وسيأتي في باب صفة الصّلاة (١) الكلام على زيادة " اللهمّ " قبلها.
ونقل عياض عن القاضي عبد الوهّاب , أنّه استدل به على أنّ الإمام يقتصر على قوله " سمع الله لمن حمده ". وأنّ المأموم يقتصر على قوله " ربّنا ولك الحمد " وليس في السّياق ما يقتضي المنع من ذلك , لأنّ السّكوت عن الشّيء لا يقتضي ترك فعله.
نعم. مقتضاه أنّ المأموم يقول " ربّنا لك الحمد " عقب قول الإمام " سمع الله لمن حمده " فأمّا منع الإمام من قول " ربّنا ولك الحمد " , فليس بشيءٍ لأنّه ثبت أنّ النّبيّ ﷺ كان يجمع بينهما. كما سيأتي في باب صفة الصلاة.
قوله: (وإذا صلَّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون) استدل به على صحّة إمامة القاعد المعذور بمثله وبالقائم أيضاً.
وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه ومحمّد بن الحسن. فيما حكاه
стр. 639
الطّحاويّ، ونقل عنه. أنّ ذلك خاصٌّ بالنّبيّ ﷺ .
واحتجّ بحديث جابر عن الشّعبيّ مرفوعاً: لا يَؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً. (١)
واعترضه الشّافعيّ , فقال: قد علم من احتجّ بهذا أن لا حجّة فيه , لأنّه مرسل، ومن رواية رجلٍ يرغب أهل العلم عن الرّواية عنه. يعني: جابراً الجعفيّ.
وقال ابن بزيزة: لو صحّ لَم يكن فيه حجّة , لأنّه يحتمل أن يكون المراد منع الصّلاة بالجالس، أي: يعرب قوله جالساً مفعولاً. لا حالاً.
وحكى عياض عن بعض مشايخهم: أنّ حديث عائشة , أنَّ أبا بكر يُصلِّي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ . والناس بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد " (٢) , يدلّ على نسخ أمره المتقدّم لهم بالجلوس لَمّا صلوا خلفه قياماً.
стр. 640
وتعقّب: بأنّ ذلك يحتاج لو صحّ إلى تاريخ، وهو لا يصحّ. لكنّه زعم أنّه تقوّى بأنّ الخلفاء الرّاشدين لَم يفعله أحد منهم.
قال: والنّسخ لا يثبت بعد النّبيّ ﷺ ، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحّة الحديث المذكور.
وتعقّب: بأنّ عدم النّقل لا يدلّ على عدم الوقوع، ثمّ لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتّفاق على أنّ صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنّسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.
واحتجّ أيضاً: بأنّه ﷺ إنّما صلَّى بهم قاعداً لأنّه لا يصحّ التّقدّم بين يديه لنهي الله عن ذلك , ولأنّ الأئمّة شفعاء (١) ولا يكون أحدٌ شافعاً له.
وتعقّب: بصلاته ﷺ خلف عبد الرّحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف (٢) وصحّ أيضاً. أنّه صلَّى خلف أبي بكر. (٣)
والعجب أنّ عمدة مالكٍ في منع أُمامة القاعد قول ربيعة: أنّ النّبيّ ﷺ كان في تلك الصّلاة مأموماً خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون ﷺ
стр. 641
أمَّ في مرض موته قاعداً كما حكاه عنه الشّافعيّ في الأمّ، فكيف يدّعي أصحابه عدم تصوير أنّه صلَّى مأموماً؟ وكأنّ حديث إمامته المذكور لَمّا كان في غاية الصّحّة , ولَم يمكنهم ردُّه سلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة.
وقد تبيّن بصلاته خلف عبد الرّحمن بن عوف أنّ المراد بمنع التّقدّم بين يديه في غير الإمامة، وأنّ المراد بكون الأئمّة شفعاء. أي: في حقّ من يحتاج إلى الشّفاعة. ثمّ لو سلم أنّه لا يجوز أن يؤمّه أحد لَم يدلّ ذلك على منع أُمامة القاعد.
وقد أمَّ قاعداً جماعةٌ من الصّحابة بعده ﷺ منهم أسيد بن حضيرٍ , وجابر , وقيس بن قهد , وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة , أخرجها عبد الرّزّاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم. بل ادّعى ابن حبّان وغيره إجماع الصّحابة على صحّة إمامة القاعد. كما سيأتي.
وقال أبو بكر بن العربيّ: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النّبيّ ﷺ يخلص عند السّبك، واتّباع السّنّة أولى، والتّخصيص لا يثبت بالاحتمال.
قال: إلاَّ أنّي سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التّخصيص، وحال النّبيّ ﷺ والتّبرّك به وعدم العوض عنه يقتضي الصّلاة معه على أيّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضاً فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصوّر في حقّه، ويتصوّر في حقّ
стр. 642
غيره.
والجواب عن الأوّل: ردّه بعموم قوله ﷺ " صلّوا كما رأيتموني أصلي ". وعن الثّاني: بأنّ النّقص إنّما هو في حقّ القادر في النّافلة، وأمّا المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستدل به (١) على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلَّى الإمام قاعداً لكونه ﷺ أقرّ الصّحابة على القيام خلفه وهو قاعد.
هكذا قرّره الشّافعيّ، وكذا نقله البخاري عن شيخه الحميديّ - وهو تلميذ الشّافعيّ - وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعيّ، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك.
وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك , وجَمعَ بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين:
إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الرّاتب الصّلاة قاعداً لمرضٍ يرجى برؤه فحينئذٍ يصلّون خلفه قعوداً.
ثانيتهما: إذا ابتدأ الإمام الرّاتب قائماً لزم المأمومين أن يصلّوا خلفه قياماً. سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا. كما في الأحاديث التي في مرض موت النّبيّ ﷺ ، فإنّ تقريره لهم على القيام دلَّ على أنّه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة , لأنّ أبا بكر ابتدأ الصّلاة بهم قائماً وصلوا معه قياماً، بخلاف الحالة الأولى. فإنّه ﷺ
стр. 643
ابتدأ الصّلاة جالساً , فلمّا صلوا خلفه قياماً أنكر عليهم.
ويقوّي هذا الجمع. أنّ الأصل عدم النّسخ، لا سيّما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النّسخ مرّتين، لأنّ الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يُصلِّي قاعداً، وقد نسخ إلى القعود في حقّ من صلَّى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النّسخ مرّتين وهو بعيدٌ.
وأبعد منه ما تقدّم عن نقل عياض فإنّه يقتضي وقوع النّسخ ثلاث مرّات.
وقد قال بقول أحمد. جماعةٌ من مُحدّثي الشّافعيّة كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان.
وأجابوا عن حديث الباب بأجوبةٍ أخرى:
منها. قول ابن خزيمة: إنّ الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يُصلِّي قاعداً تبعاً لإمامه لَم يختلف في صحّتها ولا في سياقها، وأمّا صلاته ﷺ قاعداً فاختلف فيها , هل كان إماماً أو مأموماً؟.
قال: وما لَم يختلف فيه لا ينبغي تركه لمختلفٍ فيه.
وأجيب: بدفع الاختلاف , والحمل على أنّه كان إماماً مرّة ومأموماً أخرى.
ومنها: أنّ بعضهم جمع بين القصّتين بأنّ الأمر بالجلوس كان للنّدب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر من أمّ قاعداً لعذرٍ تخيّر من صلَّى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى
стр. 644
لثبوت الأمر بالائتمام والاتّباع وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد من استبعد ذلك: بأنّ الأمر قد صدر من النّبيّ ﷺ بذلك , واستمرّ عليه عمل الصّحابة في حياته وبعده.
فروى عبد الرّزّاق بإسنادٍ صحيح عن قيس بن قهد - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاريّ , أنّ إماماً لهم اشتكى لهم على عهد رسول الله ﷺ , قال: فكان يؤمّنا وهو جالس ونحن جلوس.
وروى ابن المنذر بإسنادٍ صحيح عن أسيد بن حضيرٍ , أنّه كان يؤمّ قومه فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يُصلِّي بهم , فقال: إنّي لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا، فصلَّى بهم قاعداً وهم قعود.
وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضيرٍ , أنّه قال: يا رسولَ الله. إنّ إمامنا مريض، قال: إذا صلَّى قاعداً فصلّوا قعوداً.
وفي إسناده انقطاع.
وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن جابر , أنّه اشتكى، فحضرت الصّلاة فصلَّى بهم جالساً وصلوا معه جلوساً.
وعن أبي هريرة , أنّه أفتى بذلك. وإسناده صحيح أيضاً.
وقد ألزم ابنُ المنذر مَن قال بأنّ الصّحابيّ أعلم بتأويل ما روى بأن يقول بذلك , لأنّ أبا هريرة وجابراً رويا الأمر المذكور، واستمرّا على العمل به والفتيا بعد النّبيّ ﷺ ، ويلزم ذلك مَن قال إنّ الصّحابيّ إذا روى وعمل بخلافه , أنّ العبرة بما عمل من باب الأولى , لأنّه هنا
стр. 645
عمل بوفق ما روى.
وقد ادّعى ابن حبّان الإجماع على العمل به , وكأنّه أراد السّكوت، لأنّه حكاه عن أربعة من الصّحابة الذين تقدّم ذكرهم.
وقال: إنّه لا يحفظ عن أحد من الصّحابة غيرهم القول بخلافه لا من طريق صحيح ولا ضعيفٍ.
وكذا قال ابن حزمٍ: إنّه لا يحفظ عن أحدٍ من الصّحابة خلاف ذلك، ثمّ نازع في ثبوت كون الصّحابة صلَّوا خلفه ﷺ وهو قاعدٌ قياماً غير أبي بكر، قال: لأنّ ذلك لَم يرد صريحاً، وأطال في ذلك بما لا طائل فيه.
والذي ادّعى نفيه قد أثبته الشّافعيّ , وقال: إنّه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
ثمّ وجدتُّه مصرّحاً به أيضاً في مصنّف عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ أخبرني عطاء. فذكر الحديث. ولفظه: فصلَّى النّبيّ ﷺ قاعداً , وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين النّاس , وصلَّى النّاس وراءه قياماً.
وهذا مرسل يعتضد بالرّواية التي علَّقها الشّافعيّ عن النّخعيّ، وهذا هو الذي يقتضيه النّظر، فإنّهم ابتدءوا الصّلاة مع أبي بكر قياماً بلا نزاع، فمن ادّعى أنّهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان.
ثمّ رأيت ابن حبّان استدلَّ على أنّهم قعدوا بعد أن كانوا قياماً بما رواه من طريق أبي الزّبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلَّينا وراءه وهو قاعد , وأبو بكر يسمع النّاس تكبيره، قال:
стр. 646
فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا. فلمّا سلَّم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والرّوم، فلا تفعلوا " الحديث.
وهو حديث صحيح. أخرجه مسلم، لكنّ ذلك لَم يكن في مرض موته، وإنّما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضاً قال: ركب رسول الله ﷺ فرساً بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكّت قدمه. الحديث. أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسنادٍ صحيح.
فلا حجّة على هذا لِمَا ادّعاه، إلاَّ أنّه تمسّك بقوله في رواية أبي الزّبير " وأبو بكر يسمع النّاس التّكبير ".
وقال: إنّ ذلك لَم يكن إلاَّ في مرض موته , لأنّ صلاته في مرضه الأوّل كانت في مشربة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره بخلاف صلاته في مرض موته فإنّها كانت في المسجد بجمعٍ كثير من الصّحابة فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التّكبير. انتهى.
ولا راحة له فيما تمسّك به , لأنّ إسماع التّكبير في هذا لَم يتابِع أبا الزّبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنّه حفظه فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التّكبير في تلك الحالة , لأنّه يحمل على أنّ صوته ﷺ كان خفيّاً من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتّكبير فكان أبو بكر يجهر عنه بالتّكبير لذلك.
ووراء ذلك كلّه أنّه أمر محتملٌ لا يترك لأجله الخبر الصّريح بأنّهم
стр. 647
صلّوا قياماً كما تقدّم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنّهم استمرّوا قياماً إلى أن انقضت الصّلاة.
نعم. وقع في مرسل عطاء المذكور متّصلاً به بعد قوله: وصلَّى النّاس وراءه قياماً , فقال النّبيّ ﷺ : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلاَّ قعوداً، فصلّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلَّى قائماً فصلّوا قياماً , وإن صلَّى قاعداً فصلّوا قعوداً.
وهذه الزّيادة تقوّي ما قال ابن حبّان: إنّ هذه القصّة كانت في مرض موت النّبيّ ﷺ ، ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعوداً إذا صلَّى إمامهم قاعداً , لأنّه ﷺ لَم يأمرهم في هذه المرّة الأخيرة بالإعادة.
لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب فيحمل أمره الأخير بأن يصلّوا قعوداً على الاستحباب لأنّ الوجوب قد رفع بتقريره لهم وترك أمرهم بالإعادة. هذا مقتضى الجمع بين الأدلة. وبالله التّوفيق. والله أعلم
стр. 648
الحديث الثالث والثلاثون
٨٢ - عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاريّ ﵁ , قال: حدّثني البراء - وهو غير كذوبٍ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده , لَم يحن أحدٌ منّا ظهرَه حتّى يقع رسول الله ﷺ ساجداً , ثمّ نقع سجوداً بعده. (١)
قوله: (عبد الله بن يزيد) هو الخطميّ، كذا وقع منسوباً عند الإسماعيليّ في روايةٍ لشعبة عن أبي إسحاق، وهو منسوب إلى خَطمة - بفتح المعجمة وإسكان الطّاء - بطن من الأوس، وكان عبد الله المذكور أميراً على الكوفة في زمن ابن الزّبير. (٢)
стр. 649
ووقع للبخاري , أنّ أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب، وأبو إسحاق معروف بالرّواية عن البراء بن عازب. لكنّه سمع هذا عنه بواسطةٍ.
وفيه لطيفة. وهي رواية صحابيّ ابن صحابيّ عن صحابيّ ابن صحابيّ من الأنصار ثمّ من الأوس. وكلاهما سكن الكوفة.
قوله: (حدّثني البراء) بن عازب بن الحارث بن عدي الأوسي. (١)
قوله: (وهو غير كذوب) الظّاهر أنّه من كلام عبد الله بن يزيد. وعلى ذلك جرى الحميديّ في جمعه , وصاحب العمدة.
لكن روى عبّاس الدّوريّ في " تاريخه " عن يحيى بن معينٍ , أنّه قال: قوله (هو غير كذوب). إنّما يريد عبد الله بن يزيد الرّاوي عن البراء
стр. 650
لا البراء. ولا يقال لرجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ غير كذوب، يعني: أنّ هذه العبارة إنّما تحسن في مشكوك في عدالته , والصّحابة كلّهم عدولٌ لا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقّبه الخطّابيّ. فقال: هذا القول لا يوجب تهمةً في الرّاوي إنّما يوجب حقيقة الصّدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالرّاوي والعمل بما روى، كان أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصّادق المصدوق , وقال ابن مسعود: حدّثني الصّادق المصدوق.
وقال عياض وتبعه النّوويّ: لا وصم في هذا على الصّحابة , لأنّه لَم يرد به التّعديل، وإنّما أراد به تقوية الحديث إذ حدّث به البراء وهو غير متّهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولانيّ: حدّثني الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة فذكرهما.
قال: وهذا قالوه تنبيهاً على صحّة الحديث لا أنّ قائله قصد به تعديل راويه. وأيضاً فتنزيه ابن معين للبراء عن التّعديل لأجل صحبته , ولَم ينزّه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإنّ عبد الله بن يزيد معدود في الصّحابة. انتهى كلامه.
وقد علمت أنّه أخذ كلام الخطّابيّ فبسطه واستدرك عليه الإلزام الأخير، وليس بواردٍ , لأنّ يحيى بن معين لا يُثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضاً مصعب الزّبيري. وتوقّف فيها أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو داود , وأثبتها ابن البرقيّ والدّارقطنيّ وآخرون.
وقال النّوويّ: معنى الكلام حدّثني البراء وهو غير متّهم كما
стр. 651
علمتم فثقوا بما أخبركم به عنه، وقد اعترض بعض المتأخّرين على التّنظير المذكور فقال: كأنّه لَم يلمّ بشيءٍ من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا فلان صدوق وفلان غير كذوب لأنّ في الأوّل إثبات الصّفة للموصوف، وفي الثّاني نفي ضدّها عنه فهما مفترقان. قال: والسّرّ فيه أنّ نفي الضّدّ كأنّه يقع جواباً لمن أثبته يخالف إثبات الصّفة. انتهى
والذي يظهر لي أنّ الفرق بينهما أنّه يقع في الإثبات بالمطابقة وفي النّفي بالالتزام، لكنّ التّنظير صحيح بالنّسبة إلى المعنى المراد باللفظين، لأنّ كلاً منهما يرد عليه أنّه تزكية في حقّ مقطوع بتزكيته فيكون من تحصيل الحاصل.
ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدّم. من أنّ المراد بكلٍّ منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السّامع.
وذكر ابن دقيق العيد. أنّ بعضهم استدل على أنّه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب يقول: حدّثنا البراء - وكان غير كذوب - قال: وهو محتمل أيضاً.
قلت: لكنّه أبعد من الأوّل.
وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد. وفيه قوله أيضاً: حدّثنا البراء وهو غير كذوب. أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " من طريق محارب بن دثارٍ. قال: سمعت عبد
стр. 652
الله بن يزيد على المنبر يقول .. فذكره. وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله " وكان غير كذوب " وهذا يقوّي أنّ الكلام لعبد الله بن يزيد، والله أعلم.
فائدةٌ: روى الطّبرانيّ في مسند عبد الله بن يزيد هذا. شيئاً يدلّ على سبب روايته لهذا الحديث، فإنّه أخرج من طريقه , أنّه كان يُصلِّي بالنّاس بالكوفة , فكان النّاس يضعون رءوسهم قبل أن يضع رأسه ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم.
قوله: (إذا قال سمع الله لمن حمده) في رواية شعبة " إذا رفع رأسه من الرّكوع " ولمسلمٍ من رواية محارب بن دثارٍ: فإذا رفع رأسه من الرّكوع فقال سمع الله لمن حمده , لَم نزل قياماً.
قوله: (لَم يحن) بفتح التّحتانيّة وسكون المهملة. أي: لَم يثن، يقال حنيت العود إذا ثنيته. وفي رواية لمسلمٍ " لا يحنو " وهي لغة صحيحة , يقال حنيت وحنوت بمعنىً.
قوله: (حتّى يقع ساجداً) وللبخاري من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق " حتّى يضع جبهته على الأرض " ونحوه لمسلمٍ من رواية زهير عن أبي إسحق، ولأحمد عن غندر عن شعبة " حتّى يسجد ثمّ يسجدون ".
واستدل به ابن الجوزيّ: على أنّ المأموم لا يشرع في الرّكن حتّى يتمّه الإمام.
وتعقّب: بأنّه ليس فيه إلاَّ التّأخّر حتّى يتلبّس الإمام بالرّكن الذي
стр. 653
ينتقل إليه , بحيث يشرع المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ منه.
ووقع في حديث عمرو بن حريثٍ عند مسلم: فكان لا يحني أحدٌ منّا ظهره حتّى يستتمّ ساجداً. ولأبي يعلى من حديث أنس: حتّى يتمكّن النّبيّ ﷺ من السّجود. وهو أوضح في انتفاء المقارنة.
واستدل به على الطّمأنينة. وفيه نظرٌ، وعلى جواز النّظر إلى الإمام لاتّباعه في انتقالاته.
стр. 654
الحديث الرابع والثلاثون
٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ , قال: إذا أمّن الإمام فأمّنوا , فإنّه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة , غُفر له ما تقدّم من ذنبه. (١)
قوله: (إذا أمَّن الإمام فأمّنوا) ظاهرٌ في أنّ الإمام يؤمّن.
وقيل: معناه إذا دعا، والمراد دعاء الفاتحة من قوله: (اهدنا) إلى آخره بناءً على أنّ التّأمين دعاءٌ.
وقيل: معناه إذا بلغ إلى موضعٍ استدعى التّأمين , وهو قوله: (ولا الضّالين)
ويردُّ ذلك التّصريح بالمراد في حديث الباب.
واستدل به على مشروعيّة التّأمين للإمام.
قيل: وفيه نظرٌ , لكونها قضيّةً شرطيّةً.
وأجيب: بأنّ التّعبير بإذا يشعر بتحقيق الوقوع.
وخالف مالكٌ في إحدى الرّوايتين عنه , وهي رواية ابن القاسم. فقال: لا يؤمّن الإمام في الجهريّة، وفي روايةٍ عنه: لا يؤمّن مطلقاً.
وأجاب عن حديث ابن شهابٍ هذا: بأنّه لَم يره في حديثٍ غيره.
وهي عِلَّة غير قادحةٍ فإنّ ابن شهابٍ إمامٌ لا يضرّه التّفرّد، مع ما
стр. 655
سيُذكر قريباً أنّ ذلك جاء في حديثٍ غيره.
ورجّح بعض المالكيّة كون الإمام لا يُؤمّن من حيث المعنى: بأنّه داعٍ فناسب أن يختصّ المأموم بالتّأمين، وهذا يجيء على قولهم إنّه لا قراءة على المأموم، وأمّا من أوجبها عليه فله أن يقول: كما اشتركا في القراءة فينبغي أن يشتركا في التّأمين.
ومنهم: من أوّل قوله " إذا أمّن الإمام " فقال: معناه دعا، قال: وتسمية الدّاعي مؤمّناً سائغةٌ لأنّ الْمُؤمِّن يُسمّى داعياً كما جاء في قوله تعالى (قد أجيبت دعوتكما) , وكان موسى داعياً وهارون مُؤمِّناً كما رواه ابن مردويه من حديث أنسٍ.
وتعقّب: بعدم الملازمة فلا يلزم من تسمية المؤمّن داعياً عكسه. قاله ابن عبد البرّ. على أنّ الحديث في الأصل لَم يصحّ، ولو صحّ فإطلاق كون هارون داعياً إنّما هو للتّغليب.
وقال بعضهم: معنى قوله " إذا أمّن " بلغ موضع التّأمين. كما يقال: أنجد إذا بلغ نجداً. وإن لَم يدخلها.
قال ابن العربيّ: هذا بعيدٌ لغةً وشرعاً.
وقال ابن دقيق العيد: وهذا مجازٌ، فإن وجد دليلٌ يرجّحه عمل به. وإلاّ فالأصل عدمه.
قلت: استدلّوا له برواية أبي صالحٍ عن أبي هريرة في الصحيحين بلفظ " إذا قال الإمام ولا الضّالين فقولوا: آمين ".
قالوا: فالجمع بين الرّوايتين يقتضي حمل قوله " إذا أمّن " على
стр. 656
المجاز.
وأجاب الجمهور - على تسليم المجاز المذكور -: بأنّ المراد بقوله إذا أمّن , أي: أراد التّأمين ليتوافق تأمين الإمام والمأموم معاً، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها الإمام، وقد ورد التّصريح بأنّ الإمام يقولها. وذلك في روايةٍ.
ويدلّ على خلاف تأويلهم رواية معمرٍ عن ابن شهابٍ عن ابن المسيب عن أبي هريرة في هذا الحديث بلفظ " إذا قال الإمام (ولا الضّالين) فقالوا: آمين , فإنّ الملائكة تقول: آمين , وإنّ الإمام يقول: آمين الحديث.
أخرجه أبو داود (١) والنّسائيّ والسّرّاج. وهو صريحٌ في كون الإمام يؤمّن.
وقيل في الجمع بينهما: المراد بقوله " إذا قال ولا الضّالين فقولوا: آمين " أي: ولو لَم يقل الإمام آمين.
وقيل: يؤخذ من الخبرين تخيير المأموم في قولها مع الإمام أو بعده. قاله الطّبريّ.
وقيل: الأوّل لمن قرُب من الإمام , والثّاني لمن تباعد عنه، لأنّ جهر الإمام بالتّأمين أخفض من جهره بالقراءة، فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه، فمن سمع تأمينه أمّن معه، وإلا يؤمّن إذا سمعه
стр. 657
يقول ولا الضّالين , لأنّه وقت تأمينه. قاله الخطّابيّ.
وهذه الوجوه كلّها محتملةٌ. وليست بدون الوجه الذي ذكروه، وقد ردّه ابن شهابٍ بقوله: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين. (١) كأنّه استشعر التّأويل المذكور فبيّن أنّ المراد بقوله " إذا أمّن " حقيقة التّأمين.
وهو - وإن كان مرسلاً - فقد اعتضد بصنيع أبي هريرة , فأخرج النّسائيّ وابن خزيمة والسّرّاج وابن حبّان وغيرهم من طريق سعيد بن أبي هلالٍ عن نعيمٍ الْمُجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثمّ قرأ بأمّ القرآن حتّى بلغ ولا الضّالين , فقال: آمين , وقال النّاس: آمين، ويقول كلَّما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين , قال: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إنّي لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ .
وإذا ترجّح أنّ الإمام يؤمّن. فيجهر به في الجهريّة. وهو قول الجمهور.
خلافاً للكوفيين. ورواية عن مالكٍ , فقال: يسرّ به مطلقاً.
ووجه الدّلالة من الحديث. أنّه لو لَم يكن التّأمين مسموعاً للمأموم
стр. 658
لَم يعلم به , وقد علَّق تأمينه بتأمينه.
وأجابوا: بأنّ موضعه معلومٌ فلا يستلزم الجهر به.
وفيه نظرٌ: لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم علم المأموم به، وقد روى روح بن عبادة عن مالكٍ في هذا الحديث , قال ابن شهابٍ: وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ولا الضّالين جهر بآمين. أخرجه السّرّاج.
ولابن حبّان من رواية الزّبيديّ في حديث الباب عن ابن شهابٍ: كان إذا فرغ من قراءة أمّ القرآن رفع صوته , وقال: آمين. وللحميديّ من طريق سعيدٍ المقبريّ عن أبي هريرة نحوه بلفظ: إذا قال ولا الضّالين.
ولأبي داود من طريق أبي عبد الله - ابن عمّ أبي هريرة - عن أبي هريرة مثله. وزاد " حتّى يسمع من يليه من الصّفّ الأوّل " , ولأبي داود وصحَّحه ابن حبّان من حديث وائل بن حجرٍ. نحو رواية الزّبيديّ.
وفيه ردٌّ على من أومأ إلى النّسخ , فقال: إنّما كان ﷺ يجهر بالتّأمين في ابتداء الإسلام ليعلمهم , فإنّ وائل بن حجرٍ إنّما أسلم في أواخر الأمر.
قوله: (فأمِّنوا) استدل به على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام , لأنّه رتّب عليه بالفاء، لكن تقدّم في الجمع بين الرّوايتين أنّ المراد المقارنة. وبذلك قال الجمهور.
стр. 659
وقال الشّيخ أبو محمّدٍ الجوينيّ: لا تستحبّ مقارنة الإمام في شيءٍ من الصّلاة غيره.
قال إمام الحرمين: يمكن تعليله بأنّ التّأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخّر عنه وهو واضحٌ.
القول الأول. أنّ هذا الأمر عند الجمهور للنّدب.
القول الثاني: حكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملاً بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظّاهريّة على كل مصلٍّ , ثمّ في مطلق أمر المأموم بالتّأمين أنّه يؤمّن ولو كان مشتغلاً بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشّافعيّة
ثمّ اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة؟.
على وجهين: أصحّهما. لا تنقطع , لأنّه مأمورٌ بذلك لمصلحة الصّلاة، بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس (١) والله أعلم.
قوله: (فإنّه من وافق) زاد يونس عن ابن شهابٍ عند مسلمٍ " فإنّ الملائكة تؤمّن " قَبْل قوله " فمن وافق " وكذا لابن عيينة عن ابن شهابٍ عند البخاري.
وهو دالٌّ على أنّ المراد الموافقة في القول والزّمان، خلافاً لِمَن قال المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع كابن حبّان , فإنّه لَمّا ذكر الحديث
стр. 660
قال: يريد موافقة الملائكة في الإخلاص بغير إعجابٍ، وكذا جنح إليه غيره فقال نحو ذلك من الصّفات المحمودة، أو في إجابة الدّعاء، أو في الدّعاء بالطّاعة خاصّةً، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.
وقال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزّمان أن يكون المأموم على يقظةٍ للإتيان بالوظيفة في محلها، لأنّ الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقّظاً.
ثمّ إنّ ظاهره أنّ المراد الملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة. وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا إنّهم غير الحفظة.
والذي يظهر أنّ المراد بهم من يشهد تلك الصّلاة من الملائكة ممّن في الأرض أو في السّماء , وللبخاري في رواية الأعرج " وقالت الملائكة في السّماء: آمين " , وفي رواية محمّد بن عمرٍو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند البخاري مُعلَّقاً ووصلها أحمد والدارمي وابن خزيمة " فوافق ذلك قول أهل السّماء ". ونحوها لسهيلٍ عن أبيه عند مسلمٍ.
وروى عبد الرّزّاق عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السّماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السّماء غفر للعبد " انتهى.
ومثله لا يقال بالرّأي , فالمصير إليه أولى.
قوله: (تأمينه) التّأمين مصدر أمّن بالتّشديد. أي: قال آمين ,
стр. 661
وهي بالمدّ والتّخفيف في جميع الرّوايات وعن جميع القرّاء، وحكى الواحديّ عن حمزة والكسائيّ الإمالة.
وفيها ثلاث لغاتٍ أخرى شاذّةٌ:
القصر: حكاه ثعلبٌ , وأنشد له شاهداً، وأنكره ابن درستويه. وطعن في الشّاهد بأنّه لضرورة الشّعر، وحكى عياضٌ ومن تبعه عن ثعلبٍ , أنّه إنّما أجازه في الشّعر خاصّةً.
والتّشديد مع المدّ والقصر، وخطّأهما جماعةٌ من أهل اللّغة.
وآمين من أسماء الأفعال مثل صهٍ للسّكوت، وتفتح في الوصل لأنّها مبنيّةٌ بالاتّفاق مثل كيف، وإنّما لَم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء.
ومعناها اللهمّ استجب عند الجمهور.
وقيل: غير ذلك ممّا يرجع جميعه إلى هذا المعنى، كقول مَن قال: معناه اللهمّ آمنّا بخيرٍ، وقيل: كذلك يكون، وقيل: درجةٌ في الجنّة تجب لقائلها، وقيل: لمن استجيب له كما استجيب للملائكة.
وقيل: هو اسمٌ من أسماء الله تعالى. رواه عبد الرّزّاق عن أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ , وعن هلال بن يساف التّابعيّ مثله، وأنكره جماعةٌ.
وقال من مدّ وشدّد: معناها قاصدين إليك. ونقل ذلك عن جعفرٍ الصّادق؛ وقال من قصر وشدّد: هي كلمةٌ عبرانيّةٌ أو سريانيّةٌ.
وعند أبي داود من حديث أبي زهيرٍ النّميريّ الصّحابيّ , أنّ آمين مثل الطّابع على الصّحيفة، ثمّ ذكر قوله ﷺ : إن خَتَم بآمين فقد أوجب.
стр. 662
قوله: (غفر له ما تقدّم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذّنوب الماضية، وهو محمولٌ عند العلماء على الصّغائر.
وقد تقدّم البحث في ذلك في الكلام على حديث عثمان فيمن توضّأ كوضوئه ﷺ في كتاب الطّهارة (١).
فائدةٌ: وقع في " أمالي الجرجانيّ " عن أبي العبّاسٍ الأصمّ عن بحر بن نصرٍ عن ابن وهبٍ عن يونس في آخر هذا الحديث " وما تأخّر ".
وهي زيادةٌ شاذّةٌ , فقد رواه ابن الجارود في " المنتقى " عن بحر بن نصرٍ بدونها، وكذا رواه مسلمٌ عن حرملة , وابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى كلاهما عن ابن وهبٍ.
وكذلك في جميع الطّرق عن أبي هريرة , إلاَّ أنّي وجدته في بعض النّسخ من ابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن ابن عيينة بإثباتها، ولا يصحّ، لأنّ أبا بكرٍ قد رواه في " مسنده ومصنّفه " بدونها، وكذلك حفّاظ أصحاب ابن عيينة الحميديّ وابن المدينيّ وغيرهما.
وله طريقٌ أخرى ضعيفةٌ من رواية أبي فروة محمّد بن يزيد بن سنانٍ عن أبيه عن عثمان والوليد ابني ساجٍ عن سهيلٍ عن أبيه عن أبي هريرة.
وفي الحديث حجّةٌ على الإماميّة (٢) في قولهم: إنّ التّأمين يبطل
стр. 663
الصّلاة، لأنّه ليس بلفظ قرآنٍ ولا ذكرٍ.
ويمكن أن يكون مستندهم ما نقل عن جعفرٍ الصّادق , أنّ معنى " آمين " أي: قاصدين إليك، وبه تمسّك مَن قال: إنّه بالمدّ والتّشديد، وصرّح المتولي من الشّافعيّة بأنّ مَن قاله هكذا. بطلت صلاته.
وفيه فضيلة الإمام , لأنّ تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة، ولهذا شرعت للمأموم موافقته. وظاهر سياق الأمر أنّ المأموم إنّما يؤمّن إذا أمّن الإمام لا إذا ترك، وقال به بعض الشّافعيّة كما صرّح به صاحب " الذّخائر ". وهو مقتضى إطلاق الرّافعيّ الخلاف.
وادّعى النّوويّ في " شرح المهذّب " الاتّفاق على خلافه، ونصّ الشّافعيّ في " الأمّ " على أنّ المأموم يؤمّن ولو تركه الإمام عمداً أو سهواً.
واستدل به القرطبيّ على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أنّ المأموم ليس عليه أن يقرأ فيما جهر به إمامه.
فأمّا الأوّل: فكأنّه أخذه من أنّ التّأمين مختصٌّ بالفاتحة فظاهر السّياق يقتضي أنّ قراءة الفاتحة كان أمراً معلوماً عندهم.
وأمّا الثّاني: فقد يدلّ على أنّ المأموم لا يقرأ الفاتحة حال قراءة الإمام لها , لا أنّه لا يقرؤها أصلاً.
стр. 664
وفي الحديث مشروعية جهر المأموم بالتأمين.
قال الزين بن المنير: مناسبة الحديث (١) من جهة أنّ في الحديث الأمر بقول آمين، والقول إذا وقع به الخطاب مطلقاً حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار أو حديث النّفس قيّد بذلك.
وقال ابن رشيدٍ: تؤخذ المناسبة منه من جهاتٍ:
منها أنّه قال " إذا قال الإمام , فقولوا " فقابل القول بالقول، والإمام إنّما قال ذلك جهراً , فكان الظّاهر الاتّفاق في الصّفة.
ومنها: أنّه قال " فقولوا " ولَم يقيّده بجهرٍ ولا غيره، وهو مطلقٌ في سياق الإثبات، وقد عمل به في الجهر بدليل ما تقدّم يعني في مسألة الإمام، والمطلق إذا عمل به في صورةٍ لَم يكن حجّةً في غيرها باتّفاقٍ.
ومنها: أنّه تقدُّم أنّ المأموم مأمورٌ بالاقتداء بالإمام، وقد تقدّم أنّ الإمام يجهر فلزم جهره بجهره. انتهى.
وهذا الأخير سبق إليه ابن بطّالٍ.
وتعقّب: بأنّه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة لأنّ الإمام جهر بها، لكن يمكن أن ينفصل عنه بأنّ الجهر بالقراءة خلف الإمام قد نهي عنه، فبقي التّأمين داخلاً تحت عموم الأمر باتّباع الإمام.
ويتقوّى بما رواه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ قال: قلت له: أكان ابن الزّبير يؤمّن على إثر أمّ القرآن؟ قال: نعم. ويؤمّن مَن وراءه؛ حتّى إنّ للمسجد للجّةً، ثمّ قال: إنّما آمين دعاءٌ.
стр. 665
وروى البيهقيّ من وجهٍ آخر عن عطاءٍ قال: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد , إذا قال الإمام " ولا الضّالين " سمعت لهم رجّةً بآمين.
والجهر للمأموم ذهب إليه الشّافعيّ في القديم. وعليه الفتوى.
وقال الرّافعيّ: قال الأكثر: في المسألة قولان , أصحّهما أنّه يجهر.
تكميلٌ: في رواية للبخاري " إذا أمّن القارئ فأمنوا " المراد بالقارئ هنا الإمام إذا قرأ في الصّلاة.
ويحتمل: أن يكون المراد بالقارئ أعمّ من ذلك.
وورد في التّأمين مطلقاً أحاديث.
منها حديث عائشة مرفوعاً " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السّلام والتّأمين " رواه ابن ماجه وصحَّحه ابن خزيمة. وأخرجه ابن ماجه أيضاً من حديث ابن عبّاس بلفظ " ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين.
وأخرج الحاكم عن حبيب بن مسلمة الفهريّ , سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم , ويؤمّن بعضهم إلاَّ أجابهم الله تعالى.
ولأبي داود من حديث أبي زهير النّميريّ قال: وقف النّبيّ ﷺ على رجلٍ قد أَلَحّ في الدّعاء , فقال: أوجب إن ختم، فقال: بأيّ شيء؟ قال بآمين. فأتاه الرّجل فقال: يا فلان اختم بآمين وأبشر.
وكان أبو زهير يقول: آمين مثل الطّابع على الصّحيفة.
стр. 666
الحديث الخامس والثلاثون
٨٤ - عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا صلَّى أحدكم للنّاس فليخفّف فإنّ فيهم الضّعيف والسّقيم وذا الحاجة , وإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطوّل ما شاء. (١)
الحديث السادس والثلاثون
٨٥ - وما في معناه من حديث أبي مسعودٍ الأنصاريّ ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي لأتأخّر عن صلاة الصّبح من أجل فلانٍ , ممّا يُطيل بنا , قال: فما رأيت النّبيّ ﷺ غضب في موعظةٍ قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذٍ , فقال: يا أيّها النّاس , إنّ منكم مُنفّرين , فأيّكم أمّ النّاس فليوجز , فإنّ من ورائه الكبير والضّعيف وذا الحاجة. (٢)
قوله: (إذا صلَّى أحدكم للنّاس فليخفّف) عموم الأمر بالتّخفيف مختصّ بالأئمّة، فأمّا المنفرد فلا حجر عليه في ذلك. لكن اختلف فيما إذا أطال القراءة حتّى خرج الوقت كما سنذكره.
قوله: (فإنّ فيهم) كذا للأكثر، وللكشميهنيّ " فإنّ منهم ".
стр. 667
قوله: (الضّعيف والسّقيم) المراد بالضّعيف هنا ضعيف الخلقة , وبالسّقيم من به مرضٌ، زاد مسلم من وجهٍ آخر عن أبي الزّناد " والصّغير والكبير ".
وزاد الطّبرانيّ من حديث عثمان بن أبي العاص " والحامل والمرضع " وله من حديث عديّ بن حاتم " والعابر السّبيل " وقوله في حديث أبي مسعود الآتي (١) " وذا الحاجة " وهي أشمل الأوصاف المذكورة.
قوله: (فليطوّل ما شاء) ولمسلم " فليصل كيف شاء " أي: مخفّفاً أو مطوّلاً.
واستدل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحّح عند بعض أصحابنا.
وفيه نظرٌ؛ لأنّه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة: إنّما التّفريط أن يؤخّر الصّلاة حتّى يدخل وقت الأخرى. أخرجه مسلم.
وإذا تعارضتْ مصلحة المبالغة في الكمال بالتّطويل ومفسدة إيقاع الصّلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى، واستدل بعمومه أيضاً على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السّجدتين.
قوله: (حديث أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري. المعروف
стр. 668
بالبدري (١).
قوله: (أنّ رجلاً) لَم أقف على اسمه، ووهِم من زعم أنّه حزم بن أَبِي كعب (٢)؛ لأنّ قصّته كانت مع معاذ (٣). لا مع أُبي بن كعب.
стр. 669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 670
قوله: (إنّي لأتأخّر عن صلاة الغداة) أي: فلا أحضرها مع الجماعة لأجل التّطويل، وفي رواية ابن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود عند البخاري " والله إنّي لأتأخّر " بزيادة القسم.
وفيه جواز مثل ذلك؛ لأنّه لَم ينكر عليه، وللبخاري عن محمد بن كثير عن سفيان عن إسماعيل لفظ " إنّي لا أكاد أدرك الصّلاة ".
قال القاضي عياض: ظاهره مشكل؛ لأنّ التّطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، قال: فكأنّ الألف زيدت بعد لا , وكأنّ أدرك كانت أترك.