داود، وبه قال أحمد بن سيّار من أصحابنا. انتهى.
واعترض عليه بأنّه تناقضٌ، وليس كما قال المعترض، فلعله أراد إجماع من قبل المذكورين , أو لَم يثبت عنده عنهما , أو لأنّ الاستحباب لا ينافي الوجوب.
وبالاعتذار الأوّل يندفع اعتراض من أورد عليه أنّ مالكاً قال في روايته عنه: إنّه لا يستحبّ، نقله صاحب التّبصرة منهم، وحكاه الباجيّ عن كثيرٍ من متقدّميهم.
وأسلم العبارات قول ابن المنذر: لَم يختلفوا أنّ رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصّلاة.
وقول ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصّلاة. وممَن قال بالوجوب أيضاً الأوزاعيّ والحميديّ - شيخ البخاريّ - وابن خزيمة من أصحابنا. نقله عنه الحاكم في ترجمة محمّد بن عليّ العلويّ، وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد.
وقال ابن عبد البرّ: كلّ من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصّلاة بتركه , إلاَّ في روايةٍ عن الأوزاعيّ والحميديّ.
قلت: ونقل بعض الحنفيّة عن أبي حنيفة يأثم تاركه.
وأمّا قول النّوويّ في شرح المهذّب: أجمعوا على استحبابه. ونقله ابن المنذر , ونقل العبدريّ عن الزّيديّة. أنّه لا يرفع , ولا يعتدّ بخلافهم. ونقل القفّال عن أحمد بن سيّار أنّه أوجبه، وإذا لَم يرفع لَم تصحّ صلاته، وهو مردودٌ بإجماع من قبله.
стр. 702
وفي نقل الإجماع نظرٌ. فقد نقل القول بالوجوب عن بعض من تقدّمه , ونقله القفّال في فتاويه عن أحمد بن سيّار الذي مضى , ونقله القرطبيّ في أوائل تفسيره عن بعض المالكيّة , وهو مقتضى قول ابن خزيمة أنّه ركنٌ.
واحتجّ ابن حزمٍ: بمواظبة النّبيّ ﷺ على ذلك , وقد قال: صلّوا كما رأيتموني أصلي. وسيأتي ما يردّ عليه في ذلك.
قوله: (وإذا كبّر للرّكوع) وللبخاري " حين يكبر للركوع " أي: عند ابتداء الرّكوع، وهو مقتضى رواية مالك بن الحويرث في البخاري حيث قال: وإذا أراد أن يركع رفع يديه.
ولهما من حديث أبي هريرة " ثمّ يكبّر حين يركع ".
قوله: (وإذا رفع رأسه من الرّكوع رفعهما كذلك) أي: إذا أراد أن يرفع. ويؤيّده رواية أبي داود من طريق الزّبيديّ عن الزّهريّ بلفظ " ثمّ إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتّى يكونا حذو منكبيه " , ومقتضاه أنّه يبتدئ رفع يديه عند ابتداء القيام من الرّكوع.
وأمّا رواية ابن عيينة عن الزّهريّ التي أخرجها عنه أحمد , وأخرجها عن أحمد أبو داود بلفظ " وبعد ما يرفع رأسه من الرّكوع " فمعناه بعد ما يشرع في الرّفع لتتّفق الرّوايات.
وقدّ صنّف البخاريّ في هذه المسألة جزءاً منفرداً، وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال , أنّ الصّحابة كانوا يفعلون ذلك.
قال البخاريّ: ولَم يستثنِ الحسنُ أحداً.
стр. 703
وقال ابن عبد البرّ: كلّ من روي عنه ترك الرّفع في الرّكوع والرّفع منه , روي عنه فعله إلاَّ ابن مسعود.
وقال محمّد بن نصر المروزيّ: أجمع علماء الأمصار على مشروعيّة ذلك إلاَّ أهل الكوفة.
وقال ابن عبد البرّ: لَم يرو أحدٌ عن مالك ترك الرّفع فيهما إلاَّ ابن القاسم. والذي نأخذ به الرّفع على حديث ابن عمر، وهو الذي رواه ابن وهبٍ وغيره عن مالك، ولَم يحك التّرمذيّ عن مالكٍ غيره.
ونقل الخطّابيّ وتبعه القرطبيّ في " المفهم " أنّه آخر قولي مالك وأصحّهما، ولَم أر للمالكيّة دليلاً على تركه ولا متمسّكاً إلاَّ بقول ابن القاسم.
وأمّا الحنفيّة. فعوّلوا على رواية مجاهدٍ , أنّه صلَّى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك.
وأجيبوا: بالطّعن في إسناده؛ لأنّ أبا بكر بن عيّاش راويه ساء حفظه بآخره، وعلى تقدير صحّته. فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه , ورواية نافعٍ عند البخاري، والعدد الكثير أولى من واحد، لاسيّما وهم مثبتون وهو نافٍ.
مع أنّ الجمع بين الرّوايتين ممكنٌ , وهو أنّه لَم يكن يراه واجباً ففعله تارةً وتركه أخرى.
وممّا يدلّ على ضعفه ما رواه البخاريّ في " جزء رفع اليدين " عن مالكٍ , أنّ ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع , وإذا
стр. 704
رفع رماه بالحصى. (١)
واحتجّوا بحديث ابن مسعود , أنّه رأى النّبيّ ﷺ يرفع يديه عند الافتتاح , ثمّ لا يعود. أخرجه أبو داود.
وردّه الشّافعيّ بأنّه لَم يثبت، قال: ولو ثبت لكان المثبت مقدّماً على النّافي.
وقد صحّحه بعض أهل الحديث؛ لكنّه استدل به على عدم الوجوب، والطّحاويّ إنّما نصب الخلاف مع من يقول بوجوبه كالأوزاعيّ وبعض أهل الظّاهر.
ونقل البخاريّ عقب حديث ابن عمر في هذا الباب عن شيخه عليّ بن المدينيّ قال: حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الرّكوع والرّفع منه لحديث ابن عمر هذا، وهذا في رواية ابن عساكر (٢).
وقد ذكره البخاريّ في " جزء رفع اليدين " , وزاد: وكان عليٌّ أعلم أهل زمانه.
ومقابل هذا قول بعض الحنفيّة أنّه يبطل الصّلاة. ونسب بعض متأخّري المغاربة فاعله إلى البدعة، ولهذا مال بعض محقّقيهم كما حكاه ابن دقيق العيد إلى تركه درءاً لهذه المفسدة.
وقد قال البخاريّ في " جزء رفع اليدين ": من زعم أنّه بدعةٌ فقد
стр. 705
طعن في الصّحابة فإنّه لَم يثبت عن أحدٍ منهم تركه. قال: ولا أسانيد أصحّ من أسانيد الرّفع. انتهى.
وذكر البخاريّ أيضاً , أنّه رواه سبعة عشر رجلاً من الصّحابة، وذكر الحاكم وأبو القاسم بن منده ممّن رواه العشرة المبشّرة.
وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ , أنّه تتبّع من رواه من الصّحابة فبلغوا خمسين رجلاً.
قوله: (وكان لا يفعل ذلك في السّجود) أي: لا في الهويّ إليه. ولا في الرّفع منه كما في رواية شعيب في البخاري حيث قال " حين يسجد ولا حين يرفع رأسه " وهذا يشمل ما إذا نهض من السّجود إلى الثّانية والرّابعة والتّشهّدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثّالثة أيضاً , لكن بدون تشهّدٍ لكونه غير واجبٍ.
وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة , لَم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثّانية والرّابعة.
لكن قد روى يحيى القطّان عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعاً هذا الحديث. وفيه " ولا يرفع بعد ذلك " أخرجه الدّارقطنيّ في " الغرائب " بإسنادٍ حسنٍ. وظاهره يشمل النّفي عمّا عدا المواطن الثّلاثة.
تكميلٌ: خرج البخاري في " صحيحه " حدّثنا عياش ثنا عبد الأعلى عن عبيد الله، عن نافع، أنَّ ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده،
стр. 706
رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ .
قوله " إذا قام من الرّكعتين " أي: بعد التّشهّد، فيخرج ما إذا تركه ونهض قائماً من السّجود لعموم قوله في الرّواية التي قبله " ولا حين يرفع رأسه من السّجود.
ويحتمل: حمل النّفي هناك على حالة رفع الرّأس من السّجود لا على ما بعد ذلك حين يستوي قائماً.
وقد توبع نافعٌ على ذلك عن ابن عمر، وهو فيما رواه أبو داود وصحّحه البخاريّ في الجزء المذكور من طريق محارب بن دثارٍ عن ابن عمر قال: كان النّبيّ ﷺ إذا قام في الرّكعتين كبّر ورفع يديه.
وله شواهد منها حديث أبي حميدٍ السّاعديّ , وحديث عليّ بن أبي طالب. أخرجهما أبو داود. وصحّحهما ابن خزيمة وابن حبّان.
وقال البخاريّ في الجزء المذكور: ما زاده ابن عمر وعليّ وأبو حميد في عشرةٍ من الصّحابة من الرّفع عند القيام من الرّكعتين صحيحٌ؛ لأنّهم لَم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها. وإنّما زاد بعضهم على بعض، والزّيادة مقبولة من أهل العلم.
وقال ابن بطّال: هذه زيادة يجب قبولها لمن يقول بالرّفع.
وقال الخطّابيّ: لَم يقل به الشّافعيّ، وهو لازمٌ على أصله في قبول الزّيادة.
وقال ابن خزيمة: هو سنّةٌ، وإن لَم يذكره الشّافعيّ فالإسناد
стр. 707
صحيح، وقد قال: قولوا بالسّنّة , ودعوا قولي (١).
وأغرب الشّيخ أبو حامد في تعليقه , فنقل الإجماع على أنّه لا يشرع الرّفع في غير المواطن الثّلاثة.
وتعقّب: بصحّة ذلك عن ابن عمر وابن عبّاسٍ وطاوسٍ ونافع وعطاء كما أخرجه عبد الرّزّاق وغيره عنهم بأسانيد قويّةٍ.
وقد قال به من الشّافعيّة ابن خزيمة وابن المنذر وأبو عليّ الطّبريّ والبيهقيّ والبغويّ , وحكاه ابن خويز منداد عن مالكٍ. وهو شاذّ. (٢)
وأصحّ ما وقفت عليه من الأحاديث في الرّفع في السّجود. ما رواه النّسائيّ من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث , أنّه رأى النّبيّ ﷺ يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتّى يحاذي بهما فروع أذنيه.
وقد أخرج مسلم بهذا الإسناد طرفه الأخير (٣) كما ذكرناه قبل هذا، ولَم ينفرد به سعيد فقد تابعه همّام عن قتادة عند أبي عوانة في " صحيحه ".
وفي الباب عن جماعةٍ من الصّحابة لا يخلو شيءٌ منها عن مقال.
وقد روى البخاريّ في " جزء رفع اليدين " في حديث عليٍّ المرفوع
стр. 708
" ولا يرفع يديه في شيءٍ من صلاته وهو قاعد " وأشار إلى تضعيف ما ورد في ذلك.
تنبيهٌ: روى الطّحاويّ حديث الباب في " مُشكله " من طريق نصر بن عليّ عن عبد الأعلى بلفظ " كان يرفع يديه في كل خفضٍ ورفعٍ وركوعٍ وسجودٍ وقيامٍ وقعودٍ وبين السّجدتين , ويذكر أنّ النّبيّ ﷺ كان يفعل ذلك.
وهذه رواية شاذّة، فقد رواه الإسماعيليّ عن جماعةٍ من مشايخه الحفّاظ عن نصر بن عليّ المذكور بلفظ عيّاش - شيخ البخاريّ -، وكذا رواه هو وأبو نعيمٍ من طريقٍ أخرى عن عبد الأعلى كذلك.
стр. 709
الحديث الأربعون
٨٩ - عن ابن عبّاسٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظمٍ: على الْجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين , والرّكبتين , وأطراف القدمين. (١)
قوله: (قال رسول الله ﷺ : أُمرت أن أسجد) في رواية لهما " أُمرَ النّبيُّ ﷺ أن يسجد " هو بضمّ الهمزة في جميع الرّوايات بالبناء لِمَا لَم يسمّ فاعله، والمراد به الله ﷻ .
قال البيضاويّ: عرف ذلك بالعرف، وذلك يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر لأنّه ليس فيه صيغة أفعل. ولَمّا كان هذا السّياق يحتمل الخصوصيّة عقّبه البخاري بلفظٍ آخر دالٌّ على أنّه لعموم الأمّة، وهو من رواية شعبة عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ: أنّ النّبيّ ﷺ قال: أمرنا.
وعُرف بهذا أنّ ابن عبّاسٍ تلقّاه عن النّبيّ ﷺ إمّا سماعاً منه وإمّا بلاغاً عنه.
وقد أخرجه مسلم من حديث العبّاس بن عبد المطّلب بلفظ " إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب " الحديث. وهذا يرجّح أنّ النّون في أمرنا نون الجمع.
стр. 710
والآراب بالمدّ جمع إرب - بكسر أوّله وإسكان ثانيه - وهو العضو. ويحتمل: أن يكون ابن عبّاسٍ تلقّاه عن أبيه ﵁.
قوله: (أَعْظُم) وللبخاري " أعضاء ".
قال ابن دقيق العيد: يسمّى كلّ واحد عظماً باعتبار الجملة وإن اشتمل كلّ واحد على عظام، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها.
قوله: (الْجبهة) زاد في رواية ابن طاوسٍ عن أبيه عند الشيخين " وأشار بيده على أنفه " كأنّه ضمّن " أشار " معنى أمرّ بتشديد الرّاء فلذلك عدّاه بعلى دون إلى.
ووقع في العمدة بلفظ " إلى " وهي في بعض النّسخ من رواية كريمة , وعند النّسائيّ من طريق سفيان بن عيينة عن ابن طاوسٍ فذكر هذا الحديث , وقال في آخره: قال ابن طاوسٍ: ووضع يده على جبهته وأمرّها على أنفه , وقال: هذا واحدٌ. فهذه رواية مفسّرة.
قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أنّ الجبهة الأصل في السّجود والأنف تبع.
وقال ابن دقيق العيد: قيل معناه أنّهما جعلا كعضوٍ واحد وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، قال: وفيه نظر لأنّه يلزم منه أن يكتفى بالسّجود على الأنف كما يكتفى بالسّجود على بعض الجبهة، وقد احتجّ بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسّجود على الأنف.
قال: والحقّ أنّ مثل هذا لا يعارض التّصريح بذكر الجبهة وإن
стр. 711
أمكن أن يعتقد أنّهما كعضوٍ واحد، فذاك في التّسمية والعبارة لا في الحكم الذي دلَّ عليه الأمر، وأيضاً فإنّ الإشارة قد لا تعيّن المشار إليه فإنّها إنّما تتعلق بالجبهة لأجل العبادة، فإذا تقارب ما في الجبهة أمكن أن لا يعيّن المشار إليه يقيناً، وأمّا العبارة فإنّها معيّنة لِمَا وضعت له فتقديمه أولى. انتهى.
وما ذكره من جواز الاقتصار على بعض الجبهة. قال به كثير من الشّافعيّة، وكأنّه أخذ من قول الشّافعيّ في " الأمّ " أنّ الاقتصار على بعض الجبهة يكره، وقد ألزمهم بعض الحنفيّة بما تقدّم.
ونقل ابن المنذر إجماع الصّحابة على أنّه لا يجزئ السّجود على الأنف وحده.
القول الأول: ذهب الجمهور. إلى أنّه يجزئ على الجبهة وحدها.
القول الثاني: عن الأوزاعيّ وأحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكيّة وغيرهم , يجب أن يجمعهما. وهو قولٌ للشّافعيّ أيضاً.
قوله: (واليدين) قال ابن دقيق العيد: المراد بهما الكفّان لئلا يدخل تحت المنهيّ عنه من افتراش السّبع والكلب. انتهى.
ووقع بلفظ " الكفّين " في رواية حمّاد بن زيد عن عمرو بن دينار عند مسلم.
قوله: (وأطراف القدمين) وللبخاري عن أبي حميد " فإذا سجد استقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ".
стр. 712
قال الزين بن المنير (١): المراد أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه مرتفعان فيستقبل بظهور قدميه القبلة.
قال أخوه (٢): ومن ثَمَّ ندب ضمّ الأصابع في السّجود لأنّها لو تفرّجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة.
قال ابن دقيق العيد: ظاهره يدلّ على وجوب السّجود على هذه الأعضاء. واحتجّ بعض الشّافعيّة على أنّ الواجب الجبهة دون غيرها بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه " ويمكّن جبهته " قال: وهذا غايته أنّه مفهوم لقب، والمنطوق مقدّم عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم.
قال: وأضعف من هذا استدلالهم بحديث " سجد وجهي " فإنّه لا يلزم من إضافة السّجود إلى الوجه انحصار السّجود فيه، وأضعف منه قولهم إنّ مسمّى السّجود يحصل بوضع الجبهة , لأنّ هذا الحديث يدلّ على إثبات زيادة على المسمّى , وأضعف منه المعارضة بقياسٍ شبهيّ كأن يقال: أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب وضعها.
стр. 713
قال: وظاهر الحديث أنّه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء , لأنّ مسمّى السّجود يحصل بوضعها دون كشفها، أما الأحاديث الواردة بالاقتصار على الجبهة كحديث البراء: لَم يحنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض. (١) , فلا تعارض الحديث المنصوص فيه على الأعضاء السّبعة، بل الاقتصار على ذكر الجبهة , إمّا لكونها أشرف الأعضاء المذكورة , أو أشهرها في تحصيل هذا الرّكن، فليس فيه ما ينفي الزّيادة التي في غيره.
وقال الكرمانيّ: إنّ العادة أنّ وضع الجبهة إنّما هو باستعانة الأعظم السّتّة غالباً. ولَم يُختلف في أنّ كشف الرّكبتين غير واجب لِمَا يحذر فيه من كشف العورة، وأمّا عدم وجوب كشف القدمين فلدليلٍ لطيف. وهو أنّ الشّارع وقّت المسح على الخفّ بمدّةٍ تقع فيها الصّلاة بالخفّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفّ المقتضي لنقض الطّهارة فتبطل الصّلاة. انتهى.
وفيه نظرٌ. فللمخالف أن يقول: يخصّ لابس الخفّ لأجل الرّخصة.
وأمّا كشف اليدين. فأخرج البخاري معلَّقاً (٢) ووصله عبد الرّزّاق عن هشام بن حسّان عن الحسن , أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم , ويسجد الرّجل منهم على قلنسوته
стр. 714
وعمامته. وهكذا رواه ابن أبي شيبة من طريق هشامٍ.
تكميلٌ: زاد الشيخان في هذا الحديث " ولا نكفت الثياب والشعر " والكفت بمثنّاةٍ في آخره هو الضّمّ , وهو بمعنى الكفّ.
والمراد أنّه لا يجمع ثيابه ولا شعره، وظاهره يقتضي أنّ النّهي عنه في حال الصّلاة، وإليه جنح الدّاوديّ، وترجم البخاري " باب لا يكفّ ثوبه في الصّلاة " وهي تؤيّد ذلك.
وردّه عياض بأنّه خلاف ما عليه الجمهور، فإنّهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصّلاة أو قبل أن يدخل فيها.
واتّفقوا على أنّه لا يفسد الصّلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة.
قيل: والحكمة في ذلك أنّه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبّر.
وقيل: إنَّ الشّعر يسجد مع الرّأس إذا لَم يكفّ أو يلفّ.
وجاء في حكمة النّهي عن ذلك: أنّ غرزة الشّعر يقعد فيها الشّيطان حالة الصّلاة. وفي سنن أبي داود بإسنادٍ جيّد , أنّ أبا رافع رأى الحسن بن عليّ يُصلِّي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلَّها , وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذلك مقعد الشّيطان.
стр. 715
الحديث الواحد والأربعون
٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم , ثمّ يكبّر حين يركع , ثمّ يقول: سمع الله لمن حمده , حين يرفع صلبه من الرّكعة , ثمّ يقول وهو قائمٌ: ربّنا ولك الحمد , ثمّ يكبّر حين يهوي , ثمّ يكبّر حين يرفع رأسه , ثمّ يكبّر حين يسجد , ثمّ يكبّر حين يرفع رأسه , ثمّ يفعل ذلك في صلاته كلها , حتّى يقضيها , ويكبّر حين يقوم من الثّنتين بعد الجلوس. (١)
قوله: (يكبّر حين يقوم) فيه التّكبير قائماً، وهو بالاتّفاق في حقّ القادر.
قوله: (ثمّ يكبّر حين يركع) قال النّوويّ: فيه دليلٌ على مقارنة التّكبير للحركة وبسطه عليها، فيبدأ بالتّكبير حين يشرع في الانتقال إلى الرّكوع، ويمدّه حتّى يَصِلَ إلى حدّ الرّاكع. انتهى.
ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرةٍ.
قوله: (حين يرفع .. إلخ) فيه أنّ التّسميع ذكر النّهوض، وأنّ التّحميد ذكر الاعتدال.
وفيه دليلٌ على أنّ الإمام يجمع بينهما خلافاً لمالكٍ وأبي حنيفة كما
стр. 716
حكاه الطحاوي.
واستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين , أنَّ النبي ﷺ قال: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده , فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد.
وفيه نظرٌ. لأنّه ليس فيه ما يدلّ على النّفي، بل فيه أنّ قول المأموم ربّنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده، والواقع في التّصوير ذلك , لأنّ الإمام يقول التّسميع في حال انتقاله والمأموم يقول التّحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام كما في الخبر.
وهذا الموضع يقرب من مسألة التّأمين من أنّه لا يلزم من قوله " إذا قال ولا الضّالين , فقولوا: آمين " أنّ الإمام لا يؤمّن بعد قوله " ولا الضّالين "، وليس فيه أنّ الإمام يؤمّن كما أنّه ليس في هذا أنّه يقول ربّنا لك الحمد، لكنّهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة كما في التّأمين , وكما في حديث الباب أنّه ﷺ كان يجمع بين التّسميع والتّحميد.
وأمّا ما احتجّوا به من حيث المعنى من أنّ معنى " سمع الله لمن حمده " طلب التّحميد فيناسب حال الإمام، وأمّا المأموم فتناسبه الإجابة بقوله ربّنا لك الحمد
ويقوّيه حديث أبي موسى الأشعريّ عند مسلم وغيره ففيه: وإذا قال سمع الله لمن حمده , فقولوا: ربّنا ولك الحمد , يسمع الله لكم.
فجوابه أن يقال: لا يدلّ ما ذكرتم على أنّ الإمام لا يقول ربّنا ولك
стр. 717
الحمد، إذ لا يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً، وهو نظير ما تقدّم في مسألة التّأمين من أنّه لا يلزم من كون الإمام داعياً والمأموم مؤمّناً أن لا يكون الإمام مؤمّناً.
ويقرب منه الجمع بين الحيعلة والحوقلة لسامع المؤذّن. وقضيّة ذلك أنّ الإمام يجمعهما وهو قول الشّافعيّ وأحمد وأبي يوسف ومحمّد والجمهور، والأحاديث الصّحيحة تشهد له.
وزاد الشّافعيّ: أنّ المأموم يجمع بينهما أيضاً.
لكن لَم يصحّ في ذلك شيء , وقد ورد في ذلك حديث عن أبي هريرة أيضاً أخرجه الدّارقطنيّ بلفظ: كنّا إذا صلَّينا خلف رسول الله ﷺ , فقال: سمع الله لمن حمده، قال مَن وراءه: سمع الله لمن حمده.
ولكن قال الدّارقطنيّ: المحفوظ في هذا " فليقل من وراءه ربّنا ولك الحمد ".
ولَم يثبت عن ابن المنذر أنّه قال: إنّ الشّافعيّ انفرد بذلك , لأنّه قد نقل في الإشراف عن عطاء وابن سيرين وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم.
وأمّا المنفرِد فحكى الطّحاويّ وابن عبد البرّ الإجماع على أنّه يجمع بينهما، وجعله الطّحاويّ حجّةً لكون الإمام يجمع بينهما. للاتّفاق على اتّحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب الهداية إلى خلاف عندهم في المنفرد.
قوله: (ولك الحمد) كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي
стр. 718
بعضها كما في البخاري بحذفها.
قال النّوويّ: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
وقال ابن دقيق العيد: كأنّ إثبات الواو دالٌّ على معنى زائد، لأنّه يكون التّقدير مثلاً ربّنا استجب ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدّعاء ومعنى الخبر. انتهى
وهذا بناء على أنّ الواو عاطفة، وقيل: هي زائدةٌ , وقيل: هي واو الحال. قاله ابن الأثير , وضعّف ما عداه. والأكثر رجّحوا ثبوتها.
وقال الأثرم: سمعت أحمد يثبت الواو في " ربّنا ولك الحمد " ويقول: ثبت فيه عدّة أحاديث.
قوله: (ثمّ يكبّر حين يهوي) يعني ساجداً و " يهوي " ضبطناه بفتح أوّله، أي يسقط. وفيه أنّ التّكبير ذكرُ الهويّ، فيبتدئ به من حين يشرع في الهويّ بعد الاعتدال إلى حين يتمكّن ساجداً.
قوله: (ويكبّر حين يقوم من الثّنتين بعد الجلوس) أي: الرّكعتين الأوليين. والمعنى أنه يكبر إذا قام إلى الثالثة.
وفيه أنّه يشرع في التّكبير من حين ابتداء القيام إلى الثّالثة بعد التّشهّد الأوّل، خلافاً لِمَن قال إنّه لا يكبّر حتّى يستوي قائماً.
فأما رواية الطيالسي عن ابن أبي ذئب عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " وكان يكبّر بين السّجدتين " فالمراد بها التّكبير للسّجدة الثّانية، وكأنّ بعض الرّواة ذكر ما لَم يذكر الآخر.
قوله: (بعد الجلوس) أي: في التّشهّد الأوّل.
стр. 719
وهذا الحديث مفسّرٌ للأحاديث المجملة حيث قال فيها " كان يكبّر في كل خفضٍ ورفعٍ " هو عامٌّ في جميع الانتقالات في الصّلاة، لكن خصّ منه الرّفع من الرّكوع بالإجماع فإنّه شرع فيه التّحميد.
وقد جاء بهذا اللفظ العامّ من حديث أبي هريرة في الصحيحين، ومن حديث أبي موسى عند أحمد والنّسائيّ، ومن حديث ابن مسعودٍ عند الدّارميّ والطّحاويّ، ومن حديث ابن عبّاسٍ عند البخاري، ومن حديث ابن عمر عند أحمد والنّسائيّ.
ومن حديث عبد الله بن زيدٍ عند سعيد بن منصورٍ، ومن حديث وائل بن حجرٍ عند ابن حبّان، ومن حديث جابرٍ عند البزّار.
стр. 720
الحديث الثاني والأربعون
٩١ - عن مطرّف بن عبد الله , قال: صلَّيتُ أنا وعمران بن حصينٍ خلف عليّ بن أبي طالبٍ. فكان إذا سجد كبّر , وإذا رفع رأسه كبّر , وإذا نَهَض من الرّكعتين كبّر , فلمّا قضى الصّلاة أخذ بيدي عمران بن حصينٍ , وقال: قد ذكّرني هذا صلاةَ محمّدٍ ﷺ , أو قال: صلَّى بنا صلاة محمّدٍ ﷺ . (١)
قوله: (عن مطرِّف بن عبد الله) ابن الشخير من كبار التابعين , ولا صحبة له.
قوله: (صليت خلف عليّ بن أبي طالبٍ أنا وعمران) استدلَّ به على أنّ موقف الاثنين يكون خلف الإمام. خلافاً لِمَن قال يجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. (٢)
وفيه نظرٌ. لأنّه ليس فيه أنّه لَم يكن معهما غيرهما.
وفي رواية للبخاري " أنّ ذلك كان بالبصرة بعد وقعة الجمل " , وكذا رواه سعيد بن منصورٍ من رواية حميد بن هلالٍ عن عمران " بالبصرة ".
ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن غيلان بن جرير عن
стр. 721
مطرف " بالكوفة " وكذا لعبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة وغير واحدٍ عن مطرّفٍ.
فيحتمل: أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين، وقد ذكره في رواية أبي العلاء عن مطرف عند البخاري بصيغة العموم , وهنا بذكر السّجود والرّفع والنّهوض من الرّكعتين فقط , ففيه إشعارٌ بأنّ هذه المواضع الثّلاثة هي التي كان ترك التّكبير فيها حتّى تذكّرها عمران بصلاة عليٍّ.
قوله: (وإذا نهض من الرّكعتين كبّر) ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المُصلِّي يشرع في التّكبير أو غيره عند ابتداء الخفض أو الرّفع.
إلاَّ أنّه اختلف عن مالك في القيام إلى الثّالثة من التّشهّد الأوّل.
فروى في " الموطّأ " عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما , أنّهم كانوا يكبّرون في حال قيامهم، وروى ابن وهب عنه , أنّ التّكبير بعد الاستواء أولى، وفي المدوّنة: لا يكبّر حتّى يستوي قائماً.
ووجّهه بعض أتباعه: بأنّ تكبير الافتتاح يقع بعد القيام فينبغي أن يكون هذا نظيره من حيث إنّ الصّلاة فرضت أوّلاً ركعتين , ثمّ زيدت الرّباعيّة فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه.
وكان ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يستحبّ رفع اليدين حينئذٍ لتكمل المناسبة، ولا قائل منهم به (١).
стр. 722
قوله: (قد ذكّرني) بتشديد الكاف وفتح الرّاء.
وفيه إشارةٌ إلى أنّ التّكبير الذي ذكره كان قد ترك، وقد روى أحمد والطّحاويّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي موسى الأشعريّ قال: ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنّا نُصلِّيها مع رسول الله ﷺ . إمّا نسيناها , وإمّا تركناها عمداً.
ولأحمد من وجهٍ آخر عن مطرّفٍ قال: قلنا - يعني لعمران بن حصينٍ - يا أبا نجيدٍ - هو بالنّون والجيم مصغّرٌ - مَن أوّل مَن ترك التّكبير؟ قال: عثمان بن عفّان حين كبُر وضعف صوته.
وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر.
وروى الطّبرانيّ عن أبي هريرة , أنّ أوّل من ترك التّكبير معاوية.
وروى أبو عبيدٍ , أنّ أوّل من تركه زيادٌ. وهذا لا ينافي الذي قبله , لأنّ زياداً تركه بترك معاوية، وكأنّ معاوية تركه بترك عثمان.
وقد حمل ذلك جماعةٌ من أهل العلم على الإخفاء.
ويرشّحه ما رواه البخاري عن سعيد بن الحارث قال: صلَّى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين , وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ .
لكن حكى الطّحاويّ: أنّ قوماً كانوا يتركون التّكبير في الخفض دون الرّفع. قال: وكذلك كانت بنو أُميَّة تفعل، وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر وعن بعض السّلف , أنّه كان لا يكبّر سوى تكبيرة الإحرام.
стр. 723
وفرّق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووجّهه بأنّ التّكبير شرع للإيذان بحركة الإمام فلا يحتاج إليه المنفرد. لكن استقرّ الأمر على مشروعيّة التّكبير في الخفض والرّفع لكل مصلٍّ.
القول الأول: الجمهور على ندبيّة ما عدا تكبيرة الإحرام.
القول الثاني: عن أحمد وبعض أهل العلم بالظّاهر يجب كلّه (١).
قال ناصر الدّين بن المنير: الحكمة في مشروعيّة التّكبير في الخفض والرّفع. أنّ المكلف أمر بالنّيّة أوّل الصّلاة مقرونةً بالتّكبير، وكان من حقّه أن يستصحب النّيّة إلى آخر الصّلاة، فأمر أن يجدّد العهد في أثنائها بالتّكبير الذي هو شعار النّيّة. (٢)
قوله: (أو قال) هو شكٌّ من أحد رواته، ويحتمل: أن يكون من حمّاد بن زيد. فقد رواه أحمد من رواية سعيد بن أبي عروبة عن غيلان عن مطرف بلفظ " صلَّى بنا هذا مثل صلاة رسول الله ﷺ " ولَم يشكّ.
стр. 724
وفي رواية قتادة عن مطرّفٍ قال عمران: ما صليت منذ حينٍ أو منذ كذا وكذا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذه الصّلاة.
قال ابن بطّالٍ: ترك النّكير على من ترك التّكبير يدلّ على أنّ السّلف لَم يتلقّوه على أنّه ركنٌ من الصّلاة.
وأشار الطّحاويّ. إلى أنّ الإجماع استقرّ على أنّ من تركه فصلاته تامّةٌ.
وفيه نظرٌ. لِمَا تقدّم عن أحمد، والخلاف في بطلان الصّلاة بتركه ثابتٌ في مذهب مالكٍ إلاَّ أن يريد إجماعاً سابقاً.
стр. 725
الحديث الثالث والأربعون
٩٢ - عن البراء بن عازبٍ ﵁ , قال: رمقْتُ (١) الصّلاة مع محمّدٍ ﷺ فوجدت قيامه , فركعته فاعتداله بعد ركوعه , فسجدته , فجلسته بين السّجدتين , فسجدته فجلسته ما بين التّسليم والانصراف , قريباً من السّواء. (٢)
وفي رواية البخاريّ: ما خلا القيام والقعود قريباً من السّواء. (٣)
قوله: (فوجدت قيامه) كذا لمسلم , وحكى ابن دقيق العيد عن بعض العلماء , أنّه نسب هذه الرّواية إلى الوهم ثمّ استبعده , لأنّ توهيم الرّاوي الثّقة على خلاف الأصل، ثمّ قال في آخر كلامه: فلينظر ذلك من الرّوايات ويحقّق الاتّحاد أو الاختلاف من مخارج الحديث. انتهى.
وقد جمعتُ طرقَه فوجدتُ مداره على ابن أبي ليلى عن البراء، لكن الرّواية التي فيها زيادة ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميدٍ عنه، ولَم يذكره الحَكَم بن عُتيبة عنه.
وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك، إلاَّ ما زاده بعض الرّواة عن
стр. 726
شعبة عن الحكم من قوله " ما خلا القيام والقعود " وإذا جمع بين الرّوايتين ظهر من الأخذ بالزّيادة فيهما أنّ المراد بالقيام المستثنى القيام للقراءة، وكذا القعود والمراد به القعود للتّشهّد.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدلّ على أنّ الاعتدال ركن طويل.
وحديث أنس (١) أصرح في الدّلالة على ذلك، بل هو نصّ فيه فلا ينبغي العدول عنه لدليلٍ ضعيف. وهو قولهم: لَم يسنّ فيه تكرير التّسبيحات كالرّكوع والسّجود.
ووجَّه ضعفه أنّه قياس في مقابلة النّصّ وهو فاسد، وأيضاً فالذّكر المشروع في الاعتدال أطول من الذّكر المشروع في الرّكوع، فتكرير سبحان ربّي العظيم ثلاثاً يجيء قدر قوله: اللهمّ ربّنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه.
وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول. كما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى وأبي سعيد الخدريّ وعبد الله بن عبّاسٍ بعد قوله " حمداً كثيراً طيّباً " ملء السّموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ".
زاد في حديث ابن أبي أوفى " اللهمّ طهّرني بالثّلج .. إلخ " وزاد في حديث الآخرين " أهل الثّناء والمجد إلخ ".
وقد جاء في البخاري. أنَّ النّبيّ ﷺ ترك الإنكار على من زاد في
стр. 727
الاعتدال ذِكْراً غير مأثور (١)، ومن ثَمَّ اختار النّوويّ جواز تطويل الرّكن القصير بالذّكر خلافاً للمرجّح في المذهب.
واستدل لذلك أيضاً بحديث حذيفة في مسلم , أنّه ﷺ قرأ في ركعة بالبقرة أو غيرها ثمّ ركع نحواً ممّا قرأ , ثمّ قام بعد أن قال: ربّنا لك الحمد. قياماً طويلاً قريباً ممّا ركع.
قال النّوويّ: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى جواز الإطالة بالذّكر.
وقد أشار الشّافعيّ في الأمّ إلى عدم البطلان , فقال في ترجمة " كيف القيام من الرّكوع ": ولو أطال القيام بذكر الله أو يدعو أو ساهياً وهو لا ينوي به القنوت , كرهتُ له ذلك ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك.
فالعجب ممّن يصحّح مع هذا بطلان الصّلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيههم ذلك أنّه إذا أطيل انتفت الموالاة , معترض بأنّ معنى الموالاة أن لا يتخلَّل فصْلٌ طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشّرع لا يصحّ نفي كونه منها، والله أعلم
وأجاب بعضهم عن حديث البراء: أنّ المراد بقوله " قريباً من
стр. 728
السّواء " ليس أنّه كان يركع بقدر قيامه وكذا السّجود والاعتدال بل المراد أنّ صلاته كانت قريباً معتدلة , فكان إذا أطال القراءة أطال بقيّة الأركان , وإذا أخفّها أخفّ بقيّة الأركان.
فقد ثبت أنّه قرأ في الصّبح بالصّافّات (١) , وثبت في السّنن عن أنس , أنّهم حزروا في السّجود قدر عشر تسبيحات , فيُحمل على أنّه قرأ بدون الصّافّات اقتصر على دون العشر، وأقلّه كما ورد في السّنن أيضاً ثلاث تسبيحات.
قوله: (ما خلا القيام والقعود) بالنّصب فيهما.
قيل: المراد بالقيام الاعتدال وبالقعود الجلوس بين السّجدتين، وجزم به بعضهم , وتمسّك به في أنّ الاعتدال والجلوس بين السّجدتين لا يطوّلان.
وردّه ابن القيّم في كلامه على حاشية السّنن , فقال: هذا سوء فهم من قائله، لأنّه قد ذكرهما بعينهما فكيف يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل. جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلَّا زيداً وعمراً، فإنّه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضاً. انتهى.
وتعقّب: بأنّ المراد بذكرها إدخالها في الطّمأنينة. وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة.
وقال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله " قريباً من السّواء " أنّ
стр. 729
كلّ ركن قريب من مثله، فالقيام الأوّل قريب من الثّاني والرّكوع في الأولى قريب من الثّانية، والمراد بالقيام والقعود اللذين استثنيا الاعتدال والجلوس بين السّجدتين ولا يخفى تكلّفه.
واستدل بظاهره على أنّ الاعتدال ركنٌ طويلٌ , ولا سيّما قوله في حديث أنس: حتّى يقول القائل قد نسي. وفي الجواب عنه تعسّف. والله أعلم.
وقيل: المراد بالقيام والقعود. القيام للقراءة والجلوس للتّشهّد , لأنّ القيام للقراءة أطول من جميع الأركان في الغالب.
واستدل به على تطويل الاعتدال والجلوس بين السّجدتين , وسيأتي في الحديث بعده
стр. 730
الحديث الرابع والأربعون
٩٣ - عن ثابتٍ البنانيّ عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: إنّي لا آلو أنْ أُصلِّي بكم كما كان رسول الله ﷺ يُصلِّي بنا.
قال ثابتٌ: فكان أنسٌ يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه. كان إذا رفع رأسه من الرّكوع , انتصب قائماً حتّى يقول القائل: قد نسي , وإذا رفع رأسه من السّجدة مكث , حتّى يقول القائل: قد نسي (١).
قوله: (لا آلو) بهمزةٍ ممدودة بعد حرف النّفي ولام مضمومة بعدها واو خفيفة , أي: لا أقصّر
قوله: (أنْ أُصلِّي بكم كما كان رسول الله ﷺ يُصلِّي بنا) وللبخاري من رواية شعبة عن ثابت " كان أنس ينعَت لنا صلاة النبي ﷺ فكان يصلي .. " وينعت: بفتح المهملة، أي يصف.
وهذا الحديث ساقه شعبة عن ثابت مختصراً، ورواه عنه حماد بن زيد مطولاً. فقال في أوله " عن أنس قال: إني لا آلو أن أُصلِّي بكم كما رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي بنا " فصرَّح بوصف أنس لصلاة النبي ﷺ بالفعل.
قوله: (قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه) فيه إشعار بأنّ من خاطبهم كانوا لا يطيلون الجلوس بين السّجدتين،
стр. 731
ولكنّ السّنّة إذا ثبتت لا يبالي من تمسّك بها بمخالفة من خالفها.
قوله: (حتّى نقول) بالنّصب.
قوله: (قد نسي) أي: نسي وجوب الهويّ إلى السّجود , قاله الكرمانيّ.
ويحتمل: أن يكون المراد أنّه نسي أنّه في صلاة، أو ظنّ أنّه وقت القنوت حيث كان معتدلاً , أو وقت التّشهّد حيث كان جالساً.
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق غندر عن شعبة عن ثابت , قلنا: قد نسي من طول القيام. أي: لأجل طول قيامه (١)
стр. 732
الحديث الخامس والأربعون
٩٤ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: ما صليتُ خلف إمامٍ قطّ أخفّ صلاةً. ولا أتمّ صلاةً من النّبيّ ﷺ . (١)
قوله: (ما صليت خلف إمام قط .. الخ) وللبخاري " كان النبي ﷺ يوجز الصلاة ويكملها " المراد بالإيجاز مع الإكمال الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض.
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي مجلز , قال: كانوا - أي الصحابة - يُتمّون ويُوجزون ويُبادرون الوسوسة. فبيَّن العلة في تخفيفهم.
أما تخفيف النبي ﷺ لَم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة , بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضيه كبكاء صبي.
تكميلٌ: زاد البخاري " وإنْ كان ليسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتن أمه " وفي رواية لهما عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي، فأخفف من شدة وجْدِ أمه به.
واستدل بهذا الحديث على جواز إدخال الصّبيان المساجد.
стр. 733
وفيه نظرٌ. لاحتمال أن يكون الصّبيّ كان مخلفاً في بيتٍ يقرب من المسجد بحيث يُسمع بكاؤه ".
وعلى جواز صلاة النّساء في الجماعة مع الرّجال، وفيه شفقة النّبيّ ﷺ على أصحابه، ومراعاة أحوال الكبير منهم والصّغير.
وقد بيّن مسلم في رواية ثابتٍ عن أنسٍ محلّ التّخفيف. ولفظه " فيقرأ بالسّورة القصيرة ".
وبيّن ابن أبي شيبة من طريق عبد الرّحمن بن سابط مقدارها , ولفظه " أنّه ﷺ قرأ في الرّكعة الأولى بسورةٍ طويلةٍ فسمع بكاءَ صبيٍّ فقرأ بالثّانية بثلاث آيات " وهذا مرسل.
قال ابن بطّال: احتجّ به مَن قال: يجوز للإمام إطالة الرّكوع إذا سمع بحسّ داخلٍ ليدركه.
وتعقّبه ابن المنير: بأنّ التّخفيف نقيض التّطويل فكيف يقاس عليه؟. قال: ثمّ إنّ فيه مغايرة للمطلوب؛ لأنّ فيه إدخال مشقّة على جماعةٍ لأجل واحد. انتهى
ويمكن أن يقال: محلّ ذلك مالم يشقّ على الجماعة، وبذلك قيّده أحمد وإسحاق وأبو ثور، وما ذكره ابن بطّال سبقه إليه الخطّابيّ , ووجّهه بأنّه إذا جاز التّخفيف لحاجةٍ من حاجات الدّنيا كان التّطويل لحاجةٍ من حاجات الدّين أجوز.
وتعقّبه القرطبيّ: بأنّ في التّطويل هنا زيادة عملٍ في الصّلاة غير مطلوب، بخلاف التّخفيف فإنّه مطلوب. انتهى.
стр. 734
وفي هذه المسألة خلاف عند الشّافعيّة وتفصيل.
القول الأول: أطلق النّوويّ عن المذهب استحباب ذلك.
القول الثاني: في التّجريد للمحامليّ نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعيّ ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف.
القول الثالث: قال محمّد بن الحسن: أخشى أن يكون شركاً.
стр. 735
الحديث السادس والأربعون
٩٥ - عن أبي قلابة عبد الله بن زيدٍ الجرميّ البصريّ , قال: جاءنا مالك بن الحويرث ﵁ في مسجدنا هذا , فقال: إنّي لأُصلّي بكم , وما أريد الصّلاة , أُصلّي كيف رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي.
فقلت لأبي قلابة: كيف كان يُصلِّي؟ فقال: مثل صلاةِ شيخِنا هذا , وكان يجلس إذا رفع رأسه من السّجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى. (١)
قال المصنِّف: أراد بشيخهم. أبا يزيد، عمرو بن سلمة الجرميّ.
قوله: (جاءنا مالك بن الحويرث) بمهملة ومثلثة مُصغَّر. ابن حشيش - بمهملة ومعجمتين - وزن عظيم، ويقال: ابن أشيم بمعجمة. وزن أحمر. من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. حجازي سكن البصرة , ومات بها سنة أربعة وسبعين - بتقديم السين - على الصواب.
قوله: (إنّي لأصلي بكم وما أريد الصّلاة) استشكل نفي هذه الإرادة لِمَا يلزم عليها من وجود صلاة غير قربةٍ. ومثلها لا يصحّ.
стр. 736
وأجيب: بأنّه لَم يرد نفي القربة , وإنّما أراد بيان السّبب الباعث له على الصّلاة في غير وقت صلاة معيّنة جماعةً، وكأنّه قال: ليس الباعث لي على هذا الفعل حضور صلاة معيّنةٍ من أداء أو إعادة أو غير ذلك، وإنّما الباعث لي عليه قصد التّعليم، وكأنّه كان تعيّن عليه حينئذٍ لأنّه أحد من خوطب بقوله " صلّوا كما رأيتموني أصلي "، ورأى أنّ التّعليم بالفعل أوضح من القول، ففيه دليل على جواز مثل ذلك , وأنّه ليس من باب التّشريك في العبادة.
قوله: (أُصلي) وللبخاري من رواية وهيب عن أيوب عن أبي قلابة: ولكنّي أريد أن أريكم. وللبخاري , قال. أي أبو قلابة: وذلك في غير حين صلاة. أي: غير وقت صلاة من المفروضة , ويتعيّن حمله على ذلك حتّى لا يدخل فيه أوقات المنع من النّافلة لتنزيه الصّحابيّ عن التّنفّل حينئذٍ، وليس في اليوم والليلة وقتٌ أجمع على أنّه غير وقت لصلاةٍ من الخمس إلاَّ من طلوع الشّمس إلى زوالها.
قوله: (مثل شيخنا) هو عمرو بن سلمة الجرمي.
واختلف في ضبط كُنيته، ووقع في البخاري للأكثر " يزيد " بالتّحتانيّة والزّاي، وعند الحمويّ وكريمة " بريد " بالموحّدة والرّاء مصغّراً , وكذا ضبطه مسلم في الكنى.
وقال عبد الغنيّ بن سعيد: لَم أسمعه من أحد إلاَّ بالزّاي لكن مسلم أعلم. والله أعلم
قوله: (وكان يجلس إذا رفع رأسه من السّجود قبل أن ينهض)
стр. 737
وللبخاري من رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث , أنه رأى النبي ﷺ يُصلِّي، فإذا كان في وتر من صلاته لَم ينهض حتّى يستوي قاعداً.
وفيه مشروعيّة جلسة الاستراحة.
القول الأول: أخذ بها الشّافعيّ وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال: أنّ أحمد رجع إلى القول بها.
القول الثاني: لَم يستحبّها الأكثر.
واحتجّ الطّحاويّ بخلوّ حديث أبي حميدٍ (١) عنها , فإنّه ساقه بلفظ " فقام , ولَم يتورّك " وأخرجه أبو داود (٢) أيضاً كذلك , قال: فلمّا تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلةٍ كانت به فقعد لأجلها لا أنّ ذلك من سنّة الصّلاة، ثمّ قوّى ذلك بأنّها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.
وتعقّب: بأنّ الأصل عدم العلة , وبأنّ مالك بن الحويرث هو راوي حديث " صلّوا كما رأيتموني أصلي " فحكايته لصفات صلاة
стр. 738
رسول الله ﷺ داخلة تحت هذا الأمر. ويستدلّ بحديث أبي حميدٍ المذكور على عدم وجوبها فكأنّه تركها لبيان الجواز.
وتمسّك من لَم يقل باستحبابها بقوله ﷺ : لا تبادروني بالقيام والقعود، فإنّي قد بدّنت (١). فدلَّ على أنّه كان يفعلها لهذا السّبب، فلا يشرع إلاَّ في حقّ من اتّفق له نحو ذلك.
وأمّا الذّكر المخصوص , فإنّها جلسة خفيفة جدّاً استغني فيها بالتّكبير المشروع للقيام، فإنّها من جملة النّهوض إلى القيام، ومن حيث المعنى. أنّ السّاجد يضع يديه وركبتيه ورأسه مميّزاً لكل عضو وضع، فكذا ينبغي إذا رفع رأسه ويديه أن يميّز رفع ركبتيه، وإنّما يتمّ ذلك بأن يجلس ثمّ ينهض قائماً، نبّه عليه ناصر الدّين بن المنير في الحاشية.
ولَم تتّفق الرّوايات عن أبي حميدٍ على نفي هذه الجلسة كما يفهمه صنيع الطّحاويّ، بل أخرجه أبو داود أيضاً من وجه آخر عنه بإثباتها.
وأمّا قول بعضهم: لو كانت سنّة لذكرها كلّ من وصف صلاته، فيقوّي أنّه فعلها للحاجة ففيه نظرٌ، فإنّ السّنن المتّفق عليها لَم يستوعبها كلّ واحد ممّن وصف، وإنّما أخذ مجموعها عن مجموعهم.
تكميلٌ: زاد البخاري في رواية: قال أيوب: وكان ذلك الشيخ
стр. 739
يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام.
وفيه الاعتماد على الأرض عند القيام من السّجود أو الجلوس.
وروي بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور بإسنادٍ ضعيف عن أبي هريرة , أنّه ﷺ كان ينهض على صدور قدميه، وعن ابن مسعود مثله بإسنادٍ صحيحٍ، وعن إبراهيم , أنّه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض.
قال الكرمانيّ: بيان الكيفيّة مستفاد من قوله " جلس واعتمد على الأرض , ثمّ قام " فكأنّه يقوم معتمداً عن جلوسٍ لا عن سجود.
وقيل: يستفاد من الاعتماد أنّه يكون باليد لأنّه افتعال من العماد والمراد به الاتّكاء وهو باليد.
وروى عبد الرّزّاق عن ابن عمر , أنّه كان يقوم إذا رفع رأسه من السّجدة معتمداً على يديه قبل أن يرفعهما.
стр. 740
الحديث السابع والأربعون
٩٦ - عن عبد الله بن مالكٍ بن بحينة ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صلَّى فرّج بين يديه , حتّى يبدو بياض إبطيه. (١)
قوله: (عبد الله بن مالكٍ بن بحينة) وهو عبد الله بن مالك بن القشب - بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحّدةٌ - وهو لقب , واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله.
قال ابن سعد: قدم مالك بن القشب مكّة - يعني في الجاهليّة - فحالف بني المطّلب بن عبد منافٍ , وتزوّج بحينة بنت الحارث بن المطّلب واسمها عبدة، وبحينة لقبٌ، وأدركتْ بحينة الإسلام فأسلمتْ وصحِبَتْ، وأسلم ابنها عبد الله قديماً.
وحكى ابن عبد البرّ. اختلافاً في بحينة. هل هي أمّ عبد الله , أو أمّ مالك؟
والصّواب أنّها أمّ عبد الله، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف , ويعرب إعراب عبد الله كما في عبد الله بن أبيّ بن سلولٍ ومحمّد بن عليّ ابن الحنفيّة.
قوله: (فرّج بين يديه) أي: نحّى كلّ يد عن الجنب الذي يليها.
قال القرطبيّ: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السّجود. أنّه