وأجيب: بأنّه لَم يرد نفي القربة , وإنّما أراد بيان السّبب الباعث له على الصّلاة في غير وقت صلاة معيّنة جماعةً، وكأنّه قال: ليس الباعث لي على هذا الفعل حضور صلاة معيّنةٍ من أداء أو إعادة أو غير ذلك، وإنّما الباعث لي عليه قصد التّعليم، وكأنّه كان تعيّن عليه حينئذٍ لأنّه أحد من خوطب بقوله " صلّوا كما رأيتموني أصلي "، ورأى أنّ التّعليم بالفعل أوضح من القول، ففيه دليل على جواز مثل ذلك , وأنّه ليس من باب التّشريك في العبادة.
قوله: (أُصلي) وللبخاري من رواية وهيب عن أيوب عن أبي قلابة: ولكنّي أريد أن أريكم. وللبخاري , قال. أي أبو قلابة: وذلك في غير حين صلاة. أي: غير وقت صلاة من المفروضة , ويتعيّن حمله على ذلك حتّى لا يدخل فيه أوقات المنع من النّافلة لتنزيه الصّحابيّ عن التّنفّل حينئذٍ، وليس في اليوم والليلة وقتٌ أجمع على أنّه غير وقت لصلاةٍ من الخمس إلاَّ من طلوع الشّمس إلى زوالها.
قوله: (مثل شيخنا) هو عمرو بن سلمة الجرمي.
واختلف في ضبط كُنيته، ووقع في البخاري للأكثر " يزيد " بالتّحتانيّة والزّاي، وعند الحمويّ وكريمة " بريد " بالموحّدة والرّاء مصغّراً , وكذا ضبطه مسلم في الكنى.
وقال عبد الغنيّ بن سعيد: لَم أسمعه من أحد إلاَّ بالزّاي لكن مسلم أعلم. والله أعلم
قوله: (وكان يجلس إذا رفع رأسه من السّجود قبل أن ينهض)
стр. 737
وللبخاري من رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث , أنه رأى النبي ﷺ يُصلِّي، فإذا كان في وتر من صلاته لَم ينهض حتّى يستوي قاعداً.
وفيه مشروعيّة جلسة الاستراحة.
القول الأول: أخذ بها الشّافعيّ وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال: أنّ أحمد رجع إلى القول بها.
القول الثاني: لَم يستحبّها الأكثر.
واحتجّ الطّحاويّ بخلوّ حديث أبي حميدٍ (١) عنها , فإنّه ساقه بلفظ " فقام , ولَم يتورّك " وأخرجه أبو داود (٢) أيضاً كذلك , قال: فلمّا تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلةٍ كانت به فقعد لأجلها لا أنّ ذلك من سنّة الصّلاة، ثمّ قوّى ذلك بأنّها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.
وتعقّب: بأنّ الأصل عدم العلة , وبأنّ مالك بن الحويرث هو راوي حديث " صلّوا كما رأيتموني أصلي " فحكايته لصفات صلاة
стр. 738
رسول الله ﷺ داخلة تحت هذا الأمر. ويستدلّ بحديث أبي حميدٍ المذكور على عدم وجوبها فكأنّه تركها لبيان الجواز.
وتمسّك من لَم يقل باستحبابها بقوله ﷺ : لا تبادروني بالقيام والقعود، فإنّي قد بدّنت (١). فدلَّ على أنّه كان يفعلها لهذا السّبب، فلا يشرع إلاَّ في حقّ من اتّفق له نحو ذلك.
وأمّا الذّكر المخصوص , فإنّها جلسة خفيفة جدّاً استغني فيها بالتّكبير المشروع للقيام، فإنّها من جملة النّهوض إلى القيام، ومن حيث المعنى. أنّ السّاجد يضع يديه وركبتيه ورأسه مميّزاً لكل عضو وضع، فكذا ينبغي إذا رفع رأسه ويديه أن يميّز رفع ركبتيه، وإنّما يتمّ ذلك بأن يجلس ثمّ ينهض قائماً، نبّه عليه ناصر الدّين بن المنير في الحاشية.
ولَم تتّفق الرّوايات عن أبي حميدٍ على نفي هذه الجلسة كما يفهمه صنيع الطّحاويّ، بل أخرجه أبو داود أيضاً من وجه آخر عنه بإثباتها.
وأمّا قول بعضهم: لو كانت سنّة لذكرها كلّ من وصف صلاته، فيقوّي أنّه فعلها للحاجة ففيه نظرٌ، فإنّ السّنن المتّفق عليها لَم يستوعبها كلّ واحد ممّن وصف، وإنّما أخذ مجموعها عن مجموعهم.
تكميلٌ: زاد البخاري في رواية: قال أيوب: وكان ذلك الشيخ
стр. 739
يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام.
وفيه الاعتماد على الأرض عند القيام من السّجود أو الجلوس.
وروي بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور بإسنادٍ ضعيف عن أبي هريرة , أنّه ﷺ كان ينهض على صدور قدميه، وعن ابن مسعود مثله بإسنادٍ صحيحٍ، وعن إبراهيم , أنّه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض.
قال الكرمانيّ: بيان الكيفيّة مستفاد من قوله " جلس واعتمد على الأرض , ثمّ قام " فكأنّه يقوم معتمداً عن جلوسٍ لا عن سجود.
وقيل: يستفاد من الاعتماد أنّه يكون باليد لأنّه افتعال من العماد والمراد به الاتّكاء وهو باليد.
وروى عبد الرّزّاق عن ابن عمر , أنّه كان يقوم إذا رفع رأسه من السّجدة معتمداً على يديه قبل أن يرفعهما.
стр. 740
الحديث السابع والأربعون
٩٦ - عن عبد الله بن مالكٍ بن بحينة ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صلَّى فرّج بين يديه , حتّى يبدو بياض إبطيه. (١)
قوله: (عبد الله بن مالكٍ بن بحينة) وهو عبد الله بن مالك بن القشب - بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحّدةٌ - وهو لقب , واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله.
قال ابن سعد: قدم مالك بن القشب مكّة - يعني في الجاهليّة - فحالف بني المطّلب بن عبد منافٍ , وتزوّج بحينة بنت الحارث بن المطّلب واسمها عبدة، وبحينة لقبٌ، وأدركتْ بحينة الإسلام فأسلمتْ وصحِبَتْ، وأسلم ابنها عبد الله قديماً.
وحكى ابن عبد البرّ. اختلافاً في بحينة. هل هي أمّ عبد الله , أو أمّ مالك؟
والصّواب أنّها أمّ عبد الله، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف , ويعرب إعراب عبد الله كما في عبد الله بن أبيّ بن سلولٍ ومحمّد بن عليّ ابن الحنفيّة.
قوله: (فرّج بين يديه) أي: نحّى كلّ يد عن الجنب الذي يليها.
قال القرطبيّ: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السّجود. أنّه
стр. 741
يخفّ بها اعتماده عن وجهه ولا يتأثّر أنفه ولا جبهته، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض.
وقال غيره: هو أشبه بالتّواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض. مع مغايرته لهيئة الكسلان.
وقال ناصر الدّين بن المنير في الحاشية: الحكمة فيه أن يظهر كلّ عضو بنفسه ويتميّز حتّى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنّه عدد، ومقتضى هذا أن يستقلّ كلّ عضو بنفسه , ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضدّ ما ورد في الصّفوف من التصاق بعضهم ببعضٍ لأنّ المقصود هناك إظهار الاتّحاد بين المُصلِّين حتّى كأنّهم جسد واحد.
وروى الطّبرانيّ وغيره من حديث ابن عمر بإسنادٍ صحيح , أنّه قال: لا تفترش افتراش السّبع، وادعم على راحتيك وأَبدِ ضبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كلّ عضو منك.
ولمسلمٍ من حديث عائشة: نهى النّبيّ ﷺ أن يفترش الرّجل ذراعيه افتراش السّبع , وأخرج التّرمذيّ وحسّنه من حديث عبد الله بن أرقم: صليت مع النّبيّ ﷺ فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه إذا سجد.
ولابن خزيمة عن أبي هريرة رفعه: إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وليضمّ فخذيه، وللحاكم من حديث ابن عبّاسٍ نحو حديث عبد الله بن أرقم، وعنه عند الحاكم: كان النّبيّ ﷺ إذا سجد يُرى وضح إبطيه. وله من حديثه. ولمسلمٍ من حديث
стр. 742
البراء رفعه: إذا سجدت فضع كفّيك وارفع مرفقيك.
وهذه الأحاديث , مع حديث ميمونة عند مسلم: كان النّبيّ ﷺ يجافي يديه، فلو أنّ بهيمة أرادت أن تمرّ لَمرّت " مع حديث ابن بحينة , ظاهرها وجوب التّفريج المذكور.
لكن أخرج أبو داود ما يدلّ على أنّه للاستحباب , وهو حديث أبي هريرة: شكا أصحاب النّبيّ ﷺ له مشقّة السّجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالرّكب. وترجم له " الرّخصة في ذلك " أي: في ترك التّفريج.
قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السّجود وأعْيا.
وقد أخرج التّرمذيّ الحديث المذكور , ولَم يقع في روايته " إذا انفرجوا " فترجم له " ما جاء في الاعتماد إذا قام من السّجود ". فجعل محلّ الاستعانة بالرّكب لمن يرفع من السّجود طالباً للقيام.
واللفظ محتمل ما قال، لكنّ الزّيادة التي أخرجها أبو داود تعيّن المراد.
وقال ابن التّين: فيه دليل على أنّه لَم يكن عليه قميص لانكشاف إبطيه.
وتعقّب: باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد روى التّرمذيّ في " الشّمائل " عن أمّ سلمة قالت: كان أحبّ الثّياب إلى النّبيّ ﷺ القميص. أو أراد الرّاوي أنّ موضع بياضهما لو لَم يكن عليه
стр. 743
ثوب لرئي. قاله القرطبيّ.
واختلف في المراد بوصف إبطيه بالبياض.
فقيل: لَم يكن تحتهما شعر فكانا كلون جسده.
وقيل: لَم يكن تحت إبطيه شعر البتّة.
وفيه نظرٌ. فقد حكى المحبّ الطّبريّ في الاستسقاء من الأحكام له: أنّ من خصائصه ﷺ أنّ الإبط من جميع النّاس متغيّر اللون غيره (١).
وقيل: كان لدوام تعهّده له لا يبقى فيه شعر.
ووقع عند مسلم في حديث " حتّى رأينا عفرة إبطيه " ولا تنافي بينهما لأنّ الأعفر ما بياضه ليس بالنّاصع، وهذا شأن المغابن يكون لونها في البياض دون لون بقيّة الجسد.
واستدل بإطلاقه على استحباب التّفريج في الرّكوع أيضاً، وفيه نظرٌ , لأنّ في رواية قتيبة عن بكر بن مضر , التّقييد بالسّجود، أخرجه البخاري، والمطلق إذا استعمل في صورة اكتفي بها.
стр. 744
الحديث الثامن والأربعون
٩٧ - عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد , قال: سألت أنس بن مالكٍ , أكان النّبيّ ﷺ يُصلِّي في نعليه؟ , قال: نعم. (١)
قوله: (يُصلِّي في نعليه) تثنية نعل. وهي مؤنّثة، قال ابن الأثير: هي التي تسمّى الآن تاسومة.
وقال ابن العربيّ: النّعل لباس الأنبياء، وإنّما اتّخذ النّاس غيرها لِمَا في أرضهم من الطّين، وقد يطلق النّعل على كلّ ما يقي القدم.
قال صاحب المحكم. النّعل والنّعلة ما وقيت به القدم.
قال ابن بطّالٍ: هو محمول على ما إذا لَم يكن فيهما نجاسة، ثمّ هي من الرّخص كما قال ابن دقيق العيد لا من المستحبّات؛ لأنّ ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصّلاة، وهو - وإن كان من ملابس الزّينة - إلَّا أنّ ملامسته الأرض التي تكثر فيها النّجاسات قد تقصر عن هذه الرّتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التّحسين ومراعاة إزالة النّجاسة قدّمت الثّانية؛ لأنّها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح.
قال: إلاَّ أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمّل به فيرجع إليه , ويترك هذا النّظر.
قلت: قد روى أبو داود والحاكم من حديث شدّاد بن أوس مرفوعاً: خالفوا اليهود فإنّهم لا يصلّون في نعالهم ولا خفافهم.
стр. 745
فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة.
وورد في كون الصّلاة في النّعال من الزّينة المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف جدّاً. أورده ابن عديٍّ في " الكامل " وابن مردويه في " تفسيره " من حديث أبي هريرة , والعقيليّ من حديث أنس.
стр. 746
الحديث التاسع والأربعون
٩٨ - عن أبي قتادة الأنصاريّ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ كان يُصلِّي. وهو حاملٌ أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأَبي العاص بن الرّبيع بن عبد شمسٍ , فإذا سجد وضعها , وإذا قام حملها. (١)
قوله: (وهو حاملٌ أُمامة) المشهور في الرّوايات بالتّنوين ونصب أُمامة، وروي بالإضافة كما قرئ في قوله تعالى (إنّ الله بالغ أمره) بالوجهين.
وتخصيص الحمل في التّرجمة (٢) بكونه على العنق - مع أنّ السّياق يشمل ما هو أعمّ من ذلك - مأخوذ من طريقٍ أخرى مصرّحةٍ بذلك , وهي لمسلمٍ من طريق بكير بن الأشجّ عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة.
ورواه عبد الرّزّاق عن مالكٍ عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم. بإسناد البخاري فزاد فيه " على عاتقه ". وكذا لمسلم وغيره من طرقٍ أخرى، ولأحمد من طريق ابن جريجٍ " على رقبته ".
وأمامة: بضمّ الهمزة تخفيف الميمين , كانت صغيرةً على عهد النّبيّ
стр. 747
- ﷺ ، وتزوّجها عليٌّ بعد وفاة فاطمة بوصيّةٍ منها , ولَم تُعقِب.
قوله: (ولأبي العاص) قال الكرمانيّ: الإضافة في قوله " بنت زينب " بمعنى اللام، فأظهر في المعطوف وهو قوله " ولأبي العاص " ما هو مقدّرٌ في المعطوف عليه. انتهى.
وأشار ابن العطّار: إلى أنّ الحكمة في ذلك كون والد أُمامة كان إذ ذاك مشركاً , فنسبت إلى أمّها تنبيهاً على أنّ الولد ينسب إلى أشرف أبويه ديناً ونسباً. ثمّ بيّن أنّها من أبي العاص تبييناً لحقيقة نسبها. انتهى.
وهذا السّياق لمالكٍ وحده، وقد رواه غيره عن عامر بن عبد الله فنسبوها إلى أبيها , ثمّ بيّنوا أنّها بنت زينب. كما هو عند مسلم وغيره.
ولأحمد من طريق المقبريّ عن عمرو بن سليم " يَحمل أُمامة بنت أبي العاص , - وأمّها زينب بنت رسول الله ﷺ على عاتقه ".
قوله: (ابن الربيع بن عبد شمسٍ) كذا رواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو مصعب وغيرهم عن مالكٍ فقالوا " ابن الرّبيع " وهو الصّواب.
ورواه الجمهور. منهم عبد الله بن يوسف عند البخاري عن مالك. فقالوا " ابن ربيعة ". وغفل الكرمانيّ , فقال: خالف القومَ البخاريُّ فقال: ربيعة، وعندهم الرّبيع. والواقع أنّ من أخرجه من القوم من طريق مالكٍ كالبخاريّ فالمخالفة فيه إنّما هي من مالك.
وادّعى الأصيليّ أنّه ابن الرّبيع بن ربيعة , فنسبه مالك مرّةً إلى جدّه.
стр. 748
وردّه عياض والقرطبيّ وغيرهما لإطباق النّسّابين على خلافه.
نعم. قد نسبه مالك إلى جدّه في قوله " ابن عبد شمس " وإنّما هو ابن عبد العزّى بن عبد شمس، أطبق على ذلك النّسّابون أيضاً.
واسم أبي العاص لقيط , وقيل: مقسمٌ. وهو أثبتها عن الزبير , وقيل: القاسم , وقيل: مهشم , وقيل: هشيمٌ , وقيل: ياسر.
وهو مشهورٌ بكنيته , أسلم قبل الفتح وهاجر، وردّ عليه النّبيّ ﷺ ابنته زينب وماتت معه , وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصّدّيق.
وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة. فكان ابن أختها.
وتزوج زينبَ بنتَ رسولِ الله ﷺ قبل البعثة. وهي أكبر بنات النبي ﷺ , وقد أُسر أبو العاص ببدر مع المشركين وفدَتْه زينب فشرط عليه النبي ﷺ أن يرسلها إليه فوفَى له بذلك، ثم أُسر أبو العاص مرة أخرى فأجارتْه زينب فأسلم، فردَّها النبي ﷺ إلى نكاحه، وولدت أمامة التي كان النبي ﷺ يحملها وهو يصلي.
وولدت له أيضاً ابنا اسمه علي كان في زمن النبي ﷺ مراهقاً، فيقال إنه مات قبل وفاة النبي ﷺ ، وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة.
قوله: (فإذا سجد وضعها) كذا لمالكٍ أيضاً، ورواه مسلم أيضاً من طريق عثمان بن أبي سليمان ومحمّد بن عجلان، والنّسائيّ من طريق الزّبيديّ، وأحمد من طريق ابن جريجٍ، وابن حبّان من طريق
стр. 749
أبي العميس كلّهم (١) عن عامر بن عبد الله - شيخ مالك - فقالوا " إذا ركع وضعها ".
ولا منافاة بينهما , بل يحمل على أنّه كان يفعل ذلك في حال الرّكوع والسّجود.
ولأبي داود من طريق المقبريّ عن عمرو بن سليم " حتّى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثمّ ركع وسجد، حتّى إذا فرغ من سجوده قام وأخذها فردّها في مكانها "، وهذا صريح في أنّ فعل الحمل والوضع كان منه لا منها. بخلاف ما أوّله الخطّابيّ حيث قال:
يشبه أن تكون الصّبية كانت قد أَلِفَتْه، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها. قال: هذا وجهه عندي.
وقال ابن دقيق العيد: من المعلوم أنّ لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل؛ لأنّا نقول: فلان حمل كذا ولو كان غيره حمله، بخلاف وضع، فعلى هذا فالفعل الصّادر منه هو الوضع لا الرّفع فيقلّ العمل.
قال: وقد كنت أحسب هذا حسناً. إلى أنْ رأيت في بعض طرقه الصّحيحة " فإذا قام أعادها ".
قلت: وهي روايةٌ لمسلمٍ. ورواية أبي داود التي قدّمناها أصرح في
стр. 750
ذلك. وهي " ثمّ أخذها فردّها في مكانها " ولأحمد من طريق ابن جريجٍ " وإذا قام حملها فوضعها على رقبته ".
قال القرطبيّ: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنّه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالكٍ أنّه كان في النّافلة، وهو تأويلٌ بعيدٌ، فإنّ ظاهر الأحاديث أنّه كان في فريضة.
وسبقه إلى استبعاد ذلك المازريّ وعياض، لِمَا ثبت في مسلم " رأيت النّبيّ ﷺ يؤمّ النّاس. وأمامة على عاتقه ".
قال المازريّ: إمامته بالنّاس في النّافلة ليست بمعهودةٍ. ولأبي داود " بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظّهر أو العصر , وقد دعاه بلال إلى الصّلاة إذ خرج علينا وأمامة على عاتقه , فقام في مصلاه فقمنا خلفه , فكبّر فكبّرنا وهي في مكانها.
وعند الزّبير بن بكّارٍ وتبعه السّهيليّ الصّبح , ووهم من عزاه للصّحيحين.
قال القرطبيّ: وروى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالكٍ , أنّ ذلك للضّرورة حيث لَم يجد من يكفيه أمرها. انتهى.
وقال بعض أصحابه: لأنّه لو تركها لبكت وشغلت سرّه في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفرّق بعض أصحابه بين الفريضة والنّافلة.
وقال الباجيّ: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النّافلة دون الفريضة، وإن لَم يجد جاز فيهما.
стр. 751
قال القرطبيّ: وروى عبد الله بن يوسف التّنّيسيّ عن مالكٍ , أنّ الحديث منسوخ.
قلت: روى ذلك الإسماعيليّ عقب روايته للحديث من طريقه، لكنّه غير صريح. ولفظه: قال التّنّيسيّ قال مالك: من حديث النّبيّ ﷺ ناسخ ومنسوخ , وليس العمل على هذا.
وقال ابن عبد البرّ: لعله نسخ بتحريم العمل في الصّلاة.
وتُعقّب: بأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال , وبأنّ هذه القصّة كانت بعد قوله ﷺ " إنّ في الصّلاة لشغلاً "؛ لأنّ ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصّة كانت بعد الهجرة قطعاً بمدّةٍ مديدةٍ.
وذكر عياض عن بعضهم , أنّ ذلك كان من خصائصه ﷺ لكونه كان معصوماً من أن تبول وهو حاملها، وردّ بأنّ الأصل عدم الاختصاص , وبأنّه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.
وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنّه عملٌ غير متوالٍ لوجود الطّمأنينة في أركان صلاته.
وقال النّوويّ: ادّعى بعض المالكيّة أنّ هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنّه من الخصائص، وبعضهم أنّه كان لضرورة. وكلّ ذلك دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشّرع؛ لأنّ الآدميّ طاهر، وما في جوفه معفوّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطّهارة حتّى تتبيّن النّجاسة
стр. 752
والأعمال في الصّلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرّقت، ودلائل الشّرع متظاهرة على ذلك , وإنّما فعل النّبيّ ﷺ ذلك لبيان الجواز.
وقال الفاكهانيّ: وكأنّ السّرّ في حمله أُمامة في الصّلاة دفعاً لِمَا كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهنّ، فخالفهم في ذلك حتّى في الصّلاة للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول.
واستدل به على ترجيح العمل بالأصل على الغالب كما أشار إليه الشّافعيّ. ولابن دقيق العيد هنا بحث من جهة أنّ حكايات الأحوال لا عموم لها.
وعلى جواز إدخال الصّبيان في المساجد , وعلى أنّ لمس الصّغار الصّبايا غير مؤثّرٍ في الطّهارة، ويحتمل: أن يفرّق بين ذوات المحارم وغيرهنّ.
وعلى صحّة صلاة من حمل آدميّاً، وكذا من حمل حيواناً طاهراً. وللشّافعيّة تفصيل بين المستجمر وغيره.
وقد يجاب عن هذه القصّة: بأنّها واقعة حالٍ فيحتمل أن تكون أُمامة كانت حينئذٍ قد غسلت، كما يحتمل أنّه كان ﷺ يمسّها بحائلٍ.
وفيه تواضعه ﷺ ، وشفقته على الأطفال، وإكرامه لهم جبراً لهم ولوالديهم.
واستنبط منه بعضهم عظم قدر رحمة الولد لأنّه تعارض حينئذٍ المحافظة على المبالغة في الخشوع والمحافظة على مراعاة خاطر الولد
стр. 753
فقدّم الثّاني.
ويحتمل: أن يكون ﷺ إنّما فعل ذلك لبيان الجواز.
стр. 754
الحديث الخمسون
٩٩ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , عن النّبيّ ﷺ , قال: اعتدلوا في السّجود , ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب. (١)
قوله: (اعتدلوا) أي: كونوا متوسّطين بين الافتراش والقبض.
وقال ابن دقيق العيد: لعل المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السّجود على وفق الأمر، لأنّ الاعتدال الحسّيّ المطلوب في الرّكوع لا يتأتّى هنا، فإنّه هناك استواء الظّهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي.
قال: وقد ذكر الحكمَ هنا مقروناً بعلته، فإنّ التّشبيه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصّلاة. انتهى.
والهيئة المنهيّ عنها أيضاً مشعرة بالتّهاون وقلة الاعتناء بالصّلاة.
قوله: (ولا يبسط) وللبخاري " ولا ينبسط " كذا للأكثر بنونٍ ساكنة قبل الموحّدة. وللحمويّ " يبتسط " بمثنّاةٍ بعد موحّدة، وفي رواية ابن عساكر بموحّدة ساكنة فقط. وعليها اقتصر العمدة.
قوله: (انبساط) بالنّون في الأولى والثّالثة وبالمثنّاة. وهي ظاهرة , والثّالثة تقديرها. ولا يبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب.
وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ " ولا
стр. 755
يفترش " بدل ينبسط. يجوز في يفترش الجزم على النهي. والرفع على النفي وهو بمعنى النهي.
وروى أحمد والتّرمذيّ وابن خزيمة من حديث جابر نحوه بلفظ " إذا سجد أحدكم فليعتدل , ولا يفترش ذراعيه " الحديث، ولمسلمٍ عن عائشة نحوه. (١)
стр. 756
باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود
الحديث الواحد والخمسون
١٠٠ - عن أبي هريرة ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ دخل المسجد , فدخل رجلٌ فصلَّى , ثمّ جاء فسلَّم على النّبيّ ﷺ , فقال: ارجع فصلِّ , فإنّك لَم تصلِّ فرجع فصلَّى كما صلَّى , ثمّ جاء فسلَّم على النّبيّ ﷺ , فقال: ارجع فصلِّ , فإنّك لَم تصلِّ. ثلاثاً , فقال: والذي بعثك بالحقّ لا أحسن غيره فعلّمني , فقال: إذا قمت إلى الصّلاة فكبّر , ثمّ اقرأ ما تيسّر من القرآن , ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعاً , ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائماً , ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجداً , ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالساً. وافعل ذلك في صلاتك كلها. (١)
قوله: (عن أبي هريرة) قال الدّارقطنيّ: خالف يحيى القطّان (٢) أصحابَ عبيد الله كلّهم في هذا الإسناد، فإنّهم لَم يقولوا عن أبيه؛ ويحيى حافظٌ قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدّث به على الوجهين.
وقال البزّار: لَم يتابع يحيى عليه، ورجّح التّرمذيّ رواية يحيى.
قلت: لكلٍّ من الرّوايتين وجهٌ مرجّح، أمّا رواية يحيى فللزّيادة من
стр. 757
الحافظ، وأمّا الرّواية الأخرى فللكثرة، ولأنّ سعيداً لَم يوصف بالتّدليس. وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين.
فأخرج البخاري طريق يحيى هنا (١) , وفي " باب وجوب القراءة ".
وأخرج في " الاستئذان " طريق عبد الله بن نمير , وفي " الأيمان والنذور " طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله. ليس فيه عن أبيه , وأخرجه مسلم من رواية الثّلاثة.
وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة.
أخرجها أبو داود والنّسائيّ من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمرو ومحمّد بن عجلان وداود بن قيس كلّهم عن عليّ بن يحيى بن خلاد بن رافع الزّرقيّ عن أبيه عن عمّه رفاعة بن رافع، فمنهم من لَم يسمّ رفاعة قال " عن عمّ له بدريّ ". ومنهم من لَم يقل عن أبيه.
ورواه النّسائيّ والتّرمذيّ من طريق يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن جدّه عن رفاعة , لكن لَم يقل التّرمذيّ عن أبيه.
وفيه اختلاف آخر نذكره قريباً.
قوله: (فدخل رجل) في رواية ابن نمير " ورسول الله ﷺ جالسٌ
стр. 758
في ناحية المسجد " , وللنّسائيّ من رواية إسحاق بن أبي طلحة " بينما رسول الله ﷺ جالس , ونحن حوله ".
وهذا الرّجل. هو خلاد بن رافع جدّ عليّ بن يحيى راوي الخبر، بيّنه ابن أبي شيبة عن عبّاد بن العوّام عن محمّد بن عمرو عن عليّ بن يحيى عن رفاعة , أنّ خلاداً دخل المسجد ".
وروى أبو موسى في " الذّيل " من جهة ابن عيينة عن ابن عجلان عن عليّ بن يحيى بن عبد الله بن خلاد عن أبيه عن جدّه , أنّه دخل المسجد. انتهى.
وفيه أمران:
الأول: زيادة عبد الله في نسب عليّ بن يحيى.
الثاني: جعل الحديث من رواية خلاد جدّ عليّ.
فأمّا الأوّل: فوهْمٌ من الرّاوي عن ابن عيينة.
وأمّا الثّاني: فمن ابن عيينة , لأنّ سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك , لكن بإسقاط عبد الله، والمحفوظ أنّه من حديث رفاعة، كذلك أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد القطّان , وابن أبي شيبة عن أبي خالد. الأحمر كلاهما عن محمّد بن عجلان.
وأمّا ما وقع عند التّرمذيّ " إذ جاء رجلٌ كالبدويّ فصلَّى فأخفّ صلاته " فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد , لأنّ رفاعة شبّهه بالبدويّ لكونه أخفّ الصّلاة أو لغير ذلك.
قوله: (فصلَّى) زاد النّسائيّ من رواية داود بن قيس " ركعتين "
стр. 759
وفيه إشعار بأنّه صلَّى نفلاً. والأقرب أنّها تحيّة المسجد، وفي الرّواية المذكورة " وقد كان النّبيّ ﷺ يرمقه في صلاته " زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة " ولا ندري ما يعيب منها ".
وعند ابن أبي شيبة من رواية أبي خالد " يرمقه ونحن لا نشعر " , وهذا محمول على حالهم في المرّة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله كأنّه قال: ولا نشعر بما يعيب منها.
قوله: (ثمّ جاء فسلَّم) في رواية أبي أسامة " فجاء فسلم " وهي أولى , لأنّه لَم يكن بين صلاته ومجيئه تراخٍ.
قوله: (فردّ النّبيّ ﷺ ) في رواية مسلم , وكذا في رواية ابن نمير عند البخاري " فقال: " وعليك السّلام ".
وفي هذا تعقّبٌ على ابن المنير حيث قال فيه: إنّ الموعظة في وقت الحاجة أهمّ من ردّ السّلام، ولأنّه لعله لَم يردّ ﵇ تأديباً على جهله , فيؤخذ منه التّأديب بالهجر وترك السّلام. انتهى.
والذي وقفنا عليه من نسخ الصّحيحين ثبوت الرّدّ في هذا الموضع وغيره، إلاَّ الذي في الأيمان والنّذور , وقد ساق الحديث صاحب " العمدة " بلفظ الباب إلاَّ أنّه حذف منه: فردّ النّبيّ ﷺ .
فلعل ابن المنير اعتمد على النّسخة التي اعتمد عليها صاحب العمدة.
قوله: (ارجع) في رواية ابن عجلان فقال: أعد صلاتك.
قوله: (فإنّك لَم تصلّ) قال عياض: فيه أنّ أفعال الجاهل في
стр. 760
العبادة على غير علم لا تجزئ، وهو مبنيّ على أنّ المراد بالنّفي نفي الإجزاء وهو الظّاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسّك بأنّه ﷺ لَم يأمره بعد التّعليم بالإعادة. فدلَّ على إجزائها وإلا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكيّة. وهو المُهلَّب ومن تبعه.
وفيه نظر , لأنّه ﷺ قد أمره في المرّة الأخيرة بالإعادة، فسأله التّعليم فعلمه، فكأنّه قال له أعد صلاتك على هذه الكيفيّة، أشار إلى ذلك ابن المنير.
قوله: (ثلاثاً) في رواية ابن نمير " فقال في الثّالثة أو في التي بعدها " وفي رواية أبي أسامة " فقال في الثّانية أو الثّالثة ".
وتترجّح الأولى لعدم وقوع الشّكّ فيها , ولكونه ﷺ كان من عادته استعمال الثّلاث في تعليمه غالباً.
قوله: (فعلّمني) في رواية يحيى بن عليّ (١) " فقال الرّجل: فأرني وعلّمني , فإنّما أنا بشر أصيب وأخطئ فقال: أجل.
قوله: (إذا قمت إلى الصّلاة فكبّر) في رواية ابن نمير " إذا قمت إلى الصّلاة فأسبغ الوضوء , ثمّ استقبل القبلة فكبّر " , وفي رواية يحيى
стр. 761
بن عليّ " فتوضّأ كما أمرك الله ثمّ تشهّد وأقم ".
وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النّسائيّ " إنّها لَم تتمّ صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله , فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين ثمّ يكبّر الله ويحمده ويمجّده " , وعند أبي داود " ويثني عليه " بدل ويمجّده.
قوله: (ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن) لَم تختلف الرّوايات في هذا عن أبي هريرة.
وأمّا رفاعة ففي رواية إسحاق المذكورة " ويقرأ ما تيسّر من القرآن ممّا علمه الله " , وفي رواية يحيى بن عليّ " فإن كان معك قرآن فاقرأ , وإلا فاحمد الله وكبّره وهلله ". وفي رواية محمّد بن عمرو عند أبي داود " ثمّ اقرأ بأمّ القرآن , أو بما شاء الله ".
ولأحمد وابن حبّان من هذا الوجه " ثمّ اقرأ بأمّ القرآن , ثمّ اقرأ بما شئت " ترجم له ابن حبّان بباب (فرض المُصلِّي قراءة فاتحة الكتاب في كلّ ركعة).
قوله: (حتّى تطمئنّ راكعاً) في رواية أحمد هذه القريبة " فإذا ركعتَ فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك وتمكّن لركوعك " , وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة " ثمّ يكبّر فيركع حتّى تطمئنّ مفاصله ويسترخي "
قوله: (حتّى تعتدل قائماً) في رواية ابن نمير عند ابن ماجه " حتّى تطمئنّ قائماً " أخرجه ابن أبي شيبة عنه، وقد أخرج مسلم إسناده
стр. 762
بعينه في هذا الحديث , لكن لَم يسق لفظه فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن أبي أسامة، وهو في " مستخرج " أبي نعيمٍ من طريقه، وكذا أخرجه السّرّاج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاريّ عن أبي أسامة.
فثبَتَ ذكر الطّمأنينة في الاعتدال على شرط الشّيخين. ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبّان، وفي لفظ لأحمد " فأقم صلبك حتّى ترجع العظام إلى مفاصلها ".
وعُرف بهذا أنّ قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها - أي الطّمأنينة في الرّفع من الرّكوع - شيء لأنّها لَم تذكر في حديث المسيء صلاته، دالٌّ على أنّه لَم يقف على هذه الطّرق الصّحيحة.
قوله: (ثمّ اسجد) في رواية إسحاق بن أبي طلحة " ثمّ يكبّر فيسجد حتّى يمكّن وجهه أو جبهته حتّى تطمئنّ مفاصله وتسترخي ".
قوله: (ثمّ ارفع) في رواية إسحاق المذكورة " ثمّ يكبّر فيركع حتّى يستوي قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه " وفي رواية محمّد بن عمرو " فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى " , وفي رواية إسحاق " فإذا جلست في وسط الصّلاة فاطمئنّ جالساً , ثمّ افترش فخذك اليسرى , ثمّ تشهّد "
قوله: (ثمّ افعل ذلك في صلاتك كلّها) في رواية محمّد بن عمرو " ثمّ اصنع ذلك في كلّ ركعة وسجدة ".
стр. 763
تنْبيهٌ: وقع في رواية ابن نمير في البخاري بعد ذكر السّجود الثّاني " ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالساً ". وقد قال بعضهم: هذا يدلّ على إيجاب جلسة الاستراحة , ولَم يقل به أحد.
وأشار البخاريّ إلى أنّ هذه اللفظة وهْمٌ، فإنّه عقّبه بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير حتّى تستوي قائماً " , ويمكن أن يحمل - إن كان محفوظاً - على الجلوس للتّشهّد، ويقوّيه رواية إسحاق المذكورة قريباً.
وكلام البخاريّ ظاهر في أنّ أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: " ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجداً، ثمّ اقعد حتّى تطمئنّ قاعداً، ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجداً، ثمّ اقعد حتّى تطمئنّ قاعداً، ثمّ افعل ذلك في كلّ ركعة ".
وأخرجه البيهقيّ من طريقه , وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه عن أبي أسامة، والصّحيح رواية عبيد الله بن سعيد أبي قدامة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ " ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجداً، ثمّ ارفع حتّى تستوي قائماً " ثمّ ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك.
واستُدل بهذا الحديث.
القول الأول: على وجوب الطّمأنينة في أركان الصّلاة، وبه قال الجمهور.
стр. 764
القول الثاني: اشتهر عن الحنفيّة أنّ الطّمأنينة سنّة، وصرّح بذلك كثيرٌ من مصنّفيهم، لكنّ كلام الطّحاويّ كالصّريح في الوجوب عندهم، فإنّه ترجم (مقدار الرّكوع والسّجود)، ثمّ ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله " سبحان ربّي العظيم ثلاثاً في الرّكوع , وذلك أدناه ".
قال (١): فذهب قومٌ إلى أنّ هذا مقدار الرّكوع والسّجود لا يجزئ أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون فقالوا: إذا استوى راكعاً واطمأنّ ساجداً أجزأ، ثمّ قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد.
قال ابن دقيق العيد: تكرّر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه , وعلى عدم وجوب ما لَم يذكر، أمّا الوجوب فلتعلّق الأمر به، وأمّا عدمه فليس لمجرّد كون الأصل عدم الوجوب، بل لكون الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر , ويتقوّى ذلك بكونه ﷺ ذكر ما تعلَّقت به الإساءة من هذا المُصلِّي وما لَم تتعلَّق به، فدلَّ على أنّه لَم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة.
قال: فكلّ موضع اختلف الفقهاء في وجوبه - وكان مذكوراً في هذا الحديث - فلنا أن نتمسّك به في وجوبه، وبالعكس.
لكن يحتاج أوّلاً إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه والأخذ بالزّائد فالزّائد، ثمّ إن عارض الوجوب أو
стр. 765
عدمه دليلٌ أقوى منه عمل به، وإن جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيءٍ لَم يذكر في هذا الحديث قدّمت.
قلت: قد امتثلت ما أشار إليه وجمعت طرقه القويّة من رواية أبي هريرة ورفاعة، وقد أمليت الزّيادات التي اشتملت عليها. فممّا لَم يذكر فيه تصريحاً من الواجبات المتّفق عليها: النّيّة، والقعود الأخير ومن المختلف فيه التّشهّد الأخير والصّلاة على النّبيّ ﷺ فيه، والسّلام في آخر الصّلاة.
قال النّوويّ: وهو محمول على أنّ ذلك كان معلوماً عند الرّجل. انتهى.
وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو ثبوت الدّليل على إيجاب ما ذكر كما تقدّم، وفيه بعد ذلك نظر. قال: وفيه دليل على أنّ الإقامة والتّعوّذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في الإحرام وغيره ووضع اليمنى على اليسرى وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الرّكوع والسّجود وهيئات الجلوس ووضع اليد على الفخذ ونحو ذلك ممّا لَم يذكر في الحديث ليس بواجبٍ. انتهى.
وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطّرق كما تقدّم بيانه، فيحتاج من لَم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدّم تقريره.
واستدل به على تعيّن لفظ التّكبير، خلافاً لِمَن قال يجزئ بكل لفظ
стр. 766
يدلّ على التّعظيم، وقد تقدّمت هذه المسألة في أوّل صفة الصّلاة (١).
قال ابن دقيق العيد: ويتأيّد ذلك بأنّ العبادات محلّ التّعبّدات، ولأنّ رتب هذه الأذكار مختلفة، فقد لا يتأدّى برتبةٍ منها ما يقصد برتبةٍ أخرى. ونظيره الرّكوع، فإنّ المقصود به التّعظيم بالخضوع، فلو أبدله بالسّجود لَم يجزئ، مع أنّه غاية الخضوع.
واستدل به على أنّ قراءة الفاتحة لا تتعيّن.
قال ابن دقيق العيد: ووجهه أنّه إذا تيسّر فيه غير الفاتحة فقرأه يكون ممتثلاً فيخرج عن العهدة، قال: والذين عيّنوها , أجابوا بأنّ الدّليل على تعيّنها تقييد للمطلق في هذا الحديث.
وهو متعقّب، لأنّه ليس بمطلقٍ من كلّ وجه بل هو مقيّد بقيد التّيسير الذي يقتضي التّخيير، وإنّما يكون مطلقاً لو قال: اقرأ قرآناً. ثمّ قال: اقرأ فاتحة الكتاب.
وقال بعضهم: هو بيان للمجمل.
وهو متعقّب أيضاً، لأنّ المجمل ما لَم تتّضح دلالته، وقوله " ما تيسّر " متّضح لأنّه ظاهرٌ في التّخيير.
قال: وإنّما يقرب ذلك إن جعلت " ما " موصولة، وأريد بها شيء معيّن وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها، فهي المتيسّرة.
وقيل: هو محمول على أنّه عرف من حال الرّجل أنّه لا يحفظ الفاتحة , ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسّر.
стр. 767
وقيل: محمول على أنّه منسوخ بالدّليل على تعيين الفاتحة، ولا يخفى ضعفهما. لكنّه محتمل، ومع الاحتمال لا يترك الصّريح , وهو قوله " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب "
وقيل: إنّ قوله " ما تيسّر " محمول على ما زاد على الفاتحة جمعاً بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة.
ويؤيّده الرّواية التي تقدّمت لأحمد وابن حبّان حيث قال فيها " اقرأ بأمّ القرآن، ثمّ اقرأ بما شئت ".
واستدل به على وجوب الطّمأنينة في الأركان.
واعتذر بعض من لَم يقل به بأنّه زيادة على النّصّ، لأنّ المأمور به في القرآن مطلق السّجود فيصدق بغير طمأنينة، فالطّمأنينة زيادة , والزّيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر.
وعورض: بأنّها ليست زيادة لكن بيان للمراد بالسّجود، وأنّه خالف السّجود اللّغويّ , لأنّه مجرّد وضع الجبهة فبيّنت السّنّة أنّ السّجود الشّرعيّ ما كان بالطّمأنينة. ويؤيّده أنّ الآية نزلت تأكيداً لوجوب السّجود، وكان النّبيّ ﷺ ومن معه يصلّون قبل ذلك، ولَم يكن النّبيّ ﷺ يُصلِّي بغير طمأنينة.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: وجوب الإعادة على من أخل بشيءٍ من واجبات الصّلاة. وفيه أنّ الشّروع في النّافلة ملزمٌ، لكن يحتمل أن تكون تلك الصّلاة كانت فريضة فيقف الاستدلال.
وفيه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وحسن التّعليم بغير
стр. 768
تعنيف، وإيضاح المسألة، وتخليص، المقاصد، وطلب المتعلم من العالم أن يعلمه. وفيه تكرار السّلام وردّه وإن لَم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال.
وفيه أنّ القيام في الصّلاة ليس مقصوداً لذاته، وإنّما يقصد للقراءة فيه. وفيه جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه.
وفيه التّسليم للعالم والانقياد له والاعتراف بالتّقصير والتّصريح بحكم البشريّة في جواز الخطأ , وفيه أنّ فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن لا ما زادته السّنّة فيندب (١). وفيه حسن خلقه ﷺ ولطف معاشرته، وفيه تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
وقد استشكل تقرير النّبيّ ﷺ له على صلاته وهي فاسدة , على القول بأنّه أخل ببعض الواجبات.
وأجاب المازريّ: بأنّه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرّات لاحتمال أن يكون فعله ناسياً أو غافلاً فيتذكّره فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التّقرير الخطأ، بل من باب تحقّق الخطأ.
وقال النّوويّ نحوه، قال: وإنّما لَم يعلمه أوّلاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصّلاة المجزئة.
وقال ابن الجوزيّ: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه
стр. 769
عليه، ورأى أنّ الوقت لَم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد: ليس التّقرير بدليلٍ على الجواز مطلقاً، بل لا بدّ من انتفاء الموانع. ولا شكّ أنّ في زيادة قبول المتعلم لِمَا يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجّه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التّعليم، لا سيّما مع عدم خوف الفوات، إمّا بناءٍ على ظاهر الحال، أو بوحيٍ خاصّ.
وقال التّوربشتيّ: إنّما سكت عن تعليمه أوّلاً , لأنّه لَمّا رجع لَم يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنّه اغترّ بما عنده من العلم فسكت عن تعليمه زجراً له وتأديباً وإرشاداً إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلمّا طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه. انتهى.
لكن فيه مناقشة، لأنّه إن تمّ له في الصّلاة الثّانية والثّالثة لَم يتمّ له في الأولى، لأنّه ﷺ بدأه لَمّا جاء أوّل مرّة بقوله " ارجع فصل فإنّك لَم تصل " , فالسّؤال واردٌ على تقريره له على الصّلاة الأولى كيف لَم ينكر عليه في أثنائها؟. لكنّ الجواب يصلح بياناً للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، والله أعلم.
وفيه حجّة على من أجاز القراءة بالفارسيّة لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمّى قرآناً، قاله عياض.
وقال النّوويّ: وفيه وجوب القراءة في الرّكعات كلّها، وأنّ المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السّائل يستحبّ له أن يذكره له وإن لَم يسأله عنه , ويكون من باب النّصيحة لا من
стр. 770
الكلام فيما لا معنى له. وموضع الدّلالة منه كونه قال " علمني ". أي: الصّلاة , فعلمه الصّلاة ومقدّماتها.
تكميل: بوَّب عليه البخاري (باب أمر النّبيّ ﷺ الذي لا يتمّ الرّكوع بالإعادة).
قال الزين بن المنير: هذه من التّراجم الخفيّة، وذلك أنّ الخبر لَم يقع فيه بيان ما نقصه المُصلِّي المذكور، لكنّه ﷺ لَمّا قال له " ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعاً " إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كلّ فرد منها، فكلّ من لَم يتمّ ركوعه أو سجوده أو غير ذلك ممّا ذكر مأمور بالإعادة.
قلت: ووقع في حديث رفاعة بن رافع عند ابن أبي شيبة في هذه القصّة " دخل رجلٌ فصلَّى صلاة خفيفة لَم يتمّ ركوعها ولا سجودها ".
فالظّاهر أنّ البخاري أشار بالتّرجمة إلى ذلك.
стр. 771
باب القراءة في الصّلاة
الحديث الثاني والخمسون
١٠١ - عن عبادة بن الصّامت ﵁ أنّ رسول الله ﷺ , قال: لا صلاة لمن لَم يقرأ بفاتحة الكتاب. (١)
قوله: (لا صلاة لمن لَم يقرأ بفاتحة الكتاب) زاد الحميديّ عن سفيان (٢) عن الزهري " فيها " كذا في " مسنده ". وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميديّ، أخرجه البيهقيّ. وكذا لابن أبي عمر عند الإسماعيليّ، ولِقُتَيبة وعثمان بن أبي شيبة عند أبي نعيمٍ في
стр. 772
" المستخرج ".
وهذا يعيّن أنّ المراد القراءة في نفس الصّلاة.
قال عياض: قيل يحمل على نفي الذّات وصفاتها، لكنّ الذّات غير منتفيةٍ فيخصّ بدليلٍ خارج.
ونوزع في تسليم عدم نفي الذّات على الإطلاق؛ لأنّه إنِ ادّعى أنّ المراد بالصّلاة معناها اللّغويّ فغير مُسلَّمٍ؛ لأنّ ألفاظ الشّارع محمولة على عرفه؛ لأنّه المحتاج إليه فيه لكونه بعث لبيان الشّرعيّات لا لبيان موضوعات اللّغة، وإذا كان المنفيّ الصّلاة الشّرعيّة استقام دعوى نفي الذّات، فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء ولا الكمال؛ لأنّه يؤدّي إلى الإجمال كما نقل عن القاضي أبي بكر وغيره حتّى مال إلى التّوقّف؛ لأنّ نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء فلو قدّر الإجزاء منتفياً لأجل العموم قدّر ثابتاً لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معاً؛ لأنّ الإضمار إنّما احتيج إليه للضّرورة، وهي مندفعةٌ بإضمار فردٍ فلا حاجة إلى أكثر منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر، قاله ابن دقيق العيد.
وفي هذا الأخير نظرٌ؛ لأنّا إنْ سلّمنا تعذّر الحمل على الحقيقة فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة وهو السّابق إلى الفهم؛ ولأنّه يستلزم نفي الكمال من غير عكسٍ فيكون أولى.
ويؤيّده رواية الإسماعيليّ من طريق العبّاس بن الوليد النّرسيّ أحد
стр. 773
شيوخ البخاريّ عن سفيان بسند البخاري عن الزهري عن محمود بن لبيد عن عبادة بلفظ " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " , وتابعه على ذلك زيادُ بنُ أيّوب أحدُ الأثبات. أخرجه الدّارقطنيّ.
وله شاهدٌ من طريق العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان وغيرهما، ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيريّ عن رجلٍ عن أبيه مرفوعاً " لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأمّ القرآن " وقد أخرج ابن خزيمة عن محمّد بن الوليد القرشيّ عن سفيان حديث الباب بلفظ " لا صلاة إلاَّ بقراءة فاتحة الكتاب " فيمتنع أن يقال: إنّ قوله " لا صلاة " نفيٌ بمعنى النّهي. أي: لا تصلّوا إلاَّ بقراءة فاتحة الكتاب.
ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة مرفوعاً " لا صلاة بحضرة الطّعام " فإنّه في صحيح ابن حبّان بلفظ " لا يُصلِّي أحدكم بحضرة الطّعام " أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره عن يعقوب بن مجاهد عن القاسم، وابن حبّان من طريق حسين بن عليّ وغيره عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبّان أيضاً شاهداً من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ.
وقد قال بوجوب قراءة الفاتحة في الصّلاة الحنفيّة.
لكن بنوا على قاعدتهم أنّها مع الوجوب ليست شرطاً في صحّة الصّلاة؛ لأنّ وجوبها إنّما ثبت بالسّنّة، والذي لا تتمّ الصّلاة إلاَّ به فرضٌ، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال تعالى
стр. 774
(فاقرءوا ما تيسّر من القرآن) فالفرض قراءة ما تيسّر، وتعيين الفاتحة إنّما ثبت بالحديث فيكون واجباً يأثم من يتركه وتجزئ الصّلاة بدونه.
وإذا تقرّر ذلك لا ينقضي عجبي ممّن يتعمّد ترك قراءة الفاتحة منهم وترك الطّمأنينة , فيصلّي صلاة يريد أن يتقرّب بها إلى الله تعالى , وهو يتعمّد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقيق مخالفته لمذهب غيره.
واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناءً على أنّ الرّكعة الواحدة تسمّى صلاةً لو تجرّدت.
وفيه نظرٌ؛ لأنّ قراءتها في ركعةٍ واحدةٍ من الرّباعيّة مثلاً يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصّلاة، والأصل عدم وجوب الزّيادة على المرّة الواحدة.
والأصل أيضاً عدم إطلاق الكل على البعض؛ لأنّ الظّهر مثلاً كلّها صلاة واحدة حقيقة كما صرّح به في حديث الإسراء حيث سمّى المكتوبات خمساً، وكذا حديث عبادة " خمس صلواتٍ كتبهنّ الله على العباد " وغير ذلك، فإطلاق الصّلاة على ركعةٍ منها يكون مجازاً.
قال الشّيخ تقيّ الدّين: وغاية ما في هذا البحث أن يكون في الحديث دلالة مفهومٍ على صحّة الصّلاة بقراءة الفاتحة في كل ركعةٍ واحدةٍ منها، فإن دلَّ دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعةٍ كان مقدّماً. انتهى.
وقال بمقتضى هذا البحث الحسن البصريّ. رواه عنه ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ
стр. 775
ودليل الجمهور قوله ﷺ " وافعل ذلك في صلاتك كلّها " بعد أن أمره بالقراءة، وفي روايةٍ لأحمد وابن حبّان " ثمّ افعل ذلك في كل ركعة " ولعل هذا هو السّرّ في إيراد البخاريّ له عقب حديث عبادة (١).
واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء أسرّ الإمام أم جهر؛ لأنّ صلاته صلاة حقيقة فتنتفي عند انتفاء القراءة إلاَّ إن جاء دليلٌ يقتضي تخصيص صلاة المأموم من هذا العموم فيقدّم، قاله الشّيخ تقيّ الدّين.
واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقاً كالحنفيّة بحديث " من صلَّى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة " لكنّه حديثٌ ضعيفٌ عند الحفّاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدّارقطنيّ وغيره.
واستدل من أسقطها عنه في الجهريّة كالمالكيّة بحديث " وإذا قرأ فأنصتوا " وهو حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعريّ.
ولا دلالة فيه. لإمكان الجمع بين الأمرين: فينصت فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام ويقرأ إذا سكت، وعلى هذا فيتعيّن على الإمام السّكوت في الجهريّة ليقرأ المأموم لئلا يوقعه في ارتكاب النّهي حيث لا ينصت إذا قرأ الإمام.