← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقيل: محبّتهم له استقامتهم على طاعته، والتّحقيق أنّ الاستقامة ثمرة المحبّة وحقيقة المحبّة له ميلهم إليه لاستحقاقه سبحانه المحبّة من جميع وجوهها. انتهى. وفيه نظر. لِمَا فيه من الإطلاق في موضع التّقييد. وقال ابن التّين: معنى محبّة المخلوقين لله إرادتهم أن ينفعهم. وقال القرطبيّ في المفهم: محبّة الله لعبده تقريبه له وإكرامه وليست بميلٍ ولا غرض كما هي من العبد، وليست محبّة العبد لربّه نفس الإرادة , بل هي شيء زائد عليها، فإنّ المرء يجد من نفسه أنّه يحبّ ما لا يقدر على اكتسابه ولا على تحصيله، والإرادة هي التي تخصّص الفعل ببعض وجوهه الجائزة , ويحسّ من نفسه أنّه يحبّ الموصوفين بالصّفات الجميلة والأفعال الحسنة كالعلماء والفضلاء والكرماء وإن لَم يتعلق له بهم إرادة مخصّصة. وإذا صحّ الفرق فالله محبوب لمحبّيه على حقيقة المحبّة كما هو معروف عند من رزقه الله شيئاً من ذلك، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من محبّيه المخلصين. وقال البيهقيّ: المحبّة والبغض عند بعض أصحابنا من صفات الفعل، فمعنى محبّته إكرام من أحبّه ومعنى بغضه إهانته، وأمّا ما كان من المدح والذّمّ فهو من قوله، وقوله من كلامه، وكلامه من صفات ذاته فيرجع إلى الإرادة، فمحبّته الخصال المحمودة، وفاعلها يرجع إلى إرادته إكرامه، وبغضه الخصال المذمومة، وفاعلها يرجع إلى

стр. 807

إرادته إهانته. (١)

стр. 808

الحديث السابع والخمسون ١٠٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ , قال لمعاذٍ: فلولا صليت بسبّح اسم ربّك الأعلى , والشّمس وضحاها , والليل إذا يغشى؟ فإنّه يُصلِّي وراءك الكبير والضّعيف وذو الحاجة. (١) قوله: (فلولا صليت بسبّح اسم ربّك الأعلى .. الخ) وللبخاري من رواية شعبة عن عمرو بن دينار " فأمره النبي ﷺ بسورتين من أوسط المفصل , قال عمرو بن دينار: لا أحفظهما. وكأنه قال ذلك في حال تحديثه لشعبة , وإلاَّ ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو: اقرأ والشمس وضحاها وسبّح اسم ربك الأعلى ونحوها. وقال في رواية ابن عيينة عند مسلم: اقرأ بكذا واقرأ بكذا. قال ابن عيينة: فقلت لعمرو: إنَّ أبا الزبير حدثنا عن جابر , أنه قال: اقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى وبسبح اسم ربك الأعلى. فقال عمرو نحو هذا. وجزَمَ بذلك محارب في حديثه عن جابر , وفي رواية

стр. 809

الليث عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة. اقرأ باسم ربك وزاد ابن جريجٍ عن أبي الزّبير " والضّحى " (١) أخرجه عبد الرّزّاق. وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة مع الثّلاثة الأول " والسّماء ذات البروج والسّماء والطّارق ". وفي المراد بالمفصّل أقوالٌ أصحّها أنّه من أوّل ق إلى آخر القرآن (٢) قوله: (فإنّه يُصلِّي وراءك الكبير) تقدم الكلام عليه (٣) وفي حديث الباب من الفوائد. استحباب تخفيف الصّلاة مراعاة لحال المأمومين. وأمّا مَن قال لا يكره التّطويل إذا علم رضاء المأمومين , فيشكل عليه أنّ الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتمّ به بعد دخوله في الصّلاة، فعلى هذا يكره التّطويل مطلقاً إلاَّ إذا فرض في مصلٍ بقومٍ محصورين راضين بالتّطويل في مكانٍ لا يدخله غيرهم.

стр. 810

باب ترك الجهر بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الحديث الثامن والخمسون ١٠٧ - عن أنس بن مالكٍ ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمر ﵃: كانوا يفتتحون الصّلاة بـ (الحمد لله ربّ العالمين). (١) وفي روايةٍ: صليت مع أبي بكرٍ وعمر وعثمان , فلم أسمع أحداً منهم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). (٢) الحديث التاسع والخمسون ١٠٨ - ولمسلمٍ: صليتُ خلفَ النّبيّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان , فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله ربّ العالمين) , لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , في أوّل قراءةٍ ولا في آخرها. (٣) قوله: (وأبا بكر) عبد الله بن أبي قحافة التيمي. هكذا جزم البخاري بأن اسم أبي بكر عبد الله وهو المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة. وكان يُسمى أيضاً عتيقاً. واختلف هل هو اسم له أصلي , أو قيل له ذلك لأنه ليس في نسبه

стр. 811

ما يعاب به , أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام , أو قيل له ذلك لحسنه , أو لأنَّ أمه كان لا يعيش لها ولد فلمَّا ولد استقبلت به البيت , فقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت , أو لأنَّ النبي ﷺ بشره بأن الله أعتقه من النار.؟ وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار، وصحَّحه ابن حبان. وزاد فيه " وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان " وعثمان اسم أبي قحافة لَم يختلف في ذلك كما لَم يختلف في كنية الصديق. ولُقِّب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي ﷺ . وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء. وروى الطبراني من حديث علي , أنه كان يحلف أنَّ الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق. رجاله ثقات. وأما نسبه: فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مُرّة سواء. وأم أبي بكر سلمى , وتكنى أم الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت وهاجرت، وذلك معدودٌ من مناقبه؛ لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده. وروى ابن سعد من طريق الزهري عن عروة عن عائشة: أوَّل بدءِ مرضِ أبي بكر , أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوماً بارداً، فحُمَّ خمسة عشر يوماً، ومات مساء ليلة الثلاثاء

стр. 812

لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة " قوله: (كانوا يفتتحون الصّلاة) أي: القراءة في الصّلاة، وكذلك رواه ابن المنذر والجوزقيّ وغيرهما من طريق أبي عمر الدّوريّ - وهو حفص بن عمر شيخ البخاريّ - فيه عن شعبة بلفظ " كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله ربّ العالمين " , وكذلك رواه البخاريّ في " جزء القراءة خلف الإمام " عن عمرو بن مرزوق عن شعبة , وذكر أنّها أبين من رواية حفص بن عمر. قوله: (بالحمد لله ربّ العالمين) بضمّ الدّال على الحكاية. واختلف في المراد بذلك: فقيل: المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة، (١) وهذا قول من أثبت البسملة في أوّلها. وتعقّب: بأنّها إنّما تسمّى الحمد فقط. وأجيب: بمنع الحصر، ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة وهي " الحمد لله ربّ العالمين " في صحيح البخاريّ من حديث أبي سعيد بن المعلى , أنّ النّبيّ ﷺ قال له: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن. فذكر الحديث. وفيه قال " الحمد لله ربّ العالمين , هي السّبع المثاني ". وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسّكاً بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله " كانوا

стр. 813

يفتتحون بالحمد " أنّهم لَم يقرءوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سرّاً. وقد أطلق أبو هريرة السّكوت على القراءة سرّاً كما في الصحيحين قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة فقلت: بأبي وأمي يا رسولَ الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد .. الحديث. وقد اختلف الرّواة عن شعبة في لفظ الحديث: فرواه جماعةٌ من أصحابه عنه بلفظ " كانوا يفتتحون بـ (الحمد لله ربّ العالمين). ورواه آخرون عنه بلفظ " فلم أسمع أحداً منهم يقرأ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " كذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطّيالسيّ ومحمّد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدّوريّ - شيخ البخاريّ فيه -، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمّد بن جعفر باللفظين. وهؤلاء مِن أثبت أصحاب شعبة، ولا يقال هذا اضطراب من شعبة؛ لأنّا نقول قد رواه جماعةٌ من أصحاب قتادة عنه باللفظين، فأخرجه البخاريّ في " جزء القراءة " والنّسائيّ وابن ماجه من طريق أيّوب , وهؤلاء والتّرمذيّ من طريق أبي عوانة والبخاريّ في " جزء القراءة " , وأبو داود من طريق هشام الدّستوائيّ , والبخاريّ فيه وابن حبّان من طريق حمّاد بن سلمة , والبخاريّ فيه والسّرّاج من طريق همّامٍ كلّهم عن قتادة باللفظ الأوّل.

стр. 814

وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعيّ عن قتادة بلفظ " لَم يكونوا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". وقد قدح بعضهم في صحّته بكون الأوزاعيّ رواه عن قتادة مكاتبة. وفيه نظرٌ , فإنّ الأوزاعيّ لَم ينفرد به , فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدّورقيّ والسّرّاج عن يعقوب الدّورقيّ وعبد الله بن أحمد بن عبد الله السّلميّ ثلاثتهم عن أبي داود الطّيالسيّ عن شعبة بلفظ " فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قال شعبة قلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه. لكنّ هذا النّفي محمول على ما قدّمناه أنّ المراد أنّه لَم يسمع منهم البسملة. فيحتمل: أن يكونوا يقرءونها سرّاً، ويؤيّده رواية من رواه عنه بلفظ " فلم يكونوا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عند النّسائيّ وابن حبّان , وهمّام عند الدّارقطنيّ , وشيبان عند الطّحاويّ وابن حبّان , وشعبة أيضاً من طريق وكيعٍ عنه عند أحمد أربعتهم عن قتادة. ولا يقال هذا اضطراب من قتادة لأنّا نقول: قد رواه جماعةٌ من أصحاب أنسٍ عنه كذلك: فرواه البخاريّ في " جزء القراءة " والسّرّاج وأبو عوانة في " صحيحه " من طريق إسحاق بن أبي طلحة , والسّرّاج من طريق ثابت البنانيّ , والبخاريّ فيه من طريق مالك بن

стр. 815

دينار كلّهم عن أنس باللفظ الأوّل، ورواه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق إسحاق أيضاً وابن خزيمة من طريق ثابت أيضاً , والنّسائيّ من طريق منصور بن زاذان , وابن حبّان من طريق أبي قلابة , والطّبرانيّ من طريق أبي نعامة كلّهم عن أنس باللفظ النّافي للجهر. فطريق الجمع بين هذه الألفاظ. حمل نفي القراءة على نفي السّماع ونفي السّماع على نفي الجهر. ويؤيّده أنّ لفظ رواية منصور بن زاذان " فلم يسمعنا قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وأصرح من ذلك , رواية الحسن عن أنس عند ابن خزيمة بلفظ " كانوا يسرّون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". فاندفع بهذا تعليل من أعلَّه بالاضطراب كابن عبد البرّ؛ لأنّ الجمع إذا أمكن تعيّن المصير إليه. وأمّا من قدح في صحّته بأنّ أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنساً عن هذه المسألة , فقال: إنّك لتسألني عن شيءٍ ما أحفظه ولا سألني عنه أحد قبلك؟. ودعوى أبي شامة , أنّ أنساً سئل عن ذلك سؤالين فسؤال أبي سلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة أو الحمدلة؟ , وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة أو غيرها؟. قال: ويدلّ عليه قول قتادة في صحيح مسلمٍ " نحن سألناه " انتهى. فليس بجيّدٍ؛ لأنّ أحمد روى في " مسنده " بإسناد الصّحيحين , أنّ سؤال قتادة نظير سؤال أبي سلمة، والذي في مسلمٍ إنّما قاله عقب

стр. 816

رواية أبي داود الطّيالسيّ عن شعبة، ولَم يبيّن مسلم صورة المسألة، وقد بيّنها أبو يعلى والسّرّاج وعبد الله بن أحمد في رواياتهم التي ذكرناها عن أبي داود , أنّ السّؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة. وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر عن طريق أبي جابر عن شعبة عن قتادة قال: سألت أنساً: أيقرأ الرّجل في الصّلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ فقال: صليت وراء رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر , فلم أسمع أحداً منهم يقرأ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , فظهر اتّحاد سؤال أبي سلمة وقتادة. وغايته أنّ أنساً أجاب قتادة بالحكم دون أبي سلمة، فلعله تذكّره لَمّا سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي سلمة " ما سألني عنه أحد قبلك " , أو قاله لهما معاً فحفظه قتادة دون أبي سلمة فإنّ قتادة أحفظ من أبي سلمة بلا نزاع. وإذا انتهى البحث إلى أنّ محصّل حديث أنس نفي الجهر بالبسملة على ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الرّوايات عنه , فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدّمت على نفيه، لمجرّد تقديم رواية المثبت على النّافي؛ لأنّ أنساً يبعد جدّاً أن يصحب النّبيّ ﷺ مدّة عشر سنين ثمّ يصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمساً وعشرين سنةً فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاةٍ واحدةٍ، بل لكون أنسٍ اعترف بأنّه لا يحفظ هذا الحكم كأنّه لبعد عهده به، ثمّ تذكّر منه الجزم بالافتتاح بالحمد جهراً ولَم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعيّن الأخذ بحديث من أثبت

стр. 817

الجهر (١). وترجم له ابن خزيمة وغيره " إباحة الإسرار بالبسملة في الجهريّة ". وفيه نظرٌ؛ لأنّه لَم يختلف في إباحته بل في استحبابه. واستدل به المالكيّة على ترك دعاء الافتتاح، وحديث أبي هريرة يردّ عليه (٢). وكأنّ هذا هو السّرّ في إيراد البخاري لحديث أبي هريرة عقب حديث الباب (حديث أنس)، وقد تحرّر أنّ المراد بحديث أنس بيان ما يفتتح به القراءة، فليس فيه تعرّضٌ لنفي دعاء الافتتاح. تنبيهٌ: وقع ذِكْر عثمان في حديث أنس في رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة عند البخاريّ في " جزء القراءة " , وكذا في رواية حجّاج بن محمّد عن شعبة عند أبي عوانة، وهو في رواية شيبان وهشام والأوزاعيّ. وقد أشرنا إلى روايتهم فيما تقدَّم.

стр. 818

باب سجود السّهو السّهو الغفلة عن الشّيء وذهاب القلب إلى غيره، وفرّق بعضهم بين السّهو والنّسيان، وليس بشيء. واختلف في حكمه. القول الأول: قال الشّافعيّة: مسنونٌ كلّه. القول الثاني: عن المالكيّة , السّجود للنّقص واجب دون الزّيادة. القول الثالث: عن الحنابلة , التّفصيل بين الواجبات غير الأركان فيجب لتركها سهواً، وبين السّنن القوليّة فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعلٍ أو قول يبطلها عمده. القول الرابع: عن الحنفيّة , واجب كلّه. وحجّتهم قوله في حديث ابن مسعود في صحيح البخاري " ثمّ ليسجد سجدتين " , ومثله لمسلمٍ من حديث أبي سعيد والأمر للوجوب. وقد ثبت من فعله ﷺ ، وأفعاله في الصّلاة محمولة على البيان , وبيان الواجب واجب , ولا سيّما مع قوله " صلّوا كما رأيتموني أصلي ". (١)

стр. 819

الحديث الستون ١٠٩ - عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ , قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيّ , قال ابن سيرين: وسَمّاها أبو هريرة. ولكن نسيت أنا , قال: فصلَّى بنا ركعتين , ثمّ سلَّم. فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد , فاتّكأ عليها كأنّه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى , وشبّك بين أصابعه. وخرجت السَّرَعَان من أبواب المسجد , فقالوا: قصرت الصّلاة - وفي القوم أبو بكرٍ وعمر - فهابا أن يُكلِّماه. وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ , يقال له: ذو اليدين. فقال: يا رسولَ الله , أنسيت , أم قصرت الصّلاة؟ قال: لَم أنس ولَم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدّم فصلَّى ما ترك. ثمّ سلَّم , ثمّ كبّر وسجد مثل سجوده أو أطول. ثمّ رفع رأسه فكبّر , ثمّ كبّر وسجد مثل سجوده أو أطول. ثمّ رفع رأسه وكبّر. فربّما سألوه , ثمّ سلم؟ قال: فنبّئت أنّ عمران بن حصينٍ قال: ثمّ سلَّم. (١) قال المصنِّف: العشي مابين زوال الشمس إلى غروبها: قال الله تعالى (وسبِّح بحمد ربك بالعشي والإبكار).

стр. 820

قوله: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ ) ظاهر في أنّ أبا هريرة حضر القصّة , وحمله الطّحاويّ على المجاز , فقال: إنّ المراد به صلَّى بالمسلمين , وسبب ذلك قول الزّهريّ: إنّ صاحب القصّة استشهد ببدرٍ، فإنّ مقتضاه أن تكون القصّة وقعت قبل بدرٍ , وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين (١). لكن اتّفق أئمّة الحديث - كما نقله ابن عبد البرّ وغيره - على أنّ الزّهريّ وهم في ذلك، وسببه أنّه حمل القصّة لذي الشّمالين، وذو الشّمالين هو الذي قتل ببدرٍ , وهو خزاعيّ. واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة. وأمّا ذو اليدين. فتأخّر بعد النّبيّ ﷺ بمدّةٍ , لأنّه حدّث بهذا الحديث بعد النّبيّ ﷺ كما أخرجه الطّبرانيّ وغيره، وهو سلميّ , واسمه الخرباق على ما سيأتي البحث فيه. وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة " فقام رجلٌ من بني سليم " , فلمّا وقع عند الزّهريّ بلفظ " فقام ذو الشّمالين " وهو يعرف أنّه قتل ببدرٍ قال لأجل ذلك: إنّ القصّة وقعت قبل بدر. وقد جوّز بعض الأئمّة أن تكون القصّة وقعت لكلٍّ من ذي الشّمالين وذي اليدين , وأنّ أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما ,

стр. 821

وهو قصّة ذي الشّمالين , وشاهد الآخر وهي قصّة ذي اليدين، وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: يُحمل على أنّ ذا الشّمالين كان يقال له أيضاً ذو اليدين وبالعكس , فكان ذلك سبباً للاشتباه. ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطّحاويّ ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ . وقد اتّفق معظم أهل الحديث من المصنّفين وغيرهم , على أنّ ذا الشّمالين غير ذي اليدين , ونصّ على ذلك الشّافعيّ ﵀ في " اختلاف الحديث ". قوله: (إحدى صلاتي العشيّ) كذا للأكثر , وللمستملي والحمويّ " العشاء " بالمدّ , وهو وهم، فقد صحّ " أنّها الظّهر أو العصر " كما سيأتي، وابتداء العشيّ من أوّل الزّوال. قوله: (قال ابن سيرين: وسَمّاها أبو هريرة. ولكن نسيت أنا) وللبخاري عن آدم عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة " الظهر أو العصر " كذا في هذه الطّريق بالشّكّ، وللبخاري أيضاً عن أبي الوليد عن شعبة بلفظ " الظّهر " بغير الشّكّ. ولمسلمٍ من طريق أبي سلمة المذكور " صلاة الظّهر " وله من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة " العصر " بغير شكّ، وللبخاري من طريق ابن سيرين أنّه قال: وأكثر ظنّي أنّها العصر،

стр. 822

ولمسلم " إحدى صلاتي العشيّ، إمّا الظّهر وإمّا العصر ". والظّاهر أنّ الاختلاف فيه من الرّواة. وأبعد مَن قال: يحمل على أنّ القصّة وقعت مرّتين. بل روى النّسائيّ من طريق ابن عونٍ عن ابن سيرين , أنّ الشّكّ فيه من أبي هريرة ولفظه: صلَّى ﷺ إحدى صلاتي العشيّ , قال أبو هريرة: ولكنّي نسيتها. فالظّاهر أنّ أبا هريرة رواه كثيراً على الشّكّ، وكان ربّما غلب على ظنّه أنّها الظّهر فجزم بها، وتارةً غلب على ظنّه أنّها العصر فجزم بها. وطرأ الشّكّ في تعيينها أيضاً على ابن سيرين , وكان السّبب في ذلك الاهتمام بما في القصّة من الأحكام الشّرعيّة. ولَم تختلف الرّواة في حديث عمران في قصّة الخرباق , أنّها العصر. فإن قلنا: إنّهما قصّةٌ واحدةٌ فيترجّح رواية من عيّن العصر في حديث أبي هريرة. قوله: (فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد) أي: موضوعة بالعرض , وللبخاري " في مقدم المسجد " أي: في جهة القبلة. قوله: (فاتّكأ عليها) وللبخاري " فوضع يده عليها " , ولمسلمٍ من طريق ابن عيينة عن أيّوب " ثمّ أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً ". ولا تنافي بين هذه الرّوايات , لأنّها تحمل على أنّ الجذع قبل اتّخاذ المنبر كان ممتدّاً بالعرض، وكأنّه الجذع الذي كان ﷺ يستند إليه قبل

стр. 823

اتّخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشّرّاح. قوله: (ووضع يده اليمنى على اليسرى) وللبخاري " على ظهر كفه اليسرى " , وعند الكشميهنيّ " خدّه الأيمن " بدل " يده اليمنى " وهو أشبه لئلا يلزم التّكرار. قوله: (وشبّك بين أصابعه.) فيه دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد , وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز. قال ابن بطّال: ورد في النّهي عن التّشبيك في المسجد مراسيل ومسندة من طرقٍ غير ثابتةٍ. انتهى. وكأنّه يشير بالمسند إلى حديث كعب بن عُجْرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا توضّأ أحدكم , ثمّ خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكنّ يديه فإنّه في صلاة. أخرجه أبو داود وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان. وفي إسناده اختلاف ضعّفه بعضهم بسببه. وروى ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر بلفظ: إذا صلَّى أحدكم فلا يشبّكنّ بين أصابعه , فإنّ التّشبيك من الشّيطان. وإنّ أحدكم لا يزال في صلاةٍ ما دام في المسجد حتّى يخرج منه. وفي إسناده ضعيف ومجهول. وقال ابن المنير: التّحقيق أنّه ليس بين هذه الأحاديث تعارض، إذ المنهيّ عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنّما هو لمقصود التّمثيل، وتصوير المعنى في النّفس بصورة الحسّ.

стр. 824

قلت: هو في حديث أبي موسى وابن عمر (١) كما قال، بخلاف حديث أبي هريرة. وجمع الإسماعيليّ بأنّ النّهي مقيّد بما إذا كان في الصّلاة أو قاصداً لها , إذ منتظر الصّلاة في حكم المُصلِّي، وأحاديث الباب الدّالة على الجواز خالية عن ذلك. أمّا الأوّلان فظاهران، وأمّا حديث أبي هريرة. فلأنّ تشبيكه إنّما وقع بعد انقضاء الصّلاة في ظنّه، فهو في حكم المنصرف من الصّلاة. والرّواية التي فيها النّهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة كما قدّمنا، فهي غير معارضةٍ لحديث أبي هريرة كما قال ابن بطّال. واختلف في حكمة النّهي عن التّشبيك. فقيل: لكونه من الشّيطان كما تقدّم في رواية ابن أبي شيبة. وقيل: لأنّ التّشبيك يجلب النّوم , وهو من مظانّ الحدث. وقيل: لأنّ صورة التّشبيك تشبه صورة الاختلاف كما نبّه عليه في حديث ابن عمر , فكره ذلك لمن هو في حكم الصّلاة حتّى لا يقع في المنهيّ عنه , وهو قوله ﷺ للمصلين " ولا تختلفوا فتختلف

стр. 825

قلوبكم " (١). قوله: (وخرجت السَّرَعان) بفتح المهملات، ومنهم: من سكّن الرّاء , وحكى عياض , أنّ الأصيليّ ضبطه بضمٍّ ثمّ إسكان , كأنّه جمع سريع ككثيب وكثبان. والمراد بهم أوائل النّاس خروجاً من المسجد , وهم أصحاب الحاجات غالباً. قوله: (قُصِرتِ الصّلاة) في رواية لهما " أقصرت الصّلاة " بهمزة الاستفهام، فتحمل هذه على تلك. وفيه دليلٌ على ورعهم إذ لَم يجزموا بوقوع شيءٍ بغير علمٍ , وهابوا النّبيّ ﷺ أن يسألوه، وإنّما استفهموه , لأنّ الزّمان زمان النّسخ. وقصرت بضمّ القاف وكسر المهملة على البناء للمفعول. أي: أنّ الله قصرها، وبفتحٍ ثمّ ضمٍّ على البناء للفاعل. أي: صارت قصيرة. قال النّوويّ: هذا أكثر وأرجح. قوله: (فهابا أن يُكلِّماه) للبخاري " فهاباه " بزيادة الضّمير، والمعنى أنّهما غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وأمّا ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلّم العلم. قوله: (وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ , يقال له: ذو اليدين) وهو محمولٌ على الحقيقة، ويحتمل: أن يكون كنايةً عن طولها بالعمل أو

стр. 826

بالبذل , قاله القرطبيّ. وجزم ابن قتيبة: بأنّه كان يعمل بيديه جميعاً. وحكي عن بعض شرّاح " التّنبيه " أنّه قال: كان قصير اليدين , فكأنّه ظنّ أنّه حميد الطّويل , فهو الذي فيه الخلاف. وقد تقدّم أنّ الصّواب التّفرقة بين ذي اليدين وذي الشّمالين. وذهب الأكثر: إلى أنّ اسم ذي اليدين الْخِرْباق - بكسر المعجمة وسكون الرّاء بعدها موحّدة وآخره قاف - اعتماداً على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم. ولفظه " فقام إليه رجلٌ يقال له الخرباق , وكان في يده طول " (١). وهذا صنيع من يوحّد حديث أبي هريرة بحديث عمران , وهو الرّاجح في نظري. وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التّعدّد. والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السّياقين، ففي حديث أبي هريرة , أنّ السّلام وقع من اثنتين , وأنّه ﷺ قام إلى خشبةٍ في المسجد، وفي حديث عمران , أنّه سلم من ثلاث ركعاتٍ , وأنّه دخل منزله لَمّا فرغ من الصّلاة. فأمّا الأوّل: فقد حكى العلائيّ , أنّ بعض شيوخه حمله على أنّ

стр. 827

المراد به , أنّه سلم في ابتداء الرّكعة الثّالثة. واستبعده. ولكنّ طريق الجمع يكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدّد القصّة , فإنّه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرّةٍ استفهم النّبيّ ﷺ عن ذلك , واستفهم النّبيّ ﷺ الصّحابة عن صحّة قوله. وأمّا الثّاني: فلعل الرّاوي لَمّا رآه تقدّم من مكانه إلى جهة الخشبة. ظنّ أنّه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله. فإن كان كذلك , وإلَّا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه. كما أخرجه الشّافعيّ وأبو دواد وابن ماجه وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه. كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في " زيادات المسند " وأبو بكر بن أبي خيثمة وغيرهم. وقول محمّد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة. يدل على أنه كان يرى التّوحيد بينهما، وذلك أنّه قال في آخر حديث أبي هريرة: نبّئت أنّ عمران بن حصين , قال: ثمّ سلم. قوله: (فقال: لَم أنس ولَم تقصر) كذا في أكثر الطّرق، وهو صريحٌ في نفي النّسيان ونفي القصر. وفيه تفسيرٌ للمراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم " كلّ ذلك لَم يكن ". وتأييد لِمَا قاله أصحاب المعاني: إنّ لفظ كلّ. إذا تقدّم وعقبها النّفي كان نفياً لكل فردٍ لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخّرت , كأن يقول:

стр. 828

لَم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله " قد كان بعض ذلك " وأجابه في هذه الرّواية بقوله " بلى قد نسيت " , لأنّه لَمّا نفى الأمرين , وكان مقرّراً عند الصّحابيّ أنّ السّهو غير جائزٍ عليه في الأمور البلاغيّة جزم بوقوع النّسيان لا بالقصر. وهو حجّةٌ لِمَن قال: إنَّ السّهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التّشريع، وإن كان عياضٌ نقل الإجماع على عدم جواز دخول السّهو في الأقوال التّبليغيّة وخصّ الخلاف بالأفعال، لكنّهم تعقّبوه. نعم. اتّفق من جوّز ذلك على أنّه لا يقرّ عليه , بل يقع له بيان ذلك إمّا متّصلاً بالفعل أو بعده كما وقع في هذا الحديث من قوله " لَم أنس ولَم تقصر " , ثمّ تبيّن أنّه نسي، ومعنى قوله " لَم أنس " أي: في اعتقادي لا في نفس الأمر، ويستفاد منه أنّ الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين. وفائدة جواز السّهو في مثل ذلك بيان الحكم الشّرعيّ إذا وقع مثله لغيره. وأمّا من منع السّهو مطلقاً , فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبةٍ. فقيل: قوله " لَم أنس " نفيٌ للنّسيان، ولا يلزم منه نفي السّهو. وهذا قول من فرّق بينهما. ويكفي فيه قوله في هذه الرّواية " بلى قد نسيت " وأقرّه على ذلك. وقيل: قوله " لَم أنس " على ظاهره وحقيقته , وكان يتعمّد ما يقع منه من ذلك ليقع التّشريع منه بالفعل لكونه أبلغ من القول.

стр. 829

وتعقّب: بحديث ابن مسعود في الصحيحين ففيه " إنّما أنا بشرٌ أنسى كما تنسون " , فأثبت العلة قبل الحكم , وقيّد الحكم بقوله " إنّما أنا بشر " ولَم يكتف بإثبات وصف النّسيان حتّى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا , فقال " كما تنسون ".وبهذا الحديث يردّ أيضاً القول الآتي. وقيل: معنى قوله " لَم أنس " إنكار اللفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال " إنّى لا أنسى , ولكن أنسّى "، وإنكار اللفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا. (١) وقد تعقّبوا هذا أيضاً: بأنّ حديث " إنّي لا أنسى .. " , لا أصل له , فإنّه من بلاغات مالك التي لَم توجد موصولة بعد البحث الشّديد. وأمّا الآخر: فلا يلزم من ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كل شيءٍ فإنّ الفرق بينهما واضح جدّاً. وقيل: إنّ قوله " لَم أنس " , راجع إلى السّلام , أي: سلمت قصداً بانياً على ما في اعتقادي أنّي صليت أربعاً. وهذا جيّد، وكأنّ ذا اليدين فهم العموم , فقال " بلى قد نسيت " وكأنّ هذا القول أوقع شكّاً احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وبهذا التّقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلاً ولَم يقبل خبره بمفرده، فسبب التّوقّف فيه كونه أخبر عن أمرٍ يتعلق بفعل المسئول مغاير لِمَا في اعتقاده.

стр. 830

وبهذا يجاب مَن قال: إنّ من أخبر بأمرٍ حسّيٍّ بحضرة جمع لا يخفى عليهم , ولا يجوز عليهم التّواطؤ ولا حامل لهم على السّكوت عنه ثمّ لَم يكذّبوه أنّه لا يقطع بصدقه، فإنّ سبب عدم القطع كون خبره معارضاً باعتقاد المسئول خلاف ما أخبر به. وفيه أنّ الثّقة إذا انفرد بزيادة خبرٍ. وكان المجلس متّحداً , أو منعت العادة غفلتهم عن ذلك أن لا يقبل خبره. وفيه العمل بالاستصحاب , لأنّ ذا اليدين استصحب حكم الإتمام فسأل، مع كون أفعال النّبيّ ﷺ للتّشريع، والأصل عدم السّهو والوقت قابل للنّسخ، وبقيّة الصّحابة تردّدوا بين الاستصحاب وتجويز النّسخ فسكتوا، والسّرعان هم الذين بنوا على النّسخ , فجزموا بأنّ الصّلاة قصرت فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام. وفيه جواز البناء على الصّلاة لمن أتى بالمنافي سهواً. قال سحنون: إنّما يبني من سلم من ركعتين كما في قصّة ذي اليدين , لأنّ ذلك وقع على غير القياس فيقتصر به على مورد النّصّ , وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشيّ فيمنعه مثلاً في الصّبح. والذين قالوا يجوز البناء مطلقاً , قيّدوه بما إذا لَم يطل الفصل. واختلفوا في قدر الطّول. فحدّه الشّافعيّ في " الأمّ " بالعرف، وفي البويطيّ: بقدر ركعة، وعن أبي هريرة: قدر الصّلاة التي يقع السّهو فيها. وفيه أنّ الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأنّ السّلام ونيّة

стр. 831

الخروج من الصّلاة سهواً لا يقطع الصّلاة، وأنّ سجود السّهو بعد السّلام، وأنّ الكلام سهواً لا يقطع الصّلاة خلافاً للحنفيّة. وأمّا قول بعضهم: إنّ قصّة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصّلاة. فضعيف , لأنّه اعتمد على قول الزّهريّ: إنّها كانت قبل بدر، وقد قدّمنا أنّه إمّا وهم في ذلك , أو تعدّدت القصّة لذي الشّمالين المقتول ببدر ولذي اليدين الذي تأخّرت وفاته بعد النّبيّ ﷺ ، فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصّة كما تقدّم وشهدها عمران بن حصين وإسلامه متأخّر أيضاً. وروى معاوية بن حديج - بمهملة وجيم مصغّراً - قصّة أخرى في السّهو. ووقع فيها الكلام ثمّ البناء , أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما , وكان إسلامه قبل موت النّبيّ ﷺ بشهرين. وقال ابن بطّال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم " ونهينا عن الكلام " أي: إلاَّ إذا وقع سهواً أو عمداً لمصلحة الصّلاة، فلا يعارض قصّة ذي اليدين. انتهى. واستدل به على أنّ المقدّر في حديث " رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان " أي: إثمهما وحكمهما خلافاً لمن قصره على الإثم. واستُدلَّ به على أنّ تعمّد الكلام لمصلحة الصّلاة لا يبطلها. وتعقّب: بأنّه ﷺ لَم يتكلم إلاَّ ناسياً، وأمّا قول ذي اليدين له " بلى قد نسيت " وقول الصّحابة له " صدق ذو اليدين " , فإنّهم تكلموا معتقدين النّسخ في وقتٍ يمكن وقوعه فيه , فتكلموا ظنّاً أنّهم ليسوا

стр. 832

في صلاة. كذا قيل. وهو فاسد، لأنّهم كلّموه بعد قوله ﷺ " لَم تقصر ". وأجيب: بأنّهم لَم ينطقوا , وإنّما أومئوا كما عند أبي داود في رواية ساق مسلمٌ إسنادها، وهذا اعتمده الخطّابيّ , وقال: حمل القول على الإشارة مجاز سائغ بخلاف عكسه فينبني ردّ الرّوايات التي فيها التّصريح بالقول إلى هذه، وهو قويّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحمل على أنّ بعضهم قال بالنّطق وبعضهم بالإشارة. لكن يبقى قول ذي اليدين " بلى قد نسيت ". ويجاب عنه وعن البقيّة على تقدير ترجيح: أنّهم نطقوا بأنّ كلامهم كان جواباً للنّبيّ ﷺ , وجوابه لا يقطع الصّلاة كما في حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسولَ الله، إني كنت أصلي، فقال: أَلَم يقل الله ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لِمَا يحييكم﴾. وتعقّب: بأنّه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصّلاة. وأجيب: بأنّه ثبت مخاطبته في التّشهّد وهو حيٌّ بقولهم " السّلام عليك أيّها النّبيّ " ولَم تفسد الصّلاة، والظّاهر أنّ ذلك من خصائصه. ويحتمل: أن يقال ما دام النّبيّ ﷺ يراجع المُصلِّي فجائز له جوابه حتّى تنقضي المراجعة , فلا يختصّ الجواز بالجواب لقول ذي اليدين " بلى قد نسيت " ولَم تبطل صلاته. والله أعلم. وفيه أنّ سجود السّهو لا يتكرّر بتكرّر السّهو - ولو اختلف الجنس

стр. 833

- خلافاً للأوزاعيّ، وروى ابن أبي شيبة عن النّخعيّ والشّعبيّ , أنّ لكل سهو سجدتين. وورد على وِفْقِه حديث ثوبان عند أحمد. وإسناده منقطع. وحمل على أنّ معناه: أنّ من سها بأيّ سهوٍ كان , شرع له السّجود. أي: لا يختصّ بما سجد فيه الشّارع، وروى البيهقيّ من حديث عائشة: سجدتا السّهو تجزئان من كل زيادة ونقصان. وفيه أنّ اليقين لا يترك إلاَّ باليقين، لأنّ ذا اليدين كان على يقينٍ أنّ فرضهم الأربع، فلمّا اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك , ولَم ينكر عليه سؤاله. وفيه أنّ الظّنّ قد يصير يقيناً بخبر أهل الصّدق، وهذا مبنيّ على أنّه ﷺ رجع لخبر الجماعة. واستدل به على أنّ الإمام يرجع لقول المأمومين في أفعال الصّلاة , ولو لَم يتذكّر , وبه قال مالك وأحمد وغيرهما. ومنهم: من قيّده بما إذا كان الإمام مجوّزاً لوقوع السّهو منه، بخلاف ما إذا كان متحقّقاً لخلاف ذلك أخذاً من ترك رجوعه ﷺ لذي اليدين ورجوعه للصّحابة. ومن حجّتهم قوله في حديث ابن مسعود الماضي " فإذا نسيت فذكّروني ". وقال الشّافعيّ: معنى قوله " فذكّروني " أي: لأتذكّر، ولا يلزم منه أن يرجع لمجرّد إخبارهم، واحتمال كونه تذكّر عند إخبارهم لا

стр. 834

يدفع. وفرّق بعض المالكيّة والشّافعيّة أيضاً بين ما إذا كان المخبرون ممّن يحصل العلم بخبرهم , فيقبل ويقدّم على ظنّ الإمام أنّه قد كمّل الصّلاة بخلاف غيرهم. قال الزين بن المنير: محلّ الخلاف في هذه المسألة , هو ما إذا كان الإمام شاكّاً، أمّا إذا كان على يقينٍ من فعل نفسه. فلا خلاف أنّه لا يرجع إلى أحد. انتهى وقال ابن التّين: يحتمل أن يكون ﷺ شكّ بإخبار ذي اليدين , فسألهم إرادة تيقّن أحد الأمرين، فلمّا صدّقوا ذا اليدين علم صحّة قوله. وقال ابن بطّال بعد أن حكى الخلاف في هذه المسألة: حمل الشّافعيّ رجوعه ﷺ على أنّه تذكّر فذكر، وفيه نظرٌ؛ لأنّه لو كان كذلك لبيّنه لهم ليرتفع اللبس، ولو بيّنه لنقل، ومن ادّعى ذلك فليذكره. قلت: قد ذكره أبو داود من طريق الأوزاعيّ عن الزّهريّ عن سعيد وعبيد الله عن أبي هريرة بهذه القصّة قال: ولَم يسجد سجدتي السّهو حتّى يقّنه الله ذلك. واستنبط منه بعض العلماء القائلين بالرّجوع اشتراط العدد في مثل هذا وألحقوه بالشّهادة، وفرّعوا عليه أنّ الحاكم إذا نسي حكمه , وشهد به شاهدان أنّه يعتمد عليهما.

стр. 835

واستدل به الحنفيّة على أنّ الهلال لا يقبل بشهادة الآحاد إذا كانت السّماء مصحية , بل لا بدّ فيه من عدد الاستفاضة. وتعقّب: بأنّ سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النّبيّ ﷺ بخلاف رؤية الهلال , فإنّ الأبصار ليست متساوية في رؤيته بل متفاوتة قطعاً. وعلى أنّ من سلم معتقداً أنّه أتمّ ثمّ طرأ عليه شكٌّ. هل أتمّ أو نقص أنّه يكتفي باعتقاده الأوّل. ولا يجب عليه الأخذ باليقين. ووجهه: أنّ ذا اليدين لَمّا أخبر أثار خبره شكّاً، ومع ذلك لَم يرجع النّبيّ ﷺ حتّى استثبت. وعلى جواز التّعريف باللقب , وحاصله أنّ اللقب إن كان ممّا يعجب الملقّب ولا إطراء فيه ممّا يدخل في نهي الشّرع فهو جائز أو مستحبّ، وإن كان ممّا لا يعجبه فهو حرام أو مكروه، إلاَّ إن تعيّن طريقاً إلى التّعريف به حيث يشتهر به ولا يتميّز عن غيره إلاَّ بذكره، ومن ثَمَّ أكثر الرّواة من ذكر الأعمش والأعرج ونحوهما وعارم وغندر وغيرهم. والأصل فيه قوله ﷺ لَمّا سلم في ركعتين من صلاة الظّهر فقال: أكما يقول ذو اليدين ". وإلى التّفصيل في ذلك ذهب الجمهور واختاره البخاري (١).

стр. 836

وشذّ قوم. فشدّدوا حتّى نقل عن الحسن البصريّ , أنّه كان يقول: أخاف أن يكون قولنا حميداً الطّويل غيبة، وكأنّ البخاريّ لَمّح بذلك حيث ذكر قصّة ذي اليدين وفيها , وفي القوم رجل في يديه طول. قال ابن المنير: أشار البخاريّ إلى أنّ ذكر مثل هذا , إن كان للبيان والتّمييز فهو جائز , وإن كان للتّنقيص لَم يجز. قال: وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها فأشارت بيدها أنّها قصيرة، فقال النّبيّ ﷺ : اغتبتيها , وذلك أنّها لَم تفعل هذا بياناً إنّما قصدت الإخبار عن صفتها فكان كالاغتياب. انتهى. والحديث المذكور أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب الغيبة " وابن مردوية في " التفسير " و .... في ... من طريق حسان بن مخارق عن عائشة. وهو .. (١) واستدل به التّرجيح بكثرة الرّواة. وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ المقصود كان تقوية الأمر المسئول عنه لا ترجيح خبرٍ على خبرٍ.

стр. 837

قوله: (فصلَّى ما ترك. ثمّ سلم , ثمّ كبّر وسجد). اختلف في سجود السّهو بعد السّلام , هل يشترط له تكبيرة إحرام , أو يكتفى بتكبير السّجود؟. القول الأول: الجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. القول الثاني: حكى القرطبيّ: أنّ قول مالك لَم يختلف في وجوب السّلام بعد سجدتي السّهو، قال: وما يتحلل منه بسلامٍ لا بدّ له من تكبيرة إحرام. ويؤيّده ما رواه أبو داود من طريق حمّاد بن زيد عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين في هذا الحديث قال " فكبّر ثمّ كبّر وسجد للسّهو ". قال أبو داود: لَم يقل أحدٌ " فكبّر ثمّ كبّر " إلاَّ حمّاد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزّيادة. وقال القرطبيّ أيضاً: قوله يعني في رواية مالك عند البخاري " فصلَّى ركعتين ثمّ سلم , ثمّ كبّر ثمّ سجد " يدلّ على أنّ التّكبيرة للإحرام , لأنّه أتى بثمّ التي تقتضي التّراخي، فلو كان التّكبير للسّجود لكان معه. وتعقّب: بأنّ ذلك من تصرّف الرّواة، ففي حديث الباب من طريق ابن عونٍ عن ابن سيرين بلفظ " فصلَّى ما ترك , ثمّ سلم ثمّ كبّر وسجد " فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعيّة. والله أعلم. قوله: (فربّما سألوه: ثمّ سلم) أي: ربّما سألوا ابن سيرين هل في

стр. 838

الحديث ثمّ سلم؟ فيقول: نبّئت إلخ " , وهذا يدلّ على أنّه لَم يسمع ذلك من عمران. وقد بيّن أشعث في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران , فقال: قال ابن سيرين: حدّثني خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن عمّه أبي المُهلَّب عن عمران بن حصين. أخرجه أبو داود والتّرمذيّ والنّسائيّ، ووقع لنا عالياً في جزء الذّهليّ، فظهر أنّ ابن سيرين أبهم ثلاثة. وروايته عن خالدٍ من رواية الأكابر عن الأصاغر. تكميلٌ: اختلف أهل العلم في التشهد في سجدتي السهو. أمّا قبل السّلام. القول الأول: الجمهور على أنّه لا يعيد التّشهّد. القول الثاني: حكى ابن عبد البرّ عن الليث أنّه يعيده، وعن البويطيّ عن الشّافعيّ مثله وخطّؤوه في هذا النّقل , فإنّه لا يعرف. القول الثالث: عن عطاءٍ يتخيّر، واختلف فيه عند المالكيّة. وأمّا من سجد بعد السّلام. فحكى التّرمذيّ عن أحمد وإسحاق أنّه يتشهّد، وهو قول بعض المالكيّة والشّافعيّة، ونقله أبو حامد الإسفرايينيّ عن القديم، لكن وقع في " مختصر المزنيّ " سمعت الشّافعيّ يقول: إذا سجد بعد السّلام تشهّد، أو قبل السّلام أجزأه التّشهّد الأوّل. وتأوّل بعضهم هذا النّصّ على أنّه تفريعٌ على القول القديم , وفيه ما لا يخفى.

стр. 839

وأخرج البخاري عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة " وفي رواية أبي نعيمٍ " فقال: لَم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئاً , وأحبّ إليّ أن يتشهّد ". وقد يفهم من قوله " ليس في حديث أبي هريرة " أنّه ورد في حديث غيره وهو كذلك. فقد رواه أبو داود والتّرمذيّ وابن حبّان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمّد بن سيرين عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن أبي المُهلَّب عن عمران بن حصين , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى بهم فسها، فسجد سجدتين ثمّ تشهّد ثمّ سلم. قال التّرمذيّ: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشّيخين. وقال ابن حبّان: ما روى ابن سيرين عن خالدٍ غير هذا الحديث. انتهى. وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر. وضعّفه البيهقيّ وابن عبد البرّ وغيرهما. ووهّموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفّاظ عن ابن سيرين، فإنّ المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التّشهّد. وروى السّرّاج من طريق سلمة بن علقمة أيضاً في هذه القصّة " قلت لابن سيرين: فالتّشهّد؟ قال: لَم أسمع في التّشهّد شيئاً ". وفي رواية الباب من طريق ابن عونٍ عن ابن سيرين قال: نبّئت أنّ عمران بن حصين قال: ثمّ سلم. وكذا المحفوظ عن خالدٍ بهذا

стр. 840

الإسناد في حديث عمران ليس فيه ذكر التّشهّد. كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذّة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التّشهّد في سجود السّهو يثبت. لكن قد ورد في التّشهّد في سجود السّهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنّسائيّ، وعن المغيرة عند البيهقيّ. وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال: إنّ الأحاديث الثّلاثة في التّشهّد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائيّ: وليس ذلك ببعيدٍ، وقد صحّ ذلك عن ابن مسعود من قوله. أخرجه ابن أبي شيبة.

стр. 841

الحديث الواحد والستون ١١٠ - عن عبد الله بن بحينة - وكان من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى بهم الظّهر , فقام في الرّكعتين الأوليين , ولَم يجلس , فقام النّاس معه , حتّى إذا قضى الصّلاة , وانتظر النّاس تسليمه , كبّر وهو جالسٌ. فسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم ثمّ سلَّم. (١) قوله: (بحينة) بالضم وفتح الحاء المهملة (٢) قوله: (صلَّى بهم) في رواية لهما " صلَّى لنا " أي: بنا أو لأجلنا , وللبخاري من رواية ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن الأعرج بلفظ " صلَّى بنا " قوله: (فقام في الرّكعتين الأوليين , ولَم يجلس) أي: للتّشهّد، وفي صحيح مسلم " فلم يجلس " بالفاء، زاد الضّحّاك بن عثمان عن الأعرج " فسبّحوا به فمضى حتّى فرغ من صلاته " أخرجه ابن خزيمة. وفي حديث معاوية عند النّسائيّ وعقبة بن عامر عند الحاكم جميعاً نحو هذه القصّة بهذه الزّيادة. وللبخاري " فقام وعليه جلوس ". قال ابن رشيد: إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصّلاة من غير

стр. 842

تقييد فالمراد به جلوس التّشهّد. انتهى والتشهد هو تفعّل من تشهّد، سُمِّي بذلك لاشتماله على النّطق بشهادة الحقّ تغليباً لها على بقيّة أذكاره لشرفها. واستدل بالحديث وهو القول الأول: على استحباب التشهد الأول. ووجه الدّلالة من حديث الباب , أنّه لو كان واجباً لرجع إليه لَمّا سبّحوا به بعد أن قام، ويعرف منه أنّ قول ناصر الدّين ابن المنير في الحاشية: لو كان واجباً لسبّحوا به , ولَم يسارعوا إلى الموافقة على التّرك، غفلةٌ عن الرّواية المنصوص فيها على أنّهم سبّحوا به. قال ابن بطّال: والدّليل على أنّ سجود السّهو لا ينوب عن الواجب , أنّه لو نسي تكبيرة الإحرام لَم تجبر فكذلك التّشهّد، ولأنّه ذكر لا يجهر به بحالٍ فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتجّ غيره بتقريره ﷺ النّاس على متابعته بعد أن علم أنّهم تعمّدوا تركه. وفيه نظرٌ. وقال الزين بن المنير: وفي لفظ الحديث ما يشعر بالوجوب حيث قال " وعليه جلوس " وهو محتمل، وورد الأمر بالتّشهّد الأوّل أيضاً. انتهى. القول الثاني: قال بوجوبه الليث وإسحاق وأحمد في المشهور وهو قول للشّافعيّ، وفي رواية عند الحنفيّة.

стр. 843

واحتجّ الطّبريّ لوجوبه: بأنّ الصّلاة فرضت أوّلاً ركعتين , وكان التّشهّد فيها واجباً فلمّا زيدت لَم تكن الزّيادة مزيلة لذلك الواجب. وأجيب: بأنّ الزّيادة لَم تتعيّن في الأخيرتين , بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأوّل. والمزيد هما الرّكعتان الأولتان بتشهّدهما. ويؤيّده. استمرار السّلام بعد التّشهّد الأخير كما كان. واحتجّ أيضاً: بأنّ من تعمّد ترك الجلوس الأوّل بطلت صلاته. وهذا لا يرِد , لأنّ من لا يوجبه لا يبطل الصّلاة بتركه. فائدةٌ: لا خلاف في أنّ ألفاظ التّشهّد في الأولى كالتي في الأخيرة، إلاَّ ما روى الزّهريّ عن سالم قال: وكان ابن عمر لا يسلم في التّشهّد الأوّل، كان يرى ذلك نسخاً لصلاته. قال الزّهريّ: فأمّا أنا فأسلم، يعني قوله " السّلام عليك أيّها النّبيّ - إلى - الصّالحين " هكذا أخرجه عبد الرّزّاق. قوله: (حتّى إذا قضى الصّلاة) أي: فرغ منها كذا رواه مالك عن الزهري. وقد استدل به لمن زعم أنّ السّلام ليس من الصّلاة , حتّى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلم تمّت صلاته , وهو قول بعض الصّحابة والتّابعين. وبه قال أبو حنيفة. وتعقّب: بأنّ السّلام لَمّا كان للتّحليل من الصّلاة كان المُصلِّي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته. ويدلّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من

стр. 844

الثّقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج " حتّى إذا فرغ من الصّلاة إلاَّ أن يسلم " فدلَّ على أنّ بعض الرّواة حذف الاستثناء لوضوحه، والزّيادة من الحافظ مقبولة. قوله: (وانتظر النّاس تسليمه) وفي هذه الجملة ردّ على من زعم أنّه ﷺ سجد في قصّة ابن بحينة قبل السّلام سهواً، أو أنّ المراد بالسّجدتين سجدتا الصّلاة، أو المراد بالتّسليم التّسليمة الثّانية، ولا يخفى ضعف ذلك وبعده. قوله: (كبّر وهو جالسٌ) وللبخاري " كبَّر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس " , وهي جملة حاليّة متعلقة بقوله " سجد " أي: أنشأ السّجود جالساً. قوله: (فسجد سجدتين قبل أن يسلم) فيه مشروعيّة سجود السّهو , وأنّه سجدتان , فلو اقتصر على سجدةٍ واحدةٍ ساهياً لَم يلزمه شيء أو عامداً بطلت صلاته , لأنّه تعمّد الإتيان بسجدةٍ زائدةٍ ليست مشروعة. وأنّه يكبّر لهما كما يكبّر في غيرهما من السّجود. وفي رواية الليث عن ابن شهاب عند البخاري " يكبّر في كل سجدة " وفي رواية الأوزاعيّ " فكبّر ثمّ سجد ثمّ كبّر فرفع رأسه , ثمّ كبّر فسجد ثمّ كبّر فرفع رأسه , ثمّ سلم " أخرجه ابن ماجه، ونحوه في رواية ابن جريج بلفظ " فكبر فسجد ثم كبر فسجد ثم سلم " أخرجه أحمد. واستدل به على مشروعيّة التّكبير فيهما والجهر به كما في الصّلاة وأنّ

стр. 845

بينهما جلسةً فاصلةً. واستدل به بعض الشّافعيّة على الاكتفاء بالسّجدتين للسّهو في الصّلاة، ولو تكرّر من جهة أنّ الذي فات في هذه القصّة الجلوس والتّشهّد فيه , وكلٌّ منهما لو سها المُصلِّي عنه على انفراده سجد لأجله , ولَم ينقل أنّه ﷺ سجد في هذه الحالة غير سجدتين. وتعقّب: بأنّه ينبني على ثبوت مشروعيّة السّجود لترك ما ذكر، ولَم يستدلّوا على مشروعيّة ذلك بغير هذا الحديث فيستلزم إثبات الشّيء بنفسه وفيه ما فيه، وقد صرّح في بقيّة الحديث بأنّ السّجود مكان ما نسي من الجلوس كما سيأتي من رواية الليث بلفظ " وسجدهما الناس معه , مكان ما نسي من الجلوس "، نعم حديث ذي اليدين دالٌّ لذلك كما تقدم قوله: (ثمّ سلَّم) زاد في رواية يحيى بن سعيد " ثمّ سلم بعد ذلك " وزاد في رواية الليث عند البخاري " وسجدهما النّاس معه مكان ما نسي من الجلوس " واستدل به على أنّ سجود السّهو قبل السّلام , ولا حجّة فيه في كون جميعه كذلك، نعم. يردّ على من زعم أنّ جميعه بعد السّلام كالحنفيّة. واستُدل بزيادة الليث المذكورة على أنّ السّجود خاصٌّ بالسّهو , فلو تعمّد ترك شيءٍ ممّا يجبر بسجود السّهو لا يسجد , وهو قول الجمهور، ورجّحه الغزاليّ وناس من الشّافعيّة.
следующие страницы →