← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الحديث الواحد والستون ١١٠ - عن عبد الله بن بحينة - وكان من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى بهم الظّهر , فقام في الرّكعتين الأوليين , ولَم يجلس , فقام النّاس معه , حتّى إذا قضى الصّلاة , وانتظر النّاس تسليمه , كبّر وهو جالسٌ. فسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم ثمّ سلَّم. (١) قوله: (بحينة) بالضم وفتح الحاء المهملة (٢) قوله: (صلَّى بهم) في رواية لهما " صلَّى لنا " أي: بنا أو لأجلنا , وللبخاري من رواية ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن الأعرج بلفظ " صلَّى بنا " قوله: (فقام في الرّكعتين الأوليين , ولَم يجلس) أي: للتّشهّد، وفي صحيح مسلم " فلم يجلس " بالفاء، زاد الضّحّاك بن عثمان عن الأعرج " فسبّحوا به فمضى حتّى فرغ من صلاته " أخرجه ابن خزيمة. وفي حديث معاوية عند النّسائيّ وعقبة بن عامر عند الحاكم جميعاً نحو هذه القصّة بهذه الزّيادة. وللبخاري " فقام وعليه جلوس ". قال ابن رشيد: إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصّلاة من غير

стр. 842

تقييد فالمراد به جلوس التّشهّد. انتهى والتشهد هو تفعّل من تشهّد، سُمِّي بذلك لاشتماله على النّطق بشهادة الحقّ تغليباً لها على بقيّة أذكاره لشرفها. واستدل بالحديث وهو القول الأول: على استحباب التشهد الأول. ووجه الدّلالة من حديث الباب , أنّه لو كان واجباً لرجع إليه لَمّا سبّحوا به بعد أن قام، ويعرف منه أنّ قول ناصر الدّين ابن المنير في الحاشية: لو كان واجباً لسبّحوا به , ولَم يسارعوا إلى الموافقة على التّرك، غفلةٌ عن الرّواية المنصوص فيها على أنّهم سبّحوا به. قال ابن بطّال: والدّليل على أنّ سجود السّهو لا ينوب عن الواجب , أنّه لو نسي تكبيرة الإحرام لَم تجبر فكذلك التّشهّد، ولأنّه ذكر لا يجهر به بحالٍ فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتجّ غيره بتقريره ﷺ النّاس على متابعته بعد أن علم أنّهم تعمّدوا تركه. وفيه نظرٌ. وقال الزين بن المنير: وفي لفظ الحديث ما يشعر بالوجوب حيث قال " وعليه جلوس " وهو محتمل، وورد الأمر بالتّشهّد الأوّل أيضاً. انتهى. القول الثاني: قال بوجوبه الليث وإسحاق وأحمد في المشهور وهو قول للشّافعيّ، وفي رواية عند الحنفيّة.

стр. 843

واحتجّ الطّبريّ لوجوبه: بأنّ الصّلاة فرضت أوّلاً ركعتين , وكان التّشهّد فيها واجباً فلمّا زيدت لَم تكن الزّيادة مزيلة لذلك الواجب. وأجيب: بأنّ الزّيادة لَم تتعيّن في الأخيرتين , بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأوّل. والمزيد هما الرّكعتان الأولتان بتشهّدهما. ويؤيّده. استمرار السّلام بعد التّشهّد الأخير كما كان. واحتجّ أيضاً: بأنّ من تعمّد ترك الجلوس الأوّل بطلت صلاته. وهذا لا يرِد , لأنّ من لا يوجبه لا يبطل الصّلاة بتركه. فائدةٌ: لا خلاف في أنّ ألفاظ التّشهّد في الأولى كالتي في الأخيرة، إلاَّ ما روى الزّهريّ عن سالم قال: وكان ابن عمر لا يسلم في التّشهّد الأوّل، كان يرى ذلك نسخاً لصلاته. قال الزّهريّ: فأمّا أنا فأسلم، يعني قوله " السّلام عليك أيّها النّبيّ - إلى - الصّالحين " هكذا أخرجه عبد الرّزّاق. قوله: (حتّى إذا قضى الصّلاة) أي: فرغ منها كذا رواه مالك عن الزهري. وقد استدل به لمن زعم أنّ السّلام ليس من الصّلاة , حتّى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلم تمّت صلاته , وهو قول بعض الصّحابة والتّابعين. وبه قال أبو حنيفة. وتعقّب: بأنّ السّلام لَمّا كان للتّحليل من الصّلاة كان المُصلِّي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته. ويدلّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من

стр. 844

الثّقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج " حتّى إذا فرغ من الصّلاة إلاَّ أن يسلم " فدلَّ على أنّ بعض الرّواة حذف الاستثناء لوضوحه، والزّيادة من الحافظ مقبولة. قوله: (وانتظر النّاس تسليمه) وفي هذه الجملة ردّ على من زعم أنّه ﷺ سجد في قصّة ابن بحينة قبل السّلام سهواً، أو أنّ المراد بالسّجدتين سجدتا الصّلاة، أو المراد بالتّسليم التّسليمة الثّانية، ولا يخفى ضعف ذلك وبعده. قوله: (كبّر وهو جالسٌ) وللبخاري " كبَّر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس " , وهي جملة حاليّة متعلقة بقوله " سجد " أي: أنشأ السّجود جالساً. قوله: (فسجد سجدتين قبل أن يسلم) فيه مشروعيّة سجود السّهو , وأنّه سجدتان , فلو اقتصر على سجدةٍ واحدةٍ ساهياً لَم يلزمه شيء أو عامداً بطلت صلاته , لأنّه تعمّد الإتيان بسجدةٍ زائدةٍ ليست مشروعة. وأنّه يكبّر لهما كما يكبّر في غيرهما من السّجود. وفي رواية الليث عن ابن شهاب عند البخاري " يكبّر في كل سجدة " وفي رواية الأوزاعيّ " فكبّر ثمّ سجد ثمّ كبّر فرفع رأسه , ثمّ كبّر فسجد ثمّ كبّر فرفع رأسه , ثمّ سلم " أخرجه ابن ماجه، ونحوه في رواية ابن جريج بلفظ " فكبر فسجد ثم كبر فسجد ثم سلم " أخرجه أحمد. واستدل به على مشروعيّة التّكبير فيهما والجهر به كما في الصّلاة وأنّ

стр. 845

بينهما جلسةً فاصلةً. واستدل به بعض الشّافعيّة على الاكتفاء بالسّجدتين للسّهو في الصّلاة، ولو تكرّر من جهة أنّ الذي فات في هذه القصّة الجلوس والتّشهّد فيه , وكلٌّ منهما لو سها المُصلِّي عنه على انفراده سجد لأجله , ولَم ينقل أنّه ﷺ سجد في هذه الحالة غير سجدتين. وتعقّب: بأنّه ينبني على ثبوت مشروعيّة السّجود لترك ما ذكر، ولَم يستدلّوا على مشروعيّة ذلك بغير هذا الحديث فيستلزم إثبات الشّيء بنفسه وفيه ما فيه، وقد صرّح في بقيّة الحديث بأنّ السّجود مكان ما نسي من الجلوس كما سيأتي من رواية الليث بلفظ " وسجدهما الناس معه , مكان ما نسي من الجلوس "، نعم حديث ذي اليدين دالٌّ لذلك كما تقدم قوله: (ثمّ سلَّم) زاد في رواية يحيى بن سعيد " ثمّ سلم بعد ذلك " وزاد في رواية الليث عند البخاري " وسجدهما النّاس معه مكان ما نسي من الجلوس " واستدل به على أنّ سجود السّهو قبل السّلام , ولا حجّة فيه في كون جميعه كذلك، نعم. يردّ على من زعم أنّ جميعه بعد السّلام كالحنفيّة. واستُدل بزيادة الليث المذكورة على أنّ السّجود خاصٌّ بالسّهو , فلو تعمّد ترك شيءٍ ممّا يجبر بسجود السّهو لا يسجد , وهو قول الجمهور، ورجّحه الغزاليّ وناس من الشّافعيّة.

стр. 846

واستدل به أيضاً على أنّ المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام وإن لَم يسه المأموم، ونقل ابن حزمٍ فيه الإجماع. لكن استثنى غيره ما إذا ظنّ الإمام أنّه سها فسجد وتحقّق المأموم أنّ الإمام لَم يسه فيما سجد له. وفي تصويرها عسر، وما إذا تبيّن أنّ الإمام محدث، ونقل أبو الطّيّب الطّبريّ , أنّ ابن سيرين استثنى المسبوق أيضاً. وفي هذا الحديث أنّ سجود السّهو لا تشهّد بعده إذا كان قبل السّلام (١) , وأنّ التّشهّد الأوّل غير واجبٍ. وأنّ من سها عن التّشهّد الأوّل حتّى قام إلى الرّكعة ثمّ ذكر لا يرجع , فقد سبّحوا به ﷺ فلم يرجع، فلو تعمّد الْمُصلِّي الرّجوع بعد تلبّسه بالرّكن بطلت صلاته. عند الشّافعيّ خلافاً للجمهور. وأنّ السّهو والنّسيان جائزان على الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيما طريقه التّشريع، وأنّ محلّ سجود السّهو آخر الصّلاة فلو سجد للسّهو قبل أن يتشهّد ساهياً أعاد عند من يوجب التّشهّد الأخير , وهم الجمهور. تكميلٌ: اختلف أهل العلم بين ما إذا كان السّهو بالنّقصان أو الزّيادة. القول الأول: في الأوّل يسجد قبل السّلام كما في حديث ابن بحينة , وفي الزّيادة يسجد بعده، وبالتّفرقة هكذا. قال مالك والمزنيّ وأبو

стр. 847

ثورٍ من الشّافعيّة. وزعم ابن عبد البرّ , أنّه أولى من قول غيره للجمع بين الخبرين (١). قال: وهو موافقٌ للنّظر , لأنّه في النّقص جَبْرٌ فينبغي أن يكون من أصل الصّلاة، وفي الزّيادة ترغيم للشّيطان فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شكّ أنّ الجمع أولى من التّرجيح وادّعاء النّسخ، ويترجّح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرةً , وكان الحكم على وفقها. كانت عِلَّة فيعمّ الحكم جميع محالّها فلا تخصّص إلاَّ بنصّ. وتعقّب: بأنّ كون السّجود في الزّيادة ترغيماً للشّيطان فقط ممنوع، بل هو جبرٌ أيضاً لِمَا وقع من الخلل، فإنّه وإن كان زيادة فهو نقصٌ في المعنى، وإنّما سمّى النّبيّ ﷺ سجود السّهو ترغيماً للشّيطان في حالة الشّكّ كما في حديث أبي سعيد عند مسلم. وقال الخطّابيّ: لَم يرجع من فرّق بين الزّيادة والنّقصان إلى فرقٍ صحيحٍ. وأيضاً فقصّة ذي اليدين وقع السّجود فيها بعد السّلام وهي عن نقصان. وأمّا قول النّوويّ: أقوى المذاهب فيها قول مالك ثمّ أحمد. فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى , لأنّه قال يستعمل كلّ حديث

стр. 848

فيما ورد فيه، وما لَم يرد فيه شيءٌ يسجد قبل السّلام. وهو القول الثاني. قال: ولولا ما روي عن النّبيّ ﷺ في ذلك لرأيته كلّه قبل السّلام، لأنّه من شأن الصّلاة فيفعله قبل السّلام. القول الثالث: قال إسحاق مثله، إلاَّ أنّه قال: ما لَم يرد فيه شيءٌ يفرّق فيه بين الزّيادة والنّقصان، فحرّر مذهبه من قولي أحمد ومالك. وهو أعدل المذاهب فيما يظهر. القول الرابع: أمّا داود فجرى على ظاهريّته , فقال: لا يشرع سجود السّهو إلاَّ في المواضع التي سجد النّبيّ ﷺ فيها فقط. القول الخامس: عند الشّافعيّ سجود السّهو كلّه قبل السّلام. القول السادس: عند الحنفيّة كلّه بعد السّلام، واعتمد الحنفيّة على حديث ابن مسعود (١). وتعقّب: بأنّه لَم يعلم بزيادة الرّكعة إلاَّ بعد السّلام حين سألوه: هل زيد في الصّلاة؟. وقد اتّفق العلماء في هذه الصّورة. على أنّ سجود السّهو بعد السّلام لتعذّره قبله لعدم علمه بالسّهو، وإنّما تابعه الصّحابة لتجويزهم الزّيادة في الصّلاة , لأنّه كان زمان توقّع النّسخ. وأجاب بعضهم: بما وقع في حديث ابن مسعود من الزّيادة , وهي " إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصّواب فليتمّ عليه , ثمّ ليسلم

стр. 849

ثمّ يسجد سجدتين " متفق عليه. وأجيب: بأنّه معارضٌ بحديث أبي سعيد عند مسلم. ولفظه: إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلَّى , فليطرح الشّكّ وليبنِ على ما استيقن , ثمّ يسجد سجدتين قبل أن يسلم. وبه تمسّك الشّافعيّة. وجمع بعضهم بينهما بحمل الصّورتين على حالتين. ورجّح البيهقيّ طريقة التّخيير في سجود السّهو قبل السّلام أو بعده. ونقل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز , وإنّما الخلاف في الأفضل. وكذا أطلق النّوويّ. وتعقّب: بأنّ إمام الحرمين نقل في " النّهاية " الخلاف في الإجزاء عن المذهب , واستبعد القول بالجواز. وكذا نقل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالفٌ لِمَا قاله ابن عبد البرّ: إنّه لا خلاف عن مالكٍ , أنّه لو سجد للسّهو كلّه قبل السّلام أو بعده أن لا شيء عليه، فيجمع بأنّ الخلاف بين أصحابه والخلاف عند الحنفيّة. قال القدوريّ: لو سجد للسّهو قبل السّلام , روي عن بعض أصحابنا لا يجوز , لأنّه أداءٌ قبل وقته، وصرّح صاحب الهداية بأنّ الخلاف عندهم في الأولويّة. وقال ابن قدامة في " المقنع ": من ترك سجود السّهو الذي قبل السّلام بطلت صلاته إن تعمّد، وإلاّ فيتداركه ما لَم يطل الفصل.

стр. 850

ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة. وقال ابن خزيمة: لا حجّة للعراقيّين في حديث ابن مسعود , لأنّهم خالفوه فقالوا: إن جلس المُصلِّي في الرّابعة مقدار التّشهّد أضاف إلى الخامسة سادسة ثمّ سلم وسجد للسّهو، وإن لَم يجلس في الرّابعة لَم تصحّ صلاته. ولَم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة , ولا إعادة , ولا بدّ من أحدهما عندهم. قال: ويحرم على العالم أن يخالف السّنّة بعد علمه بها.

стр. 851

باب المرور بين يدي المُصلِّي الحديث الثاني والستون ١١١ - عن أبي جهيم بن الحارث بن الصّمّة الأنصاريّ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : لو يعلم المارّ بين يديْ الْمُصلِّي ماذا عليه من الإثم (١) لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرّ بين يديه. قال أبو النّضر: لا أدري , قال أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً. (٢) قوله: (عن أبي جهيم بن الحارث) قيل اسمه عبد الله , وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: يقال هو الحارث بن الصمّة. فعلى هذا لفظة ابن زائدة بين أبي جهيم والحارث , لكن صحَّح أبو حاتم أنَّ الحارث اسم أبيه لا اسمه , وفرَّق ابن أبي حاتم بينه وبين عبد الله بن جهيم يكنى أيضاً أبا جهيم. وقال ابن منده: عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة. فجعل الحارث اسم جده , ولم يوافق عليه , وكأنَّه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة فيه. والصِّمة بكسر المهملة وتشديد الميم. هو ابن عمرو بن عتيك

стр. 852

الخزرجي. وفي الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم - وهو صاحب الإنبجانية - (١) وهو غير هذا لأنه قرشي وهذا أنصاري , ويقال بحذف الألف واللام في كلٍّ منهما وبإثباتهما. قوله: (بين يدي المُصلِّي) أي: أمامه بالقرب منه، وعبّر باليدين لكون أكثر الشّغل يقع بهما. واختلف في تحديد ذلك. فقيل: إذا مرّ بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية بحجر. قوله: (ماذا عليه من الإثم) زاد الكشميهنيّ " من الإثم " , وليست هذه الزّيادة في شيءٍ من الرّوايات عند غيره، والحديث في الموطّأ بدونها. وقال ابن عبد البرّ: لَم يختلف على مالك في شيءٍ منه. وكذا رواه باقي السّتّة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولَم أرها في شيءٍ من الرّوايات مطلقاً. لكن في مصنّف ابن أبي شيبة " يعني من الإثم ". فيحتمل: أن تكون ذكرت في أصل البخاريّ حاشية فظنّها الكشميهنيّ أصلاً؛ لأنّه لَم يكن من أهل العلم , ولا من الحفّاظ , بل كان راوية.

стр. 853

وقد عزاها المحبّ الطّبريّ في الأحكام للبخاريّ وأطلق، فعِيْب ذلك عليه , وعلى صاحب العمدة في إيهامه أنّها في الصّحيحين. وأنكر ابن الصّلاح في مشكل الوسيط على من أثبتها في الخبر , فقال: لفظ الإثم. ليس في الحديث صريحاً. ولَمَّا ذكره النّوويّ في شرح المهذّب دوَّنها قال: وفي روايةٍ روّيناها في الأربعين لعبد القادر الهرويّ " ماذا عليه من الإثم ". قوله: (لكان أن يقف أربعين) يعني: أنّ المارّ لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المُصلِّي لاختار أن يقف المدّة المذكورة حتّى لا يلحقه ذلك الإثم. وقال الكرمانيّ: جواب " لو " ليس هو المذكور، بل التّقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين ولو وقف أربعين لكان خيراً له. وليس ما قاله متعيّناً، قال: وأبهم المعدود تفخيماً للأمر وتعظيماً. قلت: ظاهر السّياق. أنّه عيّن المعدود , ولكن شكّ الرّاوي فيه. ثمّ أبدى الكرمانيّ لتخصيصٍ الأربعين بالذّكر حكمتين: إحداهما: كون الأربعة أصل جميع الأعداد. فلمّا أُريد التّكثير ضربت في عشرة. ثانيتهما: كون كمال أطوار الإنسان بأربعين كالنّطفة والمضغة والعلقة، وكذا بلوغ الأشدّ. ويحتمل غير ذلك. انتهى. وفي ابن ماجه وابن حبّان من حديث أبي هريرة " لكان أن يقف مائة عام خيراً له من الخطوة التي خطاها ". وهذا يشعر بأنّ إطلاق

стр. 854

الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر , لا لخصوص عددٍ معيّنٍ. وجنح الطّحاويّ إلى أنّ التّقييد بالمائة وقع بعد التّقييد بالأربعين زيادةً في تعظيم الأمر على المارّ؛ لأنّهما لَم يقعا معاً إذ المائة أكثر من الأربعين , والمقام مقام زجرٍ وتخويفٍ فلا يناسب أن يتقدّم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخّر. ومميّز الأربعين إن كان هو السّنة ثبت المدّعى، وأمّا دونها فمن باب الأولى. وقد وقع في مسند البزّار من طريق ابن عيينة عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن أبي الجهيم التي ذكرها ابن القطّان " لكان أن يقف أربعين خريفاً ". أخرجه عن أحمد بن عبدة الضّبّيّ عن ابن عيينة. وقد جعل ابن القطّان الجزم في طريق ابن عيينة. والشّكّ في طريق غيره دالاًّ على التّعدّد، لكن رواه أحمد وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وغيرهم من الحفّاظ عن ابن عيينة عن أبي النّضر على الشّكّ أيضاً , وزاد فيه " أو ساعة " , فيبعد أن يكون الجزم والشّكّ وقعا معاً من راوٍ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ إلاَّ أن يقال: لعلَّه تذكّر في الحال فجزم، وفيه ما فيه. قوله: (خيراً له) كذا في روايتنا بالنّصب على أنّه خبر كان، ولبعضهم " خير " بالرّفع. وهي رواية التّرمذيّ، وأعربها ابن العربيّ على أنّها اسم كان، وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنّكرة لكونها موصوفةً. ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشّأن والجملة خبرها.

стр. 855

قوله: (قال أبو النّضر) هو كلام مالكٍ , وليس من تعليق البخاريّ، لأنّه ثابتٌ في الموطّأ من جميع الطّرق. وكذا ثبت في رواية الثّوريّ وابن عيينة. قال النّوويّ: فيه دليل على تحريم المرور، فإنّ معنى الحديث النّهي الأكيد والوعيد الشّديد على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك أن يعدّ في الكبائر , وفيه أخذ القرين عن قرينه ما فاته أو استثباته فيما سمع معه. وفيه الاعتماد على خبر الواحد؛ لأنّ زيداً اقتصر على النّزول مع القدرة على العلوّ اكتفاءً برسوله المذكور. وفيه استعمال " لو " في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النّهي، لأنّ محلّ النّهي أن يشعر بما يعاند المقدور. تنبيهات: أحدها: استنبط ابن بطّال من قوله " لو يعلم " أنّ الإثم يختصّ بمن يعلم بالنّهي وارتكبه. انتهى. وأخذُه من ذلك فيه بعدٌ، لكن هو معروفٌ من أدلةٍ أخرى. ثانيها: ظاهر الحديث أنّ الوعيد المذكور يختصّ بمن مرّ. لا بمن وقف عامداً مثلاً بين يدي المُصلِّي. أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التّشويش على المُصلِّي فهو في معنى المارّ. ثالثها: ظاهره عموم النّهي في كلّ مصلٍّ، وخصّه بعض المالكيّة بالإمام والمنفرد؛ لأنّ المأموم لا يضرّه من مرّ بين يديه؛ لأنّ سترة إمامه سترة له أو إمامه سترة له. انتهى.

стр. 856

والتّعليل المذكور لا يطابق المدّعى؛ لأنّ السّترة تفيد رفع الحرج عن المُصلِّي لا عن المارّ، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك. رابعها: ذكر ابن دقيق العيد: أنّ بعض الفقهاء أي: المالكيّة قسّم أحوال المارّ والمُصلِّي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المارّ دون المُصلِّي، وعكسه يأثمان جميعاً، وعكسه. فالصّورة الأولى: أن يُصلِّي إلى سترةٍ في غير مشرعٍ , وللمارّ مندوحة فيأثم المارّ دون المُصلِّي. الثّانية: أن يُصلِّي في مشرعٍ مسلوك بغير سترةٍ أو متباعداً عن السّترة , ولا يجد المارّ مندوحة. فيأثم المُصلِّي دون المارّ. الثّالثة: مثل الثّانية , لكن يجد المارّ مندوحة فيأثمان جميعاً. الرّابعة: مثل الأولى لكن لَم يجد المارُّ مندوحة فلا يأثمان جميعاً. انتهى. وظاهر الحديث يدلّ على منع المرور مطلقاً ولو لَم يجد مسلكاً , بل يقف حتّى يفرغ المُصلِّي من صلاته. ويؤيّده قصّة أبي سعيد (١) فإن فيها " فنظر الشاب فلم يجد مساغاً ". وقول إمام الحرمين: إنّ الدّفع لا يشرع للمصلي في هذه الصّور تبعه الغزاليّ، ونازعه الرّافعيّ. وتعقّبه ابن الرّفعة: بما حاصله أنّ الشّابّ إنّما استوجب من أبي سعيد الدّفع لكونه قصّر في التّأخّر عن الحضور إلى الصّلاة حتّى وقع

стр. 857

الزّحام. انتهى. وما قاله محتمل , لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأنّ أبا سعيد لَم يعتذر بذلك؛ ولأنّه متوقّفٌ على أنّ ذلك وقع قبل صلاة الجمعة أو فيها. مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها فلا يتّجه ما قاله من التّقصير بعدم التّبكير، بلى كثرة الزّحام حينئذٍ أوجه، والله أعلم. التنبيه الخامس: وقع في رواية أبي العبّاس السّرّاج من طريق الضّحّاك بن عثمان عن أبي النّضر " لو يعلم المارّ بين يدي المُصلِّي والْمُصلَّى ". فحمله بعضهم: على ما إذا قصّر المُصلِّي في دفع المارّ أو بأن صلَّى في الشّارع، ويحتمل: أن يكون قوله " والمصلَّى " بفتح اللام. أي: بين يدي المُصلِّي من داخل سترته، وهذا أظهر، والله أعلم.

стр. 858

الحديث الثالث والستون ١١٢ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلَّى أحدكم إلى شيءٍ يستره من النّاس , فأراد أحدٌ أن يَجتازَ بين يديه فليدفعه. فإنْ أَبَى فليقاتله , فإنّما هو شيطانٌ. (١) قوله: (إلى شيء يستره) هذا لفظ سليمان بن المغيرة عن حميد , وللبخاري من طريق يونس عن حميد بن هلال: إذا مرّ بين يدي أحدكم شيءٌ وهو يُصلِّي " وليس فيه تقييد الدّفع بما إذا كان المُصلِّي يُصلِّي إلى سترة. وذكر الإسماعيليّ: أنّ سليم بن حيّان (٢) تابع يونسَ عن حميدٍ على عدم التّقييد. قلت: والمطلق في هذا محمول على المقيّد؛ لأنّ الذي يُصلِّي إلى غير

стр. 859

سترةٍ مقصّرٌ بتركها , ولا سيّما إن صلَّى في مشارع المشاة , وقد روى عبد الرّزّاق عن معمر التّفرقة بين من يُصلِّي إلى سترةٍ وإلى غير سترة. وفي الرّوضة تبعاً لأصلها: ولو صلَّى إلى غير سترةٍ أو كانت , وتباعد منها , فالأصحّ. أنّه ليس له الدّفع لتقصيره , ولا يحرم المرور حينئذٍ بين يديه (١) ولكنّ الأولى تركه. قوله: (فليدفعه) ولمسلمٍ " فليدفع في نحره " قال القرطبيّ: أي: بالإشارة ولطيف المنع. وقوله: (فليقاتله) أي: يزيد في دفعه الثّاني أشدّ من الأوّل. قال القرطبي: وأجمعوا على أنّه لا يلزمه أن يقاتله بالسّلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصّلاة والاشتغال بها والخشوع فيها. انتهى. وأطلق جماعةٌ من الشّافعيّة أنّ له أن يقاتله حقيقة , واستبعد ابن العربيّ ذلك في " القبس " وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة. وأغرب الباجيّ , فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن أو التّعنيف.

стр. 860

وتعقّب: بأنّه يستلزم التّكلّم في الصّلاة وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير. ويمكن أن يكون أراد أنّه يلعنه داعياً لا مخاطباً، لكنّ فعل الصّحابيّ يخالفه، وهو أدرى بالمراد. وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ " فإن أبى , فليجعل يده في صدره ويدفعه " وهو صريحٌ في الدّفع باليد. ونقل البيهقيّ عن الشّافعيّ: أنّ المراد بالمقاتلة دفعٌ أشدّ من الدّفع الأوّل، وما جاء عن ابن عمر يقتضي أنّ المقاتلة إنّما تشرع إذا تعيّنت في دفعه. فأخرج عبد الرّزّاق عنه أنه قال: لا تدع أحداً يمرّ بين يديك وأنت تصلي، فإن أبى إلاَّ أن تقاتله فقاتله. وبنحوه صرّح أصحابنا , فقالوا: يردّه بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشدّ، ولو أدّى إلى قتله. فلو قتل فلا شيء عليه؛ لأنّ الشّارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. ونقل عياض وغيره , أنّ عندهم خلافاً في وجوب الدّية في هذه الحالة. ونقل ابن بطّال وغيره الاتّفاق على أنّه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأنّ ذلك أشدّ في الصّلاة من المرور. وذهب الجمهور. إلى أنّه إذا مرّ ولَم يدفعه فلا ينبغي له أن يردّه؛ لأنّ فيه إعادةً للمرور. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره , أنّ له ذلك، ويمكن حمله على ما إذا ردّه فامتنع وتمادى، لا حيث يقصّر

стр. 861

المُصلِّي في الرّدّ. وقال النّوويّ: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب هذا الدّفع، بل صرّح أصحابنا بأنّه مندوب. انتهى. وقد صرّح بوجوبه أهّل الظّاهر، فكأنّ الشّيخ لَم يراجع كلامهم فيه , أو لَم يعتدّ بخلافهم. قوله: (فإنّما هو شيطانٌ) أي: فعله فعل الشّيطان؛ لأنّه أبى إلاَّ التّشويش على المُصلِّي. وإطلاق الشّيطان على المارد من الإنس سائغ شائع وقد جاء في القرآن قوله تعالى (شياطين الإنس والجنّ). وقال ابن بطّال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشّيطان على من يفتن في الدّين، وأنّ الحكم للمعاني دون الأسماء، لاستحالة أن يصير المارّ شيطاناً بمجرّد مروره. انتهى. وهو مبنيٌّ على أنّ لفظ " الشّيطان " يطلق حقيقةً على الجنّيّ ومجازاً على الإنسيّ، وفيه بحث. ويحتمل: أن يكون المعنى: فإنّما الحامل له على ذلك الشّيطان. وقد وقع في روايةٍ للإسماعيليّ " فإنّما هو شيطان " ونحوه لمسلمٍ من حديث ابن عمر بلفظ " فإنّ معه القرين ". واستنبط ابن أبي جمرة من قوله " فإنّما هو شيطان " أنّ المراد بقوله " فليقاتله " المدافعة اللطيفة لا حقيقة القتال، قال: لأنّ مقاتلة الشّيطان إنّما هي بالاستعاذة والتّستّر عنه بالتّسمية ونحوها، وإنّما جاز الفعل اليسير في الصّلاة للضّرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشدّ على

стр. 862

صلاته من المارّ. قال: وهل المقاتلة لخللٍ يقع في صلاة المُصلِّي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارّ؟ الظّاهر الثّاني. انتهى. وقال غيره: بل الأوّل أظهر؛ لأنّ إقبال المُصلِّي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود , أنّ المرور بين يدي المُصلِّي يقطع نصف صلاته , وروى أبو نعيم عن عمر: لو يعلم المُصلِّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه , ما صلَّى إلاَّ إلى شيءٍ يستره من النّاس. فهذان الأثران مقتضاهما أنّ الدّفع لخللٍ يتعلق بصلاة المُصلِّي، ولا يختصّ بالمارّ، وهما - وإن كانا موقوفين لفظاً - فحكمهما حكم الرّفع؛ لأنّ مثلهما لا يقال بالرّأي. فائدة: روى الشيخان عن سهل بن سعد السَّاعدي قال: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة. قال ابن بطال: هذا أقلُّ ما يكون بين المصلي وسترته، يعني قدر ممر الشاة، وقيل: أقل ذلك ثلاثة أذرع لحديث بلال , أنَّ النبي ﷺ صلَّى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع. أخرجه البخاري. وجمع الداودي: بأنَّ أقلَّه ممر الشاة. وأكثره ثلاثة أذرع. وجمع بعضهم: بأنَّ الأول في حال القيام والقعود والثاني في حال الركوع والسجود.

стр. 863

وقال ابن الصلاح: قدَّروا ممر الشاة بثلاثة أذرع. قلت: ولا يخفى ما فيه. وقال البغوي: استحب أهلُ العلم الدنوَّ من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف. وقد ورد الأمر بالدنو منها، وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعاً: إذا صلَّى أحدكم إلى سُترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته.

стр. 864

الحديث الرابع والستون ١١٣ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: أقبلْتُ راكباً على حمارٍ أتانٍ , وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام , ورسول الله ﷺ يُصلِّي بالنّاس بمنىً إلى غير جدارٍ. فمررتُ بين يدي بعض الصّفّ فنزلت , فأرسلت الأتان ترتع. ودخلت في الصّفّ , فلم ينكر ذلك عليَّ أحدٌ. (١) قوله: (على حمار) هو اسم جنس يشمل الذّكر والأنثى كقولك بعير. وقد شذّ حمارة في الأنثى. حكاه في الصّحاح. قوله: (أتان) بفتح الهمزة وشذّ كسرها كما حكاه الصّغانيّ , هي الأنثى من الحمير، وربّما قالوا للأنثى: أتانة حكاه يونس وأنكره غيره، فجاء في الرّواية على اللّغة الفصحى. وحمارٌ أتانٌ بالتّنوين فيهما على النّعت أو البدل، وروي بالإضافة. وذكر ابن الأثير: أنّ فائدة التّنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أنّ الأنثى من بني آدم لا تقطع الصّلاة , لأنّهنّ أشرف. وهو قياس صحيح من حيث النّظر، إلاَّ أنّ الخبر الصّحيح (٢) لا

стр. 865

يدفع بمثله. قوله: (ناهزت) أي: قاربت، والمراد بالاحتلام البلوغ الشّرعيّ. وفي البخاري من رواية أبي بشر عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال ابن عبّاسٍ: توفّي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين. وقد استشكل عياض قول ابن عبّاسٍ: توفّي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين " وقوله " أنّه كان في حجّة الوداع ناهز الاحتلام " , وللبخاري عن ابن عباس , أنّ النّبيّ ﷺ مات وأنا ختينٌ , وكانوا لا يختنون الرّجل حتّى يدرك , وعنه أيضاً , أنّه كان عند موت النّبيّ ﷺ ابن خمس عشرة سنةً. وسبق إلى استشكال ذلك الإسماعيليّ , وبالغ الداودي , فقال: حديث أبي بشرٍ وهْمٌ. وقال عمرو بن عليٍّ الفلاس: الصّحيح عندنا أنّ ابن عبّاسٍ كان له عند وفاة النّبيّ ﷺ ثلاث عشرة سنةً قد استكملها. وأسند البيهقيّ عن مصعب الزبيري , أنه كان بن أربع عشرة , وبه جزم الشّافعيّ في الأمّ , ثمّ حكى أنّه قيل: ستّ عشرة , وحكى: ثلاث عشرة. وهو المشهور. وأورد البيهقيّ عن أبي العالية عن ابن عبّاسٍ: قرأت المحكم على عهد رسول الله ﷺ وأنا ابن ثنتي عشرة. فهذه ستّة أقوالٍ , ولو ورد إحدى عشرة لكانت سبعةً , لأنّها من عشرٍ إلى ستّ عشرة. قلت: والأصل فيه قول الزّبير بن بكّارٍ وغيره من أهل النّسب , أنَّ

стр. 866

ولادة ابن عبّاس كانت قبل الهجر بثلاث سنين , وبنو هاشمٍ في الشِّعْب (١) , وذلك قبل وفاة أبي طالبٍ. ونحوه لأبي عبيدٍ , وبذلك

стр. 867

قطع أهل السّير , وصحَّحه ابن عبد البر , وأورد بسند صحيح عن ابن عبّاسٍ , أنّه قال: ولدت وبنو هاشمٍ في الشِّعْب. ويمكن الجمع بين مختلف الرّوايات إلاَّ ستّ عشرة وثنتي عشرة , فإنّ كلاًّ منهما لَم يثبت سنده. أنّ المحفوظ الصّحيح , أنّه ولد بالشِّعْب , وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين , فيكون له عند الوفاة النّبويّة ثلاث عشرة سنةً. وهذا لا ينافي قوله " ناهزت الاحتلام " أي: قاربته , ولا قوله " وكانوا لا يختنون الرّجل حتّى يدرك " , لاحتمال أن يكون أدرك فختن قبل الوفاة النّبويّة وبعد حجّة الوداع. وأما قوله " وأنا ابن عشرٍ " , فمحمولٌ على إلغاء الكسر , وروى أحمد من طريق أخرى عن ابن عبّاس , أنه كان حينئذٍ ابن خمس عشرة ". يمكن ردّه إلى رواية ثلاث عشرة , بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء , وولد في أثناء السّنة , فجبر الكسرين , بأن يكون ولد مثلاً في شوّالٍ فله من السّنة الأولى ثلاثة. قوله: (يُصلِّي بالنّاس بمنىً) كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزّهريّ عنه، ووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة " بعرفة ".

стр. 868

قال النّوويّ: يُحمل ذلك على أنّهما قضيّتان. وتعقّب: بأنّ الأصل عدم التّعدّد ولا سيّما مع اتّحاد مخرج الحديث، فالحقّ أنّ قول ابن عيينة " بعرفة " شاذّ. ووقع عند مسلم أيضاً من رواية معمرٍ عن الزّهريّ " وذلك في حجّة الوداع أو الفتح " , وهذا الشّكّ من معمرٍ لا يعوّل عليه، والحقّ أنّ ذلك كان في حجّة الوداع. قوله: (إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة. قاله الشّافعيّ. وسياق الكلام يدلّ على ذلك؛ لأنّ ابن عبّاس أورده في معرض الاستدلال على أنّ المرور بين يدي المُصلِّي لا يقطع صلاته. ويؤيّده رواية البزّار بلفظ: والنّبيّ ﷺ يُصلِّي المكتوبة ليس لشيءٍ يستره. وقال بعض المتأخّرين: قوله " إلى غير جدار ": لا ينفي غير الجدار، إلاَّ أنّ إخبار ابن عبّاس عن مروره بهم وعدم إنكارهم لذلك مشعر بحدوث أمرٍ لَم يعهدوه، فلو فرض هناك سترةٌ أخرى غير الجدار لَم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذٍ لا ينكره أحد أصلاً. وقد بوب البخاريّ على الحديث " باب سترة الإمام سترة لمن خلفه " , فحمل الأمرَ في ذلك على المألوف المعروف من عادته ﷺ , أنّه كان لا يُصلِّي في الفضاء إلاَّ والعنزة أمامه، ثمّ أيّد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة (١)، وفي حديث ابن عمر ما يدلّ على المداومة. وهو قوله

стр. 869

بعد ذكر الحربة " وكان يفعل ذلك في السّفر ". وقد تبعه النّوويّ. فقال في شرح مسلمٍ في كلامه على فوائد هذا الحديث: فيه أنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه، والله أعلم. قوله: (بين يدي بعض الصّفّ) هو مجاز عن الأمام بفتح الهمزة؛ لأنّ الصّفّ ليس له يد. وبعض الصّفّ. يحتمل: أن يراد به صفّ من الصّفوف , أو بعض من أحد الصّفوف. قاله الكرمانيّ. زاد البخاري من رواية ابن أخي ابن شهاب عن عمّه " حتّى سِرْت بين يدي بعض الصّفّ الأوّل " , وهو يعيّن أحد الاحتمالين. قوله: (ترتع) بمثنّاتين مفتوحتين وضمّ العين. أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع في المشي، وجاء أيضاً بكسر العين بوزن يفتعل من الرّعي، وأصله ترتعي لكن حذفت الياء تخفيفاً. والأوّل أصوب، ويدلّ عليه رواية البخاري " نزلت عنها فرتعت ". قوله: (ودخلت) وللكشميهنيّ: " فدخلت " بالفاء. قوله: (فلم ينكر ذلك عليّ أحد) قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عبّاس بترك الإنكار على الجواز، ولَم يستدل بترك إعادتهم للصّلاة؛ لأنّ ترك الإنكار أكثر فائدةً. قلت: وتوجيهه أنّ ترك الإعادة يدلّ على صحّتها فقط لا على

стр. 870

جواز المرور، وترك الإنكار يدلّ على جواز المرور وصحّة الصّلاة معاً. ويستفاد منه أنّ ترك الإنكار حجّة على الجواز بشرطه , وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطّلاع على الفعل، ولا يقال لا يلزم ممّا ذكر اطّلاع النّبيّ ﷺ على ذلك لاحتمال أن يكون الصّفّ حائلاً دون رؤية النّبيّ ﷺ له؛ لأنّا نقول إنّه ﷺ كان يرى في الصّلاة من ورائه كما يرى من أمامه. وتقدّم أنّ في رواية البخاري " أنّه مرّ بين يدي بعض الصّفّ الأوّل "، فلم يكن هناك حائل دون الرّؤية، ولو لَم يرد شيء من ذلك لكان توفّر دواعيهم على سؤاله ﷺ عمّا يحدث لهم كافياً في الدّلالة على اطّلاعه على ذلك. والله أعلم. واستدل به على مرور الحمار لا يقطع الصّلاة، فيكون ناسخاً لحديث أبي ذرٍّ الذي رواه مسلم في كون مرور الحمار يقطع الصّلاة , وكذا مرور المرأة والكلب الأسود (١) وتعقّب: بأنّ مرور الحمار متحقّق في حال مرور ابن عبّاس وهو

стр. 871

راكبه، وقد تقدّم أنّ ذلك لا يضرّ لكون الإمام سترة لمن خلفه. وأمّا مروره بعد أن نزل عنه فيحتاج إلى نقل. وقال ابن عبد البرّ: حديث ابن عبّاس هذا يخصّ حديث أبي سعيد: إذا كان أحدكم يُصلِّي فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه. فإنّ ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأمّا المأموم فلا يضرّه من مرّ بين يديه لحديث ابن عبّاس هذا، قال: وهذا كلّه لا خلاف فيه بين العلماء. وكذا نقل عياض الاتّفاق على أنّ المأمومين يصلّون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام , أم سترتهم الإمام نفسه. انتهى. فيه نظرٌ، لِمَا رواه عبد الرّزّاق عن الحكم بن عمرو الغفاريّ الصّحابيّ , أنّه صلَّى بأصحابه في سفرٍ وبين يديه سترة، فمرّت حميرٌ بين يدي أصحابه , فأعاد بهم الصّلاة. وفي رواية له , أنّه قال لهم: إنّها لَم تقطع صلاتي , ولكن قطعت صلاتكم. فهذا يعكّر على ما نقل من الاتّفاق. وقد ورد في حديثٍ مرفوعٍ رواه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق سويد بن عبد العزيز عن عاصمٍ عن أنس مرفوعاً: سترة الإمام سترة لمن خلفه. وقال: تفرّد به سويدٌ عن عاصم. انتهى. وسويدٌ ضعيف عندهم. ووردت أيضاً في حديثٍ موقوفٍ على ابن عمر. أخرجه عبد الرّزّاق. ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض. فيما لو مرّ بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول: إنّ سترة الإمام سترة من خلفه. يضرّ

стр. 872

صلاته وصلاتهم معاً، وعلى قول من يقول: إنّ الإمام نفسه سترة من خلفه يضرّ صلاته ولا يضرّ صلاتهم. قيل فيه جواز تقديم المصلحة الرّاجحة على المفسدة الخفيفة؛ لأنّ المرور مفسدة خفيفة، والدّخول في الصّلاة مصلحة راجحة. واستدلَّ ابنُ عبّاس على الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال منع من الإنكار اشتغالهم بالصّلاة لأنّه نفى الإنكار مطلقاً فتناول ما بعد الصّلاة. وأيضاً فكان الإنكار يمكن بالإشارة. وفيه أنّ التّحمّل لا يشترط فيه كمال الأهليّة , وإنّما يشترط عند الأداء. ويلحق بالصّبيّ في ذلك العبد والفاسق والكافر. وقامت حكاية ابن عبّاس لفعل النّبيّ ﷺ وتقريره مقام حكاية قوله، إذ لا فرق بين الأمور الثّلاثة في شرائط الأداء. وفيه اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره , أنّ يحيى قال: أقلّ سنّ التّحمّل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر ردّ يوم أحد إذ لَم يبلغها. فبلغ ذلك أحمدَ , فقال: بل إذا عقل ما يسمع، وإنّما قصّة ابن عمر في القتال. ثمّ أورد الخطيب أشياء ممّا حفظها جمع من الصّحابة ومن بعدهم في الصّغر وحدّثوا بها بعد ذلك وقُبلت عنهم، وهذا هو المعتمد. وما قاله ابن معين , إن أراد به تحديد ابتداء الطّلب بنفسه فموجّه، وإن أراد به ردّ حديث من سمع اتّفاقاً أو اعتنى به فسمع وهو صغير

стр. 873

فلا. وقد نقل ابن عبد البرّ الاتّفاق على قبول هذا، وفيه دليل على أنّ مراد ابن معين الأوّل. وأمّا احتجاجه: بأنّ النّبيّ ﷺ ردّ البراء وغيره يوم بدر (١) ممّن كان لَم يبلغ خمس عشرة , فمردود: بأنّ القتال يقصد فيه مزيد القوّة والتّبصّر في الحرب، فكانت مظنّته سنّ البلوغ، والسّماع يقصد فيه الفهم فكانت مظنّته التّمييز. وقد احتجّ الأوزاعيّ لذلك بحديث: " مروهم بالصّلاة لسبعٍ " (٢)

стр. 874

الحديث الخامس والستون ١١٤ - عن عائشة ﵂ , قالت: كنتُ أنامُ بين يدَيْ رسولِ الله ﷺ ورجلاي في قبلتِه , فإذا سجد غَمَزَني , فقبضتُ رجلَيَّ , فإذا قام بسطتُهما. والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيحُ. (١) قوله: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته) أي: في مكان سجوده، ويتبيّن ذلك من الرّواية الأخرى في الصحيحين من رواية الزهري عن عروة عنها , أنَّ رسول الله ﷺ كان يُصلِّي , وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة. زادا في رواية لهما " فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت " (٢)

стр. 875

واستدل به على أنّ المرأة لا تقطع الصّلاة , فأخرج الشيخان عن مسروق، عن عائشة، وذُكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة , فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يُصلِّي , وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة " الحديث , ولسعيد بن منصور من وجهٍ آخر " قالت عائشة: يا أهل العراق قد عدلتمونا " الحديث. وللبخاري عن ابن أخي ابن شهاب، أنه سأل عمَّه عن الصلاة، يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله. وقوله " لا يقطع الصلاة شيئ " صريحٌ من قول الزّهريّ، ورواها مالك في " الموطّأ " عن الزّهريّ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه من قوله، وأخرجها الدّارقطنيّ مرفوعة من وجهٍ آخر عن سالمٍ. لكنّ إسنادها ضعيف. ووردت أيضاً مرفوعة من حديث أبي سعيد عند أبي داود، ومن حديث أنس وأبي أُمامة عند الدّارقطنيّ، ومن حديث جابر عند الطّبرانيّ في " الأوسط " , وفي إسناد كلٍّ منهما ضعفٌ. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ عن عليّ وعثمان وغيرهما نحو ذلك موقوفاً. وكأنّ عائشة أشارت بذلك إلى ما رواه أهل العراق عن أبي ذرٍّ

стр. 876

وغيره في ذلك مرفوعاً، وهو عند مسلم وغيره من طريق عبد الله بن الصّامت عن أبي ذرٍّ (١)، وقيّد الكلب في روايته بالأسود. وعند ابن ماجه من طريق الحسن البصريّ عن عبد الله بن مغفّل، وعند الطّبرانيّ من طريق الحسن أيضاً، عن الحكم بن عمر نحوه من غير تقييد، وعند مسلم من حديث أبي هريرة كذلك. وعند أبي داود من حديث ابن عبّاس مثله، لكن قيّد المرأة بالحائض، وأخرجه ابن ماجه كذلك , وفيه تقييد الكلب أيضاً بالأسود. وقد اختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث. القول الأول: مال الطّحاويّ وغيره إلى أنّ حديث أبي ذرٍّ وما وافقه , منسوخ بحديث عائشة وغيرها. وتعقّب: بأنّ النّسخ لا يصار إليه إلاَّ إذا علم التّاريخ وتعذّر الجمع، والتّاريخ هنا لَم يتحقّق , والجمع لَم يتعذّر. القول الثاني: مال الشّافعيّ وغيره إلى تأويل القطع في حديث أبي ذرٍّ: بأنّ المراد به نقص الخشوع لا الخروج من الصّلاة. ويؤيّد ذلك أنّ الصّحابيّ راوي الحديث سأل عن الحكمة في التّقييد بالأسود فأجيب بأنّه شيطان. وقد علم أنّ الشّيطان لو مرّ بين يدي المُصلِّي لَم تفسد صلاته كما في الصّحيح " إذا ثوّب بالصّلاة أدبر الشّيطان فإذا قضى التّثويب أقبل حتّى يخطر بين المرء ونفسه "

стр. 877

الحديث. وللبخاري من حديث أبي هريرة " إنّ الشّيطان عرض لي فشدّ عليّ ليقطع الصلاة عليَّ، فأمكننى الله منه " الحديث. وللنّسائيّ من حديث عائشة " فأخذته فصرعته فخنقته " , ولا يقال قد ذكر في هذا الحديث أنّه جاء ليقطع صلاته؛ لأنّا نقول: قد بيّن في رواية مسلم سبب القطع، وهو " أنّه جاء بشهابٍ من نارٍ ليجعله في وجهه ". وأمّا مجرّد المرور فقد حصل ولَم تفسد به الصّلاة. القول الثالث: قال بعضهم: حديث أبي ذرٍّ مُقدَّم؛ لأنّ حديث عائشة على أصل الإباحة. انتهى. وهو مبنيٌّ على أنّهما متعارضان، ومع إمكان الجمع المذكور لا تعارض. القول الرابع: قال أحمد: يقطع الصّلاة الكلب الأسود، وفي النّفس من الحمار والمرأة شيء. ووجّهه ابن دقيق العيد وغيره. بأنّه لَم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديث ابن عبّاس (١) يعني الذي تقدّم في مروره وهو راكبٌ بمنىً، ووجد في المرأة حديث عائشة. ووجه الدّلالة من حديث عائشة الذي احتجّ به ابن شهاب أنّ حديث " يقطع الصّلاة المرأة .. إلخ " يشمل ما إذا كانت مارّة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلمّا ثبت أنّه ﷺ صلَّى وهي مضطجعةٌ أمامه

стр. 878

دلَّ ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه. وهذا يتوقّف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، فلو ثبت أنّ حديثها متأخّرٌ عن حديث أبي ذرٍّ لَم يدل إلاَّ على نسخ الاضطجاع فقط. وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجهٍ أخرى: أحدها: أنّ العلة في قطع الصّلاة بها ما يحصل من التّشويش، وقد قالت: إنّ البيوت يومئذٍ لَم يكن فيها مصابيح " , فانتفى المعلول بانتفاء علته. ثانيها: أنّ المرأة في حديث أبي ذرٍّ مطلقة , وفي حديث عائشة مقيّدة بكونها زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيّد، ويقال يتقيّد القطع بالأجنبيّة لخشية الافتتان بها بخلاف الزّوجة فإنّها حاصلة. ثالثها: أنّ حديث عائشة واقعة حالٍ يتطرّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرٍّ فإنّه مسوق مساق التّشريع العامّ. وقد أشار ابن بطّال إلى أنّ ذلك كان من خصائصه ﷺ ؛ لأنّه كان يقدر من ملك إربه على ما لا يقدر عليه غيره. وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديث صحيحة غير صريحةٍ وصريحةٌ غير صحيحةٍ. فلا يترك العمل بحديث أبي ذرٍّ الصّريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه. والفرق بين المارّ وبين النّائم في القبلة أنّ المرور حرام بخلاف الاستقرار نائماً كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها.

стр. 879

قوله: (فإذا سجد غمزني) استُدل به على أنّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء. وتعقّب: باحتمال الحائل، أو بالخصوصيّة. قوله: (فقبضت رجلاي) وللبخاري " رجليَّ " كذا بالتّثنية للأكثر، وكذا في قولها " بسطتهما " وللمستملي والحمويّ " رجليْ " بالإفراد، وكذا " بسطتها " قولها: (والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح) كأنّها أرادت به الاعتذار عن نومها على تلك الصّفة. قال ابن بطّالٍ: وفيه إشعارٌ بأنّهم صاروا بعد ذلك يستصبحون. انتهى. وفي قولها " والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح " إشارة إلى عدم الاشتغال بها. ولا يعكّر على ذلك كونه يغمزها عند السّجود ليسجد مكان رجليها كما وقع صريحاً في روايةٍ لأبي داود؛ لأنّ الشّغل بها مأمون في حقّه ﷺ ، فمن أمن ذلك لَم يكره في حقّه. وبوّب البخاري على الحديث " باب الصلاة على الفراش " أي: سواء كان ينام عليه مع امرأته أم لا , وقد صرّحت عائشة في الرواية الأخرى كما تقدم بأنّ ذلك كان على فراش أهله. وكأنّ البخاري يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من طريق الأشعث عن محمّد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النّبيّ ﷺ لا يُصلِّي في لحفنا.

стр. 880

وكأنّه أيضاً لَم يثبت عنده، أو رآه شاذّاً مردوداً، وقد بيّن أبو داود علته. وأخرج البخاري معلقاً. ووصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور كلاهما عن ابن المبارك عن حميدٍ قال: كان أنس يُصلِّي على فراشه. وأخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن إبراهيم النّخعيّ عن الأسود وأصحابه , أنّهم كانوا يكرهون أن يصلّوا على الطّنافس والفراء والمسوح. وأخرج عن جمعٍ من الصّحابة والتّابعين جواز ذلك. وقال مالك: لا أرى بأساً بالقيام عليها إذا كان يضع جبهته ويديه على الأرض. وفيه أنّ الصّلاة إلى النّائم لا تكره؛ وقد وردت أحاديث ضعيفة في النّهي عن ذلك، فقد أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عبّاس. وقال أبو داود: طرقه كلّها واهية، يعني حديث ابن عبّاس. انتهى وفي الباب عن ابن عمر. أخرجه ابن عديّ، وعن أبي هريرة. أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط ". وهما واهيان أيضاً. وهي محمولة - إن ثبتت - على ما إذا حصل شغل الفكر به , وكره مجاهد وطاوس ومالك الصّلاة إلى النّائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المُصلِّي عن صلاته. وظاهر تصرّف البخاري أنّ عدم الكراهية حيث يحصل الأمن من ذلك.
следующие страницы →