وغيره في ذلك مرفوعاً، وهو عند مسلم وغيره من طريق عبد الله بن الصّامت عن أبي ذرٍّ (١)، وقيّد الكلب في روايته بالأسود.
وعند ابن ماجه من طريق الحسن البصريّ عن عبد الله بن مغفّل، وعند الطّبرانيّ من طريق الحسن أيضاً، عن الحكم بن عمر نحوه من غير تقييد، وعند مسلم من حديث أبي هريرة كذلك.
وعند أبي داود من حديث ابن عبّاس مثله، لكن قيّد المرأة بالحائض، وأخرجه ابن ماجه كذلك , وفيه تقييد الكلب أيضاً بالأسود.
وقد اختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث.
القول الأول: مال الطّحاويّ وغيره إلى أنّ حديث أبي ذرٍّ وما وافقه , منسوخ بحديث عائشة وغيرها.
وتعقّب: بأنّ النّسخ لا يصار إليه إلاَّ إذا علم التّاريخ وتعذّر الجمع، والتّاريخ هنا لَم يتحقّق , والجمع لَم يتعذّر.
القول الثاني: مال الشّافعيّ وغيره إلى تأويل القطع في حديث أبي ذرٍّ: بأنّ المراد به نقص الخشوع لا الخروج من الصّلاة.
ويؤيّد ذلك أنّ الصّحابيّ راوي الحديث سأل عن الحكمة في التّقييد بالأسود فأجيب بأنّه شيطان. وقد علم أنّ الشّيطان لو مرّ بين يدي المُصلِّي لَم تفسد صلاته كما في الصّحيح " إذا ثوّب بالصّلاة أدبر الشّيطان فإذا قضى التّثويب أقبل حتّى يخطر بين المرء ونفسه "
стр. 877
الحديث. وللبخاري من حديث أبي هريرة " إنّ الشّيطان عرض لي فشدّ عليّ ليقطع الصلاة عليَّ، فأمكننى الله منه " الحديث.
وللنّسائيّ من حديث عائشة " فأخذته فصرعته فخنقته " , ولا يقال قد ذكر في هذا الحديث أنّه جاء ليقطع صلاته؛ لأنّا نقول: قد بيّن في رواية مسلم سبب القطع، وهو " أنّه جاء بشهابٍ من نارٍ ليجعله في وجهه ".
وأمّا مجرّد المرور فقد حصل ولَم تفسد به الصّلاة.
القول الثالث: قال بعضهم: حديث أبي ذرٍّ مُقدَّم؛ لأنّ حديث عائشة على أصل الإباحة. انتهى.
وهو مبنيٌّ على أنّهما متعارضان، ومع إمكان الجمع المذكور لا تعارض.
القول الرابع: قال أحمد: يقطع الصّلاة الكلب الأسود، وفي النّفس من الحمار والمرأة شيء.
ووجّهه ابن دقيق العيد وغيره. بأنّه لَم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديث ابن عبّاس (١) يعني الذي تقدّم في مروره وهو راكبٌ بمنىً، ووجد في المرأة حديث عائشة.
ووجه الدّلالة من حديث عائشة الذي احتجّ به ابن شهاب أنّ حديث " يقطع الصّلاة المرأة .. إلخ " يشمل ما إذا كانت مارّة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلمّا ثبت أنّه ﷺ صلَّى وهي مضطجعةٌ أمامه
стр. 878
دلَّ ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه.
وهذا يتوقّف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، فلو ثبت أنّ حديثها متأخّرٌ عن حديث أبي ذرٍّ لَم يدل إلاَّ على نسخ الاضطجاع فقط.
وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجهٍ أخرى:
أحدها: أنّ العلة في قطع الصّلاة بها ما يحصل من التّشويش، وقد قالت: إنّ البيوت يومئذٍ لَم يكن فيها مصابيح " , فانتفى المعلول بانتفاء علته.
ثانيها: أنّ المرأة في حديث أبي ذرٍّ مطلقة , وفي حديث عائشة مقيّدة بكونها زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيّد، ويقال يتقيّد القطع بالأجنبيّة لخشية الافتتان بها بخلاف الزّوجة فإنّها حاصلة.
ثالثها: أنّ حديث عائشة واقعة حالٍ يتطرّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرٍّ فإنّه مسوق مساق التّشريع العامّ.
وقد أشار ابن بطّال إلى أنّ ذلك كان من خصائصه ﷺ ؛ لأنّه كان يقدر من ملك إربه على ما لا يقدر عليه غيره.
وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديث صحيحة غير صريحةٍ وصريحةٌ غير صحيحةٍ. فلا يترك العمل بحديث أبي ذرٍّ الصّريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه. والفرق بين المارّ وبين النّائم في القبلة أنّ المرور حرام بخلاف الاستقرار نائماً كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها.
стр. 879
قوله: (فإذا سجد غمزني) استُدل به على أنّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
وتعقّب: باحتمال الحائل، أو بالخصوصيّة.
قوله: (فقبضت رجلاي) وللبخاري " رجليَّ " كذا بالتّثنية للأكثر، وكذا في قولها " بسطتهما " وللمستملي والحمويّ " رجليْ " بالإفراد، وكذا " بسطتها "
قولها: (والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح) كأنّها أرادت به الاعتذار عن نومها على تلك الصّفة.
قال ابن بطّالٍ: وفيه إشعارٌ بأنّهم صاروا بعد ذلك يستصبحون. انتهى.
وفي قولها " والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح " إشارة إلى عدم الاشتغال بها. ولا يعكّر على ذلك كونه يغمزها عند السّجود ليسجد مكان رجليها كما وقع صريحاً في روايةٍ لأبي داود؛ لأنّ الشّغل بها مأمون في حقّه ﷺ ، فمن أمن ذلك لَم يكره في حقّه.
وبوّب البخاري على الحديث " باب الصلاة على الفراش " أي: سواء كان ينام عليه مع امرأته أم لا , وقد صرّحت عائشة في الرواية الأخرى كما تقدم بأنّ ذلك كان على فراش أهله.
وكأنّ البخاري يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من طريق الأشعث عن محمّد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النّبيّ ﷺ لا يُصلِّي في لحفنا.
стр. 880
وكأنّه أيضاً لَم يثبت عنده، أو رآه شاذّاً مردوداً، وقد بيّن أبو داود علته.
وأخرج البخاري معلقاً. ووصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور كلاهما عن ابن المبارك عن حميدٍ قال: كان أنس يُصلِّي على فراشه.
وأخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن إبراهيم النّخعيّ عن الأسود وأصحابه , أنّهم كانوا يكرهون أن يصلّوا على الطّنافس والفراء والمسوح. وأخرج عن جمعٍ من الصّحابة والتّابعين جواز ذلك.
وقال مالك: لا أرى بأساً بالقيام عليها إذا كان يضع جبهته ويديه على الأرض.
وفيه أنّ الصّلاة إلى النّائم لا تكره؛ وقد وردت أحاديث ضعيفة في النّهي عن ذلك، فقد أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عبّاس.
وقال أبو داود: طرقه كلّها واهية، يعني حديث ابن عبّاس. انتهى
وفي الباب عن ابن عمر. أخرجه ابن عديّ، وعن أبي هريرة. أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط ". وهما واهيان أيضاً.
وهي محمولة - إن ثبتت - على ما إذا حصل شغل الفكر به , وكره مجاهد وطاوس ومالك الصّلاة إلى النّائم خشية أن يبدو منه ما يلهي المُصلِّي عن صلاته.
وظاهر تصرّف البخاري أنّ عدم الكراهية حيث يحصل الأمن من ذلك.
стр. 881
تكميلٌ: في رواية للشيخين. واللفظ للبخاري: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي وسط السرير، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة. الحديث.
والسرير بمهملاتٍ. وزن عظيم معروف.
ذكر الرّاغب: أنّه مأخوذ من السّرور , لأنّه في الغالب لأولي النّعمة. قال: وسرير الميّت لشبهه به في الصّورة وللتّفاؤل بالسّرور، وقد يعبّر بالسّرير عن الملك، وجمعه أسرّة وسرر بضمّتين، ومنهم: من يفتح الرّاء استثقالاً للضّمّتين.
قال ابن بطّال: فيه جواز اتّخاذ السّرير والنّوم عليه ونوم المرأة بحضرة زوجها. وقال ابن التّين: وقوله فيه " وسط السّرير " قرأناه بسكون السّين، والذي في اللّغة المشهورة بفتحها.
وقال الرّاغب: وسط الشّيء يقال بالفتح للكميّة المتّصلة كالجسم الواحد نحو وسطه صلب، ويقال: بالسّكون للكميّة المنفصلة بين جسمين نحو وسط القوم.
قلت: وهذا ممّا يرجّح الرّواية بالتّحريك، ولا يمنع السّكون.
стр. 882
بابٌ جامعٌ
الحديث السادس والستون
١١٥ - عن أبي قتادة بن ربعيٍّ الأنصاريّ ﵁ قال: قال رسول ﷺ : إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلا يجلس حتّى يُصلِّي ركعتين. (١)
قوله: (عن أبي قتادة) بفتحتين، هكذا اتّفق عليه الرّواة عن مالك عن عامر عن عمرو بن سليم الزرقي عنه، ورواه سهيل بن أبي صالح عن عامر بن عبد الله بن الزّبير. فقال: عن جابر. بدل أبي قتادة، وخطّأه التّرمذيّ والدّارقطنيّ وغيرهما. وهو السَّلميّ بفتحتين؛ لأنّه من الأنصار
قوله: (فلا يجلس) صرّح جماعة بأنّه إذا خالف وجلس لا يُشرع له التّدارك.
وفيه نظرٌ , لِمَا رواه ابن حبّان في " صحيحه " من حديث أبي ذرٍّ , أنّه دخل المسجد. فقال له النّبيّ ﷺ : أركعتَ ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما. ترجم عليه ابن حبّان أنّ تحيّة المسجد لا تفوت بالجلوس.
стр. 883
قلت: ومثله قصّة سليك كما في صحيح البخاري (١).
وقال المحبّ الطّبريّ: يحتمل: أن يقال وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة وبعده وقت جواز، أو يقال وقتهما قبله أداء وبعده قضاء.
ويحتمل: أن تحمل مشروعيّتهما بعد الجلوس على ما إذا لَم يطل الفصل.
قوله: (يُصلِّي ركعتين) وللبخاري " فليركع ركعتين قبل أن يجلس " أي: فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ , وهذا العدد لا مفهوم لأكثره باتّفاقٍ.
واختلف في أقلّه، والصّحيح اعتباره فلا تتأدّى هذه السّنّة بأقلّ من ركعتين
واتّفق أئمّة الفتوى على أنّ الأمر في ذلك للنّدب، ونقل ابن بطّالٍ عن أهل الظّاهر الوجوب، والذي صرّح به ابن حزم عدمه.
ومن أدلة عدم الوجوب قوله ﷺ الذي رآه يتخطّى: اجلس فقد آذيت (٢) , ولَم يأمره بصلاةٍ، كذا استدل به الطّحاويّ وغيره , وفيه نظر.
وقال الطّحاويّ أيضاً: الأوقات التي نهي عن الصّلاة فيها ليس هذا الأمر بداخلٍ فيها.
стр. 884
قلت: هما عمومان تعارضا، الأمر بالصّلاة لكلّ داخل من غير تفصيل، والنّهي عن الصّلاة في أوقات مخصوصة، فلا بدّ من تخصيص أحد العمومين.
فذهب جمعٌ: إلى تخصيص النّهي وتعميم الأمر , وهو الأصحّ عند الشّافعيّة.
وذهب جمعٌ: إلى عكسه , وهو قول الحنفيّة والمالكيّة.
فائدتان:
الفائدة الأولى: حديث أبي قتادة هذا ورد على سبب، وهو أنّ أبا قتادة دخل المسجد فوجد النّبيّ ﷺ جالساً بين أصحابه فجلس معهم، فقال له: ما منعك أنْ تركع؟ قال: رأيتك جالساً والنّاس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يركع ركعتين. أخرجه مسلم.
وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة: أعطوا المساجد حقّها، قيل له: وما حقّها؟ قال: ركعتين قبل أن تجلس.
الفائدة الثانية:
قال الشّافعيّ: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالرّكعتين. ويزيد في كلامه (١) ما يمكنه الإتيان بهما قبل إقامة الصّلاة، فإن لَم يفعل كرهت ذلك.
وحكى النّوويّ عن المحقّقين: أنّ المختار إن لَم يفعل أن يقف حتّى
стр. 885
تقام الصّلاة , لئلا يكون جالساً بغير تحيّة أو متنفّلاً حال إقامة الصّلاة.
واستثنى المحامليّ المسجد الحرام , لأنّ تحيّته الطّواف.
وفيه نظرٌ. لطول زمن الطّواف بالنّسبة إلى الرّكعتين.
والذي يظهر من قولهم إنّ تحيّة المسجد الحرام الطّواف إنّما هو في حقّ القادم ليكون أوّل شيء يفعله الطّواف.
стр. 886
الحديث السابع والستون
١١٦ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنّا نتكلم في الصّلاة، يكلِّم الرّجلُ صاحبَه , وهو إلى جنبه في الصّلاة , حتّى نزلتْ (وقوموا لله قانتين) فأُمرنا بالسّكوت ونُهينا عن الكلام (١).
قوله: (عن زيد بن أرقم) الأنصاري (٢)
قوله: (كنّا نتكَلَّم) وللبخاري " إنْ كنّا لنَتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ " بتخفيف النّون، وهذا حكمه الرّفع.
وكذا قوله " أمرنا " لقوله فيه " على عهد النّبيّ ﷺ " حتّى ولو لَم يقيّد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافياً في كونه مرفوعاً
قوله: (يُكلِّم الرّجل صاحبه) وللبخاري " يكلّم أحدُنا صاحبَه
стр. 887
بحاجته " وهو تفسير لقوله " نتكلم " , والذي يظهر أنّهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيءٍ , وإنّما يقتصرون على الحاجة من ردّ السّلام ونحوه.
قوله: (حتّى نزلت) ظاهر في أنّ نسخ الكلام في الصّلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أنّ النّسخ وقع بالمدينة , لأنّ الآية مدنيّةٌ باتّفاقٍ، فيشكل ذلك على قول ابن مسعود: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلمَّا رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلاً (١). متفق عليه.
وكان رجوعهم من عنده إلى مكّة، وذلك أنّ بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة ثمّ بلغهم أنّ المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكّة , فوجدوا الأمر بخلاف ذلك , واشتدّ الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً , فكانوا في المرّة الثّانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في مراده بقوله " فلمّا رجعنا " هل أراد الرّجوع الأوّل أو
стр. 888
الثّاني؟
جنح القاضي أبو الطّيّب الطّبريّ وآخرون إلى الأوّل , وقالوا: كان تحريم الكلام بمكّة، وحملوا حديث زيد على أنّه وقومه لَم يبلغهم النّسخ , وقالوا: لا مانع أن يتقدّم الحكم ثمّ تنزل الآية بوفقه.
وجنح آخرون إلى التّرجيح , فقالوا: يترجّح حديث ابن مسعود بأنّه حكى لفظ النّبيّ ﷺ ، بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه.
وقال آخرون: إنّما أراد ابن مسعود رجوعه الثّاني، وقد ورد أنّه قدم المدينة والنّبيّ ﷺ يتجهّز إلى بدر، وفي " مستدرك الحاكم " من طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النّجاشيّ ثمانين رجلاً. فذكر الحديث بطوله. وفي آخره: فتعجّل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً.
وفي " السّير " لابن إسحاق: أنّ المسلمين بالحبشة لَمّا بلغهم أنّ النّبيّ ﷺ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكّة ثلاثة وثلاثون رجلاً، فمات منهم رجلان بمكّة , وحبس منهم سبعة , وتوجّه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً فشهدوا بدراً.
فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أنّ اجتماعه بالنّبيّ ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطّابيّ , ولَم يفقَه من تعقّب كلامه على مستنده.
ويقوّي هذا الجمع رواية كلثوم (١) المتقدّمة فإنّها ظاهرةٌ في أنّ كلاًّ
стр. 889
من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أنّ النّاسخ قوله تعالى (وقوموا لله قانتين).
وأمّا قول ابن حبّان: كان نسخ الكلام بمكّة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم " كنّا نتكلم " أي: كان قومي يتكلمون , لأنّ قومه كانوا يصلّون قبل الهجرة مع مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلمّا نسخ تحريم الكلام بمكّة , بلغ ذلك أهل المدينة فتركوه.
فهو متعقّبٌ: بأنّ الآية مدنيّةٌ باتّفاقٍ، وبأنّ إسلام الأنصار وتوجُّه مصعب بن عمير إليهم إنّما كان قبل الهجرة بسنةٍ واحدةٍ، وبأنّ في حديث زيد بن أرقم: كنّا نتكلم خلف رسول الله ﷺ . كذا أخرجه التّرمذيّ. فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلّون بالمدينة قبل هجرة النّبيّ ﷺ إليهم.
وأجاب ابن حبّان في موضعٍ آخر: بأنّ زيد بن أرقم أراد بقوله " كنّا نتكلم " من كان يُصلِّي خلف النّبيّ ﷺ بمكّة من المسلمين.
وهو متعقّبٌ أيضاً: بأنّهم ما كانوا بمكّة يجتمعون إلاَّ نادراً، وبما
стр. 890
روى الطّبرانيّ من حديث أبي أُمامة قال: كان الرّجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلّون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته فيقضي ثمّ يدخل معهم، حتّى جاء معاذ يوماً فدخل في الصّلاة " فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعاً , لأنّ أبا أُمامة ومعاذ بن جبل إنّما أسلما بها.
قوله: (حتّى نزلت وقوموا لله قانتين) قال البخاري: أي مطيعين , وهو تفسير ابن مسعود , أخرجه ابن أبي حاتم بإسنادٍ صحيح، ونقله أيضاً عن ابن عبّاس وجماعة من التّابعين. وذكر من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: قانتين. أي مصلين. وعن مجاهد قال: من القنوت الرّكوع والخشوع وطول القيام وغضّ البصر وخفض الجناح والرّهبة لله.
وأصحّ ما دلَّ عليه حديث الباب - وهو حديث زيد بن أرقم - في أنّ المراد بالقنوت في الآية السّكوت , والمراد به السّكوت عن كلام النّاس لا مطلق الصّمت، لأنّ الصّلاة لا صمت فيها , بل جميعها قرآن وذكر. والله أعلم.
قوله: (فأُمرنا بالسّكوت) أي: عن الكلام المتقدّم ذكره لا مطلقاً , فإنّ الصّلاة ليس فيها حال سكوت حقيقيّة.
قال ابن دقيق العيد: ويترجّح بما دلَّ عليه لفظ " حتّى " التي للغاية , والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لِمَا يأتي بعدها.
تنبيه: زاد مسلم في روايته " ونُهينا عن الكلام " ولَم يقع في البخاريّ، وذكرها صاحب العمدة , ولَم ينبّه أحدٌ من شرّاحها عليها.
стр. 891
واستدل بهذه الزّيادة على أنّ الأمر بالشّيء ليس نهياً عن ضدّه، إذ لو كان كذلك لَم يحتج إلى قوله " ونهينا عن الكلام ".
وأجيب: بأنّ دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف , فلعله ذكر لكونه أصرح والله أعلم.
قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أحد ما يستدلّ به على النّسخ وهو تقدُّم أحد الحكمين على الآخر، وليس كقول الرّاوي هذا منسوخ , لأنّه يطرقه احتمال أن يكون قاله عن اجتهاد، وقيل: ليس في هذه القصّة نسخ , لأنّ إباحة الكلام في الصّلاة كان بالبراءة الأصليّة، والحكم المزيل لها ليس نسخاً.
وأجيب: بأنّ الذي يقع في الصّلاة ونحوها ما يمنع أو يباح إذا قرّره الشّارع كان حكماً شرعيّاً، فإذا ورد ما يخالفه كان ناسخاً وهو كذلك هنا.
قال ابن دقيق العيد: وقوله " ونهينا عن الكلام " يقتضي أنّ كل شيءٍ يسمّى كلاماً فهو منهيٌّ عنه حملاً للفظ على عمومه، ويحتمل: أن تكون اللام للعهد الرّاجع إلى قوله " يكلم الرّجل منّا صاحبه بحاجته " وقوله " فأمرنا بالسّكوت " أي: عمّا كانوا يفعلونه من ذلك.
تكميلٌ: أجمعوا على أنّ الكلام في الصّلاة - من عالمٍ بالتّحريم عامد لغير مصلحتها أو إنقاذ مسلم - مُبطلٌ لها.
واختلفوا في السّاهي والجاهل.
стр. 892
القول الأول: لا يبطلها القليل منه عند الجمهور.
القول الثاني: أبطلها الحنفيّة مطلقاً كما تقدم في الكلام على حديث ذي اليدين في السّهو. (١)
واختلفوا في أشياء أيضاً , كمَن جرى على لسانه بغير قصدٍ , أو تعمّد إصلاح الصّلاة لسهوٍ دخل على إمامه , أو لإنقاذ مسلم لئلا يقع في مهلكةٍ , أو فتح على إمامه , أو سبّح لمن مرّ به , أو ردّ السّلام , أو أجاب دعوة أحد والديه , أو أُكره على الكلام أو تقرّب بقربةٍ كأعتقت عبدي لله.
ففي جميع ذلك خلافٌ محلّ بسطه كتب الفقه.
قال ابن المنير في الحاشية: الفرق بين قليل الفعل للعامد فلا يبطل , وبين قليل الكلام , أنّ الفعل لا تخلو منه الصّلاة غالباً لمصلحتها , وتخلو من الكلام الأجنبيّ غالباً مطّرداً، والله أعلم.
стр. 893
الحديث الثامن والستون
١١٧ - عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ عن رسول الله ﷺ , أنّه قال: إذا اشتدّ الحرّ فأبْرِدوا بالصّلاة. فإنّ شدّة الحرّ من فَيْح جهنّم. (١)
قوله: (إذا اشتدّ) أصله اشتدد بوزن افتعل من الشّدّة , ثمّ أدغمت إحدى الدّالين في الأخرى، ومفهومه أنّ الحرّ إذا لَم يشتدّ لَم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى.
قوله: (فأبردوا) بقطع الهمزة وكسر الرّاء، أي: أخّروا إلى أن يبرد الوقت. يقال أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظّهيرة، ومثله في المكان أنجد إذا دخل نجداً، وأتهم إذا دخل تهامة.
ولفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزّوال لا قبله، إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحطّت قوّة الوهج من حرّ الظّهيرة.
والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب. حكاه عياض وغيره , وغفل الكرمانيّ فنقل الإجماع على عدم الوجوب.
стр. 894
نعم. قال جمهور أهل العلم: يستحبّ تأخير الظهر في شدّة الحرّ إلى أن يبرد الوقت , وينكسر الوهج. وخصّه بعضهم بالجماعة.
فأمّا المنفرد فالتّعجيل في حقّه أفضل، وهذا قول أكثر المالكيّة والشّافعيّ أيضاً , لكن خصّه بالبلد الحارّ.
وقيّد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجداً من بعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كِنٍّ فالأفضل في حقّهم التّعجيل.
والمشهور عن أحمد التّسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إسحاق والكوفيّين وابن المنذر.
واستدل له التّرمذيّ بحديث أبي ذرٍّ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد حتى ساوى الظل التلول , فقال النبي ﷺ : فذكره. لأنّ في روايته أنّهم كانوا في سفر، وهي روايةٌ للبخاري أيضاً.
قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشّافعيّ لَم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السّفر , وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد.
قال التّرمذيّ: والأوّل أولى للاتّباع.
وتعقبه الكرمانيّ: بأنّ العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتّخفيف وطلب الرّعي فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة. انتهى.
وأيضاً فلم تجر عادتهم باتّخاذ خباءٍ كبيرٍ يجمعهم، بل كانوا يتفرّقون
стр. 895
في ظلال الشّجر، وليس هناك كِنّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشّافعيّ، وغايته أنّه استنبط من النّصّ العامّ - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصّصه، وذلك جائز على الأصحّ في الأصول، لكنّه مبنيٌّ على أنّ العلة في ذلك تأذّيهم بالحرّ في طريقهم.
وللمتمسّك بعمومه أن يقول: العلة فيه تأذّيهم بحرّ الرّمضاء في جباههم حالة السّجود، ويؤيّده حديث أنس: كنّا إذا صلينا خلف النّبيّ ﷺ بالظّهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ. رواه أبو عوانة في " صحيحه " بهذا اللفظ , وأصله في مسلم، وفي حديث أنس أيضاً في الصّحيحين نحوه. وسيأتي قريباً (١).
والجواب عن ذلك: أنّ العلة الأولى أظهر، فإنّ الإبراد لا يزيل الحرّ عن الأرض.
وذهب بعضهم. إلى أنّ تعجيل الظهر أفضل مطلقاً. وقالوا: معنى " أبردوا ": صلّوا في أوّل الوقت أخذاً من برد النّهار وهو أوّله.
وهو تأويلٌ بعيدٌ، ويردّه قوله " فإنّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم " إذ التّعليل بذلك يدلّ على أنّ المطلوب التّأخير، وحديث أبي ذرٍّ في البخاري صريح في ذلك حيث قال: انتظر انتظر.
والحامل لهم على ذلك حديث خبّاب: شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرّمضاء في جباهنا وأكفّنا , فلم يشكنا. أي: فلم يزل شكوانا،
стр. 896
وهو حديثٌ صحيحٌ رواه مسلم. (١)
وتمسّكوا أيضاً بالأحاديث الدّالة على فضيلة أوّل الوقت، وبأنّ الصّلاة حينئذٍ أكثر مشقّة فتكون أفضل.
والجواب عن حديث خبّاب:
الجواب الأول: أنّه محمولٌ على أنّهم طلبوا تأخيراً زائداً عن وقت الإبراد وهو زوال حرّ الرّمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لَم يجبهم.
الجواب الثاني: هو منسوخٌ بأحاديث الإبراد فإنّها متأخّرة عنه.
واستدل له الطّحاويّ بحديث المغيرة بن شعبة قال: كنّا نُصلِّي مع النّبيّ ﷺ الظهر بالهاجرة، ثمّ قال لنا: أبردوا بالصّلاة. الحديث.
وهو حديث رجاله ثقات. رواه أحمد وابن ماجه وصحّحه ابن حبّان.
ونقل الخلال عن أحمد أنّه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
стр. 897
الجواب الثالث: جمع بعضهم بين الحديثين: بأنّ الإبراد رخصة والتّعجيل أفضل، وهو قول مَن قال إنّه أمر إرشاد.
الجواب الرابع: عكسه بعضهم , فقال: الإبراد أفضل. وحديث جبّاب يدلّ على الجواز , وهو الصّارف للأمر عن الوجوب.
كذا قيل. وفيه نظرٌ؛ لأنّ ظاهره المنع من التّأخير.
وقيل معنى قول خبّاب " فلم يشكنا ". أي: فلم يحوجنا إلى شكوى بل أذن لنا في الإبراد، حكي عن ثعلب.
ويردّه أنّ في الخبر زيادةً رواها ابن المنذر بعد قوله " فلم يشكنا " وقال: إذا زالت الشّمس فصلّوا. (١)
وأحسن الأجوبة كما قال المازريّ الأوّل.
والجواب عن أحاديث أوّل الوقت أنّها عامّةٌ أو مطلقة , والأمر بالإبراد خاصّ فهو مقدّم.
ولا التفات إلى مَن قال: التّعجيل أكثر مشقّة فيكون أفضل؛ لأنّ الأفضليّة لَم تنحصر في الأشقّ، بل قد يكون الأخفّ أفضل كما في قصر الصّلاة في السّفر
стр. 898
قوله: (بالصّلاة) كذا للأكثر، والباء للتّعدية , وقيل زائدة. ومعنى أبردوا أخّروا على سبيل التّضمين. أي: أخّروا الصّلاة.
وفي رواية الكشميهنيّ " عن الصّلاة " , فقيل: زائدة أيضاً , أو عن بمعنى الباء، أو هي للمجاوزة , أي: تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدّة الحرّ.
والمراد بالصّلاة الظهر؛ لأنّها الصّلاة التي يشتدّ الحرّ غالباً في أوّل وقتها.
وقد جاء صريحاً في حديث أبي سعيد , أنَّ النبي ﷺ قال: أبردوا بالظهر فإن شدة. الحديث. أخرجه البخاري، فلهذا حمل البخاري المطلق على المقيّد. والله أعلم
وقد حمل بعضهم الصّلاة على عمومها بناءً على أنّ المفرد المعرّف يعمّ، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في روايةٍ عنه في الشّتاء حيث قال: تؤخّر في الصّيف دون الشّتاء.
ولَم يقل أحدٌ به في المغرب , ولا في الصّبح لضيق وقتهما.
قوله: (فإنّ شدّة الحرّ) تعليل لمشروعيّة التّأخير المذكور.
وهل الحكمة فيه دفع المشقّة لكونها قد تسلب الخشوع؟. وهذا أظهر.
أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب؟ ويؤيّده حديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له: أقصر عن الصّلاة عند استواء الشّمس , فإنّها ساعة تسجّر فيها جهنّم.
стр. 899
وقد استشكل هذا بأنّ الصّلاة سبب الرّحمة , ففعلها مظنّة لطرد العذاب. فكيف أمر بتركها؟.
وأجاب عنه أبو الفتح اليعمريّ: بأنّ التّعليل إذا جاء من جهة الشّارع وجب قبوله. وإن لَم يفهم معناه.
واستنبط له الزين بن المنير معنىً يناسبه فقال: وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطّلب إلاَّ ممّن أذن له فيه , والصّلاة لا تنفكّ عن كونها طلباً ودعاءً فناسب الاقتصار عنها حينئذٍ. واستدل بحديث الشّفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلّهم للأمم بأنّ الله تعالى غضب غضباً لَم يغضب قبله مثله , ولا يغضب بعده مثله , سوى نبيّنا ﷺ فلم يعتذر , بل طلب لكونه أذن له في ذلك. (١)
ويمكن أن يقال: سجر جهنّم سبب فيحها , وفيحها سبب وجود شدّة الحرّ , وهو مظنّة المشقّة التي هي مظنّة سلب الخشوع , فناسب أن لا يُصلَّى فيها.
لكن يرِدُ عليه أنّ سجرها مستمرّ في جميع السّنة , والإبراد مختصّ بشدّة الحرّ فهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقّة، وحكمة التّرك وقت سجرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب. والله أعلم.
قوله: (من فيح جهنّم) أي: من سعة انتشارها وتنفّسها، ومنه مكانٌ أفيح. أي: متّسع، وهذا كناية عن شدّة استعارها، وظاهره. أنّ مثار وهج الحرّ في الأرض من فيح جهنّم حقيقة، وقيل: هو من مجاز
стр. 900
التّشبيه، أي: كأنّه نار جهنّم في الحرّ.
والأوّل أولى. ويؤيّده ما في الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: اشتكت النّار إلى ربّها , فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير.
تنبيهان:
الأوّل: قضيّة التّعليل المذكور , قد يتوهّم منها مشروعيّة تأخير الصّلاة في وقت شدّة البرد، ولَم يقل به أحد؛ لأنّها تكون غالباً في وقت الصّبح فلا تزول إلاَّ بطلوع الشّمس، فلو أخّرت لخرج الوقت.
الثّاني: النّفس المذكور ينشأ عنه أشدّ الحرّ في الصّيف , وإنّما لَم يقتصر في الأمر بالإبراد على أشدّه لوجود المشقّة عند شديده أيضاً , فالأشدّيّة تحصل عند التّنفّس، والشّدّة مستمرّة بعد ذلك , فيستمرّ الإبراد إلى أن تذهب الشّدّة. والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد.
فقيل: حتّى يصير الظّلّ ذراعاً بعد ظل الزّوال، وقيل: ربع قامةٍ، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزّلها المازريّ على اختلاف الأوقات.
والجاري على القواعد , أنّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إلى آخر الوقت.
وأمّا ما وقع عند البخاري بلفظ " حتّى ساوى الظّلّ التّلول " , فظاهره يقتضي أنّه أخّرها إلى أن صار ظلّ كل شيءٍ مثله.
стр. 901
ويحتمل: أن يراد بهذه المساواة ظهور الظّل بجنب التّل بعد أن لَم يكن ظاهراً , فساواه في الظّهور لا في المقدار.
أو يقال: قد كان ذلك في السّفر , فلعله أخّر الظّهر حتّى يجمعها مع العصر.
стр. 902
الحديث التاسع والستون
١١٨ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من نسي صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها , لا كفّارة لها إلاَّ ذلك (وأقم الصّلاة لذكري). (١)
ولمسلمٍ: من نسي صلاةً , أو نام عنها. فكفّارتها , أن يُصلِّيها إذا ذكرها. (٢)
قوله: (من نسي صلاة فليصلّها) وللبخاري " فليصل " كذا وقع في جميع الرّوايات بحذف المفعول، ورواه مسلم عن هدّاب بن خالد عن همّام. بلفظ " فليصلها " وهو أبين للمراد.
وزاد مسلم أيضاً من رواية سعيد عن قتادة " أو نام عنها " , وله من رواية المثنّى بن سعيد الضّبعيّ عن قتادة نحوه , وسيأتي لفظه.
وقد تمسّك بدليل الخطاب منه , القائل إنّ العامد لا يقضي الصّلاة , لأنّ انتفاء الشّرط يستلزم انتفاء المشروط , فيلزم منه أنّ من لَم ينس لا يُصلِّي.
وقال مَن قال يقضي العامد: بأنّ ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب، فيكون من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنّه إذا وجب القضاء
стр. 903
على النّاسي - مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه - فالعامد أولى.
وادّعى بعضهم. أنّ وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله " نسي " , لأنّ النّسيان يطلق على التّرك سواءٌ كان عن ذهولٍ أم لا، ومنه قوله تعالى (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) وقوله (نسوا الله فنسيهم). قال: ويقوّي ذلك قوله " لا كفّارة لها " والنّائم والنّاسي لا إثم عليه.
قال: وهو بحثٌ ضعيف، لأنّ الخبر بذكر النّائم ثابتٌ , وقد قال فيه " لا كفّارة لها " والكفّارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد.
والقائل بأنّ العامد لا يقضي , لَم يرد أنّه أخفّ حالاً من النّاسي، بل يقول إنّه: لو شرع له القضاء لكان هو والنّاسي سواءً، والنّاسي غير مأثومٍ بخلاف العامد , فالعامد أسوأ حالاً من النّاسي. فكيف يستويان؟.
ويمكن أن يقال: إنّ إثم العامد بإخراجه الصّلاة عن وقتها باقٍ عليه ولو قضاها، بخلاف النّاسي فإنّه لا إثم عليه مطلقاً، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأوّل لأنّه قد خوطب بالصّلاة وترتّبت في ذمّته فصارت ديناً عليه، والدّين لا يسقط إلاَّ بأدائه , فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها , ويسقط عنه الطّلب بأدائها، فمن أفطر في رمضان عامداً فإنّه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، والله أعلم.
стр. 904
والحديث بوّب عليه البخاري " باب من نسي صلاة فليصلّ إذا ذكرها ولا يعيد إلاَّ تلك الصلاة ".
قال عليّ بن المنير: صرّح البخاريّ بإثبات هذا الحكم مع كونه ممّا اختلف فيه لقوّة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر فمن قضى الفائتة كمّل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الشّارع " فليصلها " ولَم يذكر زيادة. وقال أيضاً " لا كفّارة لها إلاَّ ذلك " فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أنّ من ذكر بعد أن صلَّى صلاة أنّه لَم يصلِّ التي قبلها , فإنّه يُصلِّي التي ذكر ثمّ يُصلِّي التي كان صلاها مراعاةً للتّرتيب. انتهى.
ويحتمل: أن يكون البخاريّ أشار بقوله " ولا يعيد إلاَّ تلك الصّلاة " إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصّة النّوم عن الصّلاة حيث قال " فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها " , فإنّ بعضهم زعم: أنّ ظاهره إعادة المقضيّة مرّتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي.
ولكنّ اللفظ المذكور ليس نصّاً في ذلك , لأنّه يحتمل أن يريد بقوله " فليصلها " عند وقتها. أي: الصّلاة التي تحضر. لا أنّه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها.
لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصينٍ (١) في هذه
стр. 905
القصّة " من أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ صالحاً , فليقض معها مثلها ".
قال الخطّابيّ: لا أعلم أحداً قال بظاهره وجوباً. قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى.
ولَم يقل أحدٌ من السّلف باستحباب ذلك أيضاً، بل عدّوا الحديث غلطاً من راويه. وحكى ذلك التّرمذيّ وغيره عن البخاريّ.
ويؤيّد ذلك ما رواه النّسائيّ من حديث عمران بن حصينٍ أيضاً , أنّهم قالوا: يا رسولَ الله. ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ : لا ينهاكم الله عن الرّبا ويأخذه منكم.
قوله: (وأقم الصّلاة لذكري) وللبخاري " للذّكرى " بلامين وفتح الرّاء بعدها ألفٌ مقصورةٌ - ووقع عند مسلم من طريق يونس , أنّ الزّهريّ كان يقرأها كذلك , ومرّةً كان يقولها قتادة بلفظ " لذكري " بلامٍ واحدةٍ وكسر الرّاء , وهي القراءة المشهورة.
وقد اختلف في ذِكر الآية. هل هي من كلام قتادة , أو هي من قول النّبيّ ﷺ ؟.
وفي رواية مسلمٍ عن هدّابٍ قال قتادة: (وأقم الصّلاة لذكري) , وفي روايته من طريق المثنّى عن قتادة. قال رسول الله ﷺ : إذا رقد أحدكم عن الصّلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها , فإنّ الله يقول (أقم الصّلاة لذكري) , وهذا ظاهر أنّ الجميع من كلام النّبيّ ﷺ .
стр. 906
واستدل به على أنّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، لأنّ المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊، وهو الصّحيح في الأصول ما لَم يرد ناسخ.
واختلف في المراد بقوله " لذكري ".
فقيل: المعنى لتذكرني فيها. وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتها، أي: لتذكيري لك إيّاها، وهذا يعضد قراءة من قرأ " للذّكرى ".
وقال النّخعيّ. اللام للظّرف، أي: إذا ذكرتني , أي: إذا ذكرت أمري بعدما نسيت، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكراً لذكري، وقيل: المراد بقوله ذكري , ذكر أمري، وقيل: المعنى إذا ذكرت الصّلاة فقد ذكرتني , فإنّ الصّلاة عبادة لله. فمتى ذكرها ذكر المعبود , فكأنّه أراد لذكر الصّلاة.
وقال التوربشتي: الأولى أن يقصد إلى وجهٍ يوافق الآية والحديث، وكأنّ المعنى أقم الصّلاة لذكرها، لأنّه إذا ذكرها ذكر الله تعالى، أو يقصد مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضّمير فيه موضع الصّلاة لشرفها.
стр. 907
الحديث السبعون
١١٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , أنّ معاذ بن جبلٍ كان يُصلِّي مع رسول الله ﷺ عشاء الآخرة. ثمّ يرجع إلى قومه , فيصلِّي بهم تلك الصّلاة. عشاء الآخرة , صلاة العشاء. (١)
قوله: عن جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي المشهور. (٢)
قوله: (يُصلِّي مع النّبيّ ﷺ ) زاد مسلمٌ من رواية منصور عن عمرو بن دينار عن جابر " عشاء الآخرة " , فكأنّ العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصّلاة مرّتين. وللبخاري: يرجع فيؤمّ قومه , فصلَّى العشاء فقرأ البقرة , كذا في معظم الرّوايات.
ووقع في روايةٍ لأبي عوانة والطّحاويّ من طريق محارب عن جابر " صلَّى بأصحابه المغرب " , وكذا لعبد الرّزّاق من رواية أبي الزّبير.
فإن حُمل على تعدّد القصّة , أو على أنّ المراد بالمغرب العشاء مجازاً تمّ، وإلا فما في الصّحيح أصحّ.
قوله: (ثمّ يرجع إلى قومه) في رواية منصور المذكورة " فيصلي بهم تلك الصّلاة " وللبخاري " فيصلي بهم الصّلاة " أي: المذكورة.
وفي هذا ردٌّ على من زعم أنّ المراد أنّ الصّلاة التي كان يُصلِّيها مع
стр. 908
النّبيّ ﷺ غير الصّلاة التي كان يُصلِّيها بقومه.
وفي رواية ابن عيينة عن عمرو عن جابر عند مسلم " فصلَّى ليلةً مع النّبيّ ﷺ العشاء ثمّ أتى قومه فأمّهم , وفي رواية الحميديّ عن ابن عيينة " ثمّ يرجع إلى بني سلمة فيُصلِّيها بهم " , ولا مخالفة فيه؛ لأنّ قومه هم بنو سلمة.
وفي رواية الشّافعيّ عنه " ثمّ يرجع فيُصلِّيها بقومه في بني سلمة " , ولأحمد " ثمّ يرجع فيؤمّنا ".
واستدل بهذا الحديث على صحّة اقتداء المفترض بالمتنفّل؛ بناءً على أنّ معاذاً كان ينوي بالأولى الفرض وبالثّانية النّفل.
ويدلّ عليه ما رواه عبد الرّزّاق والشّافعيّ والطّحاويّ والدّارقطنيّ وغيرهم من طريق ابن جريجٍ عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب. وزاد " هي له تطوّع ولهم فريضة " وهو حديثٌ صحيحٌ رجاله رجال الصّحيح، وقد صرّح ابن جريجٍ في رواية عبد الرّزّاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه.
فقول ابن الجوزيّ: إنّه لا يصحّ , مردود.
وتعليل الطّحاويّ له: بأنّ ابن عيينة ساقه عن عمرو أتمّ من سياق ابن جريجٍ , ولَم يذكر هذه الزّيادة , ليس بقادحٍ في صحّته؛ لأنّ ابن جريجٍ أسنّ وأجلّ من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لَم يكن كذلك فهي زيادةٌ من ثقةٍ حافظٍ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً , فلا معنى للتّوقّف في الحكم بصحّتها.
стр. 909
وأمّا ردّ الطّحاويّ لها: باحتمال أن تكون مدرجة.
فجوابه: أنّ الأصل عدم الإدراج حتّى يثبت التّفصيل، فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه , ولا سيّما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإنّ الشّافعيّ أخرجها من وجهٍ آخر عن جابر. متابعاً لعمرو بن دينار عنه.
وقول الطّحاويّ هو ظنٌّ من جابر. مردود؛ لأنّ جابراً كان ممّن يُصلِّي مع معاذ , فهو محمولٌ على أنّه سمع ذلك منه , ولا يظنّ بجابر أنّه يخبر عن شخصٍ بأمرٍ غير مشاهدٍ إلاَّ بأن يكون ذلك الشّخص أطلعه عليه.
وأمّا احتجاج أصحابنا لذلك بقوله ﷺ : إذا أقيمت الصّلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة (١). فليس بجيّد؛ لأنّ حاصله النّهي عن التّلبّس بصلاةٍ غير التي أقيمت من غير تعرّضٍ لنيّة فرض أو نفل، ولو تعيّنت نيّة الفريضة لامتنع على معاذ أن يُصلِّي الثّانية بقومه؛ لأنّها ليست حينئذٍ فرضاً له.
وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يظنّ بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمّة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنّه وإن كان فيه نوع ترجيح لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النّبيّ ﷺ , لَم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتّباع.
وكذلك قول الخطّابيّ: إنّ العشاء في قوله " كان يُصلِّي مع النّبيّ ﷺ
стр. 910
العشاء " حقيقة في المفروضة، فلا يقال كان ينوي بها التّطوّع؛ لأنّ لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التّنفّل.
وأمّا قول ابن حزم: إنّ المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوّعاً , فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟.
فهذا - إن كان كما قال - نقضٌ قويٌّ. وأسلم الأجوبة التّمسّك بالزّيادة المتقدّمة.
وأمّا قول الطّحاويّ: لا حجّة فيها؛ لأنّها لَم تكن بأمر النّبيّ ﷺ ولا تقريره. فجوابه أنّهم لا يختلفون في أنّ رأي الصّحابيّ إذا لَم يخالفه غيره حجّة، والواقع هنا كذلك، فإنّ الذين كان يُصلِّي بهم معاذ كلّهم صحابةٌ , وفيهم ثلاثون عقبيّاً وأربعون بدريّاً، قاله ابن حزم.
وقال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصّحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر، وابن عمر، وأبو الدّرداء وأنس وغيرهم.
وأمّا قول الطّحاويّ: لو سلَّمنا جميع ذلك , لَم يكن فيه حجّة لاحتمال أنّ ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرّتين. أي: فيكون منسوخاً.
فقد تعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّه يتضمّن إثبات النّسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ، وبأنّه يلزمه إقامة الدّليل على ما ادّعاه من إعادة الفريضة. انتهى.
وكأنّه لَم يقف على كتابه , فإنّه قد ساق فيه دليل ذلك , وهو حديث
стр. 911
ابن عمر رفعه " لا تصلّوا الصّلاة في اليوم مرّتين " (١).
ومن وجهٍ آخر مرسل , إنّ أهل العالية كانوا يصلّون في بيوتهم, ثمّ يصلّون مع النّبيّ ﷺ فبلغه ذلك فنهاهم. (٢)
ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحّته نظرٌ، لاحتمال أن يكون النّهي عن أن يصلّوها مرّتين على أنّها فريضة، وبذلك جزم البيهقيّ جمعاً بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النّهي منسوخ بحديث معاذ، لَم يكن بعيداً.
ولا يقال القصّة قديمة؛ لأنّ صاحبها استشهد بأحدٍ؛ لأنّا نقول: كانت أُحدٌ في أواخر الثّالثة فلا مانع أن يكون النّهي في الأولى والإذن في الثّالثة مثلاً، وقد قال ﷺ للرّجلين اللذين لَم يصليا معه: إذا صليتما في رحالكما , ثمّ أتيتما مسجد جماعةٍ فصليا معهم , فإنّها نافلة. أخرجه أصحاب السّنن من حديث يزيد بن الأسود العامريّ. وصحّحه ابن خزيمة وغيره، وكان ذلك في حجّة الوداع في أواخر حياة النّبيّ ﷺ .
ويدلّ على الجواز أيضاً. أمره ﷺ لمن أدرك الأئمّة الذين يأتون بعده
стр. 912
ويؤخّرون الصّلاة عن ميقاتها: أن صلّوها في بيوتكم في الوقت , ثمّ اجعلوها معهم نافلة (١).
وأمّا استدلال الطّحاويّ: أنّه ﷺ نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: إمّا أن تصلي معي , وإمّا أن تخفّف بقومك (٢). ودعواه أنّ معناه إمّا أن تصلي معي ولا تصل بقومك , وإمّا أن تخفّف بقومك ولا تصل معي.
ففيه نظرٌ؛ لأنّ لمخالفه أن يقول: بل التّقدير إمّا أن تصلي معي فقط إذا لَم تخفّف , وإمّا أن تخفّف بقومك فتصلي معي، وهو أولى من تقديره؛ لِمَا فيه من مقابلة التّخفيف بترك التّخفيف؛ لأنّه هو المسئول عنه المتنازع فيه.
وأمّا تقوية بعضهم بكونه منسوخاً: بأنّ صلاة الخوف وقعت مراراً على صفةٍ فيها مخالفةٌ ظاهرةٌ بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفّل لصلَّى النّبيّ ﷺ بهم مرّتين على وجهٍ لا تقع فيه منافاة، فلمّا لَم يفعل دلَّ ذلك على المنع.
فجوابه: أنّه ثبت أنّه ﷺ صلَّى بهم صلاة الخوف مرّتين. كما أخرجه
стр. 913
أبو داود عن أبي بكرة صريحاً، ولمسلمٍ عن جابر نحوه، وأمّا صلاته بهم على نوعٍ من المخالفة فلبيان الجواز.
وأمّا قول بعضهم: كان فعل معاذ للضّرورة لقلة القرّاء في ذلك الوقت. فهو ضعيفٌ كما قال ابن دقيق العيد؛ لأنّ القدر المجزئ من القراءة في الصّلاة كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سبباً لارتكاب أمرٍ ممنوعٍ منه شرعاً في الصّلاة.
стр. 914
الحديث الواحد والسبعون
١٢٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: كنّا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ في شدّة الحرّ. فإذا لَم يستطع أحدنا أنْ يُمكِّن جبهته من الأرض , بسط ثوبه فسجد عليه. (١)
قوله: (بسط ثوبه فسجد عليه) وللبخاري من رواية بشر بن المفضل عن غالب " فيضع أحدنا طرف الثّوب " وله من طريق خالد بن عبد الرّحمن عن غالب: سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ.
والثّوب في الأصل يطلق على غير المخيط. وقد يطلق على المخيط مجازاً.
وفي الحديث جواز استعمال الثّياب , وكذا غيرها في الحيلولة بين المُصلِّي وبين الأرض لاتّقاء حرّها وكذا بردها.
وفيه إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السّجود هو الأصل؛ لأنّه علق بسط الثّوب بعدم الاستطاعة.
واستدل به على إجازة السّجود على الثّوب المتّصل بالمُصلِّي.
قال النّوويّ: وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وحمله الشّافعيّ على الثّوب المنفصل. انتهى.
وأيّد البيهقيّ هذا الحملَ بما رواه الإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ " فيأخذ أحدنا الحصى في يده , فإذا برد وضعه وسجد عليه " , قال:
стр. 915
فلو جاز السّجود على شيء متّصل به لَمَا احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.
وتعقّب: باحتمال أن يكون الذي كان يبرّد الحصى لَم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترته له.
وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من استدل به على الجواز إلى أمرين:
أحدهما: أنّ لفظ " ثوبه " دالٌّ على المتّصل به، إمّا من حيث اللفظ , وهو تعقيب السّجود بالبسط يعني كما في رواية مسلم، وإمّا من خارج اللفظ , وهو قلة الثّياب عندهم.
وعلى تقدير أن يكون كذلك - وهو الأمر الثّاني - يحتاج إلى ثبوت كونه متناولاً لمحل النّزاع، وهو أن يكون ممّا يتحرّك بحركة المُصلِّي، وليس في الحديث ما يدلّ عليه. والله أعلم.
وفيه جواز العمل القليل في الصّلاة، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأنّ الظّاهر أنّ صنيعهم ذلك لإزالة التّشويش العارض من حرارة الأرض.
وفيه تقديم الظّهر في أوّل الوقت، وظاهر الأحاديث الوارد في الأمر بالإبراد كما تقدّم يعارضه، فمَن قال الإبراد رخصة فلا إشكال.
ومَن قال سنّة. فإمّا أن يقول التّقديم المذكور رخصة، وإمّا أن يقول منسوخ بالأمر بالإبراد.
وأحسن منهما أن يقال: إنّ شدّة الحرّ قد توجد مع الإبراد فيحتاج إلى السّجود على الثّوب أو إلى تبريد الحصى؛ لأنّه قد يستمرّ حرّه بعد