ابن عمر رفعه " لا تصلّوا الصّلاة في اليوم مرّتين " (١).
ومن وجهٍ آخر مرسل , إنّ أهل العالية كانوا يصلّون في بيوتهم, ثمّ يصلّون مع النّبيّ ﷺ فبلغه ذلك فنهاهم. (٢)
ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحّته نظرٌ، لاحتمال أن يكون النّهي عن أن يصلّوها مرّتين على أنّها فريضة، وبذلك جزم البيهقيّ جمعاً بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النّهي منسوخ بحديث معاذ، لَم يكن بعيداً.
ولا يقال القصّة قديمة؛ لأنّ صاحبها استشهد بأحدٍ؛ لأنّا نقول: كانت أُحدٌ في أواخر الثّالثة فلا مانع أن يكون النّهي في الأولى والإذن في الثّالثة مثلاً، وقد قال ﷺ للرّجلين اللذين لَم يصليا معه: إذا صليتما في رحالكما , ثمّ أتيتما مسجد جماعةٍ فصليا معهم , فإنّها نافلة. أخرجه أصحاب السّنن من حديث يزيد بن الأسود العامريّ. وصحّحه ابن خزيمة وغيره، وكان ذلك في حجّة الوداع في أواخر حياة النّبيّ ﷺ .
ويدلّ على الجواز أيضاً. أمره ﷺ لمن أدرك الأئمّة الذين يأتون بعده
стр. 912
ويؤخّرون الصّلاة عن ميقاتها: أن صلّوها في بيوتكم في الوقت , ثمّ اجعلوها معهم نافلة (١).
وأمّا استدلال الطّحاويّ: أنّه ﷺ نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: إمّا أن تصلي معي , وإمّا أن تخفّف بقومك (٢). ودعواه أنّ معناه إمّا أن تصلي معي ولا تصل بقومك , وإمّا أن تخفّف بقومك ولا تصل معي.
ففيه نظرٌ؛ لأنّ لمخالفه أن يقول: بل التّقدير إمّا أن تصلي معي فقط إذا لَم تخفّف , وإمّا أن تخفّف بقومك فتصلي معي، وهو أولى من تقديره؛ لِمَا فيه من مقابلة التّخفيف بترك التّخفيف؛ لأنّه هو المسئول عنه المتنازع فيه.
وأمّا تقوية بعضهم بكونه منسوخاً: بأنّ صلاة الخوف وقعت مراراً على صفةٍ فيها مخالفةٌ ظاهرةٌ بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفّل لصلَّى النّبيّ ﷺ بهم مرّتين على وجهٍ لا تقع فيه منافاة، فلمّا لَم يفعل دلَّ ذلك على المنع.
فجوابه: أنّه ثبت أنّه ﷺ صلَّى بهم صلاة الخوف مرّتين. كما أخرجه
стр. 913
أبو داود عن أبي بكرة صريحاً، ولمسلمٍ عن جابر نحوه، وأمّا صلاته بهم على نوعٍ من المخالفة فلبيان الجواز.
وأمّا قول بعضهم: كان فعل معاذ للضّرورة لقلة القرّاء في ذلك الوقت. فهو ضعيفٌ كما قال ابن دقيق العيد؛ لأنّ القدر المجزئ من القراءة في الصّلاة كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سبباً لارتكاب أمرٍ ممنوعٍ منه شرعاً في الصّلاة.
стр. 914
الحديث الواحد والسبعون
١٢٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: كنّا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ في شدّة الحرّ. فإذا لَم يستطع أحدنا أنْ يُمكِّن جبهته من الأرض , بسط ثوبه فسجد عليه. (١)
قوله: (بسط ثوبه فسجد عليه) وللبخاري من رواية بشر بن المفضل عن غالب " فيضع أحدنا طرف الثّوب " وله من طريق خالد بن عبد الرّحمن عن غالب: سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ.
والثّوب في الأصل يطلق على غير المخيط. وقد يطلق على المخيط مجازاً.
وفي الحديث جواز استعمال الثّياب , وكذا غيرها في الحيلولة بين المُصلِّي وبين الأرض لاتّقاء حرّها وكذا بردها.
وفيه إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السّجود هو الأصل؛ لأنّه علق بسط الثّوب بعدم الاستطاعة.
واستدل به على إجازة السّجود على الثّوب المتّصل بالمُصلِّي.
قال النّوويّ: وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وحمله الشّافعيّ على الثّوب المنفصل. انتهى.
وأيّد البيهقيّ هذا الحملَ بما رواه الإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ " فيأخذ أحدنا الحصى في يده , فإذا برد وضعه وسجد عليه " , قال:
стр. 915
فلو جاز السّجود على شيء متّصل به لَمَا احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.
وتعقّب: باحتمال أن يكون الذي كان يبرّد الحصى لَم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترته له.
وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من استدل به على الجواز إلى أمرين:
أحدهما: أنّ لفظ " ثوبه " دالٌّ على المتّصل به، إمّا من حيث اللفظ , وهو تعقيب السّجود بالبسط يعني كما في رواية مسلم، وإمّا من خارج اللفظ , وهو قلة الثّياب عندهم.
وعلى تقدير أن يكون كذلك - وهو الأمر الثّاني - يحتاج إلى ثبوت كونه متناولاً لمحل النّزاع، وهو أن يكون ممّا يتحرّك بحركة المُصلِّي، وليس في الحديث ما يدلّ عليه. والله أعلم.
وفيه جواز العمل القليل في الصّلاة، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأنّ الظّاهر أنّ صنيعهم ذلك لإزالة التّشويش العارض من حرارة الأرض.
وفيه تقديم الظّهر في أوّل الوقت، وظاهر الأحاديث الوارد في الأمر بالإبراد كما تقدّم يعارضه، فمَن قال الإبراد رخصة فلا إشكال.
ومَن قال سنّة. فإمّا أن يقول التّقديم المذكور رخصة، وإمّا أن يقول منسوخ بالأمر بالإبراد.
وأحسن منهما أن يقال: إنّ شدّة الحرّ قد توجد مع الإبراد فيحتاج إلى السّجود على الثّوب أو إلى تبريد الحصى؛ لأنّه قد يستمرّ حرّه بعد
стр. 916
الإبراد، وتكون فائدة الإبراد وجود ظلٍّ يمشي فيه إلى المسجد أو يُصلِّي فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القرطبيّ ثمّ ابن دقيق العيد، وهو أولى من دعوى تعارض الحديثين.
وفيه أنّ قول الصّحابيّ " كنّا نفعل كذا " من قبيل المرفوع لاتّفاق الشّيخين على تخريج هذا الحديث في صحيحيهما , بل ومعظم المصنّفين.
لكن قد يقال إنّ في هذا زيادة على مجرّد الصّيغة لكونه في الصّلاة خلف النّبيّ ﷺ ، وقد كان يرى فيها من خلفه كما يرى من أمامه فيكون تقريره فيه مأخوذاً من هذه الطّريق لا من مجرّد صيغة " كنّا نفعل ".
стр. 917
الحديث الثاني والسبعون
١٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يُصلِّي أحدكم في الثّوب الواحد , ليس على عاتقيه منه شيءٌ. (١)
قوله: (لا يُصلِّي) قال ابن الأثير: كذا هو في الصّحيحين بإثبات الياء، ووجهه أنّ " لا " نافية، وهو خبر بمعنى النّهي.
قلت: ورواه الدّارقطنيّ في " غرائب مالك " من طريق الشّافعيّ عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ " لا يصلِّ " بغير ياء، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء عن مالك بلفظ " لا يصلّين " بزيادة نون التّأكيد، ورواه الإسماعيليّ من طريق الثّوريّ عن أبي الزّناد بلفظ " نهى رسول الله ﷺ ".
قوله: (ليس على عاتقيه شيء) كذا للبخاري , وزاد مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزّناد " منه شيء " أي بعضه، وفي رواية " عاتقه " (٢) بالإفراد.
والعاتق هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق، وهو مذكّر , وحكي:
стр. 918
تأنيثه.
والمراد أنّه لا يتّزر في وسطه ويشدّ طرفي الثّوب في حقويه , بل يتوشّح بهما على عاتقيه ليحصل السّتر لجزءٍ من أعالي البدن وإن كان ليس بعورةٍ، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة.
وللبخاري من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعاً " من صلَّى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه " , وعند أحمد من طريق معمر عن يحيى فيه " فليخالف بين طرفيه على عاتقيه " , وكذا للإسماعيليّ وأبي نعيمٍ من طريق حسين عن شيبان.
القول الأول: حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب، والنّهي في الذي قبله على التّنزيه.
القول الثاني: عن أحمد. لا تصحّ صلاة من قدر على ذلك فترَكَه , جعله من الشّرائط.
القول الثالث: وعن أحمد: تصحّ ويأثم , جعله واجباً مستقبلاً.
وقال الكرمانيّ: ظاهر النّهي يقتضي التّحريم , لكنّ الإجماع منعقد على جواز تركه.
كذا قال , وغفل عمّا ذكره بعد قليل عن النّوويّ من حكاية ما نقلناه عن أحمد، وقد نقل ابن المنذر عن محمّد بن عليّ عدم الجواز، وكلام التّرمذيّ يدلّ على ثبوت الخلاف أيضاً.
وعقد الطّحاويّ له باباً في شرح المعاني , ونقل المنع عن ابن عمر ثمّ عن طاوسٍ والنّخعيّ، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير.
стр. 919
وجمع الطّحاويّ بين أحاديث الباب: بأنّ الأصل أن يُصلِّي مشتملاً فإن ضاق اتّزر
ونقل الشّيخ تقيّ الدّين السّبكيّ وجوب ذلك عن نصّ الشّافعيّ واختاره، لكنّ المعروف في كتب الشّافعيّة خلافه.
واستدل الخطّابيّ على عدم الوجوب: بأنّه ﷺ صلَّى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة (١).
قال: ومعلوم أنّ الطّرف الذي هو لابسه من الثّوب غير متّسع لأن يتّزر به , ويفضل منه ما كان لعاتقه.
وفيما قاله نظرٌ لا يخفى. والظّاهر من تصرّف البخاري التّفصيل بين ما إذا كان الثّوب واسعاً فيجب، وبين ما إذا كان ضيّقاً فلا يجب وضع شيء منه على العاتق، وهو اختيار ابن المنذر.
وبذلك تظهر مناسبة تعقيبه بباب إذا كان الثوب ضيقاً. (٢)
стр. 920
الحديث الثالث والسبعون
١٢٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النّبيّ ﷺ , أنّه قال: من أكل ثوماً أو بصلاً , فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته.
وأُتِي بقِدْرٍ فيه خضراتٌ من بقولٍ , فوجد لها ريحاً , فسأل؟ فأُخبر بما فيها من البقول , فقال: قرّبوها إلى بعض أصحابي , فلمّا رآه كره أكلها , قال: كُل. فإنّي أناجي من لا تناجي. (١)
الحديث الرابع والسبعون
١٢٣ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ قال: مَن أكل الثّومَ والبصلَ والكرّاثَ فلا يقْرَبنّ مسجدنا، فإنّ الملائكةَ تتأذّى ممّا يتأذّى منه الإنسان. وفي روايةٍ: بني آدم. (٢)
قوله: (عن جابر) وللبخاري " أنَّ جابر بن عبد الله زعم ".
قال الخطّابيّ: لَم يقل زعم على وجه التّهمة، لكنّه لَمّا كان أمراً مختلفاً
стр. 921
فيه , أتى بلفظ الزّعم , لأنّ هذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلاَّ في أمر يرتاب به أو يختلف فيه.
قلت: وقد يستعمل في القول المحقّق أيضاً، وكلام الخطّابيّ لا ينفي ذلك، وفي رواية أحمد بن صالح عند البخاري عن جابر , ولَم يقل " زعم ".
قوله: (من أكل ثوماً) وللبخاري عن ابن جريج عن عطاء عن جابر: من أكل من هذه الشجرة - يريد الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا , قلت: ما يعني به؟ قال: ما أراه يعني إلاَّ نيئه، وقال مخلد بن يزيد: عن ابن جريج: إلاَّ نتنه.
وقوله: " يريد الثّوم " لَم أعرف الذي فسّره , وأظنّه ابن جريجٍ فإنّ في رواية الزّهريّ عن عطاء الجزم بذكر الثّوم.
على أنّه قد اختلف في سياقه عن ابن جريجٍ.
فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطّان عن ابن جريجٍ بلفظ " من أكل من هذه البقلة الثّوم " وقال مرّة " من أكل البصل والثّوم والكرّاث " , ورواه أبو نعيمٍ في " المستخرج " من طريق روح بن عبادة عن ابن جريجٍ مثله , وعيّن الذي قال، وقال مرّة , ولفظه: قال ابن جريجٍ: وقال عطاء في وقت آخر: الثّوم والبصل والكرّاث.
ورواه أبو الزّبير عن جابر بلفظ: نهى النّبيّ ﷺ عن أكل البصل والكرّاث , قال: ولَم يكن ببلدنا يومئذٍ الثّوم. هكذا أخرجه ابن خزيمة من رواية يزيد بن إبراهيم وعبد الرّزّاق عن ابن عيينة كلاهما
стр. 922
عن أبي الزّبير.
قلت: هذا لا ينافي التّفسير المتقدّم , إذ لا يلزم من كونه لَم يكن بأرضهم أن لا يجلب إليهم، حتّى لو امتنع هذا الحمل لكانت رواية المثبت مقدّمة على رواية النّافي، والله أعلم
قال ابن بطّال: هذا يدلّ على إباحة أكل الثّوم، لأنّ قوله " من أكل " لفظ إباحة.
وتعقّبه ابن المنير: بأنّ هذه الصّيغة إنّما تعطي الوجود لا الحكم، أي: من وجد منه الأكل، وهو أعمّ من كونه مباحاً أو غير مباح.
وفي حديث أبي سعيد عند مسلم الدّلالة على عدم تحريمه , أنَّ النبي ﷺ قال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً، فلا يقربنا في المسجد , فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذاك النبيَّ ﷺ فقال: أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحلَّ الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها.
قوله: (فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا) شكّ من الرّاوي وهو الزّهريّ، ولَم تختلف الرّواة عنه في ذلك
قوله: (وليقعد في بيته) بواو العطف، وكذا لمسلمٍ، ولإبي ذر " أو ليقعد في بيته " بالشّكّ أيضاً , وهي أخصّ من الاعتزال , لأنّه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره.
قوله: (وأتي بقدرٍ) وللبخاري " وأنّ النّبيّ ﷺ أتي بقدر " هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، والتّقدير. وحدّثنا سعيد بن عفير قال: حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب،
стр. 923
زعم عطاء، أنَّ جابر بن عبد الله زعم , أنّ النّبيّ ﷺ أتي .. ".
وهذا الحديث الثّاني كان متقدّماً على الحديث الأوّل بستّ سنين، لأنّ الأوّل في حديث ابن عمر في البخاري وغيره , أنّه وقع منه ﷺ في غزوة خيبر - وكانت سنة سبع - وهذا وقع في السّنة الأولى عند قدومه ﷺ إلى المدينة , ونزوله في بيت أبي أيّوب الأنصاريّ كما سأبيّنه.
قوله: (بقدرٍ) بكسر القاف وهو ما يطبخ فيه، ويجوز فيه التّأنيث والتّذكير، والتّأنيث أشهر، لكنّ الضّمير في قوله " فيه خُضَرات " يعود على الطّعام الذي في القدر، فالتّقدير أتي بقدرٍ من طعام فيه خُضَرات، ولهذا لَمّا أعاد الضّمير على القدر أعاده بالتّأنيث حيث قال " فأخبر بما فيها " وحيث قال " قرّبوها "
وللبخاري في الاعتصام حدثنا أحمد بن صالح عن ابن وهب فقال " أتي ببدر " فخالف سعيدَ بن عفير في هذه اللفظة فقط , وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهب بإسناده المذكور , وفيه قول ابن وهب " يعني: طبقاً فيه خضرات "، وكذا أخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح، لكن أخّر تفسير ابن وهب فذكره بعد فراغ الحديث. وأخرجه مسلم عن أبي الطّاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب فقال " بقدرٍ " بالقاف.
ورجّح جماعةٌ من الشّرّاح روايةَ أحمد بن صالح لكون ابن وهب فسّر " البدر " بالطّبق فدلَّ على أنّه حدّث به كذلك.
وزعم بعضهم أنّ لفظة " بقدرٍ " تصحيف , لأنّها تشعر بالطّبخ ,
стр. 924
وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة، بخلاف الطّبق فظاهره أنّ البقول كانت فيه نيئة.
والذي يظهر لي أنّ رواية " القدر " أصحّ لِمَا جاء من حديث أبي أيّوب وأمّ أيّوب جميعاً، فإنّ فيه التّصريح بالطّعام، ولا تعارض بين امتناعه ﷺ من أكل الثّوم وغيره مطبوخاً , وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخاً، فقد علَّل ذلك بقوله " إنّي لست كأحدٍ منكم ".
وترجم ابن خزيمة على حديث أبي أيّوب (ذِكْر ما خصّ الله نبيّه به من ترك أكل الثّوم ونحوه مطبوخاً).
وقد جمع القرطبيّ في " المفهم " بين الرّوايتين: بأنّ الذي في القدر لَم ينضج حتّى تضمحلّ رائحته , فبقي في حكم النّيء.
وقوله " ببدرٍ " بفتح الموحّدة وهو الطّبق، سُمِّي بذلك لاستدارته تشبيهاً له بالقمر عند كماله.
قوله: (خُضَرات) بضمّ الخاء وفتح الضّاد المعجمتين. كذا ضُبط في رواية أبي ذرّ، ولغيره بفتح أوّله وكسر ثانيه وهو جمع خضرة، ويجوز مع ضمّ أوّله ضمّ الضّاد وتسكينها أيضاً.
قوله: (إلى بعض أصحابه) قال الكرمانيّ: فيه النّقل بالمعنى، إذ الرّسول ﷺ لَم يقله بهذا اللفظ , بل قال: قرّبوها إلى فلان مثلاً، أو فيه حذف. أي: قال: قرّبوها مشيراً أو أشار إلى بعض أصحابه.
قلت: والمراد بالبعض أبو أيّوب الأنصاريّ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيّوب في قصّة نزول النّبيّ ﷺ عليه , قال: فكان يصنع
стр. 925
للنّبيّ ﷺ طعاماً فإذا جيء به إليه - أي بعد أن يأكل النّبيّ ﷺ منه , سأل عن موضع أصابع النّبيّ ﷺ ، فصنع ذلك مرّة فقيل له: لَم يأكل، وكان الطّعام فيه ثوم، فقال: أحرام هو يا رسولَ الله؟ قال: لا. ولكن أكرهه.
قوله: (كل فإنّي أناجي من لا تناجي) أي: الملائكة، وفي حديث أبي أيّوب عند ابن خزيمة وابن حبّان من وجه آخر , أنّ رسول الله ﷺ أرسل إليه بطعامٍ من خضرة فيه بصل أو كرّاث , فلم ير فيه أثر رسول الله ﷺ فأبى أن يأكل، فقال له: ما منعك؟ قال: لَم أر أثر يدك , قال: أستحي من ملائكة الله , وليس بمحرّمٍ.
ولهما من حديث أمّ أيّوب , قالت: نزل علينا رسول الله ﷺ فتكلَّفنا له طعاماً فيه بعض البقول، فذكر الحديث نحوه. وقال فيه: كُلوا، فإنّي لست كأحدٍ منكم، إنّي أخاف أوذي صاحبي.
وكان أبو أيّوب استدل بعموم قوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ﴾ على مشروعيّة متابعته في جميع أفعاله , فلمّا امتنع النّبيّ ﷺ من أكل تلك البقول تأسّى به , فبيّن له النّبيّ ﷺ وجه تخصيصه فقال: إنّي أناجي من لا تناجي.
واختلف هل كان أكلُ ذلك حراماً على النّبيّ ﷺ أو لا؟.
فقيل: كان محرماً عليه , والرّاجح الحلّ , لعموم قوله ﷺ : وليس بمحرّمٍ. كما تقدّم من حديث أبي أيّوب عند ابن خزيمة.
وحجّة الأوّل: أنّ العلة في المنع ملازمة الملك له ﷺ ، وأنّه ما من
стр. 926
ساعة إلاَّ وملك يمكن أن يلقاه فيها.
قوله في حديث جابر الثاني (فلا يقربنّ) وللبخاري عن أنس مرفوعاً: من أكل من هذه الشجرة فلا يقرَبَنّا. بفتح الرّاء والموحّدة وتشديد النّون.
وليس في حديث أنس تقييد النّهي بالمسجد , فيستدلّ بعمومه على إلحاق الْمَجَامع بالمساجد كمُصلَّى العيد والجنازة ومكان الوليمة.
وقد ألحقها بعضهم بالقياس والتّمسّك بهذا العموم أولى، ونظيره قوله " وليقعد في بيته " كما تقدّم.
لكن قد علَّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين، فإن كان كلّ منهما جزء عِلَّة اختصّ النّهي بالمساجد وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلاَّ لعمّ النّهي كلّ مجمع كالأسواق.
ويؤيّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: من أكل من هذه الشّجرة شيئاً فلا يقربنا في المسجد.
قال القاضي ابن العربيّ: ذِكْر الصّفة في الحكم يدلّ على التّعليل بها، ومن ثَمَّ ردّ على المازريّ حيث قال: لو أنّ جماعة مسجد أكلوا كلّهم ما له رائحة كريهة لَم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم، لأنّ المنع لَم يختصّ بهم بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئاً من ذلك ودخل المسجد مطلقاً ولو كان وحده.
واستدل بأحاديث الباب على أنّ صلاة الجماعة ليست فرض عين.
стр. 927
قال ابن دقيق العيد: لأنّ اللازم من منعه أحد أمرين:
الأول: إمّا أن يكون أكل هذه الأمور مباحاً فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين.
الثاني: أو حراماً فتكون صلاة الجماعة فرضاً.
وجمهور الأمّة على إباحة أكلها فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين. وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حقّ آكلها جائز، ولازم الجائز جائز وذلك ينافي الوجوب (١).
ونقل عن أهل الظّاهر أو بعضهم تحريمها , بناء على أنّ الجماعة فرض عين، وتقريره أن يقال: صلاة الجماعة فرض عين، ولا تتمّ إلاَّ بترك أكلها، وما لا يتمّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، فترك أكل هذا واجب فيكون حراماً. انتهى.
وكذا نقله غيره عن أهل الظّاهر، لكن صرّح ابن حزم منهم. بأنّ أكلها حلال مع قوله بأنّ الجماعة فرض عين، وانفصل عن اللّزوم المذكور. بأنّ المنع من أكلها مختصّ بمن علم بخروج الوقت قبل زوال
стр. 928
الرّائحة. ونظيره أنّ صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسّفر. وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النّداء.
وقال ابن دقيق العيد أيضاً: قد يستدلّ بهذا الحديث على أنّ أكل هذه الأمور من الأعذار المرخّصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال: إنّ هذا الكلام خرج مخرج الزّجر عنها , فلا يقتضي ذلك أن يكون عذراً في تركها إلاَّ أن تدعو إلى أكلها ضرورة. قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه، فإنّ ذلك ينفي الزّجر. انتهى
ويمكن حمله على حالتين، والفرق بينهما أنّ الزّجر وقع في حقّ من أراد إتيان المسجد، والإذن في التّقريب وقع في حالة لَم يكن فيها ذلك، بل لَم يكن المسجد النّبويّ إذ ذاك بني، فقد قدّمت أنّ الزّجر متأخّر عن قصّة التّقريب بستّ سنين.
وقال الخطّابيّ: توهّم بعضهم أنّ أكل الثّوم عذر في التّخلّف عن الجماعة، وإنّما هو عقوبة لآكله على فعله إذ حرم فضل الجماعة. انتهى
وكأنّه يخصّ الرّخصة بما لا سبب للمرء فيه كالمطر مثلاً، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أكلها حراماً، ولا أنّ الجماعة فرض عين.
واستدل المُهلَّب بقوله " فإنّي أناجي من لا تناجي " على أنّ الملائكة أفضل من الآدميّين.
وفيه نظرٌ، لأنّ المراد بمن كان ﷺ يناجيه من ينزل عليه بالوحي وهو في الأغلب الأكثر جبريل، ولا يلزم من وجود دليل يدلّ على
стр. 929
أفضليّة جبريل على مثل أبي أيّوب أن يكون أفضل ممّن هو أفضل من أبي أيّوب، ولا سيّما إن كان نبيّاً، ولا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل جميع الجنس على جميع الجنس.
ونقل ابن التّين عن مالكٍ قال: الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثّوم. وقيّده عياضٌ بالجشاء.
قلت: وفي الطّبرانيّ الصّغير من حديث أبي الزّبير عن جابر التّنصيص على ذكر الفجل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد. وهو ضعيف.
وألْحَقَ بعض الشافعية بذلك مَن بفيه بَخرٌ أو به جرح له رائحة. وزاد بعضهم , فألحق أصحاب الصّنائع كالسّمّاك، والعاهات كالمجذوم، ومن يؤذي النّاس بلسانه , وأشار ابن دقيق العيد: إلى أنّ ذلك كلّه توسّع غير مرضيّ.
واختلف في الكراهية:
القول الأول: الجمهور على التّنزيه.
القول الثاني: عن الظّاهريّة التّحريم.
وأغرب عياضٌ فنقل عن أهل الظّاهر تحريم تناول هذه الأشياء مطلقاً , لأنّها تمنع حضور الجماعة والجماعة فرض عين , ولكن صرَّح ابن حزمٍ بالجواز , ثمّ يحرم على من يتعاطى ذلك حضور المسجد , وهو أعلم بمذهبه من غيره.
قوله: (مسجدنا) وللبخاري من طريق يحيى القطان عن عبيد الله
стр. 930
عن نافع عن ابن عمر , أنَّ النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا " , قوله قال (في غزوة خيبر) قال الداودي: أي حين أراد الخروج , أو حين قدم.
وتعقبه ابن التين. بأن الصواب أنه قال ذلك وهو في الغزاة نفسها , قال: ولا ضرورة تمنع أن يخبرهم بذلك في السفر. انتهى.
فكأنَّ الذي حمل الداوديَّ على ذلك. قوله في الحديث: فلا يقربن مسجدنا. لأنَّ الظاهر أنَّ المراد به مسجد المدينة فلهذا حمل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر أو الرجوع إلى المدينة , لكن حديث أبي سعيد عند مسلم دلَّ على أنّ القول المذكور صدر منه ﷺ عقب فتح خيبر.
فعلى هذا فقوله " مسجدنا " يريد به المكان الذي أعدّ ليصلِّي فيه مدّة إقامته هناك , أو المراد بالمسجد الجنس , والإضافة إلى المسلمين. أي: فلا يقربنّ مسجد المسلمين
ويؤيّده رواية أحمد عن يحيى القطّان فيه بلفظ " فلا يقربنّ المساجد " ونحوه لمسلمٍ. وهذا يدفع قول من خصّ النّهيَّ بمسجد النّبيّ ﷺ ، وقد حكاه ابن بطّال عن بعض أهل العلم ووهّاه.
وفي مصنّف عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاءٍ: هل النّهي للمسجد الحرام خاصّة , أو في المساجد؟ قال: لا. بل في المساجد.
فائدتان:
الفائدة الأولى: في قوله " شجرة " مجاز , لأنّ المعروف في اللّغة أنّ
стр. 931
الشّجرة ما كان لها ساقٌ , وما لا ساق له يقال له نجم، وبهذا فسّر ابن عبّاسٍ وغيره قوله تعالى (والنّجم والشّجر يسجدان).
ومن أهل اللّغة مَن قال: كلّ ما ثبتت له أرومة، أي: أصل في الأرض يخلف ما قطع منه فهو شجرٌ، وإلا فنجمٌ.
وقال الخطّابيّ: في هذا الحديث إطلاق الشّجر على الثّوم , والعامّة لا تعرف الشّجر إلاَّ ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم مَن قال: بين الشّجر والنّجم عمومٌ وخصوصٌ، فكلّ نجمٍ شجرٌ من غير عكس كالشّجر والنّخل، فكلّ نخلٍ شجر من غير عكس.
الفائدة الثانية: حكم رحبة المسجد وما قرب منها حكمه، ولذلك كان ﷺ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع كما ثبت في مسلم عن عمر ﵁.
تنبيهٌ: وقع في حديث حذيفة عند ابن خزيمة: من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربنّ مسجدنا، ثلاثاً. وبوّب عليه " توقيت النّهي عن إتيان الجماعة لآكل الثّوم ".
وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يكون قوله " ثلاثاً " يتعلق بالقول، أي: قال ذلك ثلاثاً، بل هذا هو الظّاهر، لأنّ عِلَّة المنع وجود الرّائحة. وهي لا تستمرّ هذه المدّة.
стр. 932
فتح السلام شرح عمدة الأحكام
للحافظ ابن حجر العسقلاني
«مأخوذ من كتابه فتح الباري»
جمعه وهذبه وحققه
أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر
[المجلد الثالث]
«من باب التشهد حتى نهاية الجنائز»
стр. 933
باب التشهُّد
الحديث الخامس والسبعون
١٢٤ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: علَّمَني رسول الله ﷺ التّشهّد. كفّي بين كفّيه , كما يُعلِّمني السّورة من القرآن: التّحيّات لله والصّلوات والطّيّبات , السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته , السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين , أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله. (١)
وفي لفظٍ: إذا قعد أحدكم في الصّلاة فليقل: التّحيّات لله , وذكره. وفيه: فإنّكم إذا فعلتم ذلك , فقد سلَّمتم على كل عبدٍ لله صالِحٍ في السّماء والأرض. وفيه: فليتخيّر من المسألة ما شاء. (٢)
قوله: (التّشهّد) هو تفعّل من تشهّد، سُمِّي بذلك لاشتماله على النّطق بشهادة الحقّ تغليباً لها على بقيّة أذكاره لشرفها.
قوله: (كفّي بين كفّيه) فيه جواز الأخذ باليد من غير حصول المصافحة , وهي مفاعلة من الصّفحة , والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد.
стр. 934
وقد أخرج التّرمذيّ من حديث ابن مسعود رفعه " من تمام التّحيّة الأخذ باليد " وفي سنده ضعف، وحكى التّرمذيّ عن البخاريّ: أنّه رجّح أنّه موقوف على عبد الرّحمن بن يزيد النّخعيّ أحد التّابعين.
وأخرج ابن المبارك في " كتاب البرّ والصّلة " من حديث أنس: كان النّبيّ ﷺ إذا لقي الرّجل لا ينزع يده حتّى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتّى يكون هو الذي يصرفه ". وأخرج التّرمذيّ بسندٍ ضعيف من حديث أبي أُمامة رفعه " تمام تحيّتكم بينكم المصافحة ".
وأخرج البخاري في " الأدب المفرد " وأبو داود بسندٍ صحيح من طريق حميدٍ عن أنس رفعه: قد أقبل أهل اليمن , وهم أوّل من حيّانا بالمصافحة. وفي " جامع ابن وهب " من هذا الوجه " وكانوا أوّل من أظهر المصافحة ".
وأخرج البخاري في " صحيحه " عن قتادة، قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم ".
قال ابن بطّال (١): المصافحة حسنة عند عامّة العلماء، وقد استحبّها مالك بعد كراهته.
وقال النّوويّ (٢): المصافحة سنّة مجمع عليها عند التّلاقي. وقد أخرج أحمد وأبو داود والتّرمذيّ عن البراء رفعه " ما من مسلمَين
стр. 935
يلتقيان فيتصافحان , إلاَّ غفر لهما قبل أن يتفرّقا " , وزاد فيه ابن السّنّيّ " وتكاشرا بودٍّ ونصيحة " , وفي رواية لأبي داود " وحمدا الله واستغفراه ".
وأخرجه أبو بكر الرّويانيّ في " مسنده " من وجه آخر عن البراء: لقيت رسول الله ﷺ فصافحني، فقلت: يا رسولَ الله كنت أحسب أنّ هذا من زيّ العجم، فقال: نحن أحقّ بالمصافحة. فذكر نحو سياق الخبر الأوّل.
وفي مرسل عطاء الخراسانيّ في الموطّأ " تصافحوا يذهب الغلّ " ولَم نقف عليه موصولاً، واقتصر ابن عبد البرّ على شواهده من حديث البراء وغيره.
قال النّوويّ: وأمّا تخصيص المصافحة بما بعد صلاتي الصّبح والعصر , فقد مثّل ابن عبد السّلام في " القواعد " البدعة المباحة منها.
قال النّوويّ: وأصل المصافحة سنّة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال لا يخرج ذلك عن أصل السّنّة.
قلت: للنّظر فيه مجال، فإنّ أصل صلاة النّافلة سنّة مرغّب فيها، ومع ذلك فقد كره المحقّقون تخصيص وقت بها دون وقت.
ومنهم: من أطلق تحريم مثل ذلك كصلاة الرّغائب التي لا أصل لها، ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبيّة والأمرد الحسن.
стр. 936
وقال ابن بطّال: الأخذ باليد هو مبالغة المصافحة , وذلك مستحبّ عند العلماء، وإنّما اختلفوا في تقبيل اليد , فأنكره مالك , وأنكر ما روي فيه.
وأجازه آخرون: واحتجّوا بما روي عن ابن عمر , أنّهم لَمّا رجعوا من الغزو حيث فرّوا , قالوا: نحن الفرّارون، فقال: بل أنتم العكّارون أنا فئة المؤمنين، قال: فقبّلنا يده.
قال: وقبّل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النّبيّ ﷺ حين تاب الله عليهم. ذكره الأبهريّ، وقبّل أبو عبيدة يدَ عمر حين قدم، وقبّل زيد بن ثابت يدَ ابن عبّاس حين أخذ ابن عبّاس بركابه.
قال الأبهريّ: وإنّما كرهها مالك إذا كانت على وجه التّكبّر والتّعظّم، وأمّا إذا كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإنّ ذلك جائز.
قال ابن بطّال: وذكر التّرمذيّ من حديث صفوان بن عسّال " أنّ يهوديّين أتيا النّبيّ ﷺ فسألاه عن تسع آيات " الحديث وفي آخره " فقبّلا يده ورجله ". قال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
قلت: حديث ابن عمر. أخرجه البخاريّ في " الأدب المفرد " وأبو داود، وحديث أبي لبابة. أخرجه البيهقيّ في " الدّلائل " وابن المقري، وحديث كعب وصاحبيه. أخرجه ابن المقري، وحديث أبي عبيدة. أخرجه سفيان في " جامعه " , وحديث ابن عبّاس. أخرجه الطّبريّ وابن المقري، وحديث صفوان. أخرجه أيضاً النّسائيّ وابن
стр. 937
ماجه وصحّحه الحاكم.
وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقري جزءاً في تقبيل اليد سمعناه، أورد فيه أحاديث كثيرة وآثاراً.
فمن جيّدها حديث الزّارع العبديّ - وكان في وفد عبد القيس –قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبّل يد النّبيّ ﷺ ورجله " أخرجه أبو داود، ومن حديث مزيدة العصريّ مثله، ومن حديث أسامة بن شريك قال: قمنا إلى النّبيّ ﷺ , فقبّلْنَا يده. وسنده قويّ.
ومن حديث جابر , أنّ عمر قام إلى النّبيّ ﷺ فقبّل يده. ومن حديث بريدة في قصّة الأعرابيّ والشّجرة. فقال: يا رسولَ الله. ائذن لي أن أقبّل رأسك ورجليك فأذن له.
وأخرج البخاريّ في " الأدب المفرد " من رواية عبد الرّحمن بن رزين قال: أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفّاً له ضخمة كأنّها كفّ بعير , فقمنا إليها فقبّلناها , وعن ثابت , أنّه قبّل يدَ أنس , وأخرج أيضاً: أنّ عليّاً قبّل يدَ العبّاس ورجله.
وأخرجه ابن المقري، وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال: قلت لابن أبي أوفى: ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله ﷺ , فناولنيها فقبّلتها.
قال النّوويّ: تقبيل يد الرّجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدّينيّة لا يكره بل يستحبّ.
فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدّنيا فمكروه شديد
стр. 938
الكراهة , وقال أبو سعيد المتولي: لا يجوز.
قوله: (التّحيّات) جمع تحيّة , ومعناها السّلام.
وقيل: البقاء , وقيل: العظمة , وقيل: السّلامة من الآفات والنّقص , وقيل: الملك.
وقال أبو سعيد الضّرير: ليست التّحيّة الملك نفسه , لكنّها الكلام الذي يحيّا به الملك.
وقال ابن قتيبة: لَم يكن يحيّا إلاَّ الملك خاصّة، وكان لكل ملك تحيّةٌ تخصّه فلهذا جُمعت، فكان المعنى التّحيّات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلّها مستحقّة لله.
وقال الخطّابيّ (١) ثمّ البغويّ: ولَم يكن في تحيّاتهم شيء يصلح للثّناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التّعظيم فقال: قولوا التّحيّات لله، أي: أنواع التّعظيم له.
وقال المحبّ الطّبريّ: يحتمل أن يكون لفظ التّحيّة مشتركاً بين المعاني المقدّم ذكرها، وكونها بمعنى السّلام أنسب هنا.
قوله: (لله) قال القرطبي (٢): فيه تنبيهٌ على الإخلاص في العبادة، أي: أنّ ذلك لا يفعل إلاَّ لله، ويحتمل: أن يراد به الاعتراف بأنّ ملك الملوك وغير ذلك ممّا ذكر كلّه في الحقيقة لله تعالى.
стр. 939
وقال البيضاويّ (١): يحتمل: أن يكون والصّلوات والطّيّبات عطفاً على التّحيّات، ويحتمل: أن تكون الصّلوات مبتدأً , وخبره محذوف , والطّيّبات معطوفة عليها , والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثّانية لعطف المفرد على الجملة.
وقال ابن مالك: إن جعلتَ التّحيّات مبتدأ , ولَم تكن صفة لموصوفٍ محذوف , كان قولك والصّلوات مبتدأ , لئلا يعطف نعت على منعوته , فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكلّ جملة مستقلة بفائدتها، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو.
قوله: (والصّلوات) قيل المراد الخمس، أو ما هو أعمّ من ذلك من الفرائض والنّوافل في كلّ شريعة.
وقيل: المراد العبادات كلّها، وقيل: الدّعوات.
وقيل: المراد الرّحمة.
وقيل: التّحيّات العبادات القوليّة والصّلوات العبادات الفعليّة والطّيّبات الصّدقات.
قوله: (والطّيّبات) أي: ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته ممّا كان الملوك يحيّون به.
وقيل: الطّيّبات ذكر الله.
وقيل: الأقوال الصّالحة كالدّعاء والثّناء.
وقيل: الأعمال الصّالحة وهو أعمّ.
стр. 940
قال ابن دقيق العيد (١): إذا حمل التّحيّة على السّلام فيكون التّقدير التّحيّات التي تعظّم بها الملوك مستمرّة لله، وإذا حمل على البقاء فلا شكّ في اختصاص الله به، وكذلك الملك الحقيقيّ والعظمة التّامّة، وإذا حملت الصّلاة على العهد أو الجنس , كان التّقدير أنّها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرّحمة فيكون معنى قوله " لله " أنّه المتفضّل بها , لأنّ الرّحمة التّامّة لله يؤتيها من يشاء. وإذا حملت على الدّعاء فظاهر.
وأمّا الطّيّبات. فقد فسّرت بالأقوال، ولعلَّ تفسيرها بما هو أعمّ أولى فتشمل الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشّوائب. انتهى
قوله: (السّلام عليك أيّها النّبيّ) قال النّوويّ: يجوز فيه وفيما بعده , أي: السّلام , حذف اللام وإثباتها , والإثبات أفضل. وهو الموجود في روايات الصّحيحين.
قلت: لَم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنّما اختلف ذلك في حديث ابن عبّاسٍ. وهو من أفراد مسلم.
قال الطّيبيّ (٢): أصل " سلام عليك " سلمت سلاماً عليك، ثمّ حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النّصب إلى الرّفع على الابتداء للدّلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثمّ التّعريف إمّا للعهد
стр. 941
التّقديريّ، أي: ذلك السّلام الذي وجّه إلى الرّسل والأنبياء عليك أيّها النّبيّ، وكذلك السّلام الذي وجّه إلى الأمم السّالفة علينا وعلى إخواننا، وإمّا للجنس , والمعنى: أنّ حقيقة السّلام الذي يعرفه كلّ واحد وعمّن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجيّ إشارة إلى قوله تعالى (وسلام على عباده الذين اصطفى). قال: ولا شكّ أنّ هذه التّقادير أولى من تقدير النّكرة. انتهى.
وحكى صاحب الإقليد عن أبي حامد: أنّ التّنكير فيه للتّعظيم، وهو وجه من وجوه التّرجيح لا يقصر عن الوجوه المتقدّمة.
وقال البيضاويّ: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذّكر لشرفه ومزيد حقّه عليهم، ثمّ علمهم أن يخصّصوا أنفسهم أوّلاً , لأنّ الاهتمام بها أهمّ، ثمّ أمرهم بتعميم السّلام على الصّالحين إعلاماً منه بأنّ الدّعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملاً لهم.
وقال التّوربشتيّ: السّلام بمعنى السّلامة كالمقام والمقامة، والسّلام من أسماء الله تعالى وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى أنّه سالم من كلّ عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى قولنا السّلام عليك الدّعاء. أي: سلمت من المكاره، وقيل: معناه اسم السّلام عليك , كأنّه تبرّك عليه باسم الله تعالى.
فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ , وهو خطاب بشر مع كونه منهيّاً عنه في الصّلاة؟. فالجواب أنّ ذلك من خصائصه ﷺ .
стр. 942
فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب , في قوله " عليك أيّها النّبيّ " مع أنّ لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السّياق , كأن يقول السّلام على النّبيّ , فينتقل من تحيّة الله إلى تحيّة النّبيّ ثمّ إلى تحيّة النّفس ثمّ إلى الصّالحين.
أجاب الطّيبيّ بما محصّله: نحن نتّبع لفظ الرّسول بعينه الذي كان علمه الصّحابة. ويحتمل: أن يقال على طريق أهل العرفان: إنّ المُصلِّين لَمّا استفتحوا باب الملكوت بالتّحيّات أذن لهم بالدّخول في حريم الحيّ الذي لا يموت فقرّت أعينهم بالمناجاة , فنبّهوا على أنّ ذلك بواسطة نبيّ الرّحمة وبركة متابعته , فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر , فأقبلوا عليه قائلين: السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته. انتهى
وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا , ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ فيقال بلفظ الخطاب، وأمّا بعده فيقال بلفظ الغيبة، وهو ممّا يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي صحيح البخاريّ من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التّشهّد قال: وهو بين ظهرانينا، فلمّا قبض قلنا: السّلام. يعني على النّبيّ.
كذا وقع في البخاريّ، وأخرجه أبو عوانة في " صحيحه " والسّرّاج والجوزقيّ وأبو نعيمٍ الأصبهانيّ والبيهقيّ من طرق متعدّدة إلى أبي نعيمٍ - شيخ البخاريّ فيه - بلفظ " فلمّا قبض قلنا: السّلام على النّبيّ " بحذف لفظ " يعني "، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن
стр. 943
أبي نعيمٍ.
قال السّبكيّ في " شرح المنهاج " بعد أن ذكر هذه الرّواية من عند أبي عوانة وحده: إن صحّ هذا عن الصّحابة دلَّ على أنّ الخطاب في السّلام بعد النّبيّ ﷺ غير واجب , فيقال: السّلام على النّبيّ.
قلت: قد صحّ بلا ريب , وقد وجدت له متابعاً قويّاً. قال عبد الرّزّاق: أخبرنا ابن جريجٍ أخبرني عطاء , أنّ الصّحابة كانوا يقولون والنّبيّ ﷺ حيّ: السّلام عليك أيّها النّبيّ، فلمّا مات قالوا: السّلام على النّبيّ. وهذا إسناد صحيح.
وأمّا ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه , أنّ النّبيّ ﷺ علَّمهم التّشهّد. فذكره. قال: فقال ابن عبّاسٍ: إنّما كنّا نقول السّلام عليك أيّها النّبيّ إذ كان حيّاً، فقال ابن مسعود: هكذا علّمنا وهكذا نُعلِّم. فظاهر أنّ ابن عبّاسٍ قاله بحثاً , وأنّ ابن مسعود لَم يرجع إليه، لكنّ رواية أبي معمر أصحّ , لأنّ أبا عبيدة لَم يسمع من أبيه , والإسناد إليه مع ذلك ضعيف.
فإن قيل , لِمَ عدل عن الوصف بالرّسالة إلى الوصف بالنّبوّة مع أنّ الوصف بالرّسالة أعمّ في حقّ البشر؟.
أجاب بعضهم: بأنّ الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين لكونه وصفه بالرّسالة في آخر التّشهّد , وإن كان الرّسول البشريّ يستلزم النّبوّة، لكنّ التّصريح بهما أبلغ.
قيل: والحكمة في تقديم الوصف بالنّبوّة , أنّها كذا وجدت في
стр. 944
الخارج لنزول قوله تعالى (اقرأ باسم ربّك) قبل قوله (يا أيّها المدّثّر قم فأنذر) والله أعلم.
قوله: (ورحمة الله) أي: إحسانه.
قوله: (وبركاته) أي: زيادته من كلّ خير.
قوله: (السّلام علينا) استدل به على استحباب البداءة بالنّفس في الدّعاء , وفي التّرمذيّ مصحَّحاً من حديث أبيّ بن كعب , أنّ رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحداً فدعا له , بدأ بنفسه. وأصله في مسلم، ومنه قول نوح وإبراهيم ﵉ كما في التّنزيل. (١)
قوله: (عباد الله الصّالحين) الأشهر في تفسير الصّالح , أنّه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته.
قال التّرمذيّ الحكيم: من أراد أن يحظى بهذا السّلام الذي يسلّمه الخلق في الصّلاة , فليكن عبداً صالحاً , وإلا حرم هذا الفضل العظيم.
وقال الفاكهانيّ: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحلّ جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين، يعني: ليتوافق لفظه مع قصده.
وقد اختلف في معنى السّلام:
فنقل عياض (٢). أنّ معناه اسم الله , أي: كلاءة الله عليك وحفظه، كما يقال: الله معك ومصاحبك.
стр. 945
وقيل: معناه إنّ الله مطّلع عليك فيما تفعل.
وقيل: معناه إنّ اسم الله يذكر على الأعمال توقّعاً لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها.
وقيل: معناه السّلامة كما قال تعالى: (فسلام لك من أصحاب اليمين) وكما قال الشّاعر:
تحيّي بالسّلامة أمّ عمرو ... وهل لي بعد قومي من سلام.
فكأنّ المسلِّم أعلم من سلم عليه أنّه سالم منه , وأن لا خوف عليه منه.
وقال ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام ": السّلام يطلق بإزاء معانٍ، منها السّلامة، ومنها التّحيّة، ومنها أنّه اسم من أسماء الله.
قال: وقد يأتي بمعنى التّحيّة محضاً. وقد يأتي بمعنى السّلامة محضاً، وقد يأتي متردّداً بين المعنيين كقوله تعالى (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمناً) فإنّه يحتمل التّحيّة والسّلامة، وقوله تعالى (ولهم ما يدّعون سلامٌ قولاً من ربٍّ رحيمٍ).
قوله: (أشهد أن لا إله إلاَّ الله) زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه " وحده لا شريك له " وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزّيادة في حديث أبي موسى عند مسلم , وفي حديث عائشة الموقوف في الموطّأ. وفي حديث ابن عمر عند الدّارقطنيّ، إلاَّ أنّ سنده ضعيف.
وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التّشهّد:
стр. 946
أشهد أن لا إله إلاَّ الله. قال ابن عمر: زدتُ فيها وحده لا شريك له. وهذا ظاهره الوقف.
قوله: (وأشهد أنّ محمّداً عبدُه ورسُوله) لَم تختلف الطّرق عن ابن مسعود في ذلك، وكذا هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة المذكور وجابر وابن الزّبير عند الطّحاويّ وغيره.
وروى عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن عطاء قال: بينا النّبيّ ﷺ يعلّم التّشهّد إذ قال رجل: وأشهد أنّ محمّداً رسوله وعبده، فقال ﷺ : لقد كنتُ عبداً قبل أن أكون رسولاً. قل: عبده ورسوله. ورجاله ثقات إلاَّ أنّه مرسل.
وفي حديث ابن عبّاسٍ عند مسلم وأصحاب السّنن " وأشهد أنّ محمّداً رسول الله " ومنهم من حذف " وأشهد " ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود.
قال التّرمذيّ: حديث ابن مسعود روي عنه من غير وجه، وهو أصحُّ حديثٍ روي في التّشهّد , والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصّحابة ومن بعدهم. قال: وذهب الشّافعيّ إلى حديث ابن عبّاسٍ في التّشهّد.
وقال البزّار لَمّا سئل عن أصحِّ حديث في التّشهّد , قال: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيّف وعشرين طريقاً، ثمّ سرد أكثرها وقال: لا أعلم في التّشهّد أثبت منه , ولا أصحّ أسانيد ولا أشهر رجالاً. انتهى.
стр. 947
ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممّن جزم بذلك البغويّ في شرح السّنّة، ومن رجحانه.
أولاً: أنّه متّفق عليه دون غيره، وأنّ الرّواة عنه من الثّقات لَم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره.
ثانياً: وأنّه تلقّاه عن النّبيّ ﷺ تلقيناً , فروى الطّحاويّ من طريق الأسود بن يزيد عنه قال: أخذت التّشهّد من فيِّ رسول الله ﷺ ولقّننيه كلمةً كلمةً.
ولابن أبي شيبة وغيره من رواية جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا التّشهّد كما يعلّمنا السّورة من القرآن.
وقد وافقه على هذا اللفظ أبو سعيد الخدريّ , وساقه بلفظ ابن مسعود. أخرجه الطّحاويّ، لكن هذا الأخير ثبت مثله في حديث ابن عبّاسٍ عند مسلم.
ثالثاً: ورجَحَ أيضاً بثبوت الواو في الصّلوات والطّيّبات، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه , فتكون كلّ جملة ثناء مستقلاً، بخلاف ما إذا حذفت فإنّها تكون صفة لِمَا قبلها، وتعدّد الثّناء في الأوّل صريح فيكون أولى، ولو قيل: إنّ الواو مقدّرة في الثّاني.
رابعاً: ورجَحَ بأنّه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره , فإنّه مجرّد حكاية.
стр. 948
ولأحمد من حديث ابن مسعود , أنّ رسول الله ﷺ علَّمه التّشهّد , وأمره أن يُعلمه النّاس. ولَم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيّته.
وقال الشّافعيّ بعد أن أخرج حديث ابن عبّاسٍ: رُويت أحاديث في التّشهّد مختلفة، وكان هذا أحبّ إليّ لأنّه أكملها.
وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهّد ابن عبّاسٍ: لَمّا رأيته واسعاً , وسمعته عن ابن عبّاسٍ صحيحاً , كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره، وأخذت به غير معنّف لمن يأخذ بغيره ممّا صحّ.
ورجّحه بعضهم: بكونه مناسباً للفظ القرآن في قوله تعالى (تحيّةً من عند الله مباركةً طيّبةً)
وأمّا من رجّحه بكون ابن عبّاسٍ من أحداث الصّحابة فيكون أضبط لِمَا روى، أو بأنّه أفقه من رواه، أو بكون إسناد حديثه حجازيّاً وإسناد ابن مسعود كوفيّاً , وهو ممّا يرجّح به , فلا طائل فيه لمن أنصف.
نعم. يمكن أن يقال: إنّ الزّيادة التي في حديث ابن عبّاسٍ. وهي " المباركات " لا تنافي رواية ابن مسعود، ورجح الأخذ بها. لكون أخذه عن النّبيّ ﷺ كان في الأخير.
وقد اختار مالك وأصحابه تشهّدَ عمر , لكونه علَّمه للنّاس وهو على المنبر , ولَم ينكروه فيكون إجماعاً، ولفظه نحو حديث ابن عبّاسٍ إلاَّ أنّه قال " الزّاكيات " بدل المباركات. وكأنّه بالمعنى.
لكن أورد على الشّافعيّ زيادة " بسم الله " في أوّل التّشهّد، ووقع
стр. 949
في رواية عمر المذكورة , لكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه , لا من طريق الزّهريّ عن عروة التي أخرجها مالك , أخرجه عبد الرّزّاق وسعيد بن منصور وغيرهما , وصحّحه الحاكم مع كونه موقوفاً.
وثبت في الموطّأ أيضاً عن ابن عمر موقوفاً , ووقع أيضاً في حديث جابر المرفوع. تفرّد به أيمن بن نابل - بالنّون ثمّ الموحّدة - عن أبي الزّبير عنه، وحكم الحفّاظ - البخاريّ وغيره - على أنّه أخطأ في إسناده , وأنّ الصّواب رواية أبي الزّبير عن طاوسٍ وغيره عن ابن عبّاسٍ.
وفي الجملة. لَم تصحّ هذه الزّيادة. وقد ترجم البيهقيّ عليها " من استحبّ أو أباح التّسمية قبل التّحيّة " , وهو وجه لبعض الشّافعيّة , وضُعّف.
ويدلّ على عدم اعتبارها , أنّه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التّشهّد وغيره " فإذا قعد أحدكم , فليكن أوّل قوله التّحيّات لله " الحديث. كذا رواه عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة بسنده، وأخرج مسلم من طريق عبد الرّزّاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عبّاسٍ وغيرهما على من زادها. أخرجه البيهقيّ وغيره.
ثمّ إنّ هذا الاختلاف إنّما هو في الأفضل , وكلام الشّافعيّ المتقدّم يدلّ على ذلك , ونقل جماعة من العلماء الاتّفاق على جواز التّشهّد بكل ما ثبت، لكنّ كلام الطّحاويّ يشعر بأنّ بعض العلماء يقول
стр. 950
بوجوب التّشهّد المرويّ عن عمر.
وذهب جماعة من محدّثي الشّافعيّة كابن المنذر إلى اختيار تشهّد ابن مسعود.
وذهب بعضهم. كابن خزيمة إلى عدم التّرجيح.
وسيأتي الكلام عن المالكيّة , أنّ التّشهّد مطلقاً غير واجب. والمعروف عند الحنفيّة , أنّه واجب لا فرض، بخلاف ما يوجد عنهم في كتب مخالفيهم.
وقال الشّافعيّ: هو فرض، لكن قال: لو لَم يزد رجل على قوله " التّحيّات لله سلام عليك أيّها النّبيّ إلخ " كرهت ذلك له , ولَم أر عليه إعادة، هذا لفظه في الأمّ.
وقال صاحب الرّوضة تبعاً لأصله: وأمّا أقلّ التّشهّد , فنصّ الشّافعيّ وأكثر الأصحاب إلى أنّه. فذكره، لكنّه قال " وأنّ محمّداً رسول الله ".
قال: ونقله ابنُ كجّ والصّيدلانيّ فقالا " وأشهد أنّ محمّداً رسول الله " لكن أسقطا " وبركاته ". انتهى
وقد استشكل جواز حذف " الصّلوات " مع ثبوتها في جميع الرّوايات الصّحيحة , وكذلك " الطّيّبات " مع جزْم جماعةٍ من الشّافعيّة بأنّ المقتصر عليه هو الثّابت في جميع الرّوايات.
ومنهم: من وجّه الحذف بكونهما صفتين كما هو الظّاهر من سياق ابن عبّاسٍ، لكن يعكّر على هذا ما تقدّم من البحث في ثبوت العطف