أشهد أن لا إله إلاَّ الله. قال ابن عمر: زدتُ فيها وحده لا شريك له. وهذا ظاهره الوقف.
قوله: (وأشهد أنّ محمّداً عبدُه ورسُوله) لَم تختلف الطّرق عن ابن مسعود في ذلك، وكذا هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة المذكور وجابر وابن الزّبير عند الطّحاويّ وغيره.
وروى عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن عطاء قال: بينا النّبيّ ﷺ يعلّم التّشهّد إذ قال رجل: وأشهد أنّ محمّداً رسوله وعبده، فقال ﷺ : لقد كنتُ عبداً قبل أن أكون رسولاً. قل: عبده ورسوله. ورجاله ثقات إلاَّ أنّه مرسل.
وفي حديث ابن عبّاسٍ عند مسلم وأصحاب السّنن " وأشهد أنّ محمّداً رسول الله " ومنهم من حذف " وأشهد " ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود.
قال التّرمذيّ: حديث ابن مسعود روي عنه من غير وجه، وهو أصحُّ حديثٍ روي في التّشهّد , والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصّحابة ومن بعدهم. قال: وذهب الشّافعيّ إلى حديث ابن عبّاسٍ في التّشهّد.
وقال البزّار لَمّا سئل عن أصحِّ حديث في التّشهّد , قال: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيّف وعشرين طريقاً، ثمّ سرد أكثرها وقال: لا أعلم في التّشهّد أثبت منه , ولا أصحّ أسانيد ولا أشهر رجالاً. انتهى.
стр. 947
ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممّن جزم بذلك البغويّ في شرح السّنّة، ومن رجحانه.
أولاً: أنّه متّفق عليه دون غيره، وأنّ الرّواة عنه من الثّقات لَم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره.
ثانياً: وأنّه تلقّاه عن النّبيّ ﷺ تلقيناً , فروى الطّحاويّ من طريق الأسود بن يزيد عنه قال: أخذت التّشهّد من فيِّ رسول الله ﷺ ولقّننيه كلمةً كلمةً.
ولابن أبي شيبة وغيره من رواية جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا التّشهّد كما يعلّمنا السّورة من القرآن.
وقد وافقه على هذا اللفظ أبو سعيد الخدريّ , وساقه بلفظ ابن مسعود. أخرجه الطّحاويّ، لكن هذا الأخير ثبت مثله في حديث ابن عبّاسٍ عند مسلم.
ثالثاً: ورجَحَ أيضاً بثبوت الواو في الصّلوات والطّيّبات، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه , فتكون كلّ جملة ثناء مستقلاً، بخلاف ما إذا حذفت فإنّها تكون صفة لِمَا قبلها، وتعدّد الثّناء في الأوّل صريح فيكون أولى، ولو قيل: إنّ الواو مقدّرة في الثّاني.
رابعاً: ورجَحَ بأنّه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره , فإنّه مجرّد حكاية.
стр. 948
ولأحمد من حديث ابن مسعود , أنّ رسول الله ﷺ علَّمه التّشهّد , وأمره أن يُعلمه النّاس. ولَم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيّته.
وقال الشّافعيّ بعد أن أخرج حديث ابن عبّاسٍ: رُويت أحاديث في التّشهّد مختلفة، وكان هذا أحبّ إليّ لأنّه أكملها.
وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهّد ابن عبّاسٍ: لَمّا رأيته واسعاً , وسمعته عن ابن عبّاسٍ صحيحاً , كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره، وأخذت به غير معنّف لمن يأخذ بغيره ممّا صحّ.
ورجّحه بعضهم: بكونه مناسباً للفظ القرآن في قوله تعالى (تحيّةً من عند الله مباركةً طيّبةً)
وأمّا من رجّحه بكون ابن عبّاسٍ من أحداث الصّحابة فيكون أضبط لِمَا روى، أو بأنّه أفقه من رواه، أو بكون إسناد حديثه حجازيّاً وإسناد ابن مسعود كوفيّاً , وهو ممّا يرجّح به , فلا طائل فيه لمن أنصف.
نعم. يمكن أن يقال: إنّ الزّيادة التي في حديث ابن عبّاسٍ. وهي " المباركات " لا تنافي رواية ابن مسعود، ورجح الأخذ بها. لكون أخذه عن النّبيّ ﷺ كان في الأخير.
وقد اختار مالك وأصحابه تشهّدَ عمر , لكونه علَّمه للنّاس وهو على المنبر , ولَم ينكروه فيكون إجماعاً، ولفظه نحو حديث ابن عبّاسٍ إلاَّ أنّه قال " الزّاكيات " بدل المباركات. وكأنّه بالمعنى.
لكن أورد على الشّافعيّ زيادة " بسم الله " في أوّل التّشهّد، ووقع
стр. 949
في رواية عمر المذكورة , لكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه , لا من طريق الزّهريّ عن عروة التي أخرجها مالك , أخرجه عبد الرّزّاق وسعيد بن منصور وغيرهما , وصحّحه الحاكم مع كونه موقوفاً.
وثبت في الموطّأ أيضاً عن ابن عمر موقوفاً , ووقع أيضاً في حديث جابر المرفوع. تفرّد به أيمن بن نابل - بالنّون ثمّ الموحّدة - عن أبي الزّبير عنه، وحكم الحفّاظ - البخاريّ وغيره - على أنّه أخطأ في إسناده , وأنّ الصّواب رواية أبي الزّبير عن طاوسٍ وغيره عن ابن عبّاسٍ.
وفي الجملة. لَم تصحّ هذه الزّيادة. وقد ترجم البيهقيّ عليها " من استحبّ أو أباح التّسمية قبل التّحيّة " , وهو وجه لبعض الشّافعيّة , وضُعّف.
ويدلّ على عدم اعتبارها , أنّه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التّشهّد وغيره " فإذا قعد أحدكم , فليكن أوّل قوله التّحيّات لله " الحديث. كذا رواه عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة بسنده، وأخرج مسلم من طريق عبد الرّزّاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عبّاسٍ وغيرهما على من زادها. أخرجه البيهقيّ وغيره.
ثمّ إنّ هذا الاختلاف إنّما هو في الأفضل , وكلام الشّافعيّ المتقدّم يدلّ على ذلك , ونقل جماعة من العلماء الاتّفاق على جواز التّشهّد بكل ما ثبت، لكنّ كلام الطّحاويّ يشعر بأنّ بعض العلماء يقول
стр. 950
بوجوب التّشهّد المرويّ عن عمر.
وذهب جماعة من محدّثي الشّافعيّة كابن المنذر إلى اختيار تشهّد ابن مسعود.
وذهب بعضهم. كابن خزيمة إلى عدم التّرجيح.
وسيأتي الكلام عن المالكيّة , أنّ التّشهّد مطلقاً غير واجب. والمعروف عند الحنفيّة , أنّه واجب لا فرض، بخلاف ما يوجد عنهم في كتب مخالفيهم.
وقال الشّافعيّ: هو فرض، لكن قال: لو لَم يزد رجل على قوله " التّحيّات لله سلام عليك أيّها النّبيّ إلخ " كرهت ذلك له , ولَم أر عليه إعادة، هذا لفظه في الأمّ.
وقال صاحب الرّوضة تبعاً لأصله: وأمّا أقلّ التّشهّد , فنصّ الشّافعيّ وأكثر الأصحاب إلى أنّه. فذكره، لكنّه قال " وأنّ محمّداً رسول الله ".
قال: ونقله ابنُ كجّ والصّيدلانيّ فقالا " وأشهد أنّ محمّداً رسول الله " لكن أسقطا " وبركاته ". انتهى
وقد استشكل جواز حذف " الصّلوات " مع ثبوتها في جميع الرّوايات الصّحيحة , وكذلك " الطّيّبات " مع جزْم جماعةٍ من الشّافعيّة بأنّ المقتصر عليه هو الثّابت في جميع الرّوايات.
ومنهم: من وجّه الحذف بكونهما صفتين كما هو الظّاهر من سياق ابن عبّاسٍ، لكن يعكّر على هذا ما تقدّم من البحث في ثبوت العطف
стр. 951
فيهما في سياق غيره , وهو يقتضي المغايرة.
قوله: (إذا قعد أحدكم في الصّلاة , فليقل) في رواية لهما " فإذا صلَّى أحدكم فليقل " , وللنّسائيّ من طريق أبي الأحوص عن عبد الله: كنّا لا ندري ما نقول في كلّ ركعتين، وإنّ محمّداً علم فواتح الخير وخواتمه , فقال: إذا قعدتم في كلّ ركعتين فقولوا. وله من طريق الأسود عن عبد الله. فقولوا: في كلّ جلسة.
ولابن خزيمة من وجه آخر عن الأسود عن عبد الله: علَّمني رسول الله ﷺ التّشهّد في وسط الصّلاة وفي آخرها , وزاد الطّحاويّ من هذا الوجه في أوّله " وأخذت التّشهّد من في رسولِّ الله ﷺ ولقّننيه كلمة كلمة ".
وللشيخين عن أبي معمر عن ابن مسعود: علَّمني رسول الله ﷺ التّشهّد , وكفّي بين كفّيه كما يعلمني السّورة من القرآن.
واستدل بقوله " فليقل " على الوجوب خلافاً لمن لَم يقل به كمالكٍ.
وأجاب بعض المالكيّة: بأنّ التّسبيح في الرّكوع والسّجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله ﷺ لَمّا نزلت (فسبّح باسم ربّك العظيم) " اجعلوها في ركوعكم .. الحديث " (١) , فكذلك التّشهّد.
стр. 952
وأجاب الكرمانيّ (١): بأنّ الأمر حقيقته الوجوب , فيحمل عليه إلاَّ إذا دلَّ دليل على خلافه، ولولا الإجماع على عدم وجوب التّسبيح في الرّكوع والسّجود لحملناه على الوجوب. انتهى.
وفي دعوى هذا الإجماع نظرٌ، فإنّ أحمد يقول بوجوبه , ويقول بوجوب التّشهّد الأوّل أيضاً، ورواية أبي الأحوص المتقدّمة وغيرها تقوّيه، وقد قدّمنا ما فيه قبل.
وقد جاء عن ابن مسعود التّصريح بفرضيّة التّشهّد، وذلك فيما رواه الدّارقطنيّ وغيره بإسنادٍ صحيح من طريق علقمة عن ابن مسعود: كنّا لا ندري ما نقول قبل أن يفرض علينا التّشهّد.
تكميل: زاد البخاري في أوله من رواية أبي نعيم عن الأعمش: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على جبريل ومكائيل السلام على فلان وفلان. فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الله هو السلام فإذا صلى أحدكم فليقل. الحديث.
стр. 953
وللبخاري عن مسدد عن يحيى: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة. ولأبي داود عن مسدد - شيخ البخاري فيه - " إذا جلسنا " , ومثله للإسماعيلي من رواية محمد بن خلاد عن يحيى، وله من رواية علي بن مسهر، وإسحاق في " مسنده " عن عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش نحوه.
قوله: (قلنا السلام على جبريل) وقع في هذه الرواية اختصار ثبت في رواية يحيى المذكورة وهو " قلنا السلام على الله من عباده " كذا وقع للبخاري فيها، وأخرجه أبو داود عن مسدد - شيخ البخاري فيه - فقال " قبل عباده ". وكذا للبخاري في " الاستئذان " من طريق حفص بن غياث عن الأعمش. وهو المشهور في أكثر الروايات.
وبهذه الزيادة يتبين موقع قوله ﷺ " إنَّ الله هو السلام " ولفظه في رواية يحيى المذكورة " لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام ".
قوله: (السلام على فلان وفلان) في رواية عبد الله بن نمير عن الأعمش عند ابن ماجه " يعنون الملائكة ". وللإسماعيلي من رواية علي بن مسهر " فنعدّ الملائكة ". ومثله للسراج من رواية محمد بن فضيل عن الأعمش بلفظ " فنعدُّ من الملائكة ما شاء الله ".
قوله: (فالتفتُّ) ظاهره أنه كلَّمهم بذلك في أثناء الصلاة، ونحوه في رواية حصين عن أبي وائل - وهو شقيق - عند البخاري، في أواخر الصلاة بلفظ " فسمعه النبي ﷺ فقال: قولوا " لكن بين
стр. 954
حفص بن غياث في روايته المذكورة المحلَّ الذي خاطبهم بذلك فيه , وأنه بعد الفراغ من الصلاة. ولفظه " فلمَّا انصرفَ النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه " وفي رواية عيسى بن يونس أيضاً " فلما انصرف من الصلاة قال ".
قوله: (إنَّ الله هو السلام) قال البيضاوي ما حاصله: أنه ﷺ أنكر التسليم على الله , وبيَّن أنَّ ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإنَّ كلَّ سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها.
وقال التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله لأنَّه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة. فكيف يدعى له وهو المدعو على الحالات؟.
وقال الخطابي: المراد أنَّ الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب. ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النووي: معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني السالم من النقائص، ويقال: المسلم أولياءه , وقيل المسلم عليهم، قال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه عنها.
قوله: (فإنكم إذا فعلتم ذلك) في رواية لهما " فإنّكم إذا قلتموها " , أي: وعلى عباد الله الصّالحين , وهو كلام معترض بين قوله
стр. 955
الصّالحين , وبين قوله أشهد .. إلخ.
وإنّما قُدّمت للاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عدّ الملائكة واحداً واحداً , ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك، فعلَّمهم لفظاً يشمل الجميع مع غير الملائكة من النّبيّين والمرسلين والصّدّيقين وغيرهم بغير مشقّة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ .
وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعود: وأنّ محمّداً علم فواتح الخير وخواتمه. كما تقدّم , وقد ورد في بعض طرقه سياق التّشهّد متوالياً وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرّف الرّواة.
قوله: (كلّ عبدٍ لله صالح) استدل به على أنّ الْجمعَ المضاف , والْجمعَ الْمُحلَّى بالألف واللام يعمّ، لقوله أوّلاً عباد الله الصّالحين , ثمّ قال: أصابت كلّ عبد صالح.
وقال القرطبيّ: فيه دليل على أنّ جمع التّكسير للعموم، وفي هذه العبارة نظر.
واستدل به على أنّ للعموم صيغة.
قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب وتصرّفات ألفاظ الكتاب والسّنّة، قال: والاستدلال بهذا فرد من أفراد لا تحصى، لا للاقتصار عليه.
قوله: (في السّماء والأرض) وللبخاري عن مسدّد عن يحيى عن الأعمش " أو بين السّماء والأرض " , والشّكّ فيه من مسدّد، وإلاَّ فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ " من أهل السّماء والأرض " وأخرجه
стр. 956
الإسماعيليّ وغيره.
قوله: (فليتخيّر من المسألة ما شاء) وللبخاري " ثمّ ليتخيّر من الدّعاء أعجبه إليه فيدعو " , زاد أبو داود عن مسدّد - شيخ البخاريّ فيه - " فيدعو به " , ونحوه النّسائيّ من وجه آخر بلفظ " فليدع به ".
ولإسحاق عن عيسى عن الأعمش " ثمّ ليتخيّر من الدّعاء ما أحبّ " , وفي رواية منصور عن أبي وائل عند البخاري " ثمّ ليتخيّر من الثّناء ما شاء " , ونحوه لمسلمٍ بلفظ " من المسألة "
واستدل به على جواز الدّعاء في الصّلاة بما اختار المُصلِّي من أمر الدّنيا والآخرة.
قال ابن بطّال: خالف في ذلك النّخعيّ وطاوسٌ وأبو حنيفة , فقالوا: لا يدعو في الصّلاة إلاَّ بما يوجد في القرآن.
كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفيّة , أنّه لا يدعو في الصّلاة إلاَّ بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثوراً. قال قائلهم: والمأثور أعمّ من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع.
لكنّ ظاهر حديث الباب يردّ عليهم، وكُلاًّ يردّ على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصّلاة إلاَّ بأمر الآخرة.
واستثنى بعض الشّافعيّة: ما يقبح في أمر الدّنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلاَّ فلا شكّ أنّ الدّعاء بالأمور المحرّمة مطلقاً
стр. 957
لا يجوز.
وقد ورد فيما يقال بعد التّشهّد أخبار من أحسنها.
ما رواه سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمير بن سعد قال: كان عبد الله - يعني ابن مسعود - يعلمنا التّشهّد في الصّلاة ثمّ يقول: إذا فرغ أحدكم من التّشهّد , فليقل: اللهمّ إنّي أسألك من الخير كلّه ما علمت منه وما لَم أعلم، وأعوذ بك من الشّرّ كلّه ما علمت منه وما لَم أعلم. اللهمّ إنّي أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصّالحون، وأعوذ بك من شرّ ما استعاذك منه عبادك الصّالحون. ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً الآية. قال: ويقول: لَم يدع نبيّ ولا صالح بشيءٍ إلاَّ دخل في هذا الدّعاء.
وهذا من المأثور غير مرفوع، وليس هو ممّا ورد في القرآن.
وقد استدلَّ البيهقيّ بالحديث المتّفق عليه " ثمّ ليتخيّر من الدّعاء أعجبه إليه فيدعو به " , وبحديث أبي هريرة رفعه: إذا فرغ أحدكم من التّشهّد فليتعوّذ بالله الحديث. وفي آخره: ثمّ يدعو لنفسه بما بدا له. هكذا أخرجه البيهقيّ.
وأصل الحديث في مسلم، وهذه الزّيادة صحيحة , لأنّها من الطّريق التي أخرجها مسلم.
قال ابن رشيد: ليس التّخيير في آحاد الشّيء بدالٍّ على عدم وجوبه، فقد يكون أصل الشّيء واجباً , ويقع التّخيير في وصفه.
وقال الزين بن المنير: قوله " ثمّ ليتخيّر " وإن كان بصيغة الأمر
стр. 958
لكنّها كثيراً ما ترد للنّدب.
وادّعى بعضهم الإجماع على عدم الوجوب.
وفيه نظرٌ، فقد أخرج عبد الرّزّاق بإسنادٍ صحيح عن طاوسٍ ما يدلّ على أنّه يرى وجوب الاستعاذة المأمور بها في حديث أبي هريرة المذكور في الباب (١) , وذلك أنّه سأل ابنه: هل قالها بعد التّشهّد؟ فقال: لا، فأمره أن يعيد الصّلاة. وبه قال بعض أهل الظّاهر.
وأفرط ابن حزم فقال بوجوبها في التّشهّد الأوّل أيضاً.
وقال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود " ثمّ ليتخيّر من الدّعاء " لقلت بوجوبها، وقد قال الشّافعيّ أيضاً بوجوب الصّلاة على النّبيّ ﷺ بعد التّشهّد.
وادّعى أبو الطّيّب الطّبريّ من أتباعه والطّحاويّ وآخرون , أنّه لَم يُسبق إلى ذلك، واستدلّوا على ندبيّتها بحديث الباب مع دعوى الإجماع.
وفيه نظرٌ , لأنّه ورد عن أبي جعفر الباقر والشّعبيّ وغيرهما ما يدلّ على القول بالوجوب.
وأعجب من ذلك , أنّه صحّ عن ابن مسعود - راوي حديث الباب - ما يقتضيه، فعند سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح إلى أبي الأحوص قال: قال عبد الله: يتشهّد الرّجل في الصّلاة , ثمّ يُصلِّي على النّبيّ ﷺ , ثمّ يدعو لنفسه بعد.
стр. 959
وقد وافق الشّافعيَّ أحمدُ في إحدى الرّوايتين عنه. وبعضُ أصحاب مالك.
وقال إسحاق بن راهويه أيضاً بالوجوب , لكن قال: إن تركها ناسياً رجوت أن يجزئه، فقيل: إنّ له في المسألة قولين كأحمد، وقيل: بل كان يراها واجبة لا شرطاً.
ومنهم من قيّد تفرّد الشّافعيّ بكونه عيّنها بعد التّشهّد لا قبله ولا فيه , حتّى لو صلَّى على النّبيّ ﷺ في أثناء التّشهّد مثلاً لَم يجزئ عنده.
فائدةٌ: قال القفّال في فتاويه: ترك الصّلاة يضرّ بجميع المسلمين , لأنّ المُصلِّي يقول: اللهمّ اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بدّ أن يقول في التّشهّد " السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين " فيكون مقصّراً بخدمة الله وفي حقّ رسوله وفي حقّ نفسه وفي حقّ كافّة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها.
واستنبط منه السّبكيّ: أنّ في الصّلاة حقّاً للعباد مع حقّ الله، وأنّ من تركها أخلَّ بحقّ جميع المؤمنين من مضى , ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها " السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين ".
стр. 960
الحديث السادس والسبعون
١٢٥ - عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى , قال: لقِيَنِي كعب بن عُجْرة , فقال: ألا أهدي لك هديّةً؟ إنّ النّبيّ ﷺ خرج علينا , فقلنا: يا رسولَ الله , قد علِمْنا كيف نُسلّم عليك , فكيف نُصلِّي عليك؟ فقال: قولوا: اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ , كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ , وبارك على محمّدٍ وعلى آل محمّدٍ , كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيدٌ. (١)
قوله: (عبد الرّحمن بن أبي ليلى) تابعيّ كبير , وهو والد ابن أبي ليلى فقيه الكوفة محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى ينسب إلى جدّه. (٢)
قوله: (لقِيَنِي كعب بن عُجْرة) في رواية فطر بن خليفة عن ابن أبي ليلى: لقيني كعب بن عُجْرة الأنصاريّ. أخرجه الطّبرانيّ.
ونقل ابن سعد عن الواقديّ , أنّه أنصاريّ من أنفسهم، وتعقّبه , فقال: لَم أجده في نسب الأنصار، والمشهور أنّه بلويّ.
стр. 961
والجمع بين القولين: أنّه بلويّ حالف الأنصار. (١)
وعيّن المحاربيّ عن مالك بن مِغْوَل عن الحكم المكانَ الذي التقيا به، فأخرجه الطّبريّ من طريقه بلفظ " أنّ كعباً قال له وهو يطوف بالبيت ".
قوله: (ألا أُهدي لك هديّة) زاد عبد الله بن عيسى بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن جدّه كما في البخاري " سمعتها من النّبيّ ﷺ ".
قوله: (إنّ النّبيّ ﷺ خرج علينا) يجوز في " أنّ " الفتح والكسر.
وقال الفاكهانيّ في " شرح العمدة ": في هذا السّياق إضمار تقديره , فقال عبد الرّحمن: نعم. فقال كعب: إنّ النّبيّ ﷺ .
قلت: وقع ذلك صريحاً في رواية شبّابة وعفّان عن شعبة بلفظ " قلت: بلى. قال. أخرجه الْخِلَعيّ (٢) في " فوائده " وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة , ولفظه " فقلت: بلى فاهدها لي، فقال.
قوله: (فقلنا: يا رسولَ الله) كذا في معظم الرّوايات عن كعب بن
стр. 962
عُجْرة " قلنا " بصيغة الجمع، وكذا وقع في حديث أبي سعيد عند البخاري، ومثله في حديث أبي بريدة عند أحمد , وفي حديث طلحة عند النّسائيّ , وفي حديث أبي هريرة عند الطّبريّ.
ووقع عند أبي داود - بسند حديث الباب - عن حفص بن عمر عن شعبة عن الحكم " قلنا أو قالوا: يا رسولَ الله " بالشّكّ.
والمراد الصّحابة أو من حضر منهم، ووقع عند السّرّاج والطّبرانيّ من رواية قيس بن سعد عن الحكم به , أنّ أصحاب رسول الله ﷺ , قالوا.
وقال الفاكهانيّ: الظّاهر أنّ السّؤال صدر من بعضهم لا من جميعهم , ففيه التّعبير عن البعض بالكل.
ثمّ قال: ويبعد جدّاً أن يكون كعب هو الذي باشر السّؤال منفرداً فأتى بالنّون التي للتّعظيم، بل لا يجوز ذلك , لأنّ النّبيّ ﷺ أجاب بقوله " قولوا " , فلو كان السّائل واحداً لقال له: قل , ولَم يقل: قولوا. انتهى
ولَم يظهر لي وجه نفي الجواز , وما المانع أن يسأل الصّحابيّ الواحد عن الحكم فيجيب ﷺ بصيغة الجمع إشارة إلى اشتراك الكلّ في الحكم.؟
ويؤكّده أنّ في نفس السّؤال " قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نُصلِّي " كلّها بصيغة الجمع فدلَّ على أنّه سأل لنفسه ولغيره فحسن الجواب بصيغة الجمع. لكن الإتيان بنون العظمة في خطاب النّبيّ ﷺ -
стр. 963
لا يظنّ بالصّحابيّ.
فإن ثبت أنّ السّائل كان متعدّداً فواضح، وإن ثبت أنّه كان واحداً , فالحكمة في الإتيان بصيغة الجمع الإشارة إلى أنّ السّؤال لا يختصّ به , بل يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك، فحمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد.
على أنّ الذي نفاه الفاكهانيّ قد ورد في بعض الطّرق.
فعند الطّبريّ من طريق الأجلح عن الحكم بلفظ " قمت إليه فقلت: السّلام عليك قد عرفناه، فكيف الصّلاة عليك يا رسولَ الله؟ قال: قل اللهمّ صلِّ على محمّد. الحديث.
وقد وقفت من تعيين من باشر السّؤال على جماعة وهم:
كعب بن عُجْرة وبشير بن سعد - والد النّعمان - وزيد بن خارجة الأنصاريّ وطلحة بن عبيد الله وأبو هريرة وعبد الرّحمن بن بشير.
أمّا كعب: فوقع عند الطّبرانيّ من رواية محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن الحكم بهذا السّند بلفظ: قلت: يا رسولَ الله قد علمنا.
وأمّا بشير: ففي حديث أبي مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما , أنّه رأى النّبيّ ﷺ في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نُصلِّي عليك. الحديث
وأمّا زيد بن خارجة: فأخرج النّسائيّ من حديثه قال: أنا سألت رسول الله ﷺ فقال: صلّوا عليّ واجتهدوا في الدّعاء , وقولوا: اللهمّ صلِّ على محمّد " الحديث. وأخرج الطّبريّ من حديث طلحة قال:
стр. 964
قلت: يا رسولَ الله كيف الصّلاة عليك؟ ومخرج حديثهما واحد.
وأمّا حديث أبي هريرة: فأخرج الشّافعيّ من حديثه أنّه قال: يا رسولَ الله كيف نُصلِّي عليك؟.
وأمّا حديث عبد الرّحمن بن بشير: فأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب " فضل الصّلاة على النّبيّ ﷺ " قال: قلت , أو قيل للنّبيّ ﷺ . هكذا عنده على الشّكّ، وأبهم أبو عوانة في " صحيحه " من رواية الأجلح وحمزة الزّيّات عن الحكم السّائلَ. ولفظه " جاء رجلٌ فقال: يا رسولَ الله قد علِمنا.
ووقع لهذا السّؤال سبب. أخرجه البيهقيّ والخلعيّ من طريق الحسن بن محمّد بن الصّباح الزّعفرانيّ حدّثنا إسماعيل بن زكريّا عن الأعمش ومسعر ومالك بن مِغْوَل عن الحكم عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عُجْرة , قال: لَمّا نزلت (إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبيّ) الآية. قلنا: يا رسولَ الله، قد علِمنا. الحديث.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن محمّد بن بكّار عن إسماعيل بن زكريّا , ولَم يسق لفظه , بل أحال به على ما قبله فهو على شرطه، وأخرجه السّرّاج من طريق مالك بن مِغْوَل وحده كذلك.
وأخرج أحمد والبيهقيّ وإسماعيل القاضي من طريق يزيد بن أبي زياد , والطّبرانيّ من طريق محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى , والطّبريّ من طريق الأجلح , والسّرّاج من طريق سفيان وزائدة فرّقهما، وأبو عوانة في " صحيحه " من طريق الأجلح وحمزة الزّيّات كلّهم عن
стр. 965
الحكم مثله، وأخرج أبو عوانة أيضاً من طريق مجاهد عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى مثله.
وفي حديث طلحة عند الطّبريّ: أتى رجلٌ النّبيّ ﷺ فقال: سمعت الله يقول (إنّ الله وملائكته) الآية. فكيف الصّلاة عليك؟.
قوله: (قد عَلِمنا) المشهور في الرّواية بفتح أوّله وكسر اللام مخفّفاً، وجوّز بعضهم ضمّ أوّله والتّشديد على البناء للمجهول.
ووقع في رواية ابن عيينة عن يزيد بن أبي زياد وبالشّكّ. ولفظه " قلنا قد علمناه أو علمنا " روّيناه في " الخليعات " وكذا أخرج السّرّاج من طريق مالك بن مِغْوَل عن الحكم بلفظ " علمنا أو علمناه ".
ووقع في رواية حفص بن عمر المذكورة " أمرتنا أن نُصلِّي عليك، وأن نسلم عليك، فأمّا السّلام فقد عرفناه " , وفي ضبط " عرفناه " ما تقدّم في " علمناه " وأراد بقوله " أمرتنا " أي: بلغتنا عن الله تعالى أنّه أمر بذلك.
ووقع في حديث أبي مسعود " أمرنا الله " , وفي رواية عبد الله بن عيسى عند البخاري " كيف الصّلاة عليكم أهل البيت , فإنّ الله قد علمنا كيف نسلِّم " أي: علمنا الله كيفيّة السّلام عليك على لسانك وبواسطة بيانك.
وأمّا إتيانه بصيغة الجمع في قوله " عليكم " فقد بيّن مراده بقوله، أهل البيت، لأنّه لو اقتصر عليها لاحتمل أن يريد بها التّعظيم، وبها تحصل مطابقة الجواب للسّؤال حيث قال " على محمّد وعلى آل
стр. 966
محمّد ".
وبهذا يستغنى عن قول مَن قال: في الجواب زيادة على السّؤال , لأنّ السّؤال وقع عن كيفيّة الصّلاة عليه , فوقع الجواب عن ذلك بزيادة كيفيّة الصّلاة على آله.
قوله: (كيف نسلم عليك؟) قال البيهقيّ: فيه إشارة إلى السّلام الذي في التّشهّد وهو قول " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته " فيكون المراد بقولهم " فكيف نُصلِّي عليك " أي: بعد التّشهّد. انتهى.
وتفسير السّلام بذلك هو الظّاهر.
وحكى ابن عبد البرّ فيه احتمالاً، وهو أنّ المراد به السّلام الذي يتحلَّل به من الصّلاة , وقال: إنّ الأوّل أظهر، وكذا ذكر عياض وغيره.
وردّ بعضهم الاحتمال المذكور: بأنّ سلام التّحلّل لا يتقيّد به اتّفاقاً.
كذا قيل، وفي نقل الاتّفاق نظرٌ، فقد جزم جماعة من المالكيّة بأنّه يستحبّ للمصلي أن يقول عند سلام التّحلّل، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته السّلام عليكم، ذكره عياض , وقبله ابن أبي زيد وغيره.
قوله: (فكيف نُصلِّي عليك؟) زاد أبو مسعود في حديثه عند مسلم، فسكت رسول الله ﷺ حتّى تمنّينا أنّه لَم يسأله. وإنّما تمنّوا ذلك
стр. 967
خشية أن يكون لَم يعجبه السّؤال المذكور لِمَا تقرّر عندهم من النّهي عن ذلك، لقوله تعالى (لا تسألوا عن أشياء)، ووقع عند الطّبريّ من وجه آخر في هذا الحديث، فسكتَ حتّى جاءه الوحي فقال: تقولون.
واختلف في المراد بقولهم " كيف ".
فقيل: المراد السّؤال عن معنى الصّلاة المأمور بها بأيّ لفظ يؤدّى.
وقيل: عن صفتها، قال عياض: لَمّا كان لفظ الصّلاة المأمور بها في قوله تعالى (صلّوا عليه) يحتمل الرّحمة والدّعاء والتّعظيم , سألوا بأيّ لفظ تؤدّى؟ هكذا قال بعض المشايخ.
ورجّح الباجيّ أنّ السّؤال إنّما وقع عن صفتها لا عن جنسها، وهو أظهر لأنّ لفظ " كيف " ظاهر في الصّفة، وأمّا الجنس فيسأل عنه بلفظ " ما ".
وبه جزم القرطبيّ فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفيّة ما فهم أصله، وذلك أنّهم عرفوا المراد بالصّلاة فسألوا عن الصّفة التي تليق بها ليستعملوها. انتهى
والحامل لهم على ذلك , أنّ السّلام لَمّا تقدّم بلفظٍ مخصوص وهو " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته " , فهموا منه أنّ الصّلاة أيضاً تقع بلفظٍ مخصوص، وعدلوا عن القياس لإمكان الوقوف على النّصّ , ولا سيّما في ألفاظ الأذكار فإنّها تجيء خارجة عن القياس غالباً، فوقع الأمر كما فهموا , فإنّه لَم يقل لهم قولوا: الصّلاة عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته , ولا قولوا: الصّلاة والسّلام عليك
стр. 968
إلخ. بل علمهم صيغة أخرى.
قوله: (قال: قولوا اللهمّ) هذه كلمة كثر استعمالها في الدّعاء , وهو بمعنى يا الله، والميم عوض عن حرف النّداء , فلا يقال: اللهمّ غفور رحيم مثلاً , وإنّما يقال: اللهمّ اغفر لي وارحمني، ولا يدخلها حرف النّداء إلاَّ في نادر كقول الرّاجز:
إنّي إذا ما حادث ألَمَّا ... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا.
واختصّ هذا الاسم بقطع الهمزة عند النّداء , ووجوب تفخيم لامه , وبدخول حرف النّداء عليه مع التّعريف.
وذهب الفرّاء ومن تبعه من الكوفيّين , إلى أنّ أصله يا الله وحذف حرف النّداء تخفيفاً والميم مأخوذ من جملة محذوفة مثل أمّنا بخيرٍ.
وقيل: بل زائدة كما في زرقم للشّديد الزّرقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيماً.
وقيل: بل هو كالواو الدّالة على الجمع كأنّ الدّاعي قال: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، ولذلك شدّدت الميم لتكون عوضاً عن علامة الجمع.
وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللهمّ مجتمع الدّعاء، وعن النّضر بن شميلٍ: مَن قال اللهمّ , فقد سأل الله بجميع أسمائه.
قوله: (صلِّ على محمّد) أخرج ابن أبي حاتم , وذكره البخاري مُعلقاً من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية: أنّ معنى صلاة الله على نبيّه ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدّعاء
стр. 969
له.
وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبّان قال: صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار. وعن ابن عبّاس , أنّ معنى صلاة الرّبّ الرّحمة وصلاة الملائكة الاستغفار.
وقال الضّحّاك بن مزاحم: صلاة الله رحمته " وفي رواية عنه " مغفرته، وصلاة الملائكة الدّعاء " أخرجهما إسماعيل القاضي عنه، وكأنّه يريد الدّعاء بالمغفرة ونحوها.
وقال المبرّد: الصّلاة من الله الرّحمة. ومن الملائكة رقّة تبعث على استدعاء الرّحمة.
وتعقّب: بأنّ الله غاير بين الصّلاة والرّحمة في قوله (أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة) , وكذلك فهِم الصّحابة المغايرة من قوله تعالى (صلّوا عليه وسلموا) حتّى سألوا عن كيفيّة الصّلاة مع تقدّم ذكر الرّحمة في تعليم السّلام حيث جاء بلفظ " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته " وأقرّهم النّبيّ ﷺ ، فلو كانت الصّلاة بمعنى الرّحمة لقال لهم: قد علِمتم ذلك في السّلام.
وجوّز الحليميّ: أن تكون الصّلاة بمعنى السّلام عليه.
وفيه نظرٌ , وحديث الباب يردّ على ذلك.
وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية , أنّ معنى صلاة الله على نبيّه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى , والمراد طلب الزّيادة لا طلب أصل الصّلاة.
стр. 970
وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصّة وتكون عامّة , فصلاته على أنبيائه هي ما تقدّم من الثّناء والتّعظيم، وصلاته على غيرهم الرّحمة فهي التي وسعت كلّ شيء.
ونقل عياض عن بكر القشيريّ. قال: الصّلاة على النّبيّ ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة , وعلى من دون النّبيّ رحمة.
وبهذا التّقرير يظهر الفرق بين النّبيّ ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى (إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبيّ) وقال قبل ذلك في السّورة المذكورة (هو الذي يُصلِّي عليكم وملائكته) , ومن المعلوم أنّ القدر الذي يليق بالنّبيّ ﷺ من ذلك أرفع ممّا يليق بغيره. والإجماع منعقد على أنّ في هذه الآية من تعظيم النّبيّ ﷺ , والتّنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الحليميّ في " الشّعب ": معنى الصّلاة على النّبيّ ﷺ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهمّ صلِّ على محمّد عظّم محمّداً. والمراد تعظيمه في الدّنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمّته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى (صلّوا عليه) ادعوا ربّكم بالصّلاة عليه. انتهى.
ولا يعكّر عليه عطف آله وأزواجه وذرّيّته عليه فإنّه لا يمتنع أن يدعى لهم بالتّعظيم، إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به.
وما تقدّم عن أبي العالية أظهر، فإنّه يحصل به استعمال لفظ الصّلاة بالنّسبة إلى الله وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنىً
стр. 971
واحد.
ويؤيّده أنّه لا خلاف في جواز التّرحّم على غير الأنبياء، واختلف في جواز الصّلاة على غير الأنبياء، (١) ولو كان معنى قولنا: اللهمّ صلِّ على محمّد اللهمّ ارحم محمّداً أو ترحّم على محمّد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة وكذا الرّحمة لسقط الوجوب في التّشهّد عند من يوجبه بقول المُصلِّي في التّشهّد " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته ".
ويمكن الانفصال: بأنّ ذلك وقع بطريق التّعبّد. فلا بدّ من الإتيان به ولو سبق الإتيان بما يدلّ عليه.
قوله: (على محمّد وعلى آل محمّد) كذا وقع في الموضعين في قوله " صلِّ " وفي قوله " وبارك "، ولكن وقع في الثّاني " وبارك على آل إبراهيم ".
ووقع عند البيهقيّ من وجه آخر عن آدم - شيخ البخاريّ فيه - " على إبراهيم " ولَم يقل على آل إبراهيم.
وأخذ البيضاويّ من هذا , أنّ ذكر الآل في رواية الأصل مقحمٌ كقوله: على آل أبي أوفى. (٢)
стр. 972
قلت: والحقّ أنّ ذكر محمّد وإبراهيم وذكر آل محمّد وآل إبراهيم ثابتٌ في أصل الخبر. وإنّما حفظ بعض الرّواة ما لَم يحفظ الآخر، وسأبيّن من ساقه تامّاً بعد قليل.
وشرح الطّيبيّ على ما وقع في رواية البخاريّ هنا. فقال: هذا اللفظ يساعد قول مَن قال: إنّ معنى قول الصّحابيّ: علمنا كيف السّلام عليك. أي: في قوله تعالى (يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلَّموا تسليماً) فكيف نُصلِّي عليك؟ أي: على أهل بيتك؛ لأنّ الصّلاة عليه قد عرفت مع السّلام من الآية.
قال: فكان السّؤال عن الصّلاة على الآل تشريفاً لهم. وقد ذكر محمّد في الجواب لقوله تعالى (لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله). وفائدته الدّلالة على الاختصاص.
قال: وإنّما ترك ذكر إبراهيم لينبّه على هذه النّكتة، ولو ذكر لَم يفهم أنّ ذكر محمّد على سبيل التّمهيد. انتهى.
ولا يخفى ضعف ما قال.
ووقع في حديث أبي مسعود عند أبي داود والنّسائيّ " على محمّد النّبيّ الأمّيّ " وفي حديث أبي سعيد عند البخاري " على محمّد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم " , ولَم يذكر آل محمّد ولا آل
стр. 973
إبراهيم، وهذا إن لَم يحمل على ما قلتُه إنّ بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ الآخر , والأظهر فساد ما بحثه الطّيبيّ.
وفي حديث أبي حميد في البخاري " على محمّد وأزواجه وذرّيّته " , ولَم يذكر الآل في الصّحيح، ووقعت في رواية ابن ماجه.
وعند أبي داود من حديث أبي هريرة " اللهمّ صلِّ على محمّد النّبيّ وأزواجه أمّهات المؤمنين وذرّيّته وأهل بيته " وأخرجه النّسائيّ من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود. ولكن وقع في السّند اختلاف بين موسى بن إسماعيل - شيخ أبي داود فيه - وبين عمرو بن عاصم شيخ شيخ النّسائيّ فيه.
فروياه معاً عن حِبّان بن يسار - وهو بكسر المهملة وتشديد الموحّدة - وأبوه بمثنّاةٍ ومهملة خفيفة - فوقع في رواية موسى عنه عن عبيد الله بن طلحة عن محمّد بن عليّ عن نعيم المجمر عن أبي هريرة، وفي رواية عمرو بن عاصم عنه عن عبد الرّحمن بن طلحة عن محمّد بن عليّ عن محمّد بن الحنفيّة عن أبيه عليّ بن أبي طالب.
ورواية موسى أرجح. ويحتمل: أن يكون لِحِبّان فيه سندان.
ووقع في حديث أبي مسعود وحده في آخره " في العالمين إنّك حميد مجيد " , ومثله في رواية داود بن قيس عن نعيم المجمر عن أبي هريرة. عند السّرّاج.
قال النّوويّ في " شرح المهذّب ": ينبغي أن يُجمع ما في الأحاديث الصّحيحة , فيقول: اللهمّ صلِّ على محمّد النّبيّ الأمّيّ , وعلى آل
стр. 974
محمّد وأزواجه وذرّيّته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك " مثله وزاد في آخره " في العالمين ".
وقال في " الأذكار " مثله وزاد: عبدك ورسولك. بعد قوله محمّد في محلٍّ. ولَم يزدها في بارك.
وقال في " التّحقيق " و " الفتاوى ": مثله إلاَّ أنّه أسقط النّبيّ الأمّيّ في وبارك.
وفاته أشياء لعلها توازي قدر ما زاده أو تزيد عليه.
منها قوله " أمّهات المؤمنين " بعد قوله أزواجه , ومنها " وأهل بيته " بعد قوله وذرّيّته، وقد وردت في حديث ابن مسعود عند الدّارقطنيّ، ومنها " ورسولك " في وبارك، ومنها " في العالمين " في الأوّل، ومنها " إنّك حميد مجيد " قبل وبارك، ومنها " اللهمّ " قبل وبارك. فإنّهما ثبتا معاً في رواية للنّسائيّ، ومنها " وترحّم على محمّد إلخ " وسيأتي البحث فيها بعدُ.
ومنها في آخر التّشهّد " وعلينا معهم " , وهي عند التّرمذيّ من طريق أبي أسامة عن زائدة بن قدامة عن الأعمش عن الحكم نحو حديث الباب، قال في آخره: قال عبد الرّحمن: ونحن نقول: وعلينا معهم "، وكذا أخرجها السّرّاج من طريق زائدة.
وتعقّب ابن العربيّ هذه الزّيادةَ , قال: هذا شيء انفرد به زائدة فلا يعوّل عليه، فإنّ النّاس اختلفوا في معنى الآل اختلافاً كثيراً , ومن جملته أنّهم أمّته فلا يبقى للتّكرار فائدة، واختلفوا أيضاً في جواز
стр. 975
الصّلاة على غير الأنبياء فلا نرى أن نشرك في هذه الخصوصيّة مع محمّد وآله أحداً.
وتعقّبه شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": بأنّ زائدةَ مِن الأثبات فانفراده لو انفرد لا يضرّ مع كونه لَم ينفرد، فقد أخرجها إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصّلاة من طريقين عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى , ويزيد استشهد به مسلم.
وعند البيهقيّ في " الشّعب " من حديث جابر نحو حديث الباب وفي آخره " وعلينا معهم ".
وأمّا الإيراد الأوّل: فإنّه يختصّ بمن يرى أنّ معنى الآل كلّ الأمّة، ومع ذلك فلا يمتنع أن يعطف الخاصّ على العامّ. ولا سيّما في الدّعاء.
وأمّا الإيراد الثّاني: فلا نعلم من منع ذلك تبعاً، وإنّما الخلاف في الصّلاة على غير الأنبياء استقلالاً، وقد شرع الدّعاء للآحاد بما دعاه به النّبيّ ﷺ لنفسه في حديث " اللهمّ إنّي أسألك من خير ما سألك منه محمّد " وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (١). انتهى ملخّصاً.
стр. 976
وحديث جابر ضعيف. ورواية يزيد أخرجها أحمد أيضاً عن محمّد بن فضيلٍ عنه وزاد في آخره: قال يزيد: فلا أدري. أشيء زاده عبد الرّحمن من قبل نفسه , أو رواه عن كعب، وكذا أخرجه الطّبريّ من رواية محمّد بن فضيلٍ.
ووردت هذه الزّيادة من وجهين آخرين مرفوعين:
أحدهما: عند الطّبرانيّ من طريق فطر بن خليفة عن الحكم بلفظ: يقولون اللهمّ صلِّ على محمّد إلى قوله. وآل إبراهيم وصل علينا معهم، وبارك على محمّد مثله، وفي آخره وبارك علينا معهم " ورواته موثّقون , لكنّه فيما أحسب مدرجٌ لِمَا بيّنه زائدة عن الأعمش.
ثانيهما: عند الدّارقطنيّ من وجه آخر عن ابن مسعود مثله , لكن قال: اللهمّ بدل الواو في وصل وفي وبارك، وفيه عبد الوهّاب بن مجاهد. وهو ضعيف
وقد تعقّب الإسنويّ ما قاله النّوويّ. فقال: لَم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه.
وقال الأذرعيّ: لَم يُسبق إلى ما قال. والذي يظهر أنّ الأفضل لمن تشهّد أن يأتي بأكمل الرّوايات ويقول كلّ ما ثبت هذا مرّة وهذا مرّة، وأمّا التّلفيق فإنّه يستلزم إحداث صفةٍ في التّشهّد لَم ترد مجموعة في
стр. 977
حديث واحد. انتهى.
وكأنّه أخذه من كلام ابن القيّم فإنّه قال: إنّ هذه الكيفيّة لَم ترد مجموعة في طريق من الطّرق، والأولى أن يستعمل كلّ لفظ ثبت على حدة فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد , بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة , فإنّ الغالب على الظّنّ أنّه ﷺ لَم يقله كذلك.
وقال الإسنويّ أيضاً: كان يلزم الشّيخ أن يجمع الألفاظ الواردة في التّشهّد.
وأجيب: بأنّه لا يلزم من كونه لَم يصرّح بذلك أن لا يلتزمه.
وقال ابن القيّم أيضاً: قد نصّ الشّافعيّ على أنّ الاختلاف في ألفاظ التّشهّد ونحوه كالاختلاف في القراءات، ولَم يقل أحد من الأئمّة باستحباب التّلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من القرآن , وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التّعليم للتّمرين. انتهى.
والذي يظهر أنّ اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواء كما في أزواجه وأمّهات المؤمنين , فالأولى الاقتصار في كلّ مرّة على أحدهما وإن كان اللفظ يستقلّ بزيادة معنىً ليس في اللفظ الآخر البتّة، فالأولى الإتيان به.
ويحتمل: على أنّ بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ الآخر كما تقدّم، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئاً ما فلا بأس بالإتيان به احتياطاً.
стр. 978
وقالت طائفة منهم الطّبريّ: إنّ ذلك من الاختلاف المباح، فأيّ لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه.
واستدل على ذلك باختلاف النّقل عن الصّحابة. فذكر ما نقل عن عليّ، وهو حديث موقوف طويل. أخرجه سعيد بن منصور والطّبريّ والطّبرانيّ وابن فارس. وأوّله " اللهمّ داحي المدحوّات. إلى أن قال: اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحيّتك على محمّد عبدك ورسولك " الحديث.
وعن ابن مسعود بلفظ " اللهمّ اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيّد المرسلين إمام المتّقين وخاتم النّبيّين محمّد عبدك ورسولك " الحديث أخرجه ابن ماجه والطّبريّ.
وادّعى ابن القيّم: أنّ أكثر الأحاديث بل كلّها مصرّحة بذكر محمّد وآل محمّد وبذكر آل إبراهيم فقط. أو بذكر إبراهيم فقط.
قال: ولَم يجيء في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معاً , إنّما أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن السّبّاق عن رجل من بني الحارث عن ابن مسعود، ويحيى مجهول وشيخه مبهم فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويّ , لكنّه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النّسائيّ والدّارقطنيّ من حديث طلحة.
قلت: وغفل عمّا وقع في صحيح البخاريّ في " أحاديث الأنبياء " في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى بلفظ " كما صليت على
стр. 979
إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد " وكذا في قوله " كما باركت ".
وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمّد بن إسحاق عن محمّد بن إبراهيم عن محمّد بن عبد الله بن زيد عنه. أخرجه الطّبريّ، بل أخرجه الطّبريّ أيضاً في رواية الحكم عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى. أخرجه من طريق عمرو بن قيس عن الحكم بن عتيبة فذكره بلفظ " على محمّد وآل محمّد إنّك حميد مجيد " وبلفظ " على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد " وأخرجه أيضاً من طريق الأجلح عن الحكم مثله سواء.
وأخرج أيضاً من طريق حنظلة ابن عليّ عن أبي هريرة ما سأذكره. وأخرجه أبو العبّاس السّرّاج من طريق داود بن قيس عن نعيم المجمر عن أبي هريرة , أنّهم قالوا: يا رسولَ الله كيف نُصلِّي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد , وبارك على محمّد , وعلى آل محمّد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد.
ومن حديث بريدة رفعه " اللهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " وأصله عند أحمد.
ووقع في حديث ابن مسعود المشار إليه زيادة أخرى وهي " وارحم محمّداً وآل محمّد كما صليت وباركت وترحّمت على إبراهيم " الحديث
стр. 980
، وأخرجه الحاكم في " صحيحه " من حديث ابن مسعود , فاغترّ بتصحيحه قوم فوهموا، فإنّه من رواية يحيى بن السّبّاق - وهو مجهول - عن رجل مبهم.
نعم. أخرج ابن ماجه ذلك عن ابن مسعود من قوله " قال قولوا: اللهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمّد عبدك ورسولك " الحديث.
وبالغ ابن العربيّ في إنكار ذلك فقال: حذار ممّا ذكره ابن أبي زيد من زيادة " وترحّم " فإنّه قريب من البدعة , لأنّه ﷺ علمهم كيفيّة الصّلاة عليه بالوحي. ففي الزّيادة على ذلك استدراك عليه. انتهى.
وابن أبي زيد ذكر ذلك في صفة التّشهّد في " الرّسالة " لَمّا ذكر ما يستحبّ في التّشهّد ومنه " اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد " فزاد " وترحّم على محمّد وآل محمّد، وبارك على محمّد وآل محمّد إلخ ". فإن كان إنكاره لكونه لَم يصحّ فمسلَّمٌ، وإلا فدعوى من ادّعى أنّه لا يقال ارحم محمّداً مردودة لثبوت ذلك في عدّة أحاديث أصحّها في التّشهّد " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته ".
ثمّ وجدت لابن أبي زيد مستنداً، فأخرج الطّبريّ في تهذيبه من طريق حنظلة بن عليّ عن أبي هريرة رفعه: مَن قال اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحّم على محمّد وعلى آل محمّد كما ترحّمت على إبراهيم وعلى آل
стр. 981
إبراهيم , شهدت له يوم القيامة وشفعت له.
ورجال سنده رجال الصّحيح إلاَّ سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص الرّاوي له عن حنظلة بن عليّ فإنّه مجهول.
تنبيه: هذا كلّه فيما يقال مضموماً إلى السّلام أو الصّلاة.
وقد وافق ابن العربيُّ الصّيدلانيَّ من الشّافعيّة على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح " الإرشاد ": يجوز ذلك مضافاً إلى الصّلاة , ولا يجوز مفرداً.
ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقاً.
وقال القرطبيّ في " المفهم ": إنّه الصّحيح لورود الأحاديث به.
وخالفه غيره: ففي " الذّخيرة " من كتب الحنفيّة عن محمّد: يكره ذلك لإيهامه النّقص , لأنّ الرّحمة غالباً إنّما تكون عن فعل ما يلام عليه.
وجزم ابن عبد البرّ بمنعه , فقال: لا يجوز لأحدٍ إذا ذكر النّبيّ ﷺ أن يقول: ﵀ , لأنّه قال من صلَّى عليّ، ولَم يقل من ترحّم عليّ , ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصّلاة الرّحمة، ولكنّه خصّ هذا اللفظ تعظيماً له فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيّده قوله تعالى (لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) انتهى.
وهو بحث حسن , لكن في التّعليل الأوّل نظرٌ، والمعتمد الثّاني، والله أعلم.
قوله: (وعلى آل محمّد) قيل: أصل " آل " أهل , قلبت الهاء همزة
стр. 982
ثمّ سهّلت ولهذا إذا صغّر ردّ إلى الأصل فقالوا: أهيل.
وقيل: بل أصله أول من آل إذا رجع، سُمِّي بذلك من يئول إلى الشّخص ويضاف إليه، ويقوّيه أنّه لا يضاف إلاَّ إلى معظّم , فيقال: آل القاضي , ولا يقال: آل الحجّام بخلاف أهل، ولا يضاف آل أيضاً غالباً إلى غير العاقل ولا إلى المضمر عند الأكثر، وجوّزه بعضهم بقلةٍ، وقد ثبت في شعر عبد المطّلب في قوله في قصّة أصحاب الفيل من أبيات:
وانصر على آل الصّليب وعابديه اليوم آلك.
وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعاً.
وضابطه أنّه إذا قيل: فعل آل فلان كذا , دخل هو فيهم إلاَّ بقرينةٍ، ومن شواهده قوله ﷺ للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة (١). وإن ذكرا معاً فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكذا الإيمان والإسلام والفسوق والعصيان.
ولَمّا اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معاً وفي إفراد أحدهما , كان أولى المحامل أن يحمل على أنّه ﷺ قال ذلك كلّه، ويكون بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ الآخر.
وأمّا التّعدّد فبعيد , لأنّ غالب الطّرق تصرّح بأنّه وقع جواباً عن قولهم " كيف نُصلِّي عليك " , ويحتمل: أن يكون بعض من اقتصر
стр. 983
على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم , رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله " آل إبراهيم " كما تقدّم.
واختلف في المراد بآل محمّد في هذا الحديث.
القول الأول: الرّاجح أنّهم من حرّمت عليهم الصّدقة، وهذا نصّ عليه الشّافعيّ واختاره الجمهور.
ويؤيّده. قول النّبيّ ﷺ للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة " وقد تقدّم من حديث أبي هريرة، ولمسلمٍ من حديث عبد المطّلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع " إنّ هذه الصّدقة إنّما هي أوساخ النّاس , وإنّها لا تحلّ لمحمّدٍ , ولا لآلِ محمّد ".
القول الثاني: قال أحمد: المراد بآل محمّد في حديث التّشهّد أهل بيته.
وعلى هذا فهل يجوز أن يقال: أهل عِوَض آل؟ روايتان عندهم.
القول الثالث: المراد بآل محمّد أزواجه وذرّيّته , لأنّ أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ " وآل محمّد " وجاء في حديث أبي حميدٍ موضعه " وأزواجه وذرّيّته " فدلَّ على أنّ المراد بالآل الأزواج والذّرّيّة.
وتعقّب: بأنّه ثبت الجمع بين الثّلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيحمل على أنّ بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ غيره , فالمراد بالآل في التّشهّد الأزواج ومن حرّمت عليهم الصّدقة , ويدخل فيهم الذّرّيّة، فبذلك يجمع بين الأحاديث.
وقد أطلق على أزواجه ﷺ آل محمّد في حديث عائشة: ما شبع آل
стр. 984
محمّد من خبز مأدوم ثلاثاً. أخرجه البخاري، وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة " اللهمّ اجعل رزقَ آلِ محمّدٍ قوتاً " , وكأنّ الأزواج أفردوا بالذّكر تنويهاً بهم. وكذا الذّرّيّة.
القول الرابع: المراد بالآل ذرّيّة فاطمة خاصّة. حكاه النّوويّ في " شرح المهذّب "
القول الخامس: هم جميع قريش. حكاه ابن الرّفعة في " الكفاية ".
القول السادس: المراد بالآل جميع الأمّة أمّة الإجابة.
وقال ابن العربيّ: مال إلى ذلك مالك. واختاره الأزهريّ , وحكاه أبو الطّيّب الطّبريّ عن بعض الشّافعيّة , ورجّحه النّوويّ في شرح مسلم، وقيّده القاضي حسين والرّاغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق.
ويؤيّده قوله تعالى (إنْ أولياؤه إلاَّ المتّقون) , وقوله ﷺ : إنّ أوليائي منكم المتّقون (١).
وفي " نوادر أبي العيناء " إنّه غضّ من بعض الهاشميّين , فقال له: أتغضّ منّي وأنت تصلّي عليّ في كلّ صلاة في قولك: اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، فقال: إنّي أريد الطّيّبين الطّاهرين , ولست منهم.
стр. 985
ويمكن أن يُحمل كلام من أطلق , على أنّ المراد بالصّلاة الرّحمة المطلقة فلا تحتاج إلى تقييد.
وقد استدل لهم بحديث أنس رفعه " آل محمّد كلّ تقيّ " أخرجه الطّبرانيّ , ولكن سنده واهٍ جدّاً، وأخرج البيهقيّ عن جابر نحوه من قوله بسندٍ ضعيف.
قوله: (كما صلَّيت على آل إبراهيم) اشتهر السّؤال عن موقع التّشبيه مع أنّ المقرّر أنّ المشبّه دون المشبّه به، والواقع هنا عكسه. لأنّ محمّداً ﷺ وحده أفضل من آل إبراهيم ومن إبراهيم , ولا سيّما قد أضيف إليه آل محمّد.
وقضيّة كونه أفضل أن تكون الصّلاة المطلوبة أفضل من كلّ صلاة حصلت أو تحصل لغيره، وأجيب عن ذلك بأجوبة:
الجواب الأوّل: أنّه قال ذلك قبل أن يعلم أنّه أفضل من إبراهيم.
وقد أخرج مسلم من حديث أنس , أنّ رجلاً قال للنّبيّ ﷺ : يا خير البريّة، قال: ذاك إبراهيم. أشار إليه ابن العربيّ , وأيّده بأنّه سأل لنفسه التّسوية مع إبراهيم وأمر أمّته أن يسألوا له ذلك , فزاده الله تعالى بغير سؤال أن فضّله على إبراهيم.
وتعقّب: بأنّه لو كان كذلك لغيّر صفة الصّلاة بعد أن علم أنّه أفضل.
الجواب الثّاني: أنّه قال ذلك تواضعاً وشرع ذلك لأمّته ليكتسبوا بذلك الفضيلة.