← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

طارحت من حجرٍ أديبًا درةً ... تسمو جريرًا في الورى وصفاته وجرَيْتُما بَحْرَينِ حين نطقتما ... والخصم ودَّ وقوفه وسكاته وممَّن كتب عنه من نظمه: الشهاب ابن أبي حِجْلة، فإنه كتب بخطه: أنشدني نور الدين ابن حَجَر مِنْ قصيدة في حادثة إسكندرية: لو تَرى الأطفال لما أُسِرُوا ... وبنُو الأصفر في سوء ظَفَرْ الأبيات ... قال صاحب الترجمة: أنشدنيها سراج الدين عمر بن الصيرفي بالإسكندرية سنة سبع وتسعين وسبعمائة، قال أنشدنا ابن حجر لنفسه في واقعة الإسكندرية المشهورة: أيُّ خطبٍ أورثَ الجفنَ سهرْ ... وكوى القلب بنار وضَرَرْ كلَّما قيل انطَفَتْ نارُ الأسى ... زاد في الأحشاء للحين شررْ أيُّها السائل عما قد جرى .. أفَتَرْضى عن عيانٍ بخبرْ نطق الجامدُ من عبرتنا ... بلسان الحال والثغر عبَرْ نفذ الأمر فلا ردَّ (١) له ... كل شيء بقضاءً وقدرْ حصلت في الثَّغر أدهى فتنةٍ ... صيَّرت ما تُبصِرُ العينُ أثرْ لو ترى الأطفال لما أُسروا ... وبنو الأصفر في سوء ظفَرْ طرقوا الثغرَ لعشرين انقضت ... وثلاثٍ جئن مِنْ قبل صفرْ عام سبعٍ بعدَ ستين ولم ... يكُ فيها مثلُها منذ عَمَرْ يا لها من جمعة قد فَرَّقَتْ ... بين أحباب فلم يُغْنِ الحذرْ دخلوها عنوة فانتهبت ... صورَ الأقمار عبَّادُ الصورْ

стр. 107

كم مليحٍ ذبحوا فاقتربت ... ساعة الوحشة وانشقَّ القمرْ ومنها: حبْقَرا ولَّى ومن تابعه ... وحريقُ الباب أدهى وأمرْ لم يقف للطَّعن إلا ساعةً ... من نهارٍ أو كلمحٍ بالبصرْ في سبيل اللَّه ما حلَّ (١) بنا .. معشرَ الإسلام مِنْ هذا الخطرْ لكن البشرى لنا مهما جرى ... مِنْ صغيرٍ وكبيرٍ مستَطَرْ نحن فرقان بحكمٍ منصفٍ ... حكمة بالغة تقضي الوطرْ إن قتلانا لفي برد الرِّضا ... بين جنَّاتٍ وحُورٍ ونَهَرْ عندَّ ربِّ العرش في مقعده ... وقتيلُ الروم في حرِّ سقَرْ وقال شيخنا أيضًا: أنشدني الشيخ المبارك جمال الدين أبو محمد عبد اللَّه بن خليل العباسي -نسبة إلى الشيخ أبي العباس الضرير، وهو شيخ الزاوية المنسوبة إلى يحيى الصنافيري- بالقرافة بحضور شيخنا أبي إسحاق الأبناسي في شوال سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بزاوية الشيخ بالمقسم، أن والدي أبا الحسن عليًّا العسقلاني أنشده لنفسه (٢): أحبَّتنا هنَّاكمُ اللَّه بالذي ... عُنيتم به مُذ زُرتُمُ المغْنى سررنا لكم لكننا لانقطاعنا ... حزَّ بالُنا لا سيما غبتُم عنَّا وأنشدنا أيضًا أن أبي أنشده لنفسه عدة مقاطيع وقصائد. قال صاحب الترجمة: وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الخوَّاص الأسيوطي في أواخر ذي القعدة سنة سبع وتسعين بإسكندرية أن والدي أنشده لنفسه في تاجر أهدى إلى السلطان فيلًا:

стр. 108

أيا بائع المفعُول صرت مقامرًا ... غُلِبْتَ فلا تكثر مِنَ القالِ والقيلِ وكيدُك في تضليل نفسك واقعٌ ... مع الرُّخِّ بالشَّامات يا صاحب الفيل انتهى. وقد تقدم أنَّه حج بولده معه وجاور، وكذا زار به بيت المقدس، وأقام به أيضًا: وإذا سمعت هذا، ظهر لك أن قول القائل عن صاحب الترجمة: إنه دخل وحده وخرج وحده، يشير به إلى أنه لا سلف له في العلم ولا خلف، غير لائق، إلا أن أريد بالمنفيِّ في الطرفين المثلية. وعلى كلِّ حال، فصاحبُ الترجمة لا يرضى بالتلويح بذلك، فالأولَى الإعراض عنه. [إخوته وأخواته] وأثكل الشيخ نور الدين ولدًا كان قد عرض "المنهاج"، وقرأ الفقه وفضل، كما مضى في البشارة به (١). وترك ابنته أم محمد (٢)، ست الركب، وقد أكملت سبع سنين. فإنها وُلدت بطريق الحجاز في رجب سنة سبعين، فسميت بذلك. قال أخوها صاحب الترجمة (٣): وأجاز لها في السنة التي تليها أبوها، ومن مكة: ابن عبد المعطي، ومن المدينة: نور الدين الزَّرْندي، ومن المجاورين: الكرماني شارح "البخاري"، ومن حلب: محمد، والحسين ابنا عمر بن حبيب، ومن دمشق: محمد بن أحمد بن خطيب المزة، والتقي بن رافع، ومن بعلبك: العماد بن بردِس، ومن تونس: شمس الدين بن مرزوق، ومن مصر: الحافظ زين الدين العراقي، وأبو الفرج ابن الشَّيخة وصلاح الدين بن مسعود وآخرون.

стр. 109

ومات أبوها وهي صغيرةٌ، فنشأت نشأة حسنة (١)، وتعلمت الخطَّ (٢)، وحفظت الكثيرَ مِنَ القرآن، وأكثرت مِنْ مطالعة الكتب، فمهرت في ذلك جدًّا، بحيث كان يظنُّ مَنْ يراها تقرأ مِنَ الكتاب أنها تحفظه لجودة استخراجها. ثم تزوجت وهي صغيرة، وولد لها محمد، فرافق ما كناها به أبوها. وكانت بي برَّة رفيقة محسنة، جزاها اللَّه تعالى عني خيرًا، فلقد انتفعت بها وبآدابها مع صغر سنها، وماتت شابَّةً في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. عوضها اللَّه تعالى وإيانا الجنة، بمنِّه وكرمه. قلت: وقال في موضع آخر: كانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي، أُصبت بها. انتهى. وقد رثاها البدر البَشْتَكِي بقوله: كم ذا يزيد الدهرُ في حربي ... وبالنَّوى يرمي بلا لُبِّ طيبُ ثنا أودعتُه في الثرى ... يا دهرُ ضاع الطِّيبُ في التُّرْبِ كم عَبرةٍ جاريةٍ بالأسى ... منذ سرت سيِّدةُ الركبِ آهٍ لها مِنْ زهرةٍ قد ذَوَتْ ... بكى عليها الجوُّ بالسحبِ وأغربَ البلبلُ في نوْحِه ... مطارحًا ساجعة القُضْبِ وكادَ مِنْ مكروه رُزءٍ بها ... يُجيبُه الواجب بالنَّدبِ صبرًا لها يا ابن عليٍّ فما ... أخُ العلا إلا أبُو الخطبِ وشيمةُ الدهر كذا لم يزل ... يرفض أو يخفِض ذا النصْبِ وبينما طائرهُ صادحٌ ... إذ يتبعُ التَّغريدَ بالنَّعْبِ ربَّ المعالي أنت يا سيدي ... فعِشْ لقيت الخيرَ مِنْ رَبِّي

стр. 110

وأمهما معًا تِجَار ابنة الفخر أبي بكر بن الشمس محمد بن إبراهيم الزفتاوي، أخت صلاح الدين أحمد الزِّفتاوي التاجر الكارميّ، صاحب القاعة الكائنة بمصر تجاه المقياس. ما رأيت شيخنا ترجم واحدًا منهما، لا في "الدرر" ولا في "الإنباء"، وإنما استُفيدَ نسَبُ صلاح الدين من مكتوب وقف قاعته. وكان قد تزوج ستَّ الركب شمسُ الدين محمد بن السراج عمر (١) بن عبد العزيز الخروبي، واستولدها صلاح الدين محمدًا وفوز، وأجاز لهما بعناية خالهما صاحب الترجمة جماعة. ومات صلاح الدين قديمًا. وأما الأخرى، فإنها سافرت إلى الحجاز صُحبةَ زوجها صلاح الدين ابن صورة، فاختلَّ عقلُها بمكة، واستمرت تهذي في الكلام جدًّا، لكنَّها تستحضر أوقات الصلوات والعبادات، فتؤديها أداءً حسنًا للغاية. ولاختلال عقلها، امتنعتُ من الأخذ عنها بعد أن قصدُتها في منزلها بمصر، واستمرت كذلك حتى ماتت قريب الخمسين، ولم تترك ولدًا. وصلى عليها خالها صاحب الترجمة، رحمة اللَّه عليهم أجمعين. وكان لصاحب الترجمة أيضًا أخٌ مِنْ أُمِّهِ اسمه عبد الرحمن ابن الشهاب أحمد بن محمد بن محمد بن عبد المهيمن البكري، كما استفدتُ ذلك من ترجمة أحمد المذكور من "معجم" (٢) صاحب الترجمة، قال: إنَّه مهر وحصل مالًا أصله من قبل أمه، وهي والدتي، فقدَّر اللَّه تعالى موته، فورثه أبوه. وكان الأب داعية لمقالة ابن العربي، فمزَّق ذلك مع غيره، وأرَّخ وفاة الداعية في سنة تسع وثمانمائة. ومن أقارب شيخنا أيضًا: ناصر الدين محمد بن حجر، والدُ خاصّ التي ذكرها في وصيته هي وولدها جمال الدين. ما علمت الآن شيئًا مِنْ أخبارهم، وإن بلغني عن خاصّ وابنها (٣) المذكور ما لا أحبُّ ذكره، لا

стр. 111

سيما وقد يسَّر اللَّه تعالى وفاتهما. إلا أنَّ لخاص ابنةً هي الآن بقيد الحياة في قوة، وفقها اللَّه لطاعته وإيانا. وقد أنشدنا (١) القطب القسطلاني (٢) لنفسه: إذا طاب أصل المرء طابت فروعه ... ومن غلطٍ جادت (٣) يد الشَّوك بالوردِ وقد يخبثُ الفرعُ الذي طاب أصلُه ... ليظهر صنعُ اللَّه في العكس والطَّردِ وكان والد شيخنا قبل وفاته أوصى بولده صاحب التَّرجمة كبيرَ التَّجار الزَّكيَّ أبا بكر محمد (٤) بن علي بن أحمد الخرُّوبي، فَقام بأمره أحسن قيام، وكذا أسند وصيته للشيخ شمس الدين ابن القطان لاختصاصه به. رحمهم اللَّه تعالى أجمعين.

стр. 112

الباب الثاني في صفة مبدأ أمره، ونشأته، وذكر طلبه للعلم ورحلته، وتعيين من أخذ عنه دراية . وكذا جملة من شيوخ الرواية، وبيان الأماكن التي كتب بها الحديث أو العلم من البلاد والقرى، ليعلم أنه عند الصباح يحمد القوم السُّرى. وختمتُه بأسماء مَنْ عنهم تحمَّل غير مطبل بتراجمهم، اكتفاء "بمعجمه"، فعليه المعوّل، معقبًا ذلك بأوراقٍ مهمةٍ من أسانيده بالكتب ونحوها مما هو متداول بين الأئمة، وإن كان هو في "فهرسته" قد استوفاها، لأنَّ الهِمَمَ -لقصورها- ترتاحُ للطَّريقة التي سلكناها

стр. 113

الباب الثاني [نشأته:] أما مبدأ أمره ونشأته: فقد تقدم أن أباه مات في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، بعد أن كان حجَّ وزار بيتَ المقدس، وجاور في كلٍّ منهما، واستصحب معه ولده صاحب الترجمة، قال: وأظن أنَّ أبي أحضرني في مجاورتيه بهما شيئًا ما. وماتت أمُّه قبل ذلك وهو طفل، فنشأ ﵁ يتيمًا في غاية العفة والصيانة والرياسة في كنف أحد أوصيائه الزَّكيّ الخرُّوبي إلى أن مات، وقد راهق، لم تُعرف له صبوة ولم تضبط عنه زلَّة، واتفق أنه لم يدخل المكتب إلا بعد إكمال (١) خمس سنين. وممَّن قرأ عنده في المكتب: شمس الدين ابنُ العلَّاف الذي وليَ حسبة مصر وقتًا، وشمس الدين الأطروش، لكن لم يُكمل حفظَ القرآن العظيم إلا عند فقيهه ومؤدِّبه الفقيه شارح "مختصر التبريزي"، صدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق السَّفطي المقرىء. أكمله وله تسع سنين. وكان يحضر لإقرائه هو والقاضي ناصر الدين محمد ابن العلامة شمس الدين ابن القطان، سبط سيبويه الزمان البهاء بن عقيل، بمسجد للَّه تعالى، ملاصق لمنزل وصيه ابن القطان المذكور بدرب ابن ريشة بالقرب من موردة

стр. 114

منجنى قليوب، بشاطىء البحر. ثم لم يتهيأ له أن يصلِّي به للناس التراويح على جاري العادة إلا في سنة خمس وثمانين بمكة، وقد أكمل اثنتي عشرة سنة؛ فإنَّ وصيَّه الماضي -وهو الخواجا زكي الدين أبو بكر بن نور الدين علي (١) الخروبي- كان قد حج في سنة أربع وثمانين، واستصحب صاحب الترجمة معه، إذ لم يكن له من يكفُلُه. وكانت وقفة الجمعة، فحجَّا وجاورا، وصلَّى بالناس هناك في سنة خمس. قال: وقد كنتُ ختمت من أول السنة الماضية -يعني سنة ثلاث- واشتغلت بالإعادة في هذه السنة، فشغلَنا أمرُ الحج إلى أن قُدِّر ذلك بمكة، وكانت فيه الخيرة. [قلت: وفي اتفاق وقوع ذلك إشارة إلى أنه يصير إمام الدنيا] (٢). [سماعه بمكة:] وسمع إذ ذاك على الشيخ عفيف الدين عبد اللَّه بن محمد بن محمد النشاوِرِي، ثم المكي، آخر أصحاب الرضي الطبري، إمام المقام، اتفاقًا بغير قصدٍ ولا طلب، غالب "صحيح البخاري". وهو أول شيخ سمع عليه الحديث. وذلك بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الدمشقي الحريري -عرف بالسّلاوي- الذي صحبه صاحب الترجمة بعد ذلك، وهو -كما قرأته بخط صاحب الترجمة- لعمري إسنادٌ جيدٌ، حصلت به مساواة كثيرٍ من الشيوخ. قال: وكان محل السماع تحت سكن الخروبي المذكور في البيت الذي بباب الصفا على يمنة الخارج إلى الصفا، ويعرف ببيت عيناء، وهي (٣) الشريفة أم الشريف عجلان. وبالبيت المذكور شبَّاكٌ مطلٌّ على المسجد الحرام، ويشاهد من يجلس فيه الكعبة والرُّكن الأسود. فكان المُسْمِعُ

стр. 115

والقاريء يجلسان عند الشّباك دون مصطبة تحت الشباك المذكور، وكان يجلس فيها مؤدبُ صاحب الترجمة ومن يدرس معه. فكان المؤدب يأمرهم عند قراءة القارىء بالإنصات إلى أن يفرغ حتى ختم الكتاب. لكن كان صاحب الترجمة ربما خرج لقضاء حاجة ولم يكن هناك ضابطٌ للأسماء، والاعتماد في ذلك كان على الشيخ نجم الدين المرجاني، فإنه أعلمني بعد دهر طويلٍ بصورة الحال، فاعتمدت عليه وثوقًا به. قلت: وقد صارت الدار المشارُ إليها بعد الثلاثين وثمانمائة مدرسةً لصاحب كلبرجة. وحضر مجلس الختم الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد الأميوطي، وكان صاحب الترجمة يشكُّ في إجازة الأميوطي له، من أجل أنه ليس على يقين مِنْ سماع مجلس الختم، لكونه لم يعلم ما فاته على النشاوري منه. واللَّه أعلم. ثم وصل صحبة وصيّة إلى مصر محل إقامته - في سنة ست وثمانين، فحفظ كتبًا من مختصرات العلوم، "كالعمدة" و"الحاوي الصغير"، كتاب أبيه، و"مختصر ابن الحاجب الأصلي". و"المُلحة" للحريري، وغيرها. وعرضها -على العادة- على جماعة مِنْ أئمَّة العصر، وكتبوا خطوطهم له بذلك. [سرعة حفظه:] وكان ﵀ رزق في صغره سرعة الحفظ، بحيث كان يحفظ كلَّ يومٍ نصف حزب، وبلغ من أمره في ذلك أنَّه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وأنه كان في أكثر الأيام يصحح الصفحة من "الحاوي الصغير" ثم يقرأها تأمُّلًا مرةً أخرى، ثم يعرضُها في الثالثة حفظًا. ولم يكن -رحمه اللَّه تعالى- حفظه بالدَّرس (١) على طريقة الأطفال، بل كان حفظه تأمُّلًا، كما

стр. 116

سمعت ذلك مِنْ لفظه مرارًا - على طريقة الأذكياء في ذلك غالبًا. [طلبه العلم:] وأما طلبه للعلم، فإنه ﵀ قرأ القرآن تجويدًا على الشهاب أحمد بن محمد ابن الفقيه علي الخيوطي، وبحث في سنة خمس وثمانين وسبعمائة -وهو ابن اثنتي عشرة سنة- في مجاورته بمكة، على القاضي الحافظ جمال الدين أبي حامد محمد بن عبد اللَّه بن ظهيرة المكي في كتاب "عمدة الأحكام" للحافظ عبد الغني المقدسي. [قال: وكان يعجبني سمتُه] (١)، فكان أوَّلَ شيخٍ بحث عليه في علم الحديث، ثم كان أوَّلَ شيخ سمع الحديث بقراءته بمصر بعد ذلك، كما سيأتي. على أني قرأت بخط صاحب الترجمة: وأول اشتغالي بالعلم في سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وكتب بالهامش تجاه سبع: ست، وصحح عليه. قلت: لكن ما قدَّمته هو المعتمد. ثم قرأ على الصدر سليمان بن عبد الناصر الإبشيطي شيئًا مِنَ العلم في السنة التي قَدِمَ فيها من مكة. وفتَر عزمُه عن الاشتغال مِنْ أجل أنه لم يكن له من يحثُّه على ذلك، فلم يشتغل إلا بعد استكمال سبع عشرة سنة، لازم أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن محمد بن أبي بكر بن القطان المصري، فحضر درسه في الفقه وأصوله والعربية والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئًا كثيرًا من "الحاوي الصغير"، وأجاز له هذا مع كون صاحب الترجمة (لم يحمد) (٢) تصرُّفَه في تركته كما صرح بذلك في غير موضع، وقال: إنَّ مما خصم به في حساب المأتم وتوابعه (٣) ألف مثقال. مع كون (أب) (٤) الخرُّوبي حسبما بلغني أنه هو القائم بذلك أو أكثره، بل قال ممَّا هو في ديوانه:

стр. 117

أكل ابن القطان ماليَ ظلمًا ... يا إله الورى فاصْلِهِ سعيرا ربِّ وابسُط له العذاب بساطًا ... ربِّ واجعل له الجحيم حصيرا انتهى. واشتغل بطلب ما غلب على العادة طلبه، من أصل وفرع ولغة ونحوها، وطاف على شيوخ الدِّراية، لكنه كان في مدة الفترة وهو في المكتب، وبعد ذلك حُبِّبَ إليه النَّظر في التواريخ وأيام الناس حتى إنه ربما (١) كان يستأجرها ممَّن هي عنده، فعلِقَ بذهنه الصافي الرائق شيءٌ كثيرٌ من أحوال الرواة. وكان ذلك بإشارة شخصٍ مِنْ أهل الخير، سماه صاحب الترجمة لي وأنسيتُه، وممَّن رغَّبه في ذلك أيضًا: البدر البَشْتكيُّ، وأعانه عليه بإعارة "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني وغيرها. وفي أثناء الفترة سمع اتفاقًا من المسند نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن عبد الكريم بن رزين غالب "صحيح البخاري" بقراءة الحافظ الجمال أبي حامد بن ظهيرة الماضي قريبًا في سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر [عن الخروبي أيضًا] (٢)، وكان شيخنا يعارض بنسخةٍ. قال (٣): وما أظن فاتني عليه منه إلا اليسير. نعم لم أحضر مجلس الختم. وكذا سمع مِنَ الصلاح أبي علي محمد بن محمد بن علي الزفتاوي "الصحيح" أيضًا بقراءة ولي الدين محمد بن الشهاب أحمد بن محمد بن عبد الكريم التِّزمنتي، ومن أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغَزِّي، وغيرهما. ولو وَجَدَ من يعتني به في صغره لأدرك خلقًا ممَّن أخذ عن أصحابهم، إذ كان السماعُ مِنْ أصحاب الفخر ابن البخاري، ثم من أصحاب

стр. 118

الواسطي وابن مؤمن، ثم من أصحاب ابن تبع الأمناء والأبرقوهي، ثم من أصحاب الدِّمياطي ممكنًا، أو الإجازة منهم، لكنه لم يتَّفق ذلك لفقد من يعتني بهذا الفن من الآل (١) والأصحاب في هذا الزمن الأخير. ونظر في فنون الأدب مِنْ أثناء سنة اثنتين وتسعين، ففاق فيها، حتى كان لا يسمع شعرًا إلا ويستحضر من أين أخده النَّاظم. وتولَّع بذلك وما زال يتبعه خاطره حتى فاق فيه وساد، وطارح الأدباء، وقال الشعر الزائق والنَّثر الفائق، ونظم مدائح نبويةً، ومقاطيع، وكتب عنه الأئمة من ذلك. وكان ﵀ واللَّه عجبًا في استحضار ذلك، والمذاكرة به؛ بحيث رأيت النواجي وهو ممَّن علمت جلالته في فنون الأدب ومداومته على خدمته، وشيخنا صاحب الترجمة يربو عليه، حتى يقضي هو العجب من ذلك. هذا وهو لم ينظر من بعد القرن في كتب الفن ودواوينه إلا اتفاقًا، كما صرح هو بذلك، بل أكثر نظمه قبل سنة ست عشرة وثمانمائة. ورأيته قد كتب بخطه على بيتين في ضمن كراسة مِنْ نظم البدر البَشْتَكي ما نصه: يا سيدي، أحسن اللَّه إليكم. رأيت هذين البيتين بخطكم الكريم في "طوق الحمامة" لأبي محمد بن حزم، فلعلكم طالعتموها ونسيتم. وحبَّب اللَّه إليه فن الحديث النبوي، فأقبل عليه بكلِّيته، وأول ما طلب بنفسه في سنة ثلاث وتسعين، لكنه لم يكثر مِنَ الطَّلب إلا في سنة ست وتسعين. فإنه -كما كتب بخطه ﵁ رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل. فأخذ عن مشايخ ذلك العصر وقد بقي منهم بقايا. وواصل الغُدوَّ والرواح إلى المشايخ بالبواكر والعشايا. واجتمع بحافظ العصر زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، فلازمه عشرة أعوام. وتخرَّج به، وانتفع بملازمته. وقرأ عليه "الألفية" له و"شرحها" له بحثًا،

стр. 119

وانتهى ذلك في يوم الجمعة ثالث عشري رمضان سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، بمنزل المصنف بجزيرة الفيل على شاطىء النيل. ثم قرأ عليه "النكت على علوم الحديث" لابن الصَّلاح له، في مجالس، آخرها في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين. وهو أول مَنْ أذِنَ له في التدريس في علوم الحديث. وكان إذنُه له -على ما قرأته بخط صاحب الترجمة- في سنة سبع وتسعين. وكان طلبه على الأوضاع المتعارفة بين أهله، فقرأ وسمع على مسندي القاهرة ومصر الكثير في أسرع مدة، ووقع له حديث السلفي بالسماع المتصل عاليًا عن ابن الشيخة المذكور، وعن التاج أبي محمد عبد الواحد بن ذي النون الصُّردي وغيرهما، فمما سمعه من التاج "جزء سفيان بن عيينة" يرويه عن أبي الحسن الواني صاحب صاحب السِّلفي بالسماع المتصل إليه. وهو أعلى ما يقع حينئذٍ من حديث السِّلفي. وكذا وقع له حديث الرازي بالسَّماع المتصل عاليًا أيضًا. وأعلى ما سمعه من الأجزاء المنثورة مطلقًا "جزء أبي الجهم العلاء بن (١) موسى" صاحب الليث بن سعد، فإنه وقع له بالسَّماع المتصل إلى أبي القاسم البغوي، الذي ساوى البخاري ومسلمًا وغيرهما في كثير من الشيوخ، فبينه وبينه ستة أنفس، وقد مات منذ خمسمائة سنة وأكثر من عشر سنين. ويليه مما هو في نحو طبقته "جزء ابن مخلد"، ويليه مما يلحق به لكن في الطريق إجازة - كالجزء الثاني من "حديث ابن مسعود"، وكتاب "البعث" لابن أبي داود. ويليه ما في طريقه إجازتان. كالأول الكبير من "حيث أبي طاهر المخلِّص"، والثاني من الثاني منه. و"جزء مأمون بن هارون". ودون هذه الطبقة في العلوّ قليلًا، لكن بالسمع المتصل، كالمنتخب من "مسند عبد بن حميد"، و"مسند الدارمي"، وهو على الأبواب، ويليهما

стр. 120

"الجامع الصحيح" للبخاري، وفي شرح ذلك طولٌ. وكلُّ ذلك مجموع في "الفهرست الكبير". وأكثرَ مِنَ المسموع جدًّا، ووصل من الكتب الكبار شيئًا كثيرًا، ووجد عنده ﵁ من النظر في التواريخ ما أعانه على معرفة الرجال في زمن يسير جدًّا. ولم تنسلخ تلك السنة -أعني سنة ست وتسعين- حتى اتسعت معارفه فيه، وخرَّج لشيخه الإمام مسنِد القاهرة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي "المائة العشارية"، فكان أول من قرأها على المخرَّجَةِ له في جمع حافل، الإمام العلامة الحافظ الناقد ولي الدبن أبو زرعة أحمد ابن شيخه العراقي في سنة سبع وتسعين. وكذا قرأها عليه غيره من الأعيان، ومنهم الشيخ شهاب الدين الحسيني، بعد أن كتبها بخطه. وسمعها معه صهره الشيخ شمس الدين البوصيري العالم الصالح، وقرَّظ له جماعة من أئمة العصر عليها، وشهدوا له بالتقدم، كما سيأتي في محلِّه. كل ذلك مع اشتغاله بغيره من العلوم، والمحافظة على المنطوق منها والمفهوم، كالفقه والعربية والأصول، وغيرها من العلم المنقول والمعقول. [دراسته الفقه:] فتفقه بابن القطان الماضي، وبالإمام الزاهد الفقيه العلامة برهان الدين إبراهيم بن موسى الأبناسي، ولازمهما كثيرًا. وكان الأباسي يودُّه ويعظمه، لأنه كان من أصحاب والده. وقد قال صاحب الترجمة في حقه: الإمام الجامع بين طريقي العلم الشرعي والعلم الحقيقي. وكانت ملازمته له مِنْ بعد التسعين، بحث عليه في "المنهاج" للنووي، وقرأ عليه غير ذلك. وتفقه أيضًا بشيخ الإسلام، علَّامة الأعلام، المجدد للأمة المحمدية من علوم الدين ما اندرس في توالي الأيام، إلى أن أحيا اللَّه تعالى به موات القلوب من أئمة الأنام: سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني. لازمه مدة، وحضر دروسه الفقهية، وقرأ عليه الكثير من "الروضة"، ومن

стр. 121

كلامه في حواشيها، وسمع عليه -بقراءة العلامة شمس الدين البرماوي- "مختصر المزني". وبالعلَّامة الرُّحَلة ذي التصانيف العديدة، والفوائد المفيدة الشيخ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن الملقن. قرأ عليه قطعة كبيرة من "شرحه الكبير على المنهاج". ولم يزل ملازمًا للبلقيني إلى أن أذن له في الإفتاء والتدريس، ثم أذن له بذلك بعد إذن شيخه الحافظ زين الدين العراقي في آخرين. وقرأ في الفقه والعربية أيضًا على الشيخ الإمام نور الدين علي بن أحمد الأدمي، ولازمه كثيرًا. وأول شيوخه في الفقه ابن القطان والأدمي، ثم الأبناسي وابن الملقن، ثم البلقيني، وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء، وتبعه غيره. [سلسلة الفقه:] وهذه سلسلة الفقه لتستفاد مع سلسلة الحفاظ الماضية. فأقول: قد أخذ صاحب الترجمة الفقه عَنْ مَن قدمنا، فأما البلقيني، فأخذ عن جماعة؛ منهم: شيخ الشافعية الشمس محمد بن أحمد بن عثمان بن عدلان، وبقية المشايخ العالم شمس الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن إبراهيم بن القمَّاح، والإمام النجم حُسين بن علي بن سيد الكل الأسواني، والعلامة الزين أبو حفص عمر بن أبي الحرم بن الكتَّاني. وأما الأبناسي وابن الملقن، فإنَّهما ممَّن أخذ عن محقق العصر: الجمال أبي محمد عبد الرحيم الإسنائي. وأما الأدمي، أخذ هو والأبناسي -أيضًا- عن الإمام ولي الدين محمد بن الجمال أحمد بن إبراهيم المنفلوطي الملَّوي. وكذا -فيما أظن- أخذ عنه ابن القطان، مع أنه أخذ عن ابن الملقن. وكان أخذ عن البهاء بن عقيل أصول الفقه، وعن العماد الإسنوي الأصلين والجدل، ولا أستبعد أن يكون أخذ عنهما الفقه.

стр. 122

والعماد أخذ عن الشرف البارزي. فأما ابن عدلان واللَّذان بعده، فتفقهوا بالإمام الظهير جعفر بن يحيى التَّزمنتي، والأول وحده أيضًا بقاضي القضاة الوجيه عبد الوهاب بن الحسن البهنسي. وأما ابن الكِتاني، فتفقه بمفتي الإسلام التاج أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري بن الفركاح. وأما الإسنائي، فهو ممن (١) تفقه بجماعة، ورُوسل بالإفتاء من الشيخ شرف الدين أبي القاسم هبة اللَّه بن البارزي. وأما الملّوي فتفقه بوالده، وبالشيخ نور الدين الأردبيلي، وما علمت الآن سندهما. فأما التزمنتي والبهنسي، فكلاهما مِمَّن تفقه بالإمام البهاء أبي الحسن علي بن هبة اللَّه ابن بنت الجُمَّيْزي، وأما البارزي، فهو ممّن أخذ "المنهاج" وغيره من (٢) منقح المذهب وليِّ اللَّه أبي زكريا النووي. وهو ممن تفقه بالكمال إسحاق بن أحمد المغربي ثم المقدسي، والشمس عبد الرحمن بن نوح المقدسي ثم الدمشقي، والعز عمر بن أسعد الربعي. والثلاثة هم والفزاري ممَّن تفقه بشيخ الإسلام التقي (٣) أبي عمرو عثمان بن أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان بن الصلاح الشهرزوري، وهو بأبيه، وهو في طريق العراقيين هو وابن بنت الجُمَّيزي بصدر العلماء وشيخ الفقهاء أبي سعد عبد اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه بن أبي عصرون. زاد ابن بنت الجميزي: وبالإمام أبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي. والأول (٤) تفقه بالقاضي أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي. والثاني بأبي بكر محمد بن الحُسين بن عمر الأرموي، وهما مِمَّن تفقه بأمير المؤمنين في الفقه الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي. (ح).

стр. 123

وتفقه العراقي أيضًا بأبي الحسن (١) محمد بن مبارك بن محمد بن الخِلِّ البغدادي، وهو بفخر الإسلام أبي بكر محمد ابن أحمد بن الحسن الشاشي، وهو بأبي نصر عبد السيد بن محمد بن الصباغ، والشيخ أبي إسحاق، وهما ممَّن تفقه بالقاضي أبي الطيب طاهر بن عبد اللَّه بن طاهر الطَّبري، وهو بالإمام أبي الحسن محمد بن علي بن سهل النيسابوري الماسَرْجَسيّ. (ح). وتفقه ابن بنت الجمّيزي -أيضًا- بإمام عصره الشهاب أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطُّوسي، وهو بالإمامين أبي سعد محمد بن يحيى النيسابوري وأبي الفتح محمد بن الفضل المارشكي [الطوسي، وهما ممَّن تفقه بحجَّة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي. (ح). وتفقه] (٢) التاج الفزاري أيضًا بسلطان العلماء عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلمي، وهو بالفخر عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن عساكر، وهو بالقطب أبي المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وهو بمحمد بن يحيى، وهو بالغزالي. (ح). وتفقه النووي أيضًا بالكمال سلَّار بن الحسن الإربلي، وهو بأبي بكر الماهاني، وهو ووالد ابن الصلاح أيضًا بجمال الإسلام أبي القاسم عمر بن محمد بن أحمد بن البزري، وهو بأبي الحسن علي بن محمد الكِيَا (٣) الهرَّاسي والغزالي، وهما تفقها بإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد اللَّه بن يوسف الجُويني، وهو بأبيه، وهو بإمام طريقة الخراسانيين أبي بكر عبد اللَّه بن أحمد القفَّال المروزي الصَّغير، وهو بأبي زيد محمد بن أحمد بن عبد اللَّه المروزي. (ح).

стр. 124

وتفقه العراقي أيضًا بالقاضي أبي المعالي مجلي بن جميع المخزومي، وهو بالفقيه سلطان المقدسي، وهو بالشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي، وهو بسُليم بن أيوب الرازي، وهو بالشيخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر محمد الإسفراييني. وهو بأبي القاسم عبد العزيز بن عبد اللَّه الداركي، وهو وأبو زيد المروزي، والماسرجسي ممَّن تفقه بالإمام الكبير أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي. (ح). وتفقه أبو حامد الإسفراييني -أيضًا- بأبي الحسن علي بن أحمد بن المرزبان (١)، وهو بأبي الحسين أحمد بن محمد بن القطان. وهو والمروري (٢) بالباز الأشهب شيخ الشافعية أبي العباس أحمد بن عمر بن سُريج، وهو بالإمام أبي القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي. (ح). وتفقه والد إمام الحرمين -أيضًا- بأبي الطيب سهل بن محمد بن سليمان بن محمد الصُّعلوكي، وهو بأبيه، وهو بإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. (ح). وتفقه أبو إسحاق المروزي أيضًا بعبدان المروزي، وهو وابن خزيمة والأنماطي، ممَّن تفقه بالإمام الكبير الجليل أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني. وابنُ خزيمة وعبدان أيضًا ممن تفقه بالإمام أبي محمد الربيع المرادي. وهما ممَّن تفقه بإمام الأئمة وابن عمِّ خير البرية أبي عبد اللَّه الشافعي. (ح). وتفقه أبو سهل الصُّعلوكي أيضًا بأبي علي محمد بن عبد الواحد الثَّقفي، وهو بالإمام أبي عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي، وهو بجماعة من أصحاب الشافعي، والشافعيُّ ﵁، ونفعنا ببركته- ممَّن تفقه بجماعة، منهم إمام دار الهجرة مالكُ بن أنس، وسفيان بن عيينة، وأبو خالد مسلمٌ بن خالد الزَّنجي.

стр. 125

فالأول تفقَّه بربيعة، عن أنس بن مالك، وبنافع عن ابن عمر ﵄. والثاني بعمرو بن دينار عن ابن عمر وابن عباس ﵃. والثالث بأبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄. والثلاثة ممَّن أخذ عن سيِّدِ المرسلين وإمام المتقين وقائد الغُرِّ المحَجَّلين ﷺ ورضي عنهم أجمعين. ولكثير ممَّن ذكر في هذا السند مِنَ الطَّريقين شيوخٌ أخذوا عنهم الفقه. وإنما حصل الاقتصارُ غالبًا على ذوي (١) الشهرة وعلو السند. وقد قرأ صاحب الترجمة الكثيرَ على البرهان التنوخي عن أبي نصر بن الشيرازي، عن ابن الجُمَّيزي. وهذا بطريق الإجازة يعلُو على ما سبق بدرجةٍ، واتَّفقت له رواية "مختصر المزني" بسندٍ أعلى مِنْ هذا ورواية أحاديث الشافعي الفقهية في ضمن "مسنده"، وسنده أعلى من سندِ "المختصر" أيضًا. وأخذ "المنهاج الفقهي" عن الشيخ الإمام المسند المدرس نجم الدين محمد ابن الشيخ نور الدين علي ابن العلامة المحقق المتقن أقضى القضاة نجم الدين محمد بن عقيل البالسي، والإمام العلامة مسند القاهرة وشيخ القراءات برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن سعيد بن كامل التنوخي البعلبكي الأصل ثم الدمشقي، المعروف بالشامي، نزيل القاهرة، قراءة على الأول، وسماعًا على الثاني، برواية الأول له عن المسنِد أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد الصالحي، وبرواية الثاني له عن جماعة مِنَ الأئمة، منهم: العلامة أقضى القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن حيدرة بن القمَّاح، بقراءة البرهان المذكور عليه لجميع "المنهاج" بحثًا، وأذِنَ له في

стр. 126

إقرائه. ومنهم: قاضي القضاة بالدِّيار المصرية بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد اللَّه بن جماعة، وقاضي القضاة بالمملكة الحلبية شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم، الشهير بابن النقيب، وقاضي القضاة بالمملكة الحموية شرف الدين هبة اللَّه بن عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي، إذنًا مِنْ كلٍّ منهم له بالرواية عنه، والتدريس في الفقه. ومنهم العلامة علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود الدمشقي الشهير بابن العطار، إجازة مكاتبة له منه برواية الجميع عن المؤلف بطريق الإجازة، إن لم يكن سماعًا لهم أو لبعضهم، ولو لبعضه، خصوصًا الأخير؛ لأنه كان خادم المؤلف والملازم له، والمتحقق بالتَّلمذة له، حتى كان يُقال له النَّووي الصغير. وليس ببعيدٍ أن يكون سمع الكتاب المذكور على مؤلفه أو بعضه. وهذا السند إلى المؤلف أعلى ما يُوجَدُ في هذا الوقت. ووقع له (١) أيضًا حديث مسلسل بالفقهاء لكنه أودعه بعض تخاريجه، فتركتُ الإطالة به. [سلسلة أصول الفقة] وهذه طريقُه في أصول الفقه، ذكرها ابنُ القطان، أحدُ من أخذ عنه صاحب الترجمة -كما تقدَّم- الأصول، أحببتُ إيرادها هنا للفائدة، فأقول: أخذ ابن القطان أُصول الفقه عن البهاء بن عقيل؛ والأصلين والجدل عن العماد الإسنوي. فأما البهاءُ فأخذ عن العلاء القُونَوِي، وهو عن التقي ابن دقيق العيد، وهو عن سلطان العلماء العِزّ (٢) بن عبد السلام وهو عن السيف الآمدي، وهو أخذ الأصول والجدل والخلاف عن أبي القاسم بن فضلان. (ح). وأخذ القونوي أيضًا عمَّن أخذ عن التاج أبي الفضائل الأرموي صاحب "الحاصل"، وهو عن الفخر الرازي، وهو عن أبيه والكمال السمناني.

стр. 127

فأما الكمال؛ فأخذه هو وابن فضلان عن محمد بن يحيى. (ح). وأما العماد الإسنوي فأخذه عن الشرف هبة اللَّه بن النجم عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي شارح "الحاوي"، وهو عن جده أبي الطاهر إبراهيم، ثم عن والده النجم، عن أبيه إبراهيم، وهو عن التَّقي الحموي، وهو عن أبي سعد (١) بن أبي عصرون، وهو عن أبي علي الفارقي، وهو عن الشيخ أبي إسحاق صاحب "التبصرة" و"اللّمع" و"شرحها" في أصول الفقه، وعن أحمد بن علي بن بَرهان. فأما ابن بَرهان، فأخذه هو وابن يحيى عن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي. زاد ابنُ بَرهان: وعن الكِيَا الهَرّاسي، وهما مِمَّن أخذه عن إمام الحرمين، وهو عن أبي القاسم الإسكاف، وهو عن الأستاذ أبي إسحاق المروزي، وهو عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو عن أبي القاسم الدَّاركي وابن المرزبان. فأما ابن المرزبان، فأخذه عن أبي الحُسين (٢) بن القطان. (ح). وأما والد الفخر الرازي -واسمه عُمر- فأخذه عن البغوي، وهو عن القاضي الحسين، وهو عن أبي بكر عبد اللَّه بن أحمد القفال المروزي، وهو عن أبي زيد المروزي. (ح). وأما الشيخ أبو إسحاق، فأخذه عن القاضي أبي الطيب الطبري وأبي حاتم القزويني. فأمَّا أبو الطيب، فأخذه عن أبي الحسن الماسرجسي، وهو وأبو زيد المروزي والدَّاركي عن أبي إسحاق المروزي، وأما أبو حاتم، فأخذه عن شيخ الأصوليين القاضي أبي بكر الأشعري، عرف بالباقلَّاني،

стр. 128

وهو عن قامع المعتزلة وغيرها وشيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري، وهو عن أبي بكر بن علي الشَّاشي، عرف بالقفَّال الكبير، أول من صنف الجدل الحَسَن من الفقهاء ودوَّنه، وشرح "الرسالة"، وهو وأبو إسحاق المروزي وابن القطان عن أبي العباس بن سُرَيج. وكان ابن القطان خاتمة أصحابه، وهو عن الأنماطي، وهو عن المُزني والربيع المرادي، وهما عن الشافعي مصنف "الرسالة" وهي أول شيء وُضِع في أصول الفقه. ولم يقع لصاحب الترجمة ما فيها من كلام الإمام مسموعًا، مع كون بعض شيوخ عصره -وهو السِّراج الكُومي- كان يرويه سماعًا في ضمن الكتاب بسندٍ شاميٍّ، إلا أنه لم يتهيأ له سماعه منه، وقد أخذناه من غيرِ واحدٍ من أصحاب الكُومي بالسماع، فلله الحمد (١). [دراسة النحو:] وحيث ذكرنا ما تقدَّم، فلا بأس بذكر سنده بالنَّحو، فنقول: قال شيخنا صاحب الترجمة: أخبرني بعلم النحو أبو الفرج الغزِّي إذنًا، عن أبي النُّون يونس بن إبراهيم الدبّوسي (٢)، أنبأنا العلامة النحوي أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن أبي الفضل المرسي، أخبرني العلامة النَّحوي اللُّغوي أبو اليُمْن زيد بن الحسن الكندي، أخبرني الإمام النحوي أبو محمد عبد اللَّه بن علي بن أحمد بن عبد اللَّه سبط الزاهد أبي منصور الخيَّاط، أخبرني الإمام النَّحوي أبو الكرم المبارك بن فاخر الدَّباس، أخبرني النحوي الأستاذ أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن عمر بن برهان العسكري الحنفي، أخبرني النحوي أبو القاسم علي بن (٣) عبد اللَّه الدقيقي، أخبرني

стр. 129

أبو الحسن علي بن عيسى بن علي الرُّماني (١)، أخبرني النحوي القاضي أبو سعيد الحسن بن عبد اللَّه بن المرزُبان السِّيرافي، أخبرني أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل البغدادي، الملقب مَبْرَمان، أخبرني أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، وهو أخذ عن أبي عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، وأبي عمر صالح بن إسحاق الجرمي (٢)، وأخذ عن أبي الحسن سعيد بن مَسْعَدَة الأخفش الأوسط، وأخذ عن إمام النحاة أبي بشر عمرو بن عثمان سيبويه، وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء البصري، وأخذ عن نصر بن عاصم الليثي البصري [الذي قيل: إنَّه أول من وضع العربية] (٣)، وهو عن أبي الأسود الدؤلي، وهو عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤). ولنرجع لما كنا فيه. وأكثر ﵁ من التردُّد إلى العراقي المذكور، فقرأ عليه غير ما تقدم - مِنَ الكتب الكبار والأجزاء القصار الكثيرَ، وحمل عنه مِنْ "أماليه" جُملة مستكثرة، واستملى عليه بعضها، وأذِنَ له في تدريس "الألفية" و"شرحها"، و"النكت على ابن الصلاح" وسائر كتب الحديث وعلومه، وإفادتها، ولَقَّبه بالحافظ، وعظَّمه جدًّا، ونوَّه بذكره. وقال: إنه لرغبته في الخير غنِيٌّ عن الوصية، زاده اللَّه علمًا، وفهمًا، ووقارًا، وحلمًا، وسلَّمه حضرًا وسفرًا، وجمع له الخيرات زُمرًا. قلت: وقد استجيب دعاءُ هذا العالم الربانيِّ والقطبِ النورانيِّ، وكان يُحيل في كثيرٍ مما يسأل عنه عليه، وربما كتب إليه بخطه يسأله عمَّا يحتاجُ إلى الوقوف عليه، كما سيأتي ذلك مبيَّنًا في محله. ولازم العلامة إمام الأئمة عز الدين محمد بن أبي بكر بن

стр. 130

عبد العزيز بن محمد بن جماعة في غالب العلوم التي كان يُقرئها من سنة تسعين، إلى أن مات في سنة تسع عشرة في "شرح منهاج البيضاوي"، وفي "جمع الجوامع" و"شرحه" للشيخ، وفي "المختصر الأصلي" لابن الحاجب. والنصف الأول من "شرحه" للقاضي عضد الدين، وفي "المطول" للشيخ سعد الدين، وغير ذلك، وعلق عنه بخطِّه أكثر "شرح جمع الجوامع"، وأفاد فيه كثيرًا، ولم يحدِّث ابن جماعة بشيء من الحديث قبل شيء قرأه عليه صاحبُ الترجمة، وهو الجزء الخامس من "مسند السّراج" في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين، فإنني قرأت بخط صاحب الترجمة: لم يحدِّث شيخنا بشيء قط قبل هذا الأوان. انتهى. وكان ابن جماعة يودُّ صاحبَ الترجمة كثيرًا، ويشهدُ له في غيبته بالتَّقدم ويتأدَّب معه إلى الغاية، ويكتبُ في الاستدعاءات ونحوها تحت خطه، كما رأيت ذلك في استدعاء بخط الشرف المناوي في سنة ثمان عشرة، التمس الإجازة فيه من صاحب الترجمة وغيره من الشيوخ، فكان صاحب الترجمة أوَّل مَنْ كتب. فكتب العزُّ بن جماعة تِلْوَ خطِّه، مع مبالغة شيخنا في تعظيمه، حتى إنَّه كان لا يسمِّيه في غيبته إلا إمام الأئمة. وحضر دروس العلامة همام الدين بن أحمد الخوارزمي، الذي اتَّفق له معه ما يأتي في كائنة الهروي، وسمع من فوائده. ومن قبله حضر دروس العلَّامة العجمي قنبُر بالجامع الأزهر. وكذا حضر دُروس غير واحد، كالدر ابن الطنبذي (١) وابن الصاحب (٢)، والشهاب أحمد بن عبد اللَّه بن حسن البوصيري، وأخذ عن الشيخ جمال الدين عبد اللَّه بن خليل بن يوسف المارديني الحاسب المؤقِّت مِنْ فوائده. لكن ما اقتصرتُ عليه مِنَ الشُّيوخ أعلى وأولى.

стр. 131

ونظر في لغة العرب، ففاق في استحضارها، حتى لقد رأيت النَّواجي يأتي إليه في كلِّ شهر بما يقف عليه مِنْ ذلك وشِبْهِه، فيراجعه فيه، فيزيحُ عنه إشكاله، ويرشده إلى فهمه بديهةً، بحيث يكثر الآن تأسُّفي على عدم ضبط ما كنت أحضرُه من ذلك. وقرأ على شيخه العلامة شيخ الإقراء برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي الفاتحة، ومن أول البقرة إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [آية: ٥]، بالروايات السَّبع، جامعًا لذلك بين طرق (١) الشاطبي و"العنوان" (٢) و"التيسير"، وأذِنَ له الشيخ في الإقراء بذلك، وأشهد على نفسه -على العادة في ذلك- في سنة ست وتسعين وسبعمائة، وأخبره بقراءة هذا القدر المعيَّن على العلامة برهان الدين إبراهيم الجعبري (٣) نزيل بلد الخليل. وبقراءة القرآن جميعه للسبعة أيضًا على العلامة شمس الدين السَّراج والبرهان الحُكري وأبي العباس المرادي وأبي عبد اللَّه الوادي آشي، وللعشرة على سيبويه الزمان أبي حيان، بأسانيدهم التي لا نُطيل بإيرادها. وكان شيخنا جوّده قبل ذلك كما تقدم. وقرأ على العلَّامة أحدِ الأفراد في معناه البدر محمد بن إبراهيم البَشْتكي مجلسًا واحدًا من "مقدمة لطيفة في علم العروض"، وكان السبب في ذلك ما سمعتُه مِنْ شيخنا غيرَ مرة، قال: كنت في أوَّل الأمر أنظم الشعر مِنْ غير تقدم اشتغال في العَروض، فسألني شخص أن يقرأ عليَّ مقدمة في العروض سريعة المأخذِ، وأجبته لذلك، وواعدته ليوم عيَّنتُه له، ثمَّ توجهتُ في الحال مِنْ مصرَ إلى القاهرة، فاجتمعت بصاحبنا البدر البشتكي، وسألته عن مقدمة في ذلك سهلة التَّناول، فأشار إليها، فأخذتها منه، وقرأت عليه منها مجلسًا،

стр. 132

استفدت مه معرفة الفنِّ بكماله، ورجعتُ فأقرأتها السائل، ولم أحتج لقراءة باقيها. هذا معنى ما حكاه. فقد كتبته من حفظي. وكثر انتفاعه به وبكتبه في الأدبيات، ولازمه قديمًا بضع سنين، [بل كان البدرُ يذكر أنه هو المشيرُ عليه في الاشتغال بالحديث] (١)، ثم احتاج البشتكيُّ بعد ذلك للقراءة على صاحب الترجمة في الحديث كما سيأتي. وجَدَّ ﵁ بِهمَّة وافرةٍ وفكرةٍ (٢) سليمة باهرة، في طلب العلوم، منقولها ومعقولها، حتى بلغ الغاية القُصوى، وصار كلامُه مقبولًا عند أرباب سائرِ الطَّوائف، لا يعْدُون مقالته لشدَّة ذكائه وقوَّة باعه، حتى كان حقيقًا بقول القائل: وكان مِنَ العلوم بحيث يُقضى ... له في كلِّ علمٍ بالجميع واجتمع له من الشيوخ الذين يُشار إليهم، ويُعوَّلُ في حلِّ المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحدٍ مِنْ أهل عصره، لأنَّ كل واحدٍ منهم كان متبحِّرًا ورأسًا في فنه الذي اشتهر به، لا يلحق فيه، فالبلقيني في سَعَةِ الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقِّن في كثرة التصانيف، والعراقي في معرفة علم الحديث ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون واستحضارها، والمجد الشيرازي في حفظ اللُّغة واطِّلاعه عليها، والغُمَاري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام، كان حسنَ التَّصرُّف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقًا في حفظها، والأبناسي في حُسن تعليمه وجَوْدَةِ تفهيمه، والعز ابن جماعة في تفنُّنه في علوم كثيرةٍ، بحيث إنه كان يقول: أنا أُقرِىءُ في خمسة عشر علمًا لا يعرف علماءُ عصري أسماءها، والتَّنوخيُّ في معرفته القراءات وعلوِّ سنده فيها. وهم -مع ذلك- في غاية التَّبجيل لصاحب الترجمة، والتكريم والتحرُّز عن مخاطبته بغير تعظيم، بل ربما راجعوه للتفهيم.

стр. 133

وقرأتُ بخط صاحب الترجمة في ترجمة المجد الشيرازي من "ذيله على الحفاظ" ما نصه: وهو آخرُ الرُّؤوس الذين أدركناهم موتًا، فإني أدركت على رأس القرن رؤساء في كلِّ فنٍّ، كالبلقيني، والعراقي، والغماري، وابن عرفة، وابن الملقن، والمجد هذا. قلت: وابنُ عرفة إنَّما أجاز له. واللَّه أسأل أن يعُمَّ الجميعَ بالرحمة، وأن يُلهِمَنا حفظَ الحديث النبوي وفهمه، ويوفقنا لشكر هذه النعمة، إنه قريب مجيب.

стр. 134

[رحلاته] وأما رحلته، فأقول بعد سياق قوله: وإذا الدِّيار تَنكَّرت سافرتُ في ... طلب المعارف هاجرًا لدياري وإذا أقمتُ فمؤنسي كُتبي، فلا ... أنفكُّ في الحالين مِنْ أسفَارِي رحلته إلى قوص: أولُ ما رحل -فيما علمته- في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، إلى قوص وغيرها، من بلاد الصعيد. لكنه لم يستفدْ بها شيئًا مِنَ المسموعات الحديثية، بل لقي جماعة مِنَ العلماء، منهم قاضي "هُو" نور الدين علي بن كريم الدين محمد بن محمد بن النعمان الأنصاري، المتوفى سنة إحدى وثمانمائة لقيه بـ "هُو"، وهي بالقرب مِنْ قُوص الصَّعيد الأعلى، فذكر له أنَّه لقي بعض أصحاب أبي العباس الملثَّم، الذي قيل فيه: إنه عُمِّرَ، وروى عن معمر (١) الذي قل فيه: إنَّه صحابي، وهذا شيءٌ لا يُعتمد عليه، كما صرَّح به شيخنا في ترجمة معمر من "لسان الميزان". وكتب عنه ما حكى عن قاضي قُوص، أنه كان في منزله، فخرج عليه ثُعبان مَهُولُ المنظر، ففزعَ منه، فضربه فقتله، فاحتمل في الحال مِنْ مكانه، ففُقِدَ مِنْ أهله، فأقام مَعَ الجِنِّ إلى أن حملوه إلى قاضيهم، فادَّعى عليه وليُّ المقتول، فأنكر، فقال له القاضي: على أيِّ صورةٍ كان المقتول؟ فقيل: في صورة ثُعبان، فالتفت

стр. 135

القاضي إلى مَنْ بجانبه، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول "من تزيَّا لكم فاقتلوه". وأمر القاضي بإطلاقه، فرجعوا به إلى منزله (١). قلت: وهذه الحكاية عندنا مِنْ طرق، ينتهي كلُّ طريق منها إلى مَنِ اتَّفق له مثلُها أو شبهها. واللَّه أعلم بصحة ذلك. ومنهم عبد الغفار بن أحمد بن عبد الغفار بن نوح، حفيد مصنف "الوحيد في سلوك طريق أهل التوحيد"، وسمع منه عن أبيه عن جده، شيئًا مِنْ خبر أبي العبَّاس الملثم المشار إليه قريبًا. ومنهم ابن السَّراج قاضي قُوص، لقيه بها مع جماعة مِنْ أهل الأدب، سمع مِنْ نظمهم. وبلغني أنه أنشد هناك قوله: نزلتُ في هُوّ بالصَّعيد على (٢) ... قومٍ على النَّاس بالعُلى تاهُو في (٣) بلدة من صلاحهم عَمَرت ... أقول عند أذكارهم: يَاهُو وقوله: وبلدة (٤) الحُسن في الصعيدِ ... وأهلها أكرمُ العبيدِ تَوضَّ منها بجنبِ نهرٍ ... وصَل بالجامع الجديدِ وقوله يمدح ابن النعمان الماضي: الحسن يا للَّه أطيب بلدة ... طابت وطاب مزاجها وخفيقُها وغدا فتى النُّعمان فيها مفردًا ... فكأنما هو للعلوم شقيقُها وسمعت أن شخصًا من أهلها يلقب البُجَّ (٥) استدعاه لمنزله في ضيافة،

стр. 136

وتركه بالمنزل، وخرج لبعض مهماته فأبطأ، فكتب له صاحبُ الترجمة بالحائط: وبلدةٍ لم أجد خِلًّا يُؤانسني ... فيها سوى البُجِّ والأشجان في وقَدِ فقلت: يا قلبُ طِرْ منها تَجِد فَرَجًا ... وأنت يا بُجُّ في حِلٍّ مِنَ البلدِ وترك المنزل وانصرف: قلت: وللبدر الدماميني: يا طالعًا للصعيد يَقصِدُهُ ... لتجتلي العينُ حسنَ مرآهُ دَعْ عنك باللَّه قُوصَهم "وقِنَا" ... فما يَسُرُّ القلوب إلا "هُو" وقوله: يا رب إنا قد أتينا نشتكي ... ما في الصعيد لنا من الأضرارِ فارحم وداركني (١) فقوصُ لحرّها ... تحكي لظًى و"قنا" عذاب النارِ انتهى. ومات ابنٌ لقاضي "هُو" يُكنى أبا العباس، فكتب صاحب الترجمة على قبره: رحم اللَّه أعظُمًا دفنوها ... لك (٢) تحت الثرى أبا العباسِ وسقى المُزنُ ذلك اللَّحد (٣) غيثًا ... غَدَقًا هامِلًا بغير قياسِ قال وهو بالقطيعة من بلاد الصعيد:

стр. 137

لقينا بالقطيعة شرَّ قومٍ ... وأحوالًا بها أمست فظيعة وقطعًا قد تواصل مذ عَشِقْنَا ... فقُلْ ما شئتَ في ذمِّ القطيعة [رحلته إلى الإسكندرية:] ثم رحل في أواخر سنة سبع وتسعين وسبعمائة إلى الإسكندرية، فكان دخوله، إليها يوم الثلاثاء لثلاث بقين مِنْ ذي القعدة منها. وكان قد اجتمع بالعلَّامة شمس الدين ابن الجزري في السنة المذكورة، وحضَّه -لما رأى من نجابته- على الرحلة، لا سيما لدمشق. فأخذ بإسكندرية عن مسندها التاج أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عبد الرزاق بن عبد العزيز بن موسى الشافعي، آخر مَنْ كان يروي بها حديث السِّلفي بالسماع المتصل، وهو ممّن سمع عليه حافظُ الوقت الزين العراقي، وغيره من شيوخ صاحب الترجمة. وسمع بها أيضًا مِنَ التاج أحمد بن محمد بن عبد اللَّه ابن الخَرَّاط، وأحمد بن محمد بن عبد الغني بن شافع الأزلي، ومحمد بن أحمد بن سليمان الفيشي، وناصر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن الموفّق، ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن قِرْطاس، ومحمد بن عبد الرحيم بن عبد الغني الجَزَري، ومحمد بن علي بن أحمد بن البُوري، ومحمد بن محمد بن عد الوهاب بن يفتح اللَّه، ومحمد بن محمد بن محمد بن الحسن (١) التونسي، في آخرين، منهم: أبو الطيب محمد بن أحمد [بن محمد] (٢)، المعروف بابن المصري، وكتب له بخطه أنه صافح الشيخ شهاب الدين الفَرْنوي (٣)، المصافح لشخص من أصحاب الملثم المشار إليه قريبًا.

стр. 138

قال شيخنا: وقد أدركت أنا الفرنوي، لكن لم أدخل الثَّغرَ المذكور إلا بعد وفاته بقليل. وأقام بإسكندرية حتى تمت السنة المذكورة، ودخل في التي تليها عدَّة أشهر، وكان معه قريبه الزين شعبانُ الماضي ذكره، فاشترك معه في الأخذ عَنْ هؤلاء وغيرهم. وممن رافقه في بعض مسموعاته بها: العلامة الشمس بن عمار المالكي، وأثبت له شيخنا مسموعه معه بخطه. وقد رأيت جزءًا سماه "الدرر المضيَّة مِنْ فوائد إسكندرية"، ذكر فيه مسموعه هناك، وما وقع له مِنَ النَّظم والمراسلات، وغير ذلك، ما أحْسَنَ لو كتبتُه ولم أنتقه! ومن جملة ما فيه مِنْ نظمه: رحلتُ إلى الإسكندرية مرةً ... وفارقت مَنْ أهوى فلازمت تبريحي فلا الرمل فيه كان نجمي طالعًا ... ولا التذَّ منِّي الجسم في شارع الرُّوحِ وكذا رأيت أوراقًا مِنْ جزء للسَّفرة التي بعدها: "يا لهفي على رؤية باقيه" والظاهر أنَّ كل سفراته سلك فيها هذه الطريقة. [رحلته إلى الحجاز:] ورجع من إسكندرية، فأقام بمصر إلى يوم الخميس ثاني عشري شوال سنة تسع وتسعين، فظهر منها قاصدًا أرض الحجاز من البحر، فوصل الطُّورَ يوم الأحد ثاني ذي القعدة، فلقي بها مِنْ الفُضلاء راجعًا مِنَ الديار المصرية قاصدًا البلاد اليمنية العلامة نجم الدين أبا علي محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف المصري، ثم المكي، عُرف بالمرجاني، نسبة إلى جدِّ أُمِّه الزاهد الكبير المشهور، فقرأ عليه بساحل الطُّور في خامس

стр. 139

ذي القعدة حديثًا (١). ورافقه في هذه الرحلة قاصدًا المجاورة بمكة المشرّفة الحافظ صلاح الدين أبو الصفاء خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم الأقفهسي الشافعي فاستأنس به، وكذا رافقهما الرضيُّ أبو بكر بن أبي المعالي الزبيدي (٢) القحطاني وغيره، فتزايد الاستئناس، وانتشرت الفوائد الأدبية وغيرُها بينهم. [رحلته إلى اليمن:] وكان مبدأُ السفر في البحر صبيحة يوم السبت ثالث عشر (٣) ذي القعدة، فدخلوا ينبُع يوم الجمعة ثالث عشرة ذي الحجة. وممَّن لقيه بها - لكن ما أتحقق أنه في هذه الخطرة- جار اللَّه بن صالح بن أحمد الشيباني المكِّي، فقرأ عليه بها عدَّة أحاديث من "الترمذي"، وسافروا، فطلع خليل مِنْ جدَّة إلى مكة، وتوجه صاحبُ الترجمة ومَنْ معه إلى بلاد اليمن، فوصلوها في ربيع الأول (٤) من سنة ثمانمائة، فلقي بتعز، وزبيد، وعدن، والمُهجم، ووادي الحصيب، وغيرها غير واحدٍ. وممَّن لقيه بتعز: أبو بكر بن محمد بن صالح بن الخياط، وبزبيد: الشهاب أحمد بن أبي بكر بن علي النّاشري، والعلامة الشرف إسماعيل بن محمد بن أبي بكر بن المقرىء صاحب "عنوان الشرف" و"مختصر الحاوي"، وغير ذلك، وأحسنَ السفارة له عند سلطان بلده. وقال صاحب الترجمة: إنه ما رأى باليمن أذكى منه، [بل نقل بعض الفضلاء عن خط النفيس العلوي، قال: سمعتُ الإمام الحافظ أبا العباس أحمد بن علي

стр. 140

ابن حجر قدم علينا في سنة ثمانمائة، وفي سنة ست وثمانمائة - يقول: ما أعلَمُ أعلَمَ منه، ولا أفصح في الشعر، وهو (يُربِي على أبي الطَّيِّب) (١). قال العلوي: وكذا سمعت شعبان الآثاري يقول ذلك. انتهى] (٢). ولقي بزبيد أيضًا: الوجيه عبد الرحمن بن محمد العلوي، وعبد اللطيف بن أبي بكر الشَّرْجي، والموفق علي بن الحسن بن أبي بكر الخزرجي المؤرخ، والموفق علي بن محمد بن إسماعيل النَّاشري. وبعدن: الرضي أبا بكر بن يوسف بن أبي الفتح بن المستأذن. وأبا المعالي عبد الرحمن بن حيدر بن علي الشِّيرازي. وبالمُهجم: أحمد بن إبراهيم بن أحمد القُوصي، وعلي بن أحمد الصَّنعاني، والقاضي عفيف الدين عبد اللَّه بن محمد النَّاشري. وبوادي الحُصَيب: الجمال محمد بن أبي بكر بن علي المصري أخا (٣) المرجاني الماضي. [اجتماعه بالفيروزآبادي:] واجتمع في زبيد ووادي الحُصيب بالعلامة شيخ اللغويين بلا مدافع، القاضي مجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، فقرأ عليه أشياء، مِنْ جملتها جزءًا التقطه صاحب الترجمة من "المشيخة الفخرية"، فيه أزيد من ثمانين حديثًا مِنَ العوالي، فيها ستة أحاديث موافقات وباقيها أبدال، في ربيع الأول سنة ثمانمائة بزبيد. وتناول منه النصف الثاني من تصنيفه الشهير في اللغة المسمى "بالقاموس المحيط". لتعذُّر (وجود) (٤) باقيه حينئذٍ، وأذن له مع المناولة في روايته عنه.

стр. 141

وفي زبيد وتعز بالإمام محدث اليمن النفيس أبي داود سليمان بن إبراهيم بن عمر العلوي التَّعزي الحنفي، وأخذ عنه غالب مَنْ ذكرنا وغيرهم، واغتبطوا به، واستمدُّوا من فوائده على جاري عوائده. وخرَّج وهو هناك مِنْ مرويات نفسه "الأربعين المهذبة بالأحاديث الملقبة"، إجابة لملتمس ذلك منه، وهو النفيس المذكور، خرَّجها في يوم واحد، وكتب وهو هناك بخطه "التقييد" لابن نقطة في خمسة أيام، و"فضل الربيع في فضل البديع" (١) في يومين، كما سيأتي، وأخذوا عنه "مشيخة الفخر ابن البخاري"، و"المائة العشاريات" لشيخه التنوخي، وغير ذلك، سمع ذلك عليه غيرُ واحدٍ. وكذا حدَّث وهو هناك بكتاب ابن الجزري في الأدعية المسمى "بالحصن الحصين"، وكتب بخطه أوَّل نسخة منه ما نصه: "قال صاحبنا الشيخ الإمام المحدث شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزري الدمشقي حفظه اللَّه"، فحصل للكتاب (٢) في البلاد اليمنية بسبب ذلك رواجٌ عظيم، وتنافسوا في تحصيله وروايته، وذلك قبل دُخول مصنَّفه إليهم، ثم دخل وقد مات كثيرٌ ممّن سمعه على صاحب الترجمة، فسمعه الباقون وغيرهم عليه. وامتدح صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد عليّ. وكان لما سمع بقدوم صاحب الترجمة إلى البلاد اليمنية، خطبه للاجتماع به في زبيد، ففعل ذلك، فأثابه أحسن الإثابة، وعامله بما هو جديرٌ به مِنَ الإجلال والاحتفال، جزاه اللَّه خيرًا. ولقي أيضًا علي بن يحيى الطَّائي الصعدي، عُرف بابن جميع، المفوض إليه أمر عدن، فسُرَّ به كثيرًا، وبالغ في الإحسان إليه، لكونه كان صديقًا لخال صاحب الترجمة قديمًا. واتَّفق أنه بينما هو مع جماعة مِنْ فُضلاء اليمن في مجلس المذاكرة

стр. 142

والمؤانسة، قال بعضُهم: إنَّ في كلام المصريين "اقعدنانَّه قم نانه"، ولا معنى لها، فقال صاحب الترجمة: هذا شيءٌ لا يستعمله الخاصَّة، وأما أنتم لعمومكم يعقِدُ القاف، فقيل: وأنتم تُبدلون الكاف بالهمزة، فقال: وأيضًا هذا لا يستعمله إلا القليل. وأما أنتم فعمومكم يقول عندما يعجب منه "ياه ياه" (يعني بالتفخيم) (١) ولا معنى لها، فقالوا: بل هي لغة، فأنكر عليهم، فسأل عن ذلك المجد (٢) المقدَّمُ ذكره عنها، فقال أيضًا: إنها لغة. قال شيخنا: فوجمت، ثم قلت: فلمن هِيَ؟ فقال: لأهل اليمن، فقلت: فهل هي معتبرة؟ فقال: لا، ولكنهم (٣) لما كثُرت معاشرتهم للأبقار وشرب ألبانها، اكتسبوا النُّطق بها!. ورجع من اليمن -وقد ازدادت معارفه، وانتشرت علومه ولطائفه- صحبة المحمل الذي جهزه الأشرفُ صاحب اليمن إلى مكة، بعد أن كان انقطع من نحو عشرين سنة، مع محمد بن عجلان بن رميثة الحسني، فرافقه شيخُنا، وسَلِمَ مِنَ العطش الذي أصاب أكثر الحج (٤) تلك السَّنة بمرافقته، لأنه سار - (أعني مع غيره) (٥) من جهة، وخالفه أمير الركب فسار من الجهة المعتادة. فلم يجدوا ماءً فهلك أكثرهم. ووصل إلى مكة المشرفة فحجَّ في سنة ثمانمائة، وهذه هي حجة الإسلام، وهي الثالثة، بل الخامسة بالنَّظر لمجاورته مع وصيِّه وأبيه، فإنَّه -كما تقدم- كان وهو مُرَاهِقٌ مجاورًا في سنة ست وثمانين مع وصيه، وقبلها وهو طفل مع والده، ثم حج أيضًا في سنة خمس وثمانمائة، [وكانت الوقفة -كما قرأته بخط الشمس بن عمّار- الجمعة، فإنه كان قد حج فيها أيضًا، وسمع يوم عرفة بها قائلًا يقول: لا إله إلا اللَّه، مات البُلقيني. قال: فلمَّا كنتُ بمنى، أخبرني صاحبنا المحدِّث الفاضل أبو الفضل ابن حجر أنَّه قدِم

стр. 143

مِنَ القاهرة كتابٌ لشخص من تُجَّارها يقال له ابن سلام، وفيه محدثتان طامتان، موت البلقيني -وهي أعظمها- ومحاصرة النصارى للإسكندرية، انتهى] (١) (٢). [رحلته الثانية إلى اليمن:] وجاور (صاحب الترجمة) (٣) بعض سنة ستٍّ، وسافر فيها إلى اليمن، وهي المرة الثانية، فلقي بها أيضًا بعض المذكورين وغيرهم، فحملوا عنه، وحمل عنهم. وفي هذه المرة انصلح المركبُ الذي كان فيه، فغرق جميعُ ما معه مِنَ الأمتعة والنَّقدِ والكتب، ثم يسر اللَّه تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام ببعض الجزائر هناك أيامًا. وصُولح عما جرت العادة بأخذه مما يطلع بعد الغرَق بمالٍ كثير جدًّا، بحيث يتعجب من كثرة أصله، وكُتب محضرٌ بذلك حسبما رأيته، لكن غاب عنِّي ضبطُ ما فيه. وكان مِنْ جُملة الكتب التي غرقت مما هو بخطه: "أطراف المزي"، و"أطراف مسند أحمد"، و"أطراف المختارة"، كلاهما من تصنيفه، وكذا "ترتيب" كل من "مسندي الطيالسي" و"عبد". وكان شيخنا يحكي لنا عن بعض رفقته -ويسميه (٤) - أنَّه دخل عليه مرَّة، نصار يستعرض كتبه، ويتعجب مِنْ كثرة ما فيها بخطه، قال: والظاهر أنَّ غرقها كان من إصابته فلله الأمر، وهو المحمود على كل حال. وكان من جملة الذهب العين -فيما قيل- سبعة آلاف مثقال أو أكثر

стр. 144

مِنَ الذَّهب المصري وديعة لابن مسلم. ولذلك تجشَّم شيخُنا المشقة، حيث أقام على التماسها في البحر مدة حتى أخرجت. واغتصب منها الظلمةُ بعض ما جرت عادتهم به كما أشير إليه، وتبضَّع بالبقية، ورجع بذلك، فتسلم البضائه مستحقُّها بالقاهرة، وهي ببركة الوديع تزيد على رأس المال. وكانت كتابة المحْضَر (١) لأجل المالك، ووقع الإشهاد بذلك عليه، وببراءة الوديع. وقد اتفق له بعد ذلك، وهو راجع من بلد الخانقاه الركنية، أنه سقط مِنْ تحته بعضُ ألواح المركب، فسقط في البحر الحُلو بثيابه، وكان إذ ذاك بطليلسان، فسارع أهْل المركب لطلوعه، ولم يكن يُحسن السباحة. ووصل إلى بلده سالمًا، فصعد إلى المؤيَّد للسلام عليه وهو بطيلسانه. فسأله: ما لك مُتَطيلسًا؟ فحكى له ما قدَّمته، وأشار إلى أن سببه الآن بعض التَّوعك، فقال له: الطيلسان دلاعة أو سماجة، أو كما قال. قال شيخنا: فمِنْ ثَمَّ ما تطيلست إلى الآن، يعني في مرض موته الذي سمعنا فيه هذه الحكاية. وكل هذا ليعظم الأجر له. فالأجر على قدر النَّصَب. ولما رجع من اليمن - بعد أن أهدى في إحدى المرتين لسلطانها إذ ذاك نسخة من "خريدة القصر" للعماد الكاتب بخط الكمال ابن الفوطي في أربعة مجلدات القطع الكبير، فأثابه عليها ثوابًا جزيلًا جدًّا. وكذا أهدى لملكها الأشرف الماضي "تذكرته الأدبية" بخطه في أربعين مجلدًا لطافًا، بمكة الآن منها نحو العشرين. حج أيضًا فيما أظن، وعاد إلى جدة، وقرأ بها في المحرم سنة سبع على أبي المعالي عبد الرحمن بن حيدر الشيرازي الماضي أحاديث عشرة، انتقاها من "أربعين الحاكم". ثم سافر إلى بلده، فأقام بها على عادته الجميلة، ثم حج أيضًا في سنة خمس عشرة وثمانمائة. وكتب إليه الحافظ جمال الدين محمد (٢) بن موسى المراكشي في أوائل العشر الأخير من ذي القعدة منها، وهما بدرب الحجاز في ينبع لغزًا يأتي في محله.

стр. 145

ثم الأخيرة، وهي في سنة أربع وعشرين، وتأخر في هذه بالقاهرة بعد خروج الحاجِّ عشرة أيام أو أكثر. ثم توجه على الرواحل هو وصهرُه القاضي محب الدين ابن الأشقر، وقريبه الزين شعبان، فأدركوا الرَّكبَ بالقُرب من الحوراء، فرافقوهم إلى مكة، وكانت الوقفة الجمعة، فحجُّوا ثم عادوا صحبتهم. وكان مقيمًا في هذه المرة بالمدرسة الأفضلية، أنزله بها قاضي مكة المحبُّ بن ظهيرة، وبها سمع على ابن طولوبغا الآتي قريبًا، وقال في مرة من هذه المرات في شهاب الدين بالوجه (١) من طريق الحجاز لأمر اقتضاه: شهاب العُلا والدين والرأي لا أرى ... لمجدِكَ في هذا الورى مِنْ مُشارِكِ لحقتَ على "الوجه" الذين تقدَّموا ... بلا تعب في سيرك المَتدَارِكِ وأشرق مثل (٢) البدرِ وجهُك بيننا ... فقلت: لقد فُزنا بوجهٍ مبارَكِ [من لقيهم من العلماء بمكة والمدينة:] ولقي بمكة وبمنى والمدينة النبوية، في كل مرة، جمعًا مِنَ العلماء والمسندين، فكان ممّن لقيه بمكة جماعة؛ منهم: البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن صدِّيق، والعلامة الزين أبو بكر بن الحسين المراغي، والمحدِّث المكثر الشمس أبو عبد اللَّه محمد بن علي بن محمد بن ضرغام بن سُكَّر، وأبو الطيب محمد بن عمر بن علي السُّحُولي، وإمام المقام أبو اليُمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبري، والحافظ أبو حامد بن ظهيرة الماضي، وست الكل ابنة الزين أحمد بن محمد القسطلاني، وأبو الخير خليل بن هارون الجزائري، وظهيرة بن حسين بن علي المخزومي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن سلامة.
следующие страницы →