← Тараджим

Тараджим · id 17372

الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر

السخاوي

Полный текст (1 240 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفي زبيد وتعز بالإمام محدث اليمن النفيس أبي داود سليمان بن إبراهيم بن عمر العلوي التَّعزي الحنفي، وأخذ عنه غالب مَنْ ذكرنا وغيرهم، واغتبطوا به، واستمدُّوا من فوائده على جاري عوائده. وخرَّج وهو هناك مِنْ مرويات نفسه "الأربعين المهذبة بالأحاديث الملقبة"، إجابة لملتمس ذلك منه، وهو النفيس المذكور، خرَّجها في يوم واحد، وكتب وهو هناك بخطه "التقييد" لابن نقطة في خمسة أيام، و"فضل الربيع في فضل البديع" (١) في يومين، كما سيأتي، وأخذوا عنه "مشيخة الفخر ابن البخاري"، و"المائة العشاريات" لشيخه التنوخي، وغير ذلك، سمع ذلك عليه غيرُ واحدٍ. وكذا حدَّث وهو هناك بكتاب ابن الجزري في الأدعية المسمى "بالحصن الحصين"، وكتب بخطه أوَّل نسخة منه ما نصه: "قال صاحبنا الشيخ الإمام المحدث شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزري الدمشقي حفظه اللَّه"، فحصل للكتاب (٢) في البلاد اليمنية بسبب ذلك رواجٌ عظيم، وتنافسوا في تحصيله وروايته، وذلك قبل دُخول مصنَّفه إليهم، ثم دخل وقد مات كثيرٌ ممّن سمعه على صاحب الترجمة، فسمعه الباقون وغيرهم عليه. وامتدح صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد عليّ. وكان لما سمع بقدوم صاحب الترجمة إلى البلاد اليمنية، خطبه للاجتماع به في زبيد، ففعل ذلك، فأثابه أحسن الإثابة، وعامله بما هو جديرٌ به مِنَ الإجلال والاحتفال، جزاه اللَّه خيرًا. ولقي أيضًا علي بن يحيى الطَّائي الصعدي، عُرف بابن جميع، المفوض إليه أمر عدن، فسُرَّ به كثيرًا، وبالغ في الإحسان إليه، لكونه كان صديقًا لخال صاحب الترجمة قديمًا. واتَّفق أنه بينما هو مع جماعة مِنْ فُضلاء اليمن في مجلس المذاكرة

стр. 142

والمؤانسة، قال بعضُهم: إنَّ في كلام المصريين "اقعدنانَّه قم نانه"، ولا معنى لها، فقال صاحب الترجمة: هذا شيءٌ لا يستعمله الخاصَّة، وأما أنتم لعمومكم يعقِدُ القاف، فقيل: وأنتم تُبدلون الكاف بالهمزة، فقال: وأيضًا هذا لا يستعمله إلا القليل. وأما أنتم فعمومكم يقول عندما يعجب منه "ياه ياه" (يعني بالتفخيم) (١) ولا معنى لها، فقالوا: بل هي لغة، فأنكر عليهم، فسأل عن ذلك المجد (٢) المقدَّمُ ذكره عنها، فقال أيضًا: إنها لغة. قال شيخنا: فوجمت، ثم قلت: فلمن هِيَ؟ فقال: لأهل اليمن، فقلت: فهل هي معتبرة؟ فقال: لا، ولكنهم (٣) لما كثُرت معاشرتهم للأبقار وشرب ألبانها، اكتسبوا النُّطق بها!. ورجع من اليمن -وقد ازدادت معارفه، وانتشرت علومه ولطائفه- صحبة المحمل الذي جهزه الأشرفُ صاحب اليمن إلى مكة، بعد أن كان انقطع من نحو عشرين سنة، مع محمد بن عجلان بن رميثة الحسني، فرافقه شيخُنا، وسَلِمَ مِنَ العطش الذي أصاب أكثر الحج (٤) تلك السَّنة بمرافقته، لأنه سار - (أعني مع غيره) (٥) من جهة، وخالفه أمير الركب فسار من الجهة المعتادة. فلم يجدوا ماءً فهلك أكثرهم. ووصل إلى مكة المشرفة فحجَّ في سنة ثمانمائة، وهذه هي حجة الإسلام، وهي الثالثة، بل الخامسة بالنَّظر لمجاورته مع وصيِّه وأبيه، فإنَّه -كما تقدم- كان وهو مُرَاهِقٌ مجاورًا في سنة ست وثمانين مع وصيه، وقبلها وهو طفل مع والده، ثم حج أيضًا في سنة خمس وثمانمائة، [وكانت الوقفة -كما قرأته بخط الشمس بن عمّار- الجمعة، فإنه كان قد حج فيها أيضًا، وسمع يوم عرفة بها قائلًا يقول: لا إله إلا اللَّه، مات البُلقيني. قال: فلمَّا كنتُ بمنى، أخبرني صاحبنا المحدِّث الفاضل أبو الفضل ابن حجر أنَّه قدِم

стр. 143

مِنَ القاهرة كتابٌ لشخص من تُجَّارها يقال له ابن سلام، وفيه محدثتان طامتان، موت البلقيني -وهي أعظمها- ومحاصرة النصارى للإسكندرية، انتهى] (١) (٢). [رحلته الثانية إلى اليمن:] وجاور (صاحب الترجمة) (٣) بعض سنة ستٍّ، وسافر فيها إلى اليمن، وهي المرة الثانية، فلقي بها أيضًا بعض المذكورين وغيرهم، فحملوا عنه، وحمل عنهم. وفي هذه المرة انصلح المركبُ الذي كان فيه، فغرق جميعُ ما معه مِنَ الأمتعة والنَّقدِ والكتب، ثم يسر اللَّه تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام ببعض الجزائر هناك أيامًا. وصُولح عما جرت العادة بأخذه مما يطلع بعد الغرَق بمالٍ كثير جدًّا، بحيث يتعجب من كثرة أصله، وكُتب محضرٌ بذلك حسبما رأيته، لكن غاب عنِّي ضبطُ ما فيه. وكان مِنْ جُملة الكتب التي غرقت مما هو بخطه: "أطراف المزي"، و"أطراف مسند أحمد"، و"أطراف المختارة"، كلاهما من تصنيفه، وكذا "ترتيب" كل من "مسندي الطيالسي" و"عبد". وكان شيخنا يحكي لنا عن بعض رفقته -ويسميه (٤) - أنَّه دخل عليه مرَّة، نصار يستعرض كتبه، ويتعجب مِنْ كثرة ما فيها بخطه، قال: والظاهر أنَّ غرقها كان من إصابته فلله الأمر، وهو المحمود على كل حال. وكان من جملة الذهب العين -فيما قيل- سبعة آلاف مثقال أو أكثر

стр. 144

مِنَ الذَّهب المصري وديعة لابن مسلم. ولذلك تجشَّم شيخُنا المشقة، حيث أقام على التماسها في البحر مدة حتى أخرجت. واغتصب منها الظلمةُ بعض ما جرت عادتهم به كما أشير إليه، وتبضَّع بالبقية، ورجع بذلك، فتسلم البضائه مستحقُّها بالقاهرة، وهي ببركة الوديع تزيد على رأس المال. وكانت كتابة المحْضَر (١) لأجل المالك، ووقع الإشهاد بذلك عليه، وببراءة الوديع. وقد اتفق له بعد ذلك، وهو راجع من بلد الخانقاه الركنية، أنه سقط مِنْ تحته بعضُ ألواح المركب، فسقط في البحر الحُلو بثيابه، وكان إذ ذاك بطليلسان، فسارع أهْل المركب لطلوعه، ولم يكن يُحسن السباحة. ووصل إلى بلده سالمًا، فصعد إلى المؤيَّد للسلام عليه وهو بطيلسانه. فسأله: ما لك مُتَطيلسًا؟ فحكى له ما قدَّمته، وأشار إلى أن سببه الآن بعض التَّوعك، فقال له: الطيلسان دلاعة أو سماجة، أو كما قال. قال شيخنا: فمِنْ ثَمَّ ما تطيلست إلى الآن، يعني في مرض موته الذي سمعنا فيه هذه الحكاية. وكل هذا ليعظم الأجر له. فالأجر على قدر النَّصَب. ولما رجع من اليمن - بعد أن أهدى في إحدى المرتين لسلطانها إذ ذاك نسخة من "خريدة القصر" للعماد الكاتب بخط الكمال ابن الفوطي في أربعة مجلدات القطع الكبير، فأثابه عليها ثوابًا جزيلًا جدًّا. وكذا أهدى لملكها الأشرف الماضي "تذكرته الأدبية" بخطه في أربعين مجلدًا لطافًا، بمكة الآن منها نحو العشرين. حج أيضًا فيما أظن، وعاد إلى جدة، وقرأ بها في المحرم سنة سبع على أبي المعالي عبد الرحمن بن حيدر الشيرازي الماضي أحاديث عشرة، انتقاها من "أربعين الحاكم". ثم سافر إلى بلده، فأقام بها على عادته الجميلة، ثم حج أيضًا في سنة خمس عشرة وثمانمائة. وكتب إليه الحافظ جمال الدين محمد (٢) بن موسى المراكشي في أوائل العشر الأخير من ذي القعدة منها، وهما بدرب الحجاز في ينبع لغزًا يأتي في محله.

стр. 145

ثم الأخيرة، وهي في سنة أربع وعشرين، وتأخر في هذه بالقاهرة بعد خروج الحاجِّ عشرة أيام أو أكثر. ثم توجه على الرواحل هو وصهرُه القاضي محب الدين ابن الأشقر، وقريبه الزين شعبان، فأدركوا الرَّكبَ بالقُرب من الحوراء، فرافقوهم إلى مكة، وكانت الوقفة الجمعة، فحجُّوا ثم عادوا صحبتهم. وكان مقيمًا في هذه المرة بالمدرسة الأفضلية، أنزله بها قاضي مكة المحبُّ بن ظهيرة، وبها سمع على ابن طولوبغا الآتي قريبًا، وقال في مرة من هذه المرات في شهاب الدين بالوجه (١) من طريق الحجاز لأمر اقتضاه: شهاب العُلا والدين والرأي لا أرى ... لمجدِكَ في هذا الورى مِنْ مُشارِكِ لحقتَ على "الوجه" الذين تقدَّموا ... بلا تعب في سيرك المَتدَارِكِ وأشرق مثل (٢) البدرِ وجهُك بيننا ... فقلت: لقد فُزنا بوجهٍ مبارَكِ [من لقيهم من العلماء بمكة والمدينة:] ولقي بمكة وبمنى والمدينة النبوية، في كل مرة، جمعًا مِنَ العلماء والمسندين، فكان ممّن لقيه بمكة جماعة؛ منهم: البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن صدِّيق، والعلامة الزين أبو بكر بن الحسين المراغي، والمحدِّث المكثر الشمس أبو عبد اللَّه محمد بن علي بن محمد بن ضرغام بن سُكَّر، وأبو الطيب محمد بن عمر بن علي السُّحُولي، وإمام المقام أبو اليُمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبري، والحافظ أبو حامد بن ظهيرة الماضي، وست الكل ابنة الزين أحمد بن محمد القسطلاني، وأبو الخير خليل بن هارون الجزائري، وظهيرة بن حسين بن علي المخزومي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن سلامة.

стр. 146

وممن لقيه بمنى: المراغي المذكور، فقرأ عليه بها أيضًا ثاني "الطهارة" للنسائي، وكذا أخذ عنه أيضًا، وعن العَلَم أبي (١) الربيع سليمان بن أحمد بن عبد العزيز الهلالي، والزين عبد الرحمن بن علي بن يوسف الزرْنَدي أخذ عنه "مسلسل التّمر" بالمدينة (٢)، قال صاحب الترجمة: ولم أضبط ذلك عنه. ومحمد بن معالي بن عمر بن عبد العزيز (بن سَنَد) (٣) الحراني الحنبلي، وآخرين بالمدينة الشريفة. واجتمع به في سنة خمس عشرة هناك جماعةٌ مِنْ فضلاء مكة وأعيانها، فقرؤوا عليه، وحملوا عنه بعض تصانيفه وغيرها، وأذن لهم بالرواية عنه، وكذا أخذوا عنه في المرة التي بعدها "المسلسل بالأولية"، وبعضًا من ترجمة البخاري التي ذكرها في مقدمة "شرحه"، وقصيدته التي أولها: ما دمت في سفن الهوى تجري بي وذلك بمجلس عبد اللَّه بن عباس ﵄ بالسبيل المنسوب الآن لجقمق، الملاصق لبئر زمزم مِنَ المسجد الحرام، وهو تُجاه الحجر الأسود. وحضر جمعٌ كثيرٌ مِنْ قضاة مكة وأعيانها وطلبتها، وأرشدهم حيئنذٍ إلى المسنِد الرُّحَلَة زين الذين عبد الرحمن بن محمد بن طولوبغا السيفي التّنكَزي، وكان قد حج أيضًا، فأخذوا عنه أشياء مِنْ مروياته. وكذا سُمِعَ هو عليه، وحدث في هذه المرة أيضًا في أيام التَّشريق بمنى "بجزء" من تصانيفه في الحج، و"بالأربعين المتباينة"، و"تخريج الأربعين النووية"، والكلام على "حديث القضاة"، كلها من تخريجه. وقرأ بخُليص مِنْ أرض الحجاز على الشمس محمد بن أحمد بن محمد القزويني، ثم المصري الصوفي، أحاديث عن مظفر الدين العسقلاني من "الترمذي" وغيره.

стр. 147

ولمَّا رجع مِنْ حجة الإسلام إلى بلده في سنة إحدى وثمانمائة، جدَّ في استكمال ما بَقِيَ عليه مِنْ مسموع القاهرة ومصر. وفي شيوخه ومسموعه بهما كثرة. وممَّن أخذ عنه بمصر: النجم محمد بن علي بن محمد بن عقيل البالسي الماضي، والفخر أبو اليمن محمد بن محمد بن محمد بن أسعد القاياتي، والنجم عبد الرحيم بن رزين السابق، والمحب محمد بن يحيى بن عبد اللَّه بن الوحْدِيّة. وعثمان بن محمد بن وجيه الشِّيشيني (١) وأحمد بن الحسن البَيْدقِي أمين الحكم بمصر، وأبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن خواجا الحموي الأصل. وبالقاهرة: أبو إسحاق التنوخي، وأبو الفرج بن الشيخة، وعبد الواحد الصُّرَدي الماضي ذكرهم، وإبراهيم بن داود الآمدي وأبو المعالي الحلاوي، وأبو العباس السويداوي، وأبو العباس الجوهري، والجمال عبد اللَّه بن محمد الرَّشيدي والصَّدر محمد بن إبراهيم المناوي، والمجد إسماعيل بن إبراهيم الحنفي، وخلق. وسأسرد أسماء شيوخه بالسماع والإجازة بعد، إن شاء اللَّه تعالى. وسمع بالجيزة (٢) على الصلاح أبي علي الزفتاوي الماضي. ومنها توجه إلى الأهرام التي حارت الأفكارُ في شأنها، وتكلَّم الناسُ فيها نظمًا ونثرًا، كما كتبت بعض ذلك في "المجموع السابع والتسعين". فصعد أعلاه، ودخل المكان الذي بأسفله، وفي الوصول إليه خطرٌ، لكونه لا يُتمكَّن في أول دخوله إلا بالمرور على بطنه كالحيات والهوام والحيتان، ولا يأمن حينئذٍ مِنْ حيةٍ وغيرها في مروره. وقد اقتديتُ به في ذلك وقرأت بأعلاه شيئًا مِنَ القرآن والحديث وكتبت عن البقاعي قصيدةً يقول فيها:

стр. 148

إنَّا بَنُو حسنٍ والناسُ تعرفنا ... وقتَ النِّزالِ وأُسدُ الحرب في حنق كم جُبْتُ قفرًا ولم يسلك به بشرٌ ... غيري ولا أنيسيَ إلا السيفُ في عُنقي [بل حدثت أنا أعلاه] (١). وكذا سمع صاحب الترجمة بالقرافة على الشهاب أحمد بن محمد بن الناصح، وبجزيرة الفيل على شيخه حافظ الوقت العراقي، وبإنبابه على ولده العلامة الولي العراقي. [رحلته إلى الشام] ثمّ لمَّا أشرف على الاستيفاء، وحصول الاستيعاب لما أمكن بالدِّيار المصرية، وقع الرحيلُ إلى البلاد الشامية للأخذ عمَّن بها وكان ظهوره من القاهرة في عصر يوم الاثنين ثالث عشري شعبان سنة اثنتين وثمانمائة، وصُحبته قريبةُ الزين شعبان أيضًا، والتقيُّ الفاسيُّ الحافظ. فسمع بسرياقوس وقطية، وغزة، ونابلس والرملة، وبيت المقدس، والخليل، ودمشق، والصالحية، وغيرها مِنَ البلاد والقرى، كالنَّيرب والزُّعيفرينة ما لا يوصف، ولا يدخل تحت الحصر كثرة، على أُمم كثيرة. وكان ممّن لقيه بسرياقوس: قاضيها العالم الخَيِّر (٢) صدر الدين سليمان الإبشيطي الشافعي الماضي، فأخذ عنه "جزء البطاقة" ومنتقى من "جزءِ الأنصاري" في يوم الثلاثاء رابع عشري شعبان، وسمع في غير هذه الخطرة بالمرج على أبي الطَّيِّب محمد بن أبي (٣) الزين القيرواني المغربي المالكي حديثًا. وممن أخذ عنه وهو ذاهب في رحلته إلى دمشق بقطية صاحبه ورفيقُه

стр. 149

في (١) الرحَلَة المحدثُ الحافظ التقيُّ محمد بن أحمد (بن علي) (٢) الفاسي المكي. وبغزة (٣) الإمام الشهاب أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي، والعلامة أُعجوبة الزمان برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر الغزّي، عرف بابن زُقَّاعَة. كتب عنه من نظمه. وبنابلس: إبراهيم وعلي ابنا محمد بن إبراهيم بن العفيف، وأحمد بن محمد بن عبد القادر، وأبو بكر بن علي بن أبي بكر بن الحكم، وعيسى بن علي بن محمد بن غانم المقدسي. وبالرملة: الإمام الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسين، مهندس الحرم أبوه، عرف بابن زَغْلِش، وعبد اللَّه بن سليمان بن عبد اللَّه الإجاري ثم المقدسي المالكي. وببيت المقدس: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، وإمام الأقصى الشهاب أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن مُثبِّت المالكي، والقاضي الإمام الشهاب أحمد بن ناصر بن خليفة الباعُوني الشافعي، وأبو بكر بن عثمان بن خليل الحوراني الحنفي، والحسن بن موسى بن إبراهيم بن مكي، وصالح بن خليل بن سالم الغزي الشافعيان، وإمام قبة الصخرة عبد الرحمن بن محمد بن حامد، وعبد الهادي بن عبد اللَّه البسطامي وغزال ابنة عبد اللَّه القلقشندية، ومولاها الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل بن علي القلقشندي، ومحمد بن عمر بن عيسى البصروي ابن القرع، ومحمد بن محمد بن محمد بن علي بن خطاب بن اليُسر المؤذن. وبالخليل: عن محمد بن محمد بن علي بن يحيى المَنِيِحي الحنفي. وبدمشق وصحاليتها: من خلائق مِنْ أصحاب أبي العباس أحمد بن أبي

стр. 150

طالب الحجَّار؛ ومَنْ قبلَه، مثل: القاسم بن عساكر، وأبي عبد اللَّه بن الزَّراد، ونحوهما بالسَّماع المتصل. والقاضي سليمان بن حمزة، ونحوه بالإجازة. ووصَّلَ هناك -على جاري عادته- مِنَ الكتب الكبار والأجزاء القصار (١) وغيرهما أشياء كثيرة جدًّا، كانت قد انقطعت مِنْ مُدَدٍ متطاولة، واحتج في وصلِها للقراءة بتوالي ثلاث أجائز، وربما توالي أكثر مِنْ ذلك. وقد وقع للحافظ عبد القادر الرُّهاوي في كتاب "الأربعين الكبرى" التي خرَّجها لنفسه أنه والى بين خمس (٢) أجائز؛ فروى في الجزء الثالث منها أثرًا بالإجازة عن الحافظ أبي موسى المديني، عن أبي منصور بن خيرون، بالإجازة عن أبي محمد الجوهري، بالإجازة عن أبي الحسن الدارقطني، بالإجازة عن أبي حاتم بن حبَّان البُستي بالإجازة. قال: سمعتُ. . . فذكر أثرًا. وهذا مِنَ "الضُّعفاء" لابن حبان. وكثيرًا ما يروي ابن الجوزي في "العلل المتناهية" له عن ابن خيرون إجازة بهذا السَّند من هذا الكتاب. وقد سأل شيخُنا شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي -رحمهما اللَّه-: أيُّما أولى أن يروى الشخصُ بأجائز متوالية، أو بإجازة عامة؟ فقال: بأجائز متوالية. قال: فقلت له: لأنَّ القول بإبطال الإجازة شاذٌّ، والقول بصحة الإجازة العامة شاذ. وإذا قلنا بالقول الصحيح بصحة الإجازة، كانت الإجازة على الإجازة أقوى؟ فقال: نعم. وقرر ذلك. انتهى. وفي شيوخه (٣) بها أيضًا ومسموعه كثرة. وشيوخه مطلقًا من حيث العلو (٤) تنقسم إلى مرات: المرتبة الأولى: أصحاب التقي سليمان وأبي الحسن الواني وأبي النون

стр. 151

الدبوسي، وعيسى المطعم والقاسم بن عساكر، وأبي العباس بن الشِّحنة ونحوهم. الثانية: أصحاب (أصحاب) (١) السلفي وشُهدة بالسماع المتصل، أو بإجازة خاصة. الثالثة: أصحاب (أصحاب) (٢) ابن عبد الدائم والنجيب ونحوهما، كابن عُلَاق وغيره. الرابعة: أصحاب أصحاب الفخر ابن البخاري، وابن القوّاس والآبْرقُوهي، ونحوهم ممن كان يمكن صاحب الترجمة مساواتهم في الأخذ ولو بالإجازة. ومن شيوخه بدمشق وصالحيَّتها: محمد بن محمد بن (محمد بن) (٣) أحمد بن منيع، ومحمد بن محمد بن محمد بن عمر بن قوام، وأحمد بن آقبرس بن بُلْغَاق، وأبو بكر بن إبراهيم بن العز الفرائضي، وأبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي بكر بن عبد الهادي، وأبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن عبد الحق، وأحمد بن علي بن يحيى الحسني، وفاطمة وعائشة ابنتا محمد بن عبد الهادي، وفاطمة ابنة محمد بن المُنَجَّا، وخديجة ابنة إبراهيم البعلبكية، وعبد القادر بن إبراهيم الأرموي، وعبد القادر بن محمد بن علي سِبْط الذَّهبي، وحفيد جده محمد بن عبد الرحمن بن الذهبي. وعبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن عُبيد اللَّه بن قُدامة. وبالزعيفرينة من أبي العباس أحمد بن إسماعيل بن خليفة الحُسباني. وبالنيرب: مِنَ المحدث البدر أنس بن علي الأنصاري، والزين أبي هريرة عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد الحنفي بن الكفري. وكان ﵀ رحل قصدًا إلى بيت المقدس، ليأخذ عن الشهاب

стр. 152

أبي الخير أحمد ابن الحافظ الكبير الصلاح أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، لكونه صار رُحلَةَ تلك البلاد، ومعظم السَّبب في التوجه إليه ظهورُ سماعه في "ابن ماجه" على الحجَّار، فبلغته وفاتُه وهو بالرَّملة، فعرَّج عَن القدس إلى دمشق، لكنه كان قرأ الكتاب المذكور على بعض مَنْ سمع على الحجَّار في الجملة. وكانت سلفت له من ابن العلائي إجازة، فتلفق وصار بمنزلة السَّماع، لكونه سماعًا عن إجازة، وإجازة عن سماع. ثم إنه لم يدخل بيت المقدس إلا بعد انتهاء أربه من دمشق، لكونها بعد فوات ابن العلائي أهمُّ. وكذا لم يسمع بنابلس إلا بعد رجوعه. ومن نابلس توجه إلى بيت المقدس، وهي طريقٌ وعِرَة، اتَّفق مروري بها وكذلك (١) قال، كما سمعته من لفظه: إلى البيت المُقدَّسِ جئت أرجو ... جنانَ الخُلدِ نُزْلًا مِنْ كريمِ قطعنا في مسافته عقابًا ... وما بعد العِقابِ سوى النَّعيمِ وكان دخوله إلى الشام في حادي عشري رمضان سنة اثنتين، فنزل فيها على صاحبه الصدر علي بن محمد بن محمد بن الأدمي، لِمَا كان بينهما مِنَ المودَّة، وأقام بها مائة يوم، آخرها أول يوم مِنَ المحرم سنة ثلاث وثمانمائة، ووجد هناك رفيقه الحافظ صلاح الدين خليل الأقفهسي. وحصل له في هذه المدة مع قضاء أشغاله ما بين قراءة وسماع من الكتب المجلدات، خاصة من "المعجم الأوسط" للطبراني ثلاثة، ومن "الكبير" مجلد، و"الصغير" بتمامه في مجلد. ومن "الدُّعاء" له مجلد. و"المعرفة" لابن مَنْدَه في أربعة، و"السنن" للدارقطني في اثنين، و"مسند مسَدَّد"، و"الموطأ" لأبي مصعب كل واحد منهما في مجلد، ومن كل كتاب من "صحيحي" ابن خزيمة وابن حبَّان مجلد، ومن "المختارة" للضياء خمسة.

стр. 153

ومن "الاستيعاب" لابن عبد البر واحد، و"الطَّهور" لأبي عبيد، و"الذِّكر" لجعفر الفريابي، و"فضائل الأوقات" للبيهقي، و"الإيمان" لابن منده. و"مكارم الأخلاق" للخرائطي كل واحد من هذه الكتب في مجلد. ومن "مسند الدارمي" مجلد، وقطعة من "مساوىء الأخلاق" للخرائطي، و"الخراج" ليحيى بن آدم، و"مشيخة الباغبان"، و"الشمائل" للترمذي، و"الأدب" للبيهقي، و"علوم الحديث" للحاكم، و"الإرشاد" للخليلي، و"حديث قُتيبة" للعيار، و"اختلاف الحديث" لابن قتيبة، و"آداب الحكماء"، و"ذم الكلام" للهروي، و"السنن" للشافعي رواية ابن عبد الحكم، و"غرائب شعبة" لابن منده، كل واحد مِنْ هذه الكتب في مجلد. ومن "مشيخة مسعود الثقفي" مجلد، ومن "مسند أبي يَعْلى الموصلي" مجلد، و"الكنجروذيات" في نسختين مجلد. فمن هذه الكتب ما يكون مجلدةً ضخمةً، ومنها ما يكون مجلدةً لطيفةً، فتكون نحو الثلاثين مجلدًا ضخمة، تكون نحو أربعمائة وخمسين جزءًا حديثية، خارجًا عن الأجزاء الحديثية، وهي تزيد على هذا المقدار (١). هذا وهو قد علَّق ﵁ في غضون هذه المدة بخطه مِنَ الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والتتمات التي يُلحقها في تصانيفه ونحوها ثمان مجلدات فأكثر. وطرَّف كتاب "المختارة" للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في مجلد ضخم، لو لم يكن له عمل في طول هذه المدة إلا هي، لكانت كافيةً في جلالته. [الأمور المساعدة على طلب العلم] وأعانه على كل هذا أمور يسرها اللَّه تعالى له قلَّ أن تجتمع في غيره. منها: سرعة القراءة الحسنة.

стр. 154

فقد قرأ "السنن" لابن ماجه، في أربعة (١) مجالس. وقرأ "صحيح مسلم" بالمدرسة المنكوتمرية على مسنِد مصر الشرف أبي الطاهر محمد بن العز محمد (٢) بن الكُويك الرَّبعي، في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء، فإنه كان الجلوس مِنْ بُكرة النَّهار إلى الظهر، وحدثهم القارىء به عَن محمد بن ياسين الجزولي، وعن المفتي الشهاب أحمد بن أبي بكر بن العز الصالحي الحنبلي إذنًا منهما، برواية الأول عَنِ الشَّريف أبي طالب الموسوي حضورًا وإجازة، والثاني: عن القاضي سليمان بن حمزة إجازة بسندهما. وانتهى ذلك في يوم عرفة، وكان يوم الجمعة سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. وجرت يوم الختم لطيفة، وهو أن الضابط للجماعة، وكان شيخنا الحافظ أبا النعيم رضوان العقبي المستملي ﵀ التمس منه بعد الختم إعادة بعض أفوات من أول الكتاب، فأجابه لذلك، وشرع في القراءة، فكان كلَّما رامَ الوقوفَ، يقولُ له الضابطُ: وأيضًا، وأيضًا، وأيضًا، وهو يقرأ، إلى أن مرَّ -وقد تعب القارىء- قوله في الحديث: "واللَّه لا أزيدُ على هذا ولا أنقُص". فأغلق الكتاب، وأقسم أيضًا أنه لا يزيد على ما قرأ (٣) ولا ينقُص. [قلت: وما وقع لصاحب الترجمة في قراءة "صحيح مسلم" أجلُّ ممَّا وقع لشيخه المجد اللغوي صاحب "القاموس"، فإنه قرأه بدمشق بين بابي الفرج والنصر تُجاه نعل النبي ﷺ على ناصر الدين أبي عبد اللَّه محمد بن جَهْبَل في ثلاثة أيام، وتَبَجَّح بذلك، فقال: قرأتُ -بحمد اللَّه "جامع مسلم" بجوف دمشق الشام، كرسي الإسلام، على ناصر الدين شيخنا ابن جَهْبَل، بحضرة حُفاظ مخاريج أعلام، وتمَّ بتوفيق الإله بفضله قراءة ضبط في ثلاثة

стр. 155

أيام] (١). وكذا قرأ "كتاب النسائي الكبير" على الشرف المذكور في عشرة مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات. وسمعه بقراءته الفضلاءُ والأئمةُ، وحدَّثهم به عَنِ العفيف النَّشَاوري، عن الرَّضي الطَّبري إذنًا، عن الحافظ أبي بكر بن مَسْدي بسنده. وانتهى في يوم عاشوراء سنة أربع عشرة وثمانمائة. وأسرعُ شيء وقع له أنه قرأ في رحلته الشامية "معجم الطبراني الصغير" في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحوٍ مِنْ ألف حديثٍ وخمسمائة حديث؛ لأنَّه خرَّج فيه عن ألف شيخ، عن كلِّ شيخٍ حديثًا أو حديثين. ومن الكتب الكبار التي قرأها في مدة لطيفة: "صحيح البخاري"؛ حدّث به الجماعةُ مِنْ لفظه بالخانقاه البَيْبرسية في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات، وكان ذلك فيما أظنه قريبًا مِنْ سنة عشرين إما سنة إحدى أو اثنتين بحضور (٢). ولقد سألته، فقلت له: يا سيدي، كما في شريف علمكم، أنَّ الحافظَ الخطيب أبا بكر البغدادي لقي كريمة المروزية بمكة، فقرأ عليها "الصحيح" في أيام منى، فهل وقع لكم استيفاءُ يوم في القراءة؟ فقال: لا، ولكن قراءتي "الصحيح" في عشرة مجالس لو كانت متواليةً، لنقصت عن هذه الأيام، ولكن أين الثُّريا مِنَ الثَّرى، فإن الخطيب ﵀ قراءته في غايةٍ من الصِّحَّة، والجودة والإفادة وإبلاغ السَّامعين. قلت: هكذا قلت لشيخنا، وأقرّني عليه، والذي رأيته الآن في ترجمة الخطيب أنه قرأه في خمسة أيام، وأظنُّه الصواب.

стр. 156

ثم رأيت في ترجمة إسماعيل بن أحمد بن عبد اللَّه النيسابوري الحيري من "تاريخ الخطيب" (١): أنَّه قدِمَ حاجًّا في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وكان معه حِمْلُ كتب ليجاور، فرجع الناس لفساد الطَّريق، فعاد إلى نيسابور، وكان في جملة كتبه "البخاري"، قد سمعه من الكشميهني، فقرأت عليه جميعه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدىء بالقراءة وقت المغرب، وأقطعها عند صلاة الفجر. وقبل أن أقرأ الثالث عَبَرَ الشيخُ إلى الجانب الشرقيِّ مع القافلة، فمضيتُ إليه مع طائفة كانوا حضورًا للّيلتين الماضيتين، فقرأت عليه مِنْ ضحوة نهار إلى المغرب، ثم مِنَ المغرب إلى طلوع الفجر، ففرغ الكتاب، ورحل الشيخ صبيحتئذٍ. وحكاها الذهبي في ترجمة الخطيب من "تاريخه"، فقال: إنه قرأه جميعه في ثلاثة مجالس. قال: وهذا شيءٌ لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه. ثم إنه إنما استدرك -رحمه اللَّه تعالى- جريًا على عادته في التأدُّب وتواضعًا، وإلا فقراءته أيضًا كانت كذلك. وهكذا كان دأبه (٢) هضم نفسه على جاري عادة أهل العلم والدين، حتى إني سمعت مِنْ لفظه، وقرأته بخطه، أنه رأى في المنام سنة ثلاث عشرة وثمانمائة الدَّارقطني رجلًا طويلًا، لا أتحقق لون شعر لحيته: هل هو أشيبُ أم لا؟ فسألته عَنِ الأسئلة التي جمعها ابن طاهر مِنْ كلام مَنْ سأله عن أحوال الرجال وجوابه عن ذلك، فذكر لي أن أسئلة الحاكم له، أظنه قال: مستقيمة. وما أدري قال: السهمي أو السلمي كذلك. وسمى له (٣) آخر ثالثًا، ليس هو من الأربعة التي جمع ابنُ طاهر مسائلهم، وأشار إلى أن الأسئلة التي للبرقاني مختلة. فتعجَّبتُ مِنْ هذا في نفسي، وقلت: يا سبحان اللَّه! البرقاني أوثقُ هؤلاء الجماعة، كيف تكون أسئلتُه دون أسئلتهم!

стр. 157

ثم قلت لنفسي: الأوْلَى أن أسألَ الشيخَ أبا الحسن عن جميع مَنْ في "كتاب ابن طاهر" رجلًا رجلًا، فتكون تلك الأسئلة لي. وهممتُ بذلك، لكن صرت في نفسي أزدري نفسي أنْ أُعَدَّ مع هؤلاء، وأتعجب كيف أصيرُ معدودًا فيمن سأل الدارقطني. ثم استيقظتُ ولا أتحققُ هل سألته عن شيء منها أم لا، رحمهم اللَّه تعالى. والشاهدُ مِنْ هذا المنام قوله: لكن صِرْتُ في نفسي إلى آخره. ولقد سأله الأمير الفاضل تَغْرِي بَرْمَش الفقيه -وهو من تلامذته- هل رأيت مثل نفسك، فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. انتهى. وبهذا الجواب أجاب الدارقطني رجاءَ بن محمد المعدَّل، حيث قال: قلت للدارقطني: رأيتَ مثلَ نفسك؟ فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فألححت عليه، فقال: لم أرَ أحدًا جمع ما جمعتُ. وكذا وقع لابن عساكر أن أبا المواهب ابن صصْري قال له حين سمعه يقول، وتذاكَر الحفاظ الذين لقيَهم، فقال: أما ببغداد، فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهرَ منه. قال أبو المواهب: فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيدُنا مثلَ نفسه، فقال: لا تقُلْ هذا، قال اللَّه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، فقلت: وقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. قال: نعم. لو قال قائل: إنَّ عيني لم تر مثلي، لصدق. قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله، ولا مَنِ اجتمع فيه ما اجتمعَ فيه، ثم بيَّن ذلك. قلت: وأفْهَمَ جوابُ شيخنا أنه لم ير مثل نفسه، وإلا لكان يقول: رأيت فلانًا أو ما أشبهه. ويدلُّ على أنه لم ير مثل نفسه، شهادةُ كلِّ مِنَ الحافظين الحلبي والفاسي وغيرهما له بذلك كما سيأتي.

стр. 158

[شرب ماء زمزم لقضاء الحوائج] ونحوه أن بعض أصحابه سأله: أأنت أحفظُ أم الذهبي؟ فسكت. وكان ذلك منه أيضًا تواضعًا؛ لأنه ﵁ حكى لنا أنَّه شرب ماء زمزم لما حجَّ في سنة ثمانمائة أو سنة خمس -الشك مني- لينال مرتبة الحافظ الذَّهبي المشار إليه. قال: ثم حججتُ بعد مدة تقرُب مِنْ عشرين سنة، فوجدت مِنْ نفسي طلبَ المزيدِ على تلك المنزلة، فسألت رتبةً أعلى منها. قال: فأرجو اللَّه أن أنال ذلك. قلت: قد حقَّقَ اللَّه رجاءه، وشهد له بذلك غير واحد كما سيأتي. ثم حكى لي الشيخ نور الدين ابن أبي اليُمن أنه سمعه في سنة إحدى وخمسين يقول: شربت ماء زمزم لثلاث: أحدها أن أنال مرتبة الحافظ الذهبي، فوجدت -بحمد اللَّه- أثر ذلك، وأن تيسر لي الكتابة على الفتاوى كشيخنا السِّراج البلقيني، حيث كان يكتب عليها مِنْ رأس القلم بغير مراجعة غالبًا، فيسَّر اللَّه تعالى لي ذلك، بحيث ضبطتُ المهِمّ من "فتاوى شهر"، فكان في مجلدة، سميتها "عجب الدهر"، كما سيأتي ذكرُ حكايتها في الباب الرابع. قال: ولم يذكر الثالث، وأحجم الجماعةُ عَنْ سؤاله عنه. قلت: وقد شرب ماء زمزم لأمورٍ ثلاثةً أيضًا الحافظ الخطيب فيما أسنده إليه ابن عساكر، قال: شربتُ ماء زمزم ثلاث شربات، وسألت اللَّه تعالى ثلاث حاجات أخذًا بقول رسول اللَّه ﷺ : "ماءُ زمزم لما شُرِبَ له"؛ فالحاجة الأُولى: التحديث "بتاريخ بغداد" بها، والثانية: الإملاء بجامع المنصور، والثالثة: الدفن عند بشرٍ الحافي. قال راويها: فقضيت. [بل رُوي عن إمامنا الشافعي ﵀ أنه قال: شربتُه لثلاث: للرَّمْي، فكنت أصيب العشرة من العشرة، والسبعة من السبعة، وللعلم، فها أنا كما ترون، ولدخول الجنة، وأرجو حصول ذلك. وكذا شربه ممَّن أدركتُه: الشمس ابن عمَّار أحد الأئمة - لأمور بلغها أو أكثرها.

стр. 159

وشربته أيضًا لأشياء أرجو أن أنال سائرها] (١). [سرعة الكتابة الحسنة:] ومنها: سرعة الكتابة مع حسنها (٢)، فإنه كان جوَّد على الشيخ نور الدين علي بن عبد الرحمن البدماصي بمكة حين مجاورته قبل البلوغ في سنة ست وثمانين، ثم على شيخه الإمام المفيد المجيد شيخ الكُتَّاب أبي علي محمد بن أحمد بن علي الزِّفتاوي، ثم المصري صاحب المصنف الجليل الذي سماه "منهاج الإصابة في معرفة الخطوط والإذن في الكتابة". وأحدِ شيوخ (٣) مكتب الوقت الزين عبد الرحمن بن الصائغ الذي كتبت عنده يسيرا، وأذنَ له في أن يكتب على طريقة الكُتَّاب، وكان قد أخذ الكتابة عن شمس الدين محمد بن علي (بن أحمد) (٤) بن أبي رقيبة (٥) شيخ غازي، الذي أخذ عه الوسيميُّ شيخ شيخنا الحنّاوي وغيره. وأخذها ابن أبي رُقيبة عن العلاء محمد بن العفيف، عن أبيه عن ولي الدين العجمي، عن شُهدة الكاتبة، عن ابن أسَد، عن (٦) ابن البواب وابن السِّمسماني، عن مشايخهما، عن أبي علي بن مقلة. وكتب بخطه ما لا يدخل تحتَ الحصر، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى حكايتها في الباب الرابع. وسمعته يقول: كنت أكتبُ في "تلخيصي لتهذيب المِزِّي" إلى الزوال

стр. 160

كراسًا في الكامل، وهو كسلاسل الذهب، غايةً في النِّسبة، يكون بخط غيره نحو كراسين فأكثر. وكتب "التَّقييد"، لابن نُقطة في خمسة أيام كما سلف. ورأيتُ بخطه كتاب "فصل الربيع في فضل البديع" للزكي عبد العظيم بن عبد الواحد بن أبي الإصبع المصري في تسع كراريس، يكون بخط غيره في مجلد، وقال بأخَرَة: إنَّه علَّقه في يومين متاليين، فرغ منه وقت العصر من اليوم الثاني، مع ما تخلَّل ذلك مِنْ أكل وشرب وحديث، وصلاة، وغير ذلك مِنْ راحة، وأشياء كُشِطَت مِنْ خطِّه، وذلك بمدينة زبيد المحروسة في شهر ربيع الآخر سنة ثمانمائة، انتهى. وسمعت أنه كان يكتب من "البخاري" جزءًا من ثلاثين في اليوم. ومن الغريب أنه انتقى "فهرست" الحافظ السلفي وهو متوجِّةٌ إلى مكة حال ركوبه في المحارة سائرًا على ما رأيته بخطه. [وكذا بلغني أنه كان يكتب وهو في الشُّقدف في رجوعه (١) من اليمن إلى مكة] (٢). وأغرب مِنْ هذا كلِّه: ما حكاه لي شيخنا الزين البوتيجي الفرضي الشهير -وكان من خواصِّ المحبين لصاحب الترجمة- قال: أرسلتُ له مرة مع النقيب شهاب الدين ابن يعقوب كتابًا مخرومًا، أسأل عنه، ولم أقصدْ منه إكماله بخطِّه. نعم، كنت أحبُّ إرسال نسخةٍ منه، لأكمِلَ نسختي، فأبطأ عنِّي بالجواب، فجئتُه فما كان إلا أن رآني، فقام وسلَّم عليَّ، وأشار بالجلوس. ثم دخل منزله، فمكث يسيرًا، ثم ظهر لي والكتاب معه. وقد أكمل -وأنا بالباب- ما فيه مِنَ النَّقص، وهو نحو كراس، وأخذ يعتذر عن عدم (٣) الإرسال بالكتاب بحجَّة (٤) إكماله. وأنه لم يتَّفق إكماله، بل ولا كتابةُ شيء منه حتى الساعة.

стр. 161

وكان ﵀ لا تمنعه الكتابة عن فهم ما يسمعه من علم وحديث، حتى إنَّه اجتمع بمؤرخ العصر التقي المقريزي، فتحدثا، وشيخُنا مشغولٌ بالكتابة، فرام التقيُّ قطعَ الحديث لئلَّا يشغله عمَّا هو فيه. فقال له: إنَّ ذلك لا يمنعني عَنِ الإصغاء والفهم لما تقوله، بل ربما أكون حين الكتابة أحضرَ بالًا منِّي عند عدمها في بعض الأوقات. قلت: وقد رأينا مِنْ ذلك العجب، وحكاية ابن التَّنسي الآتية قبيل ما امتُدح به من الباب الثالث مع شبهها شاهدة لذلك أيضًا. [الصحبة الطيبة من طلبة العلم:] ومنها الرفاق الذين كانوا غاية في الديانة والتواضع والاعتناء بالشأن والاهتمام بفنونه، والبعد عَنِ التَّوغُّل في الغِلِّ والحسد والكتمان، وتكرُّر ذكر ما يقتضي الامتنان. فذا يُعِينُ رفيقه نوبةً بالقراءة، ومرَّة بالكتابة، وأخرى بالعارِيَّة، ووقتًا بالمذاكرة، ومرة بالتَّنبيه على ما السَّلامةُ منه مختصةٌ بالمعصومين، والآخر يفعل مع رفيقه أيضًا كذلك. ويجمل كلُّ واحدٍ منهم الآخر بقلمه ولسانه، ويوجه ما ظاهره القبيحُ مِنْ قول أو فعل بالتوجيه المرضي، حتى يصرفه عما يخالفه، ويثني مَنْ تأخَّرت وفاته على صاحبه الثناءَ الجميل، وربما يرثيه إن أحسن. ولتلبُّسِهم بذلك، كانت لهم جلالة ووجاهة، وفيهم كثرة. فأين هؤلاء ممن إذا كتب له رفيقُه تجاه خطه: صوابُه كذا، أو قال له في حال قراءته: سقط عليك كذا، أو كتب له على بعض ما يطالعه مِنْ خطِّه على جاري عادة المستفيدين بعضهم من بعض: "فرغه داعيًا"، يضمر ذلك في نفسه إلى أن ينتقم بما يكون قصاصًا عَنْ أعظم الجنايات، بحيث يكتب لمن قال له: "فرغه داعيًا": ما أرقعك، ليت شعري، داعيًا له أو عليه؟ ويهجو صاحبه نظمًا ونثرًا، حتى بعد وفاته، مع علمه بتحريم التعرُّضِ لمساوىء الأموات، إن اتَّصف المهجوّ بما تعرَّض له. وإذا رأى رفيقه توارد هو وإياه على نقل شيء أو التصرُّف فيه أو الجمع بين ما يقتضي التنافر أو نحو ذلك، يأخذ في الخطابة بأن هذا سرق كلامي. هذا مع كون الواقع العكس.

стр. 162

ولو أطعت قلمي في إيراد ما عندي في ذلك من واحد، فضلًا عن أكثر، لامتلأ الكرَّاس، وضاقت الأنفاسُ، ولو تدبر مَنْ لعلَّه يعتمد هذا الصنع أزرى ذلك بفاعله، وستر ما عساه اشتمل عليه مِنْ فضيلة، وكون حامده مِنَ النَّاس يصير له ذامًا، لكان أبعدَ النَّاسِ عَنِ التلبُّسِ بهذه الأخلاق. نسأل اللَّه السلامة. [عدم التردُّد إلى الكبراء:] ومنها: كونه لم يتردَّد في غضون هذه المدة لأحد من رؤساء الشام ولا قضاتها، بل لم يكن حينئذٍ بدٌّ من الاجتماع بأحدٍ مِنَ الرؤساء مطلقًا، مع احتياجهم إلى مجالسته، واغتباطهم برؤيته، ولذيذ مخاطبته. [استثمار الوقت] إنما كانت همَّتُه المطالعة والقراءة والسماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يخلي لحظة مِنْ أوقاته عن شيء مِنْ ذلك، حتى في حال أكله وتوجُّهه وهو سالك كما حكى لي ذلك بعض رفقته الذين كانوا معه في رحلته، وإذا أراد اللَّه أمرًا هيّأ أسبابه. وقد سمعته ﵀ يقول غير مرة: إنني لأتعجب مِمَّن يجلس خاليًا عن الاشتغال. هذا أو معناه. ويدل على مصداق قوله: ما أخبرني به بعضُ أصحابنا أنَّه شاهده يومًا بالمدرسة الصالحية النجمية، وهو جالس في بعض بيوتها، ولم يكن عنده إذ ذاك شيءٌ مِنَ الكتب، فاستدعى مِنْ بعض مَنْ حضره مصحفًا، فبادر لذلك، فأخذ في التلاوة منه، فمرَّ فيه على سورة أخطأ الكاتبُ في عَدّ آيها، فكتب مقابلها بالهامش: الصوابُ كذا، أو بل عدَّتها كذا. فلم يسهل به ﵁ أن يجلس بطَّالًا. ولم يُخلِ المصحف مع ذلك - مِنْ فائدة. وهكذا كان دأبُه في غالب ما يقف عليه مِنْ الكتب العلمية والأدبية وغيرها، كما سألمُّ بذكر شيء مِنْ ذلك في أثناء الباب الثالث (١) إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 163

ومما يدلُّ على عدم تضييع وقته بدون عبادة: أنه توجَّه مرةً للمدرسة المحمودية، فلم يجد مفتاحَها، كان قد سها عنه بمنزله، فأمر بإحضار نجَّارٍ، وشرع هو في الصلاة إلى أن انتهى النجارُ مِنْ فتح الباب. وقيل له: لو أرسلتَ، أحضرت المفتاح مِنَ البيت كان أقلَّ كلفة، فقال: هذا أسرع، ويحصل الانتفاعُ بالمفتاح الثاني. وتوجه مرة للتفرُّج هو وصهره القاضي محب الدين ابن الأشقر في السَّماسم بالخانقاه، فأخرج مِنْ جيبه مصحفًا حمائليًّا، وشرع في التلاوة فيه. وكان ﵀ إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها للمذاكرة، تكون السّبحة داخل كمِّه بحيث لا يراها أحد، ويستمرُّ يديرُها وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه. وربما تسقُطُ مِنْ كمِّه، فيتأثر لذلك، رغبة في إخفائه. وكان حين كان يصلي الشيخ غرس الدين خليل الحسيني بجانبه التراويح، يستخبرُ منه عَنِ المتشابه في القرآن، حتى لا يخلو جلوسُه بين الترويحتين من فائدة. قلت: وأحوالُ السلف في عدم تضييع أوقاتهم أشهرُ مِنْ أن تُذكر. وقد أنشد أبو سعد ابن السمعاني عن أبي بكر محمد بن القاسم بن المظفر بن علي الشَّهرزُوري قوله: هِمَّتي دُونَها السُّها والزُّبانا ... قد علت جهدها فما يتدانى فأنا مُتعَبٌ مُعَنَّى إلى أن ... تتفانى الأيامُ أو أتفانى ويُحكى عن الفقيه أبي الفتح سُليم بن أيوب الرازي أنه كان يحاسب نفسه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي بغير فائدة، إما بنسخ أو يدرس أو يقرأ، بل قيل عنه: إنه كان يحرِّكُ شفتيه إلى أن يَقُطَّ القلم. انتهى. ولما كثُرتِ الإشاعة في دمشق بطروق اللَّنك إليها، وأرجف النَّاسُ بذلك، رجع إلى بلاده. وكان ظهوره منها -كما سلف- في أول يوم من سنة ثلاث وثمانمائة، وقد اتَّسعت معارفه كثيرًا، وأظهر لعلماء الشام

стр. 164

وفضلائها حفظًا كبيرًا، واغتبطوا به، وشهدوا له بالتقدُّم في فنون الحديث إلى أعلى رتبة. فأقام بها على طريقته في التصنيف والإقراء والإملاء والكتابة، بل لم يُهمل سماعه على الشيوخ وانتخابه. ويسر اللَّه له مِنْ إقبال الشيوخ عليه وطواعيتهم له أمرًا عجبًا، حتى إن البرهان التنوخي كان قد تعسَّر في أواخر عمره، فلما اجتمع به صاحبُ الترجمة، وخرَّج له "المعجم" و"المائة العشارية"، فرح بها، وانبسط في التَّحديث، فلازمه زيادةً على ثلاث سنين، ووصل عليه بالإجازة شيئًا كثيرًا، وانتفع صاحبُ الترجمة ببركته ودعائه كثيرًا. وكذا كان مُسنِد الصالحية العماد أبو بكر بن إبراهيم بن العز بن أبي عمر عَسِرًا في التحديث، فسهَّله اللَّه تعالى له بحُسن مقصده، إلى أن أكثَرَ عنه في مدَّة يسيرة، بحيثُ كان يجلس له أكثرَ النَّهار. ونحوه الشرف أبو بكر ابن قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة. وكان الزين أبو الفرج بن الشَّيخة يُبالغ في إكرامه، لخصوصية كانت بينه وبين والده. فكان ذلك عونًا له على الإكثار عنه، مع كونه كان سهلًا. بل كانت الشيوخ لا تتعدَّى أمرَه وثوقًا منهم به (١)، واعتمادًا على وفور ديانته؛ فمن ذلك أنه قرىء على السويداوي بإجازته مِنْ بعض مَنْ مات قبل مولد السُّويداوي وهمًا مِنَ القاريء، فنبَّه صاحبُ الترجمة السويداويَّ على ذلك، فأشهد على نفسه بالرُّجوع عنه، بل أشهد أنه رجع عن جميع ما قُرىء عليه بالإجازة، إلا إنْ كنت محقَّقَةً. وسيأتي تعيينُ الكتاب والشَّيخِ في أثناء الباب الثالث. وقد اتَّفق في عصرنا شبيهُ ذلك، وهو أن البقاعي قرأ على الشيخ شمس الدين الصَّفدي الحنفي أحد مَنْ أخذتُ عنه "موطأ الإمام مالك" للقعنبي، بسماعه له -كما شاهده في ضبط بخط (٢) الحافظ برهان الدين

стр. 165

الحلبي- عن الكمال محمد بن عمر بن حبيب، فبلغ ذلك البرهان المذكور فردّه، وبيّن أن البقاعي وهِمَ في ذلك. والذي سمع إنما هو محمد ولد شرف الدين الدَّارنجي، وزادني ابنُ فهد أنَّ تاريخ السماع في سنة ست وسبعين، ومولد الصفدي فيما أملاه عليه سنة خمس وسبعين، وبيَّن لي وجه الوَهْمِ كما أوضحته في "أخبار البقاعي". ونحو ذلك أنَّ المجدَ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد الحنفي القاضي حدَّث "بجزء البطاقة"، بقراءة الجَمَال محمد بن إبراهيم بن أحمد المرشدي الحنفي، بسماعه له على أبي الحسن علي بن محمد بن علي الهمذاني، أنبأنا ابن عزُّون والمعين الدمشقي، قالا: أنبأنا البوصيري. وهذا غلطٌ نبَّه عليه الصلاح الأقفهسي بقوله: لم يُدرِك الهمذانيُّ ابنَ عزّون ولا الدمشقيَّ، وبين وفاتيهما ومولده نحوٌ من اثنتي عشرة سنة أو أكثر. ولم تصحَّ رواية المجد لهذا الجزء عنه. وأيّده صاحب الترجمة بقوله: التعقُّبُ صحيحٌ، وشيخنا المجد حرسه اللَّه متثبِّتٌ في التحديث، ما علمته يُحدِّث إلا من أصله، ورأيته غيرَ مرَّةٍ يأبى أشدَّ الإباء أن يُحدّث مِنْ غيرِ أصله، وما أظنُّ هذا إلا من تهوير القارىء ومجازفته. انتهى. ورأيت بخط البقاعي المشار إليه قريبًا مقابل طبقةٍ بخط صاحبنا التقيِّ القلقشندي، قال فيها: وبسماع ابن ناظِرِ الصَّاحبة في الرابعة -يعني "للمسند الحنبلي"- على أبي العباس أحمد بن الجُوخي، ما نصه: الحمد للَّه عالم الغيب. اعلم أنَّه لم تُعرف روايةُ ابن ناظر الصاحبة للمسند (١) إلا مِنْ جهة أبيه، ولا عُلِمَ قولُ أبيه إلا مِنْ جهة شيخنا الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي، ولا عَلِمَ المصريون ذلك إلا منِّي ومن عمر بن فهد وقطب الدين أبي الخير الخيضري. والذي رأيناه بخط ابن ناصر الدين أخبرني والده شيخنا أبو الفرج عبد الرحمن أنه أحضره جميع "مسند أحمد" على ابن الجُوخي، وأخبرني

стр. 166

القطبُ الخيضريُّ أنَّ ابن ناصر الدين قال له من لفظه: إنَّ حضوره كان في السنة الثانية من عمره. فليت شعري مِنْ أين علم كاتبُ هذا الخط ومَنْ تابعَهَ أنه سمع؟ وليت شعري، ثم ليت شعري: مَنْ أوحى لهم تحديدَ ذلك الوقت بالرابعة؟! ولقد سألت كاتب هذا الخط عن مُستنده في ذلك، فلم أجد عنده بيانًا. إنما كان جوابه لي أن قال: الظاهرُ أنِّي رأيتُه بخط ابن فهد. هذا لفظه. قال ذلك أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي سائل اللَّه تعالى حسن العافية انتهى بحروفه. وأنا أسأل اللَّه أيضًا حسن العافية. وكل هذه استطرادات لكنَّها نافعة. وكانوا يتفرَّسُون فيه النَّجابة، حتى قال له المحبُّ محمد بن الوجديَّة -إذ رآه حريصًا على سماع الحديث وكتبه-: اصرفْ بعض هذه الهمة إلى الفقه، فإنني أرى بطريق الفراسة أنَّ علماء هذا البلد سينقرضون (١) ويُحتاج إليك، فلا تقصِّرْ بنفسك، فكان كذلك، ما مات حتى شُدَّت إليه الرِّحالُ، قال شيخنا (٢): فنفعتني كلمتُه، ولا أزالُ أترحَّمُ عليه بهذا السبب. انتهى. إنَّ الهلالَ إذا رأيتَ نُمُوَّه ... أيقنتَ أنْ سيصير بدرًا كاملا لقد ظَهَرْتَ فلا تَخْفَى على أحدٍ ... إلا على أكْمَهٍ لا يَعْرِفُ القَمَرا وحكى الشيخ بدر الدين السُّكَّري الكُتبي -وفي ظني أنَّني سمعت ذلك منه-: أنَّ بعض المجاذيب -أو نحوهم- قال -وقد سمع شخصًا يقول عند اجتياز شيخ الإسلام السِّراج البلقيني ﵀: سبحان مَنْ أعطاك ما معناه: أن هذا الشاب -وأشار إلى صاحب الترجمة، وكان إذ ذاك مارًّا بعدَ البُلقيني وصحبته أبو القاسم بن يسير- يَصِلُ، يعني في الحديث لما لم يصل المذكور إليه. رحمة اللَّه عليهم.

стр. 167

[بركة ابن حجر] وكانت بركتُه ظاهرةً لديهم، اتَّفق أنه جاء للقراءة على الجمال الحلاوي في "مسند أحمد" على عادته، فوجده مريضًا، فطلع هو والجماعة لعيادته، فأذن له الشيخ في القراءة فشرع، ففي الحال مرَّ حديثُ أبي سعيدٍ ﵁ في رُقْية جبريل ﵇. قال شيخنا. فوضعتُ يدي عليه في حال القراءة، ونويت رُقْيَته، فاتفق أنه شُفِيَ حتى نزل للجماعة في الميعاد الثاني مُعَافَى. وله اتفاقات (١) قريبةُ الشَّبه بذلك، منْ جملتها: أنه كان يكتب في حديث معاوية بن أبي قُرَّة عن أنس، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، أرسل ناقتي وأتوكَّل، أو أعقلها وأتوكل. قال: "اعقلها وتوكَّل". فاتفق أنَّ غُلامه جاء يستأذنه في تركِ شيءٍ مِنْ حوائج صاحب الترجمة خارج البيت. قال شيخنا: فقلت له: اعقلها وتوكَّل. وكان ينظر في ليلة الأحد ثاني عشر جُمادى الأولى سنة أربع وأربعين في "دُمية القَصْر" (٢) للبَاخَرْزِي، فمرَّ في ترجمة المظفَّر بن علي أنَّ له هذه الأبيات في الرثاء، وهي: بلاني الزَّمان ولا ذَنْبَ لي ... بلى إنَّ بلواه للأنبلِ وأعظمُ ما (٣) ساءني صَرْفُهُ ... وفاة أبي (٤) يوسف الحنبلي سراجُ العلوم ولكن خَبَا (٥) ... وثوبُ الجمال ولكن بَلِي قال شيخنا: فتعجبتُ مِنْ ذلك، ووقع في نفسي أنَّ قاضي الحنابلة

стр. 168

المحبَّ أحمد بن نصر اللَّه البغدادي، يموت بعدَ ثلاثة أيام بعدد الأبيات، وكان متوعكًا، فكان كذلك. قلت: وقد اتَّفق لي أنني أخبرت بوفاة القاضي بدر الدين ابن الصَّواف الحنفي، وكنت في ذلك الوقت أكتبُ حديث علي ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ إذا عزَّى رجلًا قالا: "آجركم اللَّه ورحِمَكم". وإذا هنّأ قال: "بارك اللَّه لكم وبارك عليكم". فطبقت الكتاب وتوجَّهت فعزَّيت وهنّأت. وكل هذا استطراد. والكلام في استيفاء ذلك فيه طول فليُقتصر على ما ذكر. [السفر إلى حلب وسماعه:] وكان قد عزم وهو بدمشق على التوجه إلى البلاد الحلبية، ليأخذ بها عن خاتمة المسندين بها عمر بن أيدغمش، فبلغته وفاته، فتخلَّف عَنِ التوجُّه إليها، وهو كما قال: على كلِّ خيرٍ مانع، لكنه كان قد قرأ على شيخه التنوخي، بإجازته مِنْ شيخ ابن أيدغمش الذي انفرد عنه بالسماع وهو العزّ إبراهيم بن صالح (١) بن العجمي - شيئًا. ثم يسَّر اللَّه بعد دهرٍ -وذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة- له السفر إلى حلب، وذلك أنَّ السلطان الأشرف برسباي توجه إلى آمد، لدفع أذى التركمان الذين تغلَّبُوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد اللَّنكية، لما كثر مِنْ إفسادهم، ونهبِ أموال الرعايا، وقطع الطُّرقِ على القوافل، وغير ذلك مما اشتهر. وخرج بالعسكر المصري ومعه الشافعي صاحب الترجمة، ورفقته القضاة الثلاثة: الحنفي، وهو البدر العنتابي، والمالكي، وهو الشمس البساطي، والحنبلي، وهو المحب بن نصر اللَّه البغدادي، مشايخ الإسلام وأئمة الأنام، والخليفة أمير المؤمنين المعتضد باللَّه داود ابن المتوكل، على جاري العادة في كل ذلك. وكان البُروز بعد صلاة الجمعة حادي عشري رجب مِنَ السنة، فلم يَخْلُ سفره مِنْ فائدة.

стр. 169

وكان شيخنا هو والمالكي والحنبلي مع جمَّال واحدٍ، وأمدهما شيخنا كثيرًا، حتى [بلغني أن البساطي قال: لست مسافرًا مع السلطان، إنما أنا مسافر مع القاضي الشافعي] (١). وكتب عن رفيقه قاضي المالكية العلامة البساطي ببلبيس في المذاكرة بحثًا [كتبته في ترجمة البساطي] (٢)، وعن نائبه قاضي المنصورة شمس الدين ابن كميل بالصَّالحية حكاية. وسمع بظاهر بَيْسان مِنْ رفيقه شيخنا بالإجازة العلَّامة قاضي الحنابلة المحب أحمد بن نصر اللَّه البغدادي حديثًا مِنْ "سنن أبي داود"، وغير ذلك. وممَّا كتبه عنه: أنه سمع سودون النائب يقول: التُّركُ إن أحبُّوك أكلوك، وإن أبغضوك قتلوك. وكتب أيضًا عن شيخنا قاضي الحنفية العلَّامة البدر محمود بن أحمد العنتابي أشياء مِنْ نظمه، بل وسمع عليه حديثًا كما سيأتي. وعن القاضي عز الدين عبد العزيز (٣) بن علي (بن العز) الحنبلي بالخَرِبَة دون دمشق حكاية، وهي: أنَّه سمع القاضي شمس الدين ابن الدَّيري يقول: سمعت الشيخ علاء الدين البسطامي ببيت المقدس يقول -وقد سأله- هل رأيت الشيخ تقيَّ الدين ابن تيمية؟ فقال: نعم، قلت: كيف كانت صفته؟ فقال: هل رأيت قبَّة الصخرة؟ فلت: نعم. قال: كان كقبة الصخرة مُلِىء كتبًا لها لسانٌ ينطق. وحصَّل فوائدَ ونوادر علَّقها في "تذكرته" التي سماها "جلب حلب". وهي في نحو أربعة أجزاء حديثية، ما هي عندي.

стр. 170

[التواضع في طلب العلم:] وبالغ حتَّى كتب عَنْ تلميذه البقاعي وفاة التقيِّ الحصنيِّ الفقيه (١) الشافعي، لكنه لأجل بيان غلطه، فإنَّه قال ما نصه: ذكر لي رفيقنا -يعني في السَّفر- برهان الدين إبراهيم بن حسن البقاعي أنَّ الشيخ تقيَّ الدين الحِصني الفقيه الشافعي الأشعري مات بدمشق سنة ثمان وعشرين، وكان عالمًا زاهدًا، كثيرَ النَّفع للطلبة، والحط على الحنابلة، خصوصًا مَنْ ينتحل مقالة الشيخ تقي الدين ابن تيمية. انتهى. وتعقَّبه بقوله: ثم تحرَّر لي أنَّه مات سنة تسع وعشرين. قلت: وتنبَّه المذكورُ -وهو منسوب لجده- لذلك، فإنني قرأتُ بخطه (٢) أنَّه مات في ليلة الأربعاء منتصف جمادى الآخرة سنة تسع، واللَّه الموفق. وكتب أيضًا عن صاحبي محدِّث حلب الآن أبي ذر ابن شيخ الإسلام ﵀ فيمن اسمه إلياس، بعد أن قال ما نصه، وكان قد ولع بنظم المواليَّا: لك طرف أحور حوى رِقِّي غنج نعَّاسْ ... وقَدّ قَدِّ القنا أهيف نضر ميَّاسْ ريقتك ماء الحيَا يا عاطر الأنفاسْ ... عِذارك الخِضر يا زيني وأنت إلياسْ وأعلى من هذا كلِّه: قولُه في ترجمة رتَن من كتابه "الإصابة": وجدتُ بخط عمر بن محمد الهاشمي، وذكر شيئًا. فإنَّ عمرَ هذا هو صاحبنا محدث مكة نجم الدين بن فهد، دام النفع به. ونَقْلُه في كتابه "تعجيل المنفعة" (٣) عن بعض تلامذته، وهو حفيدُ (٤) الحسيني مصنف "التذكرة" أصل "تعجيل المنفعة"، حيث قال

стр. 171

في أيوب الحارثي ما نصه: أغفله الحسينيُّ في "الاحتفال" وفي "التذكرة"، وكذا الحافظان الهيثمي وأبو زُرعة، ونبَّهنَا عليه الشريف المحدِّثُ الفاضلُ عز الدين حمزة بن أحمد بن علي ابن مصنف "التذكرة" الحافظ شمس الدين الحسيني، فبحثتُ عنه، فوجدت حديثه أخرجه أحمد. انتهى. وأما روايته عن قاضي الحنابلة شيخ المذهب عز الدين الكناني، حيث قال في خُطبة كتابه "رفع الإصر عن قضاة مصر" عقب منظومة ابن دانيال ما نصه: قد ذيّل عليها بعضُ أصحابنا إلى عصرنا هذا، فسرد الشافعية على منوال ابن دانيال، ثم سرد القضاة الثلاثة مذهبًا بعد مذهب إلى عصرنا. وهذا صورة ما نظم: أنشدنا العز أحمد بن إبراهيم العسقلاني لنفسه مكاتبة، وساق ذلك فأعلى من سائر ما تقدم وأجلَّ. ومن أدبه أنه حذف من المنظومة المشار إليها ما يتعلق بمدحه. وكذا نقل عنه شيئًا في ترجمة شيخي بالإجازة قاضي الحنابلة المحب أحمد (١) بن نصر اللَّه [البغدادي، فقال: قرأت بخط العز ابن البرهان بن نصر اللَّه] (٢)، وافق القاضي محب الدين عمِّي موفق الدين يعني: الذي قبله، في اسمه واسم أبيه وجده ومذهبه ومنصبه وسكنه بالصالحية. قلت: وفارقه في اللَّقب وأصل البلد والنسبة إلى الجد الأعلى، وطول المدة، وسعة العلم والتبسط في بيع الأوقاف، ونحو ذلك. انتهى. وكان شيخُنا كثير الإجلال للعز المذكور؛ حتى قال في ترجمة أبيه من كتابه المذكور ما نصه: وأنجب البرهان ولده عز الدين أحمد، ففاق سلفه في سعة العلم ومعرفة الأدب، وناب في الحُكم، ثمّ تركه تعفُّفًا وتنزهًا، ودرَّس في عدة أماكن، أمتع اللَّه ببقائه. وكان إذا سئل عن شيء مما يتعلَّق بمذهبهم، يكتب بخطه على

стр. 172

السُّؤال: يُسأل عنها عالمُ الحنابلة القاضي عزّ الدين. وكل هذا استطراد، لكنه أدلّ دليل على محبَّة صاحب الترجمة في العلم وأمانته، حيث ينسب كلَّ شيء إلى قائله، ولو كان من تلامذته. ﵀ وإيّانا. وسيأتي في الفتاوى الدمشقية مِنْ أواخر الباب السادس نقله في بعضها عن العلاء ابن خطيب الناصرية شيئًا في ترجمة التوربشتي (١). وقد روينا في "الوصية" لأبي القاسم بن منده من طريق خارجة بن مصعب أنه قال: مَنْ سمع حديث مَنْ هو دونه، فلم يروه، فهو مراءٍ. وفي "المدخل" للبيهقي من طريق العباس بن محمد الدَّوري، سمعت أبا عُبيد القاسم بن سلام يقول: إن من شُكرِ العلم أن تقعُدَ مع قوم فيذكرون شيئًا لا تُحسنه، فتتعلمه منهم، ثم تقعد بعد ذلك في موضع آخر، فيذكرون ذلك الشيء الذي تعلَّمتَه، فتقول: واللَّه ما كان عندي شيءٌ، حتَّى سمعت فلانًا (٢) يقول كذا وكذا، فتعلمته. فإذا فعلت ذلك، فقد شكرت العلم (٣). وقد (٤) نقل إمامُ الحرمين في الوصية مِنْ "نهايته" عن تلميذه أبي نصر بن أبي القاسم القُشيري شيئًا، فقال: التاج السُّبكي (٥): إنّه أعظم ما عَظُمَ به أبو نصر، وهو فخارٌ لا يعدِلُه شيء.

стр. 173

وكذا نقل الجمالُ الإسنوي في "مهماته" عن الزين العراقي شيئًا، مع كونه تلميذه، إلى غير ذلك مما بسطتُه في غير هذا المحل، مع ما اتفق لي مع كثيرٍ من شيوخي ونحوهم من هذا النوع، [ولذا رفع اللَّه أعلامهم ودفع بهم عن أول الابتلاء أسقامهم] (١). وصحّ عن سفيان الثَّوريِّ أنه قال ما معناه: نسبة الفائدة إلى مفيدها مِنَ الصِّدق في العلم وشُكره، وأن السكوت عن ذلك مِنَ الكذب في العلم وكُفْره] (٢). ووصل إلى الشام في النصف مِنْ شعبان، فنزل بالمدرسة العادلية الصُّغرى، فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشرة، عقد مجلس الإملاء بجامع بني أُمية، فاستملى عليه برهانُ الدين إبراهيم العجلوني أحد تلامذة ابن ناصر الدين، وأظنُّ أنَّ ذلك بسفارته، وإلا فالرجل ليست فيه هذه الأهلية، أو لعدم اختلاط شيخنا به مشى أمرُه عليه. على أني قد رأيتُه وصفه بصاحبنا، بل كتب مرةً مِنْ أجلي إليه كتابًا وصفه في عوانه بالحافظ. وحضر الإملاء المذكور شيخُ المستملي المشار إليه، وهو الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين شيخ الحديث بالديار الشامية وأكرمه (٣) المُملي غاية الإكرام، حتى قال: يقبُح بنا أن نتكلَّم بحضرتك. ومِنْ قضاة مصر، المالكي، والحنبلي، ومن قضاة الشام: القاضي شهاب الدين ابن الكشك، والقاضي المالكي، والتَّقيَّان: ابن قاضي شهبة فقيه الشام، والحريري، وجمع وافر مِنَ الأعيان والفضلاء والطلبة. وأملى في هذا المجلس "الحديث المسلسل بالأولية"، ثم حديث ابن عباس ﵄ "احفظ اللَّه يحفظك"، ثم حديث ابن مسعود ﵁ "نضر اللَّه أمرأً" والكلام عليهما (٤).

стр. 174

وأقاموا بالشام إلى العشرين منه، ثم رحلوا. وسمع في مدة إقامته بها، لكن في عوده إلى القاهرة [في ثاني عشري ذي الحجة] (١) على المسندة عائشة ابنة إبراهيم بن خليل بن الشَّرائحي أخت الحافظ جمال الدين، "المسلسل بالأولية"، و"منتقى الذهبي من مشيخة الفخر ابن البخاري"، حيث أحضرها إلى عنده صاحبُنا الشيخ نجم الدين عمر بن فهد الهاشمي، بسؤال صاحب الترجمة له في ذلك. وكذا سأله في إحضار أبي الفرج ابن ناظر الصَّاحبة، لكنه ما تيسَّر له حينئذٍ وجودُه، كان مختفيًا مِنْ ديْنٍ عليه خشية طلبه من السلطان. ولما قدمت عائشة على صاحب الترجمة، أكرمها وأجلسها على بساطه الذي يُصلِّي عليه، لكونها مِنْ بيت الحديث. وهكذا كانت طريقته في تواضعه، قدم عليه حينئذٍ أيضًا الشيخ عبد الرحمن أبو شَعَر (٢) فخرج لتلقِّيه مسرعًا إلى باب القاعة. وسمعت عنه أنه كان يقبِّل يد الشهاب الكلوتاتي في بعض الأحايين إذا لقيه، كما سيأتي الإلمامُ بشيء مِنْ ذلك في الباب السابع. وروى هو لأهل الشام "جزء أبي الجهم"، سمعوه عليه بقراءة بن ناصر الدين حافظهم الماضي، وامتنع مِنَ التَّحديث به، إلا إن ساق القارىءُ أيضًا سنده فيه. فأجاب: لكنه اقتصر على بعض شيوخه فيه، ولم يستوعب أدبًا. وكذا سمع على يحيى بن يحيى القِبابي (٣)، وغيره بدمشق في ذي الحجة، وكتب عن ابن عرب شاه الذي كتبت عنه مِنْ نظمه قصيدةً في مدح صاحب الترجمة. وأشياء بالقابون التحْتاني شيئًا مِنْ نظمه.

стр. 175

وتوجَّهُوا إلى حلب، فوصل (١) إلى حماة، فكتب بها عن شاعرها التقى ابن حَجَّة الحنفي أشياء مِنْ نظمه، وعن الشيخ نور الدين علي بن يوسف بن مكتوم الشيباني "جزءًا" فيه عشرة أحاديث من "عشرة الحدَّاد" وغيرها، وكذا عن الشمس محمد بن أحمد بن أبي بكر الحموي ابن الأشقر حديثًا من "البخاري". وإلى حمص، فكتب بها عن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن القوَّاس المخزومي، عن شيخه ابن زَهرة حديثين سمعهما مِنَ النبيِّ ﷺ في المنام، وحكاية عن البِسَاطي بتلِّ السُّلطان. ولمَّا أشرفُوا على حلب تلقَّاهم أهلها، فكان من جملة مَنْ لقِيَ صاحبَ الترجمة: العلامة محب الدين ابن الشِّحنة، فسلم عليه، وهنأه بالسَّلامة، وسأله شيخنا عَنِ الشيخِ الحافظ محدِّث البلاد الحلبية برهان الدين سبط ابن العجمي، فذكر له أنه بخير، فقال له: لم أشدَّ الرحل، ولا استبحت القَصْر إلا للقيِّه. فرحمه اللَّه. ما أوفر ديانته وتواضعه، ورياسته. ودخلوها في خامس شهر رمضان، فنزل شيخُنا عند قاضي الشافعية بها العلامة علاء الدين ابن خطيب الناصرية، فأقاموا بحلبَ خمسةَ عشرَ يومًا، وفي أول يوم منها سمع على البرهان المشارِ إليه "الحديث المسلسل بالأولية" بقراءة برهان الدين البقاعي، ومرَّ في سنده من أسماء شيوخه علي ابن الهبل. قال شيخنا: فراجعتُه، فأصرَّ. ثم وجدته في "ثبته" بخطه كذلك في مواضع، وهو غلط. إنَّما هو حسنُ بن أحمد بن هلال، وكذا وجدته في "ثبته" بخط الياسوفي في الاستدعاء الذي فيه اسم صاحب "الثبت" على الصواب، ووقفت الشيخَ عليه، فرجع وللَّه الحمد. وقرأ صاحب الترجمة بنفسه على المذكور "مشيخة الفخر ابن البخاري" تخريج ابن الظاهري في أربعة مجالس من بعد صلاة العصر في كل يوم إلى

стр. 176

وقت الغروب، آخرها في أواخر ذي القعدة، لكونه لم يكن يروي منها بالسماع غير منتقى منها، بسماع البرهان لها على الصلاح ابن أبي عمر، عنه. والعجب أنَّه لم يكن بحلب من "المشيخة" نسخة، فجهز شيخنا مَنْ أحضرها له مِنْ دمشق، كما اتفق لي في "سنن الدارقطني" أُحضِرَت لأجلي من الشَّام إلى حلب مع بعض السُّعاة. ولما حضرت المشيخةُ، قال للبرهان -كما قرأته بخط والده-: أقرأتها على الصلاح أم سمعتها؟ فقال له في الجواب: ومَنْ كان يقرأ لي؟ قال: ثم كان الوالد يستحيي بعدُ مِنْ هذا الجواب، لما فيه مِنَ الإشعار بالمدح. انتهى. ولم يكن البرهانُ منفردًا -حينئذٍ - برواية الكتاب المذكور، بل كان بالشَّام غيرُ واحدٍ ممّن سمعه على الصلاح ابن أبي عمر أيضًا. وأحضر بعضهم إلى الديار المصرية بعد ذلك، فحدَّث به، وقرأته على بعض أصحاب الصَّلاح [بل واستمر أصحاب الصلاح] (١) حتى كان آخرُهم موتًا في سنة سبعين بعد هذا الأوان بدهر. وسمع على البرهان أشياء غير ذلك. وسمع بعض "عشرة الحداد" على شيخنا بالإجازة القاضي أبي جعفر ابن الضياء، والشهاب أحمد بن إبراهيم بن العديم، وكتب عن القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية السابق، وغير واحد أشياء من نظمٍ وغيره. وهكذا كان دأبُه عدمُ التَّحاشي عن التقاط الفائدة والسماع مِمَّن هو أعلى سندًا منه، ولو كان دُونَه في المرتبة، على جاري عادة الأئمة، لا يصدُّه عن ذلك علُوُّ منصبه، بل يتظاهر بفعله، مع إمكان خلاف ذلك. اتفق أنه أحضر خاتمة المسندين الشهابَ أحمد بن أبي بكر الواسطي، وكان يجلس عند الأميين لمجلس إملائه الحافل بالبيبرسية، فسمع هو وولده والجماعة عليه، وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وثمانمائة، وكذا

стр. 177

استدعى بالمعمر الفخر عثمان بن أحمد بن عثمان الدَّنديلي، فسمع هو وابنه والجماعة عليه جزءًا في ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين، وقرأ بعد ذلك على تِجار ابنة محمد بن مسلم البالسي جزءًا، وسمعه بقراءته سبطه. وكذا استدعى الشيخ يونس الواحي بالمقياس مِنَ الرَّوضة، وأمر بعض طلبته باستصحاب شيءٍ من مروياته، فقُرىء عليه بحضرة جَمْع. لكني ما تحقَّقتُ كونَه فيهم. نعم، رأيته نقل عنه أنَّه سمعه يقول: تركُ العادة عداوة مستفادة. وهو مرويٌّ لنا مِنْ طريق أبي (١) إبراهيم المزني، قال: سمعت محمد بن أبي الليث يقول: قطع العادة عداوة مستفادة. وكتب عن شيخنا قاضي الحنفية سعد الدين ابن الديري بظاهر شبرا في سنة إحدى وأربعين أشياء من نظمه، سمعته مِنْ ناظمه بعدُ. وكذا كتب عن القيّم محمد الفالاتي عمّ صاحبنا أحد جماعته قطعةً مِنْ عمله، أثبتها بخطه في "تذكرته"، سمعناها من ناظمها أيضًا، وكذا عن مُعلِّمي ومعلم والدي الشيخ شمس الدين السعودي جارنا ماجريَّةً، إلى غير ذلك مما لو سردته لطال، مع تعذُّرِ استقصائه. رحمةُ اللَّه عليهم أجمعين. ورأيت بخطه: سمعتُ بعض "الصحيح" من أواخره في كتاب التوحيد مِنْ لفظ علاء الدين علي ابن الخطيب عفيف الدين عبد المحسن الدواليبي بن الخراط، وذكر أنه سمعه على والده، وعلى الشمس الكرماني، وأنه سمع "مسند أحمد" على والده، بسماعه له على جده محمد بن عبد المحسن، وساق شيخُنا السند بخطه، وهو عندي في "المجموع السابع والتسعين". قال: قطعًا (٢)، وأفاد أنَّ ابنَ المُذْهِب فاته على القطيعي مسند عوف بن مالك، ومسند فضالة بن عُبيد، وخمسة وثلاثون (٣) حديثًا مِنْ مسند جابر وعيّنها، وأن القطيعيَّ فاته على عبد اللَّه ابن الإمام وبيَّض. انتهى.

стр. 178

وابن الدواليبي هذا ضعيف كما سيأتي الإشارة إلى ذلك مِنْ كلام صاحب الترجمة عند إيراد القصائد التي امتدح بها. وقد لقيتُه وأخذت عنه، سامحه اللَّه وإيانا. وحدث [صاحب الترجمة] (١) بحلب هو والبرهان الحلبي معًا باشياء، مِنْ ذلك: كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" للرامهُرْمُزي قرأه عليهما البقاعي. ونَظَمَ القارىءُ إسنادهما، وزعم -جريًا على عادته فيما يصدُر عنه- أنه لم يُسبَقْ لذلك، كما سمعته من لفظه. وقد سُبِقَ لذلك حتى مِنْ شيخه بقوله: زاهد العصر شهاب الدين (٢) ابن رسلان ﵀. وكذا الشمس ابن الجزري وغيرهما. وأملى بمحراب الحنابلة مِنَ الجامع الكبير بها مجلسًا في يوم الثلاثاء خامس عشر رمضان افتتحه "بالحديث المسلسل بالأولية"، حديث الرحمة، وأنشد بعض الحاضرين: يا رحمةَ اللَّه للمُمْلي بجامعنا ... حديثَ أشرف خلق اللَّه في القدمِ دومي عليه برضوانٍ ومغفرة ... على الدَّوام كمُزنٍ هلَّ بالدِّيَمِ ورحلوا (٣) مع السلطان والعسكر إلى الجسر المعَدّ على الفرات بعد أن استؤذن لكلٍّ مِنَ المالكي والحنبلي في الإقامة بحلب، لعجزهما حسًّا ومعنى، فأذن لهما. بل وأرفد كل واحدٍ منهما بثلاثمائة دينار. كل ذلك بسفارة [المهتار علي] (٤) الزيبق. وسمع شيخُنا بظاهر البيرة مِنْ لفظ القاضي كمال الدين محمد ابن القاضي ناصر الدين محمد ابن البارزي صاحب ديوان الإنشاء في يوم السبت

стр. 179

سادس عشري (١) رمضان "قصيدة الأديب شيخ علي" التي امتدح بها البدر ابن الشهاب محمود، وهي مشهورة، كان الكمال سمِعَها مِنْ ناظمها، وكان صاحب الترجمة أيضًا سمعها قبل ذلك مِنَ القاضي ناصر الدين والد الكمال المذكور، وأولها: ألا يا نسمة الرِّيحِ ... قفي أُبديك تبريحي قفي أسألكِ عَنْ قلبي ... وإنْ شئتِ أقُلْ رُوحي قال: وهي طويلة، وقَعَتْ له فيها أشياء مستحسنة، فعرضها الممدوحُ على الشيخ أبي بكر المنجم، فقرَّضَها بأبيات في قافيتها ووزنها، ومدح في آخرها الممدوح المذكور، وأرسلها إليه، فشرع شيخ علي ينتقد فيها أبياتًا يدعي على (٢) المنجم فيها الخطأ، فبلغ ذلك المنجم، فناقض القصيدة الأولى بقصيدة مُجونٍ على طريق ابن الحجاج، أجاد فيها إلى الغاية، أولها: ضُراطُ البغلِ في الرِّيحِ ... على فرش مِنَ الشِّيحِ وأذن السلطان لشيخنا في الرجوع، فرجع مع البدر العنتابي إلى بلده عين تاب، فصلَّيا عيد الفطر بها، وكان يوم الخميس. وسمع عليه بظاهرها -قال-: بقراءة رفيقنا -يعني في السفر- ناصر الدين محمد ابن المرحوم شهاب الدين ابن المهندس ثلاثة أحاديث، أحدها من "مسند أحمد"، والآخران من "صحيح مسلم". ثم توجَّها إلى حلب، فدخلاها يوم السبت ثالت شوال، فأقاما بها. وعقد مجلس الإملاء أيضًا في ثالث عشر شوال، فحضره أعيانُ الحلبيين، ومنهم: الشيخ برهان الدين المذكور قبلُ، والعلامة البدر ابن سلامة، وأعيان المصريين، ومنهم: رفيقُه القاضي الحنفي. وقرأ الشمس ابن خليل بجوقته المُطربة، وفُرِّقت الرَّبعة، واستمر يُملِي (٣) بها كلَّ يوم ثُلاثاء حتى أكمل ستة مجالس غير الأول. وكان انتهاء إملائه فيها في

стр. 180

يوم الثلاثاء تاسع عشري (١) ذي القعدة، وكان المستملي عليه في كلِّها تلميذه ورفيقه في السفر القاضي العلامة نور الدين ابن سالم المارديني، لكونه (٢) لم يكن معه أجلَّ منه عنده، ولا أحبَّ، مع ما هو متَّصِفٌ به مِنَ اللّين والرفق والتواضع وعدم الدعوى وغيرها. ورحل منها في غضون ذلك إلى جبرين -قرية مشهورة بشرقِيِّها- فقُرىء بها عليه وعلى القاضي علاء الدين ابن خطيب النَّاصرية كتاب "الأربعين" لابن المجبِّر في يوم السبت سبع عشر شوال (٣) روياها معًا عن علي بن إبراهيم بن علي بن يعقوب بن محمد بن صقر الحلبي، فبالسمع: القاضي علاء الدين، وبالإجازة: صاحب الترجمة. لكنه روى لهم أحاديثها مِنَ الأماكن المخرَّج منها بعلُوّ مِنْ حفظه، حتى تعجَّبَ الجماعة. قلت: وهذا القدر سهلٌ بالنِّسبةِ لعلي مقامه. وقد كنت أسأله عن أسانيدَ، فيكتبها لي بخطِّه مِنْ حفظه. وبلغني أن الظاهر جقمق أمرَ القاضي وفي الدين السفطي بإسماع عدَّةٍ مِنْ كتب الحديث بالجامع الأزهر، ففعل ذلك، وأمر بإخفاء يوم الختم عَن صاحب الترجمة، خوفًا مِنْ أن يكون هو صاحبَ المجلس، فاتفق أنه علم، فحضر وبقي كلَّما أخذ القارىء -وهو الحاكي لي ذلك -كتابًا يسرُدُ شيخنا سَنده مِنْ حفظه، حتى خُتِمَتِ الكتُبُ كلُّها، فتعجب النَّاسُ، وكاد السفطي -رحمهما اللَّه- أن يُقدَّ غبنًا. والمقام وراء هذا كله. ومِنَ النُّكت التي عملها مع السفطي أيضًا، وانزعج لذلك، أنَّ شيخنا كان يقدِّمُه في كثير مِنَ المواطن للإمامة لجهورية صوته وفصاحته، وحُسّنِ تلاوته، ومحبَّته لذلك. فاتفق أن السفطي جاء ليعوده مِنْ رمدٍ أصابه، وصاحب الترجمة إذ ذاك متغيِّرُ الخاطر منه. وحضرت صلاةُ المغرب، فتقدم
следующие страницы →